ونحر جزورا فأطعمها الناس، فقال له رسول الله ﷺ : «يا طلحة أنت الفياض».
وحدثني عبد الواحد بن غياث البصري، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ داود بن أبي هند عن محمد بن عباد المخزومي أن قريشا قالت قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد وليه ليأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في قومه أو قال في القوم فقال: يا أبا بكر قم. فقال أبو بكر: إلى أي شيء تدعوني؟ قال: أدعوك إلى اللات والعزى فقال أبو بكر:
وما اللات والعزى؟ قال: بنات الله. قال: فمن أبوهما؟ فسكت طلحة فلم يجبه وقال لأصحابه: أجيبوه فأسكت (١) القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٢).
وذكر الواقدي في إسناده: لما ارتحل رسول الله ﷺ من الخرار (٣) في هجرته إلى المدينة لقيه من غد ذلك اليوم طلحة بن عبيد الله جائيا من الشام في عير فكسا رسول الله ﷺ وأبا بكر من ثياب الشام، فخبّر رسول الله ﷺ باستبطاء أهل المدينة لقدومه وتوقعهم إيّاه، فعجل رسول الله ﷺ بالسّير وأغذّه، ومضى طلحة إلى مكة فقضى حوائجه، ثم خرج بعد ذلك مع آل أبي بكر، وهو الذي قدم بهم إلى المدينة فنزل على سعد بن زرارة، وآخى
стр. 3992
رسول الله ﷺ بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وآخى بينه وبين أبيّ بن كعب (١).
وقال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ طلحة وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان (٢) خبر عير قريش التي كان القتال بسببها يوم بدر، فقدما المدينة في اليوم الذي كانت فيه الوقعة، وخرجا يريدان رسول الله ﷺ ، ولقياه وهو منحدر من بدر يريد المدينة، ولم يحضرا بدرا، فأسهم لهما رسول الله ﷺ ، وأسهم لعثمان بن عفان، وكان قد تخلف على رقية بنت رسول الله ﷺ .
وقال الواقدي: شهد طلحة وقعة أحد مع رسول الله ﷺ ، فثبت مع من ثبت من الناس حين ولى المسلمون، وبايعه على الموت، فرمى مالك بن زهير الجشمي رسول الله ﷺ ، فاتقاه طلحة بيده، فأصاب السهم خنصره فشلت، فقال حين أصابته الرمية: حسّ. فقال رسول الله ﷺ : «لو قال بسم الله لدخل الجنة والناس ينظرون إليه». قال: ويقال إن الذي رمى النبي ﷺ حبّان بن العرقة، وأصابت رأس طلحة يومئذ المصلبة (٣) ضربه رجل من المشركين ضربتين وهو مقبل، وأخرى وهو معرض فنزف منهما، وكان ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير، من ولد محارب بن فهر يقول:
أنا ضربته يومئذ، وشهد طلحة الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وأسلم ضرار يوم الفتح ومات بالشام غازيا.
стр. 3993
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا هشيم بن بشير، أخبرني ابراهيم بن عبد الرحمن مولى آل طلحة قال: سمعت ابراهيم بن طلحة قال: لما أصيبت إصبع طلحة يوم أحد قال: حسّ، فقال له النبي ﷺ : «لو كنت قلت بسم الله لرأيت بيتا يبنى لك في الجنة وأنت في الدنيا».
وقال الكلبي وغيره: أصاب طلحة بن عبيد الله يوم أحد سهم رمى به حبّان بن العرقة النبي ﷺ ، فتلقاه طلحة بيده فقطع اصبعه الخنصر فجفّ عصبه.
قال ابن الكلبي: وابن العرقة: حبّان بن أبي قيس بن علقمة بن عبد بن عبد مناف من بني معيص بن عامر بن لؤي، والعرقة: قلابة بنت سعيد بن سهم، وهي أم عبد بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص، نسبوا إليها، وحبّان هو الذي رمى سعد بن معاذ الأنصاري يوم الخندق وقال: خذها وانا ابن العرقة، فقال النبي ﷺ :
«عرّق الله وجهك في النار»، وسميت العرقة لطيب ريح عرقها.
وحدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال: أصيب أنف رسول الله ﷺ ورباعيته يوم أحد، ووقاه طلحة بن عبيد الله بيده، فضربت فشلّت اصبعه.
حدثنا عمرو، ثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت أصبعي طلحة من اليد التي وقى بها النبي ﷺ وقد شلتا.
وروي أن أبيّ بن خلف شدّ على رسول الله ﷺ يوم أحد بحربة، فتلقاها طلحة بيده.
стр. 3994
حدثني محمد بن سعد، أنبأ سعيد بن منصور، ثنا صالح بن موسى عن معاوية بن أبي إسحاق عن عائشة، وأم إسحاق ابنتي طلحة قالتا: جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة، ووقعت منها في رأسه شجّة مربعة، وقطع نسأه وشلت إصبعه، وكان سائر جراحه في جسده (١).
وحدثني أبو موسى إسحاق الفروي، ثنا عبد الله بن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: جرح طلحة سبعا وثلاثين جراحة، وشلّت اصبعه التي تلي الإبهام.
حدثني الحسين بن علي الأسود العجلي، ثنا يحيى بن آدم، أنبأ عبد الله بن المبارك، حدثني محمد بن إسحاق بن يحيى بن عباد عن أبيه عن جده عن الزبير قال: سمعت النبي ﷺ يقول يوم أحد: «أوجب طلحة».
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي وبكر بن الهيثم قالا: ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة.
قال الواقدي: كان طلحة رجلا آدم كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا السبط، حسن الوجه دقيق العرنين، إذا مشى أسرع وكان لا يغير شعره.
حدثني وهب بن بقية ومحمد بن خالد بن عبد الله الطحان قالا: ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد - امرأة عبد الله بن عمرو، أو عن أسلم - أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة
стр. 3995
ثوبين ممشقين فقال: ما هذا يا طلحة؟ قال: يا أمير المؤمنين إنه مصبوغ بمدر (١). فقال: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، ولو رآك جاهل لقال على طلحة ثياب مصبغة، أو قال لو رآك جاهل لقال طلحة يلبس الثياب المصبغة وهو محرم، إن أحسن ما يلبس المحرم البياض، فلا تلبسوا على الناس.
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ عمرو بن عفان مولى آل طلحة عن أبي جعفر قال: كان طلحة يلبس المعصفرات، أو قال المصبغات.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن إسرائيل عن عمران بن موسى بن طلحة عن أبيه أن طلحة قتل يوم الجمل وعليه خاتم من ذهب.
وحدثنا أبو بكر، ثنا نعيم، ثنا قيس بن الربيع عن عمران عن أبيه قال: كان في يد طلحة خاتم من ذهب فيه ياقوتة حمراء فنزعها وجعل مكانها جزعة فأصيب يوم الجمل وهو عليه.
حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والكلبي قالا: قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : لو قد توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة فأنزل الله : «وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ (٢).
وقال معمر، قال الكلبي والزهري: هو طلحة بن عبيد الله.
стр. 3996
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا سلمة بن سليمان، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جدّه عن الزبير قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم أحد يقول: «أوجب طلحة».
حدثني محمد بن سعد مولى بني هاشم، ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أنبأ سفيان بن عيينة عن أشياخهم قالوا: كانت غلّة طلحة بن عبيد الله في كل يوم ألف واف، وفي رواية وزن كل درهم درهم وثلث وأقل وأكثر (١).
حدثني أبو بكر الأعين، ثنا روح بن عبادة، ثنا هشام عن الحسن أن طلحة باع أرضا له من عثمان بن عفان بسبعمائة ألف فحملها إليه، فلما أتي بها قال: إن رجلا تبيت هذه عنده في بيته ولا يدري ما يطرقه من أمر لغرير بالله، فبات ورسله تختلف بها في سكك المدينة حتى أسحر وما عنده منها درهم.
حدثنا علي بن عبد الله المديني، ثنا سفيان بن عينية عن مجالد عن عامر عن قبيصة بن جابر قال: ما رأيت أحدا أعطى لجزيل من المال عن غير مسألة من طلحة بن عبيد الله.
وعن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان طلحة يغلّ بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغلّ بالشراة عشرة آلاف دينار وأقل وأكثر، وكانت له بالأعراض غلات، وكان لا يدع سائلا من بني تيم إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله، وكان يزوج أياماهم، ويخدم من لا خادم له منهم، ويقضي دين غارمهم، ولقد كان يبعث إلى عائشة إذا جاءته غلته بعشرة آلاف.
стр. 3997
وقال الواقدي: حدثني إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة أن معاوية قال له: كم ترك أبو محمد ﵀ من العين؟ قال: قلت: ترك ألفي ألف ومائتي ألف دينار وكان ماله قد اغتيل كان يدخل نصابه كل سنة من العراق أربعمائة ألف سوى غلاته من الشراة وغيرها على عشرين ناضحا، وإنه لأول من زرع القمح بقناة (١) فقال معاوية: عاش حميدا سخيا شريفا وقتل فقيدا.
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، أو هشام بن عمار، ثنا حاتم بن اسماعيل عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: صحبت طلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، والمقداد، وعبد الرحمن بن عوف، فما سمعت أحدا منهم حدث عن رسول الله ﷺ إلا أني سمعت طلحة يحدث بحديثه يوم أحد.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة عن محمد بن زيد بن مهاجر عن ابراهيم بن محمد بن طلحة قال: كانت قيمة ما ترك طلحة من العقار والأموال، وما ترك من الناض ألف ألف درهم، وترك من الناض ألفي ألف درهم ومائتي ألف دينار، والباقي عروض.
قال الواقدي: وحدثني إسحاق بن يحيى عن جدته سعدى أم يحيى قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف درهم ومائتي ألف درهم، وقوّمت عقاراته بثلاثين ألف ألف درهم.
حدثنا الوليد بن صالح ومحمد بن سعد قالا: ثنا الواقدي عن ابن أبي سبرة عن الوالبي عن السائب بن يزيد قال: صحبت طلحة بن عبيد الله في
стр. 3998
السفر والحضر، فلم أجد أحدا أعمّ سخاء منه على الدرهم والدينار والثوب والطعام (١).
قالوا: وكان طلحة شديدا على عثمان فلما كان يوم الجمل قال: إنّا داهنّا في أمر عثمان فلا نجد اليوم شيئا أفضل من ان نبذل له دماءنا اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى.
حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي، حدثني أبو اسامة عن اسماعيل بن حكيم الأحمسي قال: قال طلحة يوم الجمل: إنّا داهنّا في أمر عثمان فلا نجد اليوم شيئا أفضل من بذل دمائنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد ومحمد بن سعد قالا: ثنا روح بن عبادة عن ابن عون عن نافع قال: رأى مروان فرجة في درع طلحة يوم الجمل فرماه بسهم فقتله (٢).
حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر، ثنا وكيع عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: قال مروان بن الحكم يوم الجمل:
لا أطلب أحدا بثاري في عثمان بعد اليوم، فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته فكان الدم يسيل، فإذا أمسكوا ركبته انتفخت، فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله، اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى.
حدثني عمرو بن محمد ومحمد بن سعد قالا: ثنا روح بن عبادة عن
стр. 3999
سعيد بن قتادة قال: رمي طلحة فاعتنق فرسه، فركض حتى مات في بني تميم، فقال: تالله ما رأيت مصرع شيخ أضيع (١).
حدثني أبو بكر الأعين، ثنا روح بن عبادة عن عوف الاعرابي أن مروان رمى طلحة يوم الجمل وهو واقف إلى جنب عائشة فأصاب ساقه وقال: والله لا أطلب قاتل عثمان بعدك أبدا، فقال طلحة لمولى له: القني مكانا فقال:
ما أدري أين ألقيك، فقال طلحة: هذا والله سهم أرسله الله، اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى ثم وسّد حجرا فمات.
المدائني عن الهذلي عن الحسن قال: أصاب ثغرة نحر طلحة يوم الجمل سهم فجعل يقول: ما رأيت مصرع شيخ أضيع.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة بن الحكم قال:
قال عبد الملك بن مروان: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه هو قتل طلحة ما تركت من ولد طلحة أحدا إلا قتلته بعثمان، فهو كان أشد الناس عليه حتى قتل.
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن زيد، ثنا قرة بن خالد، أنبأ محمد بن سيرين أن مروان رمى طلحة لما جال الناس يوم الجمل بسهم فأصابه فقتله.
قال أبو مخنف في روايته: أحيط بطلحة يوم الجمل فجعل يقول: اللهم اعط عثمان مني حتى يرضى، ومروان يقاتل معه فلما رأى مروان الناس قد انهزموا، قال: والله لا أطلب ثأري بعثمان بعد اليوم أبدا فما كنت إليه أقرب مني الساعة، فانتحى لطلحة بسهم فأصاب به ساقه فأثخنه، وأتى طلحة مولى له
стр. 4000
ببغلة فركبها وجعل يقول لمولاه: أما من موضع أقدر على النزول فيه؟ فيقول: لا، قد لحقك القوم فيقول: ما رأيت مصرع شيخ أضيع، ثم صار في دار من دور بني سعد فمات بها ودفن.
حدثني الحسين بن علي الأسود، أنبأ حماد بن أسامة عن اسماعيل بن قيس قال: رمى مروان طلحة بسهم فأصابه في ركبته فمات، فدفنوه على شاطئ الكلاّء (١) فرأى بعض أهله أنه قال: ألا تزيحوني من هذا الماء، فإني قد غرقت، فنبشوه من قبره، وهو أخضر كأنه السلق ونزفوا عنه الماء، ثم استخرجوه فإذا ما على الأرض من لحمه ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا دارا من دور آل أبي بكرة فدفنوه فيها.
قالوا: وكان يوم الجمل يوم الخميس لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وكان طلحة يوم قتل ابن اربع وستين سنة، ويقال ابن اثنتين وستين.
وقال أبو اليقظان وغيره من البصريين: دفن طلحة عند قنطرة قرّة بالبصرة، فرأت عائشة بنت طلحة بعد ثلاثين سنة أنه يشكو النزّ، فأمرت فاستخرج فوجد طريا، وتولى استخراجه عبد الرحمن بن سلامة التميمي، فدفن بالهجريين، وقبره هناك معروف.
حدثني محمد بن سعد وأبو بكر الأعين، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا أبان بن عبد الله عن نعيم بن أبي هند عن ربعي بن حراش قال: إني لعند علي بن أبي طالب جالس إذ جاء ابن لطلحة فسلم فرحب به علي فقال:
стр. 4001
أترحب بي يا أمير المؤمنين وقد قاتلت أبي - وقال محمد بن سعد: وقد قتلت والدي، وأخذت مالي؟ - فقال: أما مالك فهو معزول في بيت المال فاغد فخذه، وأما قولك قاتلت أبي فإني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (١) فقال رجل من همدان - قال أبو بكر الأعين: قال أبو نعيم: أحسبه الحارث الأعور - أعوذ بالله، الله أعدل من ذلك، قال: فصاح عليّ صيحة كاد يتداعى لها القصر، فقال: من أولئك، إذا لم نكن أولئك؟!.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو معاوية الضرير، أنبأ أبو مالك الأشجعي عن أبي حبيبة مولى طلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي بعد يوم الجمل فرحّب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قالوا قال: ﴿إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ (٢)، ورجلان جالسان على ناحية البساط فقالا: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونوا إخوانا في الجنة؟ فقال علي ﵇: قوما إلى أبعد أرض وأسحقها، فمن هم إذا لم أكن أنا وطلحة، ثم قال لعمران: كيف أهلك من بقي من أمهات ولد أبيك؟ أما إنا لم نقبض أرضيكم هذه السنين - أو قال هذه السنتين - ونحن نريد أن نأخذها إن قبضناها مخافة أن يختطفها - أو قال ينهبها - الناس. يا فلان اذهب معه إلى ابن قرظة فمره فليدفع إليه أرضه وغلتها لهذه السنتين - أو قال:
السنين شك أحمد بن ابراهيم - يا بن أخي ائتنا في الحاجة إن كانت لك.
قال الواقدي: توفيت الصعبة أم طلحة على عهد رسول الله ﷺ ، واخبرني بعض آل طلحة أنها أسلمت.
стр. 4002
ومنهم عثمان بن عبيد الله أخو طلحة،
كان له قدر في الجاهلية، وهو الذي أخذ أبا بكر وطلحة فقرنهما في حبل في بعض الرواية.
ومن ولده محمد بن عثمان،
يقال له: ابن الطويل، ويكنى أبا عبد الله، مات سنة ثمانين لم تبعد سنه.
ومنهم مالك بن عبيد الله، أخو طلحة،
قتل يوم بدر كافرا، وله عقب بالمدينة.
وولد لطلحة بن عبيد الله:
محمد السجّاد وبه كان يكنى، وعمران وأمهما حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، زوج رسول الله ﷺ ، وأمهما أميمة بنت عبد المطلب.
وموسى بن طلحة، وأمه خولة بنت القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس التميمي.
ويعقوب بن طلحة، وزكريا، واسماعيل، وعائشة أمهم أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق.
وعيسى، ويحيى، أمهما سعدى بنت عوف بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري.
وأم إسحاق بنت طلحة، تزوجها الحسن بن علي، فولدت له طلحة، وتوفي عنها فخلف عليها الحسين ﵇، فولدت له فاطمة، وأمها أم الحارث بنت قسامه من طيّ.
والصعبة بنت طلحة لأم ولد، ومريم لأم ولد.
وإسحاق أمه أم أبان بنت عتبة بن ربيعة.
وصالح بن طلحة أمه تغلبية، ولا عقب له.
стр. 4003
فأما محمد بن طلحة
فكان كثير الصلاة، يعرف بالسّجاد، وقتل يوم الجمل مع أبيه، وقال الهيثم بن عدي: كان يكنى أبا القاسم، وقال الواقدي كان يكنى أبا سليمان.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي أنبأ محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن محمد بن طلحة عن محمد بن زيد بن مهاجر عن ابراهيم بن محمد بن طلحة قال: لما ولدت حمنة بنت جحش محمد بن طلحة جاءت به إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: سمّه يا رسول الله، فقال: «اسميه محمد وكنيته أبو إسحاق، لا أجمع له اسمي وكنيتي» (١).
وقال الواقدي: روى محمد بن طلحة عن عمر، وأمره عمر بالنزول في قبر خالته زينب بنت جحش زوج رسول الله ﷺ .
ولما شهد محمد الجمل مع أبيه، نهى علي بن أبي طالب عنه وقال:
إياكم وصاحب البرنس فقتله شريح بن أوفى العبسي الذي خرج بعد مع الحرورية وقال:
وأشعث قوّام بآيات ربه … قليل الأذى فيما يرى العين مسلم
هتكت له بالرمح حضن قميصه … فخرّ قتيلا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعا … عليا ومن لا يتبع الحق يظلم
يناشدني حاميم والرمح شارع … فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقال حين غشيه بالرمح: أنشدك حاميم، ومر به عليّ ﵇ وهو صريع فقال: هذا السجاد قتله برّه بأبيه.
فولد محمد بن طلحة:
إبراهيم بن محمد
وأمه خوله بنت منظور بنت
стр. 4004
زبان الفزاري، وكان إبراهيم أصلع أعرج، ولاه عبد الله بن الزبير خراج الكوفة، وكان يقال له: أسد الحجاز، وقد ذكرنا خبره بالكوفة فيما تقدم.
وقال الواقدي: روى إبراهيم بن محمد بن طلحة عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومات بالمدينة سنة عشر ومائة، وقال بعض الرواة:
بمكة محرما، والأول أثبت، ولقي هشاما فكلمه كلاما شديدا وقد ذكرنا ذلك في خبر هشام بن عبد الملك، فقال هشام: من زعم أن قومي ذهبوا؟!.
وولد ابراهيم بن محمد:
عمران بن ابراهيم،
وأمه ابنة عمر بن أبي سلمة المخزومي، وموسى بن ابراهيم، ويعقوب بن ابراهيم، وأمهما ابنة اسماعيل بن طلحة، وأمها لبابة بنت عبد الله بن العباس.
فمن ولد عمران بن ابراهيم بن محمد بن طلحة:
محمد بن عمران،
وحفصة بنت عمران، تزوجها القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، فمات عنها، وتزوجها هشام بن عبد الملك، فطلقها فتزوجها محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، ثم طلقها فتزوجها عبد الله بن الحسن بن الحسن، ثم تزوجها عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، ثم تزوجها عثمان بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر، فكانت تسمى ذات الأزواج.
وكان محمد بن عمران بن ابراهيم بن محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله على قضاء المدينة من قبل أبي جعفر أمير المؤمنين، ومات وهو على القضاء بالمدينة، ويكنى أبا سليمان، قضى لبني أمية وبني هاشم، ومات سنة أربع وخمسين ومائة، فقال أبو جعفر المنصور: اليوم استوت قريش. وكان بخيلا.
قال الشاعر فيه:
وإني لأستحيي لتيم لما أرى … بقدرة عمران الطويل من البخل
стр. 4005
وقال آخر:
بنو حسن كانوا مناخ ركابنا … قديما وما كنا ابن عمران نتبع
وولي بعد محمد بن عمران هذا قضاء المدينة ابنه عبد الله بن محمد وهو لأم ولد، ولاه إياه المهدي أمير المؤمنين، وكان سخيا، وولاه الرشيد هارون ابن المهدي أمير المؤمنين مكة.
وأما موسى بن ابراهيم
فمن ولده عبد الله بن موسى بن ابراهيم بن محمد بن طلحة، ولي شرطة المدينة.
وأما عمران بن طلحة بن عبيد الله
فلا عقب له وكانت عنده أم كلثوم بنت الفضل بن العباس.
وأما موسى بن طلحة بن عبيد الله،
فكان من خيار ولد طلحة وذوي القدر والنبل منهم، وتوفي في سنة ثلاث ومائة، ويقال في سنة أربع ومائة.
فولد موسى بن طلحة: محمد بن موسى وأمه ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر، وامرأة أمها أيضا ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، تزوجها عبد الملك بن مروان.
وعمران بن موسى، أمه أم ولد يقال لها جيداء.
وأما محمد بن موسى بن طلحة،
فكان على جيش أهل الكوفة أيام ساروا مع عمر بن عبيد الله بن معمر إلى أبي فديك الخارجي وهو باليمامة.
وكان عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر على أهل البصرة، وكانا يتباريان في الفقه، فقال عبد الله بن شبل البجلي: يفضل عمر بن موسى - ويقال فضل الطلحي - على العمري.
تباري ابن موسى يا بن موسى ولم تكن … يداك جميعا يعدلان له يدا
стр. 4006
تباري امرأ إحدى يديه مفيدة … وأخراهما تبني بناء مشيدا
ويروى: يسرى يديه مفيدة ويمناهما.
ثم وجه عبد الملك: محمد بن موسى إلى شبيب الخارجي فقتله شبيب.
وأما عمران بن موسى بن طلحة
فكان سخيا، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
فإن يك يا جداح عليّ دين … فعمران بن موسى يستدين
تلمّ به الخصاصة ثم يأوي … إلى أبياته كرم ودين
فما يعدمك لا يعدمك منه … نبيذ التمر واللحم السمين
وحدثني محمد بن سعد عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش الهمداني قال: تحول موسى بن طلحة الى الكوفة فنزلها، قال الواقدي: وهلك بها سنة ثلاث ومائة وصلى عليه الصقر بن عبد الله عامل عمر بن هبيرة على الكوفة.
وقال الهيثم بن عدي: مات موسى، وأبو بردة والشعبي في جمعة، ماتوا سنه أربع ومائة (١).
وأما يعقوب بن طلحة فقتل يوم الحرة، وله يقول ابن الزبير الأسدي:
لعمري لقد جاء الكروّس (٢) … كاظما
على خبر للمؤمنين وجيع
стр. 4007
شباب كيعقوب بن طلحة اقفرت … منازلهم من رومة فبقيع
وله عقب.
ومن ولد يعقوب: الخربشت، وسمي الخربشت لأنه كان أحدب واسمه عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن طلحة، ولي شرطة الكوفة.
وأما زكريا بن طلحة فمن ولده: أبو نعرة، وهو القاسم بن محمد بن يحيى بن زكريا بن طلحة، ولي شرطة الكوفة لعيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وفيه يقول الأقيشر:
نضر الله بالسلام وحيا … زكريا بن طلحة الفياض
حين ناديته على نازلات … من جدوب وعثرة واعتراض
(١) في أبيات.
وأما عيسى بن طلحة فكان ناسكا، وهو الذي وفد مع الحجاج إلى عبد الملك، فشكا الحجاج، وقد ذكرنا خبره. ومن ولده: محمد بن عيسى بن طلحة، وكانت فاطمة بنت محمد بن محمد بن عيسى بن طلحة عند أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين، ولدت له سليمان ويعقوب وعيسى.
وقال الواقدي: مات عيسى بن طلحة في زمن عمر بن عبد العزيز بن مروان.
ومن ولده: طلحة بن عيسى بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله الذي يقال فيه:
تتباهى عرفات … بابن عيسى ومناها
стр. 4008
فيقول الركن واها … لك يا طلحة واها
وعلى قطبك يا طلح … ة تطاف رحاها
وأنشدت لمحمد بن عيسى بن طلحة صهر المنصور وكان شاعرا:
فلا تعجل على أحد بظلم … فإنّ الظلم مرتعه وخيم
في أبيات قد كتبناها في خبر المنصور.
وأما يحيى بن طلحة فكان خيرا يروى عنه الفقه، وكان طلحة بن يحيى فقيها. وكان إسحاق بن يحيى بن طلحة فقيها مات في أيام المهدي.
وبلال بن يحيى بن طلحة الذي مدحه الحزين الشاعر فقال:
بلال بن يحيى غرة لا خفى بها … لكل إناس غرة وهلال
وكان بلال يلقب وسخ الظفر.
وأما اسماعيل بن طلحة بن عبيد الله فكان سريا، وكان مصعب بن الزبير وجهه إلى بعض النواحي، وعقد له على أربعمائة وكانت عنده ابنة لعبد الله بن عباس، وكانت عند اسماعيل امرأة من بني حنيفة، فأوصاها عند موته ألا تتزوج أخاه موسى فلما هلك تزوجته.
وأما إسحاق بن طلحة فاستعمله معاوية على خراسان شريكا لسعيد بن عثمان بن عفان في الخراج، فقال ابن مفرّغ:
فيا لهفي على تركي سعيدا … وإسحاق بن طلحة واتّباعي
عبيد الله عبد بني علاج … عبيدا فقع قرقرة بقاع
(١) ومات إسحاق بالري.
ولعبيد الله بن إسحاق بن طلحة، يقول الأقيشر الأسدي:
стр. 4009
إن الأغرّ عبيد الله ليس له … في المشعرين عروق ذات انفاق
اردد علي سلامي غير متّئب (١) … وامنع سلامك مني يا بن إسحاق
ما يذكر الدهر إلا كنت أوله … ولست ألقاك أو يلقاك بي لاق
أخطأت من طلحة الفياض نائله … وما وقاك أدقّ الدقة الواقي
(٢) وله عقب. قال الكلبي: بنو طلحة: محمد السجاد، وعمران بن طلحة، وموسى بن طلحة، ويعقوب بن طلحة، واسماعيل بن طلحة، وإسحاق بن طلحة، وزكريا، ويوسف، ويحيى، وعيسى.
وكانت عائشة بنت طلحة من نبّل نساء قريش تزوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ثم خلف عليها مصعب بن الزبير، ثم عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي من قريش.
قالوا: وشكت عائشة أم المؤمنين عائشة بنت طلحة وعددت ذنوبا لها، وقالت: مات ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن فما فتحت فاها عليه، وكانت عائشة بنت أم كلثوم بنت أبي بكر.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي أن المصعب بن الزبير قال لحبّى المدينية: ابغيني امرأة أتزوجها، فقالت: بأبي أنت وأمي، عائشة بنت طلحة على عظم في أذنيها وقدميها، فقال المصعب: أما الأذنان فيغطيهما الخمار، وأما القدمان فيغطيهما الخفان. فتزوجها، وأصدقها خمسمائة ألف درهم، وأهدى لها خمسمائة ألف درهم، فقال يونس بن أبي أناس الديلي، ويقال ابن همام السلولي:
стр. 4010
أبلغ أمير المؤمنين رسالة … من ناصح ما إن يريد متاعا
بضع الفتاة بألف ألف كامل … وتبيت سادات الجيوش جياعا
فلو أنني الفاروق أخبر بالذي … شاهدته ورأيته لارتاعا
يعني بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير.
المدائني عن سفيان بن عيينه عن مجالد عن الشعبي قال: ركبت مع مصعب يوما، فلما نزل أمرني بالنزول فأخذ بيدي فلم أزل أدخل معه حتى صرت الى بيت قد سدلت ستوره فترك يدي ودخل فبقيت لا أقدر على تقدم ولا تأخر، ثم ناداني من وراء الستر: ادخل يا شعبي، فدخلت فإذا هو وعائشة بنت طلحة على سرير فوالله ما شبهت بوجهها إلا القمر طالعا، فكلمني ثم قال لي: انصرف. وقال: هذه وأنا كما قال القائل:
وما زلت في ليلى لدن طرّ شاربي … إلى اليوم أبدي أحنة وأواحن
وأضمر في ليلى لقومي ضغينة … وتضمر في ليلى عليّ الضغائن
فقالت: والله لا تنصرف إلاّ بجائزة، قال: فأظنه قال: أمر لي بعشرة آلاف درهم، وأمرت لي بمثلها. قال: فلما كان الغد دخلت عليه والناس عنده، وهو على سريره فاستدناني فدنوت حتى ألصقت صدري بالسرير، فقال: أدن فمددت إليه عنقي فقال: كيف رأيت ذلك الإنسان؟ قلت: والله ما رأيت مثله قط فبارك الله للأمير، ثم رجعت إلى مقعدي.
حدثنا الحرمازي عن العتبي، حدثني أبي عن المقدام قال: كانت عائشة بنت طلحة سيئة الخلق تشارّ أزواجها، فغضبت يوما على زوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان أبا عذرها فخرجت تجزع
стр. 4011
المسجد، مسجد رسول الله ﷺ ، فرآها أبو هريرة فقال: سبحان الله، سبحان الله ما أحسن ما غذاك أهلك، ما رأيت أحسن وجها منك.
حدثني العمري عن الهيثم عن صالح بن حسان قال: دخل مصعب على عائشة وهي تمتشط فأنشد:
ما أنس لا أنس منها نظرة عرضت … بالحجر يوم جلتها أم منظور
(١) فقيل له: إن أم منظور حية، وهي من بني عذرة، فدعا بها وقال:
حديثني عن قول جميل وأنشدها هذا البيت وسألها عن حديثها، فقالت:
مشطت رأس بثينة بنت حبا بن ثعلبة العذرية، وجعلت بين ذؤابتين من ذوائبها خلوقا وألبستها وشاحا من بلخ، ثم أقبل جميل على بعيره فرآها بمؤخر عينه حتى مضى.
فقال مصعب: فاصنعي بعائشة مثل ذلك ففعلت، وركب مصعب راحلته وأقبل ينظر إليها بمؤخر عينه حتى توارى عنها، حكاية بجميل والحجر حجر ثمود.
المدائني قال: قيل لعمر بن عبيد الله: ألا ترى سوء خلق عائشة فلو طلقتها استرحت من تعذيبها إياك؟ فقال:
يقولون طلقها وتصبح ثاويا … مقيما عليك الهم أضغاث حالم
وإن فراقي أهل بيت أودّهم … لهم زلفة عندي لإحدى العظائم
المدائني وغيره قالوا: قدم الحارث بن خالد المخزومي على عبد الملك بن مروان، فأقام ببابه ستة أشهر لا يأذن له فانصرف وهو يقول:
تبعتك إذ عيني عليها غشاوة … فلما انجلت قطّعت نفسي ألومها
стр. 4012
فما بي إن أقصيتني من ضراعة … ولا افتقرت نفسي إلى من يسومها
عطفت عليك النفس حتى كأنما … بكفيك بؤسي أولديك نعيمها
ورحل فأرسل إليه عبد الملك فرده وقال: يا حارث ترى على نفسك غضاضة في وقوفك ببابي؟ قال: لا والله ولكن طالت غيبتي وانتشرت ضيعتي، ووجدت فضلا من قول فقلت. فقال: كم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا. قال: فإنما تختار قضاءها عنك أو توليتك مكة، فاختار توليه مكة، فولاه إياها فقدمها وبها عائشة، فأقيمت الصلاة وهي تطوف فأرسلت إليه إني لم أقض طوافي فقام بالناس ينتظر فراغها من الطواف فكتب بذلك إلى عبد الملك فعزله، وقال: إني لم استعملك لتنتظر بالناس طواف عائشة بنت طلحة. قالوا وكان الحارث بن خالد يحب عائشة وكانت تحبه فخطبها الحارث قبل تزوج مصعب إياها فلم تجبه، فقيل لها: أحبك رجل وأحببتيه حينا، ثم خطبك فلم تتزوجيه؟ فقالت: كان فيّ عيب ما يسرني أن لي طلاع الأرض ذهبا، وأنه اطلع عليه، فقيل هو سوء الخلق، وقيل عظم الأذنين والقدمين.
حدثني الحرمازي عن العتبي عن أبيه عن أبي المقدام عن رجل من أهل مكة أنه قدم المدينة فإذا غلمان بيض عليهم ثياب بيض يدعون الناس إلى الغداء، قال: فدخلت فإذا عائشة بنت طلحة على سرير، وإذا الناس يطعمون، فقالت: يا هذا كأنك غريب؟ قلت: نعم. قالت فمن أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، قالت: كيف تركت الأعرابي؟ قلت: من الأعرابي؟ قالت: لا أحسبك تعرفه. اقعد فاطعم، فلما خرجت قيل لي إنما سألتك عن الحارث بن خالد المخزومي، فقال فقدمت مكة فأخبرته فقال:
стр. 4013
من كان يسأل عنا أين منزلنا … فالأقحوانة (١) منا منزل قمن
(٢) إذ نلبس العيش صفوا لا يكدره … طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن
قالوا: وكانت عند عمر بن عبيد الله بن معمر رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعي، وكانت مسنّة، فلما تزوج عائشة بنت طلحة وأشخصها إلى البحرين، وخلف رملة قال الشاعر:
عش بعايش عيشا غير ذي دنق … وانبذ برملة نبذ الجورب الخلق
ولم تلد عائشة إلا لعبد الله بن عبد الرحمن، قال الشاعر لعمر بن عبيد الله بن معمر:
يومان بؤس يوم رملة منهما … ويوم ابنة الفياض طلق وأسعد
وكان تزوج عمر بن عبيد الله عائشة بالكوفة، وقدم بها البصرة، وحملها معه حتى سار إلى أبي فديك وخلف رملة وقال الشاعر:
من يجعل الديباج عدلا للزيق … بين الحواري وبين الصديق
كبكرة مما تباع في السوق
وأم عائشة أم كلثوم بنت أبي بكر، وجعل طلحة حواريا، وكانت عائشة تقول لعمر: أيّ اليومين كان أشد عليك؟ أيوم أبي فديك أم يوم فارقت رملة؟ فيضحك. ويقال إنها قالت له: أيوم أبي فديك كان أشد عليك، أم يوم كنت تزور رملة فترى خلقتها وعظم أنفها؟ ولما مات عمر بن عبيد الله جعلت عائشة بنت طلحة تنوح عليه قائمة، فقيل لها: لم تفعلي هذا بغيره من أزواجك؟ فقالت: فعلت هذا
стр. 4014
لثلاث خلال كنّ فيه، ولم تكن في غيره من أزواجي: كان أقربهم رحما، وكان سيد بني تيم بن مرة، وعزمت أن لا أتزوج أحدا بعده.
وأما مريم بنت طلحة
فتزوجها عنبسة بن سعيد بن العاص، وكان مرّ ببابها فاستسقى فسقته الجارية في إناء مطيب، فتمنى أن يتزوجها فتزوجها.
وأما الصعبة فتزوجها المغيرة بن عبيد الله بن معمر.
ومن بني تيم بن مرة بن كعب:
عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد
ابن مرة،
ويقال لعثمان: شارب الذهب، وذاك أنه دق لؤلؤات فشربهن، ويقال: بل كان يبذل الدنانير في الخمر فقيل إنما يشرب الخمر بالذهب، وقيل كان سخيا فقيل هو يشرب الذهب شربا لكثرة نفقته.
فولد عثمان:
معمر بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وعمير بن عثمان،
وزهرة بن عثمان، وعبد الرحمن بن عثمان،
وكان يقال له: ابن شارب الذهب، وهو الذي قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ في عمرة القضية فسلك فيما بين الصخرتين اللتين في المروة مصعدا فيها.
فولد معمر: معبد بن معمر، وعبيد الله بن معمر، وعثمان بن معمر بن عثمان وكان معبد فيما ذكر أبو اليقظان ممن تولى دفن عثمان بن عفان، وليس يعرف لمعبد عقب.
وأما عمرو بن عثمان بن عمرو فهو من مهاجرة الحبشة، واستشهد يوم القادسية.
وأما عبيد الله بن معمر
فكان يكنى أبا معاذ، وكان عبد الله بن عامر بن كريز حين غزا فارس على مقدمته، فاستقبله أهل اصطخر بمكان يعرف بدامجرد فقتلوه، ودفن في بستان هناك، وكان يدعى الشهيد.
стр. 4015
فولد عبيد الله بن معمر بن عثمان: عمر بن عبيد الله، وموسى بن عبيد الله، وعثمان بن عبيد الله، وأمهم فاطمة بنت الحارث بن أبي طلحة العبدري. وعبيد الله بن عبيد الله بن معمر لأم ولد ويكنى عبيد الله أبا معاذ بكنية أبيه.
ومعاذ بن عبيد الله، وهو ممن حضر دفن عثمان أيضا، وهو جد التيمي عمر بن محمد بن معاذ بن عبيد الله الذي يقول:
من يسامج، من يقاذر … من يقاصر بزياد
هو في الطول كشبر … هو في الشر كعاد
من يبادلني قريبي … ببعيد من إياد
وأما عبيد الله بن عبيد الله
أبو معاذ فولاه ابن الزبير البصرة، ويقال ولى عمر أخاه، فاستخلفه عمر عليها، وحضر قتل مصعب، فلما قتل هرب ثم أو من بعد واستعمله عبد الملك على السوس تقصيرا به فمات بها. فقال الفرزدق:
إن الرزيّة لا رزيّة مثلها … جبل الأباطح مات بالأهواز
(١) وله عقب بالبصرة منهم:
زياد بن عبيد الله بن عبيد الله بن معمر
ويلقب الطويل، وفيه يقول عمر بن محمد التيمي:
من يسامج من يقاذر … من يقاصر بزياد
من يبادلني قريبي … ببعيد من إياد
وأما موسى بن عبيد الله بن معمر فهلك بسجستان غازيا في ولاية عبد
стр. 4016
الرحمن بن سمرة. واستعمل عمر بن عبيد الله بن معمر ابنه عمر بن موسى بن عبيد الله، وأمه خزاعية، وكان جميلا، على جيش بالبصرة، حين غزا أبا فديك الحروري، وهو الذي ذكره عبد الله بن شبل بن معبد البجلي وهو يفضله حين قال: «تباري ابن موسى يا بن موسى»، وقد كتبنا الشعر فيما تقدم من نسب طلحة بن عبيد الله وخرج مع ابن الأشعث ثم انهزم، فقال الفرزدق:
ولو شهد الخيل ابن موسى أمامه … لهاب ولكن ابن موسى تأخرا
(١) وظفر به الحجاج فلما دخل عليه قال له: يا عار قريش. ثم قتله صبرا، وكان عزله بأخيه فطمع بالحياة ثم بدا له فضربت عنقه بين يديه.
وكان لعمر بن موسى ابن يقال له: عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله، ولاه أبو جعفر المنصور قضاء عسكره، وولى الرشيد عمر بن عثمان هذا قضاء البصرة.
وكان حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بفارس فوثب عليه غلمانه فقتلوه.
وكان عبيد الله بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر يلقب، المفتي لأنه أمر يوما لأكارين له بسبع تمرات سبع تمرات.
وأما عمر بن عبيد الله بن معمر،
فكان يكنى أبا حفص، وكان من أجود العرب كفا، ولي البصرة لعبد الله بن الزبير، وولي فارس لمصعب بن الزبير، وولي البحرين لعبد الملك، وقتل أبا فديك الخارجي. قال العجاج:
стр. 4017
هذا أوان الجدّ إذ جدّ عمر … وصرح ابن معمر لمن ذمر
وظهر الحق وأودى من كفر
(١) ومات بالشام بضمير (٢)، وصلى عليه عبد الملك بن مروان، وقعد على قبره فقالت امرأة: يا سيد العرب، تعني عمر بن عبيد الله، فقال لها رجل من أهل الشام: اسكتي. أتقولين هذا وأمير المؤمنين حاضر؟ فقال عبد الملك: دعها فقد صدقت. وقال عبد الملك متمثلا:
ألا ذهب العرف والنائل … ومن كان يعتمد السائل
ومن كان يطمع في سيبه … غنيّ العشيرة والعائل
ثم قام عبد الملك على قبره فقال: رحمك الله أبا حفص فقد كنت لا تحسد غنينا، ولا تحقر فقيرنا. وقال الفرزدق يرثيه:
يا أيها الناس لا تبكوا على أحد … بعد الذي بضمير وافق القدرا
من يقتل الجوع بعد ابن الشهيد ومن … بالسيف يضرب كبش القوم إن عكرا
بكّي هبلت أبا حفص وصاحبه … أبا معاذ إذا المولى به انتصرا (٣)
ومات عمر وهو ابن ستين سنة، وكان سمّي عمر بعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقال الفرزدق:
ألم تريا أن الجواد ابن معمر … له راحتا غيث يفيض مديمها
إذا جاءه السّؤال فاضت عليهم … سماء يديه فاستقل عديمها
نمته بنو تيم بن مرة للعلى … وحاطت حماة من قريش قرومها
стр. 4018
وهم سادة الإسلام والقادة الألى … يقوم على الحكام يوما حلومها
(١) وقال بعض ولد عثمان لبيهس بن صهيب الجرمي: يا أبا المقدام، أمية بن عبد الله أفضل أم عمر بن عبيد الله؟ فقال: عمر والله أجود منه جودا، وأكرم نفسا وأشد بأسا.
قالوا: وكانت للمغيرة بن حبناء التيمي جارية نفيسة كان محبا لها، فاضطر إلى بيعها فجعل يمسك حتى قالت له: لو بعتني فانتفعت واتّسعت بثمني كان أمثل مما أراك.
قال: أفعل والله على كره، فعرضها للبيع فاشتراها عمر بن عبيد الله بن معمر بمائة ألف فقبضها وقال:
لولا قعود الدهر بي عنك لم يكن … يفرّقنا شيء سوى الموت فاعذري
أروح بهم في الفؤاد مبرّح … أناجي به قلبا قليل التّصبّر
عليك سلاما لا زيارة بيننا … ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فلما بلغ عمر الشعر قال: قد شاء ابن معمر، فرد الجارية وسوّغه المال.
وحدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة عن حميد بن سليمان بن قتّة قال: بعث معي عمر بن عبيد الله بألف دينار إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبألف دينار إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر، فقبل ابن عمر ما بعث به، وأخذه بيده وهو في المغتسل وقال: وصلته رحم فقد جاءتنا على حاجة، وأبى القاسم بن محمد أن يقبلها فقالت امرأته: إن لم تقبلها فهاتها.
стр. 4019
قال وكان عمر بن عبيد الله يبعث هذه الثياب المعمرية إلى المدينة فيقسمها بينهم، فقال ابن عمر: جزى الله من أفشى هذه الثياب بالمدينة خيرا.
قال ابن قتّة: وقال لي ابن عمر: بلغني عن صاحبك أنه يعطي المهاجرين ألفا ألفا ويعطي الأنصار سبعمائة سبعمائة فأعلمت عمر قوله فسوّى بينهم.
المدائني قال: ولى عبد الله بن الزبير بعد ببّة عمر بن عبيد الله بن معمر البصرة، وكان سخيا شجاعا ممدحا، وقال المهلب بن أبي صفرة: ما رأيت مثل أحمر قريش في شجاعته، ما لقينا خيلا قط إلا كان في سرعان خيلنا، يعني عمر بن عبيد الله، وقال فيه نصيب:
والله ما يدري امرؤ ذو جناية … ولا جار بيت أي يوميك أجود
أيوم إذا ألفيته ذا يسارة … فأعطاك عفوا منه أو يوم يجهد
وإن حليفيك السماحة والندى … يقيمان بالمعروف ما كنت توجد
(١) وله يقول يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي:
فما كعب بن مامة وابن سعدى … بأكرم منك يا عمر الجوادا
في شعر.
وقال هشام ابن الكلبي: وفد رجل إلى عمر بن عبيد الله، فأقام ببابه شهرا فلم يحل منه بشيء، فقال:
رأيت أبا حفص تجهم مقدمي … ولظ بقول عذرة أو مواربا
فلا تحسبنّي إذ تجهمت مقدمي … أرى ذاك عارا أو أرى الخير ذاهبا
ومثلي إذا ما بلدة لم تؤاته … تنكب عنها واستدام المعاتبا
стр. 4020
فبلغ عمر شعره فدعا به وقال: كم أقمت؟ فقال: ثلاثين يوما.
فأمر له بثلاثين ألفا، وحمله وكساه فقال:
جزى الله خيرا والجزاء بكفّه … عن الزّور يأتيه الكريم ابن معمر
تذمم إذ عاتبته ثم نالني … بما شئت من مال وبرّ محبر
وكان العطاء كالمقام عديده … ألوفا كثيرا بعد عرض موفر
المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال عمر بن عبيد الله بن معمر: أنا بما أعطيت أسرّ مني بما تركت.
فمن ولد عمر بن عبيد الله بن معمر:
طلحة بن عمر
وأمه رملة بنت عبيد الله بن خلف الخزاعي أخت طلحة الطلحات، وكانت ابنته أم عثمان عند عبيد الله بن زياد، وكان ابنه عبيد الله بفارس فقتلته الخوارج من الأزارقة.
قالوا: وكان عبيد الله بن أبي بكرة استخلف عمر بن عبيد الله بن معمر على سجستان، وشخص إلى زياد، فلما قدم وهب له كل شيء كان في بيت المال وكان عمر أتاه زائرا.
قال الأصمعي وأبو عبيدة: البستان الذي تدعوه العامة بستان ابن عامر بقرب مكة، هو بستان ابن معمر.
قالوا: وكانت رملة بنت عبد الله عند عمر بن عبيد الله بن معمر.
فولدت له طلحة بن عمر، وكبرت عنده وكانت تصغر سنها وتجحد كبرها وانقطاع طمثها، فربما تغسلت لتظهر أنها تحيض، فقال عون بن سلامة التيمي:
стр. 4021
جعل الله كل قطرة حوز (١) … خرجت منك في حماليق عيني
ولما مات عمر بن عبيد الله تزوج رملة بعده خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فمات عنها، فلما ماتت رملة أرسل طلحة بن عمر بن عبيد الله ابنها إلى يزيد بن طلحة بن عبد الله بن خلف يطلب ميراثه فكتب إليه يزيد:
بعثت إلي عزرة في بلادي … وقد أنفقت مالك في حرين
(٢) فلا يذهب بك الرحمن حتى … أرى رجليك في خفي حنين
فغضب له عبيد الله بن عبيد الله بن معمر فقال:
إذا ما النادبات ندبن يوما … بحمل غرامة وثقيل دين
فلا تندب لمكرمة ولكن … لحلب معاقر ولكعثبين
(٣) إذا الآباء زانهم بنوهم … فلست لمن نسبت له بزين
وقال واثلة بن خليفة السدوسي يهجو عمر بن عبيد الله، وكان نقله في ولايته فارس من مكان إلى شرّ منه، وكان في جنده هناك:
نبت بك أمّ من ثمالة جانبت … بك القصد واجترّت إليك المخازيا
كفيناكم جلّ الأمور وأنتم … بني معمر لا تعملون العواليا
ولو كنت من خلاّن رملة ضمني … جنابك أو أقررتني بمكانيا
وكانت رملة شفعت لقوم فأقرهم، وكانت أم عمر بن عبيد الله من بني عبد الدار، وأمها أزدية من ثمالة فلذلك قال أم من ثمالة.
стр. 4022
قالوا: وكانت عند طلحة بن عمر بن عبيد الله فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر ذي الجناحين بن أبي طالب، فولدت له ابراهيم بن طلحة، وكان خيّرا نبيلا، ذا جلالة، وكانت فاطمة قبله عند حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكانت بارعة الجمال، فلما احتضر أوصاها بألا تتزوج طلحة بن عمر بن عبيد الله، وأحلفها على ذلك فحلفت ألا تتزوجه بصدقة مالها، وعتق رقيقها، فلما مات حمزة خطبها طلحة وكان جميلا بهيا، فأعلمته ما حلفت به، فضمن لها أن يعطيها إذا تزوجته وحنثت بكل شيء شيئين، فتزوجت به، ووفى لها فأعطاها، عشرين ألف دينار، ومهرها أربعين ألف دينار، فولدت له ابراهيم بن طلحة، ورملة بنت طلحة، فزوج طلحة بن عمر ابنته رملة اسماعيل بن علي بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب على مائة ألف دينار، وكانت فائقة الجمال فقال اسماعيل بن يسار النساء لطلحة بن عمر: أنت أتجر الناس، تزوجت فاطمة بنت القاسم على أربعين ألف دينار، وأعطيتها ليمينها عشرين ألف دينار، فولدت لك إبراهيم، ورملة، فزوجت رملة بمائة ألف دينار وربحت إبراهيم وأربعين ألف دينار، وكان يقال: إذا رأيت ابراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله، وإعظام قريش له ظننت أنهم عبيد له، وكان عظيم الشأن كثير الأتباع، وسقط سوطه فابتدره ثلاثون من أهل بيته حتى أخذه من أخذه منهم، وناوله إياه فوصلهم. وكان كثير الغاشية والأتباع يمر في طريقه إلى المسجد فلا يتجاوزه أحد من قريش وغيرها بل يتزاحمون خلفه، ومات إبراهيم بن طلحة وله ستون سنة، واقتسم ولده ميراثه، فأصاب كل ذكر منهم مال جسيم.
وقال أبو اليقظان: كره الوليد بن عبد الملك تزوج طلحة بن عمر
стр. 4023
فاطمة، وكان همّ بتزوجها، فكتب إلى عامله على المدينة أن يخرجه إلى السوق ويجبره على طلاقها فلم يطلقها.
قالوا: ومات طلحة بن عمر بن عبيد الله، فورث كل ولد له ذكر أربعين ألف دينار.
وأما جعفر بن طلحة
فأنفق ماله في ضيعته التي سماها أم العيال بالفرع (١)، وكان لها قدر عظيم، فأقام بها وأصابه وهو فيها الوباء، فقدم المدينة وقد تغير، فرآه مالك بن أنس الفقيه، فقال:
هذا الذي عمّر ماله وأخرب بدنه، وقد تفرقت تلك الضيعة وصارت فيها شرك، وركب عثمان بن طلحة بن عمر بن عبيد الله دين فأراد الشخوص إلى العراق في أمر دينه، فبلغ ذلك أخاه جعفر فقال: لا بارك الله في مال بعد عثمان أخي فجمع له ألفي دينار فقضى دينه، وأقام بالمدينة.
وكان عبد الرحمن بن طلحة بن عمر من وجوههم، وكان يلي صدقتهم ولاه إياها الرشيد هارون أمير المؤمنين.
وكان محمد بن طلحة بن عمر
من خيار قريش، وأمه أم ولد، وهي أم أخيه عبد الرحمن بن طلحة.
وعثمان بن طلحة،
ولاه المهدي أمير المؤمنين قضاء المدينة فلم يأخذ عليه رزقا، وقال: أكره أن أرتزق فيضريني ذلك على ولاية القضاء، ثم استعفى عثمان المهدي فأعفاه.
وقال الزبيري: تغدى عثمان بن طلحة مع العباس بن محمد بن
стр. 4024
علي بن عبد الله بن العباس ببغداد، فقال له: دلني على براح بنخله أشتريه واعتمله، فقال: هو عندي. قال: بكم هو، قال: بخمسة آلاف دينار فوثق بقوله وأعطاه الثمن على ما قال.
وقالوا: ودعا الحسن بن زيد - إذ كان يلي المدينة - إسحاق بن ابراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله إلى القضاء عليها فأبى ذلك، فحبسه وحلف ألا يخليه أو يلي القضاء، فكلم فيه فدعا به وقال: إنك قد ألححت وقد حلفت فأبرّ يميني ففعل، وأرسل معه حسن جندا حتى جلس في المسجد فجاء رجل من مواليهم فوقف على رأسه فقال:
طلبوا الفقه والمروءة والفض … ل وفيك اجتمعن يا إسحاق
فأمر بتنحيته وأعفاه حسن بن زيد عن القضاء، فلما صار إلى منزله أعطى الذي أنشده البيت خمسين دينارا وقال: استعن بها على أمرك، ويقال انه مولى له يقال له: داود بن سلم.
وقال الزبيري: كان داود بن سلم نبطيا وأمّه مولاتهم فادعى ولاءهم.
وقال أبو اليقظان: وكان عثمان بن عمر بن طلحة بن عبيد الله بن معمر على قضاء المدينة لجعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس.
وقال أبو اليقظان: كان عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر على قضاء المدينة في أيام مروان بن محمد، ثم ولاه المنصور أمير المؤمنين قضاءه، فكان مع المنصور حتى مات بالحيرة قبل تحول المنصور إلى بغداد.
وكان ابنه عمر بن عثمان بن عمر بن موسى من وجوه قريش وبلغائها ولاه الرشيد قضاء البصرة فحج ثم أقام بالمدينة واستعفى فأعفاه الرشيد من
стр. 4025
القضاء، وأقره بالمدينة فلم يزل بها حتى مات، وقيل له: إنك متواضع وينبغي للقاضي أن يكون مهيبا فقال: إنكم إذا وليتم القضاء وضعتموه على رؤوسكم، وأنا أضعه تحت قدمي، وخاصمه بعض القرشيين فقال وقد حمل القرشي عليه: على رسلك فإنك سريع الانفاد، وشيك الانقطاع، ولست والله بمكافئ لي دون أن تبلغ غاية المدى، وأبلغ غاية الإعذار.
قالوا: وكان مع عمر بن عبيد الله بالبصرة أخوه عثمان بن عبيد الله بن معمر فبعثه بفارس لقتال الأزارقة فقتله ابن برز مولى عبد القيس فقال الشاعر:
ونال الشهادة منهم فتى … بدولاب كالقمر الأزهر
طويل النجاد رفيع العماد … كهمّك من ماجد معسر
(١) أطاع الكتاب رجاء الثواب … فقاتل عن دبر المدبر
ليعذره الله والمسلمون … ومعذرة الله للمعذر
وفر الذين أرادوا الفرار … كأنهم خشب العرعر
في أبيات.
ومن ولد عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن
مرة:
عبد الرحمن بن عمير
وأمه سلاّمة (٢)، أم ولد، وإليها ينسبون، وزعم ولدها أن سلامة كانت تخدم النبي ﷺ ، وكان عبد الرحمن هذا المتولى لاستخراج طلحة بن عبيد الله من قبره، وتحويله إلى موضعه اليوم.
стр. 4026
ومنهم: عون بن عبد الرحمن بن عمير بن عثمان
وكان له قدر، وكان صديقا لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فمرض فلم يعده أمية فقال:
إن من غرّه أمية بعدي … مثل من غرّه أجيج السراب
كنت أرجو أن يحفظ العهد مني … فإذا عهده كعهد الغراب
وكان عون هذا خاف الحجاج فهرب منه، وأنشأ يقول:
وددت مخافة الحجاج إني … بكابل في است شيطان رجيم
فأخذ هذا مساور الوراق فقال:
ما زال بي صوت دندان (١) … يؤرقني
والناس من بين مجلود ومحبوس
حتى تمنيت أني من مخافته … بكابل استار حولا في است جاموس
فقيل: لو قلت فوق جاموس، فقال: ذاك أخفى.
وقال الكلبي: كان عبيد الله بن خالد بن عون بن عبد الرحمن بن عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد قائدا من قواد خراسان بمرو فوقعت بين بكر بن وائل وتميم فتنة، بسبب حوانيت ابتناها عبيد الله بن عون أخو خالد بن عون في بعض أفنية بكر بن وائل فهدموها.
وأما زهرة بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم
فولد هشام، ويقال هاشم بن زهرة. كان صريعا، فأمره عمر بن الخطاب أن يصارع رجلا قدم يتحدى الناس بالمصارعة فصرعه هشام، وجلد مروان بن الحكم عبد الله بن هاشم بن زهرة بن عثمان بن عمرو في الخمر ثمانين، ويقال ابن هشام.
ومن بني تيم بن مرة: عبد الله وعمير ابنا جدعان بن عمرو بن
стр. 4027
كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وكلدة ابن جدعان، قتل يوم الفجار.
فأما عمير بن جدعان
فولد: قنفذ بن عمير، أدرك النبي ﷺ ، فكان مؤذيا له فقال أبو طالب فيه وفي عثمان بن عبيد الله:
وإني أرى عثمان أمسى وقنفذا … ومن جمعا من شرّ تلك القبائل
وكان المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان على شرط عثمان بن عفان، وكان عمر جلده وامرأته ثمانين ثمانين في شراب.
وأما عبد الله بن جدعان،
وأمه سعدى بنت عويج، فكان شريفا سيدا في الجاهلية ولما كبر حجر عليه قومه أن يتلف ماله فكان يقول للرجل:
ادن مني ألطمك وطالبني بالقود، فيلطم الرجل فيرضيه قومه عنه من ماله، فقال ابن قيس في ذلك:
والذي إن أشار نحوك لطما … تبع اللطم نائل وعطاء
(١) وكان له ذكر في العرب، فسأل كسرى يوما عن دين العرب، وأمر البيت وقال: إني لأحب أن ألقى من أهل مكة رجلا ذا عقل وفهم فأسائله عن أمورهم، فذكر له قوم من العرب كانوا بحضرته أمر عبد الله بن جدعان، فكتب إلى صاحب اليمامه يأمره بالمسير إلى مكة ليشخص إليه ابن جدعان مكرما، فأشخصه إليه فلما رآه كسرى أعجبته هيئته وعقله ونبله، وكان قد أهدى إليه عصبا يمانيا وأدما فقبل هديته وآنسه فكان يدعو به يسائله وبينهما ترجمان، فإذا قام منصرفا قال: ما ظننت أن في العرب مثل هذا في حلمه وثخانته (٢) وجودة رأيه. وكان يؤاكله، ثم إنه وصله وزوده من ثياب
стр. 4028
العراق وطرائفه وقال له وهو يأكل: هل لك في حاجة تذكرها؟ قال:
نعم، تهب لي هذا الطباخ الذي يتخذ لك هذه الحيسة يعني الفالوذ، فوهب له طباخا، فلما انصرف فقدم مكة أمر باتخاذ الفالوذ فكان يتخذ ويطعمه أهل مكة، فقال أمية بن أبي الصلت الثقفي:
وأبيض من بني عمرو بن كعب … وهم كالمشرفيات الحداد
له داع بمكة مشمعل (١) … وآخر فوق داريه ينادي
إلى ردح من الشيزى (٢) … ملاء
لباب البرّ يلبك بالشهاد
لكل قبيلة ثبج وهاد … وكنت الرأس يقدم كل هادي
فما لاقيت مثلك يا بن سعدى … لمعروف وخير مستفاد
(٣) وأم عبد الله جمحية واسمها سعدى، وقد سمعت في قدومه على كسرى وجها آخر، وهو أن الحارث بن ظالم لما خاف النعمان استجار بزرارة بن عدس ثم التمس أحرز من مكانه عنده، فأتى مكة واستجار بعبد الله بن جدعان، فكره النعمان ومن جمع له أن يأتوا مكة وهي حرم، فكتب النعمان إلى كسرى يعلمه فتك الحارث وشرارته وأنه يسعى بالفساد في عمله، ويسأله أن يكتب إلى صاحب اليمامة في أشخاص الحارث إليه وأخذ من هو عنده به، فلما صار صاحب اليمامة بقرب مكة كره أن يطأها بجيش وانتظر يوما من أيام أسواقهم بعكاظ وغيرها، فلما اجتمعوا فيه لقي ابن جدعان فسأله أن يسلم إليه الحارث بن ظالم فقال: إنه فارقني، فأشخص صاحب
стр. 4029
اليمامة ابن جدعان إلى كسرى، ويقال إن باذام صاحب كسرى باليمن تعبّث بأهل مكة في شيء التمسه منهم، فشخص ابن جدعان في عدة من قريش إلى كسرى يشكونه، فكتب له إلى باذام بما أراد، والله أعلم.
وقال الواقدي في إسناده: كان بنو تيم في حياة ابن جدعان كأهل بيت واحد يقوتهم ابن جدعان، وكان يطعم كل يوم في داره الدهر كله جزورا، فينادي مناديه: من أراد اللحم والشحم فعليه بدار ابن جدعان، ووفد على ملك فارس فقال له: بلغني أنك أعظم العرب مروءة فسلني حوائجك، فسأله طباخا يعمل الفالوذ، فكان يطعمها قريشا.
وكان لرجل من بني جشم بن بكر على رجل من بني كنانة دين، فأعدم الكناني، فأتى إلى الجشمي بقرد فقال: من يشتري هذا القرد بدين الجشمي عليّ، فوثب الجشمي فقتل القرد، فاقتتل بنو كنانة وبنو بكر فأصلح بينهم ابن جدعان، وحمل ذلك الدين.
وكان ابن جدعان يكنى أبا زهير، وفي داره كان اجتماع أهل حلف الفضول حين عقدوه، وقال رسول الله ﷺ يوم بدر: «لو كان أبو زهير أو مطعم بن عدي حيا فاستوهبهم لوهبتهم له».
وسكر ابن جدعان ليلة من الخمر فجعل ليتناول القمر، فأخبر بذلك فترك الشراب وقال:
شربت الخمر حتى قال صحبي … ألست عن الشراب بمستفيق
وحتى ما أوسّد في منام … أبيت به سوى الترب السّحيق
وقال معاوية بن أبي سفيان: إنما تقسم الشرف بعد أبي زهير عبد الله بن جدعان، وكان مقدما عند قريش، ومدح أمية بن جدعان
стр. 4030
فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع … لك الحسب المهذب والسناء
كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء
يباري الريح مكرمة وجودا … إذا ما الكلب أحجره الشتاء
وأرضك أرض مكرمة بناها … بنو تيم وأنت لها سماء
(١) وقال أمية يرثيه في أبيات:
آباؤك الشّم المراجي … ح المساميح الأخاير
علم ابن جدعان بن عم … رو أنّه يوما مدابر
ومسافر سفرا بعي … دا لا يؤوب له المسافر
فقدوره بفنائه للضي … ف مترعة زواخر
زبدا وغرغرة (٢) … كغرغرة الفح
ول إذا تخاطر
وكأنهنّ إذا حمين بما شج … ين به ضرائر
وكأنما يدعى عرينة في … طوائفها وضاطر (٣)
وإذا تشام بروقهم … جادت أكفهم المواطر
لا يحتويهم جانب … نأي المحل ولا مجاور
قوم حصونهم الأس … نّة والأعنّة والبواتر