ويقال إن الربيع بن زياد العبسي قال للقيط: إن كنت صادقا فأوثب فرسك الجرف.
وكانت دختنوس بنت لقيط عند عمرو بن عمرو بن عدس، وكان أبرص شيخا ردئ الفم، فوضع رأسه في حجرها فسال لعابه فتأففت فقال: أتحبين أن أفارقك؟ قالت: نعم. فطلقها فنكحها فتى من بني زرارة جسيم وسيم.
ثم إن بكر بن وائل أغارت على بني دارم فنبهته دختنوس وهي تظن به خيرا، وكانت قبل ذلك تنهبه للصبوح فيقول: لو لغارة أيقظتني. فلما نبهته قالت: الغارة يا فلان. فجعل يحبق ويقول: الغارة الغارة حتى كاد يموت فضربت العرب به المثل فقالت: أجبن من المنزوف ضرطا. وأدركتهم الخيل فأخذت دختنوس فحمل عمرو بن عمرو الأبرص فقتل من القوم ثلاثة، وتخلص دختنوس وانصرف بها وقال:
أيّ زوجيك وجدت خيرا … أالعظيم فيشة وأيرا
أم الذي يأتي العدو سيرا
ثم إنهم أجدبوا فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو لرسولها: قل لها: «الصيف ضيّعت اللبن» (١). فذهبت مثلا.
فلما رجع الرسول بالرسالة إليها أحاطت على منكب زوجها وقالت:
هذا ومذقة خير.
وحدثني أبو عدنان عن أبي زيد عن أبي عمرو بن العلاء قال: عيّر
стр. 4762
زرارة لقيطا بالزهو والخيلاء وقال له: لو كنت نكحت ابنة قيس بن مسعود وأفدت مائة من العصافير ما زدت على ما أنت عليه، فلما دخل الشهر الحرام استتبع رجلا من بني دارم يقال له قراد بن حنيفة فركبا حتى أتيا بني شيبان فوقفا على مجلس بني همام بن مرة فقالا: أنعموا صباحا. فقال القوم:
وأنتما. فقال لقيط: أفيكم قيس بن مسعود؟ فقالوا: هو هذا. فقال قيس: ما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا إليك. فغضب قيس وقال:
ألا كان هذا في السر؟ فقال: ولم يا عم، فوالله إنك لرفعة وما بي قصاة، ولئن ساررتك لا أخدعك وإن عالنتك لا أفضحك. قال: من أنت؟ قال: لقيط بن زرارة. قال: كفؤ كريم أنخ فقد أنكحتك القدور بنت قيس، وبعث قيس إلى أمها إني قد أنكحت ابنتك لقيط بن زرارة ولا يجمل بنا أن يبيت فينا عزبا وله فينا امرأة فمري بالبلق (١) أن يضرب ويصلح ما يحتاج إليه، وجلس لقيط مع القوم فتذاكروا الغزو فقال لقيط: الغزو أحدّ للرماح وأدرّ للقاح، والمقام أحبّ إلى النساء وأسمن للجمال، فأعجب قيسا كلامه، وبعثت أم الجارية بمجمر فيها دخنة وقالت لجاريتها: إن ردّها فما فيه خير، وإن جعلها تحته فما عنده خير، فلما جاءته بالمجمر دخّن شعره من كلا جانبيه ثم رد المجمر، فقالت المرأة: إنه لخليق للخير، فلما أجنّ عليه الليل أدخلت الجارية عليه في البلق فضمها إلى نفسه وطرح عليها خميصته فذهب به النوم، فلما رأته الجارية قد نام قامت وذهبت إلى أهلها فانتبه فلم يرها فقام وركب وصاحبه راحليتهما سرا ومضيا، فقال القوم حين أصبحوا: غدر بك. فقال: كلا إنه لأكرم من أن يغدر. ومضى حتى أتى
стр. 4763
والي الحيرة فأعلمه تزويجه وسأله فأعطاه مائة من الإبل فبعث بها إلى قيس بن مسعود مع قراد وقال: قل له هذا صداق ابنتك، ثم مضى إلى كسرى فأعطاه ديباجا وجوهرا، ثم رجع إلى قومه. وجهز قيس ابنته وحملها إلى لقيط فلم تلد حتى قتل لقيط يوم جبلة، فبعث إليها أبوها يقسم عليها ألا تخمش وجها ولا تحلق، وأمر فحملت إليه فقالت حين استقلت بها ناقتها: نعم الأحماء كنتم فجعل الله مالكم في خياركم، وحبّب بين نسائكم وعادى بين رجالكم، وزوجها أبوها رجلا من قومه فجعلت لا تنسى لقيطا، فقال لها: ما أراك تنسينه؟ فقالت: وكيف أنساه؟ لقد ركب فرسه وأخذ رمحه وخرج يتصيد فعرضت له بقرة فعقرها واشتوى من لحمها، ثم أقبل فقمت إليه فضمني ضمة وشمني شمة فوجدت منها أطيب رائحة، قال:
ففعل زوجها مثل ذلك فضمها إليه ثم قال: كيف ترين؟ قالت: «مرعى ولا كالسعدان وماء ولا كصدّى» (١).
وقال أبو عمرو بن العلاء: كانت أم دختنوس من بني سحيم من بني حنيفة وتزوج دختنوس عمرو بن عمرو، وكان عمرو أبرص أبخر يقال لولده أفواه الكلاب، ثم تزوجها عمير بن معبد بن زرارة، فمات عنها.
وقال الكلبي: ان القذور قالت: أوصيكم بالغرائب شرا، فوالله ما رأيت مثل لقيط لم يحلق عليه شعر، ولم يخمش وجه.
وأما علقمة بن زرارة بن عدس
فكان رئيسا، وغزا بكر بن وائل فقتله
стр. 4764
بنو قيس بن ثعلبة، فجمع لقيط فغزاهم فقتل أشيم أحد بني عوف بن مالك بن قيس بن ثعلبة وقال:
آليت لا آسى على هلك هالك … ولا رزء يوم بعد يومك علقما
فإن يقتلوا منا كريما فاننا … أبأنا به مولى الصعاليك أشيما
جدعنا به أنف اليمامة كلها … وأصبح عرنين اليمامة أكشما (١)
ومن ولد علقمة بن زرارة: المأموم بن شيبان بن علقمة بن زرارة، واسم المأموم حنظلة، وأمه كرشة بن حاجب بن زرارة، والمقعد بن شيبان بن علقمة، وأمه ابنة عمرو بن عمرو بن عدس. ويزيد بن شيبان.
وفيه تقول أمه مهدد، وهي من بني قيس بن ثعلبة:
هلاّ غلام ولدته مهدد … ليس بمأموم ولا هو مقعد
وكان نسابا عالما وكان له قدر وسؤدد.
وفيه يقول أبو شذرة الهجيمي:
لقد مات بالقرعاء من آل دارم … فتى لم يكن في أمره بمؤنب
يزيد بن شيبان بن علقمة الذي … إذا قلت ذاك المصطفى لم أكذّب
وكان يكنى أبا حنظلة، وقتل حنظلة بن شيبان بن علقمة بن زرارة يوم خوّ وهو يوم كان بين هذا البطن فيه وبين بني عبيد بن خزيمة بن زرارة قتال بسبب قتل قيس بن ضرار بن القعقاع بن معبد المقدام بن جحش، ويقال ابن جحوش، وهو أثبت. وقتل سبعة عشر رجلا منهم ابن لمعبد بن القعقاع وقال ابن أصيلة أحد بني عبيد:
وسائلة عن يوم خوّ ولو رأت … مصارعنا لاستعبرت وأرنّت
стр. 4765
قالوا: وسمي حنظلة بن شيبان المأموم لأن ابراهيم بن القعقاع بن معبد ضربه على رأسه فأمّه.
وكان من ولده: عثجل بن المأموم أسرته بكر بن وائل يوم الوقيظ، وهو يوم تجمعت فيه بنو ثعلبة بن عكابة وبنو عجل وعنزة بن أسد بن ربيعة على بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، واقتتلوا فطعن بشر بن العوراء من بني تيم اللات ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة. وبارز عمرو بن قيس العجلي عثجل بن المأموم بن شيبان بن علقمة بن زرارة فأسره، ومنّ عليه ففخر بذلك أبو النجم العجلي (١) وهو الفضل بن قدامة فقال:
وهنّ يرفضن الحصى المزمّلا … بالقاع إذ بارز عمرو عثجلا
فقال جرير لغمامة بنت الطود بن عبيد بن خزيمة بن زرارة بن عدس، وكانت أخذت يومئذ:
أغمام لو شهد الوقيظ فوارسي … ما قيد يعتل عثجل وضرار
وزعموا أن طيسلة العجلي أسر حنظلة المأموم، فاشتراه رجل من بني تيم اللات بمائة بعير، ثم حبسه عنده وقدم به الكوفة ليفاديه وبالكوفة علي بن أبي طالب ﵇ فانتزعه وقال: لا أسار في الإسلام.
وتزوج عبد الله بن عبد الملك بن مروان ابنة معاوية بن يزيد بن شيبان أخي المأموم، وتزوج إليه محمد بن القاسم بن محمد الثقفي.
وكان لقيط بن يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة سيد يقري
стр. 4766
الأضياف، فقال الشاعر صدر بن الأعور (١) من ولد الحارث بن زرارة:
فإنك لم تشهد لقيطا وفعله … وإن أنت أطعمت الأرز مع السمن
يعني لقيط بن يزيد.
وكان عمير بن المأموم محدثا، ولقي الحسين بن علي ﵉، وروى عنه أحاديث.
وأما أبو الحارث بن زرارة
فكان أصغر ولد زرارة وسبى ابنته أمامة الديان الحارثي في الجاهلية، وقال: أتتكم أمامة، وما أمامة، بيضاء كرامة بخدّها علامة خال لها وشامة، فولدت في بني الديان، ولحق عبيدة بن الحارث ببني الحارث بن كعب فكان لقيط بن زرارة ينشده بالموسم فيقول:
يا من أخسّ عندنا عبيدة … وأمه من قيننا تليده
فانصرف من عند بني الحارث إلى حاجب بن زرارة، فسأله فلم يعطه، فأغار على إبل أكثم بن صيفي فذهب منها بإبل كثيرة، فأتى أكثم حاجبا فقال له حاجب: اختر من إبلي عدة إبلك، فاختار ذلك، وانصرف عبيدة إلى بني الحارث، فتزوج امرأة من جرم، فمن ولده شريح بن عامر بن عبد، وهو الأعور، فلما ولي الربيع بن زياد الحارثي خراسان أتاه فولاه بعض أعمال سجستان، فأصاب مالا فتزوج ابنة ضرار بن القعقاع، فولدت له صدر الأعور واسمه بشر، وقال رجل من بني ضبة يهجو صدرا واسمه بشر:
أنخت إلى صدر قلوصي وليتني … نفذت وجاوزت الصدور إلى القفر
стр. 4767
نمت بك للأنساب أم كريمة … حصان ولكن من أخسّ أبا صدر
فإنك لم تشبه لقيطا وفعله … وإن أنت أطعمت الأرز مع التمر
وقال الفرزدق يهجوه، وذلك أن رجلا من البراجم قطع أنف رجل من بني تميم فحملت ديته، فأتى صدرا فلم يعنه فقال:
لحى الله صدرا من منادى إلى التي … بأمثالها ضاقت صدور البراجم
فلو كان صدر دارميا أجابنا … ولكن صدرا ليس من صلب دارم (١)
ومن ولد الحارث بن زرارة: إمرئ القيس ويكنى أبا شوّال وذكره جرير فقال:
أبنو طهيّة يعدلون فوارسي … وفوارسا فيهم أبو شوال (٢)
وجاء الإسلام وعنده ابنة امرأته فرفع ذلك عوف بن القعقاع إلى عمر ﵁، ففرق بينهما.
ومن ولد إمرئ القيس هذا: عبيدة بن الربيع بن إمرئ القيس، وكان اصطحب والفرزدق من القرعاء، فضلّ عبيدة وكان دليل القوم، ثم وقع على الطريق فساق الفرزدق الإبل وارتجز فقال:
يا بن ربيع ما رأيت أحدا … يبقى على الأيام أو مخلدا
كأنما كان عبيدا إذ هدى … بالغور حتى أنجدت وأنجدا
قلائصا إذا علون فدفدا … يرمين بالطرف النجاد الأبعدا
стр. 4768
فإنّهنّ إذ جعلن ثهمدا (١) … ذات اليمين وافترشن الفرقدا (٢)
تفوح منهن نعاما أبدا
وأما خزيمة بن زرارة،
وبه كان يكنى زرارة، وكان أكبر ولد زرارة، وكان شريفا، وكان من ولده عبد الله بن خزيمة، وكان حاجب في غارة فعقر فرس حاجب فعطف عليه وقال: اركب أبا العكرش فأردفه، فقال عبد الله في ذلك:
أتنسى إذ عطفت وأنت تدعو … بذات الرمث إذ سقط اللواء
فإن تكفر ولا تشكر بلائي … فعند الله يلتمس الجزاء
وكان قد وقع بين بني القعقاع بن معبد بن زرارة، وبني عبيد بن خزيمة بن زرارة وإخوته شرّ فاقتتلوا بخوّ، فقتل بينهم قتلى، فقتل المخشّ سيد بني عبيد، فقال شاعر من بني عبيد.
وسائلة عن يوم خوّ ولو رأت … مصارعنا لاستعبرت وأرنّت
هم وردوا ورد الكرام وأنهلوا … صدور القنا بالطعن حتى أسبغلت (٣)
عمرت ونفسي بالمخشّ ضنينة … حذار الردى لو عوفيت حين ضنّت
فلم تلق قعقاع لها في لقائنا … هواها ولا من أمرنا ما تمنّت
وأخذ رجل من بني خزيمة بن زرارة يقال له خزيمة بالمدينة فقدمه مورّق بن قيس بن عوف بن قعقاع إلى يحيى بن الحكم وهو على المدينة، فأقاده له فقال مورق:
стр. 4769
شفى النفس يوم بالبقيع شهدته … على آل طود شرّه متطاول
غداة اجتمعنا عند يحيى أخي التقى … فكان أبو مروان أكرم فاعل
مشى بين أعلى منكبيه ورأسه … طويل نجاد السيف رخو الحمائل
يعني الذي ضرب عنق الرجل. والطود هو ابن عبيد بن خزيمة بن زرارة بن عدس، وكان الطود شريفا.
ومن بني عبيد بن خزيمة: حنظلة بن أصيلة وأمه بنت البياع، وله يقول جرير:
قيس تعدّ لك السليل ومعبدا … وفخرت يا بن أصيل بالبياع (١)
قيس بن ضرار بن معبد بن زرارة والسليل الشيباني، وأم قيس من ولد السليل. وقال الأشهب بن رميلة في يوم خوّ:
فإن الذي مارت (٢) … بخوّ دماؤهم
هم القوم كل القوم يا أم خالد
هم ساعد القوم الذي يتقى به … وما خير كف لا تنوء بساعد
أويت لعبد الله مما أصابها … وغبت ولم تنفع شهادة شاهد
أسود شرى لاقت أسود خفيّة … تساقوا على لوح دماء الأساود
وأما لبيد بن زرارة
فولد: صامت بن لبيد وبقيتهم قليلة.
وأما معبد بن زرارة
فكان يكنى أبا القعقاع وقد رأس، فأسرته بنو عامر بن صعصعة يوم رحرحان، فصيروه بالطائف عند أبي عقيل جد الحجاج، فكان يؤتى به الموسم في كل سنة ليفدى وطلبوا فداءه ألف بعير، فقال لقيط: صبرا أبا القعقاع فإنا لا نقدر على هذا. فقال معبد: ما كان
стр. 4770
ليلقاني أحد من إخوتي أشد بغضا لي منك. فمات هزلا وضعفا وكانوا يأتونه باللبن فيقول: كيف أقبل قراكم وأنا في القدّ، إني إذا لمهياف، أي عطشان، فكانوا يعمدون إلى شظاظ فيجعلونه بين أسنانه ويوجرونه لئلا يموت ثم إنه هلك عندهم.
وكان سبب يوم رحرحان (١) أن خالد بن جعفر بن كلاب جمع لبني عبس وحاربهم، فاضطرب وزهير بن جذيمة بن رواحة العبسي بسيفيهما، وسقط زهير تحت خالد فضربه حندج بن البكاء فقتله، ومضى خالد بن جعفر إلى النعمان فاستجار به خوفا من أن يطلبه قومه بنو عبس بدم زهير، وغضبت غطفان لقتل زهير، فضمن لهم الحارث بن ظالم أن يفتك بخالد، فقدم على النعمان فحياه وواكله، ثم إنه دخل على خالد فقتله، ثم جاء إلى بني زرارة بن عدس فكان المتولي لإيوائه معبد بن زرارة، وكان يحوطه، فلما علم الأحوص بن جعفر بذلك خرج ببني عامر يريد بني دارم ليطلب حارثا بدم أخيه خالد، فالتقوا برحرحان فاقتتلوا، وطعن معبد بن زرارة في كدرة الخيل وكبتها، فسند في هضبة فأبصره عضروط (٢) لعامر والطفيل ابني مالك، وهو رجل من غني فحدره إليهما وهو يستدمي، فأسراه وأثابا الغنويّ عشرين بعيرا، وقال عوف بن الخرع التيمي يعير لقيطا:
هلا كررت على ابن أمك معبد … والعامريّ يقوده بصفاد
وذكرت من لبن المحلق (٣) … شربة
والخيل تعدو بالصعيد بداد
стр. 4771
وقال عامر بن الطفيل:
قضينا الحي من عبس وكانت … منية معبد فينا هزالا (١)
فولد معبد بن زرارة: القعقاع (٢) أمه معاذة بنت ضرار بن عمرو الضبي، وعمير بن معبد. وعدس بن معبد. وظالم بن معبد. وناهش بن معبد. وليس لهم عقب إلا القعقاع، وتزوج دختنوس عمير بن معبد، وهلك فقالت:
أعيني ألا فابكي عمير بن معبد … وكان ضروبا باليدين وباليد
قالوا: وكان القعقاع بن معبد بن زرارة يكنى أبا الحصين، وكان يأخذ المرباع ونفّر القعقاع على خالد بن مالك النهشلي، نفّره عليه ربيعة بن جدار الأسدي وكانا تنافرا إليه. ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة وفيه يقول المسيب بن علس الضبعي:
ولأهدينّ مع الرياح قصيدة … مني مغلغلة إلى القعقاع
أنت الوفي فلا يذم وبعضهم … يودي بذمته عقاب ملاع (٣)
وإذا السراة تدافعت أركانها … فضّلت فوق أكفّهم بذراع
ولذاكم زعمت تميم أنه … أهل السماحة والندى والباع
وأدرك القعقاع بن معبد الإسلام، ووفد إلى النبي ﷺ مع خالد بن مالك النهشلي، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله استعمل هذا، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله استعمل ذاك،
стр. 4772
فاستعمل واحدا منهما، وزعموا إنه نزلت فيهما: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ١،﴾ وذلك أنهما تكلما ورفعا أصواتهما.
فولد القعقاع بن معبد:
حصين بن القعقاع وأمه ليلى بنت حاجب بن زرارة. وضرار بن القعقاع. ونعيم بن القعقاع. والأهتم بن القعقاع.
والمجشر بن القعقاع، وأمهم عميرة بنت عطارد بن حاجب بن زرارة.
وعوف بن القعقاع. ومعبد بن القعقاع، وشهاب بن القعقاع. وخولة كانت عند طلحة بن عبيد الله، فهلك عنها فتزوجها أبو جهم بن حذيفة العدوي.
وقال الكلبي: كان يقال للقعقاع بن معبد بن زرارة تيار الفرات لجوده.
وكان حصين بن القعقاع مخضرما، وكان شاعرا وقتل يوم القادسية، وكان يكنى أبا جهمة، وجهمة ابنة له.
وكان ضرار بن القعقاع سيدا، ويكنى أبا نعيم، ومن ولده:
النجم بن بسطام.
وأخوه بدر بن ضرار بن القعقاع، كان سيدا بالبصرة. وبسطام بن ضرار القائل:
أنا ابن بني زرارة من تميم … ومن شيبان في الحسب الجسيم
وتزوج جعفر بن سليمان بن علي أم عمر بنت النجم بن بسطام، وكانت أم بسطام شيبانية.
وكان نعيم بن ضرار بن القعقاع اعتزل الحرب التي كانت بين أهله
стр. 4773
وبين بني عبيد وقال:
لا ينتهي نوكاكم قبل وقعة … لها في وجوه الظالمين وشوم
فيظعن بنت العز عنكم لجهلكم … ويصبح بيت الذل وهو مقيم
وقال بسطام بن ضرار بن القعقاع يعيّر نعيما وأخاه القعقاع بن ضرار بقعودهما عنه:
رأيتكما ابني بنت سعد بن صامت … لئيمين إذ هزّ الثقاف قفاكما
تقاعستما عني وقد حمس الوغى … وأسلمتما عند الحفاظ أخاكما
فإنكما لن تنفعا إن نصرتما … وإن تخذلاني لا يضرني رداكما
وكان ممن لم يحضر تلك الحرب يوم خوّ قيس بن ضرار بن القعقاع لأنه هرب إلى أخواله بالجزيرة فقال جرير:
وترى القتال مع الكرام محرما … وترى الزناء عليك غير حرام (١)
ومات قيس بالجزيرة.
وأما نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة فقتله بشر بن مروان بن الحكم بالكوفة أيام ولايته إياها، لأن حوشب بن يزيد سعى إليه به، وقد ذكرنا خبره مع خبر بشر بن مروان.
وولد نعيم: الهلقام بن نعيم بن القعقاع قتله الحجاج لخروجه مع ابن الأشعث، ولما أتي به أسيرا، قال: أخرجت مع هذا الحائك بن الحائك؟ فقال الهلقام: خرجت معه لألي العراق كما وليته. فقال لحوشب بن يزيد:
قم فاضرب عنقه فقتله وقد ذكرناه في خبر ابن الأشعث في أيام عبد الملك بن مروان.
стр. 4774
وأما الأهتم بن القعقاع، فله عقب بالبادية.
وأما المجشر بن القعقاع فكان ناسكا، وكان له ابن يقال له سليمان.
وأما عوف بن القعقاع بن معبد فكان أتيه الناس، وأعظمهم نخوة وأجفاهم، قال له رجل: الطريق يا عبد الله، فقال، لهدك (١) عبد الله أنا إذا. فقال الحجاج: لو أدركته لتقربت إلى الله بدمه، وكان مخضرما.
ومن ولد عوف هذا: القباع بن عوف وأمه أم النعمان قتله هبيرة بن ضمضم بن شريح بن سيدان بن مرة بن سفيان بن مجاشع، وذلك أن زياد بن أبي سفيان بعثه إلى بني القعقاع ليأخذهم لأنهم قتلوا حكيم بن برق بقيس بن عوف بن القعقاع، وقتل قيس في حرب كانت بينهم وبين بني طهيّة بالقرعاء (٢)، وحكيم بن برق طهوي فخرج القباع إلى هبيرة بالسيف وهو يقول:
أنا القباع وابن أم الغمر … من كان لا يدري فإني أدري
هل أقبلنّ إن قبلت ثأري
وقتله ابن ضمضم فقال الفرزدق:
لعمري وما عمري علي بهيّن … لبئس المدى أجرى إليه ابن ضمضم
غزا من أصول النخل حتى إذا انتهى … بكنهل (٣) أدّى رمحه شر مغنم
стр. 4775
فكنت كذئب السوء لما رأى دما … بصاحبه يوما أحال على الدم (١)
فدفع هبيرة ابنا له صغيرا إلى عوف بن القباع فقتله بالقباع فقال الفرزدق:
وضيع أمري الأقعسان فأصبحا … على ندم والشر يندم جانبه (٢)
فليتكما يا بني سفينة كنتما … دما عند رجليها يسيل سبائبه (٣)
الأقعسان: هبيرة وأخوه الأقعس ابنا ضمضم وسفينة أمهما. وليس للقباع عقب.
وهلال بن عوف بن القعقاع كان من أعبد أهل زمانه وأطولهم صلاة وله عقب بالبصرة.
وكان أنيف بن معبد بن القعقاع فارا فعرض على الحجاج، فقال الحجاج: هذا من أهل بيت جفاء. فقال: غيرنا والله أجفى منا. فلم يعاقبه الحجاج.
وكان شهاب بن القعقاع من نبلاء أصحابه، وكان قاعدا ذات يوم على ركية فتهدمت فسقط فيها وأخرج ميتا فقال عوف بن القعقاع:
يا ليت فوقي يجذب الأسباب … وعاش في أصحابه شهاب
يعني الحبال التي دليت حتى أخرج بها، يقول: ليتني الساقط في البئر.
стр. 4776
خبر زرارة وبني تميم في يوم أوارة:
حدثنا عباس بن هشام الكلبي عن أبيه وخراش بن اسماعيل وغيرهما قالوا: كان عمرو بن المنذر بن إمرئ القيس، وهو عمرو بن هند بنت الحارث بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي، وعمرو هو مضرط الحجارة، وسمي بذلك لهيبته وشراسته، عاقد طيئا على ألاّ يراعوا ولا يغزوا، وأن عمرا غزا عبد القيس باليمامة لحدث أحدثوه، فرجع على غير ظفر بشيء، فمر بطيء فقال له زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم: أبيت اللعن، أصب من هذا الحي شيئا، فقال: ويلك إن لهم عقدا، قال: وإن كان. فلم يزل به حتى أصاب نسوة وأذوادا، فقال قيس بن جروة الاجائي.
تخب بصحراء الثوية ناقتي … كعدوى رباع قد أمخّت نواهقه (١)
إلى ابن إمرئ القيس بن هند تزوره … وأخلق به ألا تذمّ خلائقه
فإنّ نساء عين ما قيل باطل … غنيمة سوء وسطهنّ مهارقه (٢)
فأقسمت لا أحتل إلا بصهوة … حرام عليّ رمله وشقائه (٣)
وإن لم يغير بعض ما قد صنعتم … لأنتحين للعظم (٤) ذو أنت عارقه (٥)
فسمي عارقا بهذا البيت فلما بلغ عمرا هذا الشعر غزا طيئا، فأسر ناسا منهم فاستوهبهم حاتم الطائي، فوهبهم له.
стр. 4777
وكان المنذر بن ماء السماء، وهي أمه من النمر بن قاسط، وهو أبو عمرو مضرط الحجارة وضع ابنا له يقال له مالك، ويقال أسعد، عند زرارة، وكان صغيرا فلما صار رجلا، خرج ذات يوم يتصيد فأخفق، فمر بإبل لسويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، وكانت عنده ابنة زرارة بن عدس، فأمر مالك، ويقال أسعد، ببكرة منها فنحرت وسويد نائم، فلما انتبه شد على ابن المنذر فضربه بعصا على رأسه فقتله، وخرج هاربا إلى مكة فحالف بني نوفل بن عبد مناف بن قصي، فلما بلغ عمرو بن المنذر قتل أخيه فاضت عيناه وبكى، وبلغ ذلك زرارة فهرب وركب عمرو في طلبه فلم يقدر عليه فأخذ امرأته وهي حبلى فقال: ما فعل زرارة الغادر الفاجر المنتن؟ فقالت: إن كان ما علمته لطيب العرق سمين المزق لا ينام ليلة يخاف، ولا يشبع ليلة يضاف، فبقر بطنها وانصرف، فقال قوم لزرارة: ما أنت والله قتلت أخا عمرو بن هند فأته فاصدقه فان الصدق نجاة، وهو نافع عنده فأتاه زرارة فاعتذر إليه وأخبره الخبر فأمره أن يجيء بسويد فقال: قد لحق بمكة. قال: فأحضرني ولده من ابنتك فأتاه بهم فأمر بأحدهم أن يقتل فجعل يتعلق بجده زرارة فقال زرارة: يا بعضي سرّح بعضا فذهبت مثلا. وقتلوا أجمعون، وآلى عمرو بن هند بآلية ليحرقن من بني دارم مائة رجل، فخرج يريدهم، وبعث على مقدمته عمرو بن ثعلبة بن ملقط الطائي، فوجد القوم قد نذروا به، فأخذ منهم ثمانية وتسعين رجلا بأسفل أوارة من ناحية البحرين، ولحقه عمرو بن هند في الناس حتى انتهى إلى زرارة، فضربت له قبة، وأمر بإخدود فخدّ لهم، وأضرمت النار حتى إذا تلظت قذف بالثمانية والتسعين الرجل فيها فاحترقوا وأقبل راكب من
стр. 4778
البراجم من بني كلفة بن حنظلة، وقد رأى الدخان فأناخ بعيره وأقبل فاستطعم فقال عمرو بن هند: ممن أنت؟ قال: من البراجم. فقال عمرو: إن الشقي راكب البراجم فذهبت مثلا، ورمى به في النار، فاحترق فهجت العرب بني تميم، وقال قائلهم:
ألا أبلغ لديك بني تميم … بآية ما يحبون الطعاما
وأقام عمرو بن هند ثلاثا لا يرى أحدا فقيل له: أبيت اللّعن، لو تحللت بامرأة منهم فقد أحرقت تسعة وتسعين، فدعا بامرأة من بني نهشل بن دارم فقال لها إني لأظنك أعجمية فقالت:
ما أنا بأعجمية.
وإني لابنة ضمرة بن جابر … ساد معدا كابرا عن كابر
وإني لأخت ضمرة بن ضمرة … إذا البلاد لفّت بغمرة
فقال: والله لولا مخافة أن تلدي مثلك لصرفت النار عنك. قالت:
أما والذي أسأله أن يضع وسادك، ويخفض عمادك، ويصغر حصاتك، ويسلبك ملكك ما قتلت إلاّ نسيّا أعلاها ثديّ وأسفلها حليّ، قال: فأمر بها فقذفت في النار، فقال ابن الصعق:
وفت مائة من آل دارم عنوة … ووفاهموها البرجمي المخيب
وقال لقيط بن زرارة يعير بني مالك بخدمتهم الملك وإحراقه إياهم:
فأبلغ لديك بني مالك … مغلغلة وسراة الرباب
فإن امرأ أنتم حوله … يحفّون قبته في القباب
стр. 4779
يهين سراتكم عامدا … ويقتلكم مثل قتل الكلاب
فلو كنتم إبلا أملحت … لقد نزعت للمياه العذاب
ولكنكم غنم تسترى (١) … ويترك سائرها للذئاب (٢)
وقال الأعشى:
من مبلغ عمرا فإنّ الم … رء لم يخلق صبارة
وحوادث الأيام لا يبق … ى لها إلا الحجارة
ها إن عجرة أم … هـ بالسفح أسفل من أواره
فاقتل زرارة لا أرى … في القوم أوفى من زرارة (٣)
ومن بني عبد الله بن دارم ثم من بني معاوية بن عبد الله: أسماء بن سميّر، قتله عمرو بن هند يوم أوارة، ولهم بقية.
ومن بني ذؤيب بن عبد الله: ربيعة بن ذؤيب، وكان ذا رأى، وهو الذي بعثه حاجب بفدائه إلى مالك ذي الرقيبة القشيري، وهو ألف بعير فرد مالك على ربيعة منها ثلاثمائة.
ولغثّة، وأمية ابني عبد الله بن دارم بقية، ولوهب بقية أيضا.
وقال أبو اليقظان: ولد زيد بن عبد الله بن دارم: عبد الله بن زيد، فصار ولد عبد الله بن زيد بهجر، وقدموا البصرة فكانوا فيهم، ثم جاء صعب بن نهشل أحد بني عبد الله بن دارم في أيام مروان بن محمد الجعدي بكتابه إلى سلم بن قتيبة أن يلحقهم ببني عبد الله بن دارم، فقال رؤبة بن
стр. 4780
العجاج:
أشهد بالله العزيز العالم … ما جاء صعب بحديث آثم
فالحقن دارما بدارم (١) …
وقال شاعرهم:
فما هجر أمّ علمت ولا أب … فانسب إلا للكريم ابن دارم
فلحقوا به فهم فيهم.
ومن بني زيد بن عبد الله بن دارم: خليد عينين، كان ينزل أرضا يقال لها عينان، وهو القائل:
أيها الموقدان شبا سناها … إن للضيف طارفي وتلادي
واسعراها حتى أرى في سناها … ناهضا باديا كصفر الجراد
وعرض خليد عينين لما قال جرير للصلتان العبدي:
أقول ولم أملك أمال ابن حنظل … متى كان حكم الله في كرب (٢) النخل (٣)
فقال خليد:
أي نبي كان من غير قرية … وما الحكم يا بن اللؤم إلا مع الرسل
فقال الشاعر:
ذرنّ الفخر يا بن أبي خليد … وأدّ خراج رأسك كل عام
لقد علقت يمينك رأس ثور … وما علقت يمينك من لجام
وقال جرير أيضا:
стр. 4781
كم عمة لك يا خليد وخالة … خضر نواجذها من الكراث
نشأت بمنبته فطاب لشمها … ونأت عن القيصوم والجثجاث (١)
فلم يجبه خليد فسقط.
ومنهم قراد بن حنيفة بن عبد مناة بن زيد بن عبد الله كان شاعرا، وهو الذي خرج مع لقيط بن زرارة حين توجه إلى قيس بن مسعود لخطبة ابنته، وقد كتبنا خبره وفيه يقول لقيط:
أنظر قراد بنفسي أنت معترضا … عرض الشقائق هل عاينت أظعانا
وهو قراد مية بنت زيد امرأة من رهطه، كانت عند حاجب بن زرارة، فقال لحاجب: طلقها فإني رأيت منها شيئا لا أحب معه أن تكون عندك فطلقها حاجب فتزوجها قراد، وأنشأ يقول:
وطلق حاجب في غير شيء … حليلته لينكحها قراد
فأصبح زوجها قد كان منها … مكان السيف من جفن الغماد
وقال قراد أيضا:
تمنى حاجب وأخوه عمرو … لقائي بالمغيب ليقتلاني
وما أجرمت شيئا غير أني … وصلت حبال مكملة حصان
يخوفنيكما عمرو بن قيس … كأني من طهيّة أو أبان
فلو لم يخش غيركما عدوا … لأصبح آمنا صعب المكان
وقال قراد أيضا:
стр. 4782
ألا تنهى عباية أو عليم … بني الطوبان عن ظلم الصديق
هم نذروا دمي من غير جرم … ولم يرعوا مراقبة الرفيق
إذا ما نطفة في قعر حوض … فلا إلى هاب من الشقيق
عباية وعليم من بني عمرو بن عمرو بن عدس. والطوبان من بني مرة بن زيد بن عبد الله بن دارم أم بني عمرو بن عمرو. وقوله: إذا ما نطفة يعني الماء، إنهم لا يسقونه شقيقا، ولا أحدا، وهم يعابون بذلك فقتله حاجب بن زرارة لما ركبه به في امرأته، فتحالفت عند ذلك قبائل عبد الله:
مرّة، ومالك، وحارثة، ومعاوية، وحقّ وجناب وقثّة، ووهب، وأمية على بني عدس بن زيد بن عبد الله، فقالوا لحاجب: أرضهم من حقهم وأعطهم رجلا يقتلونه بقراد، فدفع إليهم إمرئ القيس بن أبي الحارث بن زرارة فقال حنيفة أبو قراد: هذا والله القريب الرحم، القليل الجرم، وخلى سبيله.
ومن بني مالك بن زيد بن عبد الله بن دارم: عبيد الله بن مضارب بن حيّان وكان لسنا عالما، وكان في حرب عدي بن أرطاة الفزاري على بعض بني تميم وفي ذلك يقول قدامة بن عبد الرحمن الهلالي:
لقد كثرت عهود الناس حتى … تخوفنا من الحدث العظيم
وعبد الله والي أمر بكر … وأنت ولي عهد بني تميم
عبد الله بن كليب السدوسي على بكر بن وائل. وقال المرقال، وهو زياد، مولى لبني عمرو بن عمرو، وكان مكاتبا، وكان أتى ابن مضارب فسأله فلم يعطه، وأتى الفرزدق فأعطاه جملا:
إن تجف عني يا بن حيان يكفني … وإياك حمال المئين ابن غالب
стр. 4783
فتى كان خيرا من أبيك عصارة … إذا عصر العيدان يا بن مضارب
دفوع عن الأحساب معترف له … حقون دم المولى بحمل الرغائب
حباني لما جئت والمرء راجل … بأصهب وجاف أمام الركائب
ومنهم خالد بن علقمة الشاعر الذي يقال له الطيتان، وهي أمه طائية.
ومن بني مرة: زيد بن عبد الله بن دارم. وعروة بن شراحيل، كان شاعرا وهو القائل:
على باب مسروح تبغون حاجبا … كما يبتغي الرعيان تالية الغنم
مسروح عبد كان لحاجب يقيم قراه لمن ضافه، وهجا القعقاع بن معبد فقال:
تخلّج كالمجنون أو بك عرة … كأنك قد قبضتني في شمالكا
وكاين ترى من طاعم لا تعوله … ومن ذي غنى ما ناله فضل مالكا
وإنك لو أحببتني ما نفعتني … ولو رمت ضرّي ما اتسعت لذلكا
ومن بني حقّ بن زيد، وكان حق يلقب البضّاع، فارس مشول، ولم يكن بالنبيه، وابنته أم شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس، وبقيتهم قليلة.
ومن بني حارثة بن زيد: مرثد أبو المأموم بن غويّة قتله مرداس بن حيان، رجل من بني معاوية بن عبد الله بن دارم، فأخذوا الدية، فقال رجل يهجو ابنيه:
بني مرثد إنّ الذي تشربونه … دم غير أن اللون ليس بأحمرا
стр. 4784
ومن بني ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم: سويد بن زيد بن ربيعة، ويقال سويد بن قيس بن ربيعة، وسويد هو الذي ضرب رأس مالك بن المنذر بن ماء السماء، وهو أخو عمرو بن هند فأمّه، فآلى عمرو بن هند أخوه ليحرقنّ منهم مائة فلحق بمكة، وحالف بني نوفل بن عبد مناف وقد ذكرنا خبره.
ومن ولده: أبو إهاب بن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة، كان فيمن سرق غزال الكعبة، وله يقول حسان بن ثابت:
أبا إهاب فبيّن لي حديثكم … أين الغزال عليه الدر من ذهب (١)
وقد كتبنا خبر الغزال في حديث أبي لهب بن عبد الملطلب بن هاشم، وآل أبي إهاب بمكة إلى اليوم، وكان أبو إهاب دس للفتك بالنبي ﷺ فلقيه طليب بن عمير فضربه بلحي جمل فشجه.
وأما عدس بن زيد فقتله بنو ثمالة من الأزد.
وقال أبو اليقظان: وكان شراحيل بن عدس شريفا، وفي ولده صلاح وبقية حسنة.
منهم وضاح بن خيثمة بن يزيد بن عاصم بن خيثمة بن شراحيل، وكان يزيد بن عاصم ممن شهد فتح الأبلة، وكانت من ولد شراحيل امرأة يقال لها زنيمة أخذ مروان ابنها فحبسه في تهمة دم فقالت:
تطاول هذا الليل من خشية الردى … على ضيف مروان الذي في الحدائد
تبيّن هداك الله أن محمدا … أبى أن يقيد الناس إلا بشاهد
وقال أبو اليقظان: ولد عمرو بن عدس: عمرو بن عمرو، واسمه
стр. 4785
طارق، وإنما سمي باسم أبيه بعد موته لشبهه به، وكان عمرو أبرص أبخر، فيقال لولده أفواه الكلاب.
وكان لزرارة موضع من كسرى ووهب له جارية اسمها المذبّة، فولدت له.
قال هشام الكلبي: ومن ولد عبد الله بن دارم: عروة بن شراحيل بن مرة بن زيد بن عبد الله بن دارم، كان شاعرا شريفا.
ومن بني عمرو بن عدس: هلال بن وكيع بن بشر بن عمرو بن عمرو بن عدس، قتل يوم الجمل مع عائشة رضي الله تعالى عنها.
وعلقمة بن يعسوب بن عباية بن بشر بن عمرو بن عدس وكان شريفا.
ومن بني خزيمة بن زرارة: الطود بن عبيد بن خزيمة بن زرارة بن عدس كان شريفا.
ومن بني مالك بن زيد بن عبد الله: قراد بن حنيفة بن عبد مناة بن مالك بن زيد، وهو خال حاجب، وقتله حاجب لأنه كان يشبب بامرأته، وله يقول لقيط:
انظر قراد وهاتي نظرة جزعا … عرض الشقائق هل بيّنت أظعانا
ومن بني عبد الله: الحصين بن عبد الله بن أنس بن أمية بن عبد الله بن دارم، وهو حليف لبني مخزوم بمكة.
ومنهم المنذر بن ساوى من بني عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم صاحب هجر، كتب رسول الله ﷺ إليه يدعوه إلى الإسلام، وكان على العرب من قبل الفرس، وكان يقال إن عبد الله هو الأسبذي. والأسبذ قرية
стр. 4786
بهجر كانوا ينزلون بها فنسب إليها، ويقال كان من الأسبذين قوم كانوا يعبدون الخيل.
ومن بني عمرو بن عمرو بن عدس: سماعة بن عمرو بن عمرو بن عدس، كانت أمه عبسية فقتلت عبس أباه، فقتل به منهم خاله فذلك قول مسكين بن عامر الدارمي:
وقاتل خاله بأبيه منا … سماعة لم يبع حسبا بماله
كانوا عرضوا عليه الدية فلم يقبلها.
ومنهم مسكين بن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عمرو بن عدس الشاعر الذي قال:
ناري ونار الجار واحدة … وإليه قبلي ينزل القدر
ما ضر جارا لي أجاروه … ألا يكون لبابه ستر (١)
وكانت امرأته تماظّة فقالت له: صدقت ان نارك ونار جارك واحدة لأن النار له وإليه ينزل قدره، فإن تفضل عليك أطعمك، وأما قولك:
ما ضر جارا لي أجاوره … ألا يكون لبابه ستر
فلو كان لبابه ستر لم ينفعه لأنك تهتكه.
وقال أبو اليقظان: كان يقال لربعي بن عمرو بن عمرو ملاعب الأسنّة.
قال: وحنظلة بن بشر بن عمرو بن عمرو أسر الحوفزان وجز ناصيته وخلى عنه بلا فداء (٢).
стр. 4787
نسب بني مجاشع بن دارم
وولد مجاشع بن دارم: سفيان بن مجاشع. والأبيض بن مجاشع.
وعامر بن مجاشع. وشيطان بن مجاشع درج. والحشر بن مجاشع درج.
والخيبري درج، وأمهم شراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد.
ويقال هي شراف. وثعلبة بن مجاشع. والقدّاح بن مجاشع. وذريح بن مجاشع. ونعمان بن مجاشع. وحرام بن مجاشع. ومجاشع بن مجاشع.
وعبد الله بن مجاشع، وأمهم ابنة أحمر بن بهدلة واسمها الشريفاء.
والجوّال بن مجاشع.
قالوا: وكان مجاشع بن دارم بذيئا، وكان له لسان فقعد ونهشل عند ملك من الملوك فجعل الملك يقبل على نهشل ولا يجد عنده كلاما، فلما خرجا من عنده جعل مجاشع يعلم نهشلا الكلام فقال نهشل: إني والله ما استطيع تكذابك، وتأثامك شولان البروق، يعني الناقة التي ضربها الفحل.
فمن بني مجاشع: الأقرع بن حابس (١¬) بن غفال بن محمد بن
стр. 4788
سفيان بن مجاشع، واسم الأقرع فراس، وكان في رأسه قرع، وكان حصين بن القعقاع قال: ما في الأرض رجل له شرف ولأبيه إلا وأبوه أشرف منه فقال الأقرع: بل أنت أشرف من أبيك. قال: كذبت بل أبي أشرف منك ومن أبيك ومني، فغلّبه القعقاع. وبلغ الخبر الحصين بن القعقاع فجاء وهما في مجلسهما عند أمير اليمامة فرجز بالأقرع فقال:
يا أقرع بن حابس قم فاستمع … ذا الشعرات الزعر والرأس القرع
وكان الأقرع من فرسان بني تميم في الجاهلية، فأسره عمران بن مرة الشيباني يوم سلمان، وكان الأقرع على البراجم يومئذ، فقال جرير يهجو بني مجاشع:
ويلكم يا قضبان الجوفان … بئس الحماة يوم بطن سلمان
يوم يحوي أقرعيكم عمران (١) …
الأقرع ورجل آخر من بني تميم، أو مرثد أخو الأقرع ففدى نفسه ورجع إلى قومه يسألهم في فدائه، فقبّح الحصين بن القعقاع فعله، وقال وهو يطلب بسبب فدائه ما يجمعه لنفسه فقال:
إذا تسأل القوم سؤالا كالضرع … جمعا لما عزمت حتى يجتمع
وكان الأقرع أعرج فقال الحصين:
إنك يا أقيرع القذال … وأعرج الرجل عن الشمال
تأبى وأدعوك إلى الفضال … حيث يقيس المرء غير آل
مضارب الأعمام والأخوال
يقول إلى المفاضلة أينا أفضل.
стр. 4789
قال: وتحاكم إلى الأقرع في الجاهلية جرير بن عبد الله البجلي والفرافصة بن الأحوص الكلبي، فجاء شاعر بجيلة وهو عمر بن الخثارم فجعل يحضض الأقرع، وينتمي إلى نزار فقال:
يا أقرع بن حابس يا أقرع … إنك إن تصرع أخاك تصرع
وقال أيضا:
يا بني نزار انصرا أخاكما … إنّ أبي وجدته أباكما
لن يغلب اليوم أخ والاكما
فحكم الأقرع أن بجيلة أبوهم أنمار بن نزار بن معد، وان قضاعة بن معد، وأن نزار أشرف من قضاعة، وأن أخسّ بني نزار أشرف من أفضل قضاعة.
ولما أسلم الأقرع ولاه النبي ﷺ بعض صدقات بني حنظلة، وكان الأقرع في وفد بني تميم، فقال له النبي ﷺ : «لقد أبطأ قومك عن الاسلام». فقال: يا رسول الله ما أبطأ قوم عندك منهم ألف رجل. يعني مزينة، فقال له النبي ﷺ : «كيف علمك بقومك»؟ قال: أنا بهم جدّ عالم: كنانة كاهلها التي تنوء به، وقريش مصابيحها التي تبصر بها وأبصارها التي تنظر بها، وتميم هامتها العظمى، وأسد لسانها الذي تنطق به، وقيس فرسانها وأسنتها التي تطعن بها.
وشهد مع رسول الله ﷺ بعض غزواته فأعطاه مائة من الإبل مع المؤلفة قلوبهم، فقال الشاعر - عباس بن مرداس (١):
стр. 4790
أتجعل نهبي ونهب العبيد (١) … بين عيينة والأقرع
وقال أبو اليقظان: استعمل عبد الله بن عامر بن كريز الأقرع على بعض خراسان، فسار إلى الجوزجان في الجيش، فأصيب بعض الجيش فقال ابن الغريزة النهشلي:
سقى صوب السحاب إذا استهلت … مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين مع رستاق خوت … أقادهم هناك الأقرعان
الأقرع وأخوه مرثد ابنا حابس ولهما عقب بخراسان.
وكان الأقرع من حكام العرب في الجاهلية.
وقال المدائني: وجه الأحنف بن قيس الأقرع بن حابس في خيل وقال: يا بني تميم تعاونوا وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلّوا يسلم لكم جهادكم، فسار فلقي العدو بالجوزجان فكانت في المسلمين جولة، ثم كروا فهزموا الكفرة، وفتحوا الجوزجان عنوة، فقال ابن الغريزة النهشلي، وهو كثير بن عبد الله يذكر من استشهد من بني تميم:
سقى صوب السحاب إذا استهلّت … مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق خوت … أبادهم هناك الأقرعان
حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات فقال:
يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين. فقال ﷺ : «ذلكم الله».
ومنهم ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع،
كان ذا رأي،
стр. 4791
وكان من رجال بني تميم في الجاهلية، قال الفرزدق:
وناجية الذي كانت تميم … تعيش برأيه أنّى أشارا (١)
ومنهم عقال بن شبه بن عقال بن صعصعة بن ناجية الخطيب في أيام هشام بن عبد الملك، وعاش إلى زمن أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وهو القائل وتكلم عند سليمان بن علي بالبصرة:
ألا ليت أم الجهم في حيرة لما … ترى حيث قمنا بالعراق مقامي
عشية بذ الناس جهري ومنطقي … وبذّ كلام الناطقين كلامي
وولده خطباء.
وكان صعصعة بن ناجية (٢)
وفد على النبي ﷺ فأسلم، وهو الذي منع الوئيدة، وكان من خبره أنه أضل ناقتين له، فخرج في طلبهما ليلا، ورفعت له نار فقصدها فجعلت كأنها تبعد عنه كلما سار، فقال: لئن بلغتها الليلة لا يسألني أحد تنفيس كربة إلاّ سارعت إليها. فسار حتى بلغها فوجد عندها صرما، وإذا رجل من بني الهجيم بن عمرو بن تميم فوقف عنده فسلم فقال: من أنت؟ قال: صعصعة بن ناجية بن عقال. قال: مرحبا بسيدنا وابن سيدنا، انزل ما حاجتك؟ قال: أضللت ناقتين لي مذ الليلة، قال: هما تانك. قال: فما بالي أسمع ضجيج النساء وأرى نارك مذ الليلة لا تطفأ. قال: عندهنّ ما خض لنا تريد أن تضع، قال: فبينا هو كذلك إذ قلن قد جاء قد جاء، يعنين الولد. فصاح بهن الشيخ فقال: والله لئن كان غلاما فما أدري ما أصنع، وإن كانت جارية فلا أسمع لها صوتا ادققن عنقها
стр. 4792
وادسسنها في التراب، فقال صعصعة: ولم تفعل ذلك وتقتل بنتا رزقها على الله؟ فقال الشيخ: إني أراك بها حفيّا اشترها مني فاشتراها منه باللّقوحين فقال: لا، زدني. فزاده جمله الذي تحته واستعاره منه فبلغ أهله، ثم دفعه إليه فجاء الإسلام وقد أحيا صعصعة مائة جارية ومنع أن يوءدن وابتاعهن، وفي ذلك يقول الفرزدق:
ومنا الذي منع الوائدات … وأحياء الوئيد فلم يوئد (١)
وكان سفيان بن مجاشع أتى الشام فسمع راهبا يذكر أنه يكون من العرب نبيّ يسمى محمدا، فسمى ابنه محمدا طمعا في أن يكون النبي.
وذكروا أن صعصعة أتى رسول الله ﷺ وقرأ عليه النبي ﷺ : ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ فلما انتهى إلى قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢) قال صعصعة: حسبي إنّا لنثاب على مثقال ذرة من خير، ونكافأ على مثقال ذرة من شر، فقال لرسول الله ﷺ : من أبرّ؟ قال: «أمك. قال: ثم من؟ قال أباك. قال: ثم من؟ قال: أخاك. قال: ثم من؟ قال: أدانيك أدانيك».
وكان شبّة بن عقال بن صعصعة يدعى ظل النعامة لطوله، وفيه يقول جرير:
فضح المنابر حين ألقى قائما … ظل النعامة شبّة بن عقال (٣)
стр. 4793
ومن ولده: يزيد بن عقال بن شبة بن عقال، وولي اذربيجان وغيرها.
وكان لصعصعة بن ناجية عبيد قيون منهم: وقبان، وجبير، وديسم، فبذلك جعل جرير مجاشعا قيونا فقال:
فكيرك أصلح يا بن قين مجاشع … ودع عنك أسباب العلى والمكارم (١)
وقال أيضا:
تصف السيوف وغيركم يعصى بها … يا بن القيون وذاك فعل الصيقل (٢)
وقال ينسب غالبا أبا الفرزدق إلى جبير:
وجدنا جبيرا أبا غالب … بعيد القرابة من معبد (٣)
وقال ينسبهم إلى بني وقبان:
أبلغ بني وقبان أن حلومهم … خفّت فما يربون حبة خردل (٤)
فولد صعصعة: غالبا أمه ليلى بنت حابس. وحريثا، وذهيلا.
وهمّاما، وبه سمي الفرزدق. وعقيلا. وعامرا. وحنظلة.
فأما غالب فكان يكنى أبا خطل، وكان سيدا ببادية تميم، واجتمع ثلاثة نفر من كلب فاختاروا نفرا من سادات العرب: غالبا. وطلبة بن قيس بن عاصم، وعمير بن السليل فجعلوا لا يأتون رجلا منهم فيسألونه إلا سألهم عن نسبهم فينصرفون عنه حتى أتوا غالبا فأعطاهم ولم يسألهم، ولم يقبلوا منه شيئا وقالوا: إنما امتحناك وغيرك فوجدناك أفضلهم فقال
стр. 4794
الفرزدق:
وإذ نحبت كلب عن الناس أيهم … أحق بتاج الماجد المتكرم
على نفر هم من نزار ذؤابة … وأهل الجراثيم التي لم تهدّم
فلم يجل عن أحسابهم غير غالب … جرى بعناني كل أبلج خضرم (١)
وكان غالب أتى علي بن أبي طالب ﵇ والفرزدق معه، فقال له علي: من هذا معك؟ قال: ابني وهو شاعر. فقال: علمه القرآن فإنه خير له من الشعر. ومات غالب فدفن بكاظمة فاستجار بقبره قوم في حمالة، فاحتملها الفرزدق وقال:
فلله عينا من رأى مثل غالب … قرى مائة ضيفا ولم يتكلم (٢)
واستجار بقبره مكاتب لبني منقر فقال:
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما … خشيت الردى أو أن أردّ على قسر
بقبر امرئ تقري المئين عظامه … ولم أر إلا غالبا ميتا يقري
فقال لي استقدم أمامك إنما … شكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فسأل الفرزدق فأعطاه جملا. وكان ولد غالب أبي الفرزدق:
الأخطل، والفرزدق وجعثن، أمهم لينة بنت قرظة الضبي.
فأما الأخطل فكان أكبر من الفرزدق، وكان من وجوه قومه، وكان محمد بن الأخطل توجه مع عمه الفرزدق إلى الشام فمات فقال الفرزدق:
سقى أريحاء الغيث وهي بغيضة … إليّ ولكن كي ليسقاه هامها
فبتّ أقاسي ليل أقرب من مشى … أبوه ابن أمي غاب عني نيامها
стр. 4795
ألم ترنا رحنا ورحل محمد … خلاء بمذعان مطوّى زمامها
وكان إذا أرض أتاها تزينت … لرؤيته صحراؤها وأكامها
فما من فتى كنا نبيع محمدا … به إن أمور الناس غالت جسامها (١)
وكانت العليّة بنت الأخطل عند لبطة بن الفرزدق، فلما مات الفرزدق عمها أقامت على قبره سبعة أيام تنحر في كل يوم جزورا.
وأما الفرزدق (٢) فاسمه همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن
عقال،
وكان قصيرا غليظا فشبّه بالفرزدقة وهي الجردقة التي تدق ويشربها النساء، ويكنى أبا فراس، وكان سبب قوله الشعر أن الأشهب بن ربيلة النهشلي كان يهجو غالبا أباه، فكان غالب يطلب مصالحته فيأباها، وكان الفرزدق يقول: لربما بكيت من الجزع لأن يهجو الأشهب أبي وقومي فأريد إجابته فلا يتأتى لي الشعر، فقلت أبياتا فأنشدتها أبي فقال: ائت فلانا فأنشده، فأنشدته فقال: قل يا بني على هذا، ثم لقي أبي فقال: يا أبا الأخطل إن عاش ابنك كان أشعر العرب، وما هو إلا شيء أعنت به على الأشهب لبغيه عليك.
وجعل الفرزدق يهجو الأشهب، فلما أعيا الأشهب، طلب الأشهب الصلح بعد أن كان يعرض عليه فيأباه فتهدد زباب بن رميلة وأبوه ثور الفرزدق بالقتل، فهرب إلى الشام، وإنّ زبابا نزل على غدير له فجاءه رجل من بني مناف بن دارم فخاض غديره فضرب زباب عنق بعيره فنفض بالشيخ فسقط أو كاد يسقط، فجاء قوم من بني دارم لينصروا الشيخ، فقاتلهم
стр. 4796
زباب فضرب أبا البدال بشير بن صبيح وقال:
قلت له تعسا أبا البدال … تعلّمن والله ما أبالي
ألاّ تؤوب آخر الليالي
فلم يزالوا حتى دفع إليهم زباب فأوثقوه حتى مات، فلما قتل زباب قدم الفرزدق، فقال الأشهب بن رميلة:
لقد أخزاك في بدوات سعد … وفي قيس فرارك من زباب
وخرج الأشهب إلى مروان بن الحكم فشكا قتل أخيه فقال: قتل بلا ثبت ولا حقّ، فوهب له خمسين بعيرا فقال الفرزدق:
ارفق بنفسك يا محرر مالك … واذكر مقام أخيك يوم الأول
مروان يعلم إذ يسن دياتكم … خمسين أن دياتكم لم تكمل (١)
وكان الأشهب شاعر تميم حتى علاه الفرزدق.
وكان ولد الفرزدق: لبطة، وسبطة. وخبطة. وركضة. وزمعة.
وكان زمعة شاعرا وهو القائل:
إني أنا ابن غالب بن صعصعة … آوي إلى رواسخ ممنعة
وكان الفرزدق يقول: سميت باسم همام بن صعصعة. وهمام الذي يقول أو ابنه إهاب بن همام:
لعمرو أبيك فلا تكذبي … لقد ذهب الخير إلا قليلا
لئن فتن الناس في دينهم … وخلّى ابن عفان شرا طويلا
وقال ابن الكلبي: هو لإهاب بن همام أو لابن الغريزة النهشلي.
قالوا: وخرج ركب من بني نهشل ومن بني مرة بن فقيم وأم فقيم
стр. 4797
ونهشل واحدة يريدون البصرة، فمروا بثمد القبينات (١) وغالب أبو الفرزدق جالس فأرادوا أن يشربوا فقال لهم غالب: الماء بين أيديكم وهذا ماء قليل فأبوا فمنعهم فأوثقوه وشربوا وبردوا، وبلغ الخبر الفرزدق فتبعهم في جماعة فشقّت أسقية القوم وأداويهم فقال الفرزدق:
لعمرو أبيك الخير ما رغم نهشل … عليّ ولا حرادتها بكبير
وقد علمت يوم القبينات نهشل … وحراداتها أن قد منوا بعسير
فكم شقّ من نحي هناك وقربة … وأجرد ضخم الخصيتين عقير (٢)
قالوا وكانت جعثن بنت غالب، أخت الفرزدق، امرأة صالحة، وكان الفرزدق نزل في بني منقر، والحي خلوف، فقامت عجوز منهم توقظ ابنتها فإذا أسود سالخ ممتد معها فاستغاثت بالفرزدق فحثا على الأسود التراب حتى انساب، وغمز الفرزدق الجارية، وقبلها فانتهرته وأمها فقال:
وملتفّة الساقين مرتجّة السلا … لهوت بها فبات تحتي فريقها
وأهون عيب المنقرية أنها … شديد ببطن الحنظليّ لصوقها (٣)
فأرسل بنو منقر رجلا منهم يقال له عمرو بن مرة، ويقال عمران، وأمروه أن يعرض لجعثن أخت الفرزدق، فخرج حتى أتى منازل آل غالب فلم يزل يراصد الحرّة حتى خرجت لحاجتها وعليها سواد من الليل، فغمز وركها ووضع يده على ساقها وجرها، فصاحت وخرجت الرجال تطلبه، ومرّ يمزع كمزع الظبي، وقال ابن محكان الربيعي يرد على الفرزدق:
стр. 4798
لعمرك إن الجعثن ابنة غالب … لكالراح مشغوف بها من يذوقها
وقال جرير بن عطية:
يقول المنقري وابركوها … رخيص مهر جعثن غير غال
تقول قتلتني ويقول موتي … وإن رغم الفرزدق لا أبالي
فقد واقعت منها وهي تحتي … عظام البؤس واسعة المبال (١)
وكان جرير هاجى البعيث المجاشعي فاعترضه الفرزدق دون البعيث فهاجاه وقال:
فقلت أظنّ ابن الخبيثة أنني … شغلت عن الرامي الكنانة بالنبل
فإن يك قيدي كان نذرا نذرته … فمالي عن أحساب قومي من شغل (٢)
وكان الفرزدق قيد نفسه، ونذر ألا يحل قيده حتى يجمع القرآن ويحفظه، وأما رامي الكنانة فهو رجل من بني أسد كان في نفسه شيء على رجل من قيس فنصب كنانته، ودعاه إلى أن يرميا الكنانة منتضلين في سبق بينهما، فاغتره الأسدي فرماه فقتله فضربه الفرزدق مثلا، يقول: إنما أردتني لا البعيث كما أراد ذلك الرجل صاحبه لا الكنانة.
وحدثني أبو الحسن المدائني قال: أنشد رجل الفرزدق شعرا فقال:
لمن هذا الشعر؟ قال: لأمي، فضحك، ثم قال: كان يقال إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبح.
قال: وقال الفرزدق لرجل: أتعرفني؟ قال: لا. قال: أما تعرف أبا فراس؟ قال: ومن أبو فراس؟ قال: الفرزدق. قال: لا أعرف
стр. 4799
الفرزدق إلا قرصة تجففها النساء ثم تدق ويشربنها. قال: فضحك وقال:
الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم.
وحدثني محمد بن حبيب المؤدب قال: سمع الفرزدق امرأتين تقولان: ليتنا وجدنا رجلا أصم أخرس نبايته فنقضي منه اربا ولا يفشي لنا حديثا فتركهما، ثم رآهما في عشية ذلك اليوم منصرفتين فدنا منهما فزحمهما، ثم تخارس وتصامّ فقالتا: لقد جاءنا ما تمنينا ومضتا به فأقام معهما، ثم إنه عجز عنهما فقالت إحداهما: إنه قد أكسل واصفرّت كمرته ولا خير عنده، فدلّتاه في زنبيل فلما صار على الأرض قال: بآبائي أنتما أعود إذا احمرت كمرتي؟ فايقنتا بالفضيحة. وفي ذلك يقول:
هما دلّتاني من ثلاثين قامة … كما انقض باز أسحم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا … أحيّ يرجّى أم قتيل نحاذره (١)
فبلغ سكينة بنت الحسين ﵇ شعره فقالت: قبحه الله ما كان عليه لو ستر على نفسه.
قال: وبلغ امرأته أنه يتعرض للنساء فتنكرت وتعرضت له ليلا فغمزها، فاتبعته فصار إلى بيت مظلم فنال منها وأعطاها مطرفا كان عليه، فلما قضى حاجته قالت له: يا فاسق هذا فعلك؟ فقال لها: وأنت هي أنت، والله على سبيل الحرام ألذ منك على سبيل الحلال. فقالت: اسكت قبحك الله.
وحدثني ابن حبيب عن أبي فراس السامي عن أبيه قال: استسقى الفرزدق ماء من دار فخرجت إليه جارية بماء، فلما شرب قال لها: يا سيدتي
стр. 4800
قبليني. فقالت: وراءك أوسع. فقال: يا سيدتي إني ميت قالت: إن متّ دفناك فأين تحب أن تدفن؟ قال: في حرك وبطنك جعلني الله فداك.
وحدثني التوزي عن الأصمعي عن سلمة بن عياش قال: دخلت على الفرزدق وقد قال صدر بيت وعجز عن تمامه، فأجزته فقال: ممن أنت؟ قلت: من قريش. قال: كل أير حمار من قريش، من أي قريش؟ قلت:
من بني عامر بن لؤي. قال: بئس القوم قومك كانوا في بعث إلى مروان فانتزعني من بين أظهرهم فلم يمنعوني. فقلت: بنو تميم في البصرة شرّ لك من بني عامر بالمدينة، بعث إليك مالك بن المنذر حرسيا فنزعك من اسطمّة بني تميم ومعظمهم، فرمى بك في سجنه، فلم يمنعك أحد منهم، فسكت.
المدائني أن الفرزدق مر بمسجد الجامرة بالبصرة وفيه جماعة، منهم أبو الزرد الحنفي فضجوا من شيء قاله أبو الزرد في الفرزدق، فقال: يا بني حنيفة ما شيء لم يكن ولا يكون ولو كان حاجيتكم استقام فقالوا: لا ندري فما هو؟ قال: هو حر أم أبي الزرد لم يكن له أسنان ولا يكون ولو كانت لم يستقم.
ودخل الفرزدق المدينة، فنادم قوما منهم الأحوص وغيره، فإنه لمع فتيان من أهلها يشرب إذ عبث به رجلان فقال أحدهما:
إذا كنت متخذا صاحبا … فلا تصحبن امرأ دارميا
وقال الآخر:
ولا سيما من بني غالب … فلن يوجد الدهر إلا بذيّا
فقال الفرزدق: