← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ثم حج رسول الله ﷺ حجته التي تدعى حجة الوداع، وتوفي سنة إحدى عشرة. - وكان رسول الله ﷺ قد رأى توجيه أسامة بن زيد في سرية إلى الذين حاربهم أبوه يوم مؤتة، وأمره أن يوطئهم الخيل، وعقد له لواء، وضم إليه أبا بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما فيمن ضمّ. فمرض ﷺ قبل أن ينفذ الجيش، فأوصى بإنفاذه، فقال: «أنفذوا جيش أسامة»، فلما استخلف أبو بكر، أنفذه، وكلمه في عمر لحاجته إليه. فخلفه، ومضى أسامة فأوقع بالعدو، ثم قدم المدينة. وحدثت عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي القعقاع بن عبد الملك بن أبي حدرد، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم. فخرجت في سرية فيها أبو قتادة الحارث بن ربعى، ومحلم بن جثامة بن قيس. حتى إذا كنا ببطن إضم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، ومعه متيّع له، ووطب من لبن. فسلم علينا، فأمسكنا عنه. وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيّعه. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر. فنزل فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (١).

стр. 492

-وقال محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي، يحدث عن عروة بن الزبير، عن أبيه، وجده جميعا، قالا: كنا مع النبي ﷺ بحنين، فصلى بنا الظهر، ثم جلس في ظل شجرة هو بحنين. فقام إليه الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فطلب عيينة بدم عامر بن الأضبط، وجعل الأقرع يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف. فقال عيينة: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزّ ما أذاق نساءنا. ورسول الله ﷺ يقول: تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا، وخمسين إذا رجعنا. وعيينة يأبى عليه. فقام رجل من بني الليث، يقال له مكيتل وهو قصير مجتمع، فقال: «يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرّة الإسلام إلا غنما وردت فرميت أولاها فنفرت أخراها. اسنن اليوم وغيّر غدا». فقال رسول الله ﷺ : خذوا الدية خمسين في سفرنا، وخمسين إذا رجعنا. فقبلوا ذلك. ثم قال: «أين صاحبكم»؟ فقام رجل ضرب، طوال، عليه حلة قد كان تهيأ فيها للقتل حين جلس إلى النبي ﷺ . فقال: ما اسمك؟ قال: محلم بن جثامة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة». فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه. قال زياد، عن أبيه، عن جده: وأما نحن فنقول: إنا لنرجو أن يكون النبي ﷺ قد استغفر له بعد ذلك؛ وأما ما ظهر من رسول الله ﷺ ، فهو هذا. وقال محمد بن إسحاق، حدثني من لا أتهمه، عن الحسن البصري: أن النبي ﷺ قال لمحلم: «أقتلت رجلا قال: آمنت بالله؟» ويقال: «تلك المقالة؟» فما مكث محلم إلا سبعا، حتى مات. فدفن، فلفظته

стр. 493

الأرض ثلاثا. فلما غلب قومه، رضموا عليه الحجارة. فقال رسول الله ﷺ : إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم بما أراكم منه. ومن قال هذا، قال: إن الذي مات بحمص: الصعب، أخوه (١).

стр. 494

صفة رسول الله ﷺ (١) حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو داود، عن أبي اسحق عن البراء قال: رأيت شعر رسول الله يصيب منكبيه. حدثني عمرو بن محمد الناقد أبو عثمان، واسحق الفروي قالا: ثنا مالك بن اسماعيل النهدي، ثنا جميع بن عمر العجلي، حدثني رجل بمكة عن ابن أبي هالة التميمي - يكنى أبا عبد الله - عن الحسن بن علي ﵉ قال: سألت خالي ابن أبي هالة (٢) -وكان وصافا - عن حلية رسول الله ﷺ فقال: كان فخما، مفخما (٣)، يتلألأ وجهة تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول

стр. 495

من المربوع، وأقصر من المشذب (١)، عظيم الهامة، رجل الشعر، وإن انفرقت عقيقته فرقا (٢)، وإلاّ فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره (٣)، أزهر اللون (٤)، صلت الجبين (٥)، أهدب الأشفار (٦)، أزجّ الحواجب (٧) سابغهن، في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب (٨). أقنى العرنين (٩)، له نور يعلوه يحسبه من يتأمله. أشمّ (١٠)، كثّ اللحية، سهل الخدّين (١١)، ضليع الفم (١٢). أشنب الثغر (١٣)، مفلج الأسنان (١٤)، أحمّ (١٥) الشفتين

стр. 496

رقيقهما، دقيق المسربة (١)، كأنّ عنقه جيد دمية (٢) في صفاء الفضّة، معتدل الخلق، بادنا، متماسكا، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، ضخم الكراديس (٣)، أنور المتجرّد، موصول ما بين اللبة والسرّة بشعر يجري كالخط، عاري البطن والثديين، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سبط القصب، شثن الكفين والقدمين (٤)، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين (٥)، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء. إذا زال زال قلعا (٦)، يخطو تكفيا (٧) ويمشي هونا، ذريع المشية كأنما ينحطّ من صبب، إذا التفت التفت بجمعه، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة. يبدأ من لقي بالسلام. ﷺ . قال: قلت: فصف لي منطقة. فقال: كان رسول ﷺ دائم

стр. 497

الفكر، متواصل الأحزان، ليست له راحة. لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكت. يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، قولا فصلا، لا فضلا ولا تقصيرا، دمثا، ليس بالجافي ولا المهين. يعظم النعمة وإن دقت، لا يذّم منها شيئا. لا يذم ذواياه، ولا يقبحه. ولا يغضبه الدنيا وما كان لها. فإذا كان الحقّ، لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له. لا ينتصر لنفسه، ولا يغضب لها، يشير بكفه كلها. وإذا تعجب قلبها، وإذا حدّث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى. وإذا غضب، أعرض وأشاح. وإذا رضي غضّ بصره وصمت. جلّ ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام ﷺ . قال الحسن: فكتمتها عن أخي الحسين زمانا، ثم حدّثته بها، فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخل رسول الله ﷺ ، ومخرجه، ومجلسه، وشكله، وسيرته، وكلامه، وسكوته. قال الحسين ﵇: سألت أبي عن مدخل رسول الله ﷺ . فقال: كان مدخله لنفسه مأذونا له في ذلك. فإذا آوى إلى أهله. جزّأ مدخله ثلاثة أجزاء: جزءا لله، وجزءا لنفسه، وجزءا لأهله. ثم جزّأ جزأه لنفسه بينه وبين الناس، فرّد على العامة من الخاصة. وكان من سيرته إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين. فمنهم ذو الحاجة، وذو الحاجتين، وذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم وأصلح الأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي

стр. 498

حاجته. فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغه إياها، ثبت الله قدمه يوم القيامة». لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل غيره من أحد. قال: وسألته عن مخرج رسول الله ﷺ ، وكيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان يخزن لسانه عما لا يعنيه. وكان يؤلّف، ولا ينفرّ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذّر الناس الفتن، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه. يتفقد أصحابه، ويسأل عما في الناس فيحسن الحسن ويقويه. ويقبح القبيح ويوهنه، مؤتلف الأمر، غير مختلفه. كل حال عنده عتاد. لا يقصر عن الحق، ولا يجوز الدين. أفضل الناس عنده أعمهم نصيحة. وأعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مؤاساة ومؤازرة. قال: وسألته عن مجلس رسول الله ﷺ ، فقال: كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله. ولا يوطن الأماكن (١)، وينهى عن أيطانها. وإذا انتهى إلى قوم، جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك. ويعطي كلا من جلسائه بنصيبه، فلا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قارنه في حاجة، سايره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة، لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول. قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أبا. وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم، وحياء، وصدق، وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا توبن فيه الحرم (٢)، ولا تخشى فلتاته. ترى جلساءه يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقّرون الكبير،

стр. 499

ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحوطون الغريب. قال: قلت: فكيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: كان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا عيّاب، ولا فحاش، ولا مدّاح. يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يؤيس منه ولا يجيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عثرته، ولا يتكلم إلا فيما رجي ثوابه. فإذا قال، أطرق جلساؤه فكأنما على رؤوسهم الطير. وإذا سكت، تكلموا، لا ينازعون عنده أحدا: من تكلم أنصتوا حتى يفرغ من كلامه. حديثهم عنده حديث أوليتهم. يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه. ويصبر للغريب الجافي في منطقه ومسألته. حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول: إن رأيتم طالب حق، فارفدوه. ولا يقبل الثناء إلا من المكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام. قلت: فكيف كان سكوته؟ قال: على أربع: الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير. فأما تقديره، ففي تسوية النظر بين الناس، واستماعه منهم. وأما تفكيره، ففيما يفنى ويبقى. وجمع الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه. وجمع ثلاثا: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح ليتناهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته. وجمع لهم خير الدنيا والآخرة ﷺ . وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:

стр. 500

كان رسول الله ﷺ أبرّ الناس، وأطلقهم وجها، وأحسنهم خلقا، يبدأ من لقيه بسلامه، وإذا صافح رجلا لم يرسل يده حتى يتركها المصافح له. قول الحسن ﵇: «سألت خالي هند بن أبي هالة»، لأن خديجة بنت خويلد كانت عند أبي هالة الأسيّدي، من بني تميم، فولدت له هند بن أبي هالة، أخا فاطمة ﵍ لأمها، وهو خال الحسن ﵇. و «المشذّب»: الطويل المفرط الطول. و «الأزجّ الحاجب»: الحسن التمام في غير غلظ ولا رقة. و «القنا» أن يرتفع الأنف من وسطه. و «الضليع» ها هنا الذي لا يكون ضيقا. و «حمة الشفتين»: سوادهما. و «المسربة» الشعر الذي على الصدر يسيل مستدقا إلى السرّة. و «الشثن»: الذي فيه خشونة، وليس بلين مسترخ، و «الأخمص من الرجل»: ما جفا عن الأرض باطنها. و «الأخمصان»: لليمنى واليسرى. و «الخمصان»: الذي فيه ضمور. و «الزندان»: عظما الساعدين. و «الدمث»: اللين السهل و «المشيح»: الجادّ المتهيئ للشيء. وأصل «العقيقة»: شعر البطن الذي يكون على المولود. ثم كل شعر عقيقة. - وحدثني أبو بكر الأعين، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان في رأس رسول الله ﷺ من الشيب شعرات في مفرق رأسه، فإذا ادّهن، واراهنّ الدهن. - حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجل، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت:

стр. 501

إنكم تنثرون الكلام نثرا، وإن النبي ﷺ كان يخرجه نزرا. - وحدثني الزيادي، حدثني أبو أحمد السكري، حدثني عبد الملك بن وهب، عن الحر الخثعمي أن النبي ﷺ خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة، فنزل بأمرأة من خزاعة يقال لها عاتكة بنت خالد بن خليف، ويقال لزوجها أكثم بن الجون بن منقذ الخزاعي، وهي أم معبد. فوصفته ﷺ فقالت: كان ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيما قسيما، في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزجّ، أقرن؛ إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء؛ أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب؛ منطقة فصل، لا نزر ولا هذر كأنه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، لا يشنى من طول، ولا تقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا؛ له رفقاء يحفون به، إذا قال أنصتوا، وإذا أمر بادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفنّد. ﷺ . «الثجل»: عظم البطن. و «الصعل»: صغر الرأس. و «الوسيم»: الجميل. وكذلك «القسيم». و «الدعج»: شدة سواد الحدقة. و «الصحل»: شبيه بالبّحة؛ تقول إنه ليس بحادّ الصوت. و «السطع»: طول العنق، لا تقتحمه العين ولا تزدريه بل تهابه فتقصر نظرها دونه. و «الوطف»: طول هدب العين. ويروى: «غصنا بين غصنين»؛ ويروى: «محفودا محشودا، لا عابسا ولا مفندا»؛ ويروى: «كان منطقه فصلا، لا نزرا ولا هذرا».

стр. 502

-وحدثني سليمان الرقي المؤدب، ثنا عيسى بن يونس، عن عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد من ولد علي، عن علي ﵇ قال: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل الممغط، ولا بالقصير المتردد، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، كان في وجهه تدوير، أبيض مشربا حمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة. أجرأ الناس صدرا، وأجود الناس كفا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه. يقول ناعته: لم أر مثله قبله ولا بعده. ﷺ . «المشاش»: العظام. «الكتد»: موصل العنق بالظهر فوق الكاهل. و «اللهجة»: اللسان. و «الممغط»: الذي ذهب طولا. و «المطهّم»: المعرق؛ يقال: خيل مطهمة، معرقة الوجوه، وذلك يستحب منها. - حدثني أحمد بن الخزاز، عن ابن عائشة القرشي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، وكأن عرقه اللؤلؤ ما شممت مسكة ولا عنبرة أطيب رائحة منه، ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كفه. - حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ ثنا غندر، عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يقول، سمعت البراء بن عازب يقول: كان النبي ﷺ مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمّة، جمته إلى

стр. 503

شحمة أذنيه، ما رأيت قط أحسن منه، ورأيت عليه حلّة حمراء. حدثني محمد بن الصباح، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: ما رأيت أجمل من النبي ﷺ مترجّلا (١) في حلة حمراء. - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن محمد بن عبد الله ومعمر كليهما، عن الزهري، عن عروة، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحي يمحو الله بي الكفر، والعاقب [الذي لا نبي بعده (٢)]، والحاشر الذي يحشر الناس على يديه (٣). قال الواقدي، وحدثني موسى بن عبيدة الربذي، عن عطاء. بمثله. - وقال الواقدي في إسناده أن أبا الطفيل عامر بن واثلة كان يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة. فما أنسى شدة بياض وجهه. وشدة سواد شعره. وإنّ من الرجال رجالا حوله يمشون، فمنهم من هو أقصر منه، ومنهم من هو أطول منه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: رسول الله ﷺ . - وحدثت عن هشام، عن أبيه، عن أبي صالح قال: كانت أم

стр. 504

هانئ تحدث فتقول: ما رأيت أحدا كان أحسن ثغرا من رسول الله ﷺ . وما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلا ذكرت القراطيس المثنية بعضها فوق بعض، تعني عكنه. ورأيته يوم الفتح قد ضفر رأسه بضفائر أربع. - حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا أبو داود، عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ أشكل العين، ضليع الفم، منهوس (١) العقب، وكان في ساقه حموشة (٢). - حدثنا عفان بن مسلم، ثنا شعبة، أنبأ قتادة، عن مولى لآل أنس، عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من جارية عذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا، عرفت كراهته إياه في وجهه. - حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: سألت أمير المؤمنين - يعني عليا ﵇ عن خلق رسول الله ﷺ . فقال: لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا، ولا عيابا. ولكنه كان يعفو ويصفح. - وحدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن

стр. 505

يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: قال: قال النبي ﷺ : «كيف لا أشيب وأنا أقرأ سورة هود، وإذا الشمس كوّرت؟». - حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة، عن أنس أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ رجل الشعر، ليس شعره السبط ولا القطط (١)، كان أزهر اللون، ليس بالآدم ولا الأبيض الأمهق (٢). كان ربعة من القوم، ليس بالقصير ولا بالطويل. بعث على رأس أربعين. - حدثنا سعيد بن سليمان بن سعد، وبه ثنا عباد بن العوام، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يضحك إلا تبسما. وكنت إذا نظرت إليه، قلت: «أكحل العينين»، وليس بأكحل. - وحدثني أبو عمران المقرئ، ثنا أبو يوسف يعلى الطنافسي، عن مجمع بن يحيى، عن عبد الله بن عمران، عن بعض الأنصار أن عليا ﵇ قال: كان رسول الله ﷺ أبيض اللون مشربا حمرة، أدعج العينين، سبط الشعر، ذا وفرة، كثّ اللحية، كأن عنقه إبريق فضّة، دقيق المسربة، من لبته إلى سرّته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه شعرة غيره، شثن الكفّ

стр. 506

والقدم، إذا مشى فكأنما ينقطع من صخرة، وكأنما ينحدر من صبب، وإذا التفت التفت معا، ليس بطويل ولا قصير، ولا عاجز ولا لئيم، كأن عرقه اللؤلؤ أطيب من المسك الأذفر، سهل الخد. لم أر مثله قبله ولا بعده. ﷺ . - حدثني عمرو الناقد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد الطويل، عن أنس قال: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه. - وحدثني أحمد بن هشام، عن شعيب بن حرب، عن ربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشى، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يسرّح لحيته بالماء في كل يوم. - وحدثني أبو نصر التمار، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان شعر رسول الله ﷺ قريبا من منكبيه. - وحدثني محمد بن حيان الحراني، ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق قال: قيل للبراء: كان وجه رسول الله ﷺ يأتلق مثل السيف؟ فقال: لا، بل كان مثل القمر، ليس في رأسه عشرون شعرة بيضاء. - حدثنا وهيب بن بقية الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال: ما كان الله ليشين نبيه بالشيب. قيل: وشين هو يا أبا حمزة؟ قال: كلنا يكرهه.

стр. 507

-وروي عن حميد الطويل، عن أنس أنه سئل عن خضاب النبي ﷺ . فقال: ما كان فيه من الشيب ما يخضبه. - وحدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سلام بن أبي مطيع، عن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة، فأخرجت إليّ شعرا من شعر رسول الله ﷺ مخضوبا بالحنّاء والكتم. حدثنا روح بن عبد المؤمن، عن معتمر بن سليمان، عن عبد الله، وعبيد الله ابني عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يصفّر لحيته. - حدثنا عمرو بن محمد الناقد، عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ وهذه منه بيضاء، يعني عنفقته (١)، وأنا يومئذ أريش النبل وأرمي بها. - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعكرمة، عن ابن عباس؛ قال أبو صالح في حديثه: رأيت وفرة رسول الله ﷺ بها ردع من حنّاء. وقال عكرمة في حديثه: رأيت وفرة رسول الله ﷺ وبها تلوين من الحناء. - حدثني الأعين، عن الحسن بن موسى الأشيب ثنا شيبان، عن

стр. 508

أشعث بن أبي الشعثاء، عن شيخ من كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز بين بردين أحمرين، مربوعا كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر سابغه، شديد البياض. - حدثني عمرو، ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت إذا أردت أن أفرق رسول الله ﷺ ، صدعت الفرق بين يافوخه، وأرسلت ناصيته بين عينيه.

стр. 509

أزواج رسول الله ﷺ وولده: - تزوّج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ - وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن هرم، من بني عامر بن لؤي؛ ويقال: زيادة بن الأصمّ - قبل الإسلام. - فولدت منه القاسم بن رسول الله ﷺ . وبه كان يكنى. ومات وقد مشى. وهو ابن سنتين. - وولدت أيضا زينب بنت رسول الله. وهي أكبر بنات رسول الله ﷺ ، تزوجها أبو العاص بن الربيع وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد بن أسد. وكان أبو العاص يلقب جرو البطحاء، أي ابن البطحاء. وبعضهم يقول: اسمه القاسم؛ والثبت أن اسمه لقيط. وكان تزوجه إياها قبل الإسلام. فلما أكرم الله نبيه بالرسالة، آمنت به خديجة وبناته وصدّقنه. وثبت أبو العاص على دين قريش. وكان من معدودي رجال مكة مالا، وأمانة، وتجارة. فمشت إليه وجوه قريش، فقالوا: اردد على محمد ابنته، ونحن نزوجك أية امرأة أحببت من قريش. فقال: لا، ها الله، إذا

стр. 510

لا أفارق صاحبتي، فإنها خير صاحبة. ولما سارت قريش إلى بدر، كان معهم. فأسر في المعركة. فلما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال. وبعثت معه بقلادة لها كانت خديجة رضي الله تعالى عنها وهبتها لها حين أدخلتها على أبي العاص. فلما رآها رسول الله ﷺ ، عرفها، فرّق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن ترّدوا قلادة زينب ومالها عليها وتطلقوا أسيرها، فافعلوا. فقالوا: نعم، ونعمة عين يا رسول الله. فأطلقه رسول الله ﷺ بعد أن اشترط عليه أن يبعث بزينب إليه. وتوثق منه، ووجّه زيد بن حارثة الكلبي مولاه في عدة من الأنصار إلى بطن يأجج، وأمرهم بالمقام هناك إلى أن توافيهم زينب فيصاحبونها حتى يقدموا بها المدينة. وذلك بعد بدر بشهر. وأمر أبو العاص زينب بالتهيؤ. فلما تجهزت، بعث بها مع كنانة بن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن عمه. ويقال: بل بعث بها مع عدي بن ربيعة. فاعترضها رجال من قريش بذي طوى. فبدر إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، ونافع بن عبد قيس بن لقيط بن عامر الفهري، وهو أبو «عقبة بن نافع»، صاحب المغرب. فأهوى إليها هبار بالرمح، فأفزعها، وكانت حاملا فألقت ما في بطنها بعد أيام. وفوّق كنانة، أو عدي، سهما وكان راميا. فقال له أبو سفيان بن حرب، وكان في القوم: اكفف نبالك عنا، فإنا والله ما نمنعها من المسير إلى أبيها وإنما أنكرنا خروجكم بها نهارا، ورأينا علينا في ذلك غضاضة؛ فردها إلى مكة، فإذا غشينا الليل، وهدأت الرجل فأسر بها ففعل، وأخرجها ليلا حتى أتى بها زيدا ومن معه فسلمها إليهم. ويقال إنّ هبارا أنفر بها البعير حتى

стр. 511

سقطت، وانكسرت ضلع من أضلاعها. وفي أمر زينب يقول عدي أو كنانة بن عدي: عجبت لهبار وأوباش قومه … يريدون إخفاري ببنت محمد فإن أنا لم أمنع من القوم كنتّي … فلا عشت إلا كالخليع المطرّد ووجه رسول الله ﷺ سرية، وقال: إن لقيتم هبارا، فأحرقوه. ثم قال: سبحان الله، لا يعذّب بالنار إلا خالقها؛ اقطعوا يده ورجله. فلم تلقه السرية. وقدم على رسول الله ﷺ ، حين فتح مكة، مسلما. فقبل إسلامه، وأمر أن لا يعرض له. وقال له: لا تسبّ إلا من يسبّك. وكان سبابا للناس. وكان يكنى أبا سعد. وخرجت سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فقالت: لا أنعم الله بك عينا. فقال رسول الله ﷺ : مهلا، فقد محا الإسلام ما كان قبله. وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن معروف بن خربوذ المكي أنه أنشده لأبي العاص في زينب رضي الله تعالى عنها: ذكرت زينب لما جاوزت إرما … فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما بنت الأمين جزاها الله صالحة … وكل بعل سيثني بالذي علما وقال أبو العاص هذا الشعر، وقد خرج في سفر له. وخرج أبو العاص بن الربيع في سنة ستّ إلى الشأم في تجارة له. فلما انصرف، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة مولاه في كثف من المسلمين لاعتراض العير التي أقبل فيها أبو العاص، فاستاقها وأسره، فأتى به إلى رسول الله ﷺ . فبعث إلى زينب يستجير بها. ويقال: بل حاص حيصة حتى أتى زينب، فاستجار

стр. 512

بها. فأجارته. فلما صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، قالت، وهي في صفة النساء: أيها الناس أني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس، أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الذي نفسي بيده، ما علمت بما كان حتى سمعت ما سمعتم؛ إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم دخل رسول الله ﷺ عند انصرافهم من المسجد، فقال: يا بنية: أكرمي مثواه، ولا يخلصنّ إليك. وبعث إلى المسلمين ممن كان في السرية: إنكم قد عرفتم مكان هذا الرجل منا، فإن تردّوا عليه ماله فإنا نحبّ ذلك؛ وإلا ترّدوه فأنتم أملك بفيئكم الذي جعله الله لكم. فقالوا: بل نردّه يا رسول الله. فردّوا عليه ماله وجميع ما كان معه. وأسلم أبو العاص، فردّ رسول الله ﷺ إليه زينب بنكاح جديد. ويقال: بل ردّها بالنكاح الأول. حدثني خلف بن هشام البزاز، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. أن رسول الله ﷺ ردّ زينب بنت رسول الله على أبي العاص بنكاح جديد ومهر جديد. حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح، عن ابن لهيعة، عن موسى، عن عراك، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة. أن زينب استأذنت أبا العاص في إتيان أبيها ﵇، حين هاجر. فأذن لها في ذلك، فقدمت المدينة. ثم إنّ أبا العاص لحقها، فاستجار بها، وقال: خذي لي أمانا. فخرجت، فأطلعت رأسها من باب

стр. 513

حجرتها حين قضى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فقالت: أنا زينب بنت رسول الله، وقد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله ﷺ : أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الله ما علمت؛ والمسلمون يجير عليهم أدناهم. فأمضى رسول الله ﷺ جوار زينب. وأسلم أبو العاص، فأقرّهما رسول الله ﷺ على النكاح الأول. وقال الواقدي: ردّها في المحرم سنة سبع. حدثني روح بن عبد المؤمن، ثنا بشر بن المفضل، عن داود بن أبي الهند، عن الشعبي أن رسول الله ﷺ وسلم ردّ زينب على أبي العاص بالنكاح الأول. وقال الواقدي: لما أسلم أبو العاص، أتى مكة ثم رجع إلى المدينة. فكان بها. فلما فتحت مكة، أقام بها. ولم يقاتل مع رسول الله ﷺ . وتوفي في سنة اثنتي عشرة. وأوصى إلى الزبير بن العوام، وهو ابن خاله. وكان لأبي العاص من زينب: عليّ، وأمامة. فأما علي، فمات وهو غلام، ولم يعقب. وأما أمامة، فتزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ﵍، فولدت له محمدا الأوسط. وقتل عليّ، وهي عنده. فحملها عمها عبد الرحمن بن محرز بن حارثة بن ربيعة إلى المدينة، ثم إنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه، ففعل. فجعلت أمرها إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذي كان الحسن بن علي ﵉ استخلفه على الكوفة حين سار إلى المدائن. فأشهد المغيرة عليها برضاها بكل ما يصنع، فلما استوثق منها، قال: قد تزوجتها، وأصدقتها أربع مائة دينار. فكتب مروان بذلك إلى

стр. 514

معاوية. فكتب إليه: هي أملك بنفسها، فدعها وما اختارت ثم انه بعد ذلك سير المغيرة إلى الصفراء (١). فمات. وماتت بالصفراء. وولدت من المغيرة: يحيى بن المغيرة، وبه يكنى، وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ في سنة ثمان من الهجرة بالمدينة. فغسلتها أم أيمن، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة. وصلى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في قبرها، ومعه أبو العاص. وجعل لها نعش. فكانت أول من اتخذ لها ذلك. والذي أشارت باتخاذه أسماء بنت عميس، رأته بالحبشة، وهي مع زوجها جعفر بن أبي طالب. ويقال إنّ عليا خاف أن يتزوّج معاوية أمامة، فأوصاها أن تتزوّج المغيرة. وكانت أمامة عنده بضعا وعشرين سنة. وولدت خديجة لرسول الله ﷺ رقية بنت رسول الله ﷺ . تزوجها عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب. فلما نزلت «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» (٢)، قالت أمه أم جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب: قد هجانا محمد. وعزمت على ابنها عتبة أن يطلق رقية. وعزم عليه أبوه أيضا أن يطلقها. ففعل. فزوّجها رسول الله ﷺ من عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فهاجرت معه إلى الحبشة. وولدت له عبد الله. فكني أبا عبد الله. وتوفيت في أيام بدر، وهي عند عثمان. ودفنت بالبقيع. وصلى عليها عثمان. وغسلتها أم أيمن. ولم يحضرها رسول الله ﷺ . ويقال إنّ زيد بن حارثة قدم المدينة بخبر بدر حين سوّى على رقية التراب. وأما عبد الله بن عثمان، فإن رسول الله وضعه في

стр. 515

حجره، ودمعت عليه عينه. وقال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء». وصلى عليه رسول الله ﷺ . ونزل عثمان في حفرته. ولدت خديجة لرسول الله ﷺ أم كلثوم أيضا. تزوّجها معتب بن أبي لهب. ويقال: عتيبة. فعزمت عليه أم جميل، وأبوه، أن يطلقها. ففعل. فلما توفيت رقية، زوّجها رسول الله ﷺ من عثمان أيضا. فلم تزل عنده حتى توفيت في سنة تسع. وبكى عثمان. فقال له رسول الله ﷺ : «ما يبكيك»؟ فقال: انقطاع صهري منك يا رسول الله. فقال ﷺ : «كلا، انه لا يقطع الصهر الموت، إنما يقطعه الطلاق؛ ولو كانت عندنا ثالثة، لزوّجناك». ويقال إنّ قريشا لما سعوا إلى أبي العاص في طلاق زينب، سعوا إلى عتبة وأخيه في طلاق رقية وأم كلثوم، فطلقاهما؛ فزوّجوا عتبة: ابنة سعيد بن العاص بن أمية. وحدثت عن ابن جعدبة، عن الزهري أن عثمان كان جزع على رقية جزعا شديدا، فكان لا يزال يأتي قبرها. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ جبريل أمرني أن أزوّجك أختها على مثل مهر أختها». وولدت خديجة لرسول الله ﷺ فاطمة، تزوّجها علي بن أبي طالب ﵉ بالمدينة في سنة اثنتين. فولدت له الحسن، والحسين، ومحسنا درج صغيرا، وزينب تزوّجها عبد الله بن جعفر فبانت منه ويقال ماتت عنده، وأم كلثوم تزوّجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فولدت له زيد بن عمر. وقتل عنها. فخلف عليها محمد بن جعفر بن أبي طالب، فتوفي عنها، فخلف عليها عبد الله بن جعفر، بعد زينب. وتوفيت أم كلثوم

стр. 516

وابنها زيد في يوم واحد، فصلى عليهما عبد الله بن عمر. وتوفيت فاطمة رضي الله تعالى عنها بعد النبي ﷺ بستة أشهر. وذلك الثبت. ويقال: بثلاثة أشهر، ويقال بخمس وسبعين ليلة، ويقال بأربعين ليلة. وصلى عليها العباس بن عبد المطلب. ونزل هو وعليّ في قبرها. ودفنت ليلا. وكبر العباس عليها أربعا. وكان لها، يوم توفيت، تسع وعشرن سنة. ويقال إحدى وثلاثون سنة وأشهر. ولما حضرت فاطمة الوفاة، أمرت عليا، فوضع لها غسلا. فاغتسلت وتطهرت، ثم دعت بثياب أكفانها. فأتيت بثياب غلاظ خشنة، فلبستها. ومست من الحنوط. ثم أمرت عليا أنّ لا يكشف عنها إذا قبضت، وأن تدفن كما هي في ثيابها. ففعل. ولم يصنع مثل هذا إلا كثير بن العباس، وكتب على أطراف أكفانه: «كثير بن العباس يشهد أن لا إله إلا الله» (١). وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده، وعن هشام بن محمد الكلبي، قالا: كان أبو بكر خطب فاطمة، فقال له رسول الله ﷺ : أنا أنتظر بها القضاء. ثم خطبها عمر، فقال له مثل ذلك. فقيل لعلي: لو خطبت فاطمة؟ فقال: منعها أبا بكر وعمر، ولا آمن أن يمنعنيها. فحمل على خطبتها؛ فخطبها إلى رسول الله ﷺ . فزوّجه إياها. فباع بعيرا له، ومتاعا، فبلغ ثمن ذلك أربع مائة وثمانين درهما. ويقال أربع مائة درهم. فأمره أن يجعل ثلثها في الطيب، وثلثها في المتاع. ففعل. وكان علي يقول:

стр. 517

ما كان لنا إلا إهاب كبش، ننام على ناحية منه، وتعجن فاطمة على ناحية (١). وحدثني علي بن المديني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار. عن عكرمة قال: استحلّ على فاطمة ببدن (٢) من حديد. - وحدثني علي، ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل سمع عليا ﵇ يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله ﷺ ، ابنته، فقلت: والله ما لي شيء، ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إليه. فقال: وهل عندك من شيء؟ قلت: لا. قال: فأين درعك التي أعطيتك يوم كذا؟ فقلت: هي عندي. قال: فأعطها إياها. - حدثنا عمرو بن محمد، حدثني معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي قال: جهز رسول الله ﷺ فاطمة بخميل، وقربة، ووسادة محشوّة بإذخر (٣). وقال الواقدي، وغيره: دخل العباس بن عبد المطلب على عليّ وفاطمة ﵉، وأحدهما يقول لصاحبه: أينا أكبر؟ فقال العباس: ولدت يا عليّ، قبل بناء قريش الكعبة بسنوات، وولدت ابنتي وقريش تبني الكعبة، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة. وقد قيل إنها ولدت قبل ذلك.

стр. 518

-حدثنا عمرو بن محمد، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة قال: سمعت النبي ﷺ يخطب على المنبر، فقال: «ألا إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم عليا، ألا وإني لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها». وروي أن رسول الله ﷺ قال: «بلغني أن عليا خطب العوراء بنت أبي جهل، وإني لا آذن في الجمع بين ابنة رسول الله وابنة عدو الله». فولدت فاطمة لعليّ: الحسن وتكنى أبا محمد، والحسين وتكنى أبا عبد الله، ومحسّنا مات صغيرا. وكان مولد الحسن في سنة ثلاث للنصف من شهر رمضان، فعقّ عنه النبي ﷺ بكبش. ثم علقت فاطمة بعد مولد الحسن بخمسين ليلة بالحسين، على جميعهم السلام. وقال بعضهم: كان بين حمل الحسين ومولد الحسن طهر. فلما ولد الحسين، أمر رسول الله ﷺ فتصدق بزنة شعره فضة. وكان مولده ليالي خلت من شعبان سنة أربع. حدثني أبو عمرو الزيادي، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق أن عليا قال: لما ولد الحسن: سميته حربا. فجاء النبي ﷺ ، فقال: أرني ابني، ما سميتموه؟ قلنا: حربا. فقال: هو الحسن. فلما ولد الحسين، سميناه حربا. فجاء النبي ﷺ ، فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلنا: حربا. فقال: هو الحسين. ثم لما ولد الثالث، جاء فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلنا: حربا. قال: هو محسّن؛ إنما سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر، وشبيّر، ومشبّر.

стр. 519

حدثنا عبد الله بن صالح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق. بنحوه. حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص قال: توفي سعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي بعد ما مضت من إمرة معاوية عشر سنين، وكانوا يرون أنه سمهما. وقال الواقدي: صلى على الحسن: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية. فقال الحسين: لولا السنّ، ما قدمتك. وكان أوصى أن يدفن مع النبي ﷺ إلا أن يخافوا أن يهراق في ذلك محجمة من دم. فمنعهم مروان، حتى كادت الفتنة تقع. وأبى الحسين إلا دفنه مع النبي ﷺ حتى كلمه عبد الله بن جعفر، والمسور بن مخرمة الزهري في دفنه بالبقيع. وكان مرضه أربعين يوما. وتوفي رضي الله تعالى عنه وله سبع وأربعون سنة. وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين. وقال بعضهم: مات في سنة خمسين وله ثمان وأربعون سنة. وقتل الحسين يوم عاشوراء من محرّم سنة إحدى وستين. حدثنا عمرو بن محمد، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عمرو [بن دينار]، عن الحسين بن محمد: أن فاطمة ﵍ دفنت ليلا. حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن سعد القطان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة: أن عليا دفن فاطمة ﵍ ليلا.

стр. 520

وقال محمد بن سعد: كانت وفاتها، فيما ذكر الواقدي وغيره، ليلة الثلاثاء لثلاث ليال خلون من شهر رمضان. وكان رسول الله ﷺ قال لفاطمة: «أنت أسرع أهلي لحاقا بي. فوجمت. فقال لها: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ فتبسمت. قالوا: وأوصت فاطمة أن تحمل على سرير طاهر، فقالت لها أسماء بنت عميس: أصنع لك نعشا كما رأيت أهل الحبشة يصنعون. فأرسلت إلى جريد رطب فقطعته، ثم جعلت لها نعشا. فتبسمت ولم تر متبسمة بعد وفاة النبي ﷺ إلا ساعتها تيك. وغسلها عليّ، وأسماء، وبذلك أوصت. ولم يعلم أبو بكر، وعمر بموتها. وولدت خديجة لرسول الله ﷺ أيضا عبد الله، وهو الطاهر، وهو الطيب. وسمي بهذين الاسمين جميعا، لأنه ولد بعد المبعث في الإسلام. وتوفي بمكة. فقال العاص بن وائل: محمد أبتر، لا يعيش له ولد ذكر. فأنزل الله : ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. (١). وتوفيت خديجة في سنة عشر من المبعث، قبل موت أبي طالب. وكان بين وفاتها وموت أبي طالب شهر وخمسة أيام، ويقال خمس وخمسون ليلة. ويقال ثلاثة أيام. ومات أبو طالب في آخر شوال، وأول ذي القعدة. ويقال توفي للنصف من شوال. وقال بعض البصريين: ماتت قبل الهجرة بخمس سنين ونحوها. وذلك غلط. ونزل رسول الله ﷺ في قبرها. ولم يكن سنت الصلاة على الجنائز يومئذ. وقال الكلبي وغيره: غسلتها أم أيمن وأم الفضل. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة،

стр. 521

عن أبيه قال: توفيت خديجة ابنة خويلد بمكة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بسنتين، أو قريب من ذلك. وقال الواقدي: توفيت قبل الهجرة بثلاث سنوات أو نحوها. وروي عن حكيم بن حزام أنه قال: أخرجناها حتى دفناها بالحجون، ونزل النبي ﷺ في قبرها؛ وكانت وفاتها لعشر خلون من شهر رمضان سنة عشر، وهي ابنة خمس وستين سنة. حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن جعفر، عن علي. عن النبي ﷺ أنه قال: «خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم ابنة عمران». وسالف رسول الله ﷺ ، من قبل خديجة، الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس: كانت تحته هالة بنت خويلد. ثم أخوه ربيعة بن عبد العزى: كانت عنده هالة أيضا. ووهب بن عبد بن جابر الثقفي، كانت عنده هالة أيضا، ثم قطن بن وهب بن عمرو الخزاعي، من قبل هالة أيضا، وعلاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة الثقفي، كانت تحته خالدة بنت خويلد. وعبد الله بن بجاد بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب، كانت تحته رقيقة بنت خويلد. وكانت خديجة قبل رسول الله ﷺ عند أبي هالة هند بن النباش بن زرارة الأسيّدي، من تميم، فولدت له هند بن أبي هالة، سمي باسم أبيه. ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فطلقها، فتزوّجها النبي ﷺ . وكانت مسماة لورقة بن نوفل، فآثر الله بها نبيه. وكانت خديجة ولدت لعتيق

стр. 522

جارية، يقال لها هند، فتزوجها صيفي بن أمية بن عابد بن عبد الله، فولدت له محمدا. فيقال لبني محمد بن صيفي بالمدينة «بنو الطاهرة». وتزوج رسول الله ﷺ (١)، بعد خديجة، سودة بنت زمعة بن قيس، من بني عامر بن لؤي، قبل الهجرة بأشهر. وكانت قبله عند السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو. فلما مات خلف عليها رسول الله ﷺ . فكانت أول امرأة وطئها بالمدينة. وكانت أم سودة. الشموس بنت قيس بن زياد بن عمرو بن لبيد بن خداش، من بني النجار، من الأنصار. وكانت رأت في النوم كأن رسول الله وطئ على عنقها، فأخبرت السكران بذلك. فقال: لئن صدقت رؤياك، لأموتن وليتزوجك محمد. فقالت: حجرا وسترا. ثم رأت ليلة أخرى كأن قمرا انقض عليها من السماء. فتزوّجها النبي ﷺ . وولي تزويجها إياه حاطب [بن عمرو] بن عبد شمس، ويقال أبوها. فوضع أخوها، عبد، التراب على رأسه. فكان يقول حين أسلم: إني لست أحثو التراب على رأسي لتزوّج النبي سودة. وكانت سودة مسنة، فطلقها رسول الله ﷺ في سنة ثمان من الهجرة تطليقة. فجمعت ثيابها، وجلست له على الطريق التي كان يسلكها إذا خرج إلى الصلاة. فلما دنا منها، بكت وقالت: يا رسول الله، هل اعتددت عليّ في الإسلام بشيء؟ فقال: اللهم لا. فقالت: أسألك بالله لما راجعتني. فراجعها. وجعلت يومها لعائشة، وقالت: والله ما غايتي إلا أن أرى وجهك وأحشر مع أزواجك. وكان في أذنها ثقل. وتوفيت في سنة ثلاث وعشرين. وصلى عليها عمر بن الخطاب. ويقال إنها توفيت في خلافة عثمان، ولها نحو من

стр. 523

ثمانين سنة. وكانت سودة قد لزمت بيتها، فلم تحجّ إلى أن توفيت. وذلك أن رسول الله ﷺ لما حجّ بنسائه، قال: «هذه الحجة، ثم طهور الحصر». وحدثني عمر بن عبد الرحمن العمري، ثنا مطرف بن عبد الله مولى أسلم، ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد ان ابن وليدة زمعة منه، وقال: اقبضه إليك. فلما كان عام الفتح، أخذه سعد وقال: ابن أخي؛ قد كان عهد إليّ فيه. فقام إليه عبد بن زمعة، فقال: «أخي، ابن وليدة أبي، ولد على فراشه». فتساوقا إلى رسول الله ﷺ . فقال سعد: يا رسول الله، إن أخي عهد إليّ فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال رسول الله ﷺ : هو لك، يا عبد بن زمعة. وقال ﷺ : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». ثم قال لسودة بنت زمعة: «احتجبي منه»، لما رأى من شبهه بعتبة. فما رآها حتى لقي الله . (١). وحدثني مصعب بن عبد الله، عن أبيه، عن مالك، عن عروة، عن عائشة بنحوه. لما هلكت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، فعرضت على رسول الله ﷺ التزويج. فقال: بمن؟ قالت: بسودة وعائشة. وكانت سودة مسلمة. فزوّجها إياه أبوها وهو شيخ كبير. وسالف رسول الله ﷺ ، من قبل سودة، حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس، من

стр. 524

بني عامر بن لؤي، وكان معمرا؛ مات سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة. وكان عنده أم كلثوم بنت زمعة، أختها لأبيها وأمها. وعبد الرحمن بن عوف الزهري، وكانت عنده أم حبيب بنت زمعة. - وتزوج عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وأمها أم رومان بنت عمير، من بني كنانة، وأمها كنانية أيضا. وقال بعضهم: أم رومان بنت الحارث بن الحويرث. وذلك خطأ. وكانت عائشة مسماة لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فسلها أبو بكر سلاّ وزوّجها رسول الله ﷺ . والثبت أنها لم تسمّ لأحد قبل رسول الله ﷺ . ولم يتزوّج رسول الله ببكر غيرها، وكان أبا عذرها. وتزوّجها بمكة وهي ابنة ستّ، ويقال سبع. وابتنى بها وهي ابنة تسع في شوال سنة إحدى من الهجرة. وكانت أحب نسائه إليه. حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. أن النبي ﷺ تزوجها وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة. وحدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبدة بن سليمان، أنبأ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة ست سنين، وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين، وقال الواقدي والكلبي: تزوّجها في شوال، وأدخلت عليه في شوال، فكانت تستحب أن تتزوج نساؤها في شوال، وتقول: أية امرأة كانت أحظى عند زوج مني؟

стр. 525

حدثني حفص بن عمر، حدثني هشام بن الكلبي، عن عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو بن علقمة الليثي قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يبتني بعائشة، خرجت إليها أمها، أم رومان، وهي تلعب مع الجواري في النخل، فأخذت بيدها فأدخلتها على النبي ﷺ في شوال بعد قدومه المدينة بعام، وهي ابنة تسع. وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة. وكان رسول الله ﷺ خطبها حين خطب سودة. حدثنا محمد بن سعد، حدثني محمد بن عمر الواقدي، عن ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة قالت: تزوّجني رسول الله ﷺ قبل الهجرة بثلاث سنين في شوال سنة عشر من النبوة، وقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأعرس بي في شوال على رأس ثمانية أشهر من المهاجر. وكنت يوم تزوجني ابنة ستّ ويوم دخل عليّ ابنة تسع (١). حدثنا عبد الله بن صالح العجلي، عن ابن يمان، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوّجني رسول الله ﷺ في شوال، وأعرس بي في شوال؛ فأيّ نساء رسول الله كان أحظى عنده مني؟ وكانت تستحب نسائها أن يدخلن على أزواجهن في شوال. وحدثني العقوي الدلال البصري، عن أبيه، عن عباد بن عباد المهلبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: تزوّجني رسول الله ﷺ وإني ألعب مع الجواري بالبنات. فما شعرت

стр. 526

بذلك حتى حبستني أمي عن الخروج. فوقع في نفسي أني قد زوّجت. وما سألتها حتى أخبرتني ابتداء، ولقد كان النبي ﷺ يدخل بيتي فتنقمع الجواري منه ويخرجن. فيخرج ويسرّبهن إليّ. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعد، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال، قالت عائشة: ما تزوّجني النبي ﷺ حتى أتاه جبريل بصورتي، وقال: هذه زوجتك. فتزوّجني وإني لجارية عليّ حوف (١). فلما تزوّجني، وقع عليّ الحياء وإني لصغيرة. وقال سفيان: «الحوف»، الذي يكون في وسط الصبى. حدثنا عمرو الناقد، عمن حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: رآني رسول الله ﷺ في المنام، قبل أن يتزوجني، مرتين. وحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي قال: حدثني عدة، عن مالك، عن هشام، عن أبيه أن رسول الله ﷺ رأى عائشة على ارجوحة فأعجبته، فأتى منزل أبي بكر ولم يكن حاضرا، فقالت له أم رومان: ما حاجتك يا رسول الله؟ قال: جئت أخطب عائشة، قالت: إن عندنا يا رسول الله من هي أكبر منها. قال: إنما أريد عائشة. ثم خرج. ودخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فأخبرته أمها بما قال رسول الله ﷺ . فخرج، فزوّجها إياه. وأمر رسول الله ﷺ بقطع الأراجيح. حدثني أبو بكر الأعين، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن

стр. 527

إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: تزوّج رسول الله ﷺ عائشة وهي ابنة ست، ودخل بها وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة، وماتت وهي ابنة ست وستين سنة في سنة ثمان وخمسين. وتزوجها بكرا، وسماها «أم عبد الله». وقال أبو نعيم: وقد يقال إنها ماتت في سنة سبع وخمسين. والثبت أنها ماتت في سنة ثمان وخمسين. حدثني علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه قال: ماتت عائشة في سنة سبع وخمسين، ومات أبو هريرة في سنة تسع وخمسين وقد روى قوم أن النبي ﷺ تزوج عائشة في شهر رمضان. والأول أثبت. - قالوا: وكانت عائشة تقول: ما غرت على امرأة من نساء النبي ﷺ غيرتي على خديجة وإن كنت بعدها، لما أسمع من ذكر رسول الله ﷺ إياها. حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح قال، قالت عائشة: إني لأغار على خديجة وإن كنت بعدها، لما كنت أسمع من ذكر رسول الله ﷺ لها؛ ولقد سمعته يقول: «كانت خديجة خير نساء العالمين»؛ وقال: «إنّ لخديجة بيتا في الجنة من قصب (١) لا صخب فيه ولا نصب»؛ وإني لأعرف فضلها. وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن رجل، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت:

стр. 528

دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب بالبنات، فقال: ما هذا؟ فقلت: خيل سليمان. فضحك ﷺ (١). حدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن الزهري، فيما يحسب عبد الرزاق عن عروة، عن عائشة قالت: دخلت على النبي ﷺ امرأة سوداء، فأقبل عليها. فقلت: يا رسول الله، أقبلت على هذه السوداء هذا الإقبال؟ فقال: «إنها كانت تدخل على خديجة كثيرا، فإن حسن العهد من الإيمان». وحدثنا عبد الله بن صالح العجلي، ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن كريب قال: خطب علي يوما، فقام رجل، فشتم عائشة، فنهض إليه عمار بن ياسر، فقال: اسكت مقبوحا؛ أتقع في حبيبة رسول الله وزوجته؟ حدثنا بكر بن الهيثم وإبراهيم بن محمد السامي، ثنا عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال يوما: «يا عائشة، إن جبريل يقرأ عليك السلام»، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير، عن يزيد بن هارون، عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي سلمة، عن عائشة: بمثله. حدثني محمد بن إسماعيل الواسطي الضرير، ثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة بن شراحيل، عن أبي موسى قال:

стр. 529

قال رسول الله ﷺ : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران؛ وإنّ فضل عائشة عن النساء كفضل الثريد على الطعام». حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا عباد بن عباد، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: «إني لأعرف غضبك إذا غضبت، ورضاك إذا رضيت». فقالت: وكيف تعرف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا غضبت قلت: يا محمد، وإذا رضيت قلت: يا رسول الله». وروى في غير هذا الحديث أنه قال ﷺ : «إذا غضبت قلت: لا، وربّ إبراهيم»، وإذا رضيت قلت: لا، وربّ محمد». فقالت: إنما أهجر اسمك. حدثني المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري أو غيره، عن عروة قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فقالت له: أين كنت؟ قال: عند أم سلمة. فقالت: «وما تصنع بأم سلمة؟ وإنك نزلت بعدوتين، إحداهما عافية (١) لم ترع، والأخرى قد رعيت؛ في أيهما كنت ترعى؟» قال النبي ﷺ : «في التي لم ترع». وتبسم ﷺ . وقال أبو الحسن: يعني أن كل امرأة لك فإنما خلفت عليها بعد زوج، غيري. حدثنا أبو مسعود الكوفي، عن علي بن هاشم، عن حميد بن عبد الله الملائي، عن امه قالت:

стр. 530

رأيت على عائشة خمارين، حبشانيا وغرابيا أسود. وحدثني المدائني، عن يزيد بن عياض، عن هشام بن عروة، قال: دخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله ﷺ وعنده عائشة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب. فقال: «من هذه الحميراء يا رسول الله؟ قال: هذه عائشة بنت أبي بكر. قال: أفلا أنزل لك عن أجمل النساء؟ فقال ﷺ : لا. فلما خرج، قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا الأحمق المطاع في قومه». وحدثني أبو مسعود الكوفي، قال سمعت مالك بن أنس يحدث، عن هشام بن عروة قال، قالت عائشة: وجّه رسول الله ﷺ من المدينة، حين هاجر إليها، زيد بن حارثة، وأبا رافع مولييه. فحملا سودة بنت زمعة، وفاطمة، وأم كلثوم. وحمل زيد أم أيمن امرأته، وأسامة ابنه. وبعث أبي: عبد الله، أخي، فحمل أم رومان، وحملني وأختي. وخرج طلحة، فاصطحبنا. فقدمنا المدينة، والمسجد يبنى وأبيات حوله. فمكثنا أياما، ثم قال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر أنا باعث بالصداق. وهو اثنتا عشرة أوقية ونشّ (١). فبعث بذلك، وبنى بي في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه. وقال الواقدي وغيره: بدئ النبي ﷺ في بيت زينب بنت جحش، ويقال في بيت ميمونة. فجعل يقول: أين أنا غدا، وأين أنا بعد غد؟ فعرف أزواجه أنه يريد عائشة؛ فقلن: يا رسول الله قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة. فخرج متوكّئا على عمه العباس، والفضل بن العباس حتى دخل
следующие страницы →