أعداء الله، وجعل على نفسه أن يحصي كل نفقة أنفقها في الشرك فينفق مثلها في نصر الإسلام، وأقرّ رسول الله ﷺ امرأته على نكاحه.
- أما هبّار بن الأسود، فكان ممن عرض لزينب بنت رسول الله ﷺ حين حملت من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله ﷺ يأمر سراياه إن لقوه أن يحرّقوه. ثم قال: لا يعذّب بالنار إلا خالق النار. فأمر بقطع يديه ورجليه وقتله، فلما كان يوم الفتح، هرب ثم قدم على رسول الله ﷺ المدينة.
ويقال أتاه وهو بالجعرانة حين فرغ من أمر المشركين بحنين، فمثل بين يديه وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقبل إسلامه، وأمر أن لا يعرض له، وخرجت سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فقالت: لا أنعم الله بك عينا، فقال رسول الله ﷺ : مهلا، فقد محا الإسلام ما قبله. قال الزبير بن العوام: لقد رأيت رسول الله ﷺ بعد غلظته على هبّار يطأطئ رأسه استحياء منه، وهو يعتذر إليه.
- وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه أسلم وكان يكتب بين يدي رسول الله ﷺ فيملي عليه «الكافرين»، فيجعلها «الظالمين»، ويملي عليه «عزيز حكيم» فيجعلها «عليم حكيم»، وأشباه هذا، فقال: أنا أقول كما يقول محمد وآتي بمثل ما يأتي به محمد. فأنزل الله فيه ﴿وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ (١). وهرب إلى مكة مرّتدا، فأمر رسول الله ﷺ بقتله، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاع، فطلب فيه أشدّ طلب حتى كفّ عنه رسول الله ﷺ ، وقال: أما كان فيكم من يقوم إلى هذا الكلب قبل أن أؤمنّه فيقتله؟ فقال عمر - ويقال أبو اليسر - لو أومأت إلينا، قتلناه. فقال: إني
стр. 457
ما أقتل بإشارة، لأن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين. وكان يأتي النبي ﷺ ، فيسلم عليه. وولاه عثمان مصر، فابتنى بها دارا، ثم تحوّل إلى فلسطين فمات بها. وبعض الرواة يقول: مات بإفريقية. والأول أثبت.
- وأما مقيس بن صبابة الكناني، فإن أخاه هاشم بن صبابة بن حزن أسلم وشهد غزاة المريسيع مع رسول الله ﷺ فقتله رجل من الأنصار خطأ وهو يحسبه مشركا. فقدم مقيس على رسول الله ﷺ ، فقضى له بالدية على عاقلة الأنصاري، فأخذها وأسلم ثم عدا على قاتل أخيه فقتله وهرب مرتدا وقال:
شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا … تضرّج ثوبيه دماء الأخادع
ثأرت به فهرا وحملت عقله … سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به وتري وأدركت ثؤرتي … وكنت عن الإسلام أول راجع
فأمر رسول الله ﷺ بقتله من لقيه. فلما كان يوم الفتح، خرج مدججّا، وهو يقول:
دون دخول محمد أياها ضرب كأفواه المزاد.
وكان قد اصطبح ذلك اليوم في أصحاب له. وكانت أمه سهمية.
وكان معهم. فعاد حين انهزم الناس، فشرب. وعرف نميلة بن عبد الله الكناني موضعه، فدعاه. فخرج إليه ثملا، وهو يقول متمثلا:
دعيني أصطبح يا بكر إنيّ … رأيت الموت نقّب عن هشام
ونقّب عن أبيك أبي يزيد … أخي القينات والشرّب الكرام
فلم يزل يضربه بالسيف حتى قتله. فقال شاعرهم:
стр. 458
لعمري لقد أخزى نميلة رهطه … وفجّع أضياف الشتاء بمقيس
فلله عينا من رأى مثل مقيس … إذا النفساء أصبحت لم تخرّس (١)
- وأما الحويرث بن نقيد، فكان يعظّم القول في رسول الله ﷺ ، وينشد الهجاء فيه ويكثر أذاه وهو بمكة. فلما كان يوم الفتح، هرب من بيته. فلقيه علي بن أبي طالب فقتله.
- وأما هلال بن عبد الله بن عبد مناف الأدرمي، وهو ابن خطل - وبعضهم يقول عبد الله، والثبت أن اسمه هلال - فإنه أسلم وهاجر إلى المدينة. فبعثه النبي ﷺ ساعيا على الصدقة، وبعث معه رجلا من خزاعة.
فوثب على الخزاعي فقتله. وذلك أنه كان يخدمه، ويتخذ له طعامه. فجاء ذات يوم ولم يتخذ له شيئا، فاغتاظ وضربه حتى قتله. وقال: إن محمدا سيقتلني به، فارتدّ وهرب وساق ما كان معه من الصدقة، وأتى مكة. فقال لأهلها: لم أجد دينا خيرا من دينكم. وكانت له قينتان، فكانتا تغنينان بهجاء رسول الله ﷺ ، ويدخل عليهما المشركون فيشربون عنده الخمر.
فقال رسول الله ﷺ يوم الفتح: اقتلوه ولو كان متعلقا بأستار الكعبة. فقتله أبو برزة الأسلمي. واسمه نضلة بن عبد الله، وذلك الثبت. وبعضهم يقول: اسمه خالد بن نضلة، وهو قول الهيثم بن عدي. وبعضهم يقول:
عبد الله بن نضلة أيضا، ويقال قتله شريك بن عبدة، من بني العجلان.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن عبد الله القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي برزة.
стр. 459
أنه سمعه يقول: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ* وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (١).
فأخرجت عبد الله بن خطل، وهو في أستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن والمقام. ويقال: قتله عمار بن ياسر. ويقال سعيد بن حريث المخزومي أخو عمرو بن حريث.
- أما هند، فأسلمت وكسرت كل صنم في بيتها، وأتت رسول الله ﷺ مسلمة، وبايعها مع النساء؛ وكان في بيعة النساء «أن لا يزنين»، فقالت: «وهل تزنى الحرّة؟». وأهدت إلى رسول الله ﷺ جديين، واعتذرت من قلة ولادة غنمها. فدعا لها رسول الله ﷺ ، فكثرت غنمهم.
فكانت تقول: هذا ببركة رسول الله ﷺ ؛ فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وأكرمنا برسوله، وقالت حين هدمت الأصنام التي كانت في بيتها: لقد كنا منكم في غرور.
- وأما سارة، صاحبة كتاب حاطب بن أبي بلتعة، فكانت مغنّية نوّاحة. وكانت قدمت من مكة، فوصلها رسول الله ﷺ حين شكت إليه الحاجة. وقالت: إني قد تركت النوح والغناء. ثم رجعت إلى مكة مرتدّة، وجعلت تتغنى بهجاء رسول الله ﷺ . فقتلها علي بن أبي طالب. ويقال غيره.
- أما قينتا ابن خطل، فإن إحداهما وهي أرنب - ويقال قريبة - فقتلت. وبقيت الأخرى، فجاءت مسلمة، وقد تنكرت. واسمها فرتنا.
ولم تزل باقية إلى خلافة عثمان. فانكسرت لها ضلع، وماتت، وقال الواقدي: كسرت ضلع من أضلاع فرتنا، قينة ابن خطل، فقضى عثمان فيه بثمانية آلاف: ستة آلاف ديتها وألفان لتغليظ الجناية.
стр. 460
-وكان عبد الله بن أبي أمية من أشدّ الناس على النبي ﷺ . وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شديدا عليه وكان يكذّبه ويهجوه. وفيه يقول حسان: (شعر)
أتهجوه ولست له بند … فشرّكما لخيركما الفداء (١)
فأتيا رسول الله ﷺ بنيق العقاب فلم يأذن لهما، فأما عبد الله بن أبي أمية، فتكلمت فيه أخته أم سلمة، حتى أذن له فسلم عليه وبايعه ولم يغمص عليه في إسلامه حتى استشهد يوم الطائف، وأما أبو سفيان، فتكلم فيه العباس حتى أذن له وبايعه، ولم يزل مستغفرا مما كان فيه، مجتهدا في مناصحة الإسلام حتى مات في خلافة عمر، وصلى عليه عمر. ويقال إنّ أبا سفيان أتى النبي ﷺ وهو بالأبواء، فأسلم. ويقال إنّ أبا سفيان كان أخا النبي ﷺ من الرضاع: أرضعته حليمة أياما.
- قالوا: وجعل رسول الله ﷺ يطعن الأصنام بمحجن معه ويقول:
﴿جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (٢)، ودفع رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وكان قد أسلم قبل الفتح، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص في وقت واحد، وخرج عن المدينة إلى مكة، وفيه نزلت ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (٣).
- وبعث سهيل بن عمرو ابنه، عبد الله بن سهيل، إلى رسول الله ﷺ ، فأمنه رسول الله ﷺ . فقال سهيل: «بأبي وأمي هو، فلم يزل برّا
стр. 461
حليما صغيرا وكبيرا». وخرج مع رسول الله ﷺ على شركه، فأسلم بالجعرانة.
- وهرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وهو يومئذ زوج أم هانئ بنت أبي طالب، وابن الزّبعرى - وقال أبو عبيدة: الزّبعرى بالفتح - معه إلى نجران. فأما ابن الزبعرى، فرجع مسلما. فلما رآه النبي ﷺ ، قال: قد جاءكم عبد الله وإنما أرى في وجهه نور الإسلام. فقال: السّلام عليك يا رسول الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. واعتذر إلى النبي ﷺ ، فقبل عذره وقال: الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام، فقد محا الإسلام ما كان قبله، ومات هبيرة بنجران مشركا.
- وهرب حويطب بن عبد العزى. فرآه أبو ذرّ في حائط، فأخبر رسول الله ﷺ بمكانه، فقال: أوليس قد أمنّا الناس إلا من أمرنا بقتله؟ فأتاه فأخبره، أو أخبر غيره بذلك، فأمن. وكان حويطب بن عبد العزى دخل على مروان بن الحكم بعد، وهو والي المدينة، فقال له مروان: تأخّر إسلامك يا شيخ. فقال: قد والله هممت به غير مرة، فكان أبوك يصدّني عنه.
- وهرب صفوان بن أمية، وكان يكنى أبا وهب. فتكلم فيه عمير بن وهب الجمحي، وقال: سيد قومي هارب خوفا، فأمنه رسول الله ﷺ ، فلحقه فأعلمه أمانه، فلم يثق به حتى بعث إليه رسول الله ﷺ ببردة كان معتجرا بها، فأطمأنّ ورجع مع عمير، وأقام كافرا، وأعار رسول الله ﷺ مائة درع بأداتها، وشهد حنين والطائف مع رسول الله ﷺ فرآى غنما كثيرة من الغنيمة، فنظر إليها. فقال له رسول الله ﷺ : أعجبتك؟ قال:
стр. 462
نعم. قال: فهي لك. فقال: والله ما طابت بها إلا نفس نبي، وأسلم.
وأقام بمكة. فقيل له: لا إسلام لمن لم يهاجر.
وأتى المدينة. فقال له رسول الله ﷺ : عزمت عليك يا أبا وهب لما رجعت إلى أباطح مكة. فرجع ومات أيام خروج الناس إلى البصرة ليوم الجمل.
واستسلف رسول الله ﷺ من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم، ومن صفوان خمسين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم. فردّها حين فتح الله عليه هوازن، وغنّمه أموالهم.
وإنما استقرضها ليقوّي بها أصحابه.
وكان ﵇ أمر بقتل وحشي، قاتل حمزة، فهرب إلى الطائف، ثم قدم في وفدها فدخل على رسول الله ﷺ . وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال النبي ﷺ : «أوحشي»؟ قال: نعم. قال: أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فأخبره. فقال: «غيّب عني وجهك». قال الواقدي: فأول من ضرب في الخمر وحشي، وأول من لبس المعصفر المصقول بالشأم وحشي، لا اختلاف بينهم في ذلك.
قالوا: وأسلم الحارث بن هشام وأقام بمكة، وكان مغموصا عليه في إسلامه. فلما جاءت وفاة النبي ﷺ وبيعة أبي بكر، كان بمكة. ثم لما استنفر أبو بكر الناس لغزو الروم بالشأم، شخص هو وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، فاستأذنوه في الغزو. فأذن لهم. فخرجوا إلى الشأم. فاستشهد عكرمة يوم أجنادين. ومات سهيل. والحارث في طاعون عمواس.
قالوا: وبلغ رسول الله ﷺ أنّ أنس بن زنيم، وهو أبو إياس - وكان ابنه مسمى باسمه - هجاه. فقدم عليه يعتذر في شعر يقول فيه:
стр. 463
فما حملت من ناقة فوق رحلها … أعفّ وأوفى ذمة من محمد
أحثّ على خير وأسرع نائلا … إذا راح يهتزّ اهتزاز المهنّد
ونبّي رسول الله أني هجوته … فلا رفعت سوطي إليّ إذا يدي
سوى أنني قد قلت يا ويح فتية … أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد
فبلغ رسول الله ﷺ اعتذاره وشعره، وكلّم فيه، فعفا عنه، وكان قد نذر دمه.
وقال رسول الله ﷺ يوم الفتح: «ألا إنّ كل دين ومال ودم ومأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي، إلا سدانة البيت وسقاية الحاجّ. وأول الدماء دم آدم بن ربيعة». وكان حذيفة بن أنس الهذلي الشاعر خرج بقومه يريد بني عدي بن الديل، فوجدهم قد ظعنوا عن المنزل الذي عهدهم فيه، ونزّله بنو سعد بن ليث. فأغار على بني سعد، وآدم بن ربيعة مسترضع له فيهم وصغيرا، فقتل. فوضع رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح.
فقال حذيفة بن أنس:
أصبنا الألى لما نرد أن نصيبهم … فساءت كثيرا من هذيل وسرّت
أسائل عن سعد بن ليث لعلهم … سواهم قد أصابت بهم فاستحرّت (١)
فلا توعدونا بالجياد فإنها … لنا أكلة قد عضلّت فأمرّت
وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم. ويقال كان خليفته أبا رهم الغفاري. وفشا الإسلام بمكة، وكسر الناس أصنامهم، ووجّه رسول الله ﷺ في كسر الأصنام التي حول مكة، وأقام رسول الله ﷺ بمكة، حتى خرج منها إلى حنين. واستخلف عليها عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. وأسلم عبد الله بن أبي أمية في الفتح.
стр. 464
ثم غزاة حنين
قالوا: قدم رسول الله ﷺ مكة لثماني عشرة خلت من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، فأقام بها اثنتي عشرة ليلة. ثم أصبح غداة الفطر غازيا إلى حنين، وهو واد من أودية تهامة. وكانت أشراف هوازن بن منصور وغيرهم من قيس قد تجمعوا مشفقين من أن يغزوهم رسول الله ﷺ ، وقالوا: قد فرغ لنا، فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه. فساروا، وعليهم مالك بن عوف بن سعد، أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر، حتى نزلوا بأوطاس. وانتهى خبرهم إلى رسول الله ﷺ ، فاستعمل على مكة عتّاب بن أسيد، وجعل معاذ بن جبل على تعليم الناس السنن، وأقرّ ابن أم مكتوم وأبا رهم على المدينة، وخرج في اثني عشر ألفا من المسلمين. فقال أبو بكر، ويقال غيره: لن نؤتى اليوم من قلة. فذلك قوله ﵎: ﴿وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ (١).
ونزل رسول الله ﷺ على حنين، وبينه وبين مكة ثلاث. وذلك في شوال.
فالتقى المسلمون والمشركون على حنين، فاقتتلوا أشد قتال. فانكشف
стр. 465
المسلمون إلا مائة ثبتوا وصبروا مع رسول الله ﷺ ، منهم: العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعمر، وأيمن بن عبيد. ثم ثابت الأنصار. وثاب الناس، فهزم الله المشركين، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، ويقال إن من ثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ العباس، وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، والزبير، وعبد الله بن الزبير، وأسامة. وجعل أبو سفيان يقاتل ويقول:
بنو أبيه اليوم من أمامه … ومن حواليه ومن أهضامه
فقاتل المسلم عن إسلامه … وقاتل الحرميّ عن إحرامه
وأتى فلّ هوازن أوطاس، وقد سبي منهم سبي كثير بعث بهم رسول الله ﷺ إلى الجعرانة. وولى أمر السبى بديل بن ورقاء الخزاعي. وبعث رسول الله ﷺ أبا عامر الأشعري إلى أوطاس متبعا للكفرة، فقتل. قتله سلمة بن سمادير الجشمي، في قول ابن الكلبي. فقام بأمر الناس أبو موسى الأشعري. واقبل المسلمون إلى أوطاس، فهربوا منهم إلى الطائف.
حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا يحيى بن عبد العزيز، عن عبد الله بن نعيم الأزدي، عن الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري قال:
لما هزم الله هوازن يوم حنين، عقد رسول الله ﷺ لأبي عامر على خيل الطلب، فطلبهم وأنا معه فإذا ابن دريد بن الصّمّة. فعدل أبو عامر إليه، فقتله ابن دريد وأخذ اللواء منه. وشددت على ابن دريد، فقتلته وأخذت اللواء منه، ثم انصرفت بالناس. فلما رآني رسول الله ﷺ قال: أقتل أبو عامر؟ قلت: نعم. فرفع رسول الله ﷺ وسلم يده يدعو لأبي عامر.
стр. 466
وكان شيبة بن عثمان العبدري شديدا على المسلمين، وكان ممن أومن؛ فسار إلى هوازن طمعا في أن يصيب من النبي ﷺ غرّة. قال:
فدنوت منه، فإذا أهله محيطون به، ورآني فقال: «يا شيب، إليّ».
فدنوت منه. فمسح صدري، ودعا لي. فأذهب الله كل غلّ كان فيه، وملأه إيمانا؛ وصار أحبّ الناس إلي.
стр. 467
ثم غزاة الطائف.
أتاها رسول الله ﷺ ، فنصب عليها منجنيقا اتّخذها سلمان الفارسيّ.
وكان مع المسلمين دبّابة. يقال إنّ خالد بن سعيد بن العاص قدم بها من جرش (١). فحاصر أهل الطائف خمسة عشر يوما. وألقوا على الدبّابة سككا من حديد محماة، فأحرقتها وأصابت من تحتها من المسلمين. ثم انصرف عن الطائف إلى الجعرانة، فقسّم الغنائم والسبي. وقال ﷺ : «ردّوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة». ثم أخذ بيده وبرة، فقال: «ما يحلّ لي مما أفاء الله عليكم مثل هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود فيكم». وبعث أهل الطائف وفدهم إلى رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة تسع، وفيهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، يسألونه أن يكتب لهم كتابا على ما في أيديهم مما يسلمون عليه من مال وركاز وغير ذلك، ففعل، وأسلموا.
وكان خليفة رسول الله ﷺ بالمدينة ابن أم مكتوم، أو أبا رهم. ونزل مالك بن عوف من حصن الطائف، فأتى رسول الله ﷺ ومدحه بشعر وأسلم
стр. 468
فوهب له رسول الله ﷺ أهل بيته، واستعمله على من أسلم من قومه ومن حول الطائف.
وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال سمعت مالكا يحدث أنه كان مع رسول الله ﷺ حسك من خشب يطيف بعسكره حين حاصر أهل الطائف.
ومنّ رسول الله ﷺ على أقارب ظئره حليمة يوم حنين.
ونزل إلى رسول الله ﷺ ، حين حاصر أهل الطائف، رقيق من رقيقهم. منهم أبو بكرة بن مسروح مولى رسول الله ﷺ ، واسمه نفيع وهو أخو زياد بن أبي سفيان لأمه؛ والأزرق، وكان روميا غلاما للحارث بن كلدة الثقفي، وولده بالمدينة قد شرفوا، وقد كان الأزرق هذا تزوّج سمية أم عمار بن ياسر، ثم تزوجها ياسر فولدت له عمارا، ويقال بل خلف الأزرق على سميّة وقد فارقها ياسر، فولدت له سلمة بن الأزرق، وهو أخو عمار لأمه. وبعض الرواة يظن أنه أبو الأزارقة؛ والأزرق الذي نسب إليه الأزارقة أبو نافع بن الأزرق وهو حنفي، وهو غير هذا. قالوا: وكانت ثقيف تقول، حين حاصرها النبي ﷺ :
نحن قسيّ وقسيا أبونا … والله لا نسلم ما حيينا
وقد بنينا حائطا حصينا
وحدثني محمد، عن الواقدي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن الوضين بن عطاء، عن مكحول
أن رسول الله ﷺ نصب المنجنيق على حصن الطائف، ولم يخل الحصن يومئذ من أن يكون فيه الذرية.
стр. 469
حدثنا محمد، عن الواقدي، عن عبد الحميد، عن مسلم بن يسار أن سلمان أشار بنصب المنجنيق على الطائف، فأمر النبي ﷺ أن يعلموا، ثم نصبه (١).
قالوا: وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية مات في ماله بالطائف سنة اثنتين من الهجرة كافرا. ويقال في أول سنة من الهجرة. فلما غزا النبي ﷺ الطائف، رأى قبر أبي أحيحة مشرفا فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لعن الله صاحب هذا القبر فإنه كان ممن يحادّ الله ورسوله. فقال ابناه، عمرو وأبان، وهما مع رسول الله ﷺ : بل لعن الله أبا قحافة فإنه لا يقري الضيف ولا يمنع الضيم، فقال رسول الله ﷺ : «سبّ الأموات يؤذي الأحياء، فإذا سببتم فعمّوا» (٢).
قالوا: وحجّ بالناس في سنة ثمان عتّاب بن أسيد. ويقال بل حجوا بلا أمير أوزاعا (٣).
стр. 470
ثم غزاة تبوك
وكانت في رجب سنة تسع.
وسببها أن هرقل ومن اجتمع إليه من لخم، وجذام، وعاملة وغيرهم أظهروا أنهم يريدون غزو رسول الله ﷺ ، فلما سار إليهم، هابوا محاربته، فلم يلق كيدا. وأتته رسل هرقل، فكساهم وردّهم. وكان جيش رسول الله ﷺ في هذه الغزاة يدعى جيش العسرة، لأن الناس كانوا مضيّقين.
فجهز عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ثلثهم، ويقال أكثر من ذلك.
وأنفق عليهم رضي الله تعالى عنه سبعين ألف درهم، ويقال أكثر من ذلك، وأعطاهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه جميع ما بقي من ماله، وهو أربعة آلاف درهم. وكان المسلمون ثلاثين ألفا، وكانت الإبل اثني عشر ألف بعير؛ والخيل عشرة آلاف.
وكان خليفة رسول الله ﷺ بالمدينة ابن أم مكتوم. ويقال محمد بن مسلمة الأنصاري. ويقال كان خليفته أبا رهم. ويقال سباع بن عرفطة. وأثبت ذلك محمد بن مسلمة الأوسي.
стр. 471
حجة الوداع
ثم كانت حجة رسول الله ﷺ في سنة عشر، وهي التي تسمى حجة الوداع، وإنما سميت بذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وكان عبد الله بن عباس أنكر قولهم «حجة الوداع»؛ فقالوا: «حجة الإسلام». فقال:
نعم، لم يحجّ رسول الله ﷺ من المدينة غيرها. وقال إبراهيم بن سعد:
هي تسمى أيضا «حجة البلاغ». وكان خليفته في هذه الحجة ابن أم مكتوم.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه، عن كريب، عن ابن عباس قال:
خرج رسول الله ﷺ من بيته متدهنّا مترجلا (١)، حتى أتى ذا الحليفة (٢).
قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه قال:
стр. 472
أحرم رسول الله ﷺ في ثوبين من نسج صحار: إزار ورداء. وخرج بنسائه جميعا، فدخل مسجد ذي الحليفة، فصلى ركعتين ثم أشعر بدنه في الجانب الأيمن. ثم ركب ناقته القصواء، فلما استوت به على ظهر البيداء، أهل بالحجّ.
وولد محمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بذي الحليفة.
حدثني هشام بن عمار، ثنا مالك بن أنس قال حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ أفرد الحجّ.
وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
أهلّ بعمرة، وساق الهدي.
قال الزهري: وأخبرني القاسم، عن عائشة:
أنه أهلّ بالحجّ. وقال الزهري، عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحجة وعمرة معا.
قال الزهري: وحدثني سالم، عن أبيه
أن رسول الله ﷺ تمتّع (١).
قال الواقدي: وحدثني محمّد، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن الحارث، عن سعد بن أبي وقاص أنه قال:
تمتع رسول الله ﷺ . وقال الواقدي: وقد اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة عمرة مشهورة. وقال الواقدي: كانت زاملة (٢) رسول الله ﷺ وأبي بكر في حجته واحدة. واحتجم رسول الله ﷺ على رأسه بلحي جمل، وهو
стр. 473
موضع بين المدينة ومكة، ودخل رسول الله ﷺ مكة نهارا على راحلته حتى انتهى إلى البيت. فلما رأى البيت، رفع يديه فوق زمام ناقته، فأخذه بشماله. فبدأ بالطواف بالبيت قبل الصلاة، ولم يستلم من الأركان إلا اليماني والأسود. ورمل ﷺ من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة.
وحدثني محمد بن مصفى الحمصي، حدثني أبو الفضل التميمي، ثنا شعبه، ثنا قتادة، عن أبي الطفيل قال:
حج معاوية، فوافق ابن عباس، فاستلم ابن عباس الأركان كلها.
فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ الركنين اليمانيين. فقال ابن عباس: ليس من أركانه مهجور.
وخطب رسول رسول الله ﷺ قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، ويوم عرفة حين زالت الشمس وهو على راحلته قبل الصلاة، والغد من يوم النحر بعد الظهر بمنى. وساق في حجته مائة بدنة. نحر منها ستّين بيده بالحربة.
ثم أعطى عليا رضي الله تعالى عنه سائرها، فنحرها. ولم يصم رسول الله ﷺ يوم عرفة، وصلى الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين. ثم وقف بعرفة، ودفع حين غابت الشمس. فقصر في سيره ثم صلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين. قال: وقال الزهري: صلاّهما بإقامة. وبات بالمزدلفة. وأذن لنسائه في التقدم من جمع، بليل. ووقف على ناقته القصواء حتى أسفر. ثم دفع. ورمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته.
ونحر بالمنحر، وقال: كل منى منحر. وحمل حصاة من جمع. ثم كان يرمى الجمار ماشيا. ورمى يوم الصدر راكبا. ويقال ماشيا. وكان يرفع يديه عند الجمار، ويقف. ولا يفعل ذلك عند جمرة العقبة. وزار البيت يوم
стр. 474
النحر. ونفر يوم الصدر، فنزل بالأبطح في قبة ضربت له. فلما كان في آخر الليل، خرج فودّع البيت. ثم مضى من وجهه إلى المدينة (١).
حدثني هشام بن عمار الدمشقي، ثنا عيسى بن يونس، ثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن فلان بن عامر، عن عبد الله بن الأقرط.
أن النبي ﷺ قال: أفضل أيامكم يوم النحر، ثم يوم القرّ (٢) وهو اليوم الثاني. قال: وقرّبت لرسول الله ﷺ خمس بدنات أو ستّ، فطفقن يزدلفن بأيتهن يبدأ (٣).
стр. 475
سرايا رسول الله ﷺ :
- سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه بعته رسول الله ﷺ يعترض عيرا لقريش في ثلاثين راكبا، وعقد له لواء، وهو أول لواء عقده ﷺ . فانتهى إلى الساحل، ولم يلق كيدا. وذلك في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة.
- سرية أميرها عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف إلى بطن رابغ. وكان في ستّين راكبا. فلقي أبا سفيان بن حرب، وهو في مائتي راكب. فتراموا وتناوشوا قليلا ثم افترقوا. وذلك على رأس ثمانية أشهر من الهجرة. ويقال لهذه السرية أيضا ثنية المرّة، مشدّد. «ورابغ» واد على عشرة أميال من الجحفة. ويقال إنّ سرية عبيدة هذه قبل سرية حمزة.
- سرية أميرها سعد بن أبي وقاص الزهري إلى الخرّار. بعثه رسول الله ﷺ لاعتراض عير قريش، ففاتته. ولم يلق كيدا. وذلك في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة. وبعد هذه السرية كانت غزاة الأبواء، ثم غزاة بواط، ثم غزاة سفوان، ثم غزاة ذي العشيرة.
- وسرية أميرها عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب سنة اثنتين. قال عبد الله: دعاني رسول الله ﷺ وعليّ سلاحي، ودعا أبيّ بن
стр. 476
كعب، فأمره. فكتب كتابا. ثم أعطاني إياه. وكان في أديم خولاني.
وقال: قد استعملتك على هؤلاء القوم، فأقرأ كتابي بعد ليلتين، واسلك النجدية. فكان فيه: «سر على اسم الله وبركته حتى تأتي بطن نخلة، فارصد بها عير قريش». قالوا: فسار حتى صار إلى نخلة فوجد بها عيرا لقريش، فيها عمرو بن الحضرمي، وحكم بن كيسان مولى بني مخزوم، وعثمان بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، ونوفل بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فحلق ابن كيسان رأسه حين رأى المسلمين. فلما أراد واقد بن عبد الله التميمي، وعكاشة بن محصن أن يغيرا على العير، رأيا الحكم محلوق الرأس. فانصرفا وقالا: هؤلاء قوم عمار. ثم تبينوا أمرهم، فقاتلوهم. فرمى واقد عمرو بن الحضرمي، فقتله. واستأسر عثمان بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وحكم بن كيسان. وأعجزهم نوفل بن عبد الله، واستاقوا العير. ويقال إن المقداد بن عمرو أخذ حكم بن كيسان أسيرا. فلما قدم بابن كيسان على رسول الله ﷺ ، دعاه إلى الإسلام.
فأسلم وجاهد حتى قتل ببئر معونة شهيدا، ورسول الله ﷺ راض عنه.
وكان في الجاهلية المرباع. فخمّس رسول الله ﷺ تلك الغنائم، ولم يربّعها. وكانت أول غنيمة خمست في الإسلام. ثم أنزل الله آية الغنيمة في الأنفال (١). ويقال إنّ هذه الغنيمة أخرّت حتى قسمت مع غنائم أهل بدر. وجعلت قريش تقول: استحلّ محمد القتال في الشهر الحرام، يعنون رجبا، وقال بعض المسلمين: يا رسول الله، أنقاتل، في الشهر الحرام؟ فأنزل الله : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾
стр. 477
﴿عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١). يقول: القتال في الشهر الحرام كبير؛ وأكبر من القتال في الشهر الحرام، الصدّ عن سبيل الله، والكفر به، وإخراج أهل المسجد الحرام منه؛ وفتنة المشركين المسلمين في الشهر الحرام أشدّ من القتل. وبعد هذه السرية كانت غزاة بدر القتال. وفدي عثمان بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فأتى مكة، ثم قتل يوم أحد كافرا.
- وسرية عمير بن عدي بن خرشة، أحد بني خطمة، من الأوس، إلى عصماء بنت مروان اليهودي. وكانت تؤذي رسول الله ﷺ ، وتعيب الإسلام، وقالت شعرا، هو:
فباست بني مالك والنبيت … وعوف وباست بني الخزرج
أطعتم أتاويّ من غيركم … فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرؤوس … كما يرتجى مرق المنضج
وكانت تحت رجل من بني خطمة.
وقال عمير بن عدي حين بلغه قولها: لله عليّ أن أقتلها إذا قدمت المدينة. وكان والمسلمين في مغزاهم ببدر. فلما قدم المدينة، سأل رسول الله ﷺ أن يأذن له في قتلها، ففعل. فأتاها ليلا، فقتلها لخمس ليال بقين من شهر رمضان، وجاء إلى رسول الله ﷺ . فقال: «أقتلت عصماء»؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «لا ينتطح فيها عنزان». وهو ﷺ أول من قالها.
وقال ابن الكلبي: هو عمير بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة - واسم خطمة عبد الله - بن جشم بن مالك بن الأوس. وعدي أخو عمير.
- وسرية سالم بن عمير الأنصاري في شوال سنة اثنتين إلى أبي عفك،
стр. 478
وهو الثبت. وبعضهم يقول: عفك، وكان شيخا كبيرا يحرّض الناس على النبي ﷺ ، وكان من بني عمرو بن عوف. ولم يدخل في الإسلام. فأقبل إليه سالم منصرفه من بدر، وهو نائم بفناء منزله في بني عمرو بن عوف، فقتله، وصاح حين وجد حرّ السيف صيحة منكرة، فاجتمع إليه قوم ممن كان على مذهبه، فقبروه. وتغيب سالم، فلم يعلموا من قتل عفك. وقال قوم: أتاه علي بن أبي طالب، وهو نائم على فراشه، فقتله. وكانت غزاة بني قينقاع بعد هذه السرية، ثم غزاة السويق، ثم غزاة قرقرة الكدّر.
- وسرية إلى كعب بن الأشرف اليهودي، وكان طائيا. بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة، ومعه خمسة من الأنصار أو أربعة وهو خامسهم، فأتوه وهو في أطمة. فنادوه، فنزل إليهم، فقتلوه. وكان فيهم عباد بن بشر بن وقش الأوسي، وكان أخاه من الرضاع، فقال:
صرخت به فلم ينزل لصوتي … وأوفى طالعا من فوق قصر
فعدت فقال من هذا المنادي … فقلت أخوك عبّاد بن بشر
وكانت هذه السرية في شهر ربيع الأول سنة ثلاث، وكان ابن الأشرف أتى مكة، ورثى أهل بدر وأقام بمكة، وكان حسان بن ثابت يهجو كل من آواه وأنزله، بأمر رسول الله ﷺ . فإذا بلغهم هجاؤه، أخرجوه. فلما لم يجد له مؤويا، آتى المدينة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفني كعبا بما شئت»، لإعلانه الشر وقوله الشعر. فانتدب له محمد بن مسلمة. وبعد هذه السرية غزاة ذي أمرّ، ثم غزاة بني سليم ببحران.
- وسرية القردة، وهي فيما بين الرّبذة والغمر، ناحية ذات عرق.
وكانت قريش عدلت بعيرها عن الطريق إلى ماء هناك خوفا من المسلمين.
فوجّه رسول الله ﷺ زيد بن حارثة مولاه في عدّة من المسلمين، وزيد
стр. 479
أميرهم. فظفر بالعير، وأفلت أعيان القوم: صفوان بن أمية وغيره، فبلغ الخمس عشرين ألف درهم. وكان فرات بن حيان العجلي دليل قريش، فأسره زيد وأتى به النبي ﷺ ، فأسلم، وكانت هذه السرية في جمادى الآخرة سنة ثلاث. وبعدها كانت غزاة أحد.
- وسرية أبي سلمة بن عبد الأسد، إلى بني أسد، في المحرم سنة أربع. وكانوا جمعوا جمعا عظيما، وعليهم طليحة بن خويلد، وأخوه سلمة بن خويلد، يريدون غزو المدينة، فبلغ قطنا، وهو جبل، فلم يلق كيدا. وذلك أن الأعراب تفرّقوا، وأصاب نعما استاقها. ويقال إنه لقيهم، فقاتلهم، فظفر وغنم.
- وسرية أميرها المنذر بن عمرو بن خنيس بن لوذان الساعدي. بعث به رسول الله ﷺ مع أبي براء عامر بن مالك الكلابي، ملاعب الأسنّة، في صفر سنة أربع. وذلك أنه وفد على النبي ﷺ فسأله أن يوجّه معه قوما يعرّفون من وراءه فضل الإسلام، ويدعونهم إليه، ويصفون لهم شرائعه.
وعرض رسول الله ﷺ عليه الإسلام فقال: أرجع إلى قومي، فأناظرهم، فلما سار إلى بئر معونة، استنهض عامر بن الطفيل بن مالك، من بني كلاب، لقتال أصحاب رسول الله ﷺ . وكانوا أربعين رجلا، ويقال سبعين. فلم ينهضوا معه كراهة أن يخفروا ذمة أبي براء. فأتى بني سليم، فاستنفرهم. فنفروا معه وقاتلوا أصحاب النبي ﷺ ببئر معونة.
فاستشهدوا جميعا. فغّم ذلك أبا براء، وقال: أخفرني ابن أخي ذمته من بين قومي.
وكان ممن استشهد ببئر معونة: عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق. طعنه جبّار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب. فأخذ من
стр. 480
رمحه، فرفع. فزعموا أن جبارا أسلم. وقال الكلبي: لم ينج إلا عمرو بن أمية الضّمري.
- وسرية أميرها مرثد بن أبي مرثد الغنوي، ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري - واسم أبي الأقلح قيس بن عصمة من الأوس - إلى الرجيع. وهو ماء لهذيل. وكان رسول الله ﷺ بعثهم إليه في صفر سنة أربع يقبض صدقاتهم ويفقههم في الدين، لادّعائهم الإسلام على سبيل المكيدة.
فلما صاروا إليهم، غدروا، وكثروهم، فقتل مرثد، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وأرادوا إحراقه فحمت الدّبر - وهي النحل - لحمه ومنعته، فلم يقدروا على أن يمسوه. فلما جنّ عليه الليل، أتى سيل فذهب به. وباعوا خبيب بن عدي بن مالك بن عامر بن مجدعة الأوسي من قريش. فقتلوه وصلبوه بالتنعيم. وكان أول من صلى ركعتين قبل القتل. وقتل يومئذ خالد بن البكير، أخو عاقل بن البكير الكناني. وبعضهم يقول: ابن أبي البكير. والأول قول الكلبي. وأم بني البكير عفراء بنت عبيد بن ثعلبة.
وبعد هذه السرية غزاة بني النضير، ثم غزاه بدر الموعد.
- وسرية عبد الله بن أبي عتيك الخزرجي، إلى رافع بن أبي الحقيق اليهودي. بعثه رسول الله ﷺ إليه في ذي الحجة سنة أربع. فقتله في منزله. وقال قوم: بعثه إليه في سنة خمس. وقال الكلبي: هو عبد الله بن عتيك. وبعد هذه السرية غزاة ذات الرقاع، ثم غزاه دومة الجندل، ثم غزاه بني المصطلق، ثم الخندق، ثم بني قريظة.
- وسرية عبد الله بن أنيس، من ولد البرك بن وبرة - وعداده في جهينة - في المحرم سنة ست إلى سفيان بن خالد بن نبيح - ويقال إلى جالد بن
стр. 481
نبيح - الهذلى بعرنة (١)، فقتله وهو نائم ويقال إن ابن أنيس لم يكن في جماعة، وأنه مضى وحده متنكّرا، فقتله. فلما قدم على رسول الله ﷺ ، دفع إليه مخصرته، وقال: «القني بها يوم القيامة».
- وسرية محمد بن مسلمة بن خالد بن مجدعة الأوسي، من الأنصار، في المحرم سنة ست أيضا إلى القرطاء، من بني كلاب، بناحية ضرّية.
وبينها وبين المدينة سبع ليال، أتاهم، فغنم نعما وشاء، وأخذ ثمامة بن أثال الحنفي. ثم رجع إلى المدينة، والقرطاء بنو قرط وقريط، وقريط بنو عبد الله بن أبي بكر بن كلاب. وبعده غزاة بني لحيان، من هذيل. ثم غزاة ذي قرد، وهي غزاة الغابة.
- وسرية أميرها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وجهّه رسول الله ﷺ لاتباع بني لحيان، في شهر ربيع الأول سنة ستّ.
- وسرية عكّاشة بن محصن، إلى غمر مرزوق، على ليلتين من فيد، في شهر ربيع الآخر سنة ست. نذر به الأعراب فهربوا، فبعث طلائعه، فأصاب لهم نعما.
- وسرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصّة (٢) فى شهر ربيع الآخر سنة ست. لقيه بنو ثعلبة بن سعد بها. فاستشهد من معه، وارتثّ، فلما انصرف الأعراب، حمله رجل من المسلمين، وهو مثخن، حتى أتى المدينة.
- ثم سرية أبي عبيدة بن الجّراح إلى مصارع أصحاب محمد بن مسلمة. أتى ذا القصّة، فلم يلق كيدا، وأصاب نعما وشاء.
стр. 482
-وسرية أبي عبيدة أيضا إلى ذي القصّة، وقد اجتمعت هناك محارب بن خصفة، وثعلبة بن سعد، وأنمار بن بغيض في موقع سحابة.
فأغار عليهم، فأعجزوه هربا. واستاق لهم نعما. وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ستّ.
- وسرية زيد بن حارثة إلى سليم، بالحموم، في شهر ربيع الآخر سنة ست أيضا أراهم. فاستاق لهم نعما، وأصاب أسرى.
- وسرية زيد بن حارثة أيضا إلى العيص، في جمادى الأولى سنة ست لاعتراض عير قريش، وقد قدمت من الشأم، فاستاقها. وكان في العير أبو العاص بن الربيع زوج بنت رسول الله ﷺ ، فأخذه أسيرا. فاستجار بزينب، فأجارته. وردّ عليه ما أخذ منه. ثم أسلم.
- وسرية زيد أيضا إلى الطّرف، في جمادى الآخرة سنة ستّ. توجّه إلى بني ثعلبة هناك، فهربوا. وأصاب عشرين بعيرا.
- وسرية زيد بن حارثة إلى لخم، وجذام، بحسمى (١)، في جمادى الآخرة سنة ستّ، وكانوا عرضوا لدحية بن خليفة الكلبي رسول رسول الله ﷺ إلى قيصر، فأصاب منهم نعما وشاء، وقتل وسبى، ثم انصرف.
ويقال إنّ هذه السرية كانت في سنة سبع.
- وسرية زيد بن حارثة إلى وادى القرى، وقد تجمع بها قوم من مذحج وقضاعة. ويقال بل تجمع بها قوم من أفناء مضر. فلم يلق كيدا.
وكانت في رجب سنة ستّ.
- وسرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، وكان بها قوم من
стр. 483
كلب. فأسلموا. وعمم رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف بيده، حين بعثه على السرية، وقال له: إن أطاعوك، فتزوّج ابنة ملكهم. فلما أسلم القوم، تزوّج تماضر بنت الأصبغ الكلبي، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن، وكانت هذه السرية في شعبان سنة ست.
- وسرية علي بن أبي طالب ﵇ إلى بني سعد، بفدك، وكانوا قد اجتمعوا ليمدوا يهود خيبر. وكانت السرية في شعبان. فلم يلق كيدا.
- وسرية زيد بن حارثة إلى قرفة الفزارية، في شهر رمضان سنة ست، وكانت تؤلب على رسول الله ﷺ . فقتلها وبنيها، وانصرف، وكان لها بنون قد رأسوا. وقال هشام بن الكلبي: اسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر. ولد لها اثنا عشر ذكرا، كلهم قد علق سيف رئاسته، ويقال إن أم قرفة ربطت بين بعيرين حتى تقطعت.
- وسرية عبد الله بن رواحة، إلى أسير بن رزام - ويقال: رازم - اليهودي، وكان بخيبر، في شوال سنة ستّ. فخرج معه يريد النبي ﷺ .
فلما كان ببعض الطريق، توّهم بالفتك بابن رواحة؛ فقتله عبد الله بن أنيس. فيقال قتله في ثلاثين يهوديا.
- وسرية كرز بن جابر الفهري، في شوال، إلى نفر من عرينة.
ويقال: من عكل. أتوا النبي ﷺ مرضى، فأذن لهم في إتيان لقاحه فشربوا من ألبانها. فلما صحّوا، غدوا على اللقاح فاستاقوها، وقتلوا يسارا مولى النبي ﷺ ، وغرّزوا الشوك في عينيه. فلما ظفر بهم. قطع رسول النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. وفيهم نزلت: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي﴾
стр. 484
﴿فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). وبعد هذه السرية أتى رسول الله ﷺ الحديبية. وبعد ذلك غزا خيبر.
- وسرية أميرها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى تربة (٢)، في شعبان سنة سبع. أتاها، فهرب الأعراب من عجز هوازن، فانصرف.
من عجز هوازن: بنو جشم بن معاوية بن بكر، وبنو نصر بن معاوية بن بكر، وسعد بن بكر، وثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن. فانصرف ولم يلق كيدا.
- وسرية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه نحو نجد. توّجه في شعبان. سنة سبع، فشنّ الغارة على العدو، فقتل وغنم.
- وسرية بشير بن سعد - أبي «النعمان بن بشير» - إلى بني مرّة في شعبان، بفدك. أصيب فيها أصحابه، وارتثّ. فنزل على بعض اليهود، حتى استنقل.
- وسرية غالب بن عبد الله الليثي، من كنانة، إلى بني مرة بفدك.
فقتل وسبى، وظفر.
- وسرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة (٣)، في شهر رمضان سنة سبع.
فأغار على بني سعد بن ذيبان، فاستاق النعم والشاء.
- وسرية بشير بن سعد إلى يمن، وجبار (٤)، نحو الجناب، في شوال سنة سبع. وكان بها ناس من غطفان مع عيينة بن حصن. فلقيهم، ففضّ جمعهم، وانصرف إلى المدينة. وبعدها عمرة القضية.
стр. 485
-وسرية ابن أبي العوجاء السّلمي - ويقال: هو أبو العوجاء - إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع، لقيهم، فأصيب أصحابه، ونجا بنفسه.
وكان في خمسين رجلا.
- وسرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوّح، من كنانة، بالكديد في صفر سنة ثمان. شنّ الغارة، فقتل وسبى، وأصاب نعما.
- وسرية عمرو بن أمية الضمرى إلى مكة، في صفر سنة ثمان، أو في شهر ربيع الأول. وجهه رسول الله ﷺ لقتل أبي سفيان، فوجده قد نذر به. فانصرف. وذلك أن أبا سفيان وجه رجلا لاغتيال رسول الله ﷺ ، فأخبره الله بذلك، ومنعه منه؛ فأسلم الرجل.
- وسرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسيّ (١) في شهر ربيع الأول سنة ثمان. فأصاب ظفرا وغنما حسنا. وكان في أربعة وعشرين رجلا.
- وسرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح (٢) -ويقال: ذات أباطح - في شهر ربيع الأول سنة ثمان. لقيه بها جمع كثير. فأصيب من معه، وتحامل حتى أتى المدينة.
- وسرية زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة، في جمادى الأولى سنة ثمان. فقتلوا بها. وكان أول من استشهد منهم زيد بن حارثة. ثم قام بأمر الناس جعفر، فاستشهد. فوجد به اثنان وسبعون جراحة، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح. وقطعت يداه. فقال رسول الله ﷺ : «لقد أبدله الله بهما جناحين، يطير بهما في الجنة». ثم قام
стр. 486
بأمر الناس عبد الله بن رواحة، فاستشهد. فأخذ خالد بن الوليد بن المغيرة الراية، وانصرف بالناس. وأخذ النبي ﷺ ولد جعفر ﵇، فضمهم إليه، وشمهم، ثم بكى. فصاحت أسماء بنت عميس. فقال رسول الله ﷺ : لا تقولى هجرا، ولا تضربي صدرا. ودخلت فاطمة ﵍، وهي تقول: واعماه. فقال: «على مثله فلتبك الباكية». واتخذ لأهله طعاما، وقال: قد شغلوا بأنفسهم (١).
سرية قطبة بن عامر - ويقال: عمرو - بن الحديدة الأنصاري إلى خثعم، بتبالة (٢). سار، فبّيت حاضرهم، وشنّ الغارة عليهم. فأتى دهم معهم، وجاء سيل حال بينه وبينهم. فانصرف، واستاق لهم نعما. ويقال إن هذه السرية كانت في صفر سنة تسع، وذلك الثبت.
- وسرية عمرو بن العاص في جمادى الآخرة سنة ثمان إلى ذات السلاسل، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، ثم بعثه رسول الله ﷺ إليها و وّجه معه أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة بن الجّراح، وسروات المهاجرين والأنصار.
وكان عمرو بن العاص قدم من عند النجاشي مسلما. فلقي في طريقه عثمان بن طلحة، وخالد بن الوليد يريدان النبي ﷺ ، فأسلموا في صفر سنة ثمان. وكانت راية عمرو سوداء، فلقي العدو من قضاعة، وعاملة، ولخم، وجذام. وكانوا مجتمعين. ففضهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم.
стр. 487
-وسرية أبي عبيدة بن الجّراح إلى جهينة، بالقبلية (١)، في رجب سنة ثمان. فأصابت الناس مجاعة، حتى أكلوا الخبط (٢)، فقرحت أشداقهم حتى ألقى لهم البحر حوتا فأكلوا منه وتزودّوا. فسميّت هذه السرية سرية الخبط.
- وسرية أبي قتادة إلى بني غطفان. توّجه إليهم، فهجم على حاضر منهم عظيم، فشن الغارة، واستاق النعم. وهي سرية خضرة، من أرض نجد. وكانت في شعبان سنة ثمان.
- وسرية أبي قتادة النعمان بن ربعي بن بلدمة الخزرجي إلى إضم، حين توجه النبي ﷺ إلى مكة، ليظنّ ظانّ أنه يريد غير ذلك الوجه. وإضم نحو طريق الشأم. ويقال إنّ هذه السرية كانت لعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. وفيها قتل محلّم بن جثّامة: عامر بن الأضبط الأشجعي.
وبعضهم يقول: إنّ عامرا أسلم. فقال محلم: إنه تعوذ بالإسلام فقتله.
وبعدها غزاة الفتح.
- وسرية خالد بن الوليد بعد فتح مكة لهدم العزّى ببطن نخلة.
- وسرية عمرو بن العاص لهدم سواع، برهاط، من بلاد هذيل، في شهر رمضان سنة ثمان.
- وسرية سعد بن زيد الأشهلي في هدم مناة، بالمشلّل (٣) في شهر رمضان.
- وسرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، بناحية يلملم (٤)، في شوال
стр. 488
سنة ثمان. أتاهم، فأظهروا الإسلام، فوضع فيهم السيف، وأمرهم أن يستأسروا، وإنما بعث إليهم داعيا، ولم يبعثه مقاتلا. فودى رسول الله ﷺ قتلاهم، وأخلف ما ذهب لهم، وبعث علي بن أبي طالب بمال استقرضه، فصرفه في ذلك. ومكث رسول الله ﷺ معرضا عن خالد حينا، وخالد يتعرض له فيحلف له أنه ما قتلهم عن إحنة ولا تره، وأنه لم يسمع منهم تشهّدا. فرضي عنه، وسماه بعد ذلك «سيف الله». وبعد هذه السرية كانت غزاة حنين، ثم الطائف.
- وسرية الطفيل بن عمرو الدّوسي، لهدم صنم عمرو بن حممة الدوسي وهو «ذو الكفين»، في آخر سنة ثمان.
- وسرية الضحاك بن سفيان الكلابي في شهر ربيع الأول سنة تسع، إلى قوم من بني كلاب، كتب إليهم رسول الله ﷺ ، فرقّعوا بكتابه دلوهم، فأوقع بهم.
- وسرية عيينة بن حصن إلى بني تميم، في المحرم سنة تسع، وكانوا قد منعوا الصدقة، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم، فأسر منهم أحد عشر رجلا، وسبى، ثم رجع.
- وسرية علقمة بن مجزّز في شهر ربيع الأول - ويقال: الآخر - سنة تسع إلى مراكب الحبشة، ورأوها بالقرب من مكة. ورجع فلم يلق كيدا.
- وسرية علي ﵇ لهدم الفلس، صنم طييء، وكان مقلدا بسيفين أهداهما إليه الحارث بن أبي شمر. وهما مخذم ورسوب. وفيهما يقول علقمة بن عبدة:
مظاهر سربالي حديد عليهما … عقيلا سيوف مخذم ورسوب
стр. 489
فأتى بهما رسول الله ﷺ . ثم كانت غزوة تبوك.
- وسرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي، ثم السّكوني، بدومة الجندل، بعثه رسول الله ﷺ من تبوك، في رجب سنة تسع. فغنم، وقدم بأخي أكيدر. ويقال إنه قتل أخاه مصادا، وأخذ قباء ديباج كان عليه منسوجا بذهب، وقدم بأكيدر على رسول الله ﷺ . وكتب له رسول الله ﷺ ولأهل دومة الجندل كتابا. وقال رسول الله ﷺ ، وقد رأى تعجب أصحابه من قباء أخي أكيدر: «والله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منه».
حدثنا شيبان، ثنا جرير بن حازم، أنبأ الحسن.
أن النبي ﷺ أتي بجبة من سندس، فجعل الناس يقلبونها ويعجبون من حسنها، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها».
- ثم حج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في موسم سنة تسع، وأتبعه رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقرأ على الناس «براءة» (١)، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده.
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا شعبة بن الحجاج، أنبأ مغيرة، عن الشعبي، عن محرز بن أبي هريرة، عن أبيه قال:
كنت مؤذّن عليّ، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة؛ قال: فناديت إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد
стр. 490
فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإنّ الله برئ من المشركين، ورسوله.
وحدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، أنبأ سفيان بن حسين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
أن النبي ﷺ بعث بسورة براءة مع أبي بكر، ثم بعث عليا فأخذها من أبي بكر. فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله هل نزل فيّ شيء؟ قال:
لا ولكنه لا يؤّدي عني غيري أو رجل من أهل بيتي، فكان أبو بكر على الموسم، وكان عليّ ينادى بهؤلاء الكلمات: «لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، والله ورسوله بريئان من المشركين»، أو قال:
«من كل مشرك».
- سرية خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب، بنجران. وجهه رسول الله ﷺ إليهم يدعوهم إلى الإسلام. فأسلموا، وأدّوا الصدقة، فردّها في فقرائهم. وقاتله قوم من مذحج، فظفر بهم وسبى منهم واستاق مواشيهم، فخمسها. وقدم معه قيس بن الحصين بن ذي الغصّة، ويزيد ابن عبد المدان، وعدّة منهم. وذلك في سنة عشر.
- وبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى اليمن في شهر رمضان سنة عشر لقبض الصدقة، فلم يقاتله أحد، وأدّوا إليه الصدقة، ثم كتب رسول الله ﷺ يأمره بموافاته بالموسم. فوافاه.
- وبعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي لهدم ذى الخلصة، وكان مروة بيضاء، بتبالة. وهو صنم بجيلة، وخثعم، وأزد السراة. فلما أتى رسول الله ﷺ خبر هدمه، سجد شكرا لله.
وكان جرير قدم على رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة عشر مسلما.
стр. 491
ثم حج رسول الله ﷺ حجته التي تدعى حجة الوداع، وتوفي سنة إحدى عشرة.
- وكان رسول الله ﷺ قد رأى توجيه أسامة بن زيد في سرية إلى الذين حاربهم أبوه يوم مؤتة، وأمره أن يوطئهم الخيل، وعقد له لواء، وضم إليه أبا بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما فيمن ضمّ. فمرض ﷺ قبل أن ينفذ الجيش، فأوصى بإنفاذه، فقال: «أنفذوا جيش أسامة»، فلما استخلف أبو بكر، أنفذه، وكلمه في عمر لحاجته إليه. فخلفه، ومضى أسامة فأوقع بالعدو، ثم قدم المدينة.
وحدثت عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي القعقاع بن عبد الملك بن أبي حدرد، عن أبيه قال:
بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم. فخرجت في سرية فيها أبو قتادة الحارث بن ربعى، ومحلم بن جثامة بن قيس. حتى إذا كنا ببطن إضم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، ومعه متيّع له، ووطب من لبن. فسلم علينا، فأمسكنا عنه. وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيّعه. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر. فنزل فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (١).
стр. 492
-وقال محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي، يحدث عن عروة بن الزبير، عن أبيه، وجده جميعا، قالا:
كنا مع النبي ﷺ بحنين، فصلى بنا الظهر، ثم جلس في ظل شجرة هو بحنين. فقام إليه الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فطلب عيينة بدم عامر بن الأضبط، وجعل الأقرع يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف. فقال عيينة: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزّ ما أذاق نساءنا. ورسول الله ﷺ يقول: تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا، وخمسين إذا رجعنا. وعيينة يأبى عليه. فقام رجل من بني الليث، يقال له مكيتل وهو قصير مجتمع، فقال: «يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرّة الإسلام إلا غنما وردت فرميت أولاها فنفرت أخراها. اسنن اليوم وغيّر غدا». فقال رسول الله ﷺ : خذوا الدية خمسين في سفرنا، وخمسين إذا رجعنا. فقبلوا ذلك. ثم قال: «أين صاحبكم»؟ فقام رجل ضرب، طوال، عليه حلة قد كان تهيأ فيها للقتل حين جلس إلى النبي ﷺ . فقال:
ما اسمك؟ قال: محلم بن جثامة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة».
فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه. قال زياد، عن أبيه، عن جده: وأما نحن فنقول: إنا لنرجو أن يكون النبي ﷺ قد استغفر له بعد ذلك؛ وأما ما ظهر من رسول الله ﷺ ، فهو هذا.
وقال محمد بن إسحاق، حدثني من لا أتهمه، عن الحسن البصري:
أن النبي ﷺ قال لمحلم: «أقتلت رجلا قال: آمنت بالله؟» ويقال:
«تلك المقالة؟» فما مكث محلم إلا سبعا، حتى مات. فدفن، فلفظته
стр. 493
الأرض ثلاثا. فلما غلب قومه، رضموا عليه الحجارة. فقال رسول الله ﷺ : إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم بما أراكم منه. ومن قال هذا، قال: إن الذي مات بحمص: الصعب، أخوه (١).
стр. 494
صفة رسول الله ﷺ (١)
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو داود، عن أبي اسحق عن البراء قال:
رأيت شعر رسول الله يصيب منكبيه.
حدثني عمرو بن محمد الناقد أبو عثمان، واسحق الفروي قالا: ثنا مالك بن اسماعيل النهدي، ثنا جميع بن عمر العجلي، حدثني رجل بمكة عن ابن أبي هالة التميمي - يكنى أبا عبد الله - عن الحسن بن علي ﵉ قال:
سألت خالي ابن أبي هالة (٢) -وكان وصافا - عن حلية رسول الله ﷺ فقال: كان فخما، مفخما (٣)، يتلألأ وجهة تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول
стр. 495
من المربوع، وأقصر من المشذب (١)، عظيم الهامة، رجل الشعر، وإن انفرقت عقيقته فرقا (٢)، وإلاّ فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره (٣)، أزهر اللون (٤)، صلت الجبين (٥)، أهدب الأشفار (٦)، أزجّ الحواجب (٧) سابغهن، في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب (٨). أقنى العرنين (٩)، له نور يعلوه يحسبه من يتأمله. أشمّ (١٠)، كثّ اللحية، سهل الخدّين (١١)، ضليع الفم (١٢). أشنب الثغر (١٣)، مفلج الأسنان (١٤)، أحمّ (١٥) الشفتين