إذا نزلت أجحفت بكفافه، ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير، ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غني.
وكان خالد يقول: لئن يكون لأحدكم جار يخاف أن ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار لا يشاء أن يعطيه مالا، ويكتب به عليه صكا إلا فعل.
المدائني عن عبد الله بن مسلم قال: مر بخالد رجل من آل المهلّب ورجل من آل المسيح بن الحواري العتكي، وكانا بخيلين فقال لهما خالد:
انزلا نتذاكر المنع فوالله لهو أشد من البذل.
قال: وخرج خالد حاجا، وولى ابنه ربعيا ماله فأنفق إلى قدومه مالا كثيرا، فقال وليت ربعيا مالي فوالله لهو كان فيه أسرع من السوس في الصوف في الصيف.
وكان خالد بن صفوان يقول: من تزوج امرأة فليتزوجها عزيزة في قومها ذليلة في نفسها، أدّبها الغنى وأخضعها الفقر، حصانا عن جارها، ما جنة على زوجها.
المدائني عن ابراهيم بن المبارك قال: قال أبو العباس أمير المؤمنين لخالد بن صفوان: إن الناس قد أكثروا في النساء، فأي النساء أعجب إليك؟ قال: أحبها يا أمير المؤمنين ليست بالصرع الصغيرة، ولا الطاعنة الكبيرة، حسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، أعلاها عسيب (١) وأسفلها كثيب، غذيت في نعيم ثم أصابتها حاجة، فأدبها النعيم وأذلها الفقر، هلول على زوجها، حصان من جارها، إذا خلونا كنا
стр. 5007
أهل دنيا، وإذا افترقنا كنا أهل آخرة.
المدائني قال: قال حفص بن معاوية بن عمرو الغلابي: قلت لخالد:
يا أبا صفوان إني لأكره أن تموت وأنت من آيس أهل البصرة فلا يبكيك إلا الإماء. قال: فابغني امرأة، قلت: صفها لي أطلبها. قال: أريدها بكرا كثيب أو ثيبا كبكر لا صرعا صغيرة ولا مسنّة كبيرة لم تقرأ فتحنن (١) ولم تفتّ فتمحن، قد نشأت في نعمة وأدركتها خصاصة فأدبها الغنى، وأذلها الفقر، حسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب وحسبي من حسبها أن تكون واسطة في قومها ترضى منى بالسنّة، إن عشت أكرمتها وإن مت أورثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء بطرا، ولا تضعه إلى الأرض سقوطا. فقلت: يا أبا صفوان الناس في طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها.
وكان خالد يقول: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة.
وقال الهيثم بن عدي وأبو الحسن المدائني: بينما خالد بن صفوان في المسجد بالبصرة، إذ جلس إليه أعرابي من بني العنبر، فقال خالد لأصحابه: خير النساء امرأة قد احتنكت في سنها واستحكم رأيها، خميص بطنها، طويل جيدها حسن ليتها، عظيم بوصها (٢)، تملأ كف قرينها باللعب الجميش (٣). فقال العنبري: دع عنك من استحكم رأيها، وعليك
стр. 5008
بها حين نهدت، غرّاء لا تدري ما يراد بها ثم أنشد:
عليك أبا صفوان إن كنت ناكحا … فتاة اناس ذات أتب ومئزر
لها كفل راب وبطن معكّن … وأجثم مثل القعب غير منور
فتلك التي إن نلتها كنت سيدا … ودع عنك أخرى كالظليم المنفّر
مجربة للباه قد جازت المدى … وصارت من النسوان لم تتخفر
هي القرن إن صالت فليث خفيّة (١) … وإن سكنت خوفا فذات تذمّر (٢)
وكان خالد يقول: إن المروءة لو خفّ محملها، وقلّت مؤونتها لما ترك اللئام فيها للكرام بيت ليلة، ولكن ثقل محملها، وعظمت مؤونتها فاجتباها الكرام، وكاع عنها اللئام.
المدائني قال: قالت امرأة لخالد بن صفوان: إنك لجميل، قال:
كيف قلت ذاك فوالله ما في عمود الجمال ولا رداؤه، ولا برنسه، أما عموده فالطول ولست بالطويل، وأما رداؤه فالبياض، ولست بأبيض، وأما برنسه فسواد الشعر وجعودته، وأنا أصلع، ولكن قولي إنك لحلو.
وقال خالد للفرزدق وكان يمازحه: يا أبا فراس ما أنت بالذي لما ﴿رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (٣) فقال الفرزدق: ولا أنت يا أبا صفوان بالذي قالت الفتاة لأبيها: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٤).
стр. 5009
وذكر خالد رجلا فقال: إنه لممن عرّب الله سليقته، وقوّم طريقته، من تنظره النعمة وتطعه، فإنها لتوقره وتذلله.
وكان خالد يقول: المزاح سباب النوكى، ولا بأس بالفكاهة ينطلق بها وجه الرجل في مجلسه وتخرجه من حال العبوس.
وقال خالد لرجل: رحم الله أباك فانه كان يقري العين جمالا والسمع بيانا.
وقال خالد: قدمت الشام فدخلت حماما ودخله أبو محجن خادم هشام بن عبد الملك معي، ولا أعرفه، فقال: الحمد لله الذي فضلنا على كثير من خلقه. فقلت: ما في الأرض شيء له خصيان إلا وهو أفضل منك، فقال: من أنت؟ فأخبرته فخرج قبلي، وأمر خادما له فتخلف، فلما خرجت ذهب بي إلى منزله فأكرمني أبو محجن وقربني وقام بحوائجي.
وكان خالد يلحن في كلامه فقيل له: لو نظرت في النحو. فقال:
أخاف أن أتفقد اعراب الكلام فينقطع لساني، ويقال قال: أخاف أن آخذ نفسي بالإعراب فينقطع لساني.
قال: وسمع خالد رجلا ينشد قول الشاعر:
إذا حدثتك النفس أنك قادر … على ما حوت أيدي الرجال فجرّب
فقال خالد: لا والله ولكن فكذّب.
وقال أبو العباس السفاح يوما: عليّ بخالد فلما دخل عليه قال: قد وليت الخلافة فكنت أهلها وموضعها، رعيت الحق في مسارحه وأوردته موارده، فأعطيت كلا بقسطه من نظرك وعدلك وأدبك ومجلسك، حتى كأنك من كل أحد، أو كأنك لست من أحد، فأعجبه قوله، وأمر له بمال.
стр. 5010
وقال خالد: وفدت على هشام بن عبد الملك فوجدته قد بدا (١) لشرب اللبن وذلك في عام قد بكر وسميّه (٢) وتتابع وليه (٣)، وأخذت الأرض زخرفها، وأنواع زينتها، فهي كالزرابي المبثوثة والقباطي المنشورة، وكأن ترابها الكافور، فلو ألقيت بضعة لم تترب، وقد ضربت له سرادقات حبره بعث بها يوسف بن عمر من اليمن، فهي تتلألأ كأنها العقيان، فذكرني مسلمة له فأرسل إلي، فدخلت إليه، وإذا تحته أربعة أفرشة موشاة مثلها مرافقها ومخادّها، وعليه جبة خزّ، وعمامة خزّ، فجددت له دعاء، ولم أزل قائما حتى أذن لي في الجلوس، ثم نظر إلي كالمستنطق لي فقلت: يا أمير المؤمنين أتم الله عليك نعمه، ودفع عنك نقمه هذا مقام زيّن الله به أمري، ورفع قدري وذكري، وأطاب نشري، إذ أراني وجه أمير المؤمنين، ولن أرى لمقعدي هذا جزاء هو أفضل من أن أنبه أمير المؤمنين على تفضيل الله إياه ليحمد الله على ما أولاه وأعطاه، ولا أرى موعظة هي أحضر من حديث ملك من سالف الملوك فإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته، فاستوى جالسا ثم قال: هات يا بن الأهتم. فقلت: كان ملك فيما مضى جمع له فتاء السن، وذكاء الشباب، وصحة الطباع، وكثرة المال، وسعة الملك، فأشرف يوما وذلك بالخورنق (٤) فنظر إلى ما جمع له فأعجبته نفسه، فقال لمن حضره: هل علمتم أحدا أوتي مثل ما أوتيت؟ فسكت القوم وفيهم رجل من بقايا حملة الحجة، فقال له: إن أذنت تكلمت. قال: قل. قال: أرأيت ما جمع الله
стр. 5011
لك أشيء هو لك لم يزل ولا يزال، أم شيء كان لمن قبلك فزال عنهم وصار إليك وكذلك يزول عنك؟ قال: لا بل شيء كان لمن قبلي وهو زائل عني، فقال: لا أراك إلا مفتونا بشيء تذهب عنك لذّته وتبقى تبعته، تكون فيه قليلا، وترتهن به طويلا. فبكى وقال: إلى أين المهرب، وعلى ماذا يكون المعوّل؟ فقال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك، وإما أن تلقي عليك أمساحا وتلحق بجبل تعبد فيه ربك حتى يأتيك أجلك، فتكون لك حياة لا موت بعدها، وصحة لا سقم معها. فألقى عليه أمساحا وتعبد في بعض الجبال حتى مات.
قال: وأنشدته قول عدي بن زيد العبادي:
أين كسرى كسرى الملوك أن … وشروان أم أين قبله سابور
وأخو الحضر (١) … إذ بناه وإذ
دجلة تجبى إليه والخابور
لم يهبه ريب المنون فزا … ل الملك عنه فبابه مهجور
وتفكر ربّ الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تفكير
سرّع جمعه وكثرة ما يمل … ك والبحر معرضا والسدير
فارعوى مبصرا فقال وما غبط … ة حيّ إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأمّ … ة وارتهم هناك القبور
ثم أمسوا كأنهم ورق ج … فّ فألوت به الصّبا والدّبور (٢)
فبكى هشام ونشج، ثم قام كالمغضب وقام من في مجلسه، فقال لي
стр. 5012
حاجبه: يا هذا ما أعياك لقد كسبت نفسك شرا، دعاك أمير المؤمنين لتحدثه وتسره وتلهيه، وقد علمت أنه انفرد بهذا المكان لئلا يرى ولا يسمع شيئا يكرهه ويؤذيه للعلة التي هو فيها، فما عدوت أن نعيت إليه نفسه وكدرت عليه عيشه. قال: فأقمت أياما أتوقع ما أكره وجعل الشاميون يقولون أين هذا العراقي الأحمق الذي أغضب أمير المؤمنين؟ وجعل هشام يقول: يا مسلمة إنك لا تزال تأتيني بما أكره، ثم لقيني الحاجب فقال: إن أمير المؤمنين قد ذكرك فقال: لله در ابن الأهتم، وأمر لك بصلة، وأذن لك في الانصراف.
وسأل رجل خالدا فأعطاه درهما، فقال له: يا سبحان الله أتعطيني درهما فقط؟ فقال: يا أحمق أما علمت أن الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف، والألف عشر دية مسلم.
وقال خالد بن صفوان: وفدت على هشام فدخلت عليه وذلك بعد عزله خالد بن عبد الله القسري، فألفيته جالسا على كرسي في بركة ماؤها إلى الكعبين، فدعا لي بكرسي فجلست عليه ثم ساءلني وحادثته طويلا، ثم إنه أطرق إطراقة ورفع رأسه فقال: يا خالد رب خالد جلس مجلسك كان ألوط (١) بقلبي وأحب إلي منك. فقلت: يا أمير المؤمنين إن حلمك لا يضيق عنه، فلو صفحت عن جرمه. فقال: يا خالد إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا.
وقال خالد بن صفوان لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد - حين أتى البصرة منهزما من أبي فديك-: الحمد لله الذي خار لنا عليك ولم يخر لك
стр. 5013
علينا، فقد كنت حريصا على الشهادة، ولكن الله أبى ذلك ليزين بك مصرنا، ويؤنس بك وحشتنا، ويكشف بك غمتنا.
المدائني عن حفص بن معاوية قال: قال خالد: يا جارية أطعمينا جبنا فإنه يشهي الطعام، ويقوي المعدة، وهو حمض العرب، فقالت:
ما عندنا منه شيء، فقال: لا عليك فإنه ما علمت يقدح الأسنان، ويوكي البطن، ويغير النكهة، وهو بعد من عمل أهل الذمة.
قال: ومر خالد برجل وهو يأكل جبنا، فقال: لا تأكله فإنه سهل المدخل، عسر المخرج، ثم إن الرجل رأى خالد يأكل جبنا وقال: يا أبا صفوان ألم تنهني عن أكله؟ فقال: إنه يفتق الشهوة ويطعم الخبز، وهو يعد من حمض العرب.
وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد بن صفوان: أخبرني عن الحسن، فقال: كان أشبه الناس سريرة بعلانية، وعلانية بسريرة، وآخذ الناس بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأعظمهم على نفسه سلطانا، ولم يقم يوما بامارة، ولم ير في سوق لتجارة، استغنى عما في أيديهم من دنياهم، واحتاجوا إليه فيما عنده من أمر دينهم، فقال مسلمة: كيف يهلك قوم مثل هذا بين أظهرهم.
وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد: أخبرني عن الأحنف، فقال: إن شئت أخبرتك عنه في ثلاث، وإن شئت ففي اثنتين، وإن شئت ففي واحدة. قال: أخبرني عنه في ثلاث. قال: كان لا يجهل، ولا يحرض، ولا يدفع الحق إذا نزل به. قال: فما الاثنتان؟ قال: كان يؤتي الخير، ويوقي الشر، قال: فما الواحدة؟ قال: كان أعظم الناس على نفسه سلطانا.
стр. 5014
وقال له بعض عمال البصرة: صف لي الأحنف فقال: إن شئت حدثتك عنه شهرا، وإن شئت عشرا، وان شئت حذفت الحديث حذفا.
قال: فاحذفه. فقال: كان أعظم الناس على نفسه سلطانا.
أبو الحسن المدائني عن علي القرشي قال: كان خالد يقول: لا تضع معروفك عند فاحش ولا أحمق ولا لئيم، فان الفاحش يرى إنك إنما فعلت ذلك لخوف شره ضعفا منك، والأحمق غير عارف بما تسدي إليه من معروف، واللئيم سبخة لا تنبت، وإن أنبتت لم يزك منبتها ولم ينم، وإذا رأيت كريما فاصطنع عنده يدا وازرع معروفا، واحصد شكرا، وأنا الكفيل الضامن.
المدائني عن عبد الله بن سلم قال: كان خالد يذكر آل المهلب فيقول إن النعم لتقلقل في البلاد، فإذا انتهت إلى آل المهلب اطمأنت.
وكان خالد يذكر شبيب بن شيبة فيقول: ليس لشبيب صديق في السر، ولاعدو في العلانية.
وأراد حفص بن معاوية بن عمرو الغلابي إتيان الأهواز، فقال لخالد: اوصني، فقال: اتق الله ربك ولتحسن سيمتك (١)، وعليك بقراءة القرآن فإنه شفاء لما في الصدور، ولا تكونن صخابا ولا عيابا ولا لعانا ولا مغتابا، ولا تكونن في الحديث إلا مجيبا، فإنك تأتي قوما يجهلونك، فمهما تأتهم به يعرفوك به، وينسبوك إليه.
المدائني والهيثم بن عدي عن عوانة قال: قال بلال بن أبي بردة لخالد بن صفوان، وهم منحدرون إلى البصرة: هل يستثقل عكابة النميري؟
стр. 5015
فقال: أوّه كدت تصدع قلبي، أحين دنونا من آجام البطائح، وعكة البصرة، ومد البحر، والله لهو أثقل علي من شرب التياذريطوس (١) بماء حار، في أيام العكاك (٢) في عقب التخمة، وأوان الحجامة.
وفاخر رجل من اليمانية خالدا على باب الحجاج، فقال خالد: منا النبي المرسل، والخليفة المؤمل، وفينا الكتاب المنزل، ولنا البيت المستقبل.
المدائني قال: قال أمير المؤمنين أبو العباس لخالد: أليس من العجب أن قوما قبض نبيهم فلم يدفن حتى اختلفوا؟! فقال: يا أمير المؤمنين أعجب من هذا آدم خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، يأكل منها حيث شاء رعدا ونهاه عن شجرة، وحذره عدوه، وقال: ﴿لا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ (٣) فرغب عن الجنة وما فيها وأكل من الشجرة، فواقع الخطيئة ثم تاب الله عليه.
المدائني عن أبي محمد (٤) بن سعد قال جلس خالد إلى رجل من بني عبد الدار بمكة فقال له: من أنت؟ قال: خالد بن صفوان من بني الأهتم، فقال العبدري: أنت يا خالد كمن هو خالد في النار، وأنت ابن صفوان والله يقول ﴿صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ (٥) وأنت ابن الأهتم، والصحيح
стр. 5016
خير من الأهتم، فقال خالد: يا أخا بني عبد الدار أتتكلم وقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وخزمتك مخزوم، وجمحت بك جمح، فأنت عبد دار قريش تفتح لهم إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا.
المدائني عن أبي إسحاق بن فايد قال: خطب حفص بن معاوية أروى بنت خالد، فقال خالد: إني لا أرضاك لها، ولا أرضاها لك، لأنك مطلاق مصلاف، وإنها سليطة فلا تتفقان.
وقال خالد: لا تطلبوا الحوائج عند غير أهلها، ولا تطلبوها في غير حينها، ولا تطلبوا ما لا تستحقون، فإن من طلب ما لا يستحق استوجب الحرمان.
قالوا: وفاخر خالد قوما من أهل الكوفة، فقال خالد: أسفلها (١) قصب، وأوسطها قصب، وأعلاها رطب، ولم يأتها شيء إلاّ طائعا، ولم يخرج منها شيء إلا كارها.
وقال خالد لغلامه: اشتر لنا موزا، ولا تشتره أخضر جاسيا، ولا أسود ذاويا، فأتاه به فقال: لولا إني أعلم أنك قد أكلت منه لأطعمتك واحدة.
وكان خالد يقول: عليكم بكسب الدراهم وحفظها فإنها تلبس النرمق (٢)، وتطعم الجرمق (٣)، وتصون الوجه عن المسألة.
وكان خالد إذا أخذ جائزة قال للدرهم: أما والله لطال ما غوّرت في
стр. 5017
البلاد وأنجدت أما والله لأطيلنّ ضجعتك ولأديمنّ صرعتك.
وقال خالد ليحيى بن حبيب: أعندك مهيرة؟ فقال: عندي اثنتان، فقال خالد: كنت أحسب أملك دون هذا، وزهدك فوقه.
ونازع خالد عبد الله بن حكيم بن أبي أمية بن العاص الثقفي، فقال عبد الله: أنا ابن البيضاء الثقفية، فقال خالد: بياضها دل عليها.
قالوا: وسمع خالد شبيب بن شيبة يتكلم بواسط فأحسن، فقال خالد: نعيت إليّ نفسي إنّا أهل بيت لم يمت منا خطيب حتى يكون فينا خطيب يخلفه إذا مات.
وكان خالد يقول: اتقوا مجانيق الضعفاء، يعني دعاءهم، وأنشد لعمرو بن الأهتم:
إذا كنت مرتاد الظلامة فاعتمد … ذرا الناس واحذر عاجزا ومغمزا (١)
وكان خالد يقول: ما أحد يطالبني بظلامة هي أبغض إلي من ظلامة من لا مفزع له إلا الله.
وقال خالد: ليست البلاغة بخفة اللسان، وكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقصد للحجة.
المدائني أن أبا العباس أمير المؤمنين قال لخالد بن صفوان: أشعرت انا أخذنا سليمان بن حبيب؟ قال: أين؟ قال: وجد في بئر، فقال خالد بن صفوان: هذا الذي خرج رقصا، ودخل قفصا وأخذ وقصا (٢).
وقال خالد بن صفوان: أيغدو إلي رجل لا يريد إلا إكرامي فلا أعرف
стр. 5018
له حقه؟ إني إذا لمتخطّ محاسن الأخلاق إلى مساوئها.
وقال هشام بن عبد الملك لخالد: عظني وأوجز: فقال: أنت يا أمير المؤمنين فوق الخلق، كذلك جعلك الله، وليس فوقك إلاّ الله، وأنت صائر إلى الله.
وقال خالد: ما رأينا مثل الأبلة أقرب مسافة، ولا أعذب نطفة، ولا أخفى لعابد، فقال دربست بن رباط: فعلام تضرب الآباط إلى مكة إذا؟! وتكلم خالد بكلام أحسن فيه، فقرظه بعض من حضر، فقال خالد: والله لوددت أني أخرس.
وخاصم رجل خالدا عند بلال فقال: أنت تعيبني في كل يوم فقال:
وأنت أيضا تعيبه، وهذا ذنب لكما جميعا.
ومر خالد بقوم فقالوا: لو جلست إلينا فقال: إنما الجلوس بعد قضاء الحوائج.
وتكلم أعرابي فقيل لخالد: ما لك لا تتكلم معه؟ فقال: كيف نجاريهم، وإنما نحكيهم أو نساميهم، وإنما نسموا بأعراقهم.
وكان خالد يقول: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف.
وقال خالد: إذا كفر الإحسان حسن الامتنان.
وقال خالد: لأن يكون لي ابن يحب الخمر أحب إلي من ابن يحب اللحم، لأنه متى طلب لحما وجده، والخمر ينفد أحيانا.
وقال رجل لخالد: إني لأحبك. فقال: وكيف لا تحبني ولست لي
стр. 5019
بابن عم ولا جار، ولا مشارك في صناعة.
قالوا: وقال خالد لحفص بن معاوية: هل لك في رقاق من برميسان وصناب (١) من أرض حلوان بينهما دجاجة كأنها أوزة كسكرية، قد سمّنت حتى عمي بصرها، وتجافى جلدها عن لحمها، فصرّحت عن لحم يقق، وشحم فاقع يذهب فهوهة الجائع؟ فقال حفص: أي لعمري. قال:
فموعدك يوم السبت البستان، قال: فأتيته فدعا خبازه فجاء بسفرة فيها ما وصف، فلما وضعت السفرة إذا نحن بأعرابي قد طرأ علينا بغير إذن، أو قال برجل فرّج خصّا في البستان، ودخل فلما نظر إليه خالد مقبلا قال:
والله لهذا الطارئ المتذمر علينا أشد عليّ من شربة ترنجبين في أيام العكاك في غبّ تخمات بعقب حجامة، ارفع السفرة يا غلام، قال: فما رأيتها، ويقال بل أتى بها بعد انصراف الرجل، وقد ذهبت بشاشتها.
وقال خالد: لا يطمع أحد عندي في أربع: الفرض والقرض والهرس، وأن أمشي معه إلى سلطان إلا في حاجتي، فقيل له: ما يرجى منك؟ قال: الماء البارد، وحديث لا ينادى وليده.
قالوا: ووصف خالد البصرة فقال: تخرج قانصا فيجيء هذا بالشبوط والشيم (٢)، ويجيء هذا بالظبي والظليم، ونحن أكثر الناس عاجا وساجا وديباجا، وبرذونا هملاجا، وخريدة مغناجا، ونهرنا عجب أوله الرطب وأوسطه العنب، وآخره القصب، ولنا التمر في أقنانه كزيتون الشام في أغصانه، تخرج النخلة أسقاطا وأوساطا، ثم تنغلق عن قضبان الفضة
стр. 5020
منظومة باللؤلؤ الرطب، ثم تصير قضبان ذهب منظومة بالزبرجد الأخضر، ثم ياقوتا أصفر وأحمر، ثم تصير عسلا. وأما نهرنا العجيب، فإن الماء يقبل فيه غضّا فيفيض متدفقا، فيغسل نبتها ويبدأ حين يأتينا في أوان عطشنا، ويذهب في أوان ريّنا، فنأخذ منه حاجتنا، ونحن نيام على فرشنا، يقبل الماء وله عباب وأباب لا يحجبنا عنه حجاب، ولا يتنافس فيه من قلّة، ولا يحبس عنّا من علو، فقال مسلمة: من أين لكم هذا ولم تغلبوا عليه ولم تسبقوا إليه؟ قال: ورثناه عن الآباء ونتركه للأبناء ويدفع لنا عنه رب السماء، وأنشد:
فمهما كان من خير فإنا … ورثناه أوائل أوّلينا
وإنا موروثون كما ورثنا … عن الآباء إن متنا بنينا (١)
قالوا: وأحضر أمير المؤمنين أبو العباس ابراهيم بن مخرمة الكندي وناسا من بني الحارث بن كعب أخوال أبي العباس، وخالد بن صفوان فتفاخروا فقال ابن مخرمة: إن أهل اليمن ملوك العرب في الجاهلية كانت لهم البدأة، ووراثة الملك، كابرا عن كابر، وآخرا عن أول، وغابرا عن سالف، فمنهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم عياض صاحب البحر، ومن حمت لحمه الدّبر (٢) ومنهم غسيل الملائكة (٣) ومن اهتز لموته
стр. 5021
العرش (١)، ومنهم مكلم الذئب (٢)، ومن كان يأخذ كل سفينة غصبا (٣) وليس من شيء له خطر إلاّ وينسب إليهم من: فرس رائع، وسيف قاطع، ودرع حصينة، وحلة مصونة، إن سئلوا أعطوا، وإن نزل بهم ضيف قروا، لا يكاثرهم مكاثر، ولا يفاخرهم مفاخر، فهم العاربة وغيرهم متعربة.
قال أبو العباس: ما أحسب التميمي يرضى بهذا. فقال خالد:
أخطأ المتقحم بغير علم. ونطق بغير صواب إذ فخر على مضر، ومنهم رسول الله ﷺ ، والخلفاء من أهل بيته، وكيف يفاخر مضر بقوم هم بين راكب عرد (٤)، وناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد (٥)، وغرّقهم فأرة (٦)، ثم التفت إلى الكندي فقال الفخر بالفرس الرائع والسيف (٧) القاطع والدرع الحصينة؟ ألا وأي فخر أفخر من محمد خير الأنام، وأكرم الكرام، ولله به المنّة علينا وعليهم، لقد كانوا أتباعه، فيه عرفوا وأكرموا، لنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى والسؤدد والعلى، ولنا البيت الموضوع، والسقف المرفوع، والمنبر المحضور ولنا زمزم
стр. 5022
وبطحاؤها وسقايتها فهل يعدلنا عادل أو يبلغ مدحتنا قول قائل. ومنا ابن عباس عالم الناس، الطيبة أخباره، المتبوعة آثاره، ومنا أسد الله وسيفه (١)، ومنا الصديق والفاروق وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، لم يكفر بالله قط، ولم يزغ بباطل عن الحق، وذو النورين عثمان الشهيد.
ثم قال ابن الأهتم: كيف علمك بلغة قومك، وما اسم الأصابع عندكم؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة. قال:
فاللحية؟ قال: الزب. قال خالد: فإن الله يقول بلسان عربي مبين فهل سمعته يقول: جعلوا شناترهم في صناراتهم (٢) ويقول لا تأخذ بزبي (٣) فقال أبو العباس رضى الله تعالى عنه: مالك يا يماني ولرجال مضر، وأمر لخالد بمال وقطيعة بالبصرة.
المدائني أن خالدا نازع عمرو بن عبيد الأنصاري وكان بذيئا يشتم من سأله فلم يعطه، وكان يقال له ابن أم حكيم وهي أمه التي قامت عنه فقال لخالد: أنتم كما قال الله: ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ (٤). فقال خالد: ويحك يا بن أم حكيم إنك اعتصمت بخلتين:
الكفر، واللؤم، فبسطت يديك فجعلت شمالك سطحا، وملأت يمينك سلحا وقلت: املئوا سطحي وإلا رميتكم بسلحي، ويحك يا بن أم حكيم
стр. 5023
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) وأن أم حكيم يرحمها الله كانت محصنة مؤمنة وما أنا بالواثق بغفلتها وهي تغمر كمرة كثير الدهان.
وذكر خالد المزاح فقال:
يصلّ (٢) أحدهم صاحبه بأصلب من الجندل.
وينشقه أحدّ من الخردل.
ويفرغ عليه أحرّ من المرجل.
ثم يقول ما زحتك.
قالوا: أتى رجل من بني تميم خالدا فسأله فأعطاه دانقا، فقال له:
إنه لو أعطاك كل رجل من بني تميم مثل ما أعطيتك لرحت ذا مال عظيم.
قالوا: ودخل خالد على أبي العباس ﵁ فقال له: يا خالد كيف علمك بأخوالي؟ قال: أيّ أخوالك يا أمير المؤمنين فبكلهم أنا عارف؟، قال: أمسّهم بي قرابة وأوجبهم علي حقا، ولد الحارث بن كعب. قال: يا أمير المؤمنين هناك هامة الشرف، وخرطوم الكرم، وإن فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنهم لأحسنهم أمما وأكرمهم شيما، وأوقاهم ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة في الحرب والرفد في الجدب، وهم الرأس وغيرهم العجب (٣). قال: لله درك يا بن صفوان قد وصفت فأحسنت.
стр. 5024
وقال خالد: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيء فيجترئ عليك.
قال أبو الحسن: ويقال إن الذي قال هذا سعيد بن العاص، وأنشد:
أما المزاحة والمراء فدعهما … خلقان لا أرضاهما لصديق
ويقال المتمثل بالبيت مسعر بن كدام.
وذكر خالد أبا مسلم فقال:
ألم تر إلى هذا الذي بدا بالخرق … ثم ثنى بالحمق بعد ظلم الخلق
وقال لرجل: قاتله الله أما والله إن قوافيه لقلائد، وإن انبازه لعلائق، وإنه ليملأ الأذن بيانا، ويقري العين جمالا.
وكان خالد يقول: أحسن الكلام ما لم يكن بالبدوي المغرب ولا القروي المخدج، ولكن ما شرفت مبانيه ولطفت معانيه، ولذّ في أفواه القائلين، وآنق السامعين، وازداد حسنا على مر السنين فاجتنته الرواة واقتنته السراة، وكان كعلائق الشعر السائرة، والأخبار الملازمة.
وسمع خالد رجلا من قريش يتكلم فأبلغ وأحسن، فحسده خالد فتعرض له وتحكك فيه، فقال له القرشي: ما أعلم لي يا أبا صفوان إليك ذنبا إلا الاشتراك في الصناعة.
وتكلم خالد بالبادية فقال: يا أهل البادية، ما أحسن بلادكم، وأغلظ عيشكم، وأجفى أخلاقكم، لا تشهدون جمعة ولا تتبغون قاصّا، فقام إليه أعرابي منهم فقال: أما ما ذكرت من خشونة بلدنا وجفاء أخلاقنا فإن ذلك كما ذكرت ولكنكم معشر أهل الحضر تنقبون الدور، وتنبشون
стр. 5025
القبور، وتأتون الذكور، فقال خالد: اسكت قبّح الله ما جئت به.
قال: وخوطب خالد في ابنه وقيل له: يدك تشتمل على ثلاثين ألفا، وإنما تجري على ابنك في كل يوم درهما وهو في طرفه (١) على ما تعلم، فقال:
دانقان لخبزه ودانقان ثمن دجاجة، ودانقان فاكهة، هذا قوت صالح.
قال وذكر خالد بن صفوان رجلا فقال: كان والله فريغ المنطق، ذلق اللسان، سهل الجرّة، جزل الألفاظ، ثابت الكعدة، رقيق الحواشي خفيف الشفتين، بليل الريق، رحب السّرب، قليل الحركات حسن الإشارات، حلو الشمائل، حسن الطلاوة صموتا قؤولا يهنأ الجرب، ويداوي من الدبر، ويصيب المفاصل، لم يكن بالهذر في منطقه، ولا الزمر (٢) في مروءته، ولا الخرق في خليقته.
متبوعا غير تابع، كأنه علم في رأسه نار.
وذكر رجلا فقال: كان والله قراء غير نزّال، معطاء غير سآل، متبوعا غير تابع.
وذكر رجلا فقال: ما كان أفيح صدره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأعلى شرفه، وأكثر حامده ممن لم يعرفه ومن عرفه، مع سعة الفناء، وعظم الإناء، وكرم الآباء.
وذكر رجلا فقال: ابن الوجوه الواضحات الصباح، والعقول الراجحات الصحاح، والألسن الخطارة الفصاح، والأنساب الكريمة الصراح، والصدور الرحيبات الفساح والمكارم الثمينة الرباح.
стр. 5026
وقال الهيثم: لما دخل خالد على هشام فجرى ذكر خالد القسري، فقال هشام: إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا، ولا لعودة موضعا، قال: ألا أخبرك عنه يا بن صفوان؟ قلت:
نعم يا أمير المؤمنين، قال: إنه ما بدأني بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الذي أبدأه بها، قال خالد: فقلت فذلك أحرى أن ترجع له، فقال متمثلا:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد … اليه بشيء آخر الدهر تقبل
ثم قال: ما حاجتك يا بن صفوان؟ قلت: تزيدني في عطائي عشرة دنانير. فأطرق ثم قال: وفيم ألعبادة أحدثتها نعينك عليها، أم لبلاء حسن أبليته أمير المؤمنين، أم لماذا يا بن صفوان، إذا يكثر السّؤال ولا يحتمل ذلك بيت المال، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين وفقك الله وسددك، أنت والله كما قال أخو خزاعة:
إذا المال لم يوجب عليك عطاؤه … قرابة قربى أو صديق توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة … ولم يفتلذك (١) المال إلا حقائقه
فلما قدم خالد البصرة قيل له ما الذي حملك على تزيين الإمساك له، فقال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
وقال خالد لابن عم له: كان أبوك آدم الناس وجها، وكانت أمك أسوأ الناس خلقا، فأنت جامع لمساوئ أبويك.
وقال خالد، ويقال عبد الله بن الأهتم لقوم نازعوه من موالي آل أسيد: إن أحق الناس ألا يتكلم من لم يكن له أصل ثابت ولا فرع نابت،
стр. 5027
وكان ذنبا تابعا وخفا موطوءا وزمعا زائدا، ما قامت النساء عن مثل ابن عائشة (١) ﵀، فإنه تفقد أرحامه وأهل قرابته فغسل غثايتها وألحق خسائسها، وبعثهم بالعراق جباة ونكاة، فلما خانت جباتها وضعفت نكاتها حدر عليها بشرا (٢) بغير مال محمول، ولا جند مفصول، ولا سيف مسلول، فأتاها حين تضايق حلق البطان مشمعلا (٣) من الفروع النواضر، والليوث الهواصر، فشذّب قيادتها وأباح أحميتها، وأذل صعبتها، وسهّل حزنها، لا كمن اختان الأموال (٤)، وجبن عن القتال، ومنح دبره صدور العوالي ثم أقبل يحسّن الخمر والخيانة والغدر، ويقبّح الوفاء والنجدة والأمانة، قبحا لتلك الشفاة الهدر والأعين السحر، والأنوف الجثم، والألوان الحائلة، والشعور القردة، وقبحا لتلك الأخلاق الشتى أورثتهم عارا وأكسبتهم شنارا، وأبوا أن يأتوا بخير.
وقال أبو الحسن المدائني: سمر خالد عند أمير المؤمنين أبي العباس ففخر قوم من بني الحارث، وخالد ساكت، فقال أمير المؤمنين: يا بن صفوان مالك لا تقول. قال: هؤلاء أخوال أمير المؤمنين. قال: وأنت من أعمامي وليس الأعمام بدون الأخوال. قال: وما أقول لقوم إنما هم بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دل عليهم هدهد، وغرقتهم فأرة، فضحك أبو العباس.
قالوا: وشخص خالد مع سليمان بن علي إلى أبي العباس، ومعه
стр. 5028
ابناه: محمد، وجعفر ابنا سليمان، فنزل خالد بين منزليهما فقال له سليمان: أين نزلت يا أبا صفوان، فقال: بين محمد، وجعفر، قال:
فكيف رأيتهما فقال:
أبو نافع جار لها وابن برثن … فيا لك جاري ذلة وصغار (١)
فغضب سليمان. وهذا الشعر لابن مفرغ.
وحدثني التوزي عن الأصمعي قال: دخل خالد على نسائه فقال:
إنكنّ لطوال الأعناق، كرام الأخلاق والأعراق، ولكني رجل مطلاق، اذهبن فانتنّ طلاّق.
وقال خالد: ما أتت علي ليلة أحب إليّ من ليلة طلقت فيها نسائي، فرجعت والستور قد هتكت، ومتاع البيت قد نقل، وبعثت إليّ بنيتي بسليلة فيها طعامي، وبعثت إلي الأخرى بشيء أنام عليه.
وقال خالد لابنه: يا بني كن أحسن ما تكون في الناس حالا، أقل ما تكون في الباطن مالا فإن الكريم من كرمت عند الحاجة طعمته، وإن اللئيم من ساء عند الفاقة أكله.
وحدثنا المدائني قال: كان خالد يقول في الحجاج: عجبا لغلام ولد بالطائف، فلم تزل الأمور ترفعه وتخفضه، حتى أتى العراق بلا مال محمول ولا جند مفصول، فأباح أحميتهم، وأناخ بهم (٢)، وأوطأ أصمختهم، وأتته الرجال شلالا، يؤتى بزيت الشام وصير (٣) مصر على البرد طردا.
стр. 5029
ورأى خالد في بعض دور أمراء البصرة مالك بن دينار، ومحمد بن واسع الأزدي وفرقدا السبخي، فمال إليهم ثم قال: ما خلطكم بنا عند هذا الباب فقد عهدناكم ترغبون عنه، والله ما يخرج إلينا منكم أحد إلا بشقاء، ولا يدخل منا أحد إليكم إلا بسعادة، ثم خاف أن يكونوا قد استغلظوا قوله فعاد إليهم فقال: الله يعلم أن قلبي يحبكم، ولكنا تمرغنا على هذه الدنيا فتمرغت علينا، وما شبهت بي وبكم إلا الجناح يكون معلقا بالدار، فإن شاء قائل أن يقول ليس منها لخروجه عنها قال، وإن شاء أن يقول إنه منها لتعلقه بها قال.
وقال أبو الحسن: خاصم رجل خالدا إلى بلال بن أبي بردة فقضى للرجل على خالد، وتحامل عليه، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشّع. فقال بلال: أما إنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، فضربه فيما يقال مائة سوط، وأمر بحبسه، فقال خالد: علام تحبسني يا بلال وما جنيت جناية؟ فقال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وحاجب يقال له حفص.
وقيل لخالد: ما بلغ من زهد الحسن فقال: لم يقلّب درهما قط ولم ير في سوق قط إلا مجتازا، وكان في نهاره معلما، وفي ليله زاهدا عابدا.
وكان خالد يقول وهو غاز إذا سبقه القوم: أهكذا يفعل السراة وأهل المروءة؟ فإذا سبقهم فقيل له: تنهى عن شيء وتفعله؟ قال: فلم بذلنا الأموال في فرهة الدواب؟ وخطب خالد امرأة من بني سعد فقال لها: أنا خالد بن صفوان، والحسب ما علمت، وكثرة المال على ما بلغك، وفيّ خصال أعلمك بها
стр. 5030
لتقدمي على معرفة: إنه لا سبيل إلى درهمي وديناري، وأنا ملول فربما أتت علي ساعة لو أن رأسي في يدي لطرحته، فقالت: قد فهمت ما ذكرت وهذه خصال ما كانت لترضاها بعض بنات ابليس فكيف بنات آدم فارجع موفورا.
وقال خالد: الإماء شر خلف من الحرائر، هن أوسخ رقابا، وأقل عقولا، فقيل له: فإنك لا تتخذ إلاّ الإماء؟ فقال: أما سمعتم قول القائل: خذ من القسّ بقوله، ولا تأخذ بعمله.
وكان خالد يقول: ثلاث أضن بدرهمي فيهن: صداق النساء، وصلة الرحم، وشراء الموز، وأراد رجل أن يبني بأهله، فقال له خالد:
بالبركة وشدة الحركة والظفر عند المعركة.
وقال خالد: كانت لي امرأة وأنا ملول، فكانت تستخف بي وتقول:
ما أعرف كريمة قوم صبرت على مثل ما أصبر عليه منك، فركبت يوما مع سليمان بن علي وعناني جديد فاتسخت يدي فجعلت أغسلها من الوسخ وأقول: الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين. فقالت: من طين ليس الذي يخرج منك. فطلقتها فقالت: طلاق وافق مشيّه.
وحدثني أبو حسن الزيادي عن المبارك بن سعيد قال: كان عمر بن عبد العزيز عند بعض بني أمية، وعنده ابن الأهتم فأطرى ابن الأهتم بني أمية فأفرط، فقام عمر وهو يقول: من سرّه أن ينظر إلى الأفاك الأثيم، فلينظر الى ابن الأهتم، فلما استخلف قال: لا يدخلنّ علي ابن الأهتم، ولا خالد بن عبد الله القسري فإنهما مقولان، وإن من البيان ما فيه سحر.
стр. 5031
و أما ربعي بن خالد
فقتله السودان الذين ظهروا بالبصرة في أيام سوّار بن عبد الله، وله عقب بالبصرة.
وأما عبد الله بن خالد
فكان مصابا، ومات بالبصرة.
ومنهم: شبيب بن شيبة بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم بن الخطيب،
ويكنى أبا معمر، وكان شيبة ممن قتله قتيبة بسبب أبي الزقاق. وزعم غير الكلبي أنه شبيب بن شبّه بن عبد الله بن الأهتم، وقول الكلبي أثبت.
وولي شبيب الأهواز لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز ومات ببغداد.
حدثنا أبو الحسن المدائني قال: قال شبيب: غمّ على الحسود أمرك، واكتمه سرك ولا تستشره فيغشك فإنه يظهر بشرا ويضمر شرا، ويكرم محضرك، فإذا غبت عابك واغتابك.
قال: وجلس المهدي وهو ولي عهد للناس فسلموا عليه، ودخل شبيب فيمن دخل، فلما خرج من عنده قال: رأيت الداخل راجيا والخارج راضيا.
قال: ودخل شبيب على المهدي في بعض أيامه، وعنده بعض ولده، فقال له: أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك، وأرى بنيك فيك ما أراك في أبيك.
ودخل شبيب منزله فقال: يا جارية اطعميني شيئا، فجاءته بطبق فيه قراطيس، فقال: ما هذا؟ قالت: هذا الذي خلّفت عندنا.
وقال شبيب: البلاغة الإيجاز في غير عجز، والإطالة في غير خطل.
وقال: الرأي ضالة فاستدلل عليها بالمشاورة، وروي ذلك عن ابن شبرمة.
стр. 5032
وكان شبيب يقول: يحتاج الخطيب الى بلالة الريق، وغموض العروق، وألا يخرج من شيء حتى يتمثل له ما بعده.
وكان شبيب يقول: أحسن الشعر المنظوم، والكلام المنثور، وما ظن السامع أنه قد كان قد سمعه.
وقال شبيب: الكفاف مع القصد أكفى من السعة مع الإسراف، وروي ذلك أيضا عن هشام بن عبد الملك.
وحدث شبيب بن شيبة ابن المقفع فقال: ان أكثم بن صيفي قال:
البخل فطنة، والسخاء تغافل، فقال ابن المقفع: ولكني أقول: السخاء فطنة، والبخل تغافل، وقال: المودة أشبك الأنساب، والعلم أشرف الأحساب.
ومر ابن المقفع بشبيب وهو عليل في دهليزه، فنزل إليه، وكان ابن المقفع على بغل، وجاءت جارية من بعض دور الأشراف عائدة له عن سيدتها، وكان بغل ابن المقفع قد ودي، فلحظته ثم قالت: يا أبا معمر تقول لك سيدتي: كيف أير بغلكم، فقال ابن المقفع: كما ترين رحمك الله، وقال شبيب: شغلها ما أهمها عن عيادتنا.
وقال شبيب: حسدت عمرو بن عبيد على كلمتين سمعتهما منه، شتمه رجل وهو ساكت، فلما قضى الرجل كلامه قال له عمرو: آجرك الله على الصواب، وغفر لك الخطأ. ويقال إن خالد بن صفوان قال هذا القول.
وقال شبيب: حفظ ما في يدك أيسر من طلب ما في يد غيرك.
وقال الحرمازي: كان ابن لشبيب ماجنا، ويقال ابن لحضين بن
стр. 5033
المنذر، فأخذه شبيب، أو حضين، فحبسه فكتب كتابا على لسان ابليس:
من أبي مرّة سيد الجن وعظيمهم إلى شبيب بن شيبة، أما بعد: فإنك عمدت إلى حبيبي وصفيي من البشر من أهل هذا المصر فحبسته، وأنا أقسم لئن لم تخله وتحسن إليه لأصرعنّك صرعة تكون غير منتعش منها، ولأهلكنّ مالك وعيالك. ودس الكتاب فجعله بين كتب أبيه، فلما نظر شبيب في كتبه قرأ الكتاب فراعه وجعل يقول: صدق أبو مرة لقد أسأت ببنيّ وخلى سبيله وأكرمه.
وروى ابن المبارك أو غيره عن شبيب حديثا، فقيل له إنه رجل صحب السلطان ويجري معهم فيما يريدون أفتروي عنه؟ فقال: إن له شرفا ومروءة، وليس مثله يكذب في الحديث المأثور.
ومنهم عبد الله بن عبد الله بن الأهتم
قال - أو أبوه - للأحنف يوما:
ما أراك تحدث عن أبيك قيس بشيء؟ فقال الأحنف: كان أبي رجل من العرب له صرمة من الإبل يقري منها الضيف ويفعل فيها المعروف ويحيمها برمحه وسيفه ولم يكن أهيتم سلاّحا.
ومنهم خاقان بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم،
ويكنى أبا عمرو، ولي ميسان من قبل سعيد بن دعلج، وهو أبو صبّاح بن خاقان.
ودخل عبد الله بن خالد بن صفوان الممرور المسجد، وقد شوّه نفسه في لبسته، فقال له عبد الرحمن بن شبيب بن شيبة: قم فما أحوجك إلى أدب، فقال أحوج إليه مني من اشترى الخمر بماله ثم شرب حتى أحدث في ذيله، وقاء في جيبه، يمسي محمرا، ويصبح مصفرا، وكان عبد الرحمن صاحب شراب.
стр. 5034
ومنهم محرز بن شهاب بن محرز بن سميّ بن سنان بن خالد بن منقر،
قتل مع حجر بن عدي الكندي بمرج عذراء.
ومنهم: حزن بن جزيء بن جندل بن منقر،
كان فارس زمانه.
وجرول بن حزن،
كان فارسا أيضا من فرسان الجاهلية.
والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمن بن بجير بن أوس بن سفيان بن
خالد،
كان شريفا بالكوفة، وقد ولي شرط الكوفة.
وقال أبو اليقظان: كان القعقاع أعرج، وولاه عبد الحميد بن عبد الرحمن في خلافة عمر بن عبد العزيز شرط الكوفة، وكان عبد الحميد أعرج فقال الشاعر:
ألق العصا ودع التخادع والتمس … عملا فهذي دولة العرجان
وولي القعقاع بعد ذلك سجستان، وفيه يقول أبو خالد اليشكري:
توعدني القعقاع في غير كنهه … فقلت له: بكّر إذا رمتني ترسي
فما أنت يا قعقاع إلا كمن مضى … كأنك يوما قد نقلت إلى الرمس
فإن تك قد أوعدتني غير مقصر … فدونك فاغضب إن غضبت على الشمس
وقديد بن منيع بن معاوية بن فروة بن الأحمس بن عبدة بن الأحمس بن
عبدة بن خليفة بن جرول بن منقر،
ومنيع الذي يقول:
يبكى علينا ولا نبكي على أحد … لنحن أغلظ أكبادا من الإبل
لا شيء أحسن منها إذ تودعني … وجيبها برشاش الدمع مغتسل
وكان من ولد قديد: الأحنف بن قديد. وعبدة بن قديد، وكان عبدة جوادا، وفيه يقول الشاعر:
كذب القائلون قد ذهب الج … ود ومات الندى بموت الجنيد
стр. 5035
من أراد الندى وبذل العطايا … فعلية بعبدة بن قديد
ويقال ان الذي يقول:
يبكى علينا ولا نبكي على أحد.
..
قديد بن منيع.
وتزوج أبو مسلم المرزبانة بنت قديد، وتزوجها عبد الجبار بن عبد الرحمن.
ومنهم عصمة، وهو عصمة بن سنان بن خالد بن منقر
الذي يقول فيه الشاعر وكان أسره عصيمة وخلاه
عصيمة أجزيه بما قدّمت له … يداه وإلاّ أجز عصمة أكفر
واللعين المنقري من ولد عصمة،
واسمه منازل بن زمعة، ويكنى أبا أكيدر.
ومنهم فدكي بن أعبد بن أسعد بن منقر،
كان فارس بني سعد في الجاهلية، وكان فدكي بن أعبد، وطريف بن تميم، وأبو الجدعاء الطهوي أغاروا وهم متساندون على طيّئ، فقتلوا عمرو بن ورد رئيس طيّئ، وأسروا منهم ثمانين أسيرا فيهم حاتم الطائي الجواد، ثم انصرفوا فأغاروا على بكر بن وائل، فقتل طريف وأبو الجدعاء، وأفلت فدكي بن أعبد.
وقد شهد فدكي وقائع وهو القائل:
أنا ابن ماوية إذا جدّ النفر.
..
وله عقب.
ومن بني منقر: عقبة بن حبّار،
وكان بخيلا، وفيه يقول الشاعر:
لو أن قدرا بكت من طول محبسها … على الجفوف بكت قدر ابن حبّار
стр. 5036
ما مسها دسم مذ فضّ معدنها … ولا رأت بعد نار القين من نار
ومن بني مرة بن عبيد،
مجّاعة بن سعر بن يزيد بن خليفة بن سنان بن
قطن بن العجلان بن مرة بن عبيد
كان شريفا، وكان سعر مع علي بن أبي طالب ﵇، فدخل على هو عنده فالوذج فقال: ما هذا؟ قال: هذا الذي يقتل عليه بعض قريش بعضا، فاعتزله ولزم ناحية من البصرة.
وولي مجّاعة عمان للحجاج، وولي مكران، وبها مات فقال الشاعر:
ما من مشاهدك التي شاهدتها … إلا يزينك ذكرها مجّاعا
وكان القاسم بن مجاعة ولي عمان فقتله أهلها وصلبوه، فقال الشاعر:
تناوم مجّاع وأسلم قاسما … وما صاحب الحاجات بالمتناوم
فبعث الحجاج مجّاعة إلى أهل عمان، فقتل منهم مقتله عظيمة فقال مجّاعة
حمدت الله حين شفيت نفسي … فهذا حين ساغ لها الشراب
وولى يوسف بن عمر غضيا بن القاسم بن مجّاعة عمان.
ومن بني مرة بن عبيد فيما ذكر أبو اليقظان: الأسود بن سريع (١)
أتى النبي ﷺ فقال له: قد مدحت ربي فقال رسول الله ﷺ : «إن ربي ليحب أن يمدح». وكان أول من قصّ بالبصرة في مسجدها.
ومات رجل فقال الأسود:
إن تنج منها تنج منها عظيمة.
..
فقيل له: أجز يا أبا سريع فقال:
وإلا فإني لا أخالك ناجيا
стр. 5037
وقال أبو اليقظان: ومن بني مرة بن عبيد: مذعور بن هزال كان له مال وقدر بالأهواز.
ومن بني مرة بن عبيد عن الكلبي: عمارة بن سليمان بن قيس بن عمارة بن مرة بن مرثد بن حميري بن عبادة بن النزال بن مرة، كان شريفا.
وقال أبو اليقظان: هو عمارة بن أبي سليمان، كان خطيبا لسنا بالكوفة، وقد ولي الولايات، ويقال إنه دعيّ، وله عقب بالكوفة (١)
قال الكلبي: ومن بني مرة بن عبيد أخي منقر بن عبيد: الأحنف واسمه الضحاك بن قيس (٢) بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد.
وقال غير الكلبي: اسم الأحنف صخر بن قيس، ويكنى الأحنف أبا بحر، ولد: أحنف. والحنف: إقبال إحدى القدمين بأصابعها على الأخرى. وقالت أمه حبّة بنت عمرو الباهلية، ويقال حبّى، وهي ترقصه:
والله لولا حنف برجله … وضعفه ودقة من هزله
ما كان في فتيانكم كمثله
وكان حليما. ولما أتى رسول النبي ﷺ بني تميم، يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، قال الأحنف: إنه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها، فأسلمت بنو تميم، وأسلم ولم يفد على النبي ﷺ ، ووفد على عمر رضي الله تعالى عنه مع وفد من قومه، فقال: يا أمير المؤمنين أتاك وفود
стр. 5038
العرب، وأهل الأمصار، وقد نزلوا في مياه عذبة، وجنان مخصبة في مثل حولاء السلي، وحدقة الحمل تأتيهم ثمارهم لم تخضد، وإنا نزلنا في سبخة نشاشة مالحة هشاشة، جانب منها البحر الأجاج وجانب الفلاة، فألا تمدنا بفضل عطاء أو زرق نهلك، فحبسه عمر عنده حولا حيث أعجب بكلامه ليستبرئ ما عنده فلم ير إلا ما يحب. فقال عمر: إنا كنا نحاذر كل منافق عليم، وإني قد خبرتك حولا فرأيتك ذا جول (١) ومعقول، وأذن له فقدم البصرة.
وحضر مجلس عمر، فذكر عمر بني تميم وقال فيهم، فقال الأحنف:
يا أمير المؤمنين منهم الصالح ومنهم الطالح، فقام الحتات المجاشعي ليتكلم فقال له عمر: اجلس فقد كفاكم سيدكم الأحنف.
وحدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: قدم الأحنف على عمر بن الخطاب في أهل البصرة، فجعل يسألهم رجلا رجلا، والأحنف جالس في ناحية البيت في بتّ لا يتكلم، فقال له عمر: أما لك حاجة؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين إن مفاتح الخير بيد الله، وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة، والجنان الملتفة، ونزلنا بسبخة نشاشة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها، من قبل المشرق البحر الأجاج ومن قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع ولا ضرع، تأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة كذلك فتربق ولدها كما تربق العنز، نخاف بادرة العدو، وأكل السبع. فإلاّ ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا.
стр. 5039
فألحق عمر ذراري أهل البصرة في العطاء، وكتب إلى أبي موسى الأشعري يأمره أن يحفر لهم نهرا (١) وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس: الرجل الكامل من تحفظ هفواته.
حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المدائني عن كليب بن خلف قال:
تذاكروا الصمت والمنطق عند الأحنف، فقال قوم: الصمت أفضل، وقال الأحنف المنطق أفضل، لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، وفضل المنطق ينال من سمعه، وإن ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها.
حدثني الحرمازي عن أبي الفضل العميّ عن أبي عامر العطاردي قال: قدمت عير للأحنف بن قيس، فخرج يتلقاها ومعه فتى كان يلزمه فيعجبه صمته ويحسب أن ذلك لحسن استماع، فلما برز الأحنف إلى الجبان نظر الفتى إلى غراب محلق في السماء فقال: يا أبا بحر أيسرك أنك بمكان هذا الغراب ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال الأحنف: لا يا بني ولرب ناطق هو أعيا من صامت.
المدائني عن جهم بن حسان قال: حبس مصعب بن الزبير قوما، فقال له الأحنف: أصلح الله الأمير إن كنت حبستهم بباطل فالحق يخرجهم، وإن كنت حبستهم بحق فالعفو يسعهم، قال: صدقت، وأخرجهم.
وقال الأحنف، ورأى من مصعب تجبرا: عجبا لمن يتجبر وقد جرى
стр. 5040
في مجرى البول مرتين، ويقال إنه مد رجله وهو معه على السرير، فقال هذا القول.
المدائني عن كليب بن خلف وغيره أن الأحنف بن قيس قال: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم، أتى مولى له صائغ وقد ضرب رجل يده بسيف فأبانها، والرجل معه، فلما نظر إلى الرجل قال: قد وهبتك يا هذا لله فاتق الله ثم نظر إلى مولاه فقال: يا بني قد غمنا ما أصبت به وأنت في عيالنا ما بقيت.
قال: وأتي ذات يوم بابنه مقتولا وبقاتله، فقال: روعتم الفتى ورعبتموه ثم أقبل عليه فقال: ما أردت إلى ابن عمك وهو عضدك ويدك ونصيرك، والله لقد نقصت عددك، وضعضعت ركنك، وأسخطت ربك، أطلقوه، فأطلقوه وما حلّ حبوته ولا قطع كلامه ولا تغير لونه.
المدائني عن عوانة قال: لما نزل أصحاب المختار على حكم المصعب بن الزبير، شاور الأحنف في أمرهم فقال الأحنف: أرى أن تعفو عنهم فإن العفو ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (١). فقال أشراف أهل الكوفة: لا تعف عن هذه الموالي واضرب أعناقهم فقد بدا كفرهم، وعظم كبرهم، وقل شكرهم، وضجّوا. فلما قتلوا قال الأحنف: ما أدركتم بقتلهم ثأرا، فليته لا يكون في الآخرة وبالا.
المدائني عن كليب وغيره قالوا: قال الأحنف: رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه، ومن لم يصبر على كلمة تسوءه سمع سبعا.
وقال رجل للأحنف، ويقال لضرار بن القعقاع: والله لو قلت واحدة
стр. 5041
لسمعت مني عشرا، فقال: لكنك والله لو قلت عشرا ما سمعت مني واحدة.
وقيل للأحنف: من السيد؟ قال: الذليل في عرضه، الأحمق في ماله، المطّرح لحقده، المعين لعشيرته.
المدائني عن كليب بن خلف وغيره أن غيلان بن خرشة الضبي قال للأحنف: يا أبا بحر ما بقاء ما فيه العرب قال: ما تقلدوا السيوف واقتطعوا العمائم، وركبوا الخيل، ولم يكونوا فوضى، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قيل وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يعدوا الحلم ذلا، والتعافي فيما بينهم ضيما.
المدائني عن كليب بن خلف وغيره أن غيلان بن خرشة الضبي قال للأحنف: يا أبا بحر ما بقاء ما فيه العرب قال: ما تقلدوا السيوف واقتطعوا العمائم، وركبوا الخيل، ولم يكونوا فوضى، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قيل وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يعدوا الحلم ذلا، والتعافي فيما بينهم ضيما.
المدائني عن الهذلي قال: قال الأحنف: ما أحب أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم ودهمها، فقال له رجل: أنت أعز العرب فقال: إن الناس يرون الحلم ذلا.
الحرمازي قال: فقد الأحنف بحرا ابنه يوما أو يومين، فلما رآه قال له: أين كنت لله أبوك؟ فقال: كنا نكسح، يريد كنا نشرب. فقال:
وهل جاء ما كنت فيه بخير قط؟ وقيل له: ألا تكون مثل أبيك؟ فقال: أكسل عن ذاك.
وحدثني الحرمازي قال: جرى بين الأحنف وبين رجل من الشعراء كلام، فقال له الشاعر: والله لأشتمنك شتما يدخل معك قبرك، فقال:
يا بن أخي إنما يدخل معك قبرك دوني، إن الكلم الصالح يزين صاحبه في الدنيا ويلقى خيره في الآخرة، وإن الكلم السيء شين عاجل، وشر آجل.
المدائني أن رجلا رفع إلى مصعب بن الزبير، وقد اتهم بسرق أو غيره، وعنده الأحنف بن قيس، فقيل للمتهم: أصدق الأمير. فقال
стр. 5042
الأحنف: بعض الصدق معجزة.
حدثني الحرمازي عن جهم السليطي أن بحر بن الأحنف قال لجارية أبيه زبراء: يا زانية. فقالت لو كنت زانية لجئت أباك بمثلك، فقال الأحنف لابنه: يا فاسق لقد أفحشت ولؤمت، وقال لجاريته، لقد أغرقت في النزع وما أبقيت على أختك، وكلاكما مسؤول عن قوله، ومأخوذ به، فاتقيا الله.
وكان بحر بن الأحنف مضعوفا، فقيل له: ألا تكون مثل أبيك؟ فقال: وأيكم مثل أبيه؟ وتزوج بحر فولد له سعيد بن بحر.
فتزوج سعيد بن بحر حفصة بنت ربعي بن عمرو بن الأهتم، فمات ولم يولد له، ولم يبق للأحنف عقب من ذكر ولا أنثى، وكانت للأحنف ابنة ماتت.
حدثنا أبو الحسن عن جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلى بن زياد عن الحسن أن الأحنف خرج في وفد تستر إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلبس الوفد ثيابا جددا، ولبس الأحنف بتّا، فلما رآهم أعرض عن الوفد وأقبل على الأحنف فقال: بكم أخذت البتّ؟ قال: بأربعين. قال: فهلا بعشرين وقدّمت الفضل، قال: يا أمير المؤمنين إن قومي حديث عهدهم بالجاهلية فأردت أن يروا للإسلام عليّ أثرا حسنا، فطفق عمر يسائل الأحنف، والأحنف يقول: يا أمير المؤمنين أميرنا مجاشع، فلم يكلمهم، فانصرفوا فقال الأحنف: كره أمير المؤمنين زيكم فالقوه بغير هذا الزيّ، فغدوا عليه في ثياب الحرب مصدأه، فأقبل على مجاشع فساءله وساءل الوفد ثم انصرفوا إلى أبي موسى، واحتبس الأحنف حولا، ثم دعاه فقال: إني
стр. 5043
خفت أن تكون منافقا فارجع إلي بلدك وقومك فما بهم غنى عنك، واتق الله ربك.
المدائني عن مصعب بن حيان عن جويبر عن الضحاك قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى ﵄ في العام الذي مات فيه أن وجّه الأحنف في خمسة آلاف إلى خراسان، فتوفي عمر قبل أن يسرحه.
المدائني قال: قال المنذر بن الجارود: أعطي الأحنف ما لم يعطه أحد. وفدنا على معاوية فلم أدع شيئا من حسن الزي والهيئة إلا اتخذته، وخرج متخففا رث الهيئة، فكنا إذا نزلنا منزلا أظهرت ما عندي من الهيئة وتلبست، وخرج الأحنف في بت، ولا يراني أحد ممن لا يعرفنا إلا قال:
هذا الأحنف، والأحنف في بت ولا أذكر أنا.
المدائني عن بشار بن عبد الحميد عن أبي ريحانة قال: وفد هلال بن وكيع وزيد بن جلبة، والأحنف بن قيس إلى عمر، فقال هلال بن وكيع:
يا أمير المؤمنين إنا غرّة من وراءنا، ولباب من خلفنا من قومنا، وإنك إن تصرفنا بالزيادة في أعطياتنا والفريضة لعيالاتنا يزود الشريف منّا لك تأميلا، وتكون لذوي الأحساب أبا برا، وإلا تفعل تكن مع ما نمتّ بفضله، وندلي بأسبابه كالجب لا يحل ولا يرحل، ثم نرجع بأنف مصلومة، وجدود عاثرة فمحنا وأهلينا بسجل من سجالك مترع.
وقال زيد بن جلبة: يا أمير المؤمنين زود الشريف، وأكرم الحسيب، وأودعنا من أياديك بما يسد الخصاصة، ويجبر الفاقة فإنا بقفّ من الأرض يابس الأكناف، مقشعر الذروة لا شجر فيه ولا زرع، وإنّا من العرب إذ أتيناك بمرأى ومستمع.
стр. 5044
ثم قال الأحنف: يا أمير المؤمنين إن مفاتيح الخير بيد الله، والحرص قائد الحرمان، فاتق الله فيما ولاك فيما لا يغني عنك يوم القيامة، واجعل بينك وبين رعيتك شيئا يكفيك وفادة الوفود، واستماحة المستميح، فإن كل امرئ يقرى في وعائه إلا الغل ممن عسى أن تقتحمه الأعين، فكان الأحنف أحمدهم قولا عند عمر.
حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن أدن الأحنف وشاوره واسمع منه.
المدائني عن سوار بن عبد الله قال: وفد الأحنف على عمر فقال له:
أعمك المتشمس؟ قال: نعم.
المدائني عن مسلمة بن محارب عن عيينة بن عبد الرحمن الجوشني أن معاوية قال للأحنف: أتراني نسيت لك اعتزالك بالبصرة وقريش تذبح في نواحيها كما يذبح الحيران (١) لا تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر، أو تراني أنسى طلبك الحيل في أمر أتانيه الله لتبطله، يعني يوم الحكمين. فقال الأحنف: «صدقني سنّ بكره» (٢)، لا آتيه في حاجة أبدا.
وعن مسلمة قال: جعل قوم لرجل جعلا إن سفّه الأحنف وأغضبه، فأتاه فقال: لا حياك الله يا أحنف، فلم يجبه، فأعادها مرارا فلم يجبه، فانصرف الرجل فقال الأحنف: قاتلهم الله لقد علموا أين وضعوا خطرهم.
стр. 5045
قال: وقال الأحنف: ما قست منزلتي عند أحد بمنزلتي في نفسي إلا وجدتها دونها.
وسأل الأحنف قوم فقال: إن شئتم أعطيتكم درهمين، وإن شئتم أعطيتكم ألفين، قالوا: اختر لنا، فلما خرج العطاء حمد الله وألقى لهم درهمين فألقى الناس كلهم درهمين درهمين فقاموا بكساء يحمله أربعة.
وكان الأحنف يقول: لأن أدعى من بعيد أحب إلي من أن أدفع من قريب.
المدائني عن طفيل بن أبي حفص قال: أتى رجل الأحنف فقال: يا أبا بحر إني أريد مشاورتك، فأقبل الأحنف عليه فقال الرجل: إيه يا أبا بحر.
فقال: منك ينتظر الابتداء بالقول رحمك الله.
وقال الأحنف: ما يسرني أني نزلت بدار معجزة واني أسمنت وألبست. فقيل يا أبا بحر وما يراد من دار الجزم (١) غير هذا. قال: إني أخاف سوء العادة.
قال: وكان الأحنف إذا أتاه رجل وهو في مجلس ضيّق تحفز وتحرك يريه أن يوسع له.
المدائني عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن بيان عن الشعبي قال:
قدم مصعب الكوفة بعد قتل المختار فقيل: إن أحنف أهل البصرة في المسجد، فجئنا ننظر إليه، فإذا هو محتب حمائل سيفه، واضعا مرفقيه على ركبته، وقد شبّك أصابعه، وتميم مطيفة به، وأكب الناس ينظرون إليه.
فأراد قومه على شيء فقالوا: لا. فرفع رأسه إلى النظارة فقال: إن بني تميم