إليه، فقال الحجاج: يا أهل الشام، تهابون الإقدام وقد طعن هذا ثلاث طعنات كلها تصل إلى الجذع فلم يمت. وخلى عنه، قالوا: فكان بعد ذلك يمشي في السوق.
قالوا: وكتب قتيبة إلى الحجاج يشكو ترك أهل الشام طاعته بخراسان، فكتب إليه أن احرمهم أطماعهم، فقد أشروا بدرورها عليهم، وأفقرهم فإن الفقر جند الله الأعظم الذي يذل به كل جبار عنيد.
وقال الحجاج لصاحب حرسه: إني استعملتك على نفسي، ولصاحب شرطه: إني استعملتك على سلطاني، ولحاجبه: إني استعملتك على وجهي، ولصاحب طعامه: إني استعملتك على مروءتي.
وخطب الحجاج فقال: ﴿إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١) وكان لا يدع ذلك حتى مات.
قالوا: وبعث الحجاج بهدايا مع رجل من همدان إلى عبد الملك فأنشد عبد الملك:
لقد أوعدتني شاكر فحسبتها … وفي النفس من همدان والقلب هاجس
قبيلة لا كثّر الله خيرها … لها حجف فوق المناكب يابس
وقال: يا أخا همدان، لئن أسأنا المقال لا نسيء الفعال، وأمر له بأربعة آلاف درهم.
стр. 5532
وقال الحجاج للعجاج وبين يديه لقحة تحلب، انعمت هذه فقال:
تصرف للحالب وجها حرّا … إلى سنام طال ما اكفهرا
كأنّ خلفيها إذا ما درّا … جروا هراش حرّكا فهرّا (١)
قال: خذها يا عجاج فهي لك.
وقال الحجاج: إن الرجال ذوي الظنون يظنون فيدخلون ويظنون فيخرجون، والمرأة إذا رأت عقلت، وإذا سمعت انتفعت.
وقال الحجاج: إني أعطي على البلاء والظرف وأحرم على العجز والضعف.
وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أو كان متفرقا فأجمعه؟ قال: أتقرأه ظاهرا؟ قال: بل أقرأه وأنا أعرفه، وأعلم أنه نور مبين. قال: أفتحفظه؟ قال: إن أحسنت قراءته فأنا أحفظه. قال:
ما تقول في عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه. قال: ويلك كيف تلقى ربك؟ قال: ألقاه بعملي، وأرجو أن تلقاه بدمي.
وقال الحجاج في خطبته: إن امرأ مضت له ساعة في غير ما خلق له لخليق أن تعظم حسرته.
وخطب الحجاج يوما فقال: اللهم أرني الهدى هدى فاتبعه، وأرني الغيّ غيا فاجتنبه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ﴿ضَلالاً بَعِيداً﴾ (٢).
стр. 5533
قال الهيثم بن عدي عن عوانة: خطب الحجاج فقال: رحم الله امرأ عمل بعلمه، رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب من غيره، رحم الله امرأ فكر فيما يقرأ في كتابه ويراه في ميزانه، رحم الله امرأ كان له من نفسه مذكّر لمعاده وزاجر عن معصية ربه، رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فإن قاده إلى طاعة الله اتبعه، وإن قاده إلى معصيته كفه.
قال: وقدم نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف على الحجاج، فأمره الحجاج أن يقتل رجلا فأبى وارتحل إلى المدينة فبعث إليه الحجاج بثلاثمائة دينار صلة له وقال استعن بها على سفرك، فلما لحقه الرسول ظن أنه يريد رده فقال: أغدرا؟ قال: لا بل صلة الأمير.
وخطب الحجاج فذم الدنيا قال: والله ما مضى من الدنيا لأشبه بما بقي من الماء بالماء.
وأمر الحجاج جلساءه أن يرسلوا إلى منازلهم فيحضر كل امرئ ما عنده مما يؤكل فأتوا جميعا بتمر وزبد.
وعرض الحجاج الجند يوما فمر به رجل لا سلاح عليه فقال له: أين سلاحك يا بن نوح؟ فقال: تغافل أيها الأمير، فكف عنه، ومر به رجل من أهل حمص لا سلاح عليه، فقال له: أين سلاحك؟ قال: تغافل أيها الأمير فأمر به فضرب مائة سوط.
المدائني قال: كان زاذان خباز ابن زياد ومصعب بن الزبير فقال له الحجاج: أي الطعام كان أحبّ إلى ابن زياد؟ قال: الشواء. قال:
فمصعب؟ قال: الثريد. قال: هو والله أولاهما بذلك. يقول لأن الثريد طعام العرب.
стр. 5534
وكان الحجاج جمع بين زاذان وطباخ شامي، فكان الشامي أكثرهما طرائف، وكان زاذان أقواهما طعاما.
وقال الحجاج لحوشب بن يزيد: ما كان أبوك يخبرك به عن المختار؟ قال: أخبرني أنه قال: أنا الذي أتزوج امرأة من أهل النبي، وأكسر قصر الملك، وأبني بنقضه قصرا، وأنا الذي ابني مدينة داوردان. فقال: كذب ابن دومة، وإن كانت لكريمة، أنا ذاك. فنقض قصر النعمان، وبني قصره في الجبان، وتزوج ابنة عبد الله بن جعفر.
وقدم الحجاج على قوم فسألهم عن المطر فتكلموا، فقال عمر بن أبي الصلت: أصلح الله الأمير أما أنا فما أجسر أن أنسق كما نسقوا، غير أني لم أزل في مطر وطين منذ خرجت من حلوان حتى قدمت عليك. فقال: لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة، إنك لأطولهم بالسيف خطوة.
المدائني قال: لما بنى الحجاج واسطا قال: لا عيب فيها علمته إلاّ ما نصير إليه من الموت، مع أنها ليست لنا ببلد، ولا لمن نترك من الولد.
وقال الحجاج لرجل من النخاسين: ما بال دوابكم أفره من دوابنا؟ قال: لأنا إذا علفنا أشبعنا، وإذا زجرنا أسمعنا، وإذا ضربنا أوجعنا.
وقال الحجاج: ما زالت قريش تذكر ابن جدعان، حتى ظننت أنه قد ولي رقابهم.
قالوا: ولما مات بشر بن مروان، وبلغ الحجاج موته قال: مات بشر يوم كذا، فيصل خبره يوم كذا، فلا يرى للعراق أحد غيري، فيأتيني كتاب بولايته يوم كذا. فكان كما قال: فاستخلف على الحجاز محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وقدم العراق.
стр. 5535
وحلأ (١) من بني كاهل رجلا من أصحابه عن الماء فقال: إني ابن سبيل، قال: ذاك أهون لك عليّ، فأخذه الحجاج فقطع يده فقال الشاعر:
ألم تر أن الكاهلي ابن معبد … أبينت يداه بعد عقد مؤكد
وقال الحجاج لزياد بن قطبة، وكان يرى رأي الخوارج، فقال:
ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال:
هما ختنا خير الأنام ومن له … على الناس فضل بيّن يا بن يوسف
فقال: ليس عن هذا أسألك إنما أسألك عنهما؟ فقال:
خليلان عاشا برهة مع محمد … فبان ولمّا يسخطا يا بن يوسف
فقال: أسألك عنهما في دينهما؟ قال: علمي فيهما والله كعلم الأمير لا أعدو والله فيهما قوله. قال: اعتصمت بمعتصم.
محمد بن خلف قال: قال الحجاج لسعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد: أشعرت أن ابن عمك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد مات.
ولم يعزّه فغمّه تركه تعزيته، فقال: أيّ شعر قالته العرب أحسن؟ قال:
قول عدي بن زيد العبادي:
أيها الشامت المعيّر بالده … ر أنت المبرّأ الموفور
أم لديك العقد الوثيق من الأي … ام بل أنت جاهل مغرور (٢)
فقال، إنك ما علمت لتتشفى بالدهر، وتولع بليّن الشعر.
стр. 5536
قالوا: وخرج فرقد السّبخي مع ابن الأشعث، فطلبه الحجاج فهرب، وقيل لم يخرج ولكنه بلغ الحجاج عنه قول فطلبه فهرب. قال فرقد: فأتيت واسطا فكنت أصلي في المسجد، فخرج الحجاج ليلة ومعه شيء يقسمه، فوقف علي فأعطاني فلم أقبل، فعاد، فأعطاني فلم أقبل، وعاد الثالثة فلم أقبل فأعطاني كيسا فلم أقبله، فوكل بي رجلا فلما انصرفت أتاه بي فقال لي: من أنت؟ قلت: فرقد. قال: أنا أطلبك وأنت معي فأخبرته خبري فقال: قد عفوت عنك، وأصبح فأمر بقتل رجل من أهل الكوفة وقال لرجل: أخرج هذا فاقتله، وقال لي قم معه حتى يقتله فقلت للرجل: فيم يقتل هذا؟ قال: لا أدري فإن أمرتني بقتله قتلته فقد سرحك معي، فقلت أرى أن تخليه فخلاه، ومضينا فستر الله وأنساه ذكري.
وأرسل الحجاج رجلا إلى عنبسة بن سعيد وقال لرسوله: قل لعنبسة: اقتله فإن أبى فاقتل عنبسة، فأبلغ الرسول عنبسة رسالة الحجاج، فقال عنبسة لرجل: اقتله فقتله، فقال رسول الحجاج: لم قتل هذا؟ فقال عنبسة: أمر بذلك الحجاج.
وقال الحجاج لرجل من الأعاجم: أمن أبناء الملوك أنت؟ قال:
لا ولكني من أبناء أهل الرأي. قال: فأخبرني عني قال: غضبك نصفين بين عدوك وصديقك، صديقك يخافك كما يخافك عدوك، فتبسم الحجاج وأمره أن ينطلق.
حدثنا عن جعفر بن سليمان الضبعي عن عوف قال: صليت خلف الحجاج جمعا فما صلى حتى توارت بالحجاب.
المدائني قال: مات الحجاج فذكره الوليد، وذكر فروة بن شريك
стр. 5537
العبسي فترحم عليهما، وقال: كانا منقادين لأمرنا والله لأشفعنّ لهما عند ربي، ولأسألنه أن يدخلهما الجنة، يا أهل الشام أحبوا الحجاج فإن حبه إيمان وبغضه كفر.
الربيع بن صبيح عن أبي الحسن قال: كان الحسن يذكر الحجاج فيقول: أخفش أعمش، مقصص الشعر، جاءنا يميت الصلاة حتى تصفّر الشمس، ويقول: إنّا والله ما نصلي للشمس، وما نصلي إلا لله، أفلا تقولون: يا عدو الله إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإن له حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وكيف تقولون ذلك وعلى رأس كل رجل علج قائم بالسيف!.
المدائني قال: أراد الحجاج قبل أمر ابن الأشعث أن يبعث إلى عبد الملك بهدايا، فقال: انظروا رجلا أمينا فقال له عبد الرحمن بن أبي بكرة:
قد وجدته، شعبة بن القلعم قد خبرته، وكان عبد الرحمن استودع شعبة أموالا لزياد فأداها فوجّه الحجاج شعبة إلى الشام، وقال له محمد بن عمير بن عطارد: وجّهني معه وكان قد خافه فوجههما فوردا بالهدايا على عبد الملك، فمات شعبة بالشام قبل خروج ابن الأشعث، وطلب محمد بن عمير إلى عبد الملك أن يقيم بالشام فمات بالشام قبل خروج ابن الأشعث وهو ابن ست وثمانين سنة، ولم يدع ولدا، مات بنوه قبله، وكان ابنه عمرو من فتيان أهل الكوفة ففقد في الغزو، ومات ابنه القعقاع فورثته أخته.
ويقال إن الحجاج كان معلما بالطائف.
وولد الحجاج من أم الجلاس: الوليد، ومن أم سلمة بنت عبد الرحمن: يوسف، ومن أم أبان بنت النعمان: أبان وعبد الملك، فقال رجل
стр. 5538
من الشاميين: اللهم إني أعلم أنك لا تعذب الحجاج، فلا تحرمني شفاعته.
أبو بكر الهذلي قال: وسم الحجاج العلوج، وأخرجهم من البصرة، وألحقهم ببلادهم، وكان أهل البصرة والكوفة وغيرهم من الموالي قبل أن يخرج الناس إلى أرضيهم يزوجون الدهقان وغيره، فلما أخرج الحجاج الناس امتنعوا.
وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: أتقرأين من كتاب الله شيئا؟ قالت:
نعم. فقرأت: «إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا (١)» فقال: ويلك، يدخلون، فقالت: قد دخلوا وأنت تخرجهم.
قال: وكان شبيب الناجي في ديوان الحجاج يضادّ يزيد بن أبي مسلم، فسأله تياذوق المتطبب حاجة فلم يقضها، فقال تياذوق: أما تحتاج إلي؟ قال: لا، أنا ادّهن بالبنفسج، وآكل الاسبيذاج، فإذا شبعت أمسكت، وأشرب الماء مطبوخا، ولا آكل على شبع، ولا آكل لحم شيء أكبر مني، فقال: حقّ لك ألا تحتاج إليّ.
عبد الله بن فائد قال: خطب الحجاج هند بنت المهلب، بعد أن بعث يزيد بالأسراء من قبل ابن الأشعث، فبعث الحجاج إلى أبي عيينة فزوجه هندا، وتزوج أختها أم اسماعيل محمد بن يوسف، وحملها إليه إلى اليمن.
стр. 5539
حدثني هشام بن عمار قال: قتل أصحابنا الهاشميون من ولد علي بن عبد الله عدة من أولاد الحجاج.
ومن ثقيف: البراء بن قبيصة بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن
معتب،
ولاه الحجاج البصرة وولاه أيضا الكوفة، ثم عزله، وولاه أصبهان.
وقال الشاعر في عنبسة بن سعيد:
حوى الملك حجاج عليك كما حوى … عليك الندى والمكرمات براء
أفي سحق ثوب منهج إن كسوته … فلا كان عندي من نداك كساء
رأيتك لما جئت والباب مغلق … تغدى وما للنازلين غداء
وغضب الحجاج عليه يوم الزاوية فهرب منه إلى المدينة، وقال:
لا أوطن الدار إيطان البعير إذا … كانت وكانت نوائب فيها لا تؤاتيني
أكلّما أخطأت يوما بها قدمي … هويت عندك في زوراء ترديني
وقال البراء أيضا:
كأن فؤادي بين رجلي محاذر … من الطير في جو السماء محلق
مخافة من قد يتقي الناس شره … متى ما يعد من نفسه الشر يصدق
وقال الراجز في البراء:
إن البراء سبط البنان … كهل الكهول وفتى الفتيان
يجود بالبدور والقيان … والناقة السوداء والهجان
أمضى على الهول من السنان … ما ان يبالي غضب السلطان
وولي البراء الطائف بعد الحجاج، وكان البراء خطب أم عبد الغفّار بنت عبد الملك بن عبد الله بن عامر فقال في ذلك:
стр. 5540
أمّ عبد الغفار ردي نوالا … وصلي حبل عاشق وصالا
أم عبد الغفار ليس بحلّ … قتل نفس فلا تريه حلالا
وكانوا أرادوا تزويجه إياها فتزوجها عبد الأعلى بن عبد الله فحقد عليه الحجاج ذلك فلقي منه شرا.
ويوسف بن عمر (١) بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن
عامر بن معتب أمير العراق،
وكان يكنى أبا عبد الله، ولي اليمن لهشام بن عبد الملك، وولاه العراق ومحاسبة خالد بن عبد الله القسري وعماله فعذبهم، فمات خالد في عذابه، ومات بلال بن أبي بردة في عذابه، ولم يزل واليا لهشام ست سنين، ثم للوليد بن يزيد، فلما قتل الوليد هرب إلى الشام فقتلته اليمانية، فيقال إن يزيد بن خالد فيمن قتله، وقد ذكرنا أخباره فيما تقدم.
قال المدائني أول حكم حكم به يوسف أن رجلا خلع ثيابه ودخل الفرات يغتسل، وألقى هميانه فجاءت عقاب فاحتملته، فقال يوسف: كم أكثر ما يطير العقاب بصيده؟ قيل: كذا. فقال: انظروا أقرب القرى من هذه الغاية. فضمنوا أهلها هميان الرجل.
وكان يوسف يطعم في كل يوم وهو على العراق خمسمائة جراب، وكانت مائدته وأقصى الموائد سواء يتعهد ذلك ويتفقده. وكان طعامه ألوانا وشواء، وكانت له فرنية حلواء. فرأى من ذكر فرنية قد ذهب ما عليها من السكر فقال: سكر فلم يمكن، فضرب صاحب الطعام ثلاثمائة سوط
стр. 5541
والناس يأكلون. فكانوا بعد ذلك يحملون معهم خرائط فيها سكر مدقوق، فكلما نفد السكر عن صفحة نثروا عليها وكان يعشي بعد العصر فيحضر الشامي والعراقي لا يرد أحد فرأى رجال من أهل الشام دفع عراقيا بنعل سيفه فضرب الشامي مائة سوط وقال: يا بن اللخناء تدفع الناس عن طعامي؟ وولى يوسف أعرابيا بعض مخاليف اليمن، فلما قدم عليه قال له:
يا عدو الله أخذت مال الله. قال: فممن آخذ إذا بأبي أنت؟ فاستضحك وسوّغه المال.
ودخل عبد أسود مقيدا دار يوسف بالكوفة، والناس يأكلون فدفعه رجل، فصاح به يوسف: دعه ويلك. فجلس فأكل مع الناس، فلما فرغ دعا به فحلّ قيده، وأمر بابتياعه وقال: إن باعك صاحبك فأنت لنا، وإن لم يبعك فاحضر غداءنا في كل يوم، فاشتري ليوسف فأعتقه (١).
وقال الحجاج بن عبد الملك بن الحجاج: تغديت يوما عند يوسف فجعلت أعبث في الأكل فقال لي: كل يا حجاج كما يأكل الرجال فقلت:
إن غلامي جاءني بحبارى، فأكلت منها، فقال لحاجبه: لا أرى وجهه فحجبت. فكلمت غير واحد ليشفع لي فلم أكلم أحدا إلا قال لي لا أتعرض ليوسف فرفعت إليه قصة مع أصحاب الحوائج فلما وقفت بين يديه قال:
ما فعلت الحبارى؟ قلت: لا آكل لحم حبارى أبدا فقال لحاجبه: أعده كما كان، وكنت أتجوع وأحضر طعامه فإذا رآني آكل ضحك.
وكان يوسف بن عمر قصيرا طويل اللحية بجر ثيابه.
стр. 5542
المدائني كان يوسف بن عمر يسرف في الشدة في أمر الدراهم على الطباعين، وأصحاب العيار، ويقطع الأيدي، ويضرب الأبشار فذكر أنه ضرب في درهم ردئ أو ناقص من العيار خمسة آلاف سوط.
قالوا وأتي بثوب وشيء فعدّ أبياته فوجد صفا من صفوف أبياته ينقص بيتا فضرب الذي عمله خمسمائة سوط. قالوا: وكان يمر ظفره على الثوب فإذا تعلق به سلك ثوب ضرب حائكه، فإلى الثياب اليوسفية المثل.
وأتاه حائك بثوب فنظر إليه قحذم كاتبه، فقال: بئس الثوب فقال يوسف للحائك: بئس الثوب هذا يا بن اللخناء، فقال: وما يدري الكاتب ما الثياب، قال لقحذم: صدق يا بن اللخناء وما يدريك ما الثياب، فقال: هذا يعمل الثوب في سنة وأنا أقلّب في كل يوم عشرين ثوبا. فقال للحائك: صدق يا بن اللخناء. ولم يزل يقبل على هذا مرة وعلى هذا مرة حتى قال للحائك: ما يقال لهذا الثوب؟ قال: سهر بسهر فقال: وما تفسير ذلك؟ قال: حمرة في حمرة. قال: لا جرم لأحمرنّ ظهرك فضربه مائة سوط.
قالوا: وكانت بخضراء واسط بومة قد أفرخت فشكي أذاها له فرماها رجل ممن حضره بجلاهق فصرعها، فضربه عشرين عصا وقال:
ما أحسنت هذا إلا وأنت من الغواة، وطرده.
المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: خطبنا يوسف بن عمر في مسجد الكوفة، فتكلم رجل مجنون فقال: يا أهل الكوفة، ألم أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد، اضربوا عنقه، فضربت عنق المجنون، فقلت في نفسي والله لا أصلي خلفك أبدا.
стр. 5543
وأراد الخروج في سفر فدعا بجارية له فقال لها: ما تقولين أأخرجك معي؟ قالت: نعم. فقال: أكلّ هذا شهوة للنكاح وغلمة، أوجعها يا غلام، فضرب خادم له رأسها بسوط كان معه، ثم دعا بأخرى فقال لها: أتخرجين معنا؟ فقالت: لا بل أقيم مع ولدي، فقال: يا فاجرة أكل هذا زهادة فيّ وبغضة لي، اضربها يا غلام فضربها الخادم، ثم دعا بأخرى فعرض عليها الشخوص فقالت: ما أدري ما أقول. إن قلت أخرج معك فعلت بي ما فعلت بالأولى وإن قلت لا أخرج فعلت بي ما فعلت بالأخرى فقال: أإياي تجيبين بهذا الجواب، وعلي تتسحبين هذا التسحب، اضرب يا غلام.
وقال المدائني كان يوسف سيئ الخلق، قلما يحتمل شيئا، وكان أحسن ما يكون خلقا في منزله، فكان يوما نائما فجاء غلمان له صغار بزنابير فلعبوا بها، فدخلت زنابير منها في البيت الذي كان فيه فجعلت تطنّ فانتبه فخرج إليهم فلم يزد على أن قال: ما هذا يا خبثاء.
المدائني قال: قال يوسف لعامر بن يحيى: يا فاسق أخربت ما سبذان قال: إني إنما كنت على حلوان وقد وفرت خراجها وعمرتها، فقال:
يا فاسق أخربت ما سبذان وعذّبه حتى قتله.
وقال لكاتب له يوما: ما حبسك؟ قال اشتكيت ضرسي، فدعا حجاما فقلعه وضرسا آخر معه، وقد كتبنا له أخبارا فيما تقدم من كتابنا.
ومنهم: غيلان بن سلمة (١) بن معتّب الشاعر،
فرق الإسلام بينه
стр. 5544
وبين عشر نسوة إلا أربعا، وكان وفد على كسرى فبنى له حصنا بالطائف، وكان ممن يخط في الجاهلية بالعربية.
وقال غير الكلبي: غيلان بن سلمة بن معتب ينسب إلى بني كنّة، وكان شريفا في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم وكان تحته عشرة نسوة، فأمره رسول الله ﷺ أن يطلق ستا ويختار أربعا. وهو القائل:
يا ربّ مثلك في النساء غريرة … بيضاء قد فزّعتها بطلاق
لم تدر ما تحت الضلوع وغرّها … مني تحمّل عشرتي وخلاقي
وكان وفد على كسرى فأعطاه مالا فبنى به حصنا بالطائف، فتزوج ابنة أوس بن حارثة بن لام حين مر به في طريقه فحملها وقال:
حباني والركاب معقّلات … بها أوس بن حارثة بن لام
فلما كان في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه طلق نساءه، وأعتق رقيقه، فقال عمر: لغيلان شيطان يسترق السّمع أخبره أن أجله قد حضر، فأعتق رقيقه، وطلق نساءه فقال: ليراجعنّ نساءه، وإلاّ رجمت قبره إذا مات كما رجم قبر أبي رغال.
وكانت بادية بنت غيلان من أجمل النساء، فقال هيت المخنث - وكان بالمدينة - لعبد الله بن أبي أمية المخزومي: إن فتح الطائف فتزوج بادية بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، يعني عكنها، فقال رسول الله ﷺ «إن كنت لأراه من غير ذي الأربة من الرجال» فسيره مع مخنث آخر يقال له باقع إلى خاخ (١).
стр. 5545
فتزوج بادية عبد الرحمن بن عوف، وهلكت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قبل أن تعمل النعوش، وصلى عليها عمر، فرأى خلقها من تحت الثوب، فهلكت بعدها زينب بنت جحش وكانت خليقة، فقال عمر: إني لأخاف أن يرى منها ما رؤي من بادية فهل عندكم من حيلة؟ فقالت أسماء بنت عميس: رأيت بالحبشة نعوشا لموتاهم، فاتخذ لزينب نعش، فكانت أول من حمل في نعش، فلما رآه عمر قال: نعم خباء الظعينة.
وكان ولد غيلان: شرحبيل، وهو أحد الوفد إلى النبي ﷺ .
وعمارة. وتميم. وعامر. وعمرو. ونافع. ونفيع. وبلال. وبليل.
ومنهم: منبّه بن شبيل بن العجلان بن عتّاب بن مالك بن كعب بن
عمرو أخوة بني معتب.
والأجرد، وهو مسلم بن عبد الله بن سفيان بن عبد الله بن معتب الشاعر الذي دخل على عبد الملك فقال له: ما من شاعر إلاّ وقد سبق إلينا من شعره قبل رؤيته، فما قلت؟ قال: أنا الذي أقول:
من يك ذا عضد يدرك ظلامته … إنّ الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره … ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
فقال: صدقت أنت والله شاعر، وألحقه بهم.
وولد غيرة بن عوف بن ثقيف: عبد العزى. وعقدة. وربيعة، أمهم هند بنت كعب بن ثمالة.
فولد عبد العزى بن غيرة: أبا سلمة.
فولد أبو سلمة: علاج واسمه عمير. وعبد الله. وأبي، وأمهم أم أناس بنت كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف.
стр. 5546
فمن بني علاج: طريح بن اسماعيل بن عبيد بن أسيد بن علاج بن
أبي سلمة الشاعر،
وأمه ابنة عبد الله بن سباع بن عبد العزى بن نضلة بن غبشان الخزاعي، حليف بني زهرة. وكان حمزة ﵁ قتل سباع بن عبد العزى يوم أحد فقال له: إليّ يا بن قطاعة البظور، وكان طريح منقطعا إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، أثيرا عنده فيقال إن قوما حسدوه على منزلته منه وأنسه به ومشاورته إياه، فسألوا حمادا الراوية، وقدم على الوليد، أن يلطف لهم في تنحيته عنه، فقال بيتين ودفعهما إلى خادم له وقال له قل إنه مدح بهما هشاما، فأنشده إياهما فجفاه وحجبه. ويقال بل ناوله قدحا فيه شراب فأبى شربه وقال له: هذا حرام لا أشربه، فقال له: هلا رددته على الغلام أو سكت وهجره وأقصاه، والبيتان اللذان يقولون حمادا قالهما:
سيري ركابي إلي من تسعدين به … فقد أقمت بدار الهون ما صلحا
سيري إلى سيد سمح خلائقه … ضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا
ولطف طريح لحاجب الوليد حتى أذن له في وقت جلس فيه الوليد جلوسا عاما، فلما دخل عليه أعرض عنه وكان طريح يقول: استعفيت الوليد من شراب النبيذ وقلت لست أشرب شيئا بغير الماء خوفا من أن يسقيني خمرا.
وقال طريح حين جفاه الوليد:
يا بن الخلائف مالي بعد تقربة … أقصى لديك وفي حاليك لي عجب
مالي أذاد وأرمى من وراء ورا … كما يوقّى من ذي العرّة الجرب
فذو الشماتة مسرور بسخطكم … وذو النصيحة والإشفاق مكتئب
стр. 5547
قد كنت أحسبني غير الغريب فقد … أصبحت أعلم أني اليوم مغترب
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن علموا … شرا أذيع وإن لم يعلموا كذبوا
وقال شعرا سوى هذا يسترضيه فيه، وقيل لطريح: ما اتقيت الله في قولك للوليد:
أنت ابن مسلنطح (١) … البطاح ولم
يطرق عليك الحبى والولج
طوبى لفرعيك من هنا وهنا … طوبى لأعراقك التي تشج
لو قلت للسيل دع طريقك والم … وج عليه كالهضب يعتلج
لارتدّ أوساخ أو لكان له … في سائر الأرض عنك منعرج
فقال: والله لقد قلت هذين البيتين وإصبعي إلى السماء استغفر الله وأستقيل.
وزعموا أنه دخل على أمير المؤمنين المهدي فقال له: أنت القائل في الوليد الجيمية، لا أسمع لك شعرا أبدا وإن شئت أن أعطيك أعطيتك.
قال الزبيري: سأل طريح كاتبا لداود بن علي حاجة، فجعل رقعته بها مع رقعة لآخر فقال طريح:
تخل لحاجتي واشدد قواها … فقد أمسيت مأمون الضياع
إذا أرضعتها بلبان أخرى … أضرّ بها مشاركة الرضاع
حدثني الحرمازي، حدثني سهل بن عبد الحميد عن أبي ورقاء الجعفي وقال: سايرت طريحا فصرنا إلى ماء في يوم شديد الحر، ونحن مقبلون من الكوفة، فسقطنا إلى الماء فرأيت فيما بين عصعصه إلى عنقه آثارا
стр. 5548
قبيحة، وحدورا كأنها الجدران فقلت له: ما هذا؟ قال: رأيت امرأة في خباء فهويتها وهويتني، وذكرت رفيقا لي كانت تهواه، وكان معنا فقالت:
أصير إليه فأبيت عنده فقلت لها وذاك تقربا إليها بأريحية الشباب: افعلي.
فقالت: بت في الخباء واعلم أن زوجي يجيء ليلا وهو سيئ الخلق فإذا تكلم فلا تكلمه، وانظر ما أمرك به من شيء فاعمله. فجاء ليلا وكان ضعيف البصر، وفي الخباء وطبان أحدهما منخرق الأسفل، فدعا بالوطب فأخذت المنخرق منهما فجعل يصب فيه اللبن وهو يسيل فعمد إلى نسعة فضربني بها وهو يحسبني امرأته، وأنا ساكت حتى أدماني، فهذه الحدور آثار ذلك الضرب.
قال الحرمازي، عن أبي اسماعيل الثقفي: اتخذ هشام مالا بالطائف، فقدم طريح عليه في بعض أمره، فسأله عنه فقال: رأيت خير مال، مكرمة في الذكر، وكنزا للدهر، فاق الأموال، وبذّ الأعمال أفسد ما كان قبله، وأعجز من طلب مثله، زين لمن ابتدعه، وغنى لمن حبي به، رأيت عريضا أريضا بمجباة سيل ومدبّ غيل، كريما تربه، عذبا شربه، فيه نبت تشيح عروقه في الثرى، وتمطر نواصيه الندى، وقد اعلولب وسما، وحسن ونما، شجره دوح، وعروشه سطوح، عظيم أمده، كثير نضده، نهاره ليل، وليله هول، وأمره عجب، ووصفه تعب، يفوت الخبر، ويحسر البصر، طال الأموال، وراق الرجال، يسرّ الودود، ويصرف عين الحسود.
وقالوا كان طريح يكنى أبا الصلت وكان له ابن يقال له الصلت ماتت أمه فطرحه إلى أخواله حين تزوج بعد موت أمه، وفيه يقول:
стр. 5549
بات الخيال من الصّليت مؤرّقي … يغري السراة مع الرباب الملتقي
ما راعني إلا بياض وجيهه … تحت الدّجنّة كالسراج المشرق
في أبيات.
ومنهم: الأخنس واسمه أبيّ بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج،
وهو حليف بني زهرة،
وهو الذي خنس بهم يوم بدر فسمي الأخنس بذلك، ولم يحضر بدرا من المشركين أحد ولم يسلم إلا الأخنس وكان أحرق زرعا وقتل حمارا فنزلت فيه: ﴿إِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (١).
ومن ولده: المغيرة بن الأخنس،
وكان من الصالحين، وكان مع عثمان يوم الدار، فجعل يقاتل ويرتجز، ويقول:
لا عهد له بغارة مثل السيل ولا يتقي غبارها حتى الليل وكان عثمان رضي الله تعالى عنه رأى في المنام قاتل المغيرة في النار فمرّ به عثمان وهو مقتول فمسح وجهه وقال: لا ضير أبا عبد الله فكان قاتله يمر بالمدينة فيقول: أنا قاتل المغيرة بن الأخنس فمن يقتلني به، فكانوا يقولون له: والله لا نقتلك به حتى تصير إلى النار. وللمغيرة عقب، وكان المغيرة بن الأخنس عامل مروان بن الحكم على البحرين.
ومن موالي الأخنس: عثمان البتيّ،
وهو من فقهاء أهل البصرة وله عقب.
стр. 5550
ومنهم الحارث بن كلدة (١) بن عمرو بن علاج طبيب العرب في زمانه
كانت سميّة أم زياد (٢). ويقال إن الحارث كان عقيما وقد نسب إليه قوم، ويقال ان ابنه نافع بن الحارث بن كلدة فقط، وذلك الثبت. وأسلم الحارث بن كلدة ومات في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وله صحبة.
وقال أبو اليقظان: فيقال ان النبي ﷺ لما حاصر الطائف قال: «أيما عبد دلّت نفسه فهو أبني (٣)» فتدلى أبو بكرة ببكرة فكني بها فولده ينسبون إليه وانه قال لنافع وأراد أن يتدلى: أنت ابني فأقم - وكان أبو بكرة نفيع يقول:
أنا ابن مسروح.
وكان عبيد الله بن أبي بكرة يقول: الحارث بن كلدة جدّي ولم يلتفت إلى قول أبيه.
وذكروا أن المهلب بن أبي صفرة نازع عبيد الله بن أبي بكرة في أرض، فركب عبيد الله فسار في مجالس ربيعة ومضر وجعل يقول: وا عجبا من كود بود بن خربوذ علج يتوعدني، وأنا من ابني نزار، فيقولون: نحن معك يا أبا حاتم. فركب والمهلب إلى الأرض، فقال له المهلب: الأرض أرضك. فقال عبيد الله: أما إذا أقررت بهذا فالأرض لك.
وقال واثلة بن خليفة السدوسي لابن أبي بكرة.
стр. 5551
هل يذهبن عنك مسروحا وحليته … ربط البراذين أو تشريفك السّورا
سود الوجوه وافي شعورهم (١) … مثل الزبيب على الهامات منثورا
وكان أبو بكرة يقول: لو ادّعيت أحدا لا دعيت صفوان بن أمية الجمحي، فإنه كان يأخذني وأنا غلام فيقبلني ويدنيني ويطعمني، ويقول أنت ابني.
ومنهم يونس بن سعيد بن حجاج
الذي يقول فيه القائل حين خاصم معاوية في زياد:
وقائلة إما هلكت وقائل … قضى ما عليه يونس بن سعيد
قضى ما عليه ثم مات مودّعا … وكل فتى سمح الخليقة مود
وقد كتبنا خبره في دعوة زياد.
وأما نافع بن الحارث بن كلدة
فأقطعه عمر قطيعة بالبصرة ولم يقطع فهريّا، ومات بالبصرة بعد موت يزيد بن معاوية حين هرب عبيد الله بن زياد.
ومنهم: العلاء بن جارية بن عبد الله بن أبي سلمة،
وهو حليف بني زهرة ويقال إنه من المؤلفة قلوبهم يوم حنين وله عقب بالمدينة.
وولد عقدة بن غيرة: عوف بن عقدة، وأمه ابنة حسان بن هلال بن قيس بن الحارث بن فهر.
منهم: المختار ابن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن
عوف بن عقدة،
وقتل أبو عبيد يوم قس الناطف بالعراق وهو الأمير، وكان من خبر ابنه المختار ما قد ذكرته في هذا الكتاب.
стр. 5552
ومنهم: أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة
الشاعر الفارس
الذي يقول:
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة … تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني … أخاف إذا ما متّ ألا أذوقها
وقد كان شرب الخمر فحدّه سعد وحبسه، ويقال حبسه ولم يحدّه، فلما رأى شدة الحرب بين المسلمين وعدوهم طلب إلى زبراء بنت سعد فأطلقته، فركب فرسا لسعد، وحمل على المشركين فأبلى، ورآه سعد، فقال: أما الفرس ففرسي وأما الحملات فحملات أبي محجن. فلما ظفر المسلمون رجع إلى محبسه فقال له سعد: ما أعاقبك في الشراب أبدا، فقال: وأنا والله لا أشرب الخمر أبدا.
وقال بعض الرواة أنه رأى قبر أبي محجن بأرمينية الرابعة وحوله كرمات فعرف ذلك معاوية.
وقدم أبو محجن على معاوية فسأله عن بيتيه هذين، فقال: يا أمير المؤمنين سلني عن غيرهما، وأنشده:
لا تسأل الناس عن مالي وكثرته … وسائل القوم ما قصدي وما خلقي
قد أطعن الطعنة النجلاء عن عرض … وأكتم السر فيه ضربة العنق
ومنهم: كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقبة،
كان شريفا، ولما قدم رسول الله ﷺ الطائف عرض عليهم نفسه، فقال له أحد بني عبد ياليل، وكانوا: كنانة، وحبيبا، وعمرا فقال أحدهم: أما
стр. 5553
وجد الله رسولا غيرك، وقال الآخر: أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك، وقال الثالث: لئن كنت رسول الله إني لأجلّك أن أقتلك، وإن لم تكنه فلا ينبغي أن أكلمك (١). فلما ظهر الإسلام لحق كنانة وأبو عامر الراهب، وعلقمة بن علاثة الكلابي بالشام فمكث عمير وله مال فانقسم كنانة وعلقمة في ميراثه، فقال النبي ﷺ : «كنانة رجل من أهل المدر. وأبو عامر مدريّ، وعلقمة رجل من أهل الوبر» فقضى ماله لكنانة فأخذه (٢)، ولهم عدد بالطائف.
ومنهم زائدة بن قدامة صاحب المختار،
وكان ضرب المصعب بن الزبير وقال: يا لثارات المختار، وقتل زائدة بالكوفة.
ومنهم: أمية بن أبي الصلت بن ربيعة بن عوف بن عقدة الشاعر،
وكان يهوديا وله يقول رسول الله ﷺ «آمن شعره، وكفر قلبه».
стр. 5554
حدثنا عن الناقد عن ابن عيينة عن ابن ابراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد أن النبي ﷺ أردف أباه ثم استنشده شعر أمية بن أبي الصلت، فجعل إذا أنشده قال: هيه حتى أنشده مائة بيت. وكان يقول الشعر فيجود فيه. ويقال ان هذه الآية نزلت فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (١).
ولما احتضر جعل يقول: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما لا بريء فاعتذر ولا قوي فأنتصر، لا مال يفديني ولا عشيرة تؤويني. وقال:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في رؤوس الجبال أرعى الوعولا
كل عيش وإن تطاول يوما … صائر مرة إلى أن يزولا
اجعل الموت نصب عينيك واحذر … غولة الدهر إن للدهر غولا (٢)
وكان يحضض على النبي ﷺ ، ورثى المشركين يوم بدر.
وولد القاسم بن أمية: وهبا كان شاعرا، ورثى عثمان بن عفان ﵁، وربيعة بن أمية.
ومنهم: وهب بن أبي خويلد بن ظويلم بن عوف بن عقدة مات، فاختصم بنو غيرة في ميراثه، فأعطاه النبي ﷺ وهب بن أمية بن أبي الصلت.
стр. 5555
وولد جشم بن ثقيف:
حطيط بن جشم. فولد حطيط: جشم والله أعلم بالصواب (١).