صديق ابليس أنك تشبه ابليس. قال: أصلح الله الأمير وما تنكر أن يشبه سيد الإنس بسيد الجن.
وحدثني اسماعيل بن يحيى اليزيدي، أخبرني إسحاق بن أبي إسرائيل، أنبأ جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلى بن زياد قال: خشيت أن أوجد في ليالي يزيد بن المهلب فأجعل عريفا فأتيت الحسن وخادم له يقال لها برزة تناوله ثيابه، فقلت: يا أبا سعيد كيف بهذه الآية في كتاب الله قوله: ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١) يا أبا سعيد فسخط الله على هؤلاء لقولهم الإثم وأكلهم السحت وذم هؤلاء حيث لم ينهوا؟ فقال لي الحسن:
يا أبا عبد الله إن القوم عرضوا، فحال السيف دون الكلام، قلت: يا أبا سعيد هل تعرف لمتكلم فضلا؟ قال: ما أعرفه. ثم حدّث الحسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس لمؤمن أن يذل نفسه أقيل: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق». قلت: يا أبا سعيد فيزيد الضبّي حين قام فتكلم؟ فقال الحسن: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته. قال المعلى:
فأقوم من عند الحسن فآتي يزيد الضبي - قال غيره: هو يزيد بن شقيق الضبي - فدخلت عليه فقلت: يا أبا مودود كنت عند الحسن آنفا فذكرتك له. قال: فما قال لك؟ قلت: قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم
стр. 5497
على مقالته، فقال: وأيم الله لقد قمت مقاما أخطرت فيه بنفسي ثم قال يزيد: أتيت الحسن ثلاث مرات فقلت: يا أبا سعيد غلبنا على كل شيء، أو على صلاتنا نغلب؟ قال: فقال لي الحسن: يا عبد الله إنك لم تصنع شيئا إنما تعرّض نفسك لهم، قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب فقلت: الصلاة رحمك الله، قال: فجاءتني الزبانية من كل جانب فأخذوا بتلبيبي ويدي ولحيتي فجعلوا يضربونني بنعال سيوفهم، قال:
وسكت الحكم بن أيوب وكدت أقتل دونه فمشوا بي إليه حتى إذا بلغت باب المقصورة أدخلت إليه فقال: إمجنون أنت؟ قلت: أصلحك الله ما بي من جنون، قال: أو ما كنا في صلاة؟ قلت: هل كلام أفضل من كتاب الله؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن رجلا نشر مصحفه فقرأه غدوة وعشية حتى يمسي ولا يصلي فيما بين ذلك أكان ذلك يجزيه ويقضي عنه صلاته؟ قال الحكم: والله إني لأظنك مجنونا، قال: وأنس بن مالك قريب من المنبر على وجهه خرقة خضراء فقلت: أيا أنس، أيا أبا حمزة أذكّرك الله إنك قد صحبت رسول الله ﷺ وخدمته أبحق قلت أم بباطل؟ فوالله ما أجابني بكلمة. فقال الحكم: يا أنس. قال: لبيك أصلحك الله، قال: أوقد كان فات ميقات الصلاة؟ قال: قد كان بقي من الشمس بقية. قال:
احبسوه. فذهب بي إلى السجن، فشهد قوم أني مجنون، قال جعفر بن سليمان: فبذلك نجا من القتل.
قال: وكتب الحكم إلى الحجاج أنّ رجلا من بني ضبة قام فتكلم في الصلاة، وقد قامت البينة عندي أنه مجنون، فكتب إليه: إن شئت فخلّ سبيله وإلا فاقطع يديه ورجليه ولسانه، قال أبو سليمان جعفر: واحبسه،
стр. 5498
قال: واسمل عينيه. فخلى سبيله، قال يزيد: ومات أخ لي فتبعنا جنازته وصلينا عليه، ثم دفن فكنت أنا في ناحية مع إخواني نذكر الله إذ طلع الحكم بن أيوب في خيله فقصد قصدنا فلما رآه الناس هرب جلسائي وبقيت وحدي فجاء قاصدا فوقف علي وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلت: أصلح الله الأمير أخ لنا مات فدفن فقعدنا نذكر الله والمعاد إليه، وما صار صاحبنا إليه. قال: فهلا فررت كما فرّوا؟ قلت: أصلح الله الأمير ما يضرني منك، أنا ابرأ ساحة من ذاك وآمن للأمير، فقال عبد الملك بن المهلب وهو صاحب شرطه وحربته بيده وهو واقف بين يديه: أصلح الله الأمير أو ما تعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا الذي قام إليك وتكلم. قال الحكم: وإني لأراك ههنا تجترئ عليّ مرة بعد أخرى، مدّوه. فمددت وهو واقف حتى ضربت أربعمائة سوط، فما عقلت كيف رفعت، ثم أدخلت الحبس، فلم أزل في الديماس حتى مات الحجاج.
حدثني أبو موسى إسحاق الفروي، أنبأ محمد بن الفضيل عن سالم بن أبي حفصة قال: سمعت الحجاج يخطب على المنبر فذكر قراءة ابن مسعود فقال: زجر كزجر الأعراب. والله لا أحدّث رجلا يقرؤها إلا ضربت عنقه، والله لأحكنّها ولو بعظم خنزير.
وحدثني بكر بن الهيثم والحسين بن ابراهيم الصفّار، قالا: ثنا مسلم بن ابراهيم عن الصلت بن دينار قال: سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: قاتل الله عبد هذيل والله ما قرأ مما أنزل الله على محمد حرفا، وما هو إلا زجر العرب، والله لو أدركته لسقيت الأرض من دمه.
стр. 5499
حدثنا شيبان بن أبي شيبة الأبلّي، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا قتادة قال: قال الحجاج لأبي عبيدة بن عبد الله: أتؤمن بما في مصحف أبيك؟ قال أبو عبيدة: آمنت بما أنزل الله من كتاب. فقال الحجاج: أولى لك.
حدثني عبد المؤمن، حدثني يعقوب بن الحضرمي عن شهاب بن شريفة المجاشعي عن أبي محمد الحماني قال: عددنا حروف القرآن بالشعير للحجاج فوجدنا السبع الأول صدودا وذكر سائر الأسباع على ما يجزأ في مصاحفنا.
حدثنا خلف البزار، ثنا شهاب عن الحسن بن عمرو قال: توارى ابراهيم النخعي أيام الحجاج، وكان المسجد على الباب، فكان لا يخرج يصلي في المسجد.
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل عن اسماعيل بن إبراهيم - يعني ابن علية - عن ابن عون، أن أبا وائل سئل عن الحجاج فقيل له: أتشهد أن الحجاج في النار فقال: سبحان الله أنحن نحكم على الله.
وروي عن ابن عمر أنه قال: لا تسبوا الحجاج فإني سمعته قرأ سورة الملك فأعربها.
حدثني أبو علي الحرمازي، حدثني يوسف بن سليمان قال: خطب الحجاج فقال: إن خيركم من صبر على مكروه الطاعة فذلك الذي يستوجب الثواب ويكافأ بالإحسان. فأما من جرى مع الطاعة ما جرت الطاعة مع هواه فليس بمستوجب خيرا ولا معدود مطيعا.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا عبد الله بن عمرو المنقري، ثنا عبد الوارث أبو عبيدة، ثنا محمد بن ذكوان عن مجالد عن الشعبي قال:
стр. 5500
قدمنا على الحجاج البصرة، وقدم عليه قرّاء من المدينة من أبناء المهاجرين والأنصار، فيهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵁. وقراء من قراء أهل الشام وأهل الكوفة، فدخلنا عليه في يوم صائف شديد الحر وهو في آخر أبيات فدخلنا البيت الأول فإذا الماء قد أرسل فيه الثلج والخلاف، ثم دخلنا البيت الثاني فإذا فيه من الثلج والخلاف أكثر مما في البيت الأول ثم دخلنا البيت الثالث فإذا فيه من الماء والثلج والخلاف أكثر مما في البيت الثاني، قال: وإذا الحجاج قاعد على سريره، وعنبسة بن سعيد إلى جنبه فدخلنا فجلسنا على الكراسي فما خرجنا يومئذ حتى قررنا، ودخل الحسن آخر من دخل فقال الحجاج: مرحبا بأبي سعيد، إليّ. ثم دعا بكرسي فوضع إلى جانب سريره فقعد عليه الحسن، فقال: اخلع قميصك فجعل الحسن يعالج زرقميصه وأبطأ بنزعه فطأطأ الحجاج رأسه إليه حتى قلنا إنه يتعاطاه بيده من لطفه به وإقباله عليه ثم جاءت جارية بدهن حتى وضعته على رأسه، وما صنع ذلك بأحد غيره، فقال له الحجاج: ما لي أراك منهوك الجسم لعل ذلك من سوء ولاية وقلة نفقة ألا نأمر لك بخادم لطيف ونفقة توسع بها على نفسك؟ فقال: إني من الله في سعة، وإنّ عليّ لنعمة، إني منه في عافية ولكن الكبر والحر. وأقبل الحجاج على عنبسة فقال: لا والله ولكن العلم بالله، والخوف له، والزهد فيما نحن فيه.
قال: ولم يسمعها الحسن وقد سمعتها أنا وكنت أقرب إلى عنبسة من الحسن، وجعل الحجاج يذاكرهم ويسألهم إذ ذكر علي بن أبي طالب فنال منه ونلنا مقاربة له وفرقا منه ومن شره، والحسن، ساكت عاضّ على إبهامه، فقال: يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا؟ فقال: ما عسيت أن أقول؟ قال:
стр. 5501
أخبرني برأيك في أبي تراب علي؟ فقال الحسن: سمعت الله يقول:
﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لرؤوف رَحِيمٌ﴾ (١). فعليّ ممن هدى الله، ومن أهل الإيمان وأقول: إنه ابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه على ابنته، وأحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس حظرها عليه، والحول بينه وبينها، وأقول: قد كانت لعلي ذنوب، والله وحده حسيبه، والله ما أجد قولا هو أعدل فيه من هذا. فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضبا، فدخل بيتا خلفه، وخرجت فأخذت بيد الحسن وقلت: يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، يقول عامر الشعبي، وعامر من أهل الكوفة:
أتيت شيطانا من شياطين الإنس تكلم في هواه فقاربته في رأيه، ويحك يا عامر هلا اتقيت الله إذ سئلت فصدقت أو سكتّ فسلمت. فقلت: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، وذكر بعد ذلك كلاما في دخولهم على ابن هبيرة.
وحدثنا أحمد بن ابراهيم عن أبي معمر عن عبد الوارث عن محمد بن ذكوان، ثنا أبو نعامة قال: إنّا لجلوس عند الحسن في المسجد الجامع إذ طلع الحجاج على برذون أبيض، وحوله شرط يسعون، حتى انتهى إلى الحلقة فسلم، ثم ثنى رجله فنزل فجلس بيني وبين الحسن، ومضى الحسن في
стр. 5502
حديثه، فلما فرغ أقبل على الحجاج فسأله، فقال الحجاج: إن هذا الشيخ شيخ مبارك معظم لحقّ أهل القبلة، ناصح لأهل الملة، صاحب سنّة واستقامة ونصيحة للعامّة، فعليكم به، فاحضروه واشهدوا مجلسه، فإن مجلسه مجلس يعرف فضله وترجى عاقبته، فلولا الذي ابتلينا به من الشغل وبالقيام بحق الرعية وسياستهم لأحببنا مشاهدتكم وحضوركم، ثم ما لبث أن جاءت سفرة وأطعمة وأشربة. فطعمنا، ثم قام شيخ كبير فاستقبل الحسن ثم قال: يا أبا سعيد شيخ كبير من أهل الديوان وعطائي زهيد قليل، وما فيه فضل عن قوت عيالي، وقد أخذت بفرس وسلاح ثم بكى وبكى الحسن، ثم قال: إن هذا السلطان ناصر لله ودينه وعباده، وسلطاننا قد أخفر ذمة الله واستخول عباد الله، وقتلهم على الدينار والدرهم أخذهما من خبيث، وأنفقهما في سرف، مضغة قليلة، وندامة طويلة، إذا خرج عدو الله فبغال رفّافة، وسرادقات هفّافة، وإذا خرج غيره سعى على رجله في غير كنّ. فسعي بهما إلى الحجاج فبعث حرسيا فدعا الحسن.
قال أبو نعامة فانطلقت معه فدخل على الحجاج. ومع الحجاج قضيب يخطر به، فسلم الحسن ثم قام بين يديه فقال: يا حسن أنت صاحب الكلام؟ فقال: أي الكلام أصلح الله الأمير؟ فأخبره، فقال: نعم.
قال: فما دعاك إلى هذا؟ قال: ما أخذ الله علينا في الكتاب حين قال:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) وكان الحسن يفسرها لتكلمنّ بالحق ولتصدقن العمل. فقال الحجاج: إذهب أيها
стр. 5503
الرجل فقل ما بدا لك فإنما أنت والد غير ظنين علينا، ناصح لخاصتنا وعامتنا، فما مثلك يؤاخذ بقول، قال: فانصرف الحسن.
حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر قال: قال الحجاج:
إن بين أخصاص البصرة علجا له لخطابة وبيان وما يبالي ما قال مما جرى على لسانه، والله لهممت أن أسقي الأرض من دمه.
حدثني هدبة بن خالد عن مبارك بن فضالة قال: جاء عبد الله بن غالب، أبو قريش الجهضمي وعقبة بن عبد الغافر الأزدي إلى الحسن فقالا: إن الحجاج قد أمات السنّة، وانتهك المحارم، وقتل على الظنة وأخاف المسلمين، فقال: إن الحجاج عقوبة من الله، فلا تلقوها بالسيف، ولكن بالتوبة والتضرع.
وحدثني الحرمازي عن أبي اسماعيل الثقفي قال: خرج الحجاج إلى ظهر الكوفة في غبّ مطر، فرأى رجلا واقفا في طرف الحيرة فقال له:
ما تقول في أميركم؟ قال: الحجاج؟ قال: نعم. قال: زعموا أنه من ثمود، وكفى بسوء سيرته شرا، فعليه لعنة الله، فقال الحجاج: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا الحجاج. قال: أفتعرفني أنت، أصلح الله الأمير أنا مولى بني فلان أجنّ في كل شهر ثلاثة أيام فاليوم آخرهنّ وهو أشدهنّ، فضحك ولم يعرض له.
حدثني عافية بن شبيب عن أبيه عن شبيب بن شبة قال: كانوا يقاتلون الحجاج ويقولون: يا لثارات الصلاة.
قال المدائني: قال مالك بن دينار: سمعت عبد الله بن غالب ينادي بالزاوية: يا لثارات الصلاة.
стр. 5504
قال المدائني: لما مات الحجاج وقف على قبره رجل من أهل الشام فقال: إنا لا نخافك على تعذيب الحجاج فلا تحرمنا شفاعته.
المدائني قال: قال الحجاج لعروة بن الزبير وقد أغلظ لعبد الملك في كلام: يا بن العمياء، أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ فقال له عروة: وما أنت وهذا يا بن المتمنية، يعني أن جدته أم أبيه وهي من بني كنانة ثم من بني الديل، القائلة في زمن عمر بن الخطاب:
ألا سبيل إلى خمر فأشربها … أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج
وقد ذكرنا خبرها فيما تقدم.
المدائني عن أبي اليقظان قال: مات محمد بن الحجاج في حياة أبيه، فقال الحجاج: إذا فرغتم من غسله فاعلموني، فأعلموه فانطلق حتى أخذ بعضادتي الباب فنظر إليه وهو على السرير فقال:
الآن لما كنت أكمل من مشى … وافترّ نابك عن شباة القارح
فقيل له: استرجع أصلح الله الأمير، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).
ومات محمد بن الحجاج، ومحمد بن يوسف باليمن في سنة، فقال الحجاج: مصيبتان عظيمتان في عام، أما والله لو كان الموت يقبل الفداء لقد كان عندنا مال، ولو كان يدفع بالقوة لقد كانت عندنا قوة وسلطان، ولكن غلب سلطان الله سلطاننا وما يسرني أن أحدهما عن يميني والآخر عن شمالي لما
стр. 5505
أرجو من ثواب الله، وكأنّا بكل جديد قد بلي وبكل حي قد مات. وعزاه الناس فقال الفرزدق:
جناحا عقاب فارقاه كلاهما … ولو نزعا من غيره لتضعضعا
سميّا رسول الله سمّاهما به … أب لم يكن عند الحوادث أخضعا (١)
فبكى الحجاج حين سماع هذا الشعر حتى نشج.
وأخبر الجارود بن أبي سبرة أن رجلا من بني عقيل كان الحجاج قتل ابنه فقال:
ذوقوا كما ذقنا غداة محجّر … من الغيظ في أكبادكم والتحوّب
قال المدائني: أتي الحجاج برجلين من الخوارج فقال لأحدهما:
ما دينك؟ قال: دين ابراهيم حنيف مسلم، وإني أحذرك يا حجاج يوما لا آخر له فأمر به فقتل، وقال للآخر: ما دينك فقال: دين يوسف بن الحكم. فقال: لقد توليت بحب الله ورسوله وخلى سبيله، فقال حين خرج:
أرى الحجاج يقتل كل برّ … ويترك من على دين الحمار
فيا بن القلعم (٢) … المجلوب حيفا
دع الحجاج وانج إلى وبار
وحدثني عبد الله بن صالح قال: قدم رجل من اليمن يشكو محمد بن يوسف فقيل له: إن أخاه الحجاج فاحذر غائلته وأمسك فقال: أتراه بالحجاج أعزّ مني بالله؟ لاها الله إذن.
стр. 5506
وحدثنا الحسن بن علي الحرمازي عن أبي اليقظان قال: لما توفي الحجاج قال الفرزدق يرثيه:
ما ذرّفت عينان بعد نبيّها … على مثله إلاّ نفوس الخلائف
أقول لهم لما أتاني نعيّه … أريحوا عليكم مهملات التنائف
يقول: أريحوا إبلكم لا ترعوها لخوف الغدرات إذا ذهب من كنتم تأمنون به.
فليت الأكف الدافنات ابن يوسف … تقطّعن إذ يحثين فوق السفائف
فما حملت أنثى على الأرض مثله … ولا خط نعي في بطون الصحائف (١)
وكان قد ظنّ أنّ ابنه عبد الملك سيلي مكانه، ثم قال بعد ذلك
لئن أسرة الحجاج آل معتّب … لقوا دولة كان العدو يدالها
لقد أصبح الأحياء منهم أذلة … وفي النار موتاهم يهان سبالها
وكانوا يرون الدائرات بغيرهم … فصار عليهم بالعذاب انتقالها
وكان إذا قيل اتّق الله شمّرت … به عزة لا يستطاع جدالها (٢)
فقيل له: رثيته ثم قلت هذا؟ فقال: إنّا نكون مع القوم ما كان الله معهم، فإذا تركهم تركناهم.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: كان الحكم بن أيوب بن أبي عقيل عامل الحجاج على البصرة أبخل الخلق وكان له دراجة يؤتى بها بعد الطعام فيأكلها وحده، وكان استعمل رجلا من بني
стр. 5507
مازن بن تميم يقال له جرير بن بيهس ويعرف بالغطرّق على بعض العروض وناحية سفوان، فقدم عليه وهو يتغدى ودراجة بين يديه فدعاه إلى الغداء فأكل معه وجعل يفسخ الدراجة حتى أكل أكثرها، فعزله وقال: إلحق بأهلك. فقال ابن عم له:
قد كان عندك صيد لو قنعت به … فيه غنى لك عن دراجة الحكم
وفي عوارض ما تنفكّ، تأكلها … لو كان يشفيك أكل اللحم من قرم
فبلغ ذلك الحجاج فقال: لعن الله الحكم لقد هممت أن أعزله، وكتب إليه: أمن عوز الدراج لا أم لك فعلت ما فعلت، ولقد كان أحسن من فعلك بالرجل وأستر لبخلك ألا تدعوه إلى طعامك.
وقال غير الكلبي: عزل الغطرّق وولى نويرة بن شقيق من بني تميم فقال أبو نويرة الشعر الذي أوّله: «
قد كان بالعرض صيد
». ثم عزله الحكم وولى المحلّق الضبي فقال نويرة:
أبا يوسف لو كنت تعلم طاعتي … ونصحي إذا ما بعتني بالمحلّق
ولا اعتلّ سراق العرافة صالح … عليّ ولا كلّفت ذنب الغطرّق
حدثني الحرمازي عن مشايخهم قال: أتي الحجاج بعاص وهو يتغدى فقال له: أما سمعت قول جرير:
إذا ظفرت يداه بحبل عاص … رأى العاصي من الأجل اقترابا (١)
اضربا عنقه.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: كان الحجاج يفرض
стр. 5508
في ثلاثمائة ففرض للجرنفش أحد بني ثعلبة بن سلامان وكان يأخذهم بالخيل والسلاح فقال الجرنفش:
يكلفني الحجاج درعا ومغفرا … وطرفا كميتا رائعا بثلاث
وستين سهما صنعة يثربية … وقوسا طروح النبل غير لباث
ففي أي هذا أكتفي بعطائه … فربّي من هذا الحديث غياثي
وحدثني عبد الرحمن بن حزرة من ولد جرير قال: أنشد جرير الحجاج:
من كابن يوسف يوم تختلف القنا … أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظة … إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
ولربّ ناكث بيعتين تركته … وخضاب لحيته دم الأوداج (١)
فقال الحجاج حين أنشده إياها: لله أبوك ما أعرفك، إني لأصول بحد وأنوأ بحزم، وأغار على الحرم.
وحدثني الحرمازي عن العتبي وغيره قالوا: أنشدت ليلى الأخيلية الحجاج شعرها الذي تقول فيه:
وكان إذا ما حلّ أرضا مريضة … تعمّد أقصى داءها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها … غلام إذا هزّ القناة سقاها (٢)
فقال الحجاج: لا تقولي غلام ولكن قولي همام.
المدائني عن خالد بن عبد الله قال: كان الحجاج يقول: ما تناجى اثنان
стр. 5509
دون واحد إلا ظن بهما اغتيابا له، أو طيا لأمرهما عنه، فأحنقته تلك، أو أوحشته هذه.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك: إنك يا أمير المؤمنين أعز ما يكون أحوج ما تكون إلى الله، فإذا عززت بالله فاعف له، فإنك به تقدر، وإليه ترجع.
حدثني الحرمازي عن أبي عقيل الثقفي قال: خطب الحجاج فقال:
احفظوا ألسنتكم فإن أيمن امرئ وأشأمه بين فكيه.
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: كان جرير يقول: سمعت الحجاج يقول: البليغ من سهل لفظه، وحسنت بديهته.
المدائني عن سعيد بن عبد الرحمن عن مالك بن دينار قال: حبس الحكم بن أيوب الثقفي علي بن زيد بن جدعان، والحسن يومئذ مستخف، ونحن معه مستخفون، فأتاه الحسن ليلا وأتيناه فأذن له وأجلسه معه على السرير فما كنا عند الحسن إلاّ مثل الفراريج، فذكر يوسف النبي ﵊ وإخوته فقال: باعوا أخاهم وحزنوا أباهم ومكانه من الله مكانه، ثم لقي يوسف ما لقي من الحبس وكيد النساء، ثم أداله منهم ورفع ذكره وأعلى كعبه، وجعله أمينا على خزائن الأرض فلما أكمل له أمره، وجمع أهله، وأتاه بأبويه، وأقرّ عينه قالوا: ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ. قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ
стр. 5510
الرّاحِمِينَ﴾ (١). قال الحكم: وأنا أقول لا تثريب عليكم، لو لم أجد الاثوبي هذا لواريتكم به، وأطلق عليا.
وحدثني الأثرم عن الأصمعي قال: اغتاب رجل رجلا عند الحجاج، وقتيبة حاضر، فلما خرجا قال قتيبة: يا هذا لقد لكت مضغة، طالما لفظها الكرام.
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ عن علي بن نصر الجهضمي عن أبي مرجعة قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سمعت الحجاج يقول في خطبته: رحم الله امرأ اتهم نفسه على نفسه، رحم الله امرأ اتخذ نفسه عدوا فحذرها في قوله وفعله، رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فعلم ما يراد به، رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون حسابه إلى غيره، رحم الله امرأ نظر إلى ميزانه فأشفق من خفّته، رحم الله امرأ علم أن الشقاء والرخاء فيما بين يديه. فلم يزل يتكلم حتى بكينا.
حدثني ابن الأعرابي عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي قال: سمعت من عبد الملك - أو قال من الحجاج - كلمتين حسدته عليهما، سمعته يقول:
اللهم إن ذنوبي قد كثرت فجلت عن الوصف، اللهم وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني.
وقال الحرمازي: أخذ رجل بابن عم له عاص، فقال للحجاج:
أؤخذ بذنب غيري أصلح الله الأمير، وقد قال الله : ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (٢) فقال: أو ما سمعت قول القائل:
стр. 5511
. . . . . . . . . . . … إن الفتى بابن عم السوء مأخوذ
فقال الحسن: ما له قبحه الله تتلى عليه آية من كتاب الله، فيعارضها بقول شاعر كذاب.
المدائني عن عامر بن حفص قال: قال عمر بن عبد العزيز: «لو خابثتنا الأمم بالحجاج، فجاءت كل أمه بأخبث من فيها، وجئنا بالحجاج لخبثناهم وغلبناهم».
حدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: قرأت في كتاب شيخ من أهل واسط قال: قال الحجاج بن يوسف: كان يقال الكآبة في أربع: في الفقر بعد الغنى، والذل بعد العز، واليأس بعد الطمع، وعواقب الهوى المتّبع.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني ابن أبي ذئب عن إسحاق بن أبي فروة قال: رأيت أنس بن مالك وقد ختم الحجاج في رقبته (١).
قال ابن أبي ذئب: وحدثني من رأى جابر بن عبد الله وقد ختم يده في كوعه، فبلغ الحجاج أن جابرا قال: شهدت العقبة ورأيت ورأيت، ثم رأيت الحجاج وما يصنع فليت أن سمعي قد ذهب مع بصري حتى لا أسمع شيئا، فقال: ما رأيت أعظم فخرا من هؤلاء اليهود.
وقال المدائني عن عوانه وغيره: هلك الحجاج وفي حبسه ستون ألف محبوس.
ويروى عن الحجاج - وبعضهم يرويه عن المغيرة بن شعبة - قال:
стр. 5512
الشره ينتج الطمع، والطمع يخلق المروءة، ويدنس العرض، ويستخف الشأن ويذهب ببهاء الرجال.
حدثني ابن أبي شيخ الكوفي عن عبيد الله بن موسى قال: بلغني أن عبد الملك قال للحجاج: إنه ليس من الناس أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فعزمت عليك لمّا أخبرتني بما فيك؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا لجوج، حقود، حسود. قال: حسبك فما في الشيطان إلاّ دون هذه الخلال.
قال ابن أبي شيخ: وبلغني أن الحجاج وعظ بعض أهله فقال:
لا تستشيرنّ ذا عيب، فإنه يرجع بك في مشورته إلى عيبه.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك: بلغني أن أمير المؤمنين عطس فشمته من حضر فرد عليهم أن يغفر الله لكم، ويصلح بالكم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.
وقدم رجل على الحجاج في مظلمة فحبق فقال: أصلح الله الأمير إنها خلف نطقت خلفا. فقال: لا ولكن عودتها ذلك في الخلاء، ففضحتك في الملاء.
المدائني عن سعيد بن زيد عن عثمان بن أبي سلمة عن مطرف قال:
قال لي الحجاج: هيه يا أبا عبد الله إذا كانت لنا فأنت معنا، وإذا كانت علينا فأنت علينا. قلت: كنا بين مفارق وخاذل، لو صبرنا على الحق كان خيرا لنا. قال: صدقت أدن فدنوت، ثم قال: يا أهل الشام هذا بقية الناس.
стр. 5513
وولى الحكم بن أيوب محمد بن رباط الفقيمي، فكتب إليه الحجاج:
وليته أعرابيا جافيا، وكان ابن رباط أميّا، فلزم طول الصمت، وحسن السمت حتى ولاه الحكم.
المدائني عن ابن فائد قال: قدم الحجاج العراق وليس على أنهارهم جسور، فأخذهم باتخاذها إلى أرضهم.
قال: وضرب الحجاج أبا عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وأمر به فسحب وقال: ضرب بضرب، وتجرار بتجرار. وذلك لأن عبد الله بن خالد ولي الطائف، ففعل مثل ذلك برجل من ثقيف.
المدائني عن جرير بن حازم عن أبيه عن حميد بن هلال قال: أتى القراء مطرّف بن عبد الله بن الشخبر فدعوه إلى الخروج، فقال: أرأيتم الذي تدعونني إليه أليس إنما هو جهاد؟ قالوا: بلى. قال: أخاف أن أكون مأثوما، فلو كانت لي نفسان بايعتكم بواحدة، فإن كان ما تقولون رشدا أتبعتها الأخرى، ولكنها واحدة، فأنا أكره أن أغرر بها. وخرج من البصرة إلى السّخبرية وهي علي ليلتين منها، وأقام الحسن بالبصرة ينهى الناس عن الخروج، فكان كرجل خاف السيل فأقام على سننه.
المدائني قال: قتل الحجاج عثمان بن مسعود مولى خزاعة، جدّ أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم، وكان عثمان عظيم القدر بخراسان، وهو قتل موسى بن عبد الله بن خازم السّلمي، فقال له مجشّر بن مزاحم السلمي وهو جالس عند قتيبة بخراسان، وأراد أن يغضب قتيبة عليه: ما فعل موسى بن عبد الله؟ قال: استودعته نهر بلخ، ولو حضرته لألحقتك به.
وكتب الحجاج إلى قتيبة: إحمل إلي عثمان فحمله إليه وما مع قتيبة قلبه
стр. 5514
فرقّا، فأمن عثمان فحبسه الحجاج وبعث قتيبة بمنطقة نيزك إلى الحجاج، فدعا بعثمان من الحبس فقال: هذه منطقة نيزك؟ قال: لا هذه منطقة رجل من عظماء الترك، ومنطقة نيزك موصولة بنصف منطقة فيروز. فقال محفز الكلابي: كذبت قال: اغرب فإنك بأكل اليربوع أعلم منك بأمر الملوك.
فقال الحجاج: كفّ يا محفز. وردّه إلى السجن.
وقال الحجاج: لونا صحني عبد خزاعة كان أحبّ إليّ من أن يمدني أمير المؤمنين بثلاثة آلاف فارس، وكان سخيا جميلا شجاعا كاتبا بالعربية والفارسية أعطى يوما ثمانين جارية وثمانين وصيفا، وبعث إليه رجل بجارية فقال لجلسائه: أرى قبيحا أن أتخذها لنفسي وأنتم حضور، وأكره أن أخص بها رجلا وكلكم له حق، وكانوا ثمانين، فأمر لكل رجل بجارية ووصيف.
وقال الحجاج لجبلة بن عبد الرحمن: إنك لنزيف زيغان (١)، ويقال عثمان بن مسعود، فقال: أصلح الله الأمير وما عسيت أن أكون إلاّ رجلا من أهل أصبهان، أو عبدا لباهلة.
ودعا الحجاج بعثمان وقد أتي برأس نيزك، فقال له: يا عثمان رأيت أحدا أعظم غناء ممن بعث بهذا الرأس وقتل صاحبه - يعني قتيبة بن مسلم - فقال: نعم الذي قتل صاحب هذا الخاتم، ورمى إليه بخاتم موسى بن عبد الله بن خازم. قال: صدقت، أنت لعمري أعظم غناء ونحن نعجز عن مكافأتك فأدّ ما عليك حتى أحملك إلى عبد الملك أمير المؤمنين فيتولى
стр. 5515
مكافأتك. وردّه إلى الحبس، وأمر صاحب العذاب فألح به عليه حتى قتله.
المدائني عن كليب بن خلف العميّ قال: قال ديبق الأقطع للحجاج: أردت كذا فما منعني منه إلا سفهك فقال: بل صرامتي. وكان يمازحه.
المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: توارى الحسن عند أبي خليفة مولى عبد القيس فمرض جابر بن زيد، فأتاه الحسن ليلا وقد ثقل فخاف الصبح، ونزل به الموت فصلى عليه، وقال أبو خليفة: إن الله قد وسّع فلا تحتشم. فقال: أما ترضى أن أكون في بيتك مثلي في بيتي؟.
المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: قال الحسن: قدم رجل من أهل الشام في بيعة الوليد فكان الشامي يبايع قوما، فميلت بين إتيان الحجاج والشامي، فأتيت الحجاج فبايعته فقال: يا حسن ما كتاب أصيب في دار عمير يروي عنك تزري فيه على الأئمة والسلطان؟ قلت: أصلحك الله كثيرا ما يقال الباطل، وما أدري ما هذا الكتاب.
وخطب الحجاج فقال: إن الله أمرنا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدنيا، فليتنا كفينا مؤونة الآخرة. فقال الحسن: منية مؤمن خرجت من قلب منافق.
المدائني عن عامر بن أبي محمد أن الحجاج كان يضيق على أهل الديماس فكان يقرنهم كل رجلين في سلسلة، فمات الحكم بن المنذر بن الجارود وكان مقرونا بابن رباط الفقيمي، فسقط في متوضإ لهم فمات من نتنه، وكان لكل رجل ذراع في ذراع يتراوحان ذلك، ولم يكن لهم أدم
стр. 5516
إلاّ الملح والخبز الشعير وكان يلقى في الماء ملحا، فحبس قطن بن زياد الحارثي فمرض فاشتهى اللحم فاحتالوا له فأدخلوا إليه عرقا أو عرقين، فأكل اللحم فقال جبلة بن عبد الرحمن: اعطوني العظام فأعطوه فدفنها في منزل رجل في السجن كان الذي بينهما متباعدا، وبلغ صاحب السجن فدخل ففتش مواضعهم فاستخرج العظام، فلقي الرجل أذى وضرب وضيّق عليه.
المدائني عن شيخ من الأزد قال: نادى رجل من بني عطارد:
يا حجاج أخرج إلينا أكفاءنا من مضر. فأمر جندب بن عبد الرحمن أخا الجنيد فخرج إليه فقتله جندب، فأعطاه الحجاج سلبه، فاشترى يحيى بن الحكم فرسه بثلاثة عشر ألف درهم فقال الحجاج، لقد صدقت أسماء بنت الصديق حين قالت: «في ثقيف كذاب ومبير»، أنا المبير أبير المنافقين وأهل الشقاق.
المدائني عن بكر بن حبيب السهمي من باهلة عن أبيه قال: سمعت الحجاج يخطب فقال: يا أهل العراق إنه والله ما بيني وبينكم من هوادة ولا بلهنية ولا رفاهية ولا دبغ على التحلية، ولا أقول لمن عثر: لعا (١)، ولكن لليدين والفم، وما مثلي ومثلكم إلا كمثل رجل كانت في بيته حية تخرج له كل يوم دينارا تضعه على باب جحرها، فقيل له: لو قتلتها واستخرجت الدنانير التي في جوفها. فرصدها بفأس فلما خرجت أهوى إليها ليضربها فولّت فقطع ذنبها، فلما كان الليل لدغت ابنا له فمات فندم وسألها الصلح
стр. 5517
فقالت: لا صلح بيني وبينك، إذا ذكرت قطع ذنبي وذكرت قتلي ابنك لم تطب نفسك لي، ولا نفسي لك.
المدائني عن أحمد بن خالد قال: لما قتل ابن الأشعث فندشا، نذرت أخته إن ظفر الحجاج أن تقبل رأسه فلما ظفر ونزل واسطا دخلت عليه وهو عند النساء فأخبرته بنذرها، فقال: إذا جلست للناس فادخلي عليّ، فلما جلس للناس دخلت عليه فدعاها وقال: قصيّ قصّتك ففعلت فنكس رأسه وقال: في بنذرك فأقبلت تمشي بين السماطين حتى قبّلت رأسه وانصرفت.
المدائني قال: جهد الحجاج على وضع آل المهلب فلم يقدر، ووضع آل الفضيل بن عمران، وقتل الهذيل بن عمران البرجمي، وآل شقيق بن ثور، وقتل أشيم، وهدم دار سفيان بن عمرو العبدي، وأقطع دار عبد الرحمن بن زياد لخروجه مع ابن الأشعث فردّها عمر بن عبد العزيز، وأقطع دار عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بالجزيرة فهي اليوم لآل نهيك، وأقطع عبيد الله بن زياد دار سعد الرابية من بني عمرو بن يربوع كانت ماخورا، وكان سعد معلما وله يقول الفرزدق:
إني لأبغض سعدا أن أجاوره … وما أحبّ بني عمرو بن يربوع
قوم إذا غضبوا لم يخشهم أحد … والجار فيهم ذليل غير ممنوع (١)
فلما قدم مصعب بن الزبير أخذ الدار من سعد لانقطاعه إلى زياد وآل زياد، فخرج سعد إلى عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين ﴿الْخَبِيثاتُ﴾
стр. 5518
﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ (١) كانت داري ماخورا أقطعنيها ابن زياد، فأخذها مني مصعب، فردها عليه، فلما قدم الحجاج أخذها لأن ابن الزبير ردها على سعد فأقطعها عبد الرحمن بن طارق التميمي ثم العبشمي، وأصله من الجزيرة، فخرج مع ابن الأشعث وكان على شرطة الحجاج، فهرب إلى الشام، فقبض الحجاج الدار فكانت مقبوضة، فأقطعها يزيد بن عبد الملك محمد بن عمر بن عبد الرحمن المخزومي حين قدم عليه برأس يزيد بن المهلب فخاصمه فيها إلى سعد، ثم اشتراها عيسى بن سليمان بن علي.
المدائني قال: أخذ الحجاج فضيل بن بزوان مولى بني البكاء، ويقال عبد الرحمن بن بزوان العدواني فقال له: ألم أكرمك؟ ألم أستعملك؟ قال:
بلى فاستعبدتني وأهنتني. قال: لأقتلنّك. قال: إذا أخاصمك في دمي، قال: إذا أخصمك، وقتله.
المدائني قال: ركب الحجاج فعرض له خارجي فحمل عليه بخيت فقتله، فلما كان رأس السنة ولى بخيت فارس ووصله بمائة ألف درهم.
وولى ثولاء بن نعيم على الجزيرة وأمره بقتل عدي بن خصفة العبدي، وكان فاضلا، فأخبر ثولاء بفضله واجتهاده، فكتب إلى الحجاج فيه، فكتب إليه: اقتله لا أم لك، وابعث إلي برأسه فقال عديّ: اللهم لا تري الحجاج وجهي فذبح على حرف سفينة فسقط رأسه في البحر، فاتهم الحجاج ثولاء، ولقي منه شرا.
وقتل الحجاج مساور بن رئاب التميمي وقال: ادفعوه إلى أهله فأهل
стр. 5519
القتيل يلون القتيل، ويقال قتل في المعركة بالزاوية، وكانت الفارعة بنت همام أم الحجاج عند المغيرة، فولدت له ابنة فماتت فخاصم عروة بن المغيرة الحجاج في ميراثها، فكان ذلك مما حقده الحجاج على عروة.
قالوا: وسار الحجاج من مكة إلى البصرة تسعا، ومن إيلياء إلى الكوفة سبعا، فقال الراجز:
كسيره من إيلياء فاعلمي … سبعا إلى واسط في تجشّم
وقال الفرزدق:
فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها … بميسان قد حلّت عراها وكلّت
قالوا: وكان دليل الحجاج في طريق مكة قنبر مولى بني عدي فضلّ به، فضربه الحجاج، ثم كساه ووصله وقال له: إن الحوار لا يضيره وطاء أمه.
وبعث الحجاج إلى أبي عيينة بن المهلب، وكان معه في الطريق فقال:
انظروا ما يصنع فأخبر أنه كان يمصّ قصب السكر، فقال: أراد أن يلينّ أمعاءه.
قالوا: وكان قنبر مولى بني عدي والشمّاخ أحد قيس بن ثعلبة يستبقان، فسبق الشمّاخ عديا والحجاج بواسط، فركب سفينة إلى واسط، وقدم قنبر بعده فركب زورقا فسبق فحسده الفرزدق فقال:
وما سبق القيسيّ من سوء سيره … ولكن طفت في الماء غُرلة قنبر (١)
стр. 5520
وأنشدنا ابن الاعرابي للفرزدق في مسير الحجاج من الشام إلى واسط في سبع:
سما بالمهاري من فلسطين بعد ما … دنا الفيء من شمس النهار فولّت
فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها … بميسان قد حلّت عراها وكلّت
فلو أن طيرا كلّفت مثل سيره … إلى واسط من إيلياء لملّت
كأنّ قطاميا على الرّحل طاويا … رأى غمرة الظلماء حين تجلّت
المدائني قال: دخل بسطام بن مصقلة بن هبيرة على الحجاج قبل خروج ابن الأشعث، وكان بسطام جلدا شديد العارضة، فقال له الحجاج: يا بسطام ما أنت بالذي قال الغنوي:
أخي ما أخي لافاحش عند بيته … ولا ورغ عند اللقاء هيوب
فقال: أنا كما قال الأخطل:
عن المغمّر لا تسأل بمصرعه … واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا
ضخم تعلّق أشناق (١) … الديات به
إذا المئون أمرّت فوقه حملا (٢)
يعني بالمغمر القعقاع بن ثور.
وقال الحجاج: لما تبوأت الأشياء منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام.
قال الطاعون: وأنا معك، وقال النفاق: أنزل العراق، قالت النعمة وأنا معك، قالت الصحة: أنا أنزل البادية، قال الجوع: وأنا معك.
قالوا: وذكر الحجاج روح بن زنباع الجذامي فقال: أخذ من فقه أهل
стр. 5521
الحجاز، وأخطار أهل العراق، وطاعة أهل الشام، وروي ذلك عن عبد الملك بن مروان.
وولى الحجاج صالح بن كريز بيت المال، وكان قد وفى له وسماه قفل الأمانة.
قالوا: وقال الحجاج يوما: إني كافر فلم يجبه أحد فقال: أيتها المعزى، كافر باللات والعزى.
وقال أيضا يوما: إني لا أخاف الله، فلم يكلمه أحد، فقال:
لا أخاف أن يظلمني.
المدائني قال: أخذ الحجاج أمام بن أقرم النميري في أمر فحبسه، والحجاج على شرطة أبان بن مروان فهرب من السجن وقال:
ولما أن فرغت إلى سلاحي … وبشرى قلت ما أنا بالفقير
طليق الله لم يمنن عليه … أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عينا بنت ماء … تقلب عينها حذر الصقور
أبو داود يزيد بن هبيرة المحاربي، وبشرى فرسه.
فلما قدم الحجاج العراق رأى أمام بن أقرم فقال له: ويلك أعيناي أشبه بعيني بنت أم الماء أم عينيك؟ فقال: عيني. وكان أخزر.
ولما أراد الحجاج بناء واسط قال بعض الدهاقين: إن الطواعين بها كثيرة، وقد أراد كسرى بناءها ونزولها فكرهها. فقال الحجاج: أراد العلج أن يصرفنا عنها.
قالوا: وكان من عمال الحجاج على البصرة قطن بن مدرك الكلابي، وعلى شرطته يزيد بن عمير الأسيدي، فقال له الحجاج: إن الناس قد ولدوا
стр. 5522
أبناء وإنك ولدت أبا، فاستخلفه على عملك، واستعمل يزيد: عمر بن يزيد، وهو ابن سبع عشرة سنة، وقتل سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن ثمان وثلاثين، وصار يزيد إلى الحجاج فولاه دستميسان، وتلقى عمر بن يزيد الحجاج حين قدم من مكة بأسوقة وأشربة، فجعل إذا ناوله قدحا جرع منه جرعة ليأمن أن يكون مسموما فأعجبه ذلك، وطلب الحجاج فسطاطا، فقال له: هو عندي، فابتاعه له وحمله إليه.
المدائني عن محمد بن الحجاج قال: قال عبد الملك وهو بالنخيلة: من سيد ثقيف؟ فقال الهيثم بن الأسود: أشرفها نفسا وأبا وجدّا وفضيلة عروة بن المغيرة، فقال الحجاج: أسكت فنحن أعلم بقومنا منك. فقال العريان بن الهيثم: أنا أعلم بقومك منك، فلما ولي الحجاج العراق أضرّ بالعريان، ووضع منه فبعثه إلى عامل الفرات في درهم ونصف بقي عليه، ثم ولى الهيثم بريد دجلة، وولى العريان بريد الفرات، فكانا يتزاوران فكتب: إنه بلغني اجتماعكما لمناشدة الأشعار وتشاغلكما عن العمل، مع كلامك يوم النخيلة يا عريان.
المدائني عن الأسود بن سنان عن الجارود بن أبي سبرة قال: دخلنا على الحجاج فقال: ما تقولون في عبد الله بن عامر بن مسمع؟ فلغطوا فقال:
ما هذا الصوت بل ما هذا الصّويت إن بكرانا وتميمانا أهون عليّ من بردين متوثيين (١) قصيري الطول وصغيري العرض.
стр. 5523
المدائني قال: قال الحجاج لآذنه: أدخل عليّ رجلا يحدثني، فرأى رجلا من الأزد طويل اللحية، فأدخله فقال الحجاج: هيه. قال: هيه.
قال: هيه ويلك. قال: هيه ويلك. قال: هيه ثكلتك أمك. قال: هيه ثكلتك أمك. فقال: أخرج هذا عني وأدخل غيره، فأدخل عليه رجلا فقال له الحجاج: هيه. قال: يسأل الأمير عما أحبّ. قال: أتقرأ القرآن؟ قال: قد علمنيه الله فإن حفظته حفظني، وإن تركته تركني.
قال: أفتفرض؟ قال: أفرض الصّلب، وأعرف اختلافهم في الجدّ.
قال: فما تعرف من السنة؟ قال: ما أقيم به ديني وأعلّم الجاهل. قال:
أتروي الشعر؟ قال: أروي الشاهد والمثل. قال: قد عرفت المثل فما الشاهد؟ قال: النائرة (١) تكون بين القوم، فيقول الرجل فيها، فيكون قوله شاهدا قال: فما تعرف من النسب؟ قال: الجماهير، وأعرف موقعي من العرب. قال: أتحب المال؟ قال: له طلبت العلم قبل طلب المال. فأمر له بأربعة آلاف درهم.
المدائني قال: لما قدم الحجاج البصرة حضر العيد فرأى كثرة من حضر من النساء، فقال: إن ترك أهل الشام وهؤلاء أفسدوهن فابتنى قصره واتخذ فيه حائرا طويلا أكثر من ميل، وأنزله أهل الشام لا يخالطهم عراقي فتغوط أهل الشام فيه فقال: إنما أردت أن أتخذه لهم فإذا أفسدوه فأبعدهم الله، وكان في قصره إيوان وأربع مقاصير واتخذ صهريجا، وكان قصره على فرسخ من البصرة أو أكثر فكان يأتي الجمعة حتى نزل واسطا.
стр. 5524
قالوا: وكان على شرطة الحجاج عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي فقال: لأولينّ شرطتي رجلا شديد العبوس، طويل الجلوس، شديدا على أهل الريب والدعارة.
قالوا: وعزل الحجاج الحكم بن أيوب، وولى عثمان بن سعد العذري ففرض اللبن على التياسين فعزله، وأعاد الحكم، وصيّر على شرطته عبد الملك بن المهلب. وكان طاعون القينات سنة سبع وثمانين، فخرج الحكم عن البصرة وولاها عبد الملك فقال الحارث بن ضب العتكي:
فلو كنت من أولاد حمّة لم تكن … لتكتب بالعصيان والناس عزّل
ولكن عرقا من بهلّة يعتزي … فقال فما عنه لكم من محوّل
وقال فيه واثلة بن خليفة:
بكى المنبر الشرقي لما وليته … وكادت مسامير الحديد تذوب
وقد أقفرت منكم رساتيق فارس … وبالمصر دور جمّة ودروب
رأيتك لما شبت أدركك الذي … ينال شيوخ الأزد حين تشيب
سفاهة أحلام وضنّ بنائل … ففيك لمن عاب المزون معيب
قالوا: وكان الحجاج إذا قتل رجلا فتزوجت امرأته كف عنها، وإن لم تتزوج حبسها في قصر المسيرين.
المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال الحجاج لمساور بن هند العبسي: ما ترجو من الشعر؟ قال: أسقى به الماء، وأرعى به الكلاء، ويقضى لي به الحاجة.
قال المدائني: ولحن الحجاج يوما، فقال الناس: لحن الأمير، فأخبره أبو كعب فخطب وتمثل بشعر قعنب ابن أم صاحب:
стр. 5525
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به … وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
إن يسمعوا سيئا طاروا به فرحا … مني وما سمعوا من صالح دفنوا
قالوا: وقرأ الحجاج يوما: ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ منتقمين ثم قال:
﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ (١).
المدائني قال: عصى ثلاثة بنون لموسى بن حكيم بن حنيفة فقال له الحجاج جئني بهم فقال:
إذا ذكرت نفسي خفافا وخالدا … وراجعت ذكرا من أمية أيجع
إذا قال حجاج ألا فأتني بهم … أزاول عن أفلاذ كبدي فتنزع
وكان حكيم مع عثمان يوم الدار، فقال له: يا أمير المؤمنين أكفر الناس؟ قال: لا بل قسطوا.
وعصى ابن لهارون بن حكيم فجاء به عمه موسى بن حكيم إلى الحجاج فقال: هذا ابن أخي عاص قال: قد غفرتها له، لما كان من حكيم يوم الدار.
المدائني قال: وفد الحجاج إلى الوليد، وكان أخصّ الناس بالوليد عباد بن زياد بن أبي سفيان. والغازي بن ربيعة الجرشي فقال عباد للغازي، وكره أن يكون هو الذي يقول للوليد، فيبلغ الحجاج: إن الحجاج سيذكر لأمير المؤمنين أمر العراق ويعظم شأنه وبلاءه فيه ويقول:
لولا مكاني بالعراق ما قام لكم سلطان فقل لأمير المؤمنين إن قال ذلك يقول له: اسكت فنحن أعظم عليك منّة ويدا، قد ولّيناك وشرفناك ولولا ما كان
стр. 5526
منا إليك لكنت كرجل من قومك، ولولا ما صنع الله لنا ولك بنا ما كنت بالعراق شيئا.
فقال الغازي ذلك للوليد، ودخل الحجاج ذات يوم على الوليد، فعظّم أمره وبلاءه، وما كان منه في أمر أهل العراق حين عصوه، فردّ عليه الوليد ما ألقى إليه الغازي فانقطع الحجاج، وقال في نفسه: ما هذا كلام الوليد فمن أخصّ الناس به؟ قالوا: الغازي. قال: وما هو بكلام يمان، قالوا: فعباد بن زياد، قال: هو كلامه وهو صاحبي، فجفا عبادا وحجبه حين أتاه، فشكا ذلك إلى الوليد فقال له: يا حجاج أتستخف بمشايخ بني عبد شمس؟ فأذن لعباد وقال له: أصالحك صلحا دملجا (١)، وقال الراجز:
قد أمر الأمير بالإدلاج … قلت لأصحابي ولم أداجي
هلمّ هاتوا صفة الحجاج … كأن عينيه من الزجاج
كأن ساقيه عمود ساج
قالوا: ودخل ما عز بن ضمرة الحارثي على الحجاج فكلمه فقنعه الحجاج، فقال: مه، بانتهار.
قالوا: واستسقى قبيصة بن برمة يوما عند الحجاج فأتي بإناء صغير فشرب، ثم قال: قبح الله الإناء إذا لم يكن عظيما يروي صاحبه، ويفضل عن ريّه.
стр. 5527
وقال الحسن: الحجاج يتلو القرآن تلاوة أزرقيّ، ويحكم حكم جبار.
وقال المدائني: كانت دار محمد بن يوسف بمكة لعبد المطلب، وفيها ولد النبي ﷺ ، فاشتراها الحجاج بمائة ألف دينار (١)، فقال عبد الله بن حسن بن حسن للحجاج بن عبد الملك بن الحجاج: إني أريد أن أطلب دار ابن يوسف فأقرّ أن أباك غصبها، فقال له الحجاج: إني لأرى فيك ما يرى هؤلاء النوكى، أفتأمرني أن أزعم أني ظلمتك فتصير لك بحق لزمني، وهي اليوم قد أخذت منا، وأنا لا أيأس من أن تردّ علينا.
وقالوا: حبس الحجاج أبا الطفيل عامر بن واثلة الليثي، فكلمه فيه عبد الرحمن بن سهل بن عمرو، وأم عبد الرحمن بنت أبي الضريس من بني ليث. فقال للحجاج: هب لي خالي، وكان عبد الرحمن صهر الحجاج، كانت ابنته أم سلمة عند الحجاج، فأخرجه الحجاج، فقال له عبد الرحمن: يا أبا الطفيل أنا أحبّ إليك أم حسين؟ قال: اعفني. قال:
لا أعفيك. قال: أما إذا أبيت فما ولدت ابنة رسول الله ﷺ أحبّ إلي مما ولدت ابنة أبي الضريس.
وقيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت: أللهم إن هؤلاء يزعمون أنك لا تغفر لي فاغفر لي. قال: أو قالها؟ قالوا: نعم، قال: عسى.
حدثنا عفان، ثنا المبارك بن فضالة قال: كان الحجاج يأخذ الناس بالجمعة ثم يقيم على رؤوس الفقهاء والقراء قوما يمنعونهم من الصلاة حتى
стр. 5528
يصلي، فكانوا يومئون إيماء، فقال الحسن: هي والله لهم تامة.
حدثنا شيبان بن فروخ الأبلّي، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني قال: رأيت سيف مولى عبد الرحمن بن سمرة والحجاج يخطب يومئ برأسه إيماء، فأخذت ذلك عنه، وكنت أومئ برأسي.
المدائني عن جرير عن الأجلح قال: قلت للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: مؤمنا بالطاغوت، كافرا بالله.
المدائني عن عامر بن حفص قال: قال ابن سيرين: ما ذكرت من قتل مع ابن الأشعث إلا قلت ليتهم لم يخرجوا، فإذا ذكرت قول الحجاج قلت: ما حل لهم إلا ما صنعوا. قال: يقول المنافقون إن خبر السماء قد انقطع وكذبوا، إن خبر السماء عند خليفة الله وقد أنبأه الله أنه قاتلهم ومشردهم، يقول هذا لأهل الشام.
المدائني عن بشر بن عيسى عن أبي المضرحي قال: أمر الحجاج محمد بن المنتشر وهو ابن أخي مسروق بن الأجدع أن يعذب أزاذمرد بن الهربذ ويستأديه فقال له ازاذمرد: يا محمد إنك شريف ولك دين، ومثلي لا يعطي على الذل فارفق بي فأستأداه في جمعة ثلاثمائة ألف درهم، فغضب الحجاج وأمر معدا صاحب عذابه فحوّله إليه فكسر يديه ورجليه فلم يعطه شيئا، قال محمد: فمررت بأزاذمرد وهو على بغل فقال: يا محمد. فكرهت الدنو منه فيبلغ الحجاج وتذممت منه فدنوت، فقال: انك وليتني فأحسنت ولي عند فلان مائة ألف درهم فخذها. فقلت: لا آخذ منك شيئا، فقال: مثلي ومثل الحجاج مثل رجل كان يسقط طائر على سطحه في كل يوم فيبيض لؤلؤتين، فقال: لو أخذت هذا الطائر فذبحته وأخذت ما في جوفه،
стр. 5529
فصاده وذبحه فلم يجد في جوفه غير بيضتين. وقد رفقت بي وأخذت مني ثلاثمائة ألف درهم في جمعة وقد اشتد عليّ هذا طمعا في أن يأخذ أكثر من ذلك ولا أعطيه والله درهما، يا محمد إني أحدثك حديثا سمعته من أهل دينك، إن الله إذا أراد بالعباد خيرا أمطر المطر في إبّانه، واستعمل عليهم خيارهم، وجعل المال عند سمحائهم، وإذا أراد بهم شرا أمطر المطر في غير إبانه، واستعمل عليهم شرارهم وجعل المال في بخلائهم. قال: ومضيت إلى منزلي فلم أضع ثيابي حتى أتاني رسول الحجاج، فدخلت عليه وبين يديه سيف قد اخترطه فقال: ادن فدنوت وأضحكه الله لي، فقال: ما قال لك الخبيث؟ فحدثته فلما أردت تسمية الرجل صاحب المائة الألف صرف وجهه وقال: لا تسمّه، وأتممت الحديث فقال: لقد سمع الكافر الحديث، انصرف.
وقال الحجاج ليحيى بن يعمر العدواني: أين نشأت؟ قال:
بالأهواز. قال: فما هذه الفصاحة؟ قال: لسان أبي.
المدائني عن محمد بن عبد الله الشيباني قال: قالت جارية للحجاج حين مات:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا … واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
قال المدائني: أتي الحجاج بخمر فأمر بهراقتها، فأمسك غير واحد من جلسائه على أنفهم، فقال اسماعيل بن الأشعث وكان يضعّف: ما تمسكون بأنفكم، إنها لطيبة الريح، وإنا لنشتهيها غير أن الله حرّمها، فإذا الذين أمسكوا بأنفهم يشربونها كلهم.
وقال الحجاج لإسماعيل، وهو في قصره بواسط: كيف ترى قصري؟
стр. 5530
قال: أرى قصرا ستعظم المؤنة لمن أراد هدمه، قال: ويحك ما خالف بك إلى ذكر الهدم؟ وخطب الحجاج فذم الدنيا وصغّرها فقال: والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.
وكان أبو عون يقول: إذا سمعت قراءة الحجاج علمت أنه طالما قرأ كتاب الله.
قال وخطب الحجاج في يوم جمعة فأطال فقال رجل: الصلاة أيها الأمير فإن النهار لا ينتظرك، والله لا يعذرك، فأمر بحبسه فكلم فيه وقيل إنه مجنون فقال: إن زعم أنه مجنون خليت سبيله، فقيل للرجل قل: إني مجنون فقال: ما كنت لأنسب إلى ربي ما لم يفعله بي فعرض الحجاج الناس يوما فغلط وخلى سبيله.
قالوا: وقدم نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل على الحجاج فأمره بقتل رجل، فاعتلّ فاغفل الحجاج برّه، فمضي إلى المدينة فبعث إليه الحجاج بثلاثمائة دينار صلة لحقه بها الرسول وقال: استعن بها في سفرك.
المدائني عن شهاب السلمي قال: حدثني ابن صاحب نهر المرأة قال:
كسر دهقان من دهاقين فارس خراجه، وأفسد أهل الخراج فكتب الحجاج إلى عامله أن اصلبه فصلبه، وطعنه في أحد شقّيه طعنة، وصلب إلى الجذع، وتفرق الناس، وإلى جانب المصلوب حانوت، فأومأ فاستسقى، فأعلم العامل بذلك فرجع إليه فطعنه في الجانب الآخر، ثم انصرف واستسقى فقيل للعامل فرجع فطعنه بين الطعنتين، ثم مضى عنه فاستسقى فأنزله العامل وكتب بخبره إلى الحجاج فكتب الحجاج أن احمله إليّ فحمله
стр. 5531
إليه، فقال الحجاج: يا أهل الشام، تهابون الإقدام وقد طعن هذا ثلاث طعنات كلها تصل إلى الجذع فلم يمت. وخلى عنه، قالوا: فكان بعد ذلك يمشي في السوق.
قالوا: وكتب قتيبة إلى الحجاج يشكو ترك أهل الشام طاعته بخراسان، فكتب إليه أن احرمهم أطماعهم، فقد أشروا بدرورها عليهم، وأفقرهم فإن الفقر جند الله الأعظم الذي يذل به كل جبار عنيد.
وقال الحجاج لصاحب حرسه: إني استعملتك على نفسي، ولصاحب شرطه: إني استعملتك على سلطاني، ولحاجبه: إني استعملتك على وجهي، ولصاحب طعامه: إني استعملتك على مروءتي.
وخطب الحجاج فقال: ﴿إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١) وكان لا يدع ذلك حتى مات.
قالوا: وبعث الحجاج بهدايا مع رجل من همدان إلى عبد الملك فأنشد عبد الملك:
لقد أوعدتني شاكر فحسبتها … وفي النفس من همدان والقلب هاجس
قبيلة لا كثّر الله خيرها … لها حجف فوق المناكب يابس
وقال: يا أخا همدان، لئن أسأنا المقال لا نسيء الفعال، وأمر له بأربعة آلاف درهم.
стр. 5532
وقال الحجاج للعجاج وبين يديه لقحة تحلب، انعمت هذه فقال:
تصرف للحالب وجها حرّا … إلى سنام طال ما اكفهرا
كأنّ خلفيها إذا ما درّا … جروا هراش حرّكا فهرّا (١)
قال: خذها يا عجاج فهي لك.
وقال الحجاج: إن الرجال ذوي الظنون يظنون فيدخلون ويظنون فيخرجون، والمرأة إذا رأت عقلت، وإذا سمعت انتفعت.
وقال الحجاج: إني أعطي على البلاء والظرف وأحرم على العجز والضعف.
وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أو كان متفرقا فأجمعه؟ قال: أتقرأه ظاهرا؟ قال: بل أقرأه وأنا أعرفه، وأعلم أنه نور مبين. قال: أفتحفظه؟ قال: إن أحسنت قراءته فأنا أحفظه. قال:
ما تقول في عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه. قال: ويلك كيف تلقى ربك؟ قال: ألقاه بعملي، وأرجو أن تلقاه بدمي.
وقال الحجاج في خطبته: إن امرأ مضت له ساعة في غير ما خلق له لخليق أن تعظم حسرته.
وخطب الحجاج يوما فقال: اللهم أرني الهدى هدى فاتبعه، وأرني الغيّ غيا فاجتنبه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ﴿ضَلالاً بَعِيداً﴾ (٢).
стр. 5533
قال الهيثم بن عدي عن عوانة: خطب الحجاج فقال: رحم الله امرأ عمل بعلمه، رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب من غيره، رحم الله امرأ فكر فيما يقرأ في كتابه ويراه في ميزانه، رحم الله امرأ كان له من نفسه مذكّر لمعاده وزاجر عن معصية ربه، رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فإن قاده إلى طاعة الله اتبعه، وإن قاده إلى معصيته كفه.
قال: وقدم نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف على الحجاج، فأمره الحجاج أن يقتل رجلا فأبى وارتحل إلى المدينة فبعث إليه الحجاج بثلاثمائة دينار صلة له وقال استعن بها على سفرك، فلما لحقه الرسول ظن أنه يريد رده فقال: أغدرا؟ قال: لا بل صلة الأمير.
وخطب الحجاج فذم الدنيا قال: والله ما مضى من الدنيا لأشبه بما بقي من الماء بالماء.
وأمر الحجاج جلساءه أن يرسلوا إلى منازلهم فيحضر كل امرئ ما عنده مما يؤكل فأتوا جميعا بتمر وزبد.
وعرض الحجاج الجند يوما فمر به رجل لا سلاح عليه فقال له: أين سلاحك يا بن نوح؟ فقال: تغافل أيها الأمير، فكف عنه، ومر به رجل من أهل حمص لا سلاح عليه، فقال له: أين سلاحك؟ قال: تغافل أيها الأمير فأمر به فضرب مائة سوط.
المدائني قال: كان زاذان خباز ابن زياد ومصعب بن الزبير فقال له الحجاج: أي الطعام كان أحبّ إلى ابن زياد؟ قال: الشواء. قال:
فمصعب؟ قال: الثريد. قال: هو والله أولاهما بذلك. يقول لأن الثريد طعام العرب.
стр. 5534
وكان الحجاج جمع بين زاذان وطباخ شامي، فكان الشامي أكثرهما طرائف، وكان زاذان أقواهما طعاما.
وقال الحجاج لحوشب بن يزيد: ما كان أبوك يخبرك به عن المختار؟ قال: أخبرني أنه قال: أنا الذي أتزوج امرأة من أهل النبي، وأكسر قصر الملك، وأبني بنقضه قصرا، وأنا الذي ابني مدينة داوردان. فقال: كذب ابن دومة، وإن كانت لكريمة، أنا ذاك. فنقض قصر النعمان، وبني قصره في الجبان، وتزوج ابنة عبد الله بن جعفر.
وقدم الحجاج على قوم فسألهم عن المطر فتكلموا، فقال عمر بن أبي الصلت: أصلح الله الأمير أما أنا فما أجسر أن أنسق كما نسقوا، غير أني لم أزل في مطر وطين منذ خرجت من حلوان حتى قدمت عليك. فقال: لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة، إنك لأطولهم بالسيف خطوة.
المدائني قال: لما بنى الحجاج واسطا قال: لا عيب فيها علمته إلاّ ما نصير إليه من الموت، مع أنها ليست لنا ببلد، ولا لمن نترك من الولد.
وقال الحجاج لرجل من النخاسين: ما بال دوابكم أفره من دوابنا؟ قال: لأنا إذا علفنا أشبعنا، وإذا زجرنا أسمعنا، وإذا ضربنا أوجعنا.
وقال الحجاج: ما زالت قريش تذكر ابن جدعان، حتى ظننت أنه قد ولي رقابهم.
قالوا: ولما مات بشر بن مروان، وبلغ الحجاج موته قال: مات بشر يوم كذا، فيصل خبره يوم كذا، فلا يرى للعراق أحد غيري، فيأتيني كتاب بولايته يوم كذا. فكان كما قال: فاستخلف على الحجاز محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وقدم العراق.
стр. 5535
وحلأ (١) من بني كاهل رجلا من أصحابه عن الماء فقال: إني ابن سبيل، قال: ذاك أهون لك عليّ، فأخذه الحجاج فقطع يده فقال الشاعر:
ألم تر أن الكاهلي ابن معبد … أبينت يداه بعد عقد مؤكد
وقال الحجاج لزياد بن قطبة، وكان يرى رأي الخوارج، فقال:
ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال:
هما ختنا خير الأنام ومن له … على الناس فضل بيّن يا بن يوسف
فقال: ليس عن هذا أسألك إنما أسألك عنهما؟ فقال:
خليلان عاشا برهة مع محمد … فبان ولمّا يسخطا يا بن يوسف
فقال: أسألك عنهما في دينهما؟ قال: علمي فيهما والله كعلم الأمير لا أعدو والله فيهما قوله. قال: اعتصمت بمعتصم.
محمد بن خلف قال: قال الحجاج لسعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد: أشعرت أن ابن عمك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد مات.
ولم يعزّه فغمّه تركه تعزيته، فقال: أيّ شعر قالته العرب أحسن؟ قال:
قول عدي بن زيد العبادي:
أيها الشامت المعيّر بالده … ر أنت المبرّأ الموفور
أم لديك العقد الوثيق من الأي … ام بل أنت جاهل مغرور (٢)
فقال، إنك ما علمت لتتشفى بالدهر، وتولع بليّن الشعر.