إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، عن هبيرة، عن علي:
أن النبي ﷺ قال لزيد بن حارثة: «أنت أخونا ومولانا».
وحدثني الحسين، عن يحيى بن آدم، عن البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه:
أن النبي ﷺ قال لزيد بن حارثة: «أنت مولائي، ومني، وأحبّ القوم إليّ».
حدثني محمد بن سعد، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن أسامة، عن أبيه قال:
قال النبي ﷺ لزيد: «أنت مولائي، ومني، وأحب القوم إليّ».
- وحدثني محمد بن سعد، ثنا أبو عبد الله يعني الواقدي، أنبأ ابن أبي ذئب، عن الزهري قال:
أول من أسلم زيد بن حارثة.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، أخبرني محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد، عن أبيه قال:
كان بين رسول الله ﷺ وبين زيد عشر سنين، رسول الله أكبر؛ وكان زيد رجلا قصيرا، آدم شديد الأدمة، في أنفه فطس، وكان يكنى أبا أسامة.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد، عن حسين المازني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن أسامة قال:
стр. 597
أول من أسلم زيد بن حارثة (١).
وحدثني هشام بن عمار، ثنا محمد بن عيسى بن سميع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال:
أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة.
- وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جده قال:
أقبلت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - وأمها أروى بنت كريز بن ربيعة، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب - مهاجرة إلى النبي ﷺ ، فخطبها الزبير، وزيد بن حارثة، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص.
فاستشارت أخاها لأمها، عثمان بن عفان، فأشار عليها أن تأتي النبي ﷺ .
فأتته، فأشار عليها بزيد بن حارثة، فتزوجته، فولدت له زيدا، ورقية.
فهلك زيد وهو صغير، وماتت رقية في حجر عثمان. وطلق زيد أم كلثوم، فخلف عليها عبد الرحمن بن عوف، ثم الزبير، ثم عمرو بن العاص.
- وتزوج زيد كرّة بنت أبي لهب، ثم طلقها. وتزوج هند بنت العوام.
وكان رسول الله ﷺ زوّجه أم أيمن، حاضنة رسول الله ﷺ ومولاته، فولدت له أسامة بن زيد. وكان اسم أم أيمن «بركة». فتزوجت في الجاهلية بمكة عبيد بن عمرو بن بلال بن أبي الحرباء بن قيس بن مالك بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم - وهو الحبلى - بن غنم بن عوف بن الخزرج، فولدت له أيمن بن عبيد، فكنيت به. واستشهد أيمن يوم حنين. ومات عبيد عن أم أيمن، فكانت فارغة لم تتزوج به، فزوّجها رسول الله ﷺ زيدا.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ
стр. 598
فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة قال:
كانت أم أيمن تلطف رسول الله ﷺ ، وتقوم عليه. فقال رسول الله ﷺ : من سرّه أن يتزوج امرأة من أهل الجنة، فليتزوج أم أيمن. فتزوجها زيد، فولدت له أسامة.
قالوا: ولما هاجر ﷺ ، نزل زيد على كلثوم بن الهدم. ويقال: على سعد بن خيثمة. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة. وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين أراد القتال. وآخى بينه وبين أسيد بن حضير الأوسي.
- حدثني جعفر بن عمر، عن الهيثم، عن مجالد، عن الشعبي قال:
قدم عبيد بن عمرو الخزرجي مكة، فأقام بها وتزوج أم أيمن بركة مولاة رسول الله ﷺ ، ونقلها إلى يثرب، فولدت له أيمن بن عبيد، ومات عنها، فرجعت إلى مكة. فلما ملك رسول الله ﷺ زيدا وبلغ، زوجّه إياها.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي قال:
كان لآل أسامة مولى يقال له ابن أبي الفرات، فخاصم بعض مواليه.
فقال له: يا عبد الله. فقال: يا بن بركة. فاستعدى عليه أبا بكر بن عمرو بن حزم. فقال: إنما نسبته إلى أم أسامة، وما قلت بأسا. فقال أبو بكر: تقول لامرأة حضنت رسول الله ﷺ وولدها ينسبون إلى ولائه ويقال هم بنو الحبّ، قولا يصغر بها فيه. فضربه سبعين سوطا، وأطاف به.
- حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا محمد بن عبيد، ثنا وائل بن داود قال: سمعت البهي يحدث عن عائشة قالت:
ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمّره عليه؛ وإن بقي بعده، استخلفه على المدينة.
стр. 599
وحدثني روح بن عبد المؤمن، ثنا أبو عاصم النبيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال:
غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره فيها علينا.
- حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال:
لما بلغ رسول الله ﷺ قتل زيد، قال: اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لجعفر، ولعبد الله بن رواحة.
حدثني أحمد بن إبراهيم، ثنا سليمان بن حرب، أنبأ حماد بن زيد، عن خالد بن سلمة قال:
لما أصيب زيد، أتى النبي ﷺ أهله، فجهشت زينب بنت زيد في وجهه. فبكى رسول الله ﷺ حتى انتحب. فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: «هذا شوق الحبيب إلى حبيبه». وقال الواقدي: استشهد زيد وله خمسون سنة، وذلك في سنة ثمان.
- محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
ما رأيت رسول الله ﷺ عريانا قط إلا مرة واحدة. جاء زيد بن حارثة من غزاة له يستفتح. فسمع النبي ﷺ صوته، فقام عريانا يجر ثوبه، فقبله واعتنقه.
أسامة بن زيد:
- وكان أسامة بن زيد يكنى أبا محمد. وعزم رسول الله ﷺ على توجيهه
стр. 600
إلى شرحبيل بن عمرو الغساني بمؤتة، فلم يتهيأ شخوصه حتى قبض رسول الله ﷺ ، فأمر أن ينفذ جيش أسامة. وأنفذه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعد وفاته، فأوقع بالعدو وغنم المسلمون، وكان بين خروجه وقدومه أربعون ليلة، ويقال شهران. وأستقبله الناس حين قدم مستبشرين بقدومه.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
خرج رسول الله ﷺ عاصبا رأسه، حتى جلس على المنبر، وكان الناس قد تكلموا في أمره حين أراد توجيههم إلى مؤتة، فكان أشدّهم قولا في ذلك عياش بن أبي ربيعة. فقال: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لين قلتم في إمرته، لقد قلتم في إمرة أبيه من قبله، ولقد كان أبوه للإمارة خليقا، وإنه لخليق بها. «وكان في جيش أسامة: أبو بكر، وعمر، ووجوه من المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم. وخرج، فعسكر بالجرف. فلما قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، أتى أسامة فقال له: قد ترى موضعي من خلافة رسول الله ﷺ ؛ وأنا إلى حضور عمر ورأيه محتاج؛ فأنا أسألك تخليفه. ففعل، ومضى أسامة حتى قدم سالما غانما، فسرّ الناس بذلك.
- وحدثت عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال:
فرض عمر رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن عمر في ألفين وخمسمائة، وفرض لأسامة في ثلاثة آلاف، فقال عبد الله: ما شهد أسامة مشهدا لم أشهده. فقال عمر: كان والله أحبّ إلى رسول الله ﷺ منك، وكان أبوه أحبّ إلى رسول الله من أبيك.
стр. 601
وقال الواقدي في إسناده:
توّجه أسامة في سنة سبع في سرية، فلحق نهيك بن مرداس الجهني.
فلما لحمه السيف، قال: لا إله إلا الله، فقتله واستاق من كان معه من النعم. فلما رجع، قال له رسول الله ﷺ : «يا أسامة، أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله؟ فقال: إنما قالها، يا رسول الله، متعوذا. قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟ فجعل أسامة على نفسه ألا يواجه رجلا يقول: لا إله إلا الله» بسيف أبدا؟
فلما نهض علي ﵇ إلى البصرة لحرب أصحاب الجمل، دعاه إلى الخروج معه، فقال: والله إني لأصدقك المحبة؛ ولو كنت بين لحيي أسد لأحببت أن أكون معك، ولكني جعلت على نفسي وعاهدت ربي أن لا أقاتل أحدا يقول لا إله إلا الله.
- قالوا: وكان أسامة من الرماة المذكورين، وخلفه رسول الله ﷺ مع عثمان على رقية بنت رسول الله ﷺ . وتوفي بوادي القرى، وكان قد نزلها.
وذلك في أيام معاوية. ويقال إنه قدم المدينة من وادي القرى، فمات بالمدينة.
وحدثني المدائني، عن مسلمة بن محارب قال:
قال معاوية لأسامة بن زيد: رحم الله أم أيمن، كأني أرى ساقيها وكأنهما ساقا نعامة. فقال أسامة: كانت والله خيرا من هند، وأكرم. فقال:
وأكرم أيضا؟ فقال: نعم؛ قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾. (١).
- وقال الواقدي: كان أسامة حين قبض رسول الله ﷺ ابن إحدى
стр. 602
وعشرين سنة أو أقل بأشهر، وكان يوم الفتح يأتي بملء الدلو من ماء زمزم، وقد أمره رسول الله ﷺ بمحو الصور التي كانت في الكعبة فيبلّ الثوب، ثم يضرب به الصورة. ولم يحلّ لواءه الذي عقده له رسول الله ﷺ حين أمره على الجيش، بعد قتل أبيه، وكان منصوبا في بيت له.
قال الكلبي: وقيل لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: إنّ عامة الناس مع أسامة، وقد ارتدت العرب، فكيف تفرّق الناس؟ قال: والله، لو ظننت أن السباع تأكلني وإني اختطف في هذه القرية لأنفذت بعثه كما أمر رسول الله ﷺ . ثم دعا أسامة، فقال: انفذ يا أبا محمد رحمك الله، واعمل بما كان رسول الله ﷺ أمرك به. ولم يوصه بشيء.
- حدثنا محمد بن الصباح، عن شريك، عن العباس بن ذريح، عن البهي، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
عثر أسامة بعتبة الباب فانشجّ في وجهه. فقال لي رسول الله ﷺ :
«أميطي عنه الأذى. فقذرته. فجعل رسول الله ﷺ يمصّ شجته ويمجّ دمها، ويقول: لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أنفقته».
قال ابن الصباح، قال شريك: الدم حرام، وقد مصّه النبي ﷺ ثم لفظه ومجّه؛ والطعام حرام على الصائم ولا بأس بأن يتذوق الرجل القدر بطرف لسانه وهو صائم ما لم يدخل حلقه.
- قالوا: وكانت بركة، وهي أم أيمن، لرسول الله ﷺ ، ورثها من أبيه، فأعتقها. ويقال بل كانت مولاة أبيه، فورث ولاءها. ويقال بل كانت لأمه، فورثها منها، وأعتقها. وكانت تحضن رسول الله ﷺ وتقوم عليه.
- حدثني محمد بن مصفى الحمصي، ثنا محمد بن حمير، عن أبي بكر بن
стр. 603
أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري قال:
اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت النبي ﷺ يقول: «ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر؟ إنّ أسامة لطويل الأمل والذي نفسي بيده، ما طرفت عيناي فظننت أن شفريهما يلتقيان حتى أقبض، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة فظننت أني أسيغها حتى يغصّني بها الموت». ثم قال: «يا بني آدم، إن كنتم تعقلون، فعدّوا أنفسكم من الموتى: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» (١)».
- وقال الواقدي: كان حارثة بن شراحيل من كلب، فتزوّج امرأة من طيء بجبلي طيء. فولدت له زيد بن حارثة، فكان هناك. وتوفي حارثة، وكانت له أبعرة. فمرّ نفر من العرب، وهو يومئذ وصيف، فأكراهم إياها إلى مكة، فوافوا به سوق عكاظ فباعوه، فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة، فكان يتجر لها، وكان لخديجة. وكانت بركة لعبد الله بن عبد المطلب. فلما بلغ زيد، زوجه إياها، وهو لخديجة. فطلبه منها، فوهبت له، فأعتقه وأعتق أم أيمن. والأول خبر الكلبي، وهو أثبت.
أبو رافع:
- أبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، واسمه أسلم. وكان للعباس بن عبد المطلب، فوهبه لرسول الله ﷺ . فلما بشره بإظهار العباس إسلامه، أعتقه. ووجه رسول الله ﷺ أبا رافع مع زيد بن حارثة من المدينة لحمل عياله من مكة. وهو الذي عمل لرسول الله ﷺ منبره من أثل الغابة.
وكانت سلمى، مولاة رسول الله ﷺ عند أبي رافع، فولدت له عبيد الله بن
стр. 604
أبي رافع كاتب عليّ ﵇. وكان رسول الله ﷺ ورث سلمى هذه من أمه. وكان أبو رافع الذي بشر رسول الله ﷺ بولادة إبراهيم بن رسول الله، فوهب له غلاما. وكان رسول الله ﷺ وجه أبا رافع مع رجل من الأنصار ليخطبا عليه ميمونة بنت الحارث زوجته.
وحدثت عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى ﷺ :
كنت غلاما للعباس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل، وأسلمت. وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. فلما جاء مصاب أهل بدر، وجدنا في أنفسنا عزّا وقوة. وكنت ضعيفا أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم. فبينا أنا أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سررنا بما جاء من خبر أهل بدر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب، فجلس، ووافى أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقال أبو لهب إليّ يا بن أخي؛ ما خبر الناس فقال: ما هو إلا أن لقيناهم رجال حتى منحناهم أكتافنا، ولقينا رجال على خيل بلق. فقلت: تلك الملائكة. فلطمني أبو لهب لطمة شديدة. وثاورته، فضرب بي الأرض. فقالت له أم الفضل:
أراك تستضعفه إذ غاب سيده. وأخذت شيئا، فضربت به، فشجته.
فقام ذليلا. فو الله ما عاش إلا سبع ليال، حتى رماه الله بالعدسة (١)،
стр. 605
فقتلته. ولقد ترك حتى أنتن. وعذل ابناه في ذلك، فصبا عليه الماء وما مساه، ودفن بأعلى مكة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه بها. ومات أبو رافع بعد خلافة عثمان.
أنسة:
- أنسة مولى رسول الله ﷺ ، من مولدى السراة، ويكنى أبا مسروح. كان يأذن على رسول الله ﷺ . قال قوم: قتل يوم بدر، ولم يعرف قاتله.
قال الواقدي: رأيت أهل العلم يثبتون أنه لم يقتل ببدر، وأنه قد شهد أحدا وبقي بعد ذلك، وتوفي في خلافة أبي بكر.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن محمد بن يوسف قال:
مات أنسة بعد النبي ﷺ في خلافة أبي بكر (١).
أبو كبشة:
- أبو كبشة مولى رسول الله ﷺ ، واسمه سليم، وكان من مولدي أرض دوس. وقال بعضهم: كان من مولدي مكة. شهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر، ويوم أحد، والمشاهد كلها. وكان نزوله حين هاجر على كلثوم بن الهدم. ويقال على سعد بن خيثمة. وكان رسول الله ﷺ ملكه فأعتقه. وتوفي أبو كبشة في أول يوم من خلافة عمر بن الخطاب.
صالخ شقران:
- صالح شقران، كان غلاما له ﷺ ، فأعتقه. وشهد بدرا وهو
стр. 606
مملوك، فاستعمله رسول الله ﷺ على الأسرى. ولم يسهم له، فأحذاه (١) كل رجل كان له أسير، فأصابه أكثر مما أصابه رجل من القوم من المقسم.
وشهد بدرا غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب بن أبي بلتعة، وغلام لسعد بن معاذ، فأحذاهم رسول الله ﷺ ولم يقسّم لهم.
وكذلك كان يفعل بالمماليك إذا شهدوا معه الحرب.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن جهم العدوي قال:
استعمل رسول الله ﷺ شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء، وجمع الذرية ناحية (٢). قال الواقدي: فسأل رسول الله ﷺ أهل: المريسيع: «كيف وجدتم شقران»؟ فقالوا: أشبع بطوننا، وشدّ وثاقنا.
- ولابن شقران يقول عمر حين وجهه إلى أبي موسى الأشعري: قد وجهت إليك عبد الرحمن بن صالح - الرجل الصالح شقران - فأعرف له مكان أبيه من رسول الله ﷺ . وكان شقران ممن نزل في قبر رسول الله ﷺ .
حدثني حفص بن عمر، عن الهيثم، عن مجالد، عن الشعبي قال:
مات شقران في خلافة عمر.
قال حفص: وقال هشام، عن أبيه:
مات في خلافة عمر.
يسار:
стр. 607
-يسار، وكان نوبيّا، أصابه رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فأعتقه وجعله في لقاحه يرعاها، فآغار عليها قوم من عرينة - ويقال: من عكل - فأخذوا يسارا فغرزوا الشوك في عينيه وقتلوه. وقال الكلبي والواقدي: أصاب رسول الله ﷺ يسارا في غزاة بني ثعلبة بن سعد فأعتقه.
فضالة:
- فضالة مولى رسول الله ﷺ ، نزل الشأم. فولده بها.
حدثني بذلك محمد بن سعد، عن الواقدي. وقال الهيثم:
لم يكن لرسول الله ﷺ مولى يقال له فضالة.
سفينة:
- سفينة، واسمه مفلح، ويقال مهران. وكان من مولّدي الأعراب. ويقال إنه كان مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ . ويقال بل كان عبدا لها، فوهبته لرسول الله ﷺ ، فأعتقه. وقد حدّث عن عبد الرحمن بن سفينة.
حدثني ابن أخي أبي حسان الزيادي أبو عمرو، ثنا الحماني، ثنا حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى النبي ﷺ قال:
كنا مع النبي ﷺ ، فقال: «ابسط كساءك». فقال للقوم: «اطرحوا أمتعتكم فيه». ثم قال: «احمل، فإنما أنت سفينة». قال: فلو كان وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، حملته.
وحدثني أبو مسعود بن القتات، قال:
توفي رجل من ولد سفينة على عهد أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، فلم يكن له وارث إلا المنصور وولد أبيه.
стр. 608
ثوبان:
- ثوبان مولى رسول الله ﷺ يكنّى أبا عبد الله وهو من أهل اليمن لنسب فيهم، فأصابه سباء، فابتاعه رسول الله ﷺ بالمدينة، وأعتقه.
وكان قد نزل حمص وله بها دار صدقة. وبها مات في سنة أربع وخمسين.
حدثني هشام بن عمار الدمشقي، ثنا صدقة، ثنا ابن جابر، حدثني شيخ يكنى أبا عبد السلام، عن ثوبان
عن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن تداعى الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قيل: يا رسول الله، أمن قلة يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم، وليقذفنّ الوهن في قلوبكم. قيل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت».
حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال:
قال رسول الله ﵇: «من يضمن لي خصلة، أضمن له الجنة»؟ فقال ثوبان: أنا يا رسول الله. قال: «لا تسأل الناس شيئا».
قال: فكان ثوبان يقع سوطه من يده، فلا يقول لأحد: «ناولني إياه» (١)، حتى ينزل فيأخذه. فكانت عائشة تقول: تعاهدوا ثوبان، فإنه لا يسأل الناس شيئا.
حدثني هشام بن عمار، عن بقية، عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، حدثني ثوبان قال:
стр. 609
قال لي رسول الله ﷺ : «يا ثوبان، لا تنزل الكفور» (١)، فإن ساكن الكفور كساكن القبور.
حدثني محمد بن مصفى الحمصي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه كان يقول:
طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته.
وحدثني هشام بن عمار، عن ابن عياش، عن راشد الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان:
عن رسول الله ﷺ أنه قال في مسير له: «إنا مدلجون الليلة، فلا يدخلن معنا مصعب ولا مضعف»، فأدخل رجل على ناقة له صعبة فسقط فاندقّت فخذه، ثم مات. فأمر النبي ﷺ بالصلاة عليه. ثم أمر بلالا، فنادى: «إنّ الجنة لا تحل لعاص».
أنجشة:
- أنجشة كان حبشيا، يكنى أبا مارية. وهو الذي قال له رسول الله ﷺ ، وهو يسوق الإبل بالنساء: «يا أنجشة، ارفق بالقوارير».
رافع:
- رافع، وهو رويفع. كان لسعيد بن العاص أبي أحيحة، فورثه ولده، فأعتق بعضهم حصته منه، وسعى لباقيهم فيما بقي من رقبته. فأتى رسول الله ﷺ يستعينه في أمره. فاستوهب رسول الله ﷺ ما بقي منه فوهب له - ويقال: ابتاعه - وأعتقه. فكان يقول: أنا مولى رسول الله. ويقال إنّ
стр. 610
سعيد بن العاص كان أعتقه إلا سهما، فاستوهب ﷺ ذلك السهم من ورثته، فوهب له أو ابتاعه، فأعتقه. فكان يقول: «أنا مولى رسول الله»، فيغيظ ذلك آل سعيد بن العاص. فلما ولي عمرو بن سعيد بن العاص، وهو الأشدق، المدينة، بعث إليه، فدعاه. فلما أتاه، قال: مولى من أنت؟ قال: مولى رسول الله ﷺ : فضربه مائة سوط ثم قال له: مولى من أنت؟ قال: مولى رسول الله ﷺ . فضربه مائة سوط أخرى، ثم قال له: مولى من أنت؟ قال: مولى رسول الله. فضربه مائة سوط ثالثة. فلما رأى أنه لا يرفع عنه الضرب، قال له مولى من أنت؟ قال: مولاك.
- وقال ابن الكلبي: والناس يغلطون فيما بين رافع وأبي رافع، ويقول بعضهم: إنّ كاتب علي ﵇ كان عبيد الله بن رافع وإنما هو عبيد الله بن أبي رافع. وقد كان رافع مع الحسن بن عليّ ومع عليّ قبله.
فزاد آل سعيد بن العاص ذلك غيظا عليه.
حدثني هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، ثنا زيد بن واقد، عن مغيث بن سمي، عن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص قال:
قلنا: يا نبي الله، من خير الناس؟ قال: «ذو القلب المحموم واللسان الصادق». قلنا: قد عرفنا اللسان الصادق؛ فما القلب المحموم؟. قال: «هو التقي النقي الذي لا إثم فيه، ولا بغي، ولا حسد». قلنا: يا رسول الله، فمن على إثره؟ قال: «الذي يشنأ الدنيا، ويحبّ الآخرة». قلنا: ما نعرف هذا فينا إلا أن يكون رافعا مولى رسول (١) الله؛ فمن على إثره؟ قال: «مؤمن له خلق حسن». وقال
стр. 611
هشام: لا أحسب الحديث محفوظا، وما هو فيما أظن «إلا أن يكون أبا رافع».
أبو لبابة
- أبو لبابة، واسمه زيد بن المنذر، من بني قريظة، ابتاعه رسول الله ﷺ وهو مكاتب، فأعتقه. وهو الذي روى عن رسول الله ﷺ : من قال:
«أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله له ولو كان فرّ من الزحف». وابنه يسار بن زيد.
أبو مويهبة
- أبو مويهبة، وهو أبو موهبة، من مولدي مزينة. أعتقه رسول الله ﷺ . فشهد المريسيع. وكان يقود بعائشة بعيرها. روي عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي. فانطلقت معه. فلما وقف بين أظهرهم، قال: السلام عليكم يا أهل المقابر! ليهنئكم ما أصبحتم فيه مع ما أصبح الناس فيه؛ أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم. ثم استغفر لهم طويلا».
مدعم
- مدعم مولى النبي ﷺ من مولد حسمى، ويكنى أبا سلام ويقال إن أبا سلام غيره. وكان مدعم من هدية فروة بن عمرو الجذامي، ويقال من هدية رفاعة بن زيد الجذامي. أصابه سهم غرب بوادي القرى، وهو يحط رحل رسول الله ﷺ .
стр. 612
أبو ضمرة
- أبو ضمرة، وهو أبو ضميرة، وهو من العرب ممن أفاء الله على رسوله، فأعتقهم. ثم خير أبا ضمرة أن يقيم معه أو يلحق بقومه. فاختار المقام. فكتب رسول الله ﷺ له ولأهل بيته كتابا بأن يحفظهم كل من لقيهم من المسلمين. فذكروا أن لصوصا لقوا قوما منهم. فأخرجوا كتاب رسول الله ﷺ . فلم يعرضوا. وفد حسين بن عبيد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة على المهدي أمير المؤمنين، وجاء معه بكتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم.
فأخذ المهدي الكتاب، فقبله ووضعه على عينيه، وأعطى حسينا ثلاث مائة دينار. ويقال خمس مائة دينار. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: كانت لأبي ضمرة دار بالبقيع. وقال ابن الكلبي: كان لعلي بن أبي طالب غلام يكنى أبا ضميرة، وليس هو هذا.
كركرة
- كركرة غلام النبي ﷺ ، أهدي له فأعتقه. ويقال مات على عهد رسول الله ﷺ وهو مملوك.
رباح
- رباح أبو أيمن مولى رسول الله ﷺ . وهو أسود، كان يأذن على رسول الله ﷺ . ثم صيره مكان يسار حين قتل، فكان يقوم بأمر لقاحه.
هشام
- هشام مولى النبي ﷺ . روي عن النبي ﷺ أن رجلا أتاه فقال:
يا رسول الله لي امرأة لا تدفع كفّ لامس؛ فقال: طلقها.
стр. 613
أبو هند
- أبو هند مولى أبي فروة بن عمرو البياضي كان حجّام رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «إنما أبو هند رجل من الأنصار، فأنكحوه وانكحوا إليه». ففعلوا. ولم يشهد بدرا، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ . ولقي أبو هند رسول الله ﷺ بعرق الظبية بحميت (١) مملوء حيسا.
وقال قوم: وهب بنو بياضة لرسول الله ﷺ ولاء أبي هند. وقال الواقدي:
كان خدم رسول الله ﷺ الذين لا يريمون بابه: أنس بن مالك، وأبا هند، وأسماء ابني حارثة، من بني مالك بن أفصى. فكان أبو هريرة يقول:
ما كنت أظنهما إلا مملوكين لرسول الله ﷺ .
- وكان لرسول الله ﷺ سلمى، وخضرة، ورضوى، كنّ إماء له فأعتقهن، وكان له روضة، وربيحة أعتقهما وكان ممن يخدم ميمونة بنت سعد.
أمر سلمان الفارسي
- قالوا: كان أصل سلمان الفارسي من إصطخر، إلا أن أباهم نزل رامهرمز من كور الأهواز. وكان مجوسيا. وقوم يقولون: كان سلمان من أهل أصبهان. وذلك غير ثبت. فحدّث سلمان أن أباه كان دهقان قريته، وكان يحول بينه وبين الخروج والتصرف، صيانة له. وأنه بعثه مرة في حاجة له. قال: فدفعت إلى كنيسة نصارى، فأعجبتني قراءتهم وصلاتهم.
فسألت بعضهم عن دينهم، فحدّثوني بأمر المسيح ﵇ وما كان من شأنه وشأن الأنبياء قبله. فقلت هذا أفضل من ديني وأشبه بالحق. ويقال
стр. 614
إنه قال: كنت يتيما فقيرا، وكنت صحبت ابن دهقان رامهرمز، فكان يصعد الجبل فيقف عند راهب في صومعة فيسائله ويحدّثه. فسألت الراهب عن دينه، فأخبرني به، فأعجبني. وقلت: هذا خير من ديني. فاتبعت دين النصرانية، وسألت عن معدن ذلك الدين. فقيل بالشأم: وتهيأ لي ركب يريدون الشأم، فصحبتهم حتى قدمت الشأم فعمدت إلى كنيسة فدخلتها. فكنت مع أسقفهم أتفقه في النصرانية، وأخدمه حتى مات.
وقام مكانه آخر، وكان عفيفا موحدا، فخدمته. فلما احتضر، قلت له:
أوصني. قال: ائت نينوى، من أرض الموصل فإن هناك رجلا يقول بقولي. فأتيته، فكنت معه حتى إذا حضرته الوفاة، قلت له: أوصني إلى من أصير بعدك. فقال: إنّ بنصيبين رجلا يقول بقولي. فأتيته، فقمت معه حتى احتضر، فقلت له: أوصني إلى من أصير بعدك. فقال: إن بعمورية رجلا على ديني. فأتيته. فكان يذكر مبعث رسول الله ﷺ . فلما احتضر، قلت له أوصني بما أصنع. فقال: إنه قد أظل زمن نبي يبعث بأرض العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، يكون مولده وقراره بين النخل، خاتم النبوة بين كتفيه، يسوءه أهله ويردّونه حتى يخرج عنهم إلى غيرهم، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، قال: فلما مات، [وجدت] قوما من كلب، نصارى، يريدون وادي القرى، فأعطيتهم ما كان معي حتى أخرجوني إلى وادي القرى فغدروا بي، وباعوني من رجل يهودي يقال له يوشع. ثم باعني اليهودي من رجل من بني قريظة قدم وادي القرى تاجرا.
فأتى بي القرظي المدينة. فسألت عن النبي ﷺ ، فأخبرت خبره ومفارقته
стр. 615
قومه. فجمعت له رطبا وغير ذلك، وأتيته به وهو بقباء، فقلت: هذا صدقة مني. فدعا قوما من أصحابه، فأكلوا ذلك، ولم يأكل منه، وقال:
إني لآكل الصدقة. ثم أتيته بشيء، فقلت: هذا هدية. فقبل ذلك مني، ثم تحولت فنظرت إلى الخاتم الذي كان صاحبي وصفه لي بين كتفيه.
فأكببت أقبله وسألني، فقصصت عليه قصتي. وكاتبت صاحبي القرظى على مائة وستين فسيلة وأربعين أوقية من ذهب. وأتيت النبي ﷺ . فأعانني سعد بن عبادة بستين نخلة، وأعانني الأنصار بالمائة الباقية. وأتى النبي ﷺ ذهب من معدن بني سليم، فأعطاني منه شيئا استقللته، وقلت:
لا يبلغ أربعين أوقية. فوضعه في فمه، وقال: ادفعه إلى صاحبك.
فوزن، فإذا هو تمام ما أريد. فكان سلمان يقول: أنا سلمان بن الإسلام (١).
- وحدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن المجالد بن سعيد قال:
سئل الشعبي هل كان سلمان من موالي رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، أفضلهم؛ كان مكاتبا فاشتراه وأعتقه. قالوا: وشهد سلمان الخندق، ولم يتخلف عن غزاة من غزوات رسول الله ﷺ . ومات بالمدائن في خلافة عثمان. وكان يكنى بأبي عبد الله.
قالوا: ورأى عيينة بن حصن سلمان عند رسول الله ﷺ يوما وعليه شملة، فقال له: إذا دخلنا عليك، فنحّ عنا هذا وأمثاله فنزلت فيه:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
стр. 616
﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ١،﴾ أي عجلا، لا يفرط منه بغير فكر.
يقال: فرس فرط، أي سريع يتقدم الخيل.
- حدثني هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، عن عروة بن عويمر اللخمي، عن القاسم أبي عبد الرحمن، أنه حدثه قال:
زارنا سلمان الفارسي فخرج الناس يتلقونه كما يتلقى الخليفة، فلقيناه وهو يمشي، فوقفنا نسلم عليه: ولم يبق شريف ألا سأله أن ينزل عنده.
فسأل عن أبي الدرداء. فقيل: هو مرابط. قال وأين مرابطكم؟ قالوا:
بيروت. فتوّجه قبله. فلما صار إلى بيروت، قال سلمان: يا أهل بيروت، ألا أحدّثكم حديثا يذهب الله به عنكم غرض الرباط سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم كصيام شهر وقيامه؛ ومن مات مرابطا في سبيل الله أجير من فتنة القبر وأجري له ما كان يعمل إلى يوم القيامة».
حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي قتادة.
أن النبي ﷺ قال لأبي الدرداء: «يا عويمر، سلمان أعلم منك».
وحدثنا محمد بن سعد، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح قال:
قال رسول الله ﷺ : «سلمان يبعث أمة، لقد أشبع من العلم» (٢).
- حدثنا محمد بن حاتم المروزي، عن معاذ العنبري، عن شعبة،
стр. 617
عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال:
صنع سلمان طعاما لإخوانه، فجاء سائل. فأراد بعضهم أن يناوله رغيفا، فقال سلمان: ضع، إنما دعيت لتأكل. ثم قال: وما عليّ أن يكون لي الأجر، وعليك الوزر. قال شعبة: وكان سلمان يختم على القدر مخافة سوء الظن. وكان يقول في العمل القليل رداوة وأنت الجواد الفرط، أي السابق.
حدثنا عمر بن شبة، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن معاوية بن قرة، عن عائذ بن عمرو المزني قال:
كان بلال، وصهيب، وسلمان جلوسا، فمرّ بهم أبو سفيان بن حرب. فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد! فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ ثم انطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره. فقال: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم أئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك». فأتاهم أبو بكر، فقال: يا إخوتي لعلكم غضبتم؟ فقالوا: يغفر الله لك يا أبا بكر.
أمر أبي بكرة مولى رسول الله ﷺ :
- حدثني عباس بن هشام، أنبأ عوانة بن الحكم الكلبي وغيره قالوا:
كانت سمية امرأة من أهل زندورد، من كسكر، تسمى في أهلها ب «أميخ» (١). فسرقها الكواء اليشكري أبو «عبد الله بن الكواء»، وسماها سمية. فكانت عنده ما شاء الله. ثم أنه سقي بطن الكوّاء، فخرج إلى
стр. 618
الطائف فأتى الحارث بن كلدة الثقفي، وكان طبيب العرب. فداواه، فبرأ، فوهب له سمية.
ويقال إنها كانت أمة لدهقان الأبلّة. فقدم الحارث الأبلة، فعالج ذلك الدهقان، فوهبها له، فقدم بها الطائف. قالوا: فوقع الحارث بن كلدة على سمية، فولدت له على فراشه غلاما، سماه نافعا. ثم وقع عليها، فجاءته بنفيع وهو أبو بكرة، وكان أسود. فقال الحارث: والله ما هذا بابني، ولا كان في آبائي أسود. فقيل له: إنّ جاريتك ذات ريبة، لا تدفع كفّ لامس. فنسب أبو بكرة إلى مسروح، غلام الحارث بن كلدة، ونفى نافعا بسبب أبي بكرة. ثم إن الحارث تزوّج صفية بنت عبيد بن أسيد بن علاج الثقفي، ومهرها سمية. فزوجتها صفية عبدا لها روميا، يقال له عبيد، فولدت منه زيادا. فأعتقته صفية. وولدت صفية من الحارث ابنتين: أزدة، وصفية سمتها أمها باسمها. ويقال بل سمتها صفية. قالوا: فلما ظهر رسول الله ﷺ ، وغزا الطائف، قال: «من خرج إليّ فهو حرّ». فوثب أبو بكرة الجدار، فخرج إليه، فأعتقه فصار مولى رسول الله ﷺ . وصارت السنة أنّ من نزل من حصن أو خرج من العبيد من دار الحرب مسلما، عتق. وخشي الحارث بن كلدة أن يفعل نافع مثل ما فعل أبو بكرة، فقال له: أي بني أنت ابني وشبيهي، فلا تفعل كما فعل العبد الخبيث. فأثبت نسب نافع يومئذ.
وتزوّج عتبة بن غزوان المازني، حليف بني نوفل بن عبد مناف، أزدة بنت الحارث. فلما استعمل ابن الخطاب عتبة على البصرة، قدم معه نافع وأبو بكرة وزياد البصرة بذلك السبب.
стр. 619
وقد روي أن رقيقا من رقيق ثقيف دعاهم أبو بكرة إلى الإسلام، فأسلموا، وبعثوا إلى رسول الله ﷺ يستأمرونه في قتال ثقيف في الحصن، ويعلمونه أنهم قد أسلموا. فقال رسول الله ﷺ لرسولهم: «كم هم»؟ فقال: ثمانون. فقال: «إني أخاف عليهم أن يقتلوا ولكن ليخرجوا إلينا».
فتدلى منهم أربعون رجلا أو أكثر؛ ونذرت ثقيف بالباقين فحبسوهم. فأعتق رسول الله ﷺ الذين نزلوا إليه، فصارت سنة في الرقيق يكون للعدو، فيخرج العبد منهم مسلما أنه يعتق.
وقال الواقدي. كانوا تسعة عشر؛ وكان فيهم الأزرق وكان عبدا روميّا حدّادا. وحدثني بعض آل أبي بكرة تدلى من الحصن على بكرة. فقال له النبي ﷺ : كيف جئت؟ فقال: تدليت ببكرة. فقال: فأنت أبو بكرة. ويقال إنه كان يعرف بالطائف بأبي بكرة، لأنه كانت له بكرة يعلقها ويركبها. وقال ابن الكلبي: كان يكنى أبا بكرة وهو بالطائف.
- قالوا: وولّى عمر ﵁ المغيرة بن شعبة البصرة. فهوي امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصعة، يقال لها أم جميل بنت محجن بن الأفقم، وكانت عند الحجاج بن عتيك الثقفي. فكان أبو بكرة لا يزال يلقى المغيرة خارجا وحده، فيقول له أبو بكرة: أين يريد الأمير؟ فيقول:
أزور بعض من أحبّ. فيقول: إنّ الأمير يزار ولا يزور. وكان أبو بكرة رجلا صالحا، من الذين ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾. (١). فتبع المغيرة ذات يوم، وكان متقنعا بثوبه، فدخل دار أم جميل. ودخل أبو بكرة دارا إلى جانبها، وصعد سطحا فيها مشرفا على الدار، فرآها وقد التزمته ولثمته.
стр. 620
فقال: سيجيء بعد هذا ما هو أعظم منه. فأقبل راجعا، فدعا شبل بن معبد البجلي حليف ثقيف، ونافع بن الحارث أخاه، وزياد بن عبيد.
فأقبلوا أربعتهم حتى أشرفوا على المغيرة وهو فوق أم جميل ينكحها. فجعل أبو بكرة يقول لأصحابه: أثبتم، أثبتم؟ قالوا: نعم. حتى كان فيما رأوا أثرا من الجدري بفخذها. ثم إنّ المغيرة اغتسل وخرج من عندها. فأتاه أبو بكرة، فقال: يا مغيرة اجتنب مصلانا، فإنك نجس. فقال: لا، ولا نعمة عين.
قال: فرحل أبو بكرة حتى أتى المدينة. فلما رآه عمر، قال: اللهم إني أسألك خير ما جاء به، وأعوذ بك من شرّ ما جاء به؛ ما وراءك؟ قال:
أخبرك أن المغيرة بن شعبة زان. فقال عمر: ويحك ما تقول؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، هو زان. فقال: أنت رأيته يزني؟ قال: نعم، ورأى معي نافع بن الحارث، وشبل بن معبد، وزياد بن عبيد مولى ثقيف.
فبعث عمر إلى أبي موسى الأشعري، فولاّه البصرة، ووجّه معه أنس بن مالك وأخاه البراء بن مالك، وعمران بن الحصين أبا نجيد الخزاعي.
وكتب إلى المغيرة في القدوم عليه. وأمر أبا موسى إذا قدم البصرة أن لا يحلّ عقده حتى يشخصه إليه ومن شهد عليه. فسار أبو موسى حتى قدم البصرة، فلم يحل رحاله ثلاثا لوصية عمر، حتى أشخص المغيرة والشهود.
فلما قدموا على عمر، اجتمع الناس. وتقدم أبو بكرة، وأقيم المغيرة. فقال عمر لأبي بكرة: بماذا تشهد يا أبا بكرة؟ فقال: أشهد أني رأيته وذكره يدخل في فرجها كالمرود في المكحلة. فقال عمر: ذهب ربع المغيرة. ثم تقدم نافع بن الحارث بن كلدة، فشهد بمثل ما شهد به أبو
стр. 621
بكرة. فقال عمر: ذهب نصف المغيرة. ثم تقدم شبل بن معبد فشهد كمثل ما شهدا به. فقال عمر: ذهب ثلاثة أرباع المغيرة. ثم تقدم زياد، وكان شابا طريرا جميلا. فلما نظر إليه عمر، قال: والله إني لأرى وجها خليقا أن لا يخزى عليه اليوم رجل من أصحاب محمد؛ إيه، بما تشهد.
قال أشهد أني سمعت نفسا عاليا، ورأيت أمرا قبيحا، فأما ما ذكر هؤلاء فلا. فانتضى المغيرة السيف يريد أبا بكرة وصاحبيه. فقال: عمر: يا أعور أمسك، عليك لعنة الله وكانت عينه ذهبت يوم القادسية. ويقال يوم اليرموك. ثم أمر عمر بالثلاثة الذين شهدوا، فضربوا. ودرئ عن زياد حدّ القاذف، وعن المغيرة حد الزاني. وذلك في سنة سبع عشرة. وقال لهم عمر: توبوا. فتاب نافع وشبل؛ وقال أبو بكرة: والله لا أتوب من الحق؛ أشهد أنه زان. فأراد عمر أن يحدّه ثانية. فقا له علي: لا تفعل، فإنك إن جعلتها شهادة، رجمنا المغيرة لأنه قد تمت عليه أربع شهادات. فلم يجلده عمر. وحلف أبو بكرة أن لا يكلم زيادا أبدا. وكان أبو بكرة رجلا صالحا.
- قالوا: ولما قدم بسر بن أبي أرطاة القرشي، ثم العامري، البصرة وكان معاوية بعثه لقتل من خالفه واستحياء من بايعه أخذ بني زياد، وهم غلمان - عبيد الله، وسلما، وعبد الرحمن، والمغيرة وبه كان يكنى زياد، وحربا - وزياد يومئذ متحصن في قعلة بفارس، تعرف بقلعة زياد، مخالف لمعاوية، وذلك قبل أن يدّعيه معاوية. فقال: والله لأقتلنكم أو ليأتيني زياد أبوكم. ثم صعد المنبر، فذكر عليا بالقبيح وشتمه وتنقصه، ثم قال: أيها الناس أنشدكم بالله، أما صدقت؟ فقال أبو بكرة: إنك تنشد عظيما،
стр. 622
والله (١) ما صدقت ولا بررت. فأمر بأبي بكرة، فضرب حتى غشي عليه.
فأفاق وابنه عبد الرحمن بن أبي بكرة قاعد عند رأسه، فقال له: يا أبة، ألم تعلم أن القوم أعداء الرجل؟ فقال: «يا بنيّ، لعلك تظنّ أن أباك قال هذه المقالة رغبة منه في عليّ؟ والله لأن أكون ذبابا أنتقل على الجيف أحبّ إليّ أن أدخل فيما دخل فيه عليّ، ولكنه قال فيه غير الحق، وسألنا بالله: «أما صدقت؟» فأخبرناه أنه لم يصدق. وأن عليا غير مطعون عليه في بطن ولا فرج ولا نسب ولا سابقة. و والله ما ميتة أحبّ إليّ من ميتة عند كلمة حق تخرج من فيّ». ثم إن بسر بن أرطاة (٢) حبس بني زياد، وكتب إلى أبيهم يعلمه أنه إن لم يقدم صلبهم. فخرج أبو بكرة إلى معاوية، فكلمه في أن يؤمنهم ففعل، وكتب إلى بسر بذلك. فلما أورد أبو بكرة كتابه، أطلقهم بسر. وكان قدوم أبي بكرة على معاوية بالكوفة. فيقال إنه قال له: إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال. فقال: وما ذاك؟ قال: ولد زياد. فأمر عند ذلك بالكتاب في أمرهم.
قالوا: وكان عبد الرحمن بن أبي بكرة يلي ما كان لزياد بالبصرة. فبلغ معاوية أن لزياد أموالا عنده. وكان زياد قد كتب إليه في إحرازها تخوفا من أن يعرض لها معاوية فكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة في أخذ عبد الرحمن بتلك الأموال. وكان يحفظ لزياد تركه الشهادة عليه بالزنا. فغيب عن عبد الرحمن، وقال له: لئن كان أبوك أساءني، لقد أحسن عمك، ولأحفظنّ لك ذلك، وعذر في عذابه، فألقى على وجهه حريرة مبلولة بالماء، فلصقت
стр. 623
بوجهه حتى غشي عليه. ففعل به ذلك مرات، ثم خلى سبيله وكتب إلى معاوية: إني لم أصب عنده شيئا وقد بالغت في عذابه واستقصيت عليه.
- ويروي عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه سمع النبي ﷺ يقول:
«لا تطلب الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن غير طلب أعنت عليها، وإن أعطيتها عن طلب وكلت إليها» (١).
أخبار عبد الرحمن وعبيد الله ابني أبي بكرة
وحدثني ابن مسعود الكوفي، عن عوانة قال:
قيل لعبد الرحمن بن أبي بكرة: ما بلغ من تنعمك؟ قال: «لي ثلاثة خبازين، فليس منهم خباز إلا وهو يأتيني بثردة لا تشبه صاحبتها. ولم أدخل الحمام خاليا قط ولا ممتليا قط؛ ولم تأت عليّ ليلة إلا وفي بطني عسل، وفي رأسي بنفسج، وفي رجلي زنبق.
- قالوا: وأراد زياد الحجّ، فأتاه أبو بكرة وهو لا يكلمه، فدخل عليه وأخذ ابنه وأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع زيادا، فقال: إنّ أباك هذا أحمق، قد فجر في الإسلام ثلاث فجرات، أما أولتهن فكتمانه الشهادة عن المغيرة، وقد يعلم الله أنه رأى ما رأينا؛ وأما الثانية فانتفاؤه من عبيد وادّعاؤه إلى أبي سفيان، وأقسم قسما صدقا أن أبا سفيان لم ير سمية قط في ليل ولا نهار؛ وأما الثالثة فإنه يريد الحج وأم حبيبة زوج رسول الله ﷺ هناك وقد ادّعى أنها أخته فإن أذنت له كما تأذن الأخت لأخيها فأعظم بها مصيبة على رسول الله ﷺ ، وإن هي حجبته وتسترت منه أعظم بها حجة عليه، ثم
стр. 624
ولى أبو بكرة خارجا. فقال زياد: ما تترك النصيحة لأخيك على حال.
وترك الحج في تلك السنة.
- حدثني شيبان بن فروخ الأبلي، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا الحسن قال:
انطلقت أنا وأنس بن مالك إلى أبي بكرة نعوده، وكان به عرق النساء، فقال له أنس: «يا أبا بكرة، فيم تجد على أخيك زياد؟ فإن كنت تجد عليه في شأن الدنيا، فإنه يقول: قد استعملت ابنه على الديوان، واستعملت ابنه الآخر على كذا، واستعملت ابنه الآخر على مدينة الرزق، وما أبالي أوليّت رجلا مدينة الرزق أم فتحت له بيت مالي وقلت: خذ ما شئت. وإن كنت تجد عليه في أمر الآخرة، فإنه والله مجتهد». فقال أبو بكرة: والله إنه لمجتهد؟ قال أنس: والله إنه لمجتهد. قال أبو بكرة:
الحرورية أيضا يزعمون أنهم قد اجتهدوا، قال أبو هلال: وكان عبد الرحمن على بيوت الأموال، وعبيد الله على سجستان.
حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، ثنا حماد بن سلمة، عن عوف، عن أبي عثمان:
أنه قيل لأبي بكرة: إن الناس يزعمون أنك تجد على معاوية وزياد في أمر الدنيا. فقال أبو بكرة: «وأية دنيا أعظم من استعماله عبيد الله بن أبي بكرة على سجستان وأمور النيران، واستعماله عبد الرحمن على كذا.
لا والله، ولكن القوم كفروا صراحية».
وقال أبو يحيى عبد الأعلى بن حماد، قال أبو سلمة حماد بن سلمة:
ولّى زياد عبيد الله بن أبي بكرة إطفاء النيران، وهدم بيوتها، وأخذ
стр. 625
ما جمع فيها من الهدايا التي كان المجوس يتقربون بها، والأموال المعدة لنفقاتها. فصار إليه، فيما يقولون، أربعون ألف ألف درهم. فما أتى عليه الحول حتى أنفقها، وادان (١).
- حدثني أبو الحسن المدائني، قال:
كان أبو بكرة يقول: من أحبّ البقاء فليوطن نفسه على المصائب.
وكان يؤمّ الناس في شهر رمضان.
قال: وكان عبد الرحمن قد أسنّ وشارف التسعين. وكان يقول: إن الجلوس في البيت مهرمة ويخرج في كل يوم إلى المربد، فخرج يوما يريد المربد، فلما صار ببعض الطريق إذا هو بفتى على فرس يمرح. فقال لعبد الرحمن، وهو هازئ به: يا شيخ إنك لطويل العمر، أفلا تعقب؟ فقال له عبد الرحمن: يا بن أخي لا تقل هذا لعمك، فلربّ شابّ كان أشد مرحا منك قد طبقت باللبن على استه، فما مضى الفتى بعيدا حتى نفر به فرسه فسقط عنه واندقت عنقه، ولم يصل عبد الرحمن إلى منزله حتى بلغه خبر الفتى، فحضر جنازته. وكان يقول: موت الولد يصدع القلب، وموت الأخ قاصمة الظهر.
- وكان زياد حين شخص من فارس، قدم عبد الرحمن أبي بكرة فأتى الكوفة، ثم صار منها إلى الشأم، فعرّف معاوية خبر زياد. وكان جزلا.
- وقال أبو اليقظان: كان عبد الرحمن أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة. وكان له قدر، وفضل، وكرم، وتنعم. وكان عليّ ﵇ ولاّه بيت المال. وولاّه زياد أيضا بيت المال. وفيه يقول أبو الأسود الدولي، وكان
стр. 626
عبد الرحمن يكنى أبا بحر:
أبو بحر أعم الناس فضلا … علينا بعد حيّ أبي المغيرة
لعمرك ما نهضت بنفس سوء … بها وهنّ ولا همم قصيره (١)
وقال أبو اليقظان: بنى أبو الأسود دارا. فكتب إلى عبد الرحمن يطلب منه جذعا لدار:
ألا أبلغ أبا بحر خليلي … فنعم أخو المودّة ذا الخليل
بأن قد تم بعدكم بنائي … وضن عليّ بالمعروف قيل
فهب لي من جذوعكم جذوعا … وأكثر ليس خيركم الغليل (٢)
فبعث إليه بما طلب. ومات عبد الرحمن بالبصرة.
- قالوا: وقدم عبيد الله بن أبي بكرة على زياد قبل مرضه الذي مات فيه بيوم أو يومين. فأمر زياد سليما مولاه بمحاسبته والاستقصاء عليه، وقال:
إنه مسرف متلف. وكان جوادا. وقال له: يا سليم لا تقولن: «ابن أخي الأمير»؛ فإنك إن أصبحت ولم تعرفني خبره فيما جرى على يده، لقيت مني ما تكره. فدعا سليم بالسرج والكتاب، وأحضر عبيد الله وعماله. فبينا سليم في ذلك، إذ جاءه رسول زياد، وإذا هو شديد العلة. فشغلوا عنه. ومات زياد بالكوفة، وهو أميرها وأمير البصرة، وعامله على البصرة سمرة بن جندب. أصابته حمة شديدة، ثم أصبح وإصبعه تضرب عليه من عرفة (٣) عرضت له فيها. وذلك في سنة ثلاث وخمسين. وصلى على زياد: عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وولي الكوفة بعده لأنه أوصى بذلك؛
стр. 627
فكان عليها حتى ولى عبيد الله بن زياد.
- حدثني أبو محمد التوزي، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء قال:
وقفت امرأة من الأعراب على عبيد الله بن أبي بكرة، وهو أحد أجواد العرب المذكورين، فقالت: «إني أقبلت من أرض شاسعة، ترفعني رافعة وتخفضني خافضة، لملحات من البلاء، برين جسمي، وهضمن عظمي، وتركنني ولهى أمشى بالحضيض، وقد ضاق بي البلد العريض، مع كثرة من الولد، لا سبد لهم ولا لبد. فسألت في أحياء العرب: من المرء المرجو خيره، المحمود نيله، الكريمة شمائله؟ فدللت عليك. وأنا امرأة من هوازن. فافعل بي واحدة من ثلاث: إما أن تردّني إلى بلدي، أو تقيم أودي، أو تحسن صفدي». قال: بل أجمعهن لك. ففعل.
- وحدثني محمد بن عثمان مولى الكريزيين، حدثني أبي:
أن عبيد الله [بن عمر] بن عبيد الله بن معمر التيمي، من قريش، دخل على عبيد الله بن أبي بكرة وهو في دار قد ابتناها في سكة سمرة بالبصرة، وأنفق عليها عشرة آلاف دينار، فاستحسنها عبيد [الله بن عمر].
فقال له ابن أبي بكرة: هي لك بجميع ما فيها من الفرش والآلة والرقيق.
فقال: بل يمتعك الله بها ويعمرها بك. فحلف عليه ليقبلنها، وخرج عنها.
فهي اليوم تعرف بدار المعمريين.
- وحدثت أن عمرو بن أبي سيارة المزني كان يصّلى في بيته في ولاية ابن أبي بكرة، فسمع خشفة في البيت، فقام عند الباب. فخرج عليه رجل كالجمل المحجوم، فضرب بالباب في وجهه، وضربه عمرو بالسيف وأخذه
стр. 628
مواليه وعبيده فرفعوه إلى ابن أبي بكرة. فسأله عن الخبر. فقال: أنا رجل قصاب، لقيني عمرو وضربني، وذكر أني لص. فدعا ابن أبي بكرة عمرا، فسأله عن قصة الرجل. فأخبره فقطع يده.
- وحدثني أبو الحسن المدائني، عن مسلمة قال:
لما ولي سعيد بن عثمان بن عفان خراسان من قبل معاوية، أتى المدينة ليصلح من شأنه، فلقي عبيد الله بن أبي بكرة بها وهو يريد الحج. فأتاه فعرض عليه ما عنده. فقال: إنّ أحبّ مالي إلي ما أعنت به مثلك ورفدته به، فكتب له كتابا إلى سليم الناصح مولاه، يأمره فيه أن يدفع إليه عشرين ألفا، وعشرين بغلا، وعشرين برذونا، وعشرين بعيرا، وكسوة، وآلة عدّدها. فلما قدم سعيد البصرة، قال: لا أرى ابن أبي بكرة إلا قد غرنا، فقيل له:
لا عليك؛ أوصل كتابه. فلما أوصل الكتاب إلى سليم، وقرأه، أحضر جميع ما كتب به إليه عبيد الله، فدفعه إليه. ثم قال: هل لك من حاجة أخرى؟ فقال سعيد: أو لو كانت لي حاجة أخرى غير ما كتب به صاحبك، فأكنت (١) قاضيها لي؟ قال: أما مثل ما أعطاك، فإني كنت أعطيك إياه من مالي. وقال سعيد:
لا تخفرن صحيفة مختومة … وانظر بما فيها فكاك الخاتم
إن الغيوب عليكم محجوبة … ألا تظنى جاهل أو عالم
قال: وسليم هذا صاحب «أصفر سليم»، وكان دواء يتخذه للأجر.
- وحدثني المدائني، عن شيخ من ثقيف، عن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة قال:
стр. 629
استخلف عبيد الله بن أبي بكرة على سجستان، حين وقد على زياد مع رتبيل وابن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي. فلما رجع إلى سجستان، أمر له بما في بيت مالها.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ، وأبو الحسن المدائني، عن مسلمة بن محارب قال:
خرج عمر بن عبيد الله بن معمر زائرا لابن أبي بكرة إلى سجستان، فأقام أشهرا لا يصله. فقال له عمر: إني قد اشتقت إلى بلدي وأهلي. فقال عبيد الله: سوءة من أبي حفص، أغفلناه؛ كم في بيت المال؟ قالوا: ألف ألف وسبع مائة ألف. قال: احملوها إليه. فحملت إليه.
حدثني المدائني، عن مسلمة وخلاد بن عبيدة، قالا:
أقبل عبيد الله بن أبي بكرة من بعض النواحي، فعطش. فلما كان بالخريبة من البصرة، استسقى من منزل امرأة. فأخرجت كوزا أو قدحا، وقامت خلف الباب وقالت: ليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب ماتت خادمي منذ أيام. فأخذ الغلمان الكوز، فشرب وقال لغلامه: احمل إليها عشرة آلاف درهم، قالت: يا سبحان الله، أتسخر منا؟ فقال: أحمل إليها عشرين ألف درهم. فقالت: أسأل الله العافية. فقال: يا أمة الله، كأنك لا ترينا أهلا أن تقبلي منا صلتنا؛ أحمل إليها ثلاثين ألف درهم.
فأغلقت الباب، وقالت: أف لكم. فحمل إليها غلامه ثلاثين ألف درهم، فلم تمس حتى كثر خطابها.
- المدائني، عن خلاد بن عبيدة، عن هشام بن حسان قال:
مرض رجل من بني قطيعة، وأصابته ريح فتشنج عصبه. فقال له
стр. 630
الأطباء: اجلس في لبن الجواميس، فقال: وأنى لي من لبن الجواميس بما أجلس فيه؟ فقيل له: التمس ذلك من عبيد الله بن أبي بكرة، فحمل على السرير حتى وضع على بابه ومعه رجال من قومه، وجاء عبيد الله، فقال:
ما حاجتكم؟ فأخبروه. فقال لوكيله: كم لنا بالطف من الجواميس؟ قال: ثماني مائة. قال: اصرفها إلى هذا الرجل، فقال: يا أبا حاتم، لست أحتاج إليها، إنما أريدها عارية. فقال: نحن لا نعير الجواميس. فصرفت إليه بما فيها من الإناث والذكور.
المدائني، عن مسلمة، عن بشر بن عبد الله قال:
أعطى عبيد الله بن أبي بكرة، عمر بن عبيد الله بن معمر سبع مائة جريب، فمرض سويد بن منجوف، فعاده عبيد الله فقال: كيف تجدك؟ قال: صالحا إن شئت، قال: قد شئت؛ فماذا تريد؟ قال: أعطني كما أعطيت ابن معمر، وليس بي بأس. قال ذلك لك. قال مسلمة: فأقطعه خمس مائة جريب، فهي تسمى سويدان. وقال خلاد بن عبيدة: سبع مائة جريب:
ثلاث مائة بالغوثية، وأربع مائة بالمسيرقان ناحية نهر معقل (١).
حدثني المدائني، عن مسلمة، عن أبيه قال:
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: لا تستعمل عبيد الله بن أبي بكرة على الخراج والجباية، فانه أريحي. وقال سحيم بن حفص: ضمن ابن أبي بكرة عن عمر بن عبيد الله بن معمر ستة آلاف ألف درهم. فحلف عمر ألا يراه راكبا إلا نزل، ولا جالسا إلا قام له.
حدثني المدائني، عن عامر، عن أشياخه.
стр. 631
أن عبيد الله بن أبي بكرة أعطى أنس بن مالك، وعمران بن الفضيل البرجمي، وعبيد الله بن زياد بن ظبيان ثلاث مائة ألف درهم: لكل امرئ مائة ألف درهم. فقال أنس: سوّاني بهذين الأعرابيين؛ وغضب. وغضب عمران وقال: سوّاني بهذين.
- حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي قال:
بلغني أن المنذر بن الجارود العبدي سأل عبيد الله بن أبي بكرة أن يتغدى عنده، ففعل، فلما انصرف، بعث إليه بثمانين ألف درهم. ثم دعاه، فتغدى عنده مرة أخرى، فبعث إليه بأربعين ألفا. ثم دعاه، فتغدى عنده، فقال: يا أبا حاتم، نقصتنا؟ فقال له: لو كان عندي ما كان يكون، لم أقصر عما يجب لمثلك، وسيأتيك ما يمكن. فبعث إليه بأربعين ألف درهم.
- حدثني التوزي، عن الأصمعي، عن أبي عمرو قال:
ولى خالد بن عبد الله بن خالد، عبيد الله بن أبي بكرة قضاء البصرة، وولى زياد بن عمرو العتكي الشرطة. فقال ابن أبي بكرة: لو تقدم إليّ شاهد على حقّ، وله بنون قد بلغوا لم يعلمهم السباحة، لأسقطت شهادته وعلمت أنه مضيع قليل الحزم والتيقظ. قال: ولما ولى عبد الملك خالدا البصرة، قدم إليها عبيد الله بن أبي بكرة خليفة. فقال له حمران بن أبان: قد جئت، لا جئت. وكان حمران حين قتل مصعب قد وثب فضبط البصرة. فكان ابن أبي بكرة على البصرة حتى قدم خالد، فوّلاه القضاء.
وحدثني المدائني، عن سحيم بن حفص قال:
ضرب عبيد الله بن أبي بكرة ملاّحا وجده لا يحسن السباحة. وذلك حين توجه يريد سجستان. ونظر إلى أكار له لا يحسن السباحة، فأخرجه عن أرضه.
стр. 632
-وحدثني المدائني، عن خلاد بن عبيدة قال:
عشق ابن مفرّغ الحميري امرأة بالأهواز، فكان يدّان وينفق عليها، فأخذه غرماؤه غير مرّة. فقال له عبيد الله بن زياد: لئن أعادوك إليّ بعتك لهم. فعاد غرماؤه إلى تقديمه، فقال ابن زياد: بيعوه. فقال لهم أبوه:
والله ما له ثمن؛ ولكنا نسأل الناس. فأقعدوه على الطريق. فجعل الرجل. يمرّ به فيضمن عنه الألف والألفين، حتى مر به عبيد الله بن أبي بكرة فقال: كم عليك؟ قال: ثمانون ألفا. قال: هي عليّ؛ وأدّن بعدها في مالي ما شئت. فقال ابن مفرّغ.
لو شئت لم تشق ولم تبغ … عشت بأسباب أبي حاتم
عشت بأسباب الجواد الذي … لا يختم الأموال بالخاتم
ما دون معروفك قفل ولا … أنت لمن يرجوك بالحارم
الواهب الجرد بأرسانها … والحامل الثقل عن الغارم
والمطعم الناس إذا حادرت … ريح الصبا في الزمن العارم
والطاعن الطعنة يوم الوغى … يوقظ منها سنة النائم (١)
وحدثني أبو علي الحرمازي، عن أبي محمد القرشي، عن لبطة بن الفرزدق قال:
أتى أبي عبيد الله بن أبي بكرة، وعليه دين، فقضاه عنه، ووهب له عشرة آلاف درهم ومائة من الإبل. فقال فيه:
أبا حاتم ما حاتم في زمانه … ولا النيل يرمي بالسفين غواربه
стр. 633
بأجود عند المحل منك ولا الذي … علا بعباب سور عانة ثائبه
يداك يد تعطي الجزيل تبرّعا … ومهلكة يشقى بها من تحاربه
فلو عدّ ما أعطيت من ألف قينة … وأجرد خنذيذ (١) طويل ذوائبه
ليعلم ما أحصاه فيمن أشعته … جميعا إلى يوم القيامة حاسبه
تداركني من خالد بعد ما التقت … على جثتي أنيابه ومخالبه (٢)
- وحدثني التوزى، عن القحذمي قال:
كان عبيد الله بن زياد أول مولود ولد بالبصرة. فنحر أبو بكرة جزورا أطعمها المسلمين. قالوا: وحمل عبيد الله بن أبي بكرة بسجستان في يوم واحد على ألف قارح.
في الحمام
- قالوا: واتخذ مسلم بن أبي بكرة حماما، ولم يكن بالبصرة غيره.
فكان يستغله في كل جمعة ألف درهم وكرّي حنطة. فقال له أبوه: يا بنيّ نفقتك شبيه بنفقة أخويك، ولست في شيء من أمر السلطان، فما هذا؟ فأخبره خبر حمّامه. ثم إنّ سياه الأسواري، والمنجاب صاحب حمام منجاب، وريطة امرأة زياد سألوا أن يبتنوا حمامات، فأجيبوا إلى ذلك.
- وحدثني المدائني، عن مسلمة وخلاد بن عبيدة، قالا:
تذاكر قوم من وجوه أهل البصرة الجدا، الباردة والحارّة أيهما أطيب؟ وعبيد الله بن أبي بكرة حاضر، فسئل عن ذلك، فلم يدر ونظر فإذا هو قد اشتري له في سنة واحدة من الجدا بثمانين ألف درهم. فقال سويد بن منجوف: الكريم غرّ.
стр. 634
-وقال الواقدي: نفيع أبو بكرة مولى النبي ﷺ ، وكان رجلا صالحا ورعا. وولده يقولون: نفيع بن الحارث الثقفي. وكان أبو بكرة ينكر ذلك وقال لابنته، حين حضرته الوفاة، إندبيني - ابن مسروح الحبشي - ومات في ولاية زياد البصرة، وكان أخا لأمه سمية.
- المدائني عن خلاد بن عبيدة، عن عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال:
كتب أبو بكرة إلى عبيد الله ابنه وهو على سجستان: لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «لا يحكمن حاكم بين اثنين وهو غضبان».
- حدثني المدائني، عن خلاد بن عبيدة قال:
لما قدم سلم بن زياد خراسان، وافق عمر بن عبيد الله بن معمر أميرا على البصرة من قبل عبد الله بن الزبير. فأتاه فأقعده معه. ثم استأذن عليه عبيد الله بن أبي بكرة، فقام إليه فحمله على دابته حتى أدخله فأجلسه معه. فغضب من ذلك سلم، فقال له عمر بن عبيد الله قدمت عليك خراسان فاستعملتني على كويرة ثم عزلتني عزلا قبيحا، وأتيت هذا بسجستان فاستخلفني عليها ثم أمر لي بما في بيت مالها.
- وأم عبيد الله وعبد الرحمن ابني أبي بكرة هولة، من ولد الحرّ العجلي.
- وقال زياد لخاصته من أهله: من أحبّ منكم الإذن مع العامة، أحسنت إذنه ولم يقربني في خاصتي، ومن أحبّ أذنت له في خاصتي ولم يقربني في العامة إلا لأمر يحدث. فاختار ابن أبي بكرة إذن العامة.
стр. 635
-وحدثني المدائني قال:
بعث الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة إلى عبد الملك يسأله أن يوليه خراسان وسجستان. فقال عبد الملك لعبيد الله: إن شئت جمعتهما لك.
فقال: لا حاجة لي فيهما، لأني لا أخون رجلا بعثني في حاجته. فقال:
ما كنت لأعزل أمية للحجاج ثم إنه ولى الحجاج خراسان وسجستان، فولى المهلب سجستان وولى ابن أبي بكرة خراسان. فغم ذلك المهلب. فلقي عبد الرحمن بن عبيد بن طارق السعدي، وكان على شرط الحجاج، فقال:
إن عبيد الله بن أبي بكرة أعلم بسجستان قد وليها، وأنا أعلم بخراسان كنت بها مع الحكم بن عمرو الغفاري وغيره. فقال له: عليك بزذان فروخ بن بيرى فكلمه ليعينني. فتكلم عبد الرحمن بن عبيد، وأعانه زذان فروخ، فنقل المهلب إلى خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان.
قال أبو الحسن المدائني: وسئل شيخ من أهل سجستان عن عمالهم، فقيل له: من كان أعظمهم في أعينكم، وأجلهم في صدوركم؟ فقال: عبد الرحمن بن سمرة، ثم عبيد الله بن أبي بكرة كان أحسنهم سياسة. وكان عباد بن زياد أضبطهم. وكان طلحة أسخاهم، ثم جاء ابن أبي بكرة فوهن وخار وأهلك جنده. وكان سلك مضيقا. فأخذ عليه فهلك جنده.
- قالوا: ومات عبيد الله ببشت (١) كمدا لما أصابه ونال العدوّ منه.
ويقال: اشتكى أذنه وكان موته منها في سنة ثمانين. قال مجاهد المنقرى يرثي عبيد الله بن أبي بكرة:
إنّ الجواد إذا الرياح تناوحت … بالريح أصبح ما يثمر مالا