← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الله تعالى عنه، أنه قال: سامة حق؛ أما العقب فليس له. قال هشام: وأما من ثبت العقب لسامة، فإنهم يقولون: كان له بمكة ابن يقال له الحارث، وأمه هند بنت تيم الأدرم بن غالب. فماتت هند. فحمل الحارث معه إلى عمان. وتزوج سامة ناجية بعمان، أو بسيف من أسياف البحر، فولدت له غالب بن سامة. فهلك وهو ابن اثنتي عشرة سنة (١). وخلف الحارث على ناجية نكاح مقت، فعقب سامة منه. وقوم يقولون: كان لناجية ولد من غير سامة، وكان سامة متبنيا له. فنسب إليه. فالعقب لذلك الولد. وقال بعضهم: إنّ سامة شرب مع أخيه كعب. فرأى كعبا قد قبل امرأته. فأنف من ذلك، فهرب إلى عمان. فقال الشاعر في ذلك، وهو المسيّب بن علس: وقد كان سامة في قومه … له أكل وله مشرب فساموه خسفا فلم يرضهم … وفي الأرض من خسفهم مهرب ومن قال إنه تزوج ناجية بنت جرم بتهامة، فقد غلط. - فولد كعب بن لؤي - ويكنى أبا هصيص - مرّة بن كعب، وهصيص وأمهما مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، وعدي بن كعب وأمه رقاش بنت ركبة بن بلبلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. - فولد مرّة بن كعب - ويكنى أبا يقظة - كلاب بن مرّة، وأمه هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ويقظة بن مرة، وتيم بن مرة، وأمهما أسماء بنت سعد بن عدي بن حارثة، من بارق من الأزد.

стр. 72

وقال غير الكلبي: اسم أم كلاب: نعم بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك. وقول الكلبي أثبت. - فولد كلاب بن مرة - ويكنى أبا زهرة - زيد بن كلاب وهو قصيّ، وزهرة بن كلاب، وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل - وهو خير - بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، من الأزد. وبعضهم يقول حماله، بالكسر. وقال هشام: يزعم بنو عبد الرحمن بن عوف أن اسم زهرة «المغيرة»، وأن كلابا كان يكنى أبا المغيرة. وكان يقال «صريحا قريش ابنا كلاب». وزعم هشام والشرقي أن عامر بن عمرو بن جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن الأزد، بنى جدارا للكعبة وهى من سيل أتى في أيام ولاية جرهم البيت، فسمي الجادر. قال هشام: وذكر الشرقي بن القطامي أن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة، ويأخذون من طيبها وحجارتها تبركا بذلك؛ وأنّ عامرا هذا كان موكلا بإصلاح ماشعث من جدرها، فسمى الجادر. قالوا: وكان سعد بن سيل وقومه مع بني كنانة. وفي سعد يقول الشاعر: ما أرى في الناس طرا رجلا … حضر البأس كسعد بن سيل فارس اضطر فيه عسرة … وإذا ما وافق القرن نزل وتراه يطرد الخيل كما … يطرد الحر القطاميّ الحجل وكان سعد بن سيل، فيما يقال، أول من حلّى السيوف بالفضة والذهب. وكان أهدى إلى كلاب مع ابنته فاطمة سيفين محليين. فجعلا في خزانة الكعبة. وقال قصيّ:

стр. 73

أنا الذي أعان فعلي حسبي … وخندف أمي وإلياس أبي - قالوا: وإنما سمى زيد بن كلاب «قصيا» لأن ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة قدم مكة حاجا فأقام بها، فلما مات كلاب بن مرة، خلف على امرأته فاطمة بنت سعد بن سيل. وكانت قد ولدت لكلاب: زهرة وزيدا؛ وكان زيد حين مات أبوه صبيا صغيرا، ثم إن ربيعة خرج إلى بلاد قومه، وحمل فاطمة وزيدا ابنها معه. وتخلف زهرة بمكة. فسمي زيد قصيا لبعده من دار قومه، وأنه أقصي عنهم. وولدت فاطمة لربيعة بن حرام: رزاح بن ربيعة، وحنّ بن ربيعة. فهما أخوا قصي لأمه. ويقال إنّ أخا قصيّ لأمه منهما رزاح بن ربيعة؛ وإنّ حن بن ربيعة من امرأة سوى فاطمة. وإنّ قصيا خرج من بلاد عذرة حتى أتى مكة. - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما بلغ قصي، جهزته أمه وزينته، فخرج مع حجاج عذرة، حتى أتى مكة. فعرفت له قريش قدره وفضله، وأعظمته حتى أقرت له بالرئاسة والسؤدد. وكان أبعدها رأيا، وأصدقها لهجة، وأوسعها بذلا، وأبينها عفافا. وكان أول مال أصابه مال رجل قدم مكة بأدم كثير، فباعه. وحضرته الوفاة، ولا وارث له، فوهبه له، ودفعه إليه. وكانت خزاعة مستولية على الأبطح والبيت، وكانت قريش تحلّ الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها. فخطب قصي إلى حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة - وهو لحيّ - ابنته حبّى بنت حليل. فزوجه إياها. وكان حليل يتولى أمر البيت، ويتقلد رئاسة خزاعة

стр. 74

يومئذ. فلما كبر وضعف، دفع مفاتيح الكعبة إلى ابنته حبى. فكانت تأمر قصيا بفتحها مرة، وتأمر أخاها المخترش - وهو أبو غبشان بن حليل - بذلك أخرى. ثم مات حليل، وصارت الرئاسة إلى ابنه المخترش. فسأل قصي أن يجعل سدانة البيت إليه، ففعل. قال هشام: ويقال إنّ حليل بن حبشية أوصى لقصي بسدانة البيت إكراما لابنته بذلك. ويقال إنّ قصيا سأل المخترش أن يجعل إليه السدانة، وبذل له ناقة كانت له ناجية؛ وزاده زق خمر. فصيرها إليه. وأنّ المخترش كان مضعوفا. - قالوا: ولما أخذ قصي مفاتيح الكعبة إليه، أنكرت خزاعة ذلك، وكثر كلامها فيه، وأجمعوا على محاربة قصي وقريش، وطردهم من مكة وما والاها. فبادر قصي باستصراخ رزاح بن ربيعة وأخيه حنّ بن ربيعة، وكان رزاح سيد قضاعة وقائدها، فسار إليه منجدا له في الدهم منها، ومعه أخوه حنّ. فقاتل قصي خزاعة وألفافها من كنانة ومن ولد الربيط (١) وهو الغوث بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. فلما ظهر قصي على خزاعة، أخرجها من مكة وأدخلها قريشا وقسمها رباعا بينهم، وتولى أمر البيت. وقد كان أبقى على خزاعة بعض الإبقاء للصهر بينه وبينهم. فلما خرجوا عن مكة، وقع فيهم الوباء فمات بشر منهم. وسمى قصي مجمعا لجمعه قريشا وقيامه بأمرهم. - ويقال إن قصيا لم يحتج إلى محاربة خزاعة، لأن رزاحا لما ورد مكة،

стр. 75

أذعنت لقصي وهابت حربه، وخرجت عن مكة، فدخلها. قال حذافة بن غانم بن عامر القرشي ثم العدوي: أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعا … به جمع الله القبائل من فهر وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم … به زيدت البطحاء فخرا على فخر وقال رزاح حين أنجد قصيا: وإني في الحياة أخو قصيّ … إذا ما نابه ضيم أبيت فما لبثت خزاعة أن أقرّت … له بالذّل لما أن أتيت - وحدثني علي بن المغيرة الأثرم، عن معمر بن المثنى أبي عبيدة، قال: كان الذي أخذ قصي البيت منه أبو غبشان، واسمه سليم بن عمرو بن بويّ بن ملكان. والأول أصح وأثبت. قال أبو عبيدة: قال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان، وقال الشاعر: أبو غبشان أظلم من قصيّ … وأظلم من بني فهر خزاعه فلا تلحوا (١) … قصيا في شراه ولوموا شيخكم إذ كان باعه (٢) - وحدثني رجل من قريش أن إيادا ملكت تهامة. ثم إنّ ولد مضر وخزاعة قويت عليها، فأخرجتها. فدفنت إياد الركن. وعرفت موضعه امرأة من خزاعة، فقالت لقومها: خذوا عليهم العهد أن يولوكم حجابة البيت على أن تدلوّهم على الركن .. ففعلوا. فبهذا السبب وليت خزاعة الحجابة.

стр. 76

-وحدثني عباس بن هشام عن أبيه، عن ابن خربوذ وغيره، قالوا: كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر (١) حفرها لؤيّ بن غالب خارج مكة، ومن حياض ومصانع على رؤوس الجبال، ومن بئر حفرها مرّة بن كعب ممايلي عرفة. فحفر قصي بئرا سماها العجول. وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة. وفيها يقول بعض رجاز الحاج: تروى على العجول ثم تنطلق … إنّ قصيا قد وفى وقد صدق بالشبع للناس وريّ مغتبق وقال آخر: آب الحجيج طاعمين دسما … أشبعهم زيد قصي لحما ولبنا محضا وخبزا هشما وكان قصي ربما أطعم الثريد. - وقال ابن الكلبي: لما قسم قصي مكة، أنزل جميع قريش مكة. ثم إنّ بني كعب بن لؤي لما كثروا، أخرجوا بطونا من قريش إلى ظواهر مكة، فسموا قريش الظواهر. ويقال إنّ قصيا أنزل قريش البطاح داخل مكة، وأنزل قريش الظواهر مكانهم. - قالوا: ولما قسم قصى مكة خططا ورباعا بين قريش، فاتسقت له طاعتهم، قال لهم: «يا معشر قريش، إنكم جيران الله وسكان حرمه، والحاج أضياف الله وزوّار بيته؛ فترافدوا، حتى تصنعوا لهم طعاما وشرابا في أيام الحج، ينال منه من يحتاج إليه؛ فلو اتسع مالي لجميع ذلك، لقمت به دونكم». ففرض عليهم خرجا للرفادة. فكانوا يخرجونه، ويأمر بإنفاقه على طعام الحاج وشرابهم.

стр. 77

-وبنى قصى داره، فسميت دار المندوة، لأنهم كانوا ينتدون فيها فيتحدثون ويتشاورون في حروبهم وأمورهم، ويعقدون الألوية، ويزوّجون من أراد التزويج. وكان أمر قصي عند قريش دينا يعملون به ولا يخالفونه. ولما مات، دفن بالحجون. فكانوا يزورون قبره ويعظمونه. - وروي أن قصيا قال حين أراد إدخال قريش مكة: فلست بحازم إن لم تأثّل … بها أولاد قيذر والنبيت يعني ولد إسماعيل ﵇. وقوله «بها»، يعني مكة. - وولد قصي - ويكنى أبا المغيرة - عبد مناف، واسمه المغيرة، وكان يدعى «القمر» لجماله. وجعلته أمه حبّى بنت حليل خادما لمناف، وهو أعظم أصنامهم عندهم، تدينا بذلك وتبركا به. فسماه أبوه «عبد مناف». وزعموا أنه وجد كتاب في حجر: «أنّ المغيرة بن قصي أوصى قريشا بتقوى الله وصلة الرحم». وكان عبد مناف وعمرو بن هلال بن معيط الكناني عقدا حلف الأحابيش. والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، وبنو الهون بن خزيمة. وكانوا مع قريش. فقال الشاعر: إنّ عمرا وإنّ عبد مناف … جعلا الحلف بيننا أسبابا وعبد الله بن قصي، وهو عبد الدار؛ وعبد العزى، وعبد قصي. وأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول الخزاعى. فكان قصي يقول: ولد لي أربعة بنين، فسميت ابنين منهم بإلهي، وواحدا بداري، وواحد بي. وكان يقال لعبد بن قصي عبد قصي. وهند بنت قصي، تزوجها عبد الله بن عمار الحضرمي. - وكان قصي شديد الحب لعبد الدار. وكان عبد الدار مضعوفا.

стр. 78

فجعل له بعده دار الندوة، والحجابة، واللواء، والرفادة، والسقاية. فأما دار الندوة فلم تزل له ولولده، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، من معاوية بن أبي سفيان، فجعلها دارا للإمارة بمكة. وأما الحجابة، فكانت له، ثم صارت بعده إلى عثمان بن عبد الدار، ثم إلى عبد العزى بن عثمان، ثم إلى ابنه أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى، ثم إلى طلحة بن أبي طلحة. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، أراد دفع المفتاح إلى عمه العباس. فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ الآية (١). فدفع المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وكان أسلم في صفر سنة ثمان، وأقام بالمدينة وغزا مع النبي ﷺ مكة. ثم قام بالحجابة ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. فالحجابة فيهم. وأما اللواء، فإنه لم يزل في بني عبد الدار حتى كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار؛ وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب الخير بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. وكان لواء المشركين يوم أحد أيضا مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب ﵇؛ فقال الحجّاج بن علاط: لله درّ مذبّب عن حرمة … أعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك لهم بعاجل طعنة … تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة بازل فكشفتهم … بالسيف إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن … لتردّه حرّان حتى ينهلا

стр. 79

ثم أخذ اللواء بعده أبو سعد بن أبي طلحة، وقمن النساء خلفه وهن يقلن: ضربا بني عبد الدار … ضربا حماة الأدبار فقتله سعد بن أبي وقاص. ثم أخذه عثمان بن أبي طلحة، وهو أبو «شيبة بن عثمان»، وجعل يقول: إنّ على كل رئيس حقا … أن يخضب الصعدة أو تندّقا فقتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ضربه ضربة بدا منها حقوه. ثم رجع وهو يقول: «أنا ابن ساقي الحجيج». ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، ثم أخذه أخوه الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة. فرماه عاصم بن ثابت الأوسي أيضا، فقتله. فلما أحس بالموت، دفع اللواء إلى أخيه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه قزمان حليف بني ظفر من الأنصار فقتله. فأخذه الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله قزمان أيضا. وكان قزمان منافقا، فقاتل حمية. ثم أخذه شرحبيل بن هاشم، ويقال هو عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فقتله مصعب بن عمير. فأخذ اللواء منه زرارة بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار؛ وبعضهم يقول يزيد بن عمير. فقتله قزمان. ثم أخذه قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار؛ ويقال قاسط بن شريح بن هاشم بن عثمان بن عبد الدار. فقتله قزمان. ثم أخذه مولى لهم، يقال له صؤاب، حبشي. فقطعت يمينه، قطعها قزمان. فأخذه بيساره، فقطعت. فالتزم القناة وهو يقول: «أعذرت يا بني عبد الدار». يريد أعذرت يا بني عبد الدار، وكان أعجميا. فرماه قزمان، فقتله. ووقع اللواء، وتفرق المشركون. فأخذته

стр. 80

عمرة بنت الحارث بن علقمة بن زرارة بن عبد مناف بن عبد الدار. فقال فيه حسان بن ثابت الأنصاري: عمرة تحمل اللواء وولّت … عن صدور القنا بنو مخزوم لم تطق حمله الزعانف منهم … إنما يحمل اللواء الكريم (١) فلما أسلم بنو عبد الدار، قالوا: يا نبي الله، اللواء إلينا. فقال ﷺ : الإسلام أوسع من ذلك. فبطل اللواء. ولما قتل مصعب بن عمير، ومعه لواء رسول الله ﷺ ، أخذ اللواء مالك، تشبه بمصعب حتى دخل المدينة. ويقال أخذه أبو الروم أخوه، وكان من مهاجرة الحبشة، فدخل به المدينة. وقال حسان بن ثابت: فخرتم باللواء وشرّ فخر … لواء الكفر ردّ إلى صؤاب جعلتم فخركم جهلا وجبنا … لألأم واطئ عفر التراب (٢) - وأما الرفادة والسقاية، فإنهما لم تزالا في حياة قصي إلى عبد بن قصي. ثم صارتا إلى عبد الدار بن قصي، حتى عظم شأن بني عبد مناف بن قصي. فقالوا: نحن أولى بما يتولاه بنو عبد الدار منهم، فجمعوا من مال إليهم وعرف فضلهم. وهم: بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرّة بن كعب، ومن كان داخل مكة من بني الحارث بن فهر وهم قوم أبي عبيدة بن الجّراح، وأتوا بإناء فيه طيب، فغمسوا أيديهم فيه ومسحوها بالكعبة، وتحالفوا أن لا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة.

стр. 81

ويقال إنهم تحالفوا وتعاهدوا في منزل ابن جدعان. فسموا المطيّبين. وحالف بني عبد الدار، على منع المطيبين من نشبتهم (١) وإرادتهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب. واجتمعوا. فقالت: بنو عدي: إنما الطيب لربات الحجال. وأتو بجفنة فيها دم، فغمسوا أيديهم فيها. وكانت العرب إذا تحالفت، غمست أيديهم في الملح والرماد. فسمى بنو عدى بها لعقة الدم، وولغة الدم. ويقال إنّ بعضهم لعق من الدم. فيقال إنّ الفريقين من المطيبين والأحلاف اقتتلوا، ثم اصطلحوا على أن جعلت الرفادة والسقاية لبني عبد مناف. ويقال إنهم لم يقتتلوا، ولكن الرجال سفرت بينهم حتى تراضوا بهاتين المكرمتين. فاحتملت بنو عبد مناف أعظم الأمور مؤونة. وسمي من حالف بني عبد الدار «الأحلاف». قال عبد الله بن وداعة السهمى: نحن شددنا الحلف من غالب … وغالب واقفة تنظر لم يستطيعوا نقض أمر أرن (٢) … وهم على ذاك بنا أخبر وزعموا أن عبد الله بن صفوان قال لابن عباس: لإمرة المطيبين كانت أفضل أم إمرة الأحلاف؟ فقال: إمرة المطيبين. يعني خلافة أبي بكر أفضل من خلافة عمر. وقال عمر بن أبي زمعة، ويقال يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ويقال ابن قيس الرقيات: ولها في المطيّبين جدود … ثم نالت ذوائب الأحلاف إنها بين عامر بن لؤي … حين تدعى وبين عبد مناف يشرئبّون في الذؤابة حلوا … حيث حلت ذوائب الأشراف (٣)

стр. 82

-قالوا: ولما كان يوم أحد، لقي زيد بن الخطاب، أخو عمر، أبا جهم بن حذيفة بن غانم. فقال له أبو الجهم: أنا والغ الدم. فقال له زيد، قد أتاك والغ مثلك. - قالوا: واقترع بنو عبد مناف على الرفادة والسقاية، فصارتا لهاشم بن عبد مناف. ثم صارتا بعده للمطلب بن عبد مناف بوصية. ثم لعبد المطلب، ثم للزبير بن عبد المطلب، ثم لأبي طالب. ولم يكن له مال، فادّان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم. فأنفقها. فلما كان العام المقبل، سأله سلف خمسة عشر ألف درهم؛ ويقال أربعة عشر ألف درهم. فقال له: إنك لم تقضني مالي عليك، وأنا أعطيك ما سألت على أنك إن لم تدفع إليّ جميع مالي في قابل فأمر الرفادة والسقاية إليّ دونك، فأجابه إلى ذلك. فلما كان الموسم الثالث، ازداد أبو طالب عجزا وضعفا، ولم تمكنه النفقة، وأعدم حتى أخذ كل رجل من بني هاشم ولدا من أولاده ليحمل عنه مؤونته. فصارت الرفادة والسقاية إلى العباس، وأبرأ أبا طالب مما له عليه. وكان يأتيه الزبيب من كرم له بالطائف، فينبذ في السقاية. ثم جعل الخلفاء الرفادة من بيت المال. فقام بالرفادة والسقاية، بعد العباس، عبد الله بن عباس، ثم علي بن عبد الله، ثم محمد بن علي، ثم داود بن علي، ثم سليمان بن علي، ثم عيسى بن علي. ثم لما استخلف المنصور، قال: إنكم لا تلون هذا الأمر بأبدانكم، وإنما تقلدونه مواليكم؛ فأمير المؤمنين أحق بتوليته مواليه. فوّلى أمر السقاية، ونفقة البيت، وإطعام الحاجّ مولى له يقال له زريق. - وحدثني الحسن بن علي الحرمازي، عن رجل من قريش، أنه قال:

стр. 83

كان مما لحقنا من كلام قصي قوله: «العيّ عيان، عيّ الإفحام، وعيّ المنطق بغير سدر». وقوله: «الحسود عدوّ خفي المكان». وقوله: «من سأل قوما فوق قدره استحق الحرمان». وكان بنات قصي: برة تزوّجها عمر بن مخزوم، وتخمر تزوجها عمران بن مخزوم. وأمهما حبّى بنت حليل. - وقال الواقدي: أنزل قصي قريشا منازلها، وكان بالبلد عضاه. فقطعها، وأذن في قطعها. فاستوحشوا من ذلك فقال: إنكم ليس تريدون الفساد؛ إنما تريدون التوسعة وتستعينون على منازلكم. قال الواقدي: ويقال إنهم استأذنوه في قطع الشجر، فأباه؛ فبنوا والشجر في منازلهم. وهذا أحسن عندنا من إذن قصي في قطع الشجر، وأشبه بالحق. قال: ثم اضطروا إلى قطعه، فقطعوه بعده. وكان عبد الله بن الزبير قطع شجرا في دوره، لضيقها عليه. - وولد عبد مناف بن قصي - وتكنى أبا عبد شمس - عمرو بن عبد مناف وهو هاشم. وأمه عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان، من بني سليم. وأمها ماوية بنت حوزة بن سلول. وإنما سمي هاشما، لأنه هشم لهم الخبز. حدثني عباس بن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أصابت قريشا سنة ذهبت بأموالهم وأقحطوا فيها. وبلغ هاشما ذلك وهو بالشأم. وكان متجره بغزّة وناحيتها. فأمر بالكعك والخبز، فاستكثر منهما. ثم حملا في الغرائر على الإبل، حتى وافى مكة. فأمر بهشم ذلك الخبز والكعك، ونحرت الإبل التي حملت. فأشبع أهل مكة وقد كانوا جهدوا. فقال عبد الله بن الزبعرى - وقال بعضهم: الزّبعرى، والأول أصح-:

стр. 84

عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف وهو الذي سنّ الرحيل لقومه … رحل الشتاء ورحلة الأصياف (١) وقال وهب بن عبد قصي: تحمل هاشم ما ضاق عنا … وأعيا أن يقوم به ابن بيض فأوسع أهل مكة من هشيم … وشاب الخبز باللحم الغريض (٢) قال ابن الكلبي: ابن بيض رجل من قوم عاد، كان يقال له ثوب بن بيض، نزل به قوم فنحر لهم جزورا سدّت طريقا كانت تسلك إليه في واد. فقيل: سد ابن بيض السبيل، فذهبت مثلا، ويقال إنّ ابن بيض هذا كان موسرا مكثرا، وكان قد صولح على خرج، وجعل على نفسه شيئا لقوم يعطيهم إياه لوقت. فكان يخرج ذلك الشيء، ويجعله في فم شعب كان يدخل إليه منه. فإذا جاء من يقبض ذلك، قالوا: سدّ ابن بيض السبيل؛ أي قضى ما عليه. وروي عن يونس النحوي البصري أنه قال: يقال للرجل الشريف الواضح النسب «ابن بيض»، كما يقال «ابن جلاء». - وكان هاشم بن عبد مناف صاحب إيلاف قريش الرحلتين، وأول من سنّهما. وذلك أنه أخذ لهم عصما من ملوك الشأم، فتجروا آمنين. ثم إنّ أخاه عبد شمس أخذ لهم عصما من صاحب الحبشة، وإليه كان متجره. وأخذ لهم المطلب بن عبد مناف عصما من ملوك اليمن. وأخذ لهم نوفل بن عبد مناف عصما من ملوك العراق. فألفوا الرحلتين في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفي الصيف إلى الشأم. فقال الحارث بن حنش

стр. 85

السلمي، وهو أخو هاشم لأمه عاتكة بنت مرة السلمية: إنّ أخي هاشما ليس أخا واحد … والله ما هاشم بالناقص الكاسد والخير في ثوبه وحفرة اللاحد … الآخذ الألف والوافد للقاعد وقال العجير السّلولي: نحن ولدنا هاشما والمطّلب … وعبد شمس نعم صنو المنتجب وقال مطرود بن كعب الخزاعي: يا أيها الرجل المحوّل رحله … هلاّ نزلت بآل عبد مناف هبلتك أمك لو نزلت عليهم … ضمنوك من جوع ومن أقراف الآخذون العهد من آفاقها … والراحلون لرحلة الإيلاف والمطعمون إذا الرياح تناوحت … ورجال مكة مسنتون عجاف (١) والمفضلون إذا المحول ترادفت … والقائلون هلم للأضياف والخالطون غنيهم بفقيرهم … حتى يكون فقيرهم كالكافي - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده وابن خربوذ وغيرهما، قالوا: لما صارت الرفادة والسقاية لهاشم، كان يخرج من ماله كل سنة للرفادة مالا عظيما، وكان أيسر قريش، ثم يقف في أيام الحج فيقول: «يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في موسمكم هذا زوّار الله تبارك ذكره يعظمون حرمة بيته، وهم أضيافه وأحق الناس بالكرامة. فأكرموا أضيافه وزوّار كعبته، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح قد أزحفوا، وتفلوا، وقملوا، وأرملوا (٢). فأقروهم، وأغنوهم،

стр. 86

وأعينوهم». فكانت قريش تترادف على ذلك، حتى إن كان أهل البيت ليرسلون إليه بالشيء على قدرهم فيضمه إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس. فإن عجز ذلك، أكمله. - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه هشام بن محمد، قال: كان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ذا مال. فتكلف أن يفعل كما فعل هاشم في إطعام قريش، فعجز عن ذلك. فشمت به ناس من قريش وعابوه لتقصيره. فغضب، ونافر هاشما على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، وعلى الجلاء عشر سنين. وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جدّ عمرو بن الحمق، وكان منزله عسفان. وكان مع أمية أبو همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية. فقال الكاهن: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، في منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منها وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر». فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر. وخرج أمية إلى الشأم فأقام عشر سنين. فتلك أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية. وقال الأرقم بن نضلة يذكر هذه المنافرة ويذكر تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية: لما تنافر ذو الفضائل هاشم … وأمية الخيرات نفر هاشم وقال أيضا: وقبلك ما أردى أمية هاشم … فأورده عمرو إلى شر مورد - وولد عبد مناف، سوى هاشم، عبد شمس بن عبد مناف، والمطلب ويدعى الفيض. وفيه يقول مطرود الخزاعي حين مات: قد سغب الحجيج بعد المطلب … بعد الجفان والشراب المنثعب

стр. 87

وأم هاشم وعبد شمس والمطلب: عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور. ونوفل بن عبد مناف، وأبا عمرو واسمه عبيد درج؛ وأمهما واقدة بنت أبي عدي. من بني مازن بن صعصعة بن معاوية. وكان يقال لهاشم والمطلب «البدران». وكان لعبد مناف من البنات. من عاتكة: تماضر، تزوجها عبد مناف بن عبد الدار؛ وحيّة تزوجّها عمرو بن ظويلم، أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر؛ وقلابة، تزوّجها عبد العزى بن عامر الفهري؛ وهالة، وهي أم الأخثم، وفي الأخثم يقول الشاعر: أبشر بخير حين تلقى عامرا … نشوان يبرق وجهه كالدرهم لما رآني عاريا ذا خلة … ألقى عليّ رداءه ابن الأخثم تزوجها عمرو بن خالد بن أمية بن ظرب الفهري، ويقال تزوجّها خالد بن عامر بن أمية بن ظرب. وبرّة، تزوّجها سبع بن الحارث الثقفي؛ وريطة بنت عبد مناف، وأمها النافذة، تزوّجها هلال بن معيط بن عامر الكناني. وقال مطرود بن كعب الخزاعي في ولد عبد مناف: يا ليلة هيّجت ليلاتي … إحدى ليالي القسيّات إنّ المغيرات وأبناءهم … لخير أحياء وأموات أخلصهم عبد مناف فهم … من لوم من لام بمنجاة قبر بردمان وقبر بسل … لمان وقبر عند غزّات وميت مات قريبا من ال … حجون عن شرق البنيّات (١) يعني بالمغيرات ولد المغيرة، وهو عبد مناف، كما قال النابغة:

стр. 88

شاق الرفيدات من عودي ومن عمم … وماش من رهط ربعيّ وحجّاز (١) يريد ولد رفيدة بن ثور بن كلب؛ وعودي وعمم ابنا نمارة بن لخم، وربعي وحجاز من ولد الحارث أخي عذرة بن سعد: ربعي بن عامر، وحجاز بن مالك. وأما ردمان ففي ناحية اليمن، وسلمان في طريق العراق، وغزّة بالشأم. فالذي بردمان، المطلب؛ والذي بسلمان، نوفل؛ والذي بغزّة، هاشم؛ والذي مات بمكة ودفن بقرب الحجون، عبد شمس. وقال مطرود أيضا: كانت قريش بيضة فتفلّقت … فالمحّ خالصه لعبد مناف فحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ سمع جارية تنشد: كانت قريش بيضة فتفلقت … فالمحّ خالصه لعبد الدار فقال ﷺ لأبي بكر: يا أبا بكر أهكذا قال الشاعر؟ قال أبو بكر: لا، إنما قال: «لعبد مناف». قال: كذلك قال. - قال: ومات هاشم بغزّة من بلاد الشأم، فقبره بها. وقدم بتركته ومتاعه أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، من بنى عامر بن لؤي. وكان لهاشم يوم مات خمس وعشرون سنة. وذلك الثبت. ويقال عشرون سنة. وقال مطرود يرثيه: مات الندى بالشأم لما أن ثوى … فيه بغزّة هاشم لا يبعد لا يبعدن ربّ الفناء نعوده … عود السقيم يجود بين العوّد فجفانه رذم (٢) … لمن ينتابه والنصر منه باللسان وباليد

стр. 89

وقال أبو عبيدة: أم هاشم والمطلب وعبد شمس بني عبد مناف: عاتكة بنت مرّة، وأمها سلولية. وأم نوفل بن عبد مناف: واقدة بنت أبي عدي، من بني مازن بن صعصعة. وهي أم أبي عمرو، واسمه عبيد بن عبد مناف، درج. نسب بني هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب: - فولد هاشم بن عبد مناف - ويكنى أبا نضلة: شيبة الحمد. وهو عبد المطلب. وكان سيد قريش حتى هلك. وأمه سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، من الأنصار. - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده، وعباس بن هشام عن أبيه، عن جده وغيره، قالوا: كان هاشم بن عبد مناف يختلف إلى الشأم في التجارة. فإذا مرّ بيثرب، نزل على عمرو بن زيد بن لبيد، وكان صديقا لأبيه وله. فنزل به في سفرة من سفراته وقد انصرف من متجره، فرأى ابنته سلمى بنت عمرو، فأعجبته. وكانت قبل عند أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا الأوسي، فمات عنها وقد ولدت ولدين، هلكا؛ وهما عمرو ومعبد ابنا أحيحة. فخطبها، فأنكحه إياها، واشترط عليه أن لا تلد إلا في أهلها. فنقلها هاشم معه إلى مكة. فلما حملت، ودنا ولادها، أتى بها منزل أبيها بيثرب، فخلفها، ومضى إلى الشأم في تجارته. فمات بغزّة من فلسطين. وولدت سلمى شيبة الحمد. وسمته بذلك لشيبة كانت في رأسه. ويقال لشيبات كنّ حول ذؤابته. وقيل له عبد المطلب، لأنه لما ترعرع بالمدينة، وأتت له سبع أو ثماني سنين، بلغ عمه المطلب بن عبد مناف خبره في لبسه ونظافته وشبهه بهاشم أبيه، فاشتاق إليه، وركب حتى

стр. 90

أتى المدينة، فوافاه وهو يرمى مع الصبيان. فلما أصاب، قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال له: من أنت يا غلام؟ قال: أنا شيبة بن عبد مناف (١): قال: وأنا عمك المطلب بن عبد مناف؛ وقد جئت لحملك إلى بلدك وقومك ومنزل أبيك وجوار بيت الله إن طاوعتني. وجعل يشوقه إلى مكة. فقال: يا عم، أنا معك. وقال له رجل من بني النجار: قد علمنا أنك عمه؛ فإن أحببت فاحمله الساعة قبل أن تعلم أمه، فتدعونا إلى منعك منه فنمنعك. فانطلق به معه، حتى أدخله مكة وهو ردف له. فكان لا يمرّ بمجلس من مجالس قريش إلا قالوا له: من هذا الغلام معك يا أبا الحارث؟ فيقول: عبد لي ابتعته. ثم أدخله منزله، فكساه. وأخذته امرأته خديجة بنت سعيد بن سعد بن سهم، فنظفته وطيبته وألبسته كسوة عمه. وأخرج إلى النديّ. فجعل أهل مكة يقولون: هذا عبد المطلب. فغلب ذلك على اسمه. وقال المطلب بن عبد مناف: وافيت شيبة والنجّار قد جعلت … أبناءها عنده بالنبل تنتضل وقالت سلمى أمه: كنا ولاة حمّه ورمّه … حتى إذا قام على أتمه انتزعوه غيلة من أمه … وغلب الأخوال حقّ عمه وقال المطلب: يا سلم يا أخت بني النجّار … ما ابن أخي بالهين المعار فاقني حياء ودعي التّماري … إني وربّ البيت ذي الأستار لو قد شددت العيس بالأكوار … قد راح وسط النّفر السفّار حتى يرى أبيات عبد الدار

стр. 91

وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرّهم (١). - وحدثني عباس، عن أبيه، عن جده قال: كان عبد المطلب أول من خضب بالوسمة (٢) لأن الشيب أسرع إليه. فدخل على بعض ملوك اليمن، فأشار عليه بالخضاب. فغير شعره بالحناء، ثم علاه بالوسمة. فلما انصرف وصار بقرب مكة، جدّد خضابه. وكان قد تزودّ من الوسمة شيئا كثيرا. فدخل منزله وشعره مثل حلك الغراب. فقالت امرأته نتيلة، وهي أم العباس، يا شيب، ما أحسن هذا الصبغ لو دام فعله. فقال عبد المطلب: لو دام لي هذا السواد حمدته … فكان بديلا من شباب قد انصرم تمتعت منه والحياة قصيرة … ولا بدّ من موت نتيلة أو هرم وماذا الذي يجدي على المرء خفضه … ونعمته يوما إذا عرشه انهدم ثم إنّ أهل مكة خضبوا بعده. - وقال الكلبي: حجّ قوم من جذام، ففقدوا رجلا منهم اغتيل بمكة، ولقيهم حذافة بن غانم العدوي فربطوه. وقدم عبد المطلب من الطائف، وقد كفّ بصره، وأبو لهب يقود به، فهتف به حذافة. فأتاهم. فقال: قد عرفتم تجارتي وكثرة مالي؛ وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا، أو عشرا من الإبل، وغير ذلك مما يرضيكم، وهذا ردائي رهن بذلك. فقبلوا منه، وأطلقوا حذافة. فأردفه، حتى أدخله مكة، ووفى لهم عبد المطلب بما جعل لهم. فقال:

стр. 92

أخارج إما أهلكن فلا يزل … لشيبة منكم شاكرا آخر الدهر وأولاده بيض الوجوه وجوههم … تضيء ظلام الليل كالقمر البدر لهو لهم خير الكهول ونسلهم … كنسل الملوك لا قصار ولا خدر لساقي الحجيج ثم للشيخ هاشم … وعبد مناف ذلك السيد الفهري أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر أبو عتبة الملقي إليّ حباله … أغرّ هجان اللون من نفر غرّ (١) ويروي «أبو الحارث»، وهو أصح.

стр. 93

قصة الفيل - قالوا: وكان أبرهة الأشرم أبو يكسوم قتل حبشيا كان غلب على اليمن، وصار مكانه. فرأى العرب باليمن يتأهبون في وقت الحجّ. فسأل عن أمرهم. فقيل إنهم يريدون بلدا يقال له مكة، وبه بيت لله يتقربون إليه بزيارته. فبنى بيتا بصنعاء كثير الذهب والجوهر، وحمل من قبله من العرب على أن يحجوه ويصنعوا عنده كصنيعهم عند الكعبة. فاحتال بعض العرب لسدنته، حتى أسكرهم؛ ثم أتى بجيف ومحائض فألقاها فيها، ولطخ قبلته، وكانت على المشرق، بعذرة. فغضب أبرهة أشد غضب، وقال: والمسيح! لأغزونّ بيت العرب الذي يحجون إليه. فبعث إلى النجاشي: إني عبدك، وكل ما حويته من هذا البلد فهو لك، ومن مملكتك. وأهدى إليه هدايا، وسأله أن يبعث إليه بفيل له عظيم كان يلقى به عدوه إذا احتشد. فبعث إليه بذلك الفيل وبجيش. ثم إنّ الأشرم نهض نحو البيت، والفيل في مقدّمته؛ ودليله النفيل بن حبيب الخثمعي. فلما انتهى إلى قرب الحرم، برك الفيل بالمغمّس، فلم يحرك. ونخس بالرماح، فلم ينهض. ثم بعث الله على الجيش طيرا، مع كل طير ثلاثة أحجار. فألقتها عليهم، فلم ينج منهم شغر (١).

стр. 94

-وقد كان الحبشي لما قرب مكة، بثّ قوما ممن معه للغارة؛ منهم رجل يقال له الأسود بن مقصود. فاطردوا إبلا لعبد المطلب. فأتى عبد المطلب الحبشي وهو في قبة له بالمغمس. وكان قائد الفيل صديقا له، فأدخله إليه وأخبره بشرفه. وكان عبد المطلب رجلا جميلا طويلا، له غديرتان، أهدب الأشفار، دقيق العرنين أشمه، رقيق البشرة، سهل الخدّين. فأكرمه الحبشي وأجلّه، وسأله عن حاجته. فقال: إبلي. فأمر بردّها، وقال: ما ظننتك جئتني إلا في أمر البيت. فقال عبد المطلب: إن للبيت ربّا سيمنعه ويحميه. وكان عبد المطلب وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطعمان الناس بمكة كل يوم، والحبشي مظلّهم، وقد هرب جلّ أهل مكة خوفا وإشفاقا. قال عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو عائذ: أنت حبست الفيل بالمغمّس … من بعد ما كان بغير مجلس أنت الجليل ربنّا لم تدنس وقال عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ويقال بل قالها أبو عكرمة عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، ويقال عكرمة وذلك غلط: لاهم أخز الأسود بن مقصود … الآخذ الهجمة ذات التقليد بين حراء فثبير فالبيد … اخفر به ربّ وأنت محمود وقال عبد المطلب: يا ربّ إنّ المرء يمن … ع رحله فامنع حلالك لا يغلبنّ صليبهم … ومحالهم غدوا محالك فلئن فعلت فربما … أولى فآمر ما بدا لك ولئن فعلت فإنه … أمر تتمّ به فعالك (١)

стр. 95

وكان قدوم الفيل وحبس الله إياه للنصف من المحرم، وذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بشهرين إلا أياما. وقال عبد المطلب في غير هذا المعنى: لا تحسبي شيم الفتيان واحدة … بكل رحل لعمري ترحل الناقه إني إذا المرء شانته خليقته … ألفيتني جلدتي بيضاء برّاقه وخير ما يفعل الفتيان أفعله … وإنما يتبع الإنسان أعراقه وقال عبد المطلب: قلت والأشرم تردى خيله … إنّ ذا الأشرم غرّ بالحرم رامه تبّع فيمن جمعت … حمير والحي من آل قدم فانثنى عنه وفي أوداجه … جارح أمسك منه بالكظم فخزاك الله في بلدته … لم يزل ذاك على عهد ابرهم - حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن ابن خربوذ وغيره من علماء أهل الحجاز، قالوا: لما هلك المطلّب بن عبد مناف، وكان العاضد لعبد المطلب والذابّ عنه والقائم بأمره، وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح كانت لعبد المطلب - وهي الساحات والأفنية - فغلب عليها، واغتصبه إياها. فاضطرب عبد المطلب لذلك، واستنهض قومه معه، فلم ينهض كبير أحد منهم فكتب إلى أخواله من بني النجّار، من الخزرج: يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي … هل من رسول إلى النجّار أخوالي ينبي عديا ودينارا ومازنها … ومالكا عصمة الجيران عن حالي قد كنت فيكم وما أخشى ظلامة ذي … ظلم عزيزا منيعا ناعم البال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني … لذاك مطلّب عميّ بترحال وكنت ما كان حيا ناعما جذلا … أمشي العرضنة جرارا لأذيالي

стр. 96

فغاب مطلّب في قعر مظلمة … ثم انتزى نوفل يعدو على مالي أأن رأى رجلا غابت عمومته … وغاب أخواله عنه بلا والي أنحى عليه ولم يحفظ له رحما … ما أمنع المرء بين العمّ والخال فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم … لا تخذلوه فما أنتم بخذّال أنتم شهاد لمن لانت عريكته … من سلمكم وسمام الأبلخ الغالي (١) قالوا: فقدم عليه منهم جمع كثيف، فأناخوا بفناء الكعبة وتنكبوا القسي وعلقوا التراس. فلما رآهم نوفل، قال: لشرّ ما قدم هؤلاء. فكلّموه. فخافهم، وردّ أركاح عبد المطلب عليه، وزاده وأحسن إليه، واعتذر من فعله. حدثني التوزي النحوي، عن الأصمعي، قال: الأركاح متسع في سفوح الجبال؛ يقال: إن له ساحة يتركح فيها. - قال ابن الكلبي: قال عبد المطّلب في نصرة أخواله إياه: ستأبى مازن وبنو عدىّ … ودينار بن تيم اللات ضيمي بهم ردّ الإله عليّ ركحي … وكانوا في التناصر دون قومي عديّ، ومازن، ودينار بنو النجّار، واسمه تيم الله. وقال أيضا أبلغ بني النّجار إن جئتهم … أني منهم وابنهم والخميس رأيتهم قوما إذا جئتهم … هووا لقائي وأحبّوا حسيسي وقال شمر بن نمر الداني: لعمري لأخوال الأغرّ ابن هاشم … من اعمامه الأدنين أحنى وأوصل أجابوا على نأي دعاء ابن أختهم … وقد ناله بالظلم والغدر نوفل فما برحوا حتى تدارك حقّه … وردّ عليه بعد ما كاد يؤكل

стр. 97

جزى الله خيرا عصبة خزرجية … توافرا على برّ وذو البرّ أفضل (١) - قال هشام بن الكلبي: فلما نصر بنو الخزرج عبد المطّلب، قالت: خزاعة، وهم يومئذ كثير قد قووا وعزّوا: والله ما رأينا بهذا الوادي أعظم حلما، ولا أبعد من كلّ موبقة ومذنبة تفسد الرجال من هذا الإنسان - يعنون عبد المطّلب - ولقد نصره أخواله من الخزرج؛ ولقد ولدناه كما ولدوه - وانّ جدّه عبد مناف لابن حبىّ بنت حليل بن حبشّية سيد خزاعة - ولو بذلنا له نصرنا وحالفناه انتفعنا به وبقومه وانتفع بنا. فأتاه وجوههم، فقالوا: يا أبا الحارث، إنا قد ولدناك كما ولدك قومنا من بني النجار؛ ونحن؛ بعد، متجاورون في الدار، وقد أماتت الأيام ما كان يكون في قلوب بعضنا على قريش من الأحقاد؛ فهلمّ، فلنحالفك. فأعجب ذلك عبد المطلب وقبله وسارع إليه فأجابهم إلى حلف. فأقبل ورقاء بن عبد العزى أحد بني مازن بن عدي بن عمرو بن لحيّ، وسفيان بن عمرو القميري، وأبو يسر، وهاجر بن عمير القميري، وهاجر بن عبد مناف بن ضاطر، وعبد العزى بن قطن المصطلقي في عدّة من وجوههم، فدخلوا دار الندوة وكتبوا بينهم كتابا. وكان عبد المطّلب في سبعة نفر من بني المطّلب، والأرقم بن نضلة بن هاشم، ولم يحضر أحد من بني نوفل ولا عبد شمس. فلما فرغوا من الكتاب، علّقوه في الكعبة. وكان الذي كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب المعلّم. وتزّوج عبد المطّلب يومئذ لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر، فولدت له أبا لهب. وتزوج أيضا ممتّعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمّل، فولدت له الغيداق. وكانت نسخة كتابهم: «باسمك اللهم، هذا ما تحالف عليه عبد المطّلب بن هاشم ورجالات

стр. 98

عمرو بن ربيعة، من خزاعة، ومن معهم من أسلم ومالك ابنى أفصى بن حارثة. تحالفوا على التناصر والمؤاساة ما بلّ بحر صوفه، حلفا جامعا غير مفرّق. الأشياخ على الأشياخ، والأصاغر على الأصاغر، والشاهد على الغائب. وتعاهدوا وتعاقدوا أوكد عهد، وأوثق عقد، ولا ينقض ولا ينكث ما شرقت شمس على ثبير، وحنّ بفلاة بعير، وما قام الأخشبان، وعمر بمكة إنسان، حلف أبد، لطول أمد. يزيده طلوع الشمس شدّا، وظلام الليل سدّا. وانّ عبد المطلب وولده ومن معهم دون سائر بني النضر بن كنانة، ورجال خزاعة متكافئون، متضافرون، متعاونون. فعلى عبد المطلب النصرة لهم ممن تابعه على كل طالب وتر، في برّ أو بحر، أو سهل أو وعر. وعلى خزاعة النصرة لعبد المطّلب وولده ومن معهم على جميع العرب، في شرق أو غرب، أو حزن أو سهب. وجعلوا الله على ذلك كفيلا، وكفى به حميلا». فقال عبد المطّلب: سأوصى زبيرا إن أتتنى منّيتي … بإمساك ما بيني وبين بني عمرو وأن يحفظ العهد الوكيد بجهده … ولا يلحدن فيه بظلم ولا غدر هم حفظوا الإلّ القديم وحالفوا … أباك وكانوا دون قومك من فهر وكان عبد المطّلب وصّى ابنه الزبير. ثم أوصى الزبير إلى أبي طالب، ثم أوصى أبو طالب إلى العباس. وقال ابن الكلبي: هذا الحلف هو الذي عناه عمرو بن سالم الخزاعي حين قال لرسول الله ﷺ : لا همّ إني ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا (١)

стр. 99

-وحدثني العباس بن هشام، عن أبيه، عن جده محمد بن السائب الكلبي وغيره، قالوا: كان عبد المطلب من حلماء قريش وحكّامها. وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وكان في جوار عبد المطلب يهودي، يقال له أدينة. وكان اليهودي يتسوّق في أسواق تهامة بماله، فغاظ ذلك حربا، فألّب عليه فتيانا من قريش، وقال: هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض بلادكم بمال جمّ كثير من غير جوار ولا خيل؛ والله لو قتلتموه وأخذتم ماله، ما خفتم تبعة ولا عرض لكم أحد يطلب بدمه. فشدّ عليه عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وصخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فقتلاه. فجعل عبد المطّلب لا يعرف له قاتلا. فلم يزل يبحث عن أمره، حتى علم خبره بعد. فأتى حرب بن أمية، فأنّبه بصنيعه وطلب بدم جاره. فأجار حرب قاتليه ولم يسلمهما وأخفاهما. وطالبه عبد المطّلب بهما، فتغالظا في القول. حتى دعاهما المحك واللجاج إلى المنافرة، فجعلا بينهما النجاشي صاحب الحبشة. فأبى أن يدخل بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، جدّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فقال لحرب: «يا أبا عمرو، أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأوسم منك وسامة، وأعظم منك هامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صلة، وأطول منك مذودا (١)؟ وأني لأقول هذا، وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصيت في العرب، جلد

стр. 100

النزيرة (١)، تحبك العشيرة، ولكنك نافرت منفّرا». فنفّر عبد المطلب. فغضب حرب، وأغلظ لنفيل، وقال: من انتكاس الدهر أن جعلتك حكما. وكانت العرب تتحاكم إليه. فقال نفيل: أولاد شيبة أهل المجد قد علمت … عليا معدّ إذا ماهزهز الورع وشيخهم خير شيخ لست تبلغه … أنّى وليس به سخف ولا طبع يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعا (٢) … يسقى الحجيج وماذا يبلغ الهبع أبوكما واحد والفرع بينكما … منه العشاش ومنه الناضر الينع ويروى «مختلف العيش الضئيل (٣)». قال: فترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة. ولم يفارق حربا حتى أخذ منه مائة ناقة، ودفعها إلى ابن عم اليهودي. وارتجع ماله إلا شيئا كان شعث منه، فغرمه من ماله. وقال الأرقم بن نضلة بن هاشم في منافرة عبد المطلب حربا: وقبلك ما أردى أمية هاشم … فأورده عمرو إلى شرّ مورد أيا حرب قد جاريت غير مقصّر … شاك إلى الغايات طلاّع أنجد - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أشياخ من العلماء، قالوا: كان لعبد المطّلب ماء يدعى الهرم. فغلبه عليه جندب بن الحارث

стр. 101

الثقفي وقوم من ثقيف. فنافرهم عبد المطّلب إلى الكاهن القضاعي، وهو سلمة بن أبي حيّة بن الأسحم بن عامر بن ثعلبة، من بنى الحارث بن سعد بن هذيم، أخي عذرة بن سعد. وهو صاحب عزى سلمة. وعزّاه شيطانه، فيما يزعمون. وكان منزله بالشأم. فخرج عبد المطلب إليه في نفر من قريش، وخرج جندب في جماعة من ثقيف. فلما انتهوا إلى الكاهن، خبأوا له، فيما يزعمون، رأس جرادة في خرز مزادة. فقال - والله أعلم-: خبأتم لي شيئا طار فسطع، وتصوب فوقع، ذا ذنب جرّار، وساق كالمنشار، ورأس كالمسمار. فقال: إلاّده، أي بيّن. فقال: إلاّده فلاده - يقول: إلا يكن قولي بيانا، فلا بيان. وهو رأس جرادة، في خرز مزادة، في ثني القلادة. قالوا: صدقت. وانتسبوا له. فقال: أحلف بالضياء والظلم، والبيت والحرم، إنّ الماء ذا الهرم، للقرشي ذي الكرم. فغضب الثقفيون، فقالوا: اقض لأرفعنا مكانا، وأعظمنا جفانا، وأشدنا طعانا. فقال عبد المطّلب: اقض لصاحب الخيرات الكبر، ولمن أبوه سيد مضر، وساقي الحجيج إذا كثر. فقال الكاهن: أما وربّ القلص الرواسم … يحملن أزوالا بقي طاسم إنّ سناء المجد والمحارم … في شيبة الحمد سليل هاشم أبي النبي المرتضى للعالم ثم قال: إن بني النضر كرام ساده … من مضر الحمراء في القلاده أهل سناء وملوك قاده … مزارهم بأرضهم عباده إنّ مقالي فاعلموا شهاده ثم قال:

стр. 102

إنّ ثقيفا عبد أبق فثقف، فعتق، فليس له في المنصب الكريم من حق (١). يوم ذات نكيف: - حدثني عباس، عن أبيه، عن جده قال: لم يزل بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من قصيّ حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة، حين قسّمها رباعا وخططا بين قريش. فلما كانوا على عهد عبد المطلب، همّوا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه. وعدت بنو بكر على نعم لبنى الهون فاطردوها؛ ثم جمعوا جموعهم. وجمعت قريش واستعدّت. وعقد عبد المطلب الحلف بين قريش والأحابيش - وهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة - فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم، وعلى الناس عبد المطلب، فاقتتلوا بذات نكيف. فانهزم بنو بكر، وقتلوا قتلا ذريعا، فلم يعودوا لحرب قريش. قال ابن شعلة الفهري: لله عينا من رأى من عصابة … غوت غيّ بكر يوم ذات نكيف أناخوا إلى أبياتنا ونسائنا … فكانوا لنا ضيفا بشرّ مضيف وقتل يومئذ عبد بن السفاح القاري، من القارة: قتادة بن قيس أخا بلعاء بن قيس، واسم بلعاء مساحق. وقال عبد في ذلك: يا طعنة ما قد طعنت مرشة … قتادة حين الخيل بالقوم تخنف اذا جاء سرب من نساء يعدنه … تولين يأسا ظهرهنّ يقفقف (٢)

стр. 103

قال ابن الكلبي: ويومئذ قيل: قد أنصف القارة من راماها والقارة من ولد الهون بن خزيمة. وهم من ولد عضل بن الديش. قال رجل منهم: دعونا قارة لا تنفرونا … فنجفل مثل إجفال الظليم (١) فسمّوا القارة. والقارة جبيل صغير. وقال غير الكلبي: قال عبد شمس بن قيس، وهو رجل من بني الهون: أعازبة حلوم بني أبينا … كنانة أم هم قوم نيام فإن يك فيكم كرم وعز … فقومكم وإن قلّوا كرام دعونا قارة لا تنفرونا … فنبتكّ (٢) القرابة والذمام كما جلّت بنو أسد جذاما … فبانت عن مساكنها جذام وكان يقال للقارة «رماة الحدق». وقال الشاعر: قد علمت سلمى ومن والاها … أنّا نصدّ الخيل عن هواها قد أنصف القارة من راماها … إنّا إذا ما فئة نلقاها نردّ أولاها على أخراها … نردّها دامية كلاها وقال أبو عبيدة: قال قتادة لقومه يوم ذي نكيف: أرموهم بالنبل؛ فإذا فنيت، فشدّوا عليهم بالرماح. فقال قائل منهم: قد أنصف القارة من راماها وكان أبو عبيدة يقول: «حكم بن الهون»، ولكن ولده أتوا اليمن، فقالوا: «حكم بن سعد العشيرة».

стр. 104

حفر زمزم ونذر عبد المطلب قالوا: أري عبد المطلب في منامة أن يحتفي زمزم ويحتفرها، ودلّ على موضعها، وكانت جرهم دفنتها عند إخراج خزاعة إياها عن مكة. فقال له قائل: «زمزم، وما زمزم؟ هزمة جبريل برجله (١)، وسقيا إسماعيل وأهله. زمزم البركات، تروي الرفاق الواردات. شفاء سقام، وخير طعام». فاحتفرها، ووجد فيها سيوفا مدفونة، وحليّا، وغزالا من فضّة وذهب مشنّفا بالدرّ. فعلقه في الكعبة، حتى سرق بعد. قالت صفية بنت عبد المطلب: نحن حفرنا للحجيج زمرم … سقيا الخليل وابنه المكرم هزمة جبريل التي لم تذمم … شفاء سقم وطعام مطعم - وحدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد، قالا ثنا محمد بن عمر، قال: سألت عبد الله بن جعفر: متى كان حفر عبد المطلب زمزم؟ فقال: وهو ابن أربعين سنة. قلت: فمتى كان أراد ذبح ولده؟ قال: بعد ذلك بثلاثين سنة. قلت: قبل مولد النبي ﷺ ؟ قال: أجل، وقبل مولد حمزة. قلت: فإن بعض الرواة يزعم أنه أتى لعبد المطلب مائة وعشر سنين. قال: لم يبلغ ذلك. قلت: ما كان سبب نذره أن يذبح ولده؟ قال: نازعته قريش حين حفر زمزم، وليس له يومئذ من الولد إلا الحارث وحده. فقال له عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو «المطعم»: يا عبد المطلب، أتستطيل علينا وأنت فذّ (٢) لا ولد لك؟ قال عبد المطلب: أتقول هذا وإنما كان نوفل،

стр. 105

أبوك، في حجر هاشم؟ - لأن هاشما كان خلف على أمه واقدة نكاح مقت-. فقال له عدي: وأنت أيضا فقد كنت عند أخوالك من بني النجّار حتى ردّك عمك المطّلب. قال: أبا لقلّة تعيرني؟ فو الله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرنّ أحدهم عند الكعبة. فآتاه الله عشرة. فأقرع بينهم. فوقعت القرعة على عبد الله، أبي رسول الله ﷺ ، وكان أحبّ الناس إليه. فقال: اللهم، أهو أم مائة من تلاد إبلي؟ فأقرع بينه وبين مائة من إبله، فوقعت القرعة على المائة، فنحرها، فاقتسمها في فقراء مكة ومن ورد من الأعراب. قال: قلت: فإن بعض الرواة يقول: «تكاءد (١) عبد المطلب حفر زمزم، فقال: لئن تمّ حفرها، لأنحرنّ بعض ولدي»؟ فقال: «ما أدري ما هذا. ولقد روي». وقال في السنة التي نحر فيها عبد المطلب الإبل، مات الحارث بن عبد المطلب ولابنه ربيعة سنتان (٢). - قال الواقدي: وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين؛ فكان ربيعة أسنّ من رسول الله ﷺ بسبع سنين. - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده قال: تزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهي أم حمزة بن عبد المطلب، ولدته قبل مولد رسول الله ﷺ بأربع سنين أو نحوها. ثم زوّج عبد المطلب ابنه عبد الله: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وكانت في حجر عمها أهيب بن عبد مناف، فولدت له رسول الله

стр. 106

ﷺ ، ولما خطبها عبد المطلب على عبد الله، فأجيب إلى تزويجه إياها، انطلق به ماضيا إلى بني زهرة. فمرّ بامرأة من خثعم، يقال لها فاطمة - وكان فتيان قريش يتحدثون إليها، وكانت عفيفة؛ ويقال إنها كانت من بني أسد بن خزيمة - وكانت تعتاف وتنظر وتقرأ الكتب - فقالت لعبد الله، وجلس إليها منتظرا لأبيه، وقد عرج لبعض شأنه: هل لك في مواقعتي على أن أعطيك مائة من الإبل؟ - وكانت موسرة-. فقال عبد الله: أما الحرام فالممات دونه … والحلّ لا حلّ فاستبينه فكيف بالأمر الذي تنوينه ثم إنه مضى مع أبيه إلى بني زهرة، فزوجه آمنة. وأقام عندها ثلاثا. وكانت تلك سنّتهم، ثم إن عبد الله أتى الامرأة بعد ذلك، فقال لها: هل لك فيما كنت عرضت عليّ على أن يكون بيننا تزويج؟ فقالت: لا تطلبنّ الأمر إلا ميلا … قد كان ذاك مرة فاليوم لا إني رأيت في وجهك نورا ساطعا، وقد ذهب الآن؛ فما الذي صنعت؟ فحدثها حديثه، فقالت: إني لأحسبك أبا النبي الذي قد أظلّ وقت مولده (١). وقالت: لله ما زهرية سلبت … ثوبيك ما سكنت وما تدري وقالت أيضا: بني هاشم قد غادرت من أخيكم … أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوّه … فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوي امرؤ من إرادة … لحزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه … سيكفيكه جدّان يصطرعان

стр. 107

وحملت آمنة في أيامها الثلاثة. ورأت في منامها آتيا أتاها، فقال: يا آمنة، إنك قد حملت بسيد هذه الأمة؛ فإذا وقع في الأرض، فقولي: «أعيذك بالواحد، من شر كل حاسد»؛ وسميّه أحمد، ويقال إنه قال: سمّيه محمدا. - فلما وضعته، أرسلت إلى عبد المطلّب أنه قد ولد لك غلام. فنهض مسرورا، ومعه بنوه، حتى أتاه فنظر إليه. وحدّثته بما رأت، وبسهولة حمله وولادته. فأخذه عبد المطلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال: الحمد لله الذي أعطاني … هذا الغلام الطيّب الأردان أعيذه بالبيت ذي الأركان … من كل ذي بغي وذي شنآن وحاسد مضطرب العنان ثم ردّه إلى أمه. - وقال الواقدي: الامرأة التي قالت لعبد الله ما قالت، قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ، أخت ورقة بن نوفل. وكانت تنظر في الكتب (١). - المدائني، عن يزيد بن عياض، عن الزهري وحفص بن عمر، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، أن عبد المطلب كان إذا أتي بالطعام، أجلس النبي ﷺ إلى جانبه، وربما أقعده على فخذه، فيوثره بأطيب طعامه. وكان رقيقا عليه برا به. فربما أتي بالطعام وليس رسول الله ﷺ حاضرا، فلا يمسّ شيئا منه حتى يؤتى به، وكان يفرش له في ظلّ الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه؛ فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالا له، وكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، فيجلس على

стр. 108

الفراش، فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول عبد المطلب: مهلا، دعوا ابني ما تريدون منه. ثم يقول: دعوه فإنّ له لشأنا؛ أما ترونه؟ ويقبل رأسه وفمه، ويمسح ظهره، ويسرّ بكلامه وما يرى منه. - وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي، عن الكندير بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا أنا بشيخ مربوع يطوف بالبيت، وهو يقول: ردّ عليّ راكبي محمدا … واصطنعن بردّه عندي يدا فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، قلت: ما شأنه؟ قالوا: أضلّ إبلا له، فخرج في طلبها بنيّ ابنه: محمد بن عبد الله، وقد أبطأ عليه، فقد أخذه ما ترى، قال: فما برحت حتى رجع رسول الله ﷺ ، وهو غلام، وجاء بالابل، فسمعت عبد المطلب يقول له: يا بنيّ، لقد جزعت عليك جزعا، لا تفارقني بعده حتى أموت. - وحدثني الحرمازي، عن أبي اليقظان، قال: كان عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس - وأمه البيضاء بنت عبد المطلب - مضعوفا، فأتي به عبد المطلب، فمسّه، فقال: وعظام هاشم، وما ولد في ولد عبد مناف مولود أحمق منه، وتزوج عامر دجاجة بنت أسماء بن الصلت السلمي، فولدت له عبد الله بن عامر. - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، قال حدثني الوليد بن عبد الله القرشي، عن عبد الرحمن بن موهوب الأشعري حليف بني زهرة، عن أبيه، عن مخرمة بن نوفل الزهري، قال:

стр. 109

سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم تحدّث، وكانت لدة عبد المطلب، قالت: تتابعت على قريش سنون ذهبت بالأموال، فسمعت في النوم قائلا يقول: «هذا أوان نبي مبعوث فيكم، معشر قريش، وبه يأتيكم الحيا (١) والخصب؛ فليخرج رجل منكم طوال أبيض، مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، جعد الشعر، أشم العرنين، وليخرج معه ولده وولد ولده، وليخرج من كل بطن رجل حتى يعلوا أبا قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي، ويؤمّنون». فلما أصحت، قصصت رؤياي، فنظروا، فإذا الرجل الذي هذه صفته عبد المطلّب. فاجتمعوا عليه، وفعلوا ما أمروا به. وكان النبي ﷺ مع ولد عبد المطلب، وهو غلام، فتقدّم عبد المطلّب، فقال: «لا همّ، هؤلاء عبادك، بنو إمائك، وقد نزل بهم ما ترى، وتتابعت عليهم السنون فذهبت بالخفّ والظلف، وأشفت الأنفس منهم على التلف والحتف. فاذهب عنّا الجدب، وائتنا بالحياة والخصب». قال: فما برحوا حتى سالت الأودية. وبرسول الله ﷺ سقوا. قالت رقيقة: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا … وقد فقدنا الحيا واستبطئ المطر فجاد بالماء جوني له سيل … دان فعاشت به الأنعام والشجر منّا من الله بالميمون طائره … وخير من بشرّت يوما به مضر مبارك الوجه يستسقى الغمام به … ما في الأنام له عدل ولا خطر (٢) - المدائني، عن ابن جعدبة أن عبد المطلب رأى في منامه قائلا يقول: احفر زمزم، خبية الشيخ

стр. 110

الأعظم. ثم رأى ليلة أخرى: احفر تكتم، بين الفرث والدم، في مبحث الغراب الأسحم، في قرية النمل. فلما أصبح، وجد بقرة مفلتة من جازرها وقد صارت إلى المسجد إلى موضع زمزم، فسلخت في موضعها. وجاء غراب حتى وقع على فرثها، وإذا ثمّ قرية نمل. فاحتفر عبد المطلب زمزم، وأنكرت قريش ذلك (١) فحدثّها الحديث، فصدّقته. وقال خويلد بن أسد: أقول وما قولي عليّ بهيّن … إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر … وركضة جبريل على عهد آدم قالوا: وتوفي عبد المطلب وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالحجون بمكة، ولرسول لله ﷺ ثماني سنين، ولحمزة نحو من اثنتي عشرة سنة، وللعباس إحدى عشرة سنة. ويقال إن عبد المطلب مات وله ثمان وثمانون سنة. وفي رواية الواقدي وغيره أن أم أيمن حدثت أن رسول الله ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب، وهو ابن ثماني سنين. - قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، أن مخرمة بن نوفل الزهري قال: مات عبد المطلب وأنا شاهده مع قريش، وقد قاربت عشرين سنة، وأنّ أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم كانت لدة عبد المطلب، فتقول لي: شقّ قميصك على خالك لمن تستبقيه بعده. قال: ونظرت إلى نساء بني عبد مناف قد جززن الشعور. وإنه ليقال إنه يومئذ ابن ما بين الثمانين إلى التسعين، وإن كان لمعتدل القناة. وكان أول من تحنّث بحراء. والتحنث التأله والتبرر، وكان إذ أهلّ هلال شهر رمضان، دخل بحراء فلم يخرج
следующие страницы →