مقتل عمار بن ياسر العنسي أبي اليقظان بصفين
رضي الله تعالى عنه
قالوا: جعل عمار بن ياسر يقاتل يوم صفين وهو يقول:
نحن ضربناكم على تنزيله … ثم ضربناكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله
فقتله أبو الغادية.
قال أبو مخنف: هو عاملي. وقال: هشام بن الكلبي: هو مري.
حدثني أبي محمد بن السائب قال: رأيت أبا الغادية المري أيام الحجاج بواسط وعليه قباء مكتوب من خلفه: شهدت فتح الفتوح - يعني صفين.
المدائني عن أبي عمرو، عن منبه بن عمرو المخزومي قال: شهدت موت أبي الغادية بواسط، فقال الحجاج: لا يتخلف عن جنازة أبي الغادية المري إلا منافق. فحضرت جنازته.
وأهل الشام يقولون: قتل عمارا حوي بن ماتع بن زرعة بن بيحص السكسكي.
стр. 982
وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام، حدثنا عمرة بن عون أنبأنا هشيم بن بشير، عن العوام بن حوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد - وكان يأمن عند علي ومعاوية - قال: بينا أنا عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص:
لتطب نفس كل واحد منكما لصاحبه برأس عمار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتل عمارّ الفئة الباغية»، فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص فقال ألا تغبي (١) عنا مجنونك هذا فلم يقاتل معنا إذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ أمرني بطاعة أبي، فأنا معكم ولست أقاتل.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن الحارث بن فضيل، عن أبيه:
عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة الجمل فلم يسلّ سيفا، وشهد صفين فقال: لا أقاتل أبدا حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية». قال: فلما قتل عمار قال خزيمة: قد أبانت الضلالة. ثم اقترب فقاتل حتى قتل. قال:
وكان الذي قتل عمارا أبو غادية المري، طعنه برمحه فسقط. قال: وقتل وهو ابن أربع وتسعين سنة، فلما وقع أكبّ عليه رجل آخر فاحتز رأسه فاختصما فيه، فقال عمرو: ما يختصمان إلا في النار، فقال معاوية: أتقول هذا لقوم بذلوا أنفسهم دوننا، فقال عمرو: هو والله ذاك وإنك لتعلمه؛ ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة.
وقال الواقدي: ويقال: إن عمارا قتل وهو ابن إحدى وتسعين سنة.
стр. 983
والثبت أنه قتل ابن ثلاث وتسعين سنة.
وقال الواقدي في اسناده: قاتل عمار يوم صفين فأقبل إليه ثلاثة نفر:
عقبة بن عامر الجهني، وعمرو بن الحارث الخولاني وشريك بن سلمة المرادي فحملوا عليه فقتلوه. وقد قيل: إن عقبة بن عامر قتله، وهو الذي كان ضربه حين أمر به عثمان.
حدثنا عفان بن مسلم الصفار، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا كلثوم ابن جبر:
عن أبي غادية قال: سمعت عمارا يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة؛ فتوعدته بالقتل. فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس فقيل:
هذا عمار. فحملت عليه فطعنته في ركبته؛ فوقع فقتلته، فأخبر عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «قاتله وسالبه في النار». فقيل لعمرو: ها أنت تقاتله: قال: إنما قال: «قاتله وسالبه (١)».
وحدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثني عفان بن مسلم، حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر:
أخبرني أبي قال: كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز، فقال الآذن: أبو الغادية بالباب. فأذن له، فدخل رجل ضرب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلما قعد قال: بايعت رسول الله ﷺ . قلت: بيمينك هذه؟ قال: نعم. وذكر حديثا عن النبي ﷺ قال: «كنا نعدّ عمار بن ياسر فينا حنانا (٢)» فبينا أنا في مسجد قباء إذا هو
стр. 984
يقول: إن نعثل هذا فعل وفعل. فقلت: لو أجد عليه أعوانا لوطئته حتى أقتله وقلت: اللهم إن تشأ تمكنني من عمار، فلما كان يوم صفين أقبل في أول الكتيبة حتى إذا كان بين الصفين طعنه رجل في ركبته بالرمح فعثر فانكشف المغفر عنه فضربته فإذا رأس عمار بالأرض أو كما قال. فلم أر رجلا أبين ضلالة من أبي غادية إنه سمع من النبي ﷺ في عمار ما سمع ثم قتله قال: ودعا بماء فأتي به في كوز زجاج فلم يشربه، فأتي بماء في خزف فشربه، فقال رجل بالنبطية: تورع عن الشرب في الزجاج ولم يتورع عن قتل عمار.
وحدثني وهب بن بقية وسريج بن يونس وأحمد بن هشام بن بهرام، قالوا: أنبأنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن محمد بن عبد الله المرادي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: كنا عند عمار بصفين وعنده شاعر ينشده هجاء في معاوية وعمرو؛ وعمار يقول له:
الصق بالعجوزين فقال له رجل: أيقال الشعر عندكم ويسب أصحاب رسول الله ويسبّ أصحاب بدر؟! فقال: إن شئت فاسمع وإن شئت فاذهب فإن معاوية وعمرا قعدا بسبيل الله يصدان عنه، فالله سابّهما وكل مسلم، وإنه لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: قولوا لهم كما يقولون لكم فإن كنا لنعلمه الإماء بالمدينة.
حدثنا عمرو بن محمد، وإسحاق الهروي قالا: حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا الأعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص فقال عبد الله بن عمرو: يا أبه سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار:
стр. 985
«ويحك يا بن سمية تقتلك الفئة الباغية». فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: ما تزال تأتينا بهنة تدحض (١) بها في بولك، أنحن قتلناه إنما قتله الذين جاؤوا به يعني عليا وأهل العراق.
حدثني روح بن عبد المؤمن النضري، حدثني أبو داود الطيالسي أنبأنا شعبة، أنبأني عمرو بن مرّة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول:
رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخا آدم في يده الحربة وإنها لترعد فقال:- ورأى مع عمرو بن العاص راية - لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الضلال.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير أنبأنا جويرية بن أسماء:
عن يحيى بن سعيد، عن عمّه قال: لما كان اليوم الذي أصيب فيه عمار، وإذا رجل جسيم على فرس ضخم ينادي: يا عباد الله روحوا إلى الجنة - بصوت موجع - الجنة تحت ظلال السيوف والأسل. وإذا هو عمار، فلم يلبث أن قتل.
وقال الواقدي في إسناده: كان القتال الشديد بصفين ثلاثة أيام ولياليهنّ آخرهنّ ليلة الهرير، شبهت بليلة القادسية، فلما كان اليوم الثالث قال عمار لهاشم بن عتبة المرقال - ومعه اللواء - احمل فداك أبي وأمي. فقال هاشم: يا أبا اليقظان إنك رجل تستخفّك الحرب، وإني إن خففت لم آمن الهلكة، فلم يزل به حتى حمل فنهض عمار في كتيبة ونهض إليه ابن ذي
стр. 986
الكلاع فأقتتلوا، وحمل على عمار حوي بن ماتع بن زرعة بن بيحص السكسكي، وأبو الغادية المري فقتلاه وقتل هاشم.
فحدثني أبو زكريا يحيى بن معين، ومحمد بن حاتم المروزي، قالا:
حدثنا عبد الله بن نمير، عن أشعث، عن أبي إسحاق:
أن عليا صلى على عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة، فجعل عمارا مما يليه، وهاشما أمامه وكبر عليهما تكبيرا واحدا قالوا: ذو الكلاع الأكبر:
يزيد بن النعمان الحميري من وحاظة بن سعد، تكلعت عليه قبائل من حمير - أي تجمعت - والذي كان مع معاوية سميقع بن ناكور (١) وقد تكلع على سمقيع وناكور جميعا وناكور بن عمرو بن يعفو بن يزيد بن النعمان، فكان رسول الله ﷺ بعث جرير بن عبد الله إلى سمقيع هذا. ويقال: إلى ناكور فأعتق أربعة آلاف كانوا قنّا له، وقتل شرحبيل بن سميقع ذي الكلاع يوم الخازر في أيام المختار.
وحدثني أحمد بن هاشم بن بهرام، حدثنا وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت:
عن أبي البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة من لبن فإن رسول الله ﷺ قال لي: «إن آخر شربة تشربها شربة لبن»، فشربها وقاتل حتى قتل.
وحدثني إسحاق الفروي عن أبي الفضل الأنصاري قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: حضر أبو الهيثم بن التيهان صفين، فلما رأى عمارا
стр. 987
قد قتل قاتل حتى قتل فصلى عليه عليّ ودفنه.
وقال الواقدي: مات الهيثم بن مالك - وهو التيهان - سنة عشرين وهو من بلي حليف. وقال الكلبي: هو من الأوس. ويقال: إنه حليف لهم من بلي.
قالوا: وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يقاتل يوم صفين وهو يقول:
أعور يبغي اهلا محلا … قد أكثر القول وما أقلا
لا بد أن يفلّ أو يفلا … قد عالج الحياة حتى ملا
أشلهم بذي الكعوب شلا
فحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فقتله فقال الحجاج بن غزّية الأنصاري:
فإن تفخروا با بني بديل وهاشم … فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا
يعني حوشب بن القباعي الالهاني، من ولد الهان أخي همدان. وابنا بديل عبد الله أبو علقمة. وعبد الرحمن أبو عمرة.
وطعن بسر بن أبي أرطاة القرشي قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فما شواه.
وبعض الرواة يزعم أن أويسا القرني العابد قتل مع علي بصفين، ويقال: بل مات بسجستان.
قالوا: وكان علي ﵇ بصفين في خمسين ألفا، ويقال: في مائة ألف. وكان معاوية ﵀ في سبعين ألفا. ويقال: في مائة ألف
стр. 988
فقتل من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفا، والله أعلم.
قالوا: وطعن سعيد بن قيس الهمداني ابن الحضرمي فقتله فقال علي:
لو كنت بوّابا على باب جنة … لقلت لهمدان ادخلوا بسلام (١)
ويقال: إن عون بن جعفر بن أبي طالب وأخاه محمدا قتلا مع علي بن أبي طالب بصفين.
ويقال: إنهما قتلا مع الحسين ﵈، وبعض البصريين يزعم أنهما قتلا بتستر من الأهواز حين فتحت.
وكان عمرو بن العاص يقاتل بصفين وهو يقول:
الموت يغشاه من القوم الأنف … يوم لهمدان ويوم للصدف
وفي سدوس نحوه ما تنحرف … نضربها بالسيف حتى تنصرف
ولتميم مثلها أو تعترف (٢) …
قالوا: ولما كان صبيحة ليلة الهرير - وهي ليلة الجمعة لإثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين - اقتتلوا إلى ارتفاع الضحى، ثم إن عمرو بن العاص أشار برفع المصاحف حين خاف أن ينقلع أهل الشام ورأى صبر أهل العراق وظهورهم؛ فرفعوها بالرماح ونادوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم من لثغور الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور العراق بعد أهل العراق.
стр. 989
فقال علي: والله ما هم بأصحاب قرآن، ولكنهم جعلوها مكيدة وخدعة، بلغهم ما فعلت من رفع المصحف لأهل الجمل ففعلوا مثله، ولم يريدوا ما أردت فلا تنظروا إلى فعلهم وامضوا على تقيتكم (١) ونياتكم.
فمال كثير من أصحاب علي إلى ما دعوا إليه وحرموا القتال واختلفوا، وبعث علي الأشعث بن قيس الكندي إلى معاوية يسأله عن سبب رفعهم المصاحف فقال: رفعناها لتبعثوا رجلا ونبعث رجلا فيكونا حكمين، فما اتفقا عليه عملنا به.
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي، قال: حدثت عن الأعمش عن شقيق بن سلمة أبي وائل أنه سئل: أشهدت صفين؟ قال: نعم وبئست الصفون أشرعنا الرماح في صدورهم وأشرعوها في صدورنا حتى لو مشت الرجال عليها ما اندقت، أو كما قال.
المدائني عن شعبة، عن أبي عون الأعور، عن أبي الضحى عن سليمان، عن الحسن بن علي قال: لقد رأيت أبي حين اشتدّ القتال يقول:
يا حسن وددت أني متّ قبل هذا بعشرين سنة.
стр. 990
مقتل عبيد الله بن عمر بن
الخطاب بصفين
قال أبو مخنف وغيره: قاتل عبيد الله بن عمر بصفين حتى حمي القتال؛ وذلك في آخر أيامهم، فقتله هانئ بن الخطاب، ويقال: مجرز بن الصحصح من بني تيم الله بن ثعلبة. ويقال حريث بن جابر الحنفي، وأخذ سيفه ذو الوشاح - وكان سيف عمر بن الخطاب - فلما ولّي معاوية أخذ السيف من قاتله ورده على آل عمر.
حدثنا أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا جويرية بن أسماء، حدثني سعيد بن أبي عروبة:
عن قتادة قال: استحرّ القتل في صفين بأهل اليمن، وقد كان عليّ عبأ ربيعة لليمن وكانت ربيعة قوما أدركهم الإسلام وهم أهل حروب، فكانوا يصفّون صفين فيقاتل صف ويقف صف، فإذا ملوا القتال وقف هؤلاء وقاتل هؤلاء، وكانت اليمن تحمل بأجمعها فأفنيت اليمن يومئذ، فقال معاوية لأصحابه: من لربيعة؟ فقال عبيد الله بن عمر بن الخطاب: أنا لهم إن أعطيتني ما أسالك. قال: سل. قال: الغمامة تصرفها معي - وهي
стр. 991
كتيبة معاوية كان يقال لها: الغمامة والخضراء والشهباء - فقال: [معاوية للغمامة]: انصرفوا معه. فمال عبيد الله إلى فسطاطه ومعه امرأته بحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني، فدعا بدرع فظاهرها على درعه، قالت: ما هذا يا بن عمر؟ قال: عبأني معاوية لقومك في الغمامة فما ظنك؟ قالت: ظنّي أنهم سيدعوني أيّما منك. فلم ينشب أن قتل.
فلما كان العشي وتراجع الناس أقبلت بحرية على بغل لها وعليها خميصة سوداء ومعها غلمة لها حتى انتهت إلى ربيعة فسلمت ثم قالت:
يا معشر ربيعة لا يخزي الله هذه الوجوه، فو الله ما كنت أحب أن تخزى.
قالوا: من أنت؟ قالت: أنا بحرية. قالوا: بنت هانئ بن قبيصة؟ قالت: نعم. قالوا: مرحبا وأهلا بسيدة نسائنا وابنة سيدنا ما حاجتك؟ قالت: جيفة عبيد الله بن عمر، قالوا: قد أذنا لك فيها وأشاروا إلى الناحية التي صرع فيها، وكانت الريح هاجت عليهم عند زوال الشمس فقلعت أوتاد أبينتهم، فإذا رجل من بني حنيفة قد أوثق طنبا من أطناب خبائه برجل ابن عمر، وإذا هو مسلوب فلما رأته رمت بخميصها عليه، وأمرت غلمانها فحفروا له ثم أجنته وانصرفت وأنشدت قول كعب بن جعيل فيه:
ألا إنما تبكي العيون لفارس … بصفين أجلت خيله وهو واقف
تركن عبيد الله بالقاع مسندا … تمجّ دما منه العروق النوازف
قال أبو مخنف: لما قتل عبيد الله بن عمر بصفين كلم نساؤه معاوية في جثته فأمر فبذلت فيها لربيعة عشرة آلاف درهم، فاستأمروا عليّا فقال:
لا ولكن هبوها لابنة هانئ بن قبيصة. ففعلوا.
стр. 992
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي عن النعمان بن راشد، عن الزهري قال:
لما بلغ معاوية أمر طلحة والزبير ومن معهما؛ دعا أهل الشام إلى القتال على الشورى والطلب بدم عثمان، فبايعوه أميرا غير خليفة، وخرج علي فاقتتلوا بصفين قتالا لم يكن في الإسلام مثله قط، فقتل من أهل الشام عبيد الله بن عمر، وذو الكلاع وحوشب وحابس بن سعد الطائي. وقتل من أهل العراق عمار، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، وابنا بديل الخزاعي، وخزيمة بن ثابت، وابن التيهان. فلما خاف أهل الشام ظهور القوم عليهم قال عمرو لمعاوية:- وهو على القتال-: هل أنت مطيع في أمر أشير به؟ مر رجلا فلينشر المصحف، ثم يقول: يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله، ندعوكم إلى ما بين فاتحته وخاتمته، فإنك إن تفعل ذلك يختلفوا، ولا يزدد أهل الشام إلا اجتماعا وطاعة. فأمر رجلا من أهل الشام يقال له: ابن لهية فنادى بذلك، فاختلف أهل العراق فقالت طائفة منهم كرهت القتال: أجبنا إلى كتاب الله. وقالت طائفة: ألسنا على كتاب الله وبيعتنا وطلب الحق فإن كانت ها هنا شبهة أو شك فلم قاتلنا؟ فوقعت الخصومة بين أهل العراق، فلما رأى عليّ ما فيه أصحابه، وما عرض لهم من الخلاف والتنازع، ورأى وهنهم وكراهة من كره منهم القتال، قارب معاوية فيما دعا إليه فقال: قبلنا كتاب الله، نحن بيننا وبينكم كتاب الله، فقال معاوية تختارون منكم رجلا ونختار منا رجلا. فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، واختار أهل العراق أبا موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وكتبوا بينهم كتابا أن يحكما بكتاب الله والسنة الجامعة غير المفرقة.
стр. 993
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير، عن جويرية، عن يحيى بن سعيد:
عن عتبة قال: تنازلنا بصفين فاقتتلنا بها أيّاما فكثرت القتلى بيننا وعقرت الخيل، فبعث علي إلي عمرو: إن القتلى قد كثروا، فأمسك حتى يدفن الجميع قتلاهم. فأجابه (١): فاختلط بعض القوم ببعض حتى كانوا هكذا:- وشبك بين أصابعه - وكان الرجل من أصحاب علي يشدّ فيقتل في عسكره فيستخرج منه، وكان عمرو يجلس بباب خندقه فلا يخفى عليه قتيل من الفريقين، فمر عليه برجل من أصحاب علي قد قتل في عسكر معاوية فبكى عمرو وقال: لقد كان مجتهدا، فكم من رجل أخشن في أمر الله قد قتل يرى عليّ ومعاوية أنهما بريئان من دمه.
وحدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، حدثني ابن عياش الهمداني قال:
قال معاوية لعمرو: أتذكر إذ غشيك ابن أبي طالب فاتّقيته بسوءتك؟ فقال إني رأيت الموت مقبلا إليّ معه فاتقيته كما رأيت، وكان ورعا فصرفه عنّي حياؤه ولكنّي أذكرك حين دعاك للمبارزة، فقلصت شفتك، ورعدت فرائصك وامتقع لونك.
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:
ان أهل الشام لما رفعوا المصاحف يوم صفين فركن إلى ذلك من ركن؛ كان الأشتر يقاتل أشدّ قتال؛ حتى بعث إليه علي مرة أو مرتين يعزم عليه لينصرفن، فقال: أحين طمعت بالنصر والظفر انصرف؟ فقال الذين
стр. 994
أحبوا الموادعة لعلي: أنت تأمره بالحرب، فبعث إليه بعزيمة مؤكدة فكفّ وقال: خدعتم والله.
حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال:
سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث أن الأحنف بن قيس قال لعلي - حين أراد أن يحكم أبا موسى-: إنّك تبعث رجلا من أهل القرى، رقيق الشغر، قريب القعر، فابعثني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك من هذا الأمر بحيث أنت. فقال له ابن عباس: دعنا يا أحنف فإنا أعلم بأمرنا منك.
حدثني أبو خيثمة، وأحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان قال: سار علي إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار معاوية إلى علي حتى نزلا بصفين، وخلف علي على الكوفة أبا مسعود الأنصاري، فمكثوا بصفين ما شاء الله، ثم إن عبد الله وعبد الرحمن ابني بديل بن ورقاء دخلا على علي فقالا: حتى متى لا تقاتل القوم؟ فقال علي: لا تعجلا. فقال عبد الله بن بديل: ما تنتظر بهم ومعك أهل البصائر والقرآن؟ فقال: اهدأ أبا علقمة. قال: إني أرى أن تقاتل القوم وتتركنا نبيتّهم. فقال: يا أبا علقمة لا تبيّت القوم ولا تدفّف على جريحهم ولا تطلب هاربهم.
ثم إن القوم اقتتلوا بعد ذلك بيومين فحرض معاوية أصحابه وهو يقول: فدى لكم أبي وأمي شدوا فإن عليا يزعم أنه لاحق لكم في هذا الفيء ومعاوية يتمثل في ذلك بقول ابن الأطنابة:
стр. 995
وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي
ومحمد بن عمرو بن العاص أمامه يقاتل أشد قتال وهو يقول: يا أمير المؤمنين إلزم ظهري، وكان أشد الناس مع معاوية، وقال عمرو لابنه عبد الله: أقسمت عليك لتأخذن الراية ثم لتلتزمنّها أبدا، فكثرت القتلى وطفق معاوية يقول لعمرو: الأرض الأرض أبا عبد الله، ثم رجع بعض القوم.
قال: وقال: عياض بن خليفة: خرجت أطوف في القتلى فإذا رجل معه إداوة مملوءة ماءا، وإذا رجل آخر مرمّل بالدماء يقول: أنا عبد الرحمن بن حنبل حليف بني جمح - وكان من أهل اليمن - اقرأوا على أمير المؤمنين السّلام وقولوا له: الغلبة لمن جعل القتلى منه بظهر أي غيبهم، ما تبغى يا عياض؟ قال: قلت: أبتغي أصحابي: أخي، وابن بديل، قال: هيهات قتل أولئك أمس أول النهار، فعرضت عليه الماء الذي مع الرجل في الإداوة، فقال: سلني عمّا شئت قبل أن تسقيني فإني إذا شربت مت. قال: فسألته عما بدا لي ثم سقيته، فما عدا أن شرب حتى مات، وأتيت عليا فأخبرته بما قال فقال: صدق، وأذن في الناس بالخروج وأمرهم أن يجعل القتلى منهم بظهر، وغيب قتلاه حتى لا يرى رجل منهم.
ثم اقتتلوا قتالا شديدا حتى قيل: انكشف معاوية وأقبل ابن لّهية معه مصحف بين أذني فرس وأقبل ناس معهم المصاحف بين أيديهم على خيلهم في رماحهم قد نشروها يقولون: بيننا وبينكم ما فيها. فقام فقال: قد قبلت ودعا بعضهم بعضا إلى أن يحكم بينهم حكمان، فزعموا أنهم دعوا إلى رجلين من الأنصار: عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس بن ثابت، فقيل
стр. 996
لمعاوية: أجعلت أنصاريين، والله ليحكمان عليك فقال معاوية: عمرو، وقال علي: أبو موسى الأشعري، وتراضيا بذلك، وكتبا كتابا وأشهدا فيه من كل جند عشرة، وتمثل علي ﵇:
واعجبا من أي يوميّ أفرّ … أيوم لم يقدر أم يوم قدر (١)
وقال معاوية ﵀:
ثكلتك أمك إن تعطمط (٢) … بحرهم
زبد غواربه وبحرك ساجي
وحدثني وهب بن بقية، حدثنا يزيد بن هارون، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز، قال: عابوا على عليّ تحكيم الحكمين فقال علي:
جعل الله في طائر حكمين، ولا أحكم أنا في دماء المسلمين حكمين؟
وحدثني أبو زكريّا يحيى بن معين، حدثنا عبد الله بن نمير، أنبأنا الأعمش، أنبأنا أبو صالح قال: قال علي: يا أبا موسى أحكم ولو في حزّ عنقي.
وقال أبو موسى الفروي: سمعت ابن نمير يقول: لو حكموا بحكم القرآن نظروا أيّ الفئتين أبغى.
وحدثني المدائني، عن عامر بن الأسود، وإسماعيل بن عياش، عن أبي غالب الجزري، قال: لما صار الناس إلى الحكومة وأن يختاروا رجلين، قال معاوية: قد رضيت عمرو بن العاص. وقال علي: قد رضيت عبد الله بن العباس، فقال الأشعث: ابن عباس وأنت سواء لا يرضى القوم. قال:
فأختار الأشتر، قال: إذا والله يعيدها جذعة وهل نحن إلا في بليّة الأشتر،
стр. 997
قال: فشداد بن أوس. فقال معاوية: لا يحكم فيها يثربي. فقال الأشعث وجميع القرّاء: فأبو موسى فإنه لم يحضر حربنا، فقال عليّ: إنه قد خذل الناس عني وفعل ما فعل، فأبوا أن يرضوا إلا به. فكتب إلى أبي موسى في القدوم وكان ببعض البوادي حذرا من الفتنة فقال له الرسول: إن الناس قد اصطلحوا وقد حكّموك. فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم قدم على عليّ، فقال الأشعث: لو لم يأتك ما طعن معك برمح ولا ضرب بسيف.
قالوا: وكانت القضية بين علي ومعاوية:
بسم الله الرحمن الرحيم:
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضي علي على أهل العراق ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، أنّا ننزل عند حكم الله وبيننا كتاب الله فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما يحيي ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله فإنهما يتبعانه، وما لم يجداه مما اختلفنا فيه في كتاب الله أمضيا فيه السنة العادلة الحسنة الجامعة غير المفرقة.
والحكمان: عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص، وأخذنا عليهما عهد الله وميثاقه ليحكمان بما وجدا في كتاب الله نصا، فما لم يجداه في كتاب الله مسمّى عملا فيه بالسنة الجامعة غير المفرقة. وأخذا من علي ومعاوية ومن الجند كليهما وممن تأمّرا عليه من الناس عهد الله ليقبلن ما قضيا به عليهما وأخذا لأنفسهما الذي يرضيان به من العهد والثقة من الناس؛ انهما آمنان على أنفسهما وأهليهما وأموالهما، وأن الأمة لهما أنصار على ما يقضيان به على
стр. 998
عليّ ومعاوية، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما، وان على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يصلحا بين الأمة، ولا يردّاها إلى فرقة ولا حرب، وان أجل القضية إلى شهر رمضان، فإن أحبّا أن يعجّلاها دون ذلك عجّلا، وإن أحبّا أن يؤخراها من غير ميل منهما أخّراها، وإن مات أحد الحكمين قبل القضاء فإن أمير شيعته وشيعته يختارون مكانه رجلا، لا يألون عن أهل المعدلة والنصيحة والإقساط وأن يكون مكان قضيتهما التي يقضيانها فيه مكان عدل بين الكوفة والشام والحجاز، ولا يحضرهما فيه إلا من أرادا، فإن رضيا مكانا غيره فحيث أحبا أن يقضيا، وأن يأخذ الحكمان من كل واحد من شاءآ من الشهود ثم يكتبوا شهادتهم في هذه الصحيفة أنهم أنصار على من ترك ما فيها: اللهم نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيها إلحادا أو ظلما.
وشهد من كل جند على الفريقين عشرة، من أهل العراق:
عبد الله بن عباس. الأشعث بن قيس. سعيد بن قيس الهمداني. وقاء بن سمي - وبعضهم يقول: ورقاء بن سميّ، ووقاء أصح ذلك - وعبد الله بن طفيل. وحجر بن يزيد الكندي وعبد الله بن حجل البكري. وعقبة بن زياد. ويزيد بن حجيّة التيمي، ومالك بن كعب الأرحبي.
ومن أهل الشام: أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي. حبيب مسلمة الفهري. المخارق بن الحارث الزبيدي. زمل بن عمرو العذري.
حمزة بن مالك الهمداني. عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي.
سبيع بن يزيد الحضرمي. علقمة بن يزيد أخو سبيع هذا. عتبة بن أبي سفيان. يزيد بن الحر العبسي.
стр. 999
قالوا: فلما كتبت القضية خرج بها الأشعث ليقرأها على الناس فمر بها على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية - وهي أمّه وأبوه حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة - وهو أخو مرداس بن أدية - وأدية محاربية - فقال عروة:
أتحكّمون في أمر الله الرجال؟ أشرط أوثق من كتاب الله وشرطه، أكنتم في شكّ حين قاتلتم؟ لا حكم إلا الله - وهو أول من حكم - ثم اعترض للأشعث - وهو على بغلة له - ففاته، فضرب بسيفه عجز البغلة، ويقال:
إن أول من حكم يزيد بن عاصم المحاربي، وقال البرك الصريمي - من بني تميم، ثم من بني مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة-:
أتريدون حكما أقرب عهدا. نحكم في أطراف الأسنة، ثم شدّ عروة بسيفه فضرب عجز دابة الأشعث بن قيس، فغضب للأشعث قومه، فمشى إليه الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، ومعقل بن قيس، ومسعر بن فدكي العنبري، وشبث بن ربعي في جماعة من بني تميم، واعتذروا إليه، فرضي وصفح، وكان سيف عروة أول سيف شهر في التحكيم.
وقيل لعلي: إن الأشتر لم يرض بالصحيفة، ولم ير إلا قتال القوم، فقال: ولا أنا والله رضيت ولن يصلح الرجوع بعد الكتاب.
المدائني، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس قال: قلت لعلي: أتقاضي معاوية على أن يحكم حكمان؟ فقال: ما أصنع أنا مضطهد.
المدائني عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: ما دعا عليا إلى الحكمين؟ فقال: إن أهل العراق ملّوا السيف وجزعوا منه جزعا لم يجزعه أهل الشام، واختلفوا بينهم، فخاف عليّ لمّا رأى
стр. 1000
من وهنهم أن ينكشفوا ويتفرقوا عنه، فمال إلى القضية، مع أنه أخذ بكتاب الله حين أمر بالحكمين في الصيد والشقاق ولو كان معه من يصبر على السيف لكان الفتح قريبا.
وقال أبو مخنف: كان الكتاب يوم الجمعة في صفر، والأجل لشهر رمضان على رأس ثمانية أشهر إلى أن يلتقي الحكمان.
ثم إن الناس دفنوا قتلاهم، وأطلق علي ومعاوية من كان في أيديهما من الأسرى وارتحلوا بعد يومين من القضية، فسلك علي طريقه التي بدا فيها؛ حتى أتى هيت وصندودا، وصار إلى الكوفة في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين.
حدثني علي بن المغيرة، الأثرم، حدثنا أبو عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: كتبت القضية بين علي ومعاوية يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين، فأتى رجل من بني يشكر عليا فقال:
يا علي ارتددت بعد إيمان، وشككت بعد يقين، اللهم إني أبرأ إليك من صحيفتهم وما فيها. فطعن رجلا من أصحاب علي فقتله، وشدّ عليه رجل من همدان فقتله فقال بعض شعرائهم:
ما كان أغنى اليشكري عن التي … يصلى بها حرّا من النار حاميا
عشية يدعو والرماح تنوشه … خلعت عليا باديا ومعاويا
حدثني بكر بن الهيثم، عن أبي نعيم، عن الحسن بن صالح، عن عبد الله بن حسن قال: قال علي للحكمين: أو تحكما بما في كتاب الله لي، وإلا تحكما بما في كتاب الله فلا حكم لكما.
حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا ابن كناسة الأسدي عن
стр. 1001
إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي قال:
لما اجتمع علي ومعاوية على أن يحكّما رجلين اختلف الناس على عليّ فكان عظمهم وجمهورهم مقرين بالتحكيم راضين به، وكانت فرقة منهم - وهم زهاء أربعة آلاف من ذوي بصائرهم والعباد منهم - منكرة للحكومة، وكانت فرقة منهم وهم قليل متوقفين، فأتت الفرقة المنكرة عليا فقالوا: عد إلى الحرب - وكان علي يحبّ ذلك - فقال الذين رضوا بالتحكيم: والله ما دعانا القوم إلا إلى حق وإنصاف وعدل، وكان الأشعث بن قيس وأهل اليمن أشدهم مخالفة لمن دعا إلى الحرب، فقال علي للذين دعوا إلى الحرب: يا قوم قد ترون خلاف أصحابكم وأنتم قليل في كثير، ولئن عدتم إلى الحرب ليكوننّ أشدّ عليكم من أهل الشام، فإذا اجتمعوا وأهل الشام عليكم أفنوكم، والله ما رضيت ما كان ولا هويته، ولكني ملت إلى الجمهور منكم خوفا عليكم. ثم أنشد:
وما أنا إلا من غزية إن غوت … غويت وإن ترشد غزية أرشد
ففارقوه ومضى بعضهم إلى الكوفة قبل كتاب القضية، وأقام الباقون معه على إنكارهم التحكيم ناقمين عليه يقولون: لعلّه يتوب ويراجع، فلما كتبت القضية خرج بها الأشعث فقال عروة بن حدير: يا أشعث ما هذه الدنية؟ أشرط أوثق من شرط الله؟ واعترضه بسيف فضرب عجز بغلته وحكم فغضب للأشعث أهل اليمن حتى مشى الأحنف، وجارية بن قدامة، ومعقل بن قيس، وشبث بن ربعي، ووجوه تميم إليهم فرضوا وصفحوا.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير حدثنا
стр. 1002
الأسود بن شيبان قال سمعت الحسن يقول - وذكر الفتنة-: إن القوم نعسوا نعسة في دينهم.
وحدثنا عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن جدّه قال: كان زياد ابن الأشهب بن ورد الجعدي أتى عليا بعد مقتل عثمان وبيعة الناس عليا ليدخل بينه وبين معاوية، فيقال: إنه أجابه إلى الصلح على أن يوليه فلما نقض طلحة والزبير نقض معهما فقال الجعدي بعد ذلك:
مقام زياد عند باب ابن هاشم … يريد صلاحا بينكم وتقربا
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه عن جده عن العريان بن الهيثم قال: كان الهيثم عثمانيا، وكان شبث بن ربعي علويا فلما مرض شبث بن ربعي مرضه الذي مات فيه؛ بعثني إليه فقلت له: أبي يقرئك السّلام ويقول لك: كيف تجدك؟ - قال: وكان أبي يعيب عليه مشهده يوم صفين كثيرا - فقال: أنا في آخر يوم من الدنيا، فاقرئ أباك السّلام وقل له: إني لم أندم على قتال معاوية يوم صفين، ولقد قاتلت بالسلاح كله إلا الهراوة والحجر، قال: فأتيت أبي فأخبرته، ومات شبث فقال أبي:
إنّي اليوم وإن أملي لي … لقليل العمر من بعد شبث
عاش تسعين خريفا همّه … جمع ما يكسب من غير خبث
غير جان في تميم سنة … تنكس الرأس ولا عهدا نكث
ولقد زلّ هواه زلّة … يوم صفين فأخطا وحنث
فلعل الله أن يرحمه … بقيام الليل والصوم اللهث
وتقى كان عليها دائما … وبكاء ودعاء في الملث (١)
стр. 1003
وقال أبو مخنف في إسناده: خرج الناس إلى صفين وهم أحباء متوادون، ورجعوا وهم أعداء متباغضون يضطربون بالسياط، يقول الخوارج: أدهنتم في أمر الله وحكمتم في كتابه، وفارقتم الجماعة. ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وجماعتنا، فغم عليا تباغضهم واختلافهم فجعل ينشد:
لقد عثرت عثرة لا أعتذر … سوف أكيس بعدها واستمرّ
وأجمع الأمر الشتيت المنتشر (١) …
فلما دخل علي الكوفة في شهر ربيع الأول لم يدخلوا معه وأتوا حروراء فنزلوها، وقد كانوا تتامّوا اثنا عشر ألفا، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والأمر بعد شورى، والبيعة لله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فسموا الحرورية لمصيرهم إلى حروراء، وعسكر علي بالنخيلة فيمن أطاعه، وكان شبث قد مال إلى الحرورية؛ ثم آب فرجع إلى علي ﵇.
وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان: أن عليا لما كتب كتاب القضية نفروا من ذلك، فحكم من حكم منهم، ثم افترقوا ثلاث فرق: فرجعت فرقة منهم إلى أمصارهم ومنازلهم الأولى فأقاموا بها، فكان ممن رجع الأحنف، وشبث بن ربعي، وأبو بلال مرداس بن أديه، وابن الكواء، بعد أن ناشدهم علي وقال: اصبروا على هذه القضية فإن رأيتموني قابلا الدنية فعند ذلك
стр. 1004
ففارقوني فرجعوا (١) إلى العراق إلى منازلهم، وأقامت الفرقة الثانية وقالوا:
لا نعجل حتى ننظر إلى ما يصير شأنه، ومضت الفرقة التي شهدت على علي وأصحابه بالشرك؛ وهم أهل النهروان الذين قاتلوه.
стр. 1005
أمر الحكمين وما كان منهما
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن وهب، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان قال: لما تقاضوا وانصرفوا إلى بلادهم مكثوا بقية السنة التي اقتتلوا فيها بصفين؛ حتى إذا كان شهر رمضان من سنة ست - أو سبع - وثلاثين، خرج عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص ومعهما من جندهما من أحبّا، وكان ابن عباس قاضي علي - أو قال: خليفة علي - حتى نزلا بتدمر شهرا يتراجعان ويكتبان إلى صاحبيهما، ويكتب صاحباهما إليهما حتى دخلا في السنة المقبلة، ثم تحولا من تدمر إلى دومة الجندل فأقاموا بها شهرا، ثم تحولا من دومة الجندل إلى أذرح (١)؛ وكتبا إلى صاحبيهما ومن أرادا من الناس، وأنفذا إلى عليّ كتابا مع معن بن يزيد بن الأخنس السلمي، وجاء معاوية للميعاد؛ في رجال أهل الشام فيهم عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحبيب بن مسلمة.
وكتبوا إلى ناس من أهل المدينة منهم: سعيد بن زيد بن عمرو بن
стр. 1006
نفيل، فأبى أن يخرج إليهم، فكتبوا إلى سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الأرقم الزهري، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. ويقال إن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أتاهم من غير أن يكتب إليه.
وأتاهم أبو جهم بن حذيفة وهم بأذرح، ورجع الرسول الموجّه إلى علي ولم يقدم علي معه. وقال سعد بن أبي وقاص: أنا أحق الناس بهذا الأمر لم أشرك في دم عثمان، ولم أحضر شيئا ما من هذه الأمور الفتنة.
وقال ابن الزبير لابن عمر: اشدد لي ضبعك فإن الناس لم يختلفوا فيك. ولم يشك الناس في ابن عمر، وكان أبو موسى الأشعري مع ابن عباس (١).
فتحاور الحكمان في أمرهما فدعا أبو موسى إلى عبد الرحمن بن الأسود ابن عبد يغوث الزهري فاختلفا، فقال عمرو: هل لك في أمر لا نختلف معه؟ قال: وما هو؟ قال: يجعل أيّنا ولاه صاحبه الأمر إلى من رأى، وعليه عهد الله وميثاقه ليجهدنّ للمسلمين. قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: ذاك إليك بعهد الله وميثاقه؟ قال أبو موسى: لا. قال عمرو:
فهو إلي بذلك. قال أبو موسى: قد أعطيتك إيّاه، قال عمرو: نعم قد قبلت. ثم ندم أبو موسى فقال: ألا تدري ما مثلك يا عمرو؟ مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا. يقول: إنك لا تنظر لدين ولا ترعى الذي حملت من الأمانة والعهد. فقال عمرو: مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن جعلت الأمر إليّ أبيت، وإن جعلته إليك أبيت.
стр. 1007
ثم خلا عمرو بعبد الله بن عمر فقال له: اجتمع أمر الناس عليك وأنت أحقهم بهذا الأمر، فإن عليا قد تخلف عنا، وترك ما افترقنا عليه، ولا بد للناس من إمام يلي أمورهم ويحوطهم ويقاتل من ورائهم.
فقال ابن عمر: ما أنا بالذي أقاتل الناس فتؤمرّوني عليهم، ولا حاجة لي في الإمرة، فزعموا أن عمرا قال له: أتجعلني على مصر؟ فقال: والله لو وليت من الأمر شيئا ما استعملتك على شيء.
قال: وأقبل معاوية حين خلا عمرو بابن عمر ليبايعه فقال له رجل بالباب: لا تعجل فإنهما قد اختلفا؛ وابن عمر يأباها. فرجع معاوية فلما أبى ابن عمر أن يقبلها تفرق الناس ورجعوا إلى أرضيهم ورجع أبو موسى إلى مكة ولم يلحق بعلي، وانصرف معاوية ولم يبايع له، وكان تفرق الناس والحكمين عن أذرح في شعبان، فقال كعب بن جعيل التغلبي:
كأنّ أبا موسى عشية أذرح … يطيف بلقمان الحكيم يواربه
ولما التقينا في تراث محمد … علت بابن هند في قريش مضاربه
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال:
سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن نافع قال: لما اجتمعوا بدومة الجندل قال عمرو لابن عمر: إنا قد رأينا أن نبايعك فهل لك أن نعطيك مالا وتدعها لمن هو أحرص عليها منك؟ فوثب ابن عمر مغضبا، فأخذ ابن الزبير بثوبه فجلس وقال: ويحك يا عمرو بعت آخرتك بدنياك، إني والله لا أعطي عليها مالا، ولا أقبل عليها مالا، ولا أقبلها إلا عن رضى جميع الناس.
стр. 1008
حدثني أبو خيثمة، حدثنا وهب، عن جويرية بن اسماء.
عن نافع، أن ابن عمر شهد مجتمعهم بأذرح للحكومة وأنّ عمرا قال له: ما تجعل لي أن صرفتها إليك؟ قال: لا أجعل لك والله شيئا ولا أقبلها حتى لا يختلف عليّ فيها اثنان.
حدثنا علي بن محمد المدائني، عن محمد بن صالح، عن محمد بن السائب الكلبي قال:
قدم علي الكوفة من صفين لعشر ليال بقين من شهر ربيع الأول، فأقام ستة أشهر يجبي المال ويبعث العمال وينظر في أمور الناس، فبينا هو على ذلك والخوارج مقيمون على انكار الحكومة، إذ قدم عليه معن بن يزيد بن الأخنس السلمي من قبل معاوية فقال له: إن معاوية قد وفى فينبغي لك أن تفي كما وفى. فبعث علي عبد الله بن عباس وأربعمائة وأبا موسى معهم فكان ابن عباس يصلي بهم ويلي أمورهم، وكان أبو موسى الحكم، فنزلوا دومة الجندل، وحضرهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الأسود الزهري، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأبو الجهم بن حذيفة العدوي، والمغيرة بن شعبة الثقفي وكان معتزلا لأول الأمر. والثبت أن سعدا لم يحضر، وقد حرص ابنه عمر أن يشخص فلم يفعل.
المدائني عن أبي الفضل التنوخي، عمن سمع ميمون بن مهران يحدث عمر بن عبد العزيز، قال:
لما أهل شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، خرج معاوية من دمشق في أربعمائة حتى نزل دومة الجندل، وسرح يزيد بن الحرّ العبسي إلى علي يعلمه
стр. 1009
نزوله دومة الجندل، ويسأله الوفاء، فأتى عليا فحثه على الشخوص وقال:
إن في حضورك هذا الأمر صلاحا ووضعا للحرب واطفاء للنائرة. فقال علي: يا بن الحر، إني آخذ بأنفاس هؤلاء فإن تركتهم وغبت عنهم كانت الفتنة في هذا المصر أعظم من الحرب بينهم وبين أهل الشام، ولكني أسرح أبا موسى، فقد رضيه الناس، وأسرح ابن عباس، فهو يقوم مقامي، ولن أغيب عما حضره، ففعل ذلك فبعث إلى ابن عباس فأقدمه من البصرة، وأقدم أبا موسى، وكان توجه إلى بعض النواحي فقدما عليه فوجههما في خيل وأقام.
حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده محمد بن السائب والشرقي بن القطامي قالا: سمعنا الناس يتحدثون بأن ابن عباس خلا بعلي حين أراد أن يبعث أبا موسى فقال: إني أخاف أن يخدع معاوية وعمرو أبا موسى، فابعثني حكما ولا تبعثه ولا تلتفت إلى قول الأشعث وغيره ممن اختاره فأبى، فلما كان من أمر أبي موسى وخديعة عمرو له ما كان، قال علي: لله درّ ابن عباس إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ، عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي وائل قال:
قال سهل بن حنيف الأنصاري بصفين حين حكّم الحكمان:
ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا لأمر إلا أسهل بنا إلى ما نعرفه، إلا أمرنا هذا.
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف لوط بن يحيى، وعن عوانة في اسنادهما قالوا: لما قدم علي الكوفة وقد فارقته المحكمة - وهم الخوارج - وثب إليه شيعته فقالوا: بيعتك في أعناقنا فنحن أولياء من واليت
стр. 1010
وأعداء من عاديت، فقال الخوارج: تسابق هؤلاء وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وبايع هؤلاء عليا على أنهم أولياء من والى، وأعداء من عادى.
وبعث علي عبد الله بن عباس إلى الخوارج وهم معتزلون بحروراء وبها سموا الحرورية، فقال: أخبروني ماذا نقمتم من الحكمين؟ وقال الله في الشقاق: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ﴾ (١) الآية: وقال في كفارة الصيد يصيبه المحرم: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) قالوا: ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وأما ما حكم به وأمضاه في الشرائع والسنن والعزائم فليس للعباد أن ينظروا فيه، ألا ترى أن الحكم (٣) في الزاني والسارق والمرتد وأهل البغي مما لا ينظر العباد فيه ولا يتعقبونه. وقالوا: إن الله يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فعمرو بن العاص عدل؟ وحكم الله في معاوية وأتباعه أن يقاتلوا ببغيهم حتى يفيئوا إلى أمر الله. فلم يجبه أحد منهم، ويقال أجابه ألفا رجل، ويقال: أربعة آلاف رجل.
ثم إن عليا سأل عن يزيد بن قيس الأرحبي فقيل: إنهم يطيفون به ويعظمونه، فخرج عليّ حتى أتى فسطاطه فصلى فيه ركعتين ثم خاطبهم فقال:
نشدتكم الله هل تعلمون أني كنت أكرهكم للحكومة فيما بيننا وبين القوم، ولوضع الحرب، واعلمتكم انّهم إنّما رفعوا المصاحف خدعة ومكيدة، فردّ عليّ رأيي وأمري، فشرطت في الكتاب على الحكمين أن يحييا
стр. 1011
ما أحيا الكتاب، ويميتا ما أمات؟ فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف ما حكما به، وإن أبيا وزاغا فنحن من حكمهما براء، وإنما حكّمنا القرآن ولم نحكّم الرجال، لأن الرجال إنما ينطقون بما بين اللوحين.
قالوا: فلم كتبت اسمك ولم تنسب نفسك إلى إمرة المؤمنين، أكنت مرتابا في حقك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ لمّا كتب القضية بينه وبين قريش قال: اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو، فقال أهل مكة: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فكتب «محمد بن عبد الله». قالوا: إنما قلت لنا ما قلت وقد تاب إلى الله من كان منا مائلا إلى الحكومة، وعادلهم إلى المنابذة ونصب الحرب، فإن تبت وإلا اعتزلناك، قال: فإني أتوب إلى الله وأستغفره من كل ذنب، وقال لهم: ادخلوا مصركم رحمكم الله. فدخلوا من عند آخرهم وبايعوه على إعادة حرب القوم، وقالوا: نجبي الخراج ونسمن الكراع ثم نسير إليهم.
وقدم معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب السّلمي على علي من قبل معاوية، يستبطيه في الحكومة، وقال: إن معاوية قد وفى ففه ولا يلفتنّك عن رأيك أعراب تميم وبكر. فبعث أربعمائة من أصحابه عليهم شريح بن هانئ، وبعث ابن عباس على صلاتهم والقضاء بينهم وولاية أمورهم، وبعث معهم أبا موسى الأشعري، وبعث معاوية عمرا في أربعمائة من أهل الشام فتوافوا بدومة الجندل والتقى الحكمان فقال عمرو: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما؟ قال: أشهد. قال: افلست تعلم أن معاوية ولي عثمان؟ قال: بلى. قال: فإن الله يقول: ﴿وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا﴾
стр. 1012
﴿لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾ (١) فما يمنعك من معاوية مع موضعه وشرفه، وإنه في صواب تدبيره ورفق سياسته على ما ليس عليه غيره، وإن وليّ كنت المقدم عنده وبسط يدك فيما احببت من ولايته، فقال أبو موسى: إن هذا الأمر لا يكون بالشرف؛ وغيره مما ذكرت، وإنما يكون لأهل الدين والفضل والشدة في أمر الله، مع أني لو اعطيته أعظم قريش شرفا أعطيته عليا وأما الولاية فلو إن معاوية خرج إليّ من سلطانه كله إذا ولي ما وليت؛ ما كنت لأرضى بالدنية في دين الله وحقه، ولكن إذا شئت احيينا ذكر عمر فقال عمرو: فإن كنت تريد بيعة ابن عمر؛ فما يمنعك من ابني عبد الله بن عمرو؟ وأنت تعرف فضله وصلاحه. قال: إن ابنك لرجل صدق لكنّك قد غمسته في الفتنة، ولكن إن شئت ولينا الطيب بن الطيب عبد الله بن عمر. فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل له ضرس يأكل به ويطعم. فقال له: يا عمرو ويحك إن العرب قد اسندت إليك أمرها بعد أن تقارعت بالسيوف وتناكزت بالرماح، فلا تردنهم إلى مثل ذلك.
وأخذ عمرو بن العاص يقدم أبا موسى في الصلاة والكلام يعظمه ويوقره ويقول: أنت صاحب رسول الله ﷺ قبلي ولك سنّك وفضلك، فإذا تكلم تكلم بعده عودّه ذلك، ثم قال أبو موسى لعمرو: ما رأيك؟ قال رأيي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى فيختار المسلمون لأنفسهم وتنقطع الحرب. قال أبو موسى: نعم ما رأيت. قال عمرو:
فتقدم رحمك الله فإنك صاحب رسول الله ﷺ . فقال أبو موسى: أيها الناس إنّ رأينا قد اتفق على أمر أرجو أن يصلح الله به شأن هذه الأمة. فقال
стр. 1013
عمرو: صدق وبرّ، وتكّلم يا أبا موسى بما تريد فدعاه ابن عباس فقال له:
ويحك أظنّه قد خدعك، إن كنتما اتّفقتما على أمر فقدمه قبلك فليتكلم ثم تكلم أنت فإنه رجل غدار. وكان أبو موسى مغفّلا، فقال: إنّا قد اتفقنا ولا خلاف بيننا. وتكلم أبو موسى فقال - بعد أن حمد الله وأثنى عليه-: إنّا نظرنا في هذا الأمر فلم نر شيئا أصلح من خلع هذين الرجلين ثم تستقبل الأمة أمورها فتكون أمورهم شورى يولون من اختاروا، إني قد اختلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أموركم وولوا من رأيتم أنتم. وتنحى، وأقبل عمرو فقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلعه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه وليّ عثمان والطالب بدمه وهو أصلح سياسة وأحزم رأيا من غيره. ويقال إنه قال: إن أبا موسى قد خلع صاحبه وقد خلعته كما خلعت نعلي هذه، وثبّت صاحبي معاوية فقال له أبو موسى:
مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت إنما مثلك ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (١) فقال عمرو: مثلك ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ (٢) وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل محمد بن عمرو بن العاص - أو غيره من ولده - على شريح فضربه بسوطه وقام الناس فحجزوا بينهما. وطلب أهل الكوفة أبا موسى فركب راحلته ولحق بمكة.
وقال ابن عباس: قبحا لرأي أبي موسى لقد حذرته وأمرته بالرأي فما عقل ولا قبل. وكان أبو موسى يقول: لقد حذرني ابن عباس غدر الفاسق ولكن اطمأننت إليه.
стр. 1014
وانصرف أهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة وبايعوه، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى عليّ بالخبر، فكان عليّ إذا صلى الغداة قنت فقال: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الأعور، وحبيب بن مسلمة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والضحاك بن قيس، والوليد بن عقبة. فبلغ ذلك معاوية فكان يلعن عليا والأشتر، وقيس بن سعد، والحسن، والحسين، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، رضي الله تعالى عنهم.
حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن ابن أبي حرة الحنفي أن عليا خرج ذات يوم فخطب فإنه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: كلمة حق يعزى بها - او قال: يراد بها - باطل، إنّه لا حكم إلا لله؛ ولكنهم يقولون إنه لا إمرة، ولا بدّ من أمير يعمل في امرته المؤمن ويستمع الفاجر (١) فإن سكتوا تركناهم - أو قال:
عذرناهم - وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم، فقام يزيد بن عاصم المحاربي فقال: اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن ذلك إدهان وذا يرجع إلى سخط الله فخرج هو وأخوه فقتلوا بالنهروان.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن النعمان بن راشد:
عن الزهري قال: لما قدم علي بن أبي طالب إلى الكوفة من صفين خاصمته الحرورية ستة أشهر وقالوا: شككت في أمرك وحكمت عدوك ووهنت في الجهاد، وتأولوا عليه القرآن فقالوا: قال الله: ﴿وَاللهُ يَقْضِي﴾
стр. 1015
﴿بِالْحَقِّ﴾ (١) الآية: وطالت خصومتهم لعلي، ثم زالوا براياتهم وهم خمسة آلاف عليهم ابن الكواء، فأرسل إليهم علي عبد الله بن عباس وصعصعة بن صوحان فدعواهم إلى الجماعة وناشداهم فأبوا عليهما، فلما رأى ذلك علي أرسل إليهم إنا نوادعكم إلى مدة نتدارس فيها كتاب الله لعلنا نصطلح، وقال لهم: ابرزوا منكم اثنا عشر نقيبا؛ وأبعث منا مثلهم ونجتمع بمكان كذا فيقوم خطباؤنا بحججنا وخطباؤكم بحججكم. ففعلوا ورجعوا فقام علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإني لم أكن أحرصكم على هذه القضية وعلى التحكيم، ولكنكم وهنتم في القتال، وتفرقتم علي وخاصمني القوم بالقرآن ودعونا إليه، فخشيت ان أبيت الذي دعوا إليه من القرآن والحكم، ان يتأولوا علي قول الله: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) الآية: ويتأولوا قوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ،﴾ إلى قوله: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) ويتأولوا قوله: ﴿وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا﴾ (٤) الآية فلم آب عليهم التحاكم، وخشيت أن تقولوا: فرض الله في كتابه الحكومة في أصغر الأمر فكيف الأمر الذي فيه سفك الدماء، وقطع الارحام وانتهاك الحريم، وخفت وهنكم وتفرقكم.
ثم قامت خطباء الحرورية، فقالوا: دعوتنا إلى كتاب الله والعمل به فأجبناك وبايعناك وقد قتلت في طاعتك قتلانا يوم الجمل وصفين، ثمّ
стр. 1016
شككت في أمر الله وحكّمت عدوك، ونحن على أمرك الذي تركت، وأنت اليوم على غيره، فلسنا منك إلا أن تتوب منه وتشهد على نفسك بالضلالة.
فلما فرغوا من قولهم: قال علي:
أما أن أشهد على نفسي بالضلالة فمعاذ الله أن أكون ارتبت منذ أسلمت، أو ضللت منذ اهتديت، بل بنا هداكم الله من الضلالة، واستنقذكم من الكفر، وعصمكم من الجهالة، وإنما حكمت الحكمين بكتاب الله والسنة الجامعة غير المفرقة، فإن حكما بكتاب الله كنت أولى بالأمر من حكمهما، وإن حكما بغير ذلك لم يكن لهما علي وعليكم حكم.
ثم تفرقوا فأعاد إليهم عبد الله بن عباس وصعصعة فقال لهم صعصعة: اذكركم الله أن تجعلوا فتنة العام مخافة فتنة عام قابل، فقال ابن الكواء: ألستم تعلمون إني دعوتكم إلى هذا الأمر؟ فقالوا: بلى. قال:
فإني أول من أطاع هذا الرجل فإنه واعظ شفيق. فخرج معه منهم نحو من خمسمائة فدخلوا في جملة علي وجماعته، وبقي منهم نحو من خمسة آلاف رجل فقال عليّ: اتركوهم حتي يأخذوا؛ ويسفكوا دما حراما ففعل ذلك.
حدثنا ابو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن الصلت بن بهرام قال: لما قدم علي الكوفة من صفين جعل يخطب الناس وجعلت الخوارج تقول - وهو على المنبر-: قبلت الدنية بالقضية، وجزعت عن البلية لا حكم إلا لله. فيقول: حكم الله انتظر فيكم. فيقولون: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (١)، فيقول علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ﴾
стр. 1017
﴿اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١).
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا أبو الحكم العبدي، عن معمر، عن الزهري قال: أنكرت الحكومة على علي طائفة من أصحابه قدمت إلى بلدانها من صفين، وانحاز منهم اثنا عشر ألفا - ويقال ستة ألاف - إلى موضع يقال له: حروراء بناحية الكوفة فبعث إليهم علي ابن عباس وصعصعة؛ فوعظهم صعصعة. وحاجهم ابن عباس فرجع منهم ألفان وبقي الآخرون على حالهم حينا، ثم دخلوا الكوفة، فلما انقضت المدة في القضية وأراد علي توجيه أبي موسى أتاه حرقوص بن زهير التميمي وزيد بن حصين الطائي وزرعة بن البرج الطائي في جماعة من الحرورية، فقالوا: إتق الله وسر إلى عدوك وعدونا، وتب إلى الله من الخطيئة؛ وارجع عن القضية، فقال علي: أما عدوكم فإني أردتكم على قتالهم وأنتم في دارهم فتواكلتم ووهنتم وأصابكم ألم الجراح فجزعتم وعصيتموني، وأما القضية فليست بذنب ولكنها تقصير وعجز أتيتموه وأنا له كاره، وأنا أستغفر الله من كل ذنب.
فقال له زرعة: والله لئن لم تدع التحكيم في أمر الله لأجاهدنك، فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك؛ كأني أنظر اليك غدا صريعا تسفي عليك الرياح، قال: وددت ذلك قد كان، فانصرفوا وهم يظهرون التحكيم ويدخلون الكوفة، فإذا صلى علي وخطب حكّموا، فيقول علي: كلمة حق يعتزى بها باطل.
وبلغ يزيد بن عاصم المحاربي قول علي لزرعة بن البرج، فأتاه فقال: يا علي أتخوفنا بالقتل؛ إنا لنرجو أن نضربكم بها عن قليل غير
стр. 1018
مصفحات، ثم تعلم أينا أولى بها صليا، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في دينك فإنها إدهان وذل.
وقام رجل إلى علي ﵇ فقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.
حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي المنذر، عن عوانة وعن أبي مخنف (١) قالا: قال علي ﵇:
يا شاهد الله علي فاشهد … آمنت بالله ولي أحمد (٢)
من شك في الله فإني مهتد
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن فراس، عن الشعبي قال: لما حاج علي أهل حروراء دخلوا جميعا الكوفة، فنظر علي إلى حصين بن يزيد الطائي فحطأ علي على كتفه وقال: ذبي (٣) حجل فقال زيد:
حقا لقد ذبّت بأطراف الأسل … في يوم صفين وفي يوم الجمل
فقال علي: إنها لجنيدة. قال زيد: وهل ينفع عندك الجند.
ولما دخلوا الكوفة جعل الناس يقولون: تاب أمير المؤمنين وزعم أن الحكومة كفر وضلال. وإنما ننتظر أن يسمن الكراع ثم نشخص إلى الشام.
فبلغ ذلك عليا فقال: كذب من قال: إني رجعت عن القضية وقلت إن
стр. 1019
الحكومة ضلال. وكانت الحرورية قد سكنت فعادت بعد إلى التحكيم.
المدائني في إسناده قال: لما دخل المحكمة الكوفة، ونزلوا حروراء وذهب عنهم كلال السفر؛ مشت عصبة منهم إلى علي فقالوا: علام كنا نقاتل يوم الجمل؟ قال: على الحق. قالوا: فأهل البصرة؟ قال: على النكث والبغي. قالوا: فأهل الشام؟ قال هم وأهل البصرة سواء. قالوا:
فلم أجبت معاوية إلى وضع الحرب؟ قال: خالفتموني وخفت الفتنة.
قالوا: فعد إلى أمرك. قال: قد أعطيتهم ميثاقا إلى مدة فلا يحل قتالهم حتى تنقضي المدة، وقد أخذنا على الحكمين أن يحكما بكتاب الله، فإن حكما به فأنا أولى الخلق بالأمر. فقالوا: إن معاوية يدعي مثل الذي تدعي.
ففارقوه.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني عبد الرحمن بن غزوان، أنبأنا محمد بن طلحة بن مصرف، عن زبيد اليامي أنه قال (١) لمرّة بن شراحيل الطيب: ألا تلحق بعلي بصفين؟ فقال: إن عليا سبقني بخير عمله في بدر وذواتها وأنا أكره أن أشركه فيما صار فيه.
стр. 1020
أمر وقعة النهروان
حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي، حدثني يحيى بن آدم، أنبأنا سفيان، عن الأعمش وغيره، قالوا: خرج علي إلى أهل حروراء فكلمهم وحاجّهم وذلك بعد بعثته ابن عباس إليهم فدخلوا جميعا إلى الكوفة، وكان الرجل منهم يذكر القضية فيخرج فيحكّم، وكان علي يقول: إنا لا نمنعهم الفيء ولا نحول بينهم وبين دخول مساجد الله، ولا نهّيجهم ما لم يسفكوا دما وما لم ينالوا محرما.
وحدثني عبد الله بن صالح. عن ابن مجالد بن سعيد، عن أبيه، عن عامر الشعبي قال: لما أراد علي إمضاء أمر أبي موسى الأشعري أتاه حرقوص بن زهير التميمي، وشريح بن أوفى العبسي، وفروة بن نوفل الأشجعي، وعبد الله بن شجرة السلمي، وجمرة بن سنان الأسدي، وعبد الله بن وهب الراسبي - وكان يقال له: ذو الثفنات لأثر سجوده بوجهه ويديه وشبه ذلك بثفنات البعير - فسألوه أن لا يوجه أبا موسى، وأن يسير إلى الشام، فأبى ذلك وقال: فارقنا القوم على شيء فلا يجوز نقضه. فانصرفوا