شككت في أمر الله وحكّمت عدوك، ونحن على أمرك الذي تركت، وأنت اليوم على غيره، فلسنا منك إلا أن تتوب منه وتشهد على نفسك بالضلالة.
فلما فرغوا من قولهم: قال علي:
أما أن أشهد على نفسي بالضلالة فمعاذ الله أن أكون ارتبت منذ أسلمت، أو ضللت منذ اهتديت، بل بنا هداكم الله من الضلالة، واستنقذكم من الكفر، وعصمكم من الجهالة، وإنما حكمت الحكمين بكتاب الله والسنة الجامعة غير المفرقة، فإن حكما بكتاب الله كنت أولى بالأمر من حكمهما، وإن حكما بغير ذلك لم يكن لهما علي وعليكم حكم.
ثم تفرقوا فأعاد إليهم عبد الله بن عباس وصعصعة فقال لهم صعصعة: اذكركم الله أن تجعلوا فتنة العام مخافة فتنة عام قابل، فقال ابن الكواء: ألستم تعلمون إني دعوتكم إلى هذا الأمر؟ فقالوا: بلى. قال:
فإني أول من أطاع هذا الرجل فإنه واعظ شفيق. فخرج معه منهم نحو من خمسمائة فدخلوا في جملة علي وجماعته، وبقي منهم نحو من خمسة آلاف رجل فقال عليّ: اتركوهم حتي يأخذوا؛ ويسفكوا دما حراما ففعل ذلك.
حدثنا ابو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن الصلت بن بهرام قال: لما قدم علي الكوفة من صفين جعل يخطب الناس وجعلت الخوارج تقول - وهو على المنبر-: قبلت الدنية بالقضية، وجزعت عن البلية لا حكم إلا لله. فيقول: حكم الله انتظر فيكم. فيقولون: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (١)، فيقول علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ﴾
стр. 1017
﴿اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١).
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا أبو الحكم العبدي، عن معمر، عن الزهري قال: أنكرت الحكومة على علي طائفة من أصحابه قدمت إلى بلدانها من صفين، وانحاز منهم اثنا عشر ألفا - ويقال ستة ألاف - إلى موضع يقال له: حروراء بناحية الكوفة فبعث إليهم علي ابن عباس وصعصعة؛ فوعظهم صعصعة. وحاجهم ابن عباس فرجع منهم ألفان وبقي الآخرون على حالهم حينا، ثم دخلوا الكوفة، فلما انقضت المدة في القضية وأراد علي توجيه أبي موسى أتاه حرقوص بن زهير التميمي وزيد بن حصين الطائي وزرعة بن البرج الطائي في جماعة من الحرورية، فقالوا: إتق الله وسر إلى عدوك وعدونا، وتب إلى الله من الخطيئة؛ وارجع عن القضية، فقال علي: أما عدوكم فإني أردتكم على قتالهم وأنتم في دارهم فتواكلتم ووهنتم وأصابكم ألم الجراح فجزعتم وعصيتموني، وأما القضية فليست بذنب ولكنها تقصير وعجز أتيتموه وأنا له كاره، وأنا أستغفر الله من كل ذنب.
فقال له زرعة: والله لئن لم تدع التحكيم في أمر الله لأجاهدنك، فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك؛ كأني أنظر اليك غدا صريعا تسفي عليك الرياح، قال: وددت ذلك قد كان، فانصرفوا وهم يظهرون التحكيم ويدخلون الكوفة، فإذا صلى علي وخطب حكّموا، فيقول علي: كلمة حق يعتزى بها باطل.
وبلغ يزيد بن عاصم المحاربي قول علي لزرعة بن البرج، فأتاه فقال: يا علي أتخوفنا بالقتل؛ إنا لنرجو أن نضربكم بها عن قليل غير
стр. 1018
مصفحات، ثم تعلم أينا أولى بها صليا، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في دينك فإنها إدهان وذل.
وقام رجل إلى علي ﵇ فقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.
حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي المنذر، عن عوانة وعن أبي مخنف (١) قالا: قال علي ﵇:
يا شاهد الله علي فاشهد … آمنت بالله ولي أحمد (٢)
من شك في الله فإني مهتد
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن فراس، عن الشعبي قال: لما حاج علي أهل حروراء دخلوا جميعا الكوفة، فنظر علي إلى حصين بن يزيد الطائي فحطأ علي على كتفه وقال: ذبي (٣) حجل فقال زيد:
حقا لقد ذبّت بأطراف الأسل … في يوم صفين وفي يوم الجمل
فقال علي: إنها لجنيدة. قال زيد: وهل ينفع عندك الجند.
ولما دخلوا الكوفة جعل الناس يقولون: تاب أمير المؤمنين وزعم أن الحكومة كفر وضلال. وإنما ننتظر أن يسمن الكراع ثم نشخص إلى الشام.
فبلغ ذلك عليا فقال: كذب من قال: إني رجعت عن القضية وقلت إن
стр. 1019
الحكومة ضلال. وكانت الحرورية قد سكنت فعادت بعد إلى التحكيم.
المدائني في إسناده قال: لما دخل المحكمة الكوفة، ونزلوا حروراء وذهب عنهم كلال السفر؛ مشت عصبة منهم إلى علي فقالوا: علام كنا نقاتل يوم الجمل؟ قال: على الحق. قالوا: فأهل البصرة؟ قال: على النكث والبغي. قالوا: فأهل الشام؟ قال هم وأهل البصرة سواء. قالوا:
فلم أجبت معاوية إلى وضع الحرب؟ قال: خالفتموني وخفت الفتنة.
قالوا: فعد إلى أمرك. قال: قد أعطيتهم ميثاقا إلى مدة فلا يحل قتالهم حتى تنقضي المدة، وقد أخذنا على الحكمين أن يحكما بكتاب الله، فإن حكما به فأنا أولى الخلق بالأمر. فقالوا: إن معاوية يدعي مثل الذي تدعي.
ففارقوه.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني عبد الرحمن بن غزوان، أنبأنا محمد بن طلحة بن مصرف، عن زبيد اليامي أنه قال (١) لمرّة بن شراحيل الطيب: ألا تلحق بعلي بصفين؟ فقال: إن عليا سبقني بخير عمله في بدر وذواتها وأنا أكره أن أشركه فيما صار فيه.
стр. 1020
أمر وقعة النهروان
حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي، حدثني يحيى بن آدم، أنبأنا سفيان، عن الأعمش وغيره، قالوا: خرج علي إلى أهل حروراء فكلمهم وحاجّهم وذلك بعد بعثته ابن عباس إليهم فدخلوا جميعا إلى الكوفة، وكان الرجل منهم يذكر القضية فيخرج فيحكّم، وكان علي يقول: إنا لا نمنعهم الفيء ولا نحول بينهم وبين دخول مساجد الله، ولا نهّيجهم ما لم يسفكوا دما وما لم ينالوا محرما.
وحدثني عبد الله بن صالح. عن ابن مجالد بن سعيد، عن أبيه، عن عامر الشعبي قال: لما أراد علي إمضاء أمر أبي موسى الأشعري أتاه حرقوص بن زهير التميمي، وشريح بن أوفى العبسي، وفروة بن نوفل الأشجعي، وعبد الله بن شجرة السلمي، وجمرة بن سنان الأسدي، وعبد الله بن وهب الراسبي - وكان يقال له: ذو الثفنات لأثر سجوده بوجهه ويديه وشبه ذلك بثفنات البعير - فسألوه أن لا يوجه أبا موسى، وأن يسير إلى الشام، فأبى ذلك وقال: فارقنا القوم على شيء فلا يجوز نقضه. فانصرفوا
стр. 1021
إلى منزل عبد الله بن وهب من فورهم - أو منزل زيد بن حصين - فذكروا من أصيب من أصحاب علي بصفين مثل عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت وأبي الهيثم بن التيهان وأشباههم وذكروا أمر الحكمين، وكفروا من رضي بالحكومة، وبرئوا من علي، ثم مشى، بعض الحرورية إلى بعض، وقال لهم عبد الله بن شجرة: يا قوم اخرجوا إلى المدائن فأقيموا بها حتى يجتمع لكم ما تحاولون أن يجتمع، وفارقوا هذه القرية الظالم أهلها. فقال زيد بن حصين: إن سعد بن مسعود على المدائن وهو يمنعنّها ويحول بينكم وبينها.
وعرضوا رئاستهم على وجوههم فلم يقبلوها ودفعوها حتى قبلها ذو الثفنات عبد الله بن وهب الراسبي، وقال: والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أتركها جزعا من الموت.
ثم إنهم مضوا إلى النهروان (١).
وحدثني عبد الله بن صالح، عن يحيى بن آدم، عن رجل عن مجالد، عن الشعبي قال: بعث علي عبد الله بن عباس إلى الحرورية؛ فقال: يا قوم ماذا نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: ثلاثا: حكم الرجال في دين الله، وقاتل فلم يسب ولم يغنم، ومحا من اسمه حين كتبوا القضية «أمير المؤمنين» واقتصر على اسمه. فقال عبد الله بن عباس: أمّا قولكم: حكم الرجال. فإن الله قد صير حكمه إلى الرجال في أرنب ثمنه ربع درهم وما أشبه ذلك يصيبه المحرم، وفي المرأة وزوجها، فنشدتكم الله أحكم الرجال في بضع المرأة وأرنب بربع درهم أفضل، أم حكمه في صلاح
стр. 1022
المسلمين وحقن دمائهم؟ قالوا: بل هذا. قال: وأما قولكم: ولم يسب ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة بنت أبي بكر الصديق، قالوا: لا. قال:
وأما قولكم: محا من اسمه إمرة المؤمنين. فإن المشركين يوم الحديبية قالوا لرسول الله ﷺ : لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال رسول الله ﷺ : «امح يا عليّ واكتب محمد بن عبد الله». ورسول الله خير من علي.
فرجع منهم ألفان، وأقام الأخرون على حالهم، فلما أراد على توجيه الأشعري إلى الشام لإمضاء القضية، أتاه حرقوص بن زهير السعدي، وزيد بن حصين، وزرعة بن البرّج الطائيان في جماعة فسألوه أن لا يوجه أبا موسى، وأن يسير بهم إلى الشام، فيقاتلوا معاوية وعمرو بن العاص، فأبى ذلك.
وسار أبو موسى في شهر رمضان، فاجتمع المحكمة في منزل زيد بن حصين الطائي فبايعوا عبد الله بن وهب، وكان يدعى ذا الثفنات - شبه أثر سجود بجبهته وأنفه ويديه وركبتيه بثفنات البعير - وكانت بيعتهم له لعشر خلون من شوال.
ثم خرجوا فتوافوا بالنهروان، وأقبلوا يحكمون، فقال علي: إنّ هؤلاء يقولون: لا إمرة، ولا بد من أمير يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع الفاجر، ويبلغ الكتاب الأجل، وإنها لكلمة حق يعتزون بها الباطل، فإن تكلموا حججناهم وان سكتوا غممناهم.
فلما تفرق الحكمان كتب علي إليهم وهم مجتمعون بالنهروان: إن الحكمين تفرقا على غير رضا، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، وسيروا بنا إلى الشام للقتال، فأبوا ذلك وقالوا: لا حتى تتوب وتشهد على نفسك بالكفر.
فأبى.
стр. 1023
وكان مسعر بن فدكي توجه إلى النهروان في ثلاثمائة من المحكمة؛ فمر ب «بهرسير» (١) وعليها عدي بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، فخرج إليهم ليمنعهم، فقتله أشرس بن عوف الشيباني، فطعنه فقال: خذها من ابن عم لك مفارق؛ لولا نصرة الحق كان بك ضنينا. ويقال إنه سلم من طعنته وبقي بعد علي وولاه الحسن بهرسير، وكان فيمن أتى أشرس بن عوف - حين خرج بعد النهروان - فضربه وقال: خذها من ابن عمّ لك شان.
ولقوا عبد الله بن خبّاب بن الأرت، ومعه أم ولد له يسوق بها، فأخذوه وذبحوه وأم ولده، فأرسل إليهم علي، أن ابعثوا إليّ بقاتل ابن الحارث وابن خباب حتى أترككم وأمضي إلى الشام. فأبوا وقالوا: كلنا قتله.
فسار إليهم في محرم سنة ثمان وثلاثين فدعاهم، فاعتزل بعضهم فلم يقاتلوه، وبقي الآخرون فقاتلهم بالنهروان فقتلوا لتسع خلون من صفر، سنة ثمان وثلاثين، وقتل عبد الله بن وهب الراسبي قتله زياد بن خصفة وهانئ بن الخطاب الهمداني جميعا. ويقال: إن شبث بن ربعي شاركهما في قتله، وكان شبث على ميسرة علي، وكان فيمن رجع عن التحكيم بعد محاجة ابن عباس المحكمة. وقتل شريح بن [أبى] أوفى. واعتزل ابن الكواء فلم يقاتل عليا، وقتل حرقوص بن زهير. وقتل ذو الثدية وكانت في عضده شامة كهيئة الثدي.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف لوط بن يحيى
стр. 1024
عن عبد الملك بن أبي حرة الحنفي: ان وجوه الخوارج اجتمعوا عند عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم ودعاهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق وإن أمرّ وضرّ، وقال: اخرجوا بنا معشر اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض السواد، وبعض كور الجبل، منكرين لهذه البدع المكروهة.
ثم قام حرقوص بن زهير السعدي فتكلم وتكلموا جميعا بذم الدنيا والدعاء إلى رفضها والجد في طلب الحق وانكار البدع والظلم، وعرضوا رئاستهم على غير واحد منهم فأبوها، وقبلها عبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه وذلك ليلة الجمعة لعشر ليال بقين من شوال سنة سبع وثلاثين، في منزل زيد بن حصين.
وقال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح أن الحرورية اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي بعد أن ولّوا أمرهم عبد الله بن وهب، وبعد شخوص أبي موسى للحكومة، فقال ابن وهب: إن هؤلاء القوم قد خرجوا لإمضاء حكمهم حكم الضلال، فاخرجوا بنا رحمكم الله إلى بلدة نبعد بها من مكاننا هذا، فإنكم أصبحتم بنعمة ربكم أهل الحق. فقال شريح: فما تنتظرون؟ أخرجوا بنا إلى المدائن لننزلها ونبعث إلى اخواننا من أهل البصرة فيوافونا، فأشار عليهم زيد بن حصين ألا يعتمدوا دخول المدائن؛ وأن يخرجوا وحدانا مستخفين لئلا يرى لهم جماعة فتتّبع وأن ينزلوا بجسر المدائن، فعملوا على ذلك وكتبوا إلى من بالبصرة من اخوانهم يستنهضونهم، وبعثوا بالكتاب مع رجل من بني عبس.
وخرج زيد بن حصين وشريح بن أوفى من منزليهما على دابتيهما،
стр. 1025
وخرج الناس وترافدوا بالمال والعتاد وخرج عتريس بن عرقوب الشيباني صاحب عبد الله بن مسعود؛ مع الخوارج فاتبعه صيفي بن فشيل الشيباني في رجال من قومه فطلبوه ليردوه فلم يقدروا عليه.
وحدثني حفص بن عمر، عن الهيثم، عن المجالد وغيره، قالوا:
كان أول من خرج شريح بن أوفى صلاة الغداة وهو يتلو ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ (١) فخرج قومه من المسجد ليمنعوه، فقال: والله لا يعرض لي أحد منكم إلا أنفذت رمحي فيه. فقالوا: أبعدك الله إنّما أشفقنا عليك.
وخرج زيد بن حصين وهو يقرأ: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢) فلما عبر الفرات قرأ ﴿وَ لَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (٣) ثم تتابعوا يخرجون، وخرج القعقاع بن نفر الطائي فاستعان عليه أخوه حكم بن نفر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة برجال فحبسوه - وحكم هذا جد الطرماح الشاعر ابن حكيم بن حكم - وكان يقال للقعقاع الطرماح الأكبر فقال:
إني لمقتاد جوادي فقاذف … به وبنفسي اليوم إحدى المتالف
فيارب إن كانت وفاتي فلا تكن … على شرجع (٤) تعلوه خضر المطارف
ولكن أكن يومي شهيدا بعصبة … يصابون في فج من الأرض خائف
ليصبح لحدي بطن نسر مقيله … بجوّ السماء في نسور عواكف
يوافون من شتى ويجمع بينهم … تقى الله نزالون عند التزاحف
стр. 1026
في أبيات. وقوم يقولون: إن هذا الشعر للطرماح الأصغر. وذلك باطل.
وخرج عتريس بن عرقوب الشيباني، وخرج في طلبه صيفي بن فشيل الشيباني ابن عمه في جماعة من قومه ليردوه؛ ففاتهم.
وخرج زيد بن عدي بن حاتم، فاتبعه أبوه عدي بن حاتم ففاته، فلم يقدر عليه، فانصرف عدي إلى علي بخبرهم.
وقوم يقولون: ان الذي خرج فاتبعه عدى ابنه طريف. وذلك باطل، قتل طريف مع علي يوم الجمل وفقئت عين أبيه وقتل طرفة مع علي يوم النهروان، والذي خرج مع الحرورية زيد بن عدي.
وخرج كعب بن عميرة فاشترى فرسا وسلاحا وقال:
هذا عتادي للحروب وإنّني … لآمل أن ألقى المنية صابرا
وبالله حولي واحتيالي وقوتي … إذا لقحت حربّ تشيب الحزاورا (١)
وما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة … أهمّ بأن ألقى الكماة مغاورا
وأصنع للهيجاء محبوكة القزا (٢) … معقربة الأ نساء تحسب طائرا
إذا عضّها سوطي تمطت ملحة … بأروع مختال يروق النواظرا
في أبيات. فقال له عبد الله بن وهب: جزيت خيرا، فربّ سريعة موت تنجيك من النار وتوردك موردا لا تظمأ بعده. فأخذه أهل بيته فحبسوه حتى قتل أهل النهروان، فقال في محبسه:
أعوذ بربي أن أعود لمثل ما … هممت به يا عمرو ما حنت الابل
стр. 1027
فيا عمرو ثق بي واتق الله وحده … فقد خفت أن أردى بما عضني الكبل
في أبيات. وخرج عبيدة بن خالد المحاربي وهو يتمثل بشعر شعبة بن عريض:
إن امرءا أمن الحوادث سالما … ورجا الحياة كضارب بقداح
فأراد عمّه ردّه فأبى.
وحدثني عباس بن هشام عن أبي مخنف، عن أبي روق الهمداني عن عامر الشعبي. وعن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك جبر بن نوف وغيرهما: قالوا: لما هرب أبو موسى إلى مكة، ورجع ابن عباس واليا على البصرة، وأتت الخوارج النهروان، خطب علي النّاس بالكوفة فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وهذه الحكومة بأمري، ونخلت لكم رأيي لو يطاع لقصير رأي، ولكنكم أبيتم إلا ما أردتم فكنت وأنتم كما قال أخو هوازن (١).
أمرتهم أمري بمنعرج اللوا … فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد (٢)
الا إن الرجلين اللذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما، وارتأيا الرأي قبل أنفسهما، فأماتا ما أحيا القرآن، وأحييا ما أمات القرآن؛ ثم اختلفا في حكمهما، فكلاهما لا يرشد ولا يسدد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فاستعدوا للجهاد، وتأهّبوا
стр. 1028
للسير، وأصبحوا في معسكركم يوم الاثنين إن شاء الله.
حدثني وهب بن بقية، عن يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي عن أبي مجلز: أن عليا نهى أصحابه أن يسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثا، فمروا بعبد الله بن خبّاب فأخذوه، فمر بعضهم بتمرة ساقطة من نخلة فأخذها واحد فأدخلها فمه، فقال بعضهم: بما استحللت هذه التمرة؟ فألقاها من فيه، ثم مروا بخنزير فقتله بعضهم فقالوا له: بما استحللت قتل هذا الخنزير وهو معاهد؟ فقال لهم ابن خباب: ألا أدلّكم على من هو أعظم حرمه من الخنزير؟ قالوا: من هو؟ قال: أنا. فقتلوه، فبعث علي إليهم: ابعثوا إليّ بقاتل ابن خباب. فقالوا: كلنا قتله. فأمر بقتالهم.
وبعث علي إلى الخوارج أن سيروا إلى حيث شئتم، ولا تفسدوا في الأرض فإني غير هائجكم ما لم تحدثوا حدثا، فساروا حتى أتوا النهروان وأجمع عليّ على إتيان صفين، وبلغ معاوية، فسار حتى أتى صفين.
وكتب علي إلي الخوارج بالنهروان: «أما بعد فقد جاءكم ما كنتم تريدون، قد تفرق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فارجعوا إلى ما كنتم عليه فإني أريد المسير إلى الشام». فأجابوه أنه لا يجوز لنا أن نتخذك إماما وقد كفرت حتى تشهد على نفسك بالكفر وتتوب كما تبنا، فإنك لم تغضب لله، إنما غضبت لنفسك، فلما قرأ جواب كتابه إليهم يئس منهم؛ فرأى أن يمضي من معسكره بالنخيلة وقد كان عسكر بها - حين جاء خبر الحكمين - إلى الشام، وكتب إلى أهل البصرة في النهوض معه، فأتاه الأحنف بن قيس في ألف وخمسمائة، وأتاه جارية بن قدامة في ثلاثة ألاف. ويقال: إن ابن قدامة جاء في خمسة آلاف. ويقال: في أكثر من ذلك. فوافاه بالنخيلة،
стр. 1029
فسار بهم علي إلي الأنبار، وأخذ على قرية «شاهي» ثم على «دباها» من الفلوجة، ثم إلى «دمما».
وكان الخوارج الذين قدموا من البصرة مع مسعر بن فدكي استعرضوا الناس في طريقهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأته على حمار له، فدعوه وانتهروه ورعّبوه وقالوا له: من أنت؟ فقال: رجل مؤمن قالوا: فما اسمك؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله ﷺ . فكفوا عنه، ثم قالوا له: ما تقول في علي؟ قال: أقول: إنه أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وقد حدثني أبي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل فيصبح مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا». فقالوا: والله لنقتلنك قتلة ما قتلها أحد، وأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقير فسقطت رطبة منها فقذفها بعضهم في فيه، فقال له رجل منهم: أبغير حلها ولا ثمن لها؟ فألقاها من فيه واخترط سيفه وجعل يهزه فمرّ به خنزير لذمي فقتله بسيفه، فقال له بعض أصحابه: إن هدا لمن الفساد في الأرض. فطلب صاحب الخنزير حتى أرضاه، فقال ابن خباب: لئن كنتم صادقين فيما أرى وأسمع إني لآمن من شرّكم. قال:
فجاؤوا به فأضجعوه على شفير نهر وألقوه على الخنزير المقتول فذبحوه عليه، فصار دمه مثل الشراك قد امذقرّ (١) في الماء، وأخذوا امرأته فبقروا بطنها وهي تقول: أما تتقون الله؟ وقتلوا ثلاث نسوة كنّ معها.
فبلغ عليا خبر ابن خباب وامرأته والنسوة، وخبر سوادي لقوه بنفّر فقتلوه، فبعث عليّ إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليتعرف حقيقة ما بلغه
стр. 1030
عنهم، فلما أتى النهروان وقرب منهم خرجوا إليه فقتلوه، وبلغ ذلك عليا ومن معه؛ فقالوا له: ما تركنا هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا وعيالاتنا بما نكره، سر بنا إليهم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل المغرب، فإن هؤلاء أحضر عداوة وأنكى حدّا - والثبت: انه بعث ابن الحارث رجلا من أصحابه، لأن الحارث بن مرّة قتل بالقيقان من أرض السند في سنة اثنتين وأربعين - وقام الأشعث بن قيس فكلمه بمثل ذلك، فنادى عليّ بالرحيل، فأتاه مسافر بن عفيف الأزدي فقال: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة. فقال له: ولم أتدري ما في بطن هذه الفرس؟ قال: ان نظرت علمت. فقال علي: إن من صدقك في هذا القول يكذّب بكتاب الله لأن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (١) وتكلم في ذلك بكلام كثير، وقال:
لئن بلغني أنك تنظر في النجوم لأخلدنّك الحبس مادام لي سلطان، فو الله ما كان لمحمد منجّم ولا كاهن، أو كما قال:
حدثنا سريج بن يونس، حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم أنهم دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب مذعورا، فقالوا له: أنت ابن صاحب رسول الله فهل سمعت من أبيك عن رسول الله حديثا؟ قال: نعم سمعته يقول قال رسول الله ﷺ : «تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والماشي خير من الساعي، فإذا أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل». قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك عن رسول الله؟ قال: نعم
стр. 1031
فقدموه فقتلوه فسال دمه حتى كأنه شراك نعل قد امذقرّ في الماء، وبقروا بطن أم ولده.
وأتى عليّ المدائن وقد قدمها قيس بن سعد بن عبادة، وكان عليّ قدمه إليها. ثم أتى عليّ النهروان فبعث إلى الخوارج أن أسلموا لنا قتلة ابن خباب ورسولي والنسوة لأقتلهم ثم أنا تارككم إلى فراغي من أمر أهل المغرب فلعل الله يقبل بقلوبكم ويردكم إلى ما هو خير لكم وأملك بكم. فبعثوا إليه أنه ليس بيننا وبينك إلا السيف إلا أن تقرّ بالكفر وتتوب كما تبنا فقال علي: أبعد جهادي مع رسول الله ﷺ وإيماني أشهد على نفسي بالكفر؟ ل ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١) ثم قال:
يا شاهدا لله عليّ فاشهد … آمنت بالله ولي أحمد
من شك في الله فإني مهتد
وكتب إليهم: «أما بعد فإني أذكركم أن تكونوا من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا بعد أن أخذ الله ميثاقكم على الجماعة، وألف بين قلوبكم على الطاعة، وأن ﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ (٢). ودعاهم إلى تقوى الله والبرّ ومراجعة الحق، فكتب إليه ابن وهب الراسبي ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) ان الله بعث محمدا بالحق وتكفل له بالنصر كما بلغ رسالاته، ثم توفاه إلى رحمته، وقام بالأمر بعده أبو بكر بما قد شهدته وعاينته متمسكا بدين الله مؤثرا لرضاه حتى
стр. 1032
أتاه أمر ربّه، فاستخلف عمر، فكان من سيرته ما أنت عالم به، لم تأخذه في الله لومة لائم، ختم الله له بالشهادة، وكان من أمر عثمان ما كان حتى سار إليه قوم قتلوه لما آثر الهوى وغيّر حكم الله، ثم استخلفك الله على عباده فبايعك المؤمنون وكنت لذلك عندهم أهلا، لقرابتك بالرسول، وقدمك في الإسلام، ووردت صفين غير مداهن ولا وان، مبتذلا نفسك في مرضاة ربك فلما حميت الحرب وذهب الصالحون: عمار بن ياسر، وأبو الهيثم بن التيهان، وأشباههم اشتمل عليك من لافقه له في الدين ولا رغبة في الجهاد؛ مثل الأشعث بن قيس وأصحابه واستنزلوك حتى ركنت إلى الدنيا، حين رفعت لك المصاحف مكيدة فتسارع إليهم الذين استنزلوك، وكانت منا في ذلك هفوة ثم تداركنا الله منه برحمته، فحكمت في كتاب الله وفي نفسك، فكنت في شك من دينك وضلال عدوك وبغيه عليك، كلا والله يا بن أبي طالب، ولكنكم ﴿ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ (١) وقلت: لي قرابة من الرسول وسابقة في الدين فلا يعدل الناس بي معاوية، فالآن فتب إلى الله وأقرّ بذنبك، فإن تفعل نكن يدك على عدوك، وإن أبيت ذلك فالله يحكم بيننا وبينك.
قالوا: وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فناداهم فقال: يا عباد الله اخرجوا إلينا طلبتنا وانهضوا إلى عدوكم وعدونا معا. فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أبدا أو تأتونا بمثل عمر. فقال: والله ما نعلم على الأرض مثل عمر إلا أن يكون صاحبنا، وقال لهم علي: «يا قوم انه قد غلب عليكم اللجاج والمراء واتّبعتم اهواءكم فطمح
стр. 1033
بكم تزيين الشيطان لكم وأنا أنذركم أن تصبحوا صرعى بأهضام هذا الغائط وأثناء هذا النهر».
فلم يزل يعظهم ويدعهم فلما لم ير عندهم انقيادا - وكان في أربعة عشر ألفا - عبّأ الناس فجعل على ميمنته حجر بن عدي الكندي وعلى ميسرته شبث بن ربعي وعلى الخيل أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري، وعلى الرجال أبا قتادة الأنصاري - واسمه النعمان بن ربعي بن بلدمة الخزرجي - وعلى أهل المدينة وهم سبعمائة - أو ثمانمائة - قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري.
ثم بسط لهم عليّ الأمان ودعاهم إلى الطاعة، فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما ندري على ما نقاتل عليا؟ فانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين (١) والدسكرة، وخرجت طائفة منهم أخرى متفرقين إلى الكوفة، وأتى مسعر بن فدكي التميمي راية أبي أيوب الأنصاري في ألف، واعتزل عبد الله بن الحوساء - ويقال: ابن أبي الحوساء الطائي - في ثلاثمائة وخرج إلى عليّ منهم ثلاثمائة فأقاموا معه، وكانوا أربعة آلاف فارس ومعهم خلق من الرجّالة. واعتزل حوثرة بن وداع في ثلاثمائة، واعتزل أبو مريم السعدي في مائتين؛ واعتزل غيرهم؛ حتى صار مع ابن وهب الراسبي ألف وثمانمائة فارس، ورجالة يقال: إنهم ألف وخمسمائة.
وقال علي لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدأوكم. ونادى جمرة بن سنان:
روحوا إلى الجنة، فقال ابن وهب: والله ما ندري أنروح إلى الجنة أم إلى النار وتنادى الحرورية: الرواح إلى الجنة معاشر المخبتين وأصحاب البرانس المصلين، فشدوا على أصحاب علي شدّة واحدة؛ فانفرقت خيل علي
стр. 1034
منفرقين: فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة. وأقبلوا نحو الرجالة فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل حتى كأنهم معزى يتقى المطر بقرونها، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة، ونهض علي إليهم من القلب بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أهمدوا في ساعة.
وقتل أبو أيوب الأنصاري زيد بن حصين الطائي. ويقال: بل قتله قيس بن سعد، واختصم هانئ بن خطاب وزيد بن خصفة التميمي في قتل عبد الله بن وهب الراسبي، فادّعى كل واحد منهما قتله، وقتل حنش بن ربيعة حرقوص بن زهير السعدي، وقتل عبد الله بن دجن الخولاني عبد الله بن شجرة السلمي. وكان على ميمنة الخوارج زيد بن حصين، وعلى ميسرتهم عبد الله بن شجرة.
ووقف جمرة بن سنان الأسدي في ثلاثمائة، فوقف عليّ بإزائه الأسود بن يزيد المرادي في ألفين. ويقال: أقل من ذلك.
وصار شريح بن أوفى العبسي إلى جانب جدار فقاتله على ثلمته قوم من همدان مليا من النهار، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت جارية عبسية … ناعمة في أهلها مكفيّة
أني سأحمي ثلمتي العشية
فشدّ عليه قيس بن معاوية المرهبي فضربه فقطع رجله، فأقبل يضاربهم ويقول:
الفحل يحمي شوله معقولا … تمنعني نفسي أن أزولا
ثم شدّ عليه أيضا قيس بن معاوية فقتله، فقال الشاعر:
اقتتلت همدان يوما ورجل … اقتتلوا من غدوة حتى الأصل
стр. 1035
ففتح الله لهمدان الزجل
وكان من رجز ابن أوفى يومئذ:
أضربهم ولو أرى أبا حسن … ضربته بالسيف حتى يطمئن
ومن رجزه أيضا:
أضربهم ولو أرى عليا … جالدته أبيض مشرفيا
حدثني روح بن عبد المؤمن حدثني عارم بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم قال: قال رجل يوم النهروان وهو يرتجز:
أضربهم ولا أرى عليا … ولم أكن عن قتلهم ونيا
أكسوهم أبيض مشرفيا
قال: وقال آخر:
أضربهم ولا أرى أبا حسن … ها إن هذا حزن من الحزن
قال: ولم يقتل من أصحاب علي إلا عشرة نفر أو أقل، وكان ممن قتل معه عروة بن إنّاف بن شريح الطائي. والصلت بن قتادة بن سلمة بن خلادة الكندي من ولد حوت بن الحارث.
وروى بعضهم ان الذي قاتل على الثلمة عبد الرحمن بن قيس الحداني. والثبت: ان شريح بن أوفى الذي قاتل عليها.
وقاتل عدان بن المغذّذ وهو يقول:
ليس من الموت نجاة للفتى … صبرا أبا المنهال صبرا للقضا
إن مصير الخلق طرّا للبلى … وليس ينجيك حذار من ردى
فاركب لك الخيرات أطراف القنا … واصبر فإن الصبر أولى بالفتى
فقتل:
стр. 1036
وقتل مع علي أيضا زائدة بن سمير بن عبد الله بن نهاز المرادي.
قالوا: ووجد علي ﵇ ممن به رمق أربعمائة فدفعهم إلى عشائرهم ولم يجهز عليهم، وردّ الرقيق على أهله حين قدم الكوفة وقسم الكراع والسلاح وما قوتل به بين أصحابه.
ووجد عدي بن حاتم ابنه الذي خرج مع الحرورية قتيلا فدفنه بالنهروان.
وقتل جواد بن بشر - وهو أخو الزبرقان بن بدر - مع الخوارج، وقتل يزيد بن عاصم المحاربي وأربعة إخوة له معه، وقتل جمرة بن سنان الأسدي.
وشهد ابن الكواء النهروان وكان ممن اعتزل. ويقال: إنه اعتزل قبل أن يصيروا إلى النهروان.
وكان مقتل أهل النهروان لتسع خلون من صفر سنة ثمان وثلاثين.
وقال ابن الكلبي: استعمل عليّ على الكوفة حين شخص عنها وحارب أهل النهروان، هانئ بن هوذة بن عبد يغوث بن عمرو بن عدي النخعي.
قالوا: وطلب علي ذا الثدية فوجد في حفيرة دالية مع القتلى وكانت في عضده شامة تمتدّ كهيئة الثدي، عليها شعر كشعر شارب السنور، وكان مخدجا وكان يسمّى نافعا.
وروي عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم، عن علي عن النبي ﷺ قال: «إن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم فيهم رجل مخدج اليد».
وقال أبو مريم: والله إن كان المخدج لمعنا يومئذ في المسجد، وكان يجالس عليا في الليل والنهار، ولقد كان فقيرا يشهد طعام علي.
стр. 1037
وحدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن طارق بن زياد، قال: قام علي بالنهروان فقال: إن نبي الله قال: «سيخرج قوم يتكلمون بكلام الحق لا يجاوز حلوقهم، يخرجون من الحق خروج السهم - أو مروق السهم - سيماهم أن فيهم رجلا مخدج اليد، في يده شعرات سود». فإن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس، فطلب فوجد فخرّ عليّ وأصحابه سجودا.
وروى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن غلام لأبي جحيفة السوائي قال: لما قتل علي أهل النهروان جعل لا يستقر جالسا ويقول:
ويحكم أطلبوا رجلا ناقص اليدين في يديه (١) عظم طرفها حلمة كحلمة الثدي من المرأة؛ عليها خمس شعرات - أو سبع شعرات - رؤوسها معقفة، قالوا: قد طلبناه فلم نجده. فقال: أليس هذا النهروان؟ قالوا: بلى.
قال: فو الله ما كذبت ولا كذبت فاطلبوه، فطلبناه فوجدناه قتيلا في ساقية، ففرح عليّ فرحا شديدا.
وقال الأخنس بن العيزاز الطائي ثم السنبسي يرثي أهل النهروان من الخوارج ويذكر زيد بن حصين:
إلى الله أشكو أن كل قبيلة … من الناس قد أفنى الجلاد خيارها
سقى الله زيدا كلما ذر شارق … واسكن من جنات عدن قرارها
وقال حبيب بن خدرة في قصيدة له طويلة:
يا رب إنهم عصوك وحكّموا … في الدين كل ملعن جبار
يدعو الى سبل الضلالة والردى … والحق أبلج مثل ضوء نهار
стр. 1038
فهم يرون سبيل طاغيهم هدى … وأرى سبيلهم سبيل النار
يا رب باعد في الولاية بيننا … إني على ما يفعلون لزار
وسبيل يوم النهر حين تتابعوا … متوازرين على رضا الجبار
وقال في قصيدة له:
ألا ليتني يا أم صفوان لم أؤب … وغودرت في القتلى بصفين ثاويا
فو الله رب الناس ما هاب معشر … على النهر في الله المنايا القواضيا
تذكرت زيدا منهم وابن حاتم … فتى كان يوم الروع أروع ماضيا
وروي أن النبي ﷺ قسم دنانير فسأله المخدج فلم يعطه فقال: والله ما عدلت في القسم، فقال: «ويلك فمن يعدل»؟
حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، أنبأنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق قال: سمعت عاصما يقول: إن حرورية على عهد علي قالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: إنه كذلك ولكنهم يقولون:
لا إمرة. ولا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع الكافر، ويبلغ الكتاب أجله.
стр. 1039
أمر علي بن أبي طالب ﵁
بعد النهروان
قالوا: وأمر علي ﵇ الناس بالرحيل من النهروان فقال لهم:
إن الله قد أعزّكم وأذهب ما كنتم تخافون عنكم فامضوا من وجهكم هذا إلى الشام.
فقال الأشعث بن قيس: يا أمير المؤمنين نفدت سهامنا، وكلّت سيوفنا ونصلت رماحنا؛ فلو أتينا مصرنا حتى نريح ونستعدّ ثم نسير إلى عدونا. فركن الناس إلى ذلك، وكان الأشعث طنينا، وسماه علي عرف النار.
قالوا: وسار علي حتى أتى المدائن ثم مضى حتى نزل النخيلة، وجعل أصحابه يدخلون الكوفة حتى بقي في أقل من ثلاثمائة، فلما رأى ذلك دخل الكوفة وقد بطل عليه ما دبّر من اتيان الشام قاصدا إليها من النهروان، فخطب الناس فقال: «أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدوكم ففي جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده ﴿وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ﴾
стр. 1040
﴿رِباطِ الْخَيْلِ﴾ (١) وتوكلوا ﴿عَلَى اللهِ وَ كَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٢) ﴿وَ كَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾ (٣) فلم يصنعوا شيئا، فتركهم أياما حتى إذا يئس منهم خطبهم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ثم قال: «يا عباد الله ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله إثّا قلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا وبالذّلّ والهوان من العزّ والكرامة خلقا، أكلما دعوتكم إلى الجهاد دارت أعينكم في رؤوسكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم قاسية فأنتم أسود الشرى عند الدعة؛ وحين تنادون للبأس ثعالب رواغة، تنتقص أطرافكم فلا تتحاشون ولا ينام عدوكم عنكم وأنتم في غفلة ساهون.
إن لكم عليّ حقا؛ وإن لي عليكم حقا، فأما حقكم فالنصيحة لكم ما نصحتم، وتوفير فيئكم عليكم، وأن أعلمكم كيلا تجهلوا، وأؤدبكم كيلا تغلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح في المغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم».
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن جندب بن عبد الله الأزدي أن عليا خطبهم حين استنفرهم إلى الشام بعد النهروان، فلم ينفروا فقال:
«أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة قلوبهم وأهواؤهم، ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم. كلامكم يوهن الصمّ
стр. 1041
الصلاب. وفعلكم يطمح فيكم عدوكم، إذا دعوتكم إلى الجهاد قلتم:
كيت وكيت وذيت وذيت أعاليل بأباطيل، وسألتموني التأخير فعل ذي الدّين المطول حيدي حياد، لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجدّ والعزم واستشعار الصبّر، أيّ دار بعد داركم تمنعون، ومع أي إمام بعدي تقاتلون، المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصركم ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم وأبدلني بكم من هو خير لي منكم.
أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفا قاطعا، وإثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة؛ فيفرق جماعتكم ويبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم، وتتمنون عن قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني فستعلمون حق ما أقول ولا يبعد الله إلا من ظلم وأثم».
قالوا وخطبهم بعد ذلك خطبا كثيرة؛ وناجاهم وناداهم فلم يربعوا إلى دعوته (١) ولا التفتوا إلى شيء من قوله وكان يقول لهم كثيرا: «إنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا».
وقام أبو ايوب الأنصاري وذلك قبل تولية عليّ إياه المدينة بيسير فقال:
إن أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له أذنان وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم به كرامة بيّنة فاقبلوها حق قبولها، إنه أنزل ابن عم نبيكم بين ظهرانيكم يفقهّكم ويرشدكم ويدعوكم إلى ما فيه الحظ لكم.
وأما حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وحبة بن جوين البجلي ثم العرني، وعبد الله بن وهب الهمداني - وهو ابن سبأ-[فإنهم
стр. 1042
أتوا] عليا ﵇ فسألوه عن أبي بكر وعمرو ﵄ فقال: أوقد تفرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت وكتب كتابا يقرأ على شيعته في كلّ أيام فلم ينتفع بذلك الكتاب، وكان عند ابن سبأ منه نسخة حرّفها.
وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أبو الوليد، حدثني صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، عن أبيه، عن أشياخهم: إن معاوية لما بويع وبلغه قتال عليّ أهل النهروان؛ كاتب وجوه من معه مثل الأشعث بن قيس وغيره، ووعدهم ومنّاهم وبذل لهم حتى مالوا إليه وتثاقلوا عن المسير مع علي ﵇ فكان يقول فلا يلتفت إلى قوله، ويدعو فلا يسمع لدعوته، فكان معاوية يقول: لقد حاربت عليا بعد صفين بغير جيش ولا عناء أو قال: ولا عتاد.
حدثني يحيى بن معين، حدثنا سليمان بن داود الطيالسي أنبأنا شعبة بن الحجاج، أنبأنا محمد بن عبيد الله الثقفي قال: سمعت أبا صالح يقول: شهدت عليا ووضع المصحف على رأسه حتى سمعت تقعقع الورق فقال: «اللهم إني سألتهم ما فيه فمنعوني ذلك، اللهم إني قد مللتهم وملّوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير خلقي، وعلى أخلاق لم تكن تعرف لي فأبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرّا مني، ومث (١) قلوبهم ميث الملح في الماء».
حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن لوط بن يحيى - أبي مخنف:
ان عمارة بن عقبة بن أبي معيط كتب إلى معاوية من الكوفة يعلمه أنه خرج
стр. 1043
على عليّ أصحابه ونسّاكهم فسار إليهم فقتلهم فقد فسد عليه جنده وأهل مصره ووقعت بينهم العداوة وتفرقوا أشد الفرقة، فقال معاوية للوليد بن عقبة: أترضى أخوك بأن يكون لنا عينا - وهو يضحك - فضحك الوليد وقال: إن لك في ذلك حظا ونفعا، وقال الوليد لأخيه عمارة:
فإن يك ظني بابن أمّي صادقا … عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر
مقيم وقتّال ابن عفان حوله … يمشى بها بين الخورنق والجسر
وتمشي رخّي البال منتشر القوى … كأنّك لم تشعر بقتل أبي عمرو
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة … قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
وحدثني العمري، عن الهيثم بن عدي، عن عوانة وغيره قالوا: لما بلغ معاوية أن عليا يدعو الناس إلى غزوه، وإعادة الحرب بينه وبينه هاله ذلك، فخرج من دمشق معسكرا وبعث إلى نواحي الشام الصرخاء ينادون: إن عليا قد أقبل إليكم وكتب إليهم كتبا قال فيها: «إنا كنا كتبنا بيننا وبين علي كتابا واشترطنا فيه شروطا، وحكمنا الرجلين ليحكما بحكم الكتاب علينا، وإن حكمي أثبتني، وخلعه حكمه، وقد أقبل إليكم ظالما ناكثا باغيا، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ (١)، فتجهزوا رحمكم الله للحرب بأحسن الجهاز، واستعدوا لها بأكمل العدّة و ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالاً﴾ (٢).
فاجتمعوا له من كل أوب، وأرادوا المصير إلى صفين ثانية، حتى بلغهم اختلاف أصحاب علي، وكتب إليه بذلك عمارة بن عقبة، فعسكر ينتظر ما يكون، إلى أن جاءه خبر مقتله ﵀.
стр. 1044
أمر مصر في خلافة علي ومقتل محمد بن أبي بكر
ومحمد بن أبي حذيفة ﵃
قال أبو مخنف وغيره: استشهد أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم اليمامة وترك ابنه محمد بن أبي حذيفة، فكفله عثمان بن عفان ومانه (١) وأحسن تربيته، وكان محمد بن أبي حذيفة قد تنسك وأقبل على العبادة وذلك بعد أن حدّه عثمان في الشراب فيما يقال، فقال لعثمان: إني قد رغبت في غزو البحر؛ فاذن لي في إتيان مصر. فأذن له، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وأعظموه ومالوا إليه، وكان خروجه إليها مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي - أو بعده في السنة التي شخص عبد الله فيها - وغزا محمد بن أبي حذيفة في البحر مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح في سنة أربع وثلاثين، فصلى ابن سعد بن أبي سرح يوما؛ فكبّر محمد بن أبي حذيفة من خلفه تكبيرة أفزعته فنهاه وقال: إنك حدث أحمق ولولا ذلك لقاربت (٢) بين خطاك وكان ابن أبي حذيفة يعيبه ويعيب عثمان بتوليته إياه، ويقول: استعمل عثمان رجلا أباح
стр. 1045
رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح ونزل فيه ﴿وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ (١) وكان محمد بن أبي بكر شخص إلى مصر، مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان يعين ابن أبي حذيفة على ذلك ويساعده عليه، فكتب عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان بن عفان يشكوهما ويذكر أنهما قد انغلا عليه المغرب وافسداه، فقال عثمان: اللهم إني ربيته رحمة له وصلة لقرابته حتى لقد كنت أنكت المخ فأخصّه به دون نفسي وولدي.
وكتب إلى ابن سعد في جواب ما كتب إليه: «أما محمد بن أبي بكر فإنه يوهب لأبي بكر ولعائشة أم المؤمنين، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش». فكتب إليه ابن أبي سرح: «إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير». فبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم، ويحمل إليه كسوة، فأمر بذلك أجمع فوضع في المسجد، ثم قال: يا معشر المسلمين، ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه، فازداد أهل مصر طعنا على عثمان رضي الله تعالى عنه، وإعظاما لابن أبي حذيفة، واجتمعوا إليه فبايعوه على رئاستهم، فكتب إليه عثمان يذكره برّه به وتربيته إياه، وقيامه بشأنه، ويقول له: «إنك كفرت إحساني أحوج ما كنت إليّ بشكرك ومكافاتك» فلم يزل ابن ابي حذيفة يحرّض أهل مصر، ويؤلبهم على عثمان حتى سرّبهم إلى المدينة، فاجتمعوا عليه مع أهل المصرين، وكانوا أشدّهم في أمره، وشخص محمد بن أبي بكر معهم، فلما حوصر عثمان وثب محمد بن أبي حذيفة على عبد الله بن سعد، فطرده عن مصر؛ وصلى بالناس
стр. 1046
وتولى أمر مصر.
فصار عبد الله بن سعد إلى فلسطين ثم لحق بمعاوية، ثم إنه صار بعد ذلك إلى إفريقية فقتل بها. ويقال: مات بفلسطين وكان قد أقام بها، وكان موته في آخر خلافة علي.
وبويع علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان ﵄ فولّى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري مصر، وكان رجلا جوادا أريبا، فقال ابن أبي سرح: أبعد الله ابن أبي حذيفة؛ بغى على ابن عمّه وسرّ (١) أهل بيته وسعى عليه حتى وليّ بعده من لم يمتّعه بسلطان بلده حولا ولا شهرا ولم يره لذلك أهلا.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف لوط بن يحيى في اسناده قال:
لما بويع علي دعا قيس بن سعد الأنصاري فولاه المغرب، فشخص إلى مصر ومعه أهل بيته حتى دخلها فقرأ على أهها كتابا من علي إليهم، ذكر فيه محمدا ﷺ وما خصّه الله به من نبوته، وأنزل عليه من كتابه، اكرم به المؤمنين من أتباعه، ثم ذكر أبا بكر وعمر؛ فوصف فضلهما وعدلهما وحسن سيرتهما وعلمهما وترحم عليهما. قال: «ثم وليّ بعدهما وال أحدث أحداثا، وجد الناس بها عليه مقالا، فلما نقموا غيّروا، ثم جاؤوني فبايعوني فاستهدي الله بالهدى واستعينه على التقوى»، وأعلمهم توليته قيس بن سعد بن عبادة لما ظن عنده من الخير، ورجا من قصده وايثاره الحق في أموره، وتقدمه إليه في العدل والإحسان، والشدة على المريب، والرفق بالخاصة والعامة، وأمرهم
стр. 1047
بموازرته، ومكانفته، ومعاونته على الحق والعمل به.
فقام الناس فبايعوا عليا، واستقاموا لقيس إلا رجلا يقال له: يزيد بن الحارث، وكان معتزلا في قرية هناك، فبعث إلى قيس: إنا لا نبايعك ولا ننتزي عليك في سلطانك، فابعث عاملك فإن الأرض أرضك، ولكنا نتوقف حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.
ووثب مسلمة بن مخلد الساعدي من الأنصار؛ فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس ويحك أعليّ تثب؟ فو الله ما أحبّ أن أقتلك ولي ملك مصر والشام. فكفّ، فتاركه، وجبى قيس الخراج وليس أحد ينازعه.
وسار علي إلى الجمل، وقيس بمصر، وصار من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله على معاوية، فكتب إليه قبل خروجه إلى صفين: «إنكم نقمتم على عثمان إثرة رأيتموها وأشياء سوى ذلك أنكرتموها، وأنتم تعلمون أن دمه لم يكن لكم حلالا، فركبتم عظيما وجئتم أمرا إدّا، فأما صاحبك فقد استيقنّا أنه الذي ألّب الناس عليه وأغراهم به وحملهم على قتله، فهو ينتفي من ذلك مرة ويقرّ به أخرى». ودعاه إلى الطلب بدم عثمان، فكتب إليه قيس: «قد فهمت كتابك، وأما قتل عثمان فإني لم أقاربه ولم أتّطف به، وأما صاحبي فلم أطلع منه على ما ذكرت، وأما ما دعوتني إليه فإن لي فيه نظرا وفكرة، وأنا كاف ولن يأتيك عني شيء تكرهه».
ثم كتب إليه معاوية كتابا آخر؛ فأجابه قيس عنه ولم يقاربه فيما أراد من الالتواء على عليّ؛ والطلب بدم عثمان، فكتب إليه معاوية: «يا يهودي بن
стр. 1048
اليهودي». فأجابه قيس: «يا وثن بن الوثن، دخلتم في الإسلام كارهين، وخرجتم منه طائعين».
فلما يئس منه؛ كتم ما كتب به إليه وأظهر أن قيسا قد أجابه إلى المبايعة، ومتابعته على ما أراد، والدخول معه في أمره، فكتب على لسانه:
«للأمير معاوية؛ من قيس بن سعد، أما بعد فإن قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما. وقد نظرت لنفسي وديني فلم أره يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برّا تقيا، فنستغفر الله لذنوبنا ونسأله العصمة لديننا، وقد ألقيت إليك بالسلم، وأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم».
فشاع في الناس ان قيسا قد صالح معاوية وسالمه، وسار به الركبان إلى العراق؛ وبلغ ذلك عليا، فاستشار عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في أمره فأشار عليه بعزله، فإنه ليروّي في ذلك، ويصدّق بما بلغه مرة، ويكذّب أخرى، حتى ورد عليه كتاب من قيس بخبر الكناني وأهل القرية التي هو فيها، وبخبر ابن مخلد، وما رأى من متاركتهم والكف عنهم. فقال له ابن جعفر: مره يا أمير المؤمنين بقتالهم لتعرف حاله في مواطاة القوم على ما تركوا من بيعتك، ويصح لك حق ما بلغك أو غير ذلك، ففعل وكتب إليه بذلك، فأجابه قيس: «إني قد عجبت من سرعتك إلى محاربة من أمرتني بمحاربته من عدوك، ومتى فعلت ذلك لم آمن أن يتساعد أعداؤك ويترافدوا ويجتمعوا من كل مكان فيغلظ الأمر، وتشتدّ الشوكة».
فقال له ابن جعفر: ألم يصح لك الآن الأمر؟ فولّ محمد بن أبي بكر، مصر يكفك أمرها، واعزل قيسا فإنه بلغني انه يقول: إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء - وكان ابن جعفر أخا محمد بن أبي بكر
стр. 1049
لأمه أسماء بنت عميس تزوجها جعفر ثم خلف عليها أبو بكر - فعزل قيسا وولّى محمدا، فلما ورد محمد مصر؛ غضب قيس وقال: والله لا أقيم معك طرفة عين، وانصرف إلى المدينة، وقد كان مرّ في طريقه برجل من بني القين فقراه وأحسن ضيافته وأمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها وقال: لا آخذ لقراي ثمنا. وكان قيس أحد الأسخياء الأجواد.
فلما ورد المدينة أتاه حسّان بن ثابت شامتا - وكان عثمانيا - فقال له:
نزعك عليّ وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر؛ فقال له: يا أعمى القلب والعين لولا أن أوقع بين قومي وقومك شرّا لضربت عنقك؛ اخرج عني. وكان حسان من بني النجار من الخزرج.
ثم ان قيس بن سعد؛ خرج وسهل بن حنيف جميعا حتى قدما على عليّ بالكوفة؛ فخبره الخبر وصدقه، وشهد معه صفين، وشهدها سهل أيضا.
ولما قدم محمد بن أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - مصر قرأ عهده على أهلها؛ ونسخته.
«هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين؛ إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر، أمره بتقوى الله وطاعته في خاص أمره وعامه، سره وعلانيته، وخوف الله ومراقبته في المغيب والمشهد، وباللين للمسلم والغلظة على الفاجر، وانصاف المظلوم، والتشديد على الظالم، والعفو عن الناس والإحسان [إليهم] ما استطاع فإن الله يجزي المحسنين، ويثيب المصلحين.
وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كان يجبى عليه من قبل، ولا ينقص منه ولا يبتدع فيه.
وأمره أن يلين حجابه ويفتح بابه، ويواسي بين الناس في مجلسه ووجهه
стр. 1050
ونظره، وأن يحكم بالعدل ويقيم القسط ولا يتّبع الهوى ولا يأخذه في الله لومة لائم».
وكتب عبيد الله بن أبي رافع.
قالوا: وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية: «من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر - وبعضهم يقول: العاوي، والغاوي أثبت - سلام على أهل طاعة الله ممن هو سلم لأهل ولاية الله.
أما بعد فإن الله بجلاله وقدرته وعظمته خلق خلقا بلا ضعف كان منه، ولا حاجة به إلى خلقه، ولكنه خلقهم عبيدا وجعل منهم شقيا وسعيدا وغويّا ورشيدا، ثم اختارهم بعلمه واصطفاهم بقدرته فانتحل منهم وانتجب محمدا ﷺ ، فبعثه رسولا وهاديا ودليلا ونذيرا وبشيرا وسراجا منيرا، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب وأناب ووافق وأسلم وسلّم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب، فصدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقاه كل هول. واساه بنفسه في كل حال وحارب حربه وسالم سلمه، حتى برز سابقا لا نظير له ممن اتبعه، ولا مشارك له في فضله، وقد أراك تساميه وأنت أنت، وهو السابق المبرّز في كل خير، أطيب الناس ذرية وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عم، أخوه الشاري نفسه يوم مؤتة، وعمه سيد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذاب عن رسول الله ﷺ ، وأنت اللعين بن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله ورسوله الغوائل، وتحالفان عليه القبائل، وتبذلان فيه المال، وتحالفان فيه الرجال، على ذلك مات أبوك، وعليه خلفته وأنت، والشاهد عليه من تؤوي وتلحي من رؤوس أهل النفاق وبقية الأحزاب وذوي الشناءة لرسول الله ﷺ وأهل بيته،
стр. 1051
والشاهد لعلي سبقه القديم وفضله المبين، وأنصار الدين الذين ذكروا في القرآن، فهم حوله عصائب، وبجنيبتيه كتائب يرجون الفضل في اتبّاعه ويخافون الشقاء في خلافه، فكيف تعدل نفسك بعليّ وهو كان أول الناس لرسول الله ﷺ اتباعا، وآخرهم به عهدا، يشركه في أمره، ويطلعه على سرّه، وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتع بباطلك وليمدد لك عمرو في غوايتك، فكأن قد أنقضى أجلك، ووهن كيدك فتستبين لمن تكون العاقبة.
واعلم أنك يا معاوية إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده ومكره، ويئست من روحه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، وبالله ورسوله وأهل بيته عنك الغنى، والسّلام على من تاب وأناب».
فأجابه معاوية:
من معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر الزاري على أبيه.
سلام على من اتبع الهدى وتزود التقوى.
أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله وما اصطفى له رسوله، مع كلام لفقته وصنعته لرايك فيه تضعيف ولك فيه تعنيف، ذكرت حق ابن أبي طالب وسوابقه وقرابته من رسول الله ونصرته إياه، واحتججت عليّ بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد إلها صرف عنك ذلك الفضل وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لنا لازما وفضله علينا مبرزا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده، وأتمّ له وعده وافلج حجته، وأظهر دعوته؛ قبضه الله إليه، فكان أبوك - وهو صديقه - وعمر - وهو فاروقه - أول من أنزله منزلته عندهما، فدعواه إلى أنفسهما فبايع لهما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرّهما حتى مضيا وانقضى أمرهما، ثم قام عثمان ثالثا يسير
стр. 1052
بسيرتهما ويهتدي بهديهما، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي وظهرتما له بالسوء وبطنتما حتى بلغتما فيه منا كما، فخذ - يا بن أبي بكر - حذرك وقس شبرك بفترك تقصر عن أن تسامي أو توازي من يزن الجبال حلمه، ويفصّل بين أهل الشك علمه، ولا تلين على قسر قناته. أبوك مهّد مهاده وثنى لملكه وساده فإن كان ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله، وإن كان خطأ فأبوك أسّسه ونحن شركاؤه، برأيه اقتدينا وفعله احتذينا، ولولا ما سبقنا إليه أبوك وانه لم يره موضعا للأمر؛ ما خالفنا علي بن أبي طالب ولسلمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل أمرا اتبعناه واقتفونا أثره، فعب أباك ما بدا لك أو دع، والسّلام على من أجاب، وردّ غوايته وأناب».
قالوا: ولم يمكث محمد بن أبي بكر إلا يسيرا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم فقال لهم: إما أن تبايعوا وتدخلوا في طاعتنا، وإما أن ترحلوا عنّا. فامتنعوا وأخذوا حذرهم وكانوا له هائبين؛ حتى أتى خبر الحكمين فاجترأوا عليه ونابذوه، فبعث ابن جميهان البلوي إلى يزيد بن الحارث الكناني ومن قبله من أهل القرية التي كان بها، فقاتلوه فقتلوه، فبعث إليهم ابن أبي بكر رجلا من كلب فقتلوه أيضا.
وخرج معاوية بن حديج الكندي ثم السكوني، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، وذلك أن معاوية دس إليه في ذلك وكاتبه فيما يقال وأرغبه، فأجاب ابن حديج بشر كثير، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، وبلغ عليا فساد أمره وانتشاره.
وكان علي قد ولىّ قيس بن سعد - بعد أمر النهروان - أذربيجان وولّى الأشتر الجزيرة، فكان مقامه بنصيبين، فقال: ما لمصر إلا أحد هذين
стр. 1053
الرجلين، فكتب إلى مالك الأشتر: «إنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع ببأسه ونجدته نخوة الأثيم، وأسدّ به وبحزم رأيه الثغر المخوف».
وأخبره بأمر ابن أبي بكر، وشرحه له، وأمره أن يستخلف على عمله بعض ثقاته ويقدم عليه، ففعل فولاه مصر.
وأتت معاوية عيونه بشخوص الأشتر واليا على مصر، فبعث إلى رأس أهل الخراج بالقلزم فقال له: إن الأشتر قادم عليك؛ فإن أنت لطفت لكفايتي إياه لم آخذ منك خراجا ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه.
فخرج الأشتر حتى إذا أتى القلزم - وكان شخوصه من العراق في البحر - استقبله الرجل فأنزله وأكرمه وأتاه بطعام، فلما أكل قال له: أي الشراب أحب إليك أيّها الأمير؟ قال: العسل. فأتاه بشربة منه قد جعل فيها سمّا، فلما شربها قتلته من يومه أو من غده.
وبلغت معاوية وفاته فقال: كانت لعلي يدان - يعني قيس بن سعد والأشتر - فقد قطعنا إحداهما، وجعل يقول: إن لله لجندا من عسل.
وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان قال: وجّه عليّ الأشتر إلى مصر واليا عليها حين وهن أمر ابن أبي بكر، فلما صار بعين شمس شرب شربة من عسل - يقال:
انه سمّ فيها-؛ فمات، فكان عمرو بن العاص يقول: إن لله لجندا من عسل.
قالوا: ولما ورد على عليّ خبر الأشتر، كتب إلى محمد بن أبي بكر وقد كان وجد من تولية الأشتر مكانه:
«أما بعد فإني لم أولّ الأشتر عملك استبطاء لك في الجهد، ولا استقصارا لأمرك في الجدّ، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليّتك
стр. 1054
ما هو أيسر عليك مؤونة، وأحبّ إليك ولاية منه، وإن الرجل الذي وليته أمر مصر؛ كان لنا نصيحا، وعلى عدوك وعدونا شديدا، فقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن راضون عنه، فأصحر للعدو، وشمر للحرب و ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١) واستعن بالله واستكفه يعنك ويكفك إن شاء الله.
قالوا: ولما انصرف الحكمان وتفرقا وبويع معاوية بالخلافة، قوي أمره واستعلى شأنه، واختلف أهل العراق على علي؛ فلم يكن لمعاوية همة إلا مصر، وقد كان لأهلها هائبا، لقربهم منه وشدتهم على من كان يرى رأيه، فدعا عمرو بن العاص فولاه إياها على ما كان افترقا عليه ويقال: إنه دعا: عمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس الفهري، وبسر بن أبي أرطاة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبا الأعور السلمي، ومرّة بن مالك الهمداني وشرحبيل بن السمط الكندي، فعرض ولايتها وحرب ابن أبي بكر عليهم فكرهوا ذلك إلا عمرو بن العاص، ويقال: إن عمرا استبطأ معاوية في أمر مصر؛ وما كان وعده من توليته إياها فدسّ إليه من أنشده هذين البيتين:
يا لك الخير انتهزها فرصة … واشبب النار لمقرود يكزّ
أعطه مصر وزده مثلها … انما مصر لمن عزّ فبزّ
فلما أراد الشخوص إلى مصر تقدم إليه معاوية في محاربة محمد بن أبي بكر وكتب ابن أبي بكر إلى علي؛ يعلمه ولاية عمرو بن العاص مصر، من قبل معاوية ويقول له: إنه توجه في جيش لجب، وبمن قبلي من الفشل
стр. 1055
والوهن ما لا انتفاع بهم معه، فإن كانت لك بمصر حاجة فأمدّني بالأموال والرجال.
فكتب إليه يأمره بالتحرز والاحتراس، وإذكاء العيون وجمع شيعته إليه، وأن يندب كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف السكوني - وهو الذي ضرب عثمان بن عفان بعمود على رأسه - إلى عدوه، ويعلمه انه باعث إليه بالرجال على كل صعب وذلول، فإن الله قد يعزّ أقل الفئتين بالحق، ويذل أكثرهما بالباطل.
وخطب عليّ أهل الكوفة ودعاهم إلى إغاثة محمد بن أبي بكر ومن معه من أهل مصر، فتقاعدوا ثم انتدب منهم جنيد أنفذهم إلى مصر؛ مع كعب بن مالك الهمداني، فلم يبلغوا حتى أتى عليا مقتل محمد بن أبي بكر، فردهم من بعض الطريق وخطب فقال:
«الحمد لله الذي ابتلاني بمن لا يطيعني إذا أمرت، ولا يجيبني إذا دعوت». في كلام له.
وكتب معاوية إلى محمد ابن أبي بكر كتابا يأمره فيه بالتنّحي والاعتزال. وشخص عمرو بن العاص من قبل معاوية في ستة آلاف ضمهم إليه، فلما دنا من مصر؛ كتب إلى ابن أبي بكر: «ان تنح عني بدمك فإني أكره أن يصيبك مني ظفر، وقد صحّ عندي ووضح لي أن أهل البلد قد شنأوك ورفضوا رأيك وندموا على اتباعك». فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية وعمرو جواب كتابيهما بالتكذيب لهما فيما ادعيا لو ترك إجابتهما إلى ما أرادا، وعزم على لقاء عمرو، فقدم كنانة بن بشر - وهو التجيبي نسب إلى تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج وهي أم ولد أشرس بن شبيب بن