Полный текст (311 стр.). Показаны 281–311 · переход к 286.
стр. 281
بناء على قولهم بكون الحسن والقبح عقليين كما عرفت آنفا.
واحتجت المعتزلة على كونه واجبا عقلا بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع يلزم إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة
إذ يجوز للمكلف حينئذ أن يقول إذا أمره النبي بالنظر في معجزته وغيرها مما يتوقف عليه نبوته ليظهر له صدق دعواه: لا أنظر ما لم يجب النظر علي، ولا يجب النظر علي ما لم يثبت الشرع عندي، إذ المفروض عدم الوجوب إلا به، ولا يثبت الشرع عندي ما لم أنظر؛ لأن ثبوته نظري، فيتوقف كل واحد من وجوب النظر وثبوت الشرع على الآخر، وهو دور محال، ويكون كلامه هذا حقا لا قدرة للنبي على دفعه؛ وهو معنى إفحامه.
وأجيب عنه أولا بالنقض بأن ما ذكرتم مشترك بين الوجوب الشرعي والعقلي معا، فما هو جوابكم فهو جوابنا. وبيان الاشتراك أن النظر لو وجب بالعقل لوجب بالنظر لأن وجوبه ليس معلوما بالضرورة، بل بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى
стр. 282
أنظار دقيقة، من أن المعرفة واجبة، وأنها لا تتم إلا بالنظر، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيصح للمكلف أن يقول حينئذ: لا أنظر أصلا ما لم يجب علي النظر، ولا يجب ما لم أنظر، فيلزم الدور المحذور.
لا يقال: قد يكون وجوب النظر فطري القياس بأن يضع النبي
للمكلف مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكلف، وتفيده العلم بذلك ضرورة؛ لأنا نقول: كونه فطري القياس -مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار- باطل قطعا.
ولو سلمناه بأن يكون هناك دليل آخر، ولكن يجوز للمكلف أن لا يصغي إلى كلام النبي الذي أراد به التنبيه، ولا يستمع به، ولا يأثم بترك النظر والاستماع؛ إذ لم يثبت بعد وجوب شيء أصلا، فلا يمكن الدعوة وإثبات النبوة، وهو المراد بالإفحام.
وثانيا بالحل، بأن قوله: لا يجب النظر علي ما لم يثبت الشرع عندي،
стр. 283
إنما يصح إذا كان الوجوب عليه بحسب نفس الأمر متوقفا على العلم بالوجوب المستفاد من العلم بثبوت الشرع، ولكن لا يتوقف. كذلك العلم بالوجوب موقوف على نفس الوجوب؛ لأن العلم بثبوت شيء فرع لثبوته في نفسه؛ فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان اعتقاد ثبوته جهلا مركبا لا علما.
فلو توقف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور وأن لا يجب شيء
على الكافر أيضا. فليس الوجوب في نفس الأمر موقوفا على العلم بالوجوب. بل نقول: الوجوب في نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الأمر، والشرع ثابت في نفس الأمر، علم المكلف ثبوته ونظر فيه أم لا، وكذلك الوجوب.
ولا يلزم من هذا تكليف الغافل؛ لأن الغافل إنما هو من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به.
فإن قال المكلف: لا أعرف الوجوب في نفس الأمر، وما لم أعرفه لم أنظر، قلنا: ماذا تريد بالوجوب؟ فإن قال: أريد به ما يكون ترك ما اتصف به إثما، وفعله ثوابا.
قلنا له: فقد أثبت الشرع حيث قلت بالثواب والإثم، فبطل قولك لا أعرف الوجوب، بقولك!! فاندفع الإفحام.
وإن قال: أردت به ما يكون ترك ما اتصف به قبيحا لا تستحسنه العقلاء
стр. 284
وتترتب عليه المفسدة. قلنا: فأنت تعرف الوجوب إذا رجعت إلى عقلك وتأملت فيه به، إذ يعرف كل عاقل قبح ترك ما اتصف به ومفسدته، فبطل قولك: لم أنظر ما لم أعرف الوجوب، واندفع الإفحام. وليس فيه لزوم القول بالحسن والقبح العقليين، لأنهما ليسا هاهنا بالمعنى المتنازع فيه، بل بالمعنى المتفق عليه
كما لا يخفى.
وإذا عرفت ما حققناه، عرفت أن ما قاله الأشاعرة هو الحق الحقيق بالقبول.
стр. 285
ثم اعلم أن الماتريدية من أهل السنة وافقوا أهل الاعتزال في هاتين
стр. 286
المسألتين، وكذلك الروافض، فهم على آثارهم مقتفون. ولكن الفرق بين الماتريدية وبين هاتين الفرقتين الضالتين أن الماتريدية لا يستلزم عندهم كون الحسن والقبح عقليا حكما من الله تعالى في العبد، بل يصير موجبا
لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجح المرجوح، فالحاكم هو الله فقط والكاشف هو الشرع، فما لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليس هناك حكم أصلا، فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك الأحكام، بخلاف المعتزلة والإمامية من الروافض خذلهم الله تعالى، فإن كلا من الحسن والقبح يوجب الحكم عندهم من الله تعالى.
فلولا الشرع وكانت الأفعال بإيجاد الله تعالى لوجبت الأحكام كما فصلت في الشريعة.
стр. 287
وقوله: (فالعقل حجة ... إلخ) هو كالنتيجة للبيتين اللذين قبله؛ أي العقل حجة فيما استقل به ودل عليه بطريق " الإن " أي " الدليل الإني " وذلك كمعرفة الباري عز اسمه والرسول عليه
الصلاة والسلام. وقد عرفت ما في المقدمات السابقة من الفساد، وإذا فسدت فسدت النتيجة أيضا.
والدليل الإني ما يستدل فيه بالمعلول على العلة، كالعالم بالنظر إلى
стр. 288
الصانع جل شأنه، وكالمعجزة بالنظر إلى الرسول ﵊، وكالحمى بالنظر إلى تعفن الأخلاط.
و" اللمي " بالعكس. والإني المنسوب إلى (إن) ، ومعناها التحقيق، لأنه يفيد تحقق النسبة بين الأكبر والأصغر في
الخارج، ولا يفيد سبب تحققها. واللمي منسوب إلى (لم؟) ومعناه بيان السبب؛ لأنه يفيد تحقق النسبة
стр. 289
مع بيان السبب. والكلام عليهما مستوفى في كتب الميزان. والله ولي التوفيق والإحسان.
стр. 290
* قال الناظم:
١٢٣ - وليس من مذهبنا القياس ... وإن يكن به استدل الناس
أقول: زعم الروافض أنه لا قياس في الشرع، واعترضوا على أهل السنة القائلين به، والعجب من هؤلاء المعترضين؛ لأن روايات القياس في كتبهم المعتبرة موجودة بطرق صحيحة.
ومن ذلك: ما رواه أبو جعفر الطوسي في التهذيب عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، قال: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء.
وقال المهاجرون: إذا التقي الختانان وجب الغسل، فقال عمر لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أتوجبون عليه الحد ولا توجبون عليه صاعا
стр. 291
من ماء ... إلخ، فقاس رضي الله تعالى عنه هاهنا الغسل على الحد بالصراحة.
وأجاب علماء الشيعة عن هذا القياس: بأن ما قال الأمير ليس بقياس بل هو استدلال بالأولوية، يقال له في عرف الحنفية: " دلالة النص " كدلالة ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على حرمة الضرب والشتم وسواء في فهمه المجتهد وغيره.
وفيه خبط ظاهر لأن المساحقة موجبة للتعزير عند أهل السنة وموجبة
стр. 292
للحد عند الإمامية، ولا موجبة للغسل بالإجماع، وكذا اللواطة إذا لم ينزل موجبة للحد عند بعض أهل السنة والإمامية، والتعزير عند غيرهم، ولا غسل بالاتفاق. ( ... ) وكذا المباشرة الفاحشة
стр. 293
مع الأجنبية موجبة للتعزير لا للغسل بالاتفاق.
فلم يثبت تأثير هذه الأمور في الغسل بدلالة النص أصلا، فضلا عن الطريق الأولى كما ترى.
وابن المطهر الحلي -مع شهرة حاله بمزيد العناد والتعصب- صرح في مبادئ الأصول بأن القياس كان جاريا في زمن الصحابة.
وأما دلائل تجويز القياس، وإبطال قول
стр. 294
منكريه فمذكورة في كتب الأصول.
والله تعالى أعلم.
* قال الناظم:
١٢٤ - يا من عدوت الحق ما تقول ... فخصمك الإله والرسول
١٢٥ - أنحن بيت الكذب يا من كذب ... على النبي وبنيه النجبا
١٢٦ - قد قيل في حدك عالم فقط ... ومن أضاف صفة فقد غلط
أقول: إن الرافضة قد خلعوا لباس الحياء، ولبسوا ثياب اللؤم والدناءة والبغضاء، حتى اجترءوا على سلف الأمة الأخيار، وصحابة الهادي المختار ورموا الناس بعيوبهم وشانوهم بما ران على قلوبهم، وفعلوا ما شاءوا
стр. 295
وباءوا بما باءوا. وذلك مصداق قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ( «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ) .
ولعمري إن الكلام معهم لا يفيد، ومن يضلل الله فما على ضلاله من مزيد، والكلب يزداد أنسا، إذا قلت له اخسا.
ومع ذلك قابلت كلام هذا الناظم الخبيث وسائر إخوانه ذوي الضلال؛ ليعلم أن ليس في رشانا تقاصر في كل مجال.
تعرضت فاستهدف لوقع نبالنا ... وأسيافنا المحدودة الشفرات
[فما في رشانا عن رشاك قاصر ... ولكن ذم الكلب كالتحيات]
فلو لم يكن حسان ذم شبيهكم ... ذوي الشرك والأصنام والخبثات
стр. 296
لنزهت نطقي عن وخيم هجائكم ... بلى قد يزاح الظلم بالحسنات
ومن أنتم حتى تذموا وإنما ... أجرب في أعراضكم نبلاتي
لنا بلد الله الحرام وما لكم ... سوى بيع بالشرك متسمات
فقوله: (يا من عدوت الحق ... إلخ) من صفة الرافضة، وقد أسلفنا لك غير مرة أنهم ليسوا من الدين في شيء، وأنهم قد خالفوا الله والرسول
والأئمة.
وقوله: (فخصمك ... إلخ) مردود؛ فإن من اتبع الرسول ﵊ لا يكون خصما بل محبا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
نعم: الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم خصم من خالفهما وشاقهما من الروافض وأمثالهم من أهل الأهواء، نعوذ بالله من ذلك.
وقوله: (أنحن ... إلخ) مما لا يفيد شئيا؛ فإن كونهم بيت الكذب مما
стр. 297
ليس يخفى على أحد، وكيف يسوغ لهم إنكار ذلك، وهم يقولون: ديننا التقية، وهذا هو النفاق!! ثم يزعمون أنهم أصدق من أهل السنة، وهذا هو الجدال والشقاق.
ثم يزعمون أنهم المؤمنون، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار زائغون!! وقد شهد أهل البيت في كل واحد من الذين يروي عنه الرافضة أنه كان
كاذبا؛ بل زنديقا منافقا، ومع ذلك يروون عنهم مع نقلهم في كتبهم ذلك عن أئمتهم!!. ولهذا قال علماء أهل السنة: " الرافضة من أكذب الناس في النقليات، وأجهل الناس في العقليات ".
وقد دخل منهم على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد.
стр. 298
فالنصيرية والإسماعيلية من بابهم دخلوا، والكفار المرتدون
بطريقهم وصلوا، وليسوا أهل خبرة بطريق من طرق الحق ولا معرفة لهم بالأدلة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة.
وقد اعتمدوا على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع الزنادقة وذوي الإلحاد، ولذا لما سئل الإمام مالك عنهم قال: (لا
стр. 299
تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون) . وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: (لم أر أحد أشهد بالزور من الرافضة) .
قوله: (يا من كذبا ... إلخ) تبين لك من الكاذب على الله ورسوله والأئمة، وفي المثل (رمتني بدائها وانسلت) !! .
فأف للروافض ما أجهلهم! وما أعماهم عن الحق وأصمهم!! .
قوله: (قد قيل في حدك عالم فقط ... إلخ) العلم صفة من صفات الله، والعالم اسم من أسمائه، فأي وصف أعظم منه. قال تعالى:
стр. 300
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
نعم إن الجهل الذي هو سبب الضلال وطريق العذاب والنكال مما يعاب به ويشان بصاحبه، وأهل البدع والعصيان هم أعظم الناس جهلا، كما هو مشاهد بالعيان. ولله تعالى در من قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يعطى لعاصي
وأما أن من أضاف أوصاف صفة فقد غلط، فمن محض عناد الروافض وحسدهم والعياذ بالله تعالى، وإلا فمن ينكر ضوء الشمس، أو يمتري في البدر ليلة تمه إلا من أعمى الله تعالى عين بصيرته، تاه في ظلمات ضلالته.
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
ثم إن الناظم الخبيث ختم أرجوزته السخيفة ببيت أظهر فيه صفته
стр. 301
وكشف فيه سوءته، وتكلم بما تكلم به إخوانه أعداء الله تعالى ورسوله سيد البشر، فقد جعل آخر كلامه: " فخذه تاريخا " فكذاب أشر " ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فقد حكى الله عن مشركي ثمود في حق رسوله صالح ﵊ بقوله سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾
فرد الله عليهم بقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ وهكذا نكايات الله مع أعدائه وأعداء رسله عليهم الصلاة والسلام، فقد أجرى ذميم وصفهم على ألسنتهم، ولم يدركوا ما أصابهم من سهام الكلام.
стр. 302
ويكفيه قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾
يا معهد الرفض لا حياك مبتكر ... من السحاب ضحوك البرق منهمل
ولا انبنى فيك فسطاط السعود ولا ... أقيم فيك لأبكار الرضى كلل
ولا عداك البلى في كل آونة ... حتى تزول الجبال الشم والقلل
стр. 303
إذ أنت دمنة خبث طالما رتعت ... فيها من الحمر الأهلية الهمل
من كل من خبثت منه ضمائره ... إذا انقضى دخل منها أتى دخل
رأى خيار الورى طرا فجانبهم ... كذا يجانب أرباب العلى السفل
وصار يرميهم منه بكل هجا ... وما على البدر لو أزرى به طفل
وما على العنبر الفواح من حرج ... إن مات من شمه الزبال والجعل
стр. 304
أو هل على الأسد الكرار من ضرر ... أن ينهق العير مربوطا أو البغل
أو هل على أنجم الخضراء منقصة ... إن عابها من حصى الغبراء منجدل
فلا وربك لا يزري بشمس ضحى ... أعابها الجدي أم قد عابها الحمل
وقد يعيب الفتى ما ليس يدركه ... إذ كل ضد بذم الضد مشتغل
كما يعيب فتاة راق منظرها ... قبيحة ويعيب الصائب الخطل
стр. 305
والزج يحسد لؤما خرص سمهره ... كذاك يهجو الشجاع الباسل الفشل
فلا يضر أولي الفضل الأولى سبقوا ... من صحب خير الورى إن ذمهم سفل
مثل الأسنة والأسياف ما برحت ... بطعن أعدائهم والضرب تنصقل
هذا آخر ما يسر الله تحريره على سبيل الاستعجال، من إبطال شبه المارقين من ذوي الزيغ والضلال، ولولا الأدب والنسب والمذهب - وهي
الثلاثة التي يجب أن يدافع عنها ويذب- لما حركت بنانا، ولما أطلقت للقلم لسانا؛ فإن هؤلاء الأوغاد ومنشأ الفتن والفساد أقل من أن تسود وجوههم بمداد الأقلام، وأذل من أن يقابلوا بأسنة الألسنة وسهام الأرقام؛
стр. 306
فإنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، قد كوروا العمائم، واتخذوا ذلك شبكة لصيد طير الولائم، كل منهم قد شمخ بأنف من الجهل طويل واشمخر بخرطوم كخرطوم الفيل واحتشى من قبح الخبث وقبح الأباطيل، على أن " من يسمع يخل " وغالب الرعاع اليوم كالأنعام بل هم أضل، يتبعون كل ناعق ويألفون كل ناهق.
ثم إن ما حررته في إبطال كلام الزائغين وأوهام الناكبين عن سبيل المؤمنين كان في أقل مدة، من غير كلفة ولا عدة، فإن فسادهم باد في أول النظر.
стр. 307
الدرر، كم أقعدوا المخالفين على
стр. 308
عجز الإفحام، وألجموا المعاندين بلجام الإلزام. ومن أين لفئة الضلالة مثل هؤلاء الرجال، فإن كلا منهم أحمق من ربيعة البكاء ومن ناطح الصخرة ولاعق الماء، وأخنث من هيت ودلال وأخبث ممن سارت بخبثه الأمثال، قد زادوا بجهلهم على الحمير، وهذه آثارهم، والبعرة تدل على البعير.
والحمد لله الذي صدقنا وعده، ونصر حزبه وجنده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى الآل والأصحاب ومن أخلص لهم وده. وذلك سنة ١٣٠٤ جمادى الأولى.
стр. 309
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين.
وبعد: فمن خلال الدارسة والتحقيق توصلت إلى نتائج هامة، أجملها فيما يلي:
١ - إبراز شخصية الإمام الألوسي، أبي المعالي، وجهوده في محاربة البدع والشركيات.
٢ - أن هذا الإمام لم يعط حقه من البحث والدارسة، وأن جهوده الضخمة في الدعوة إلى الله لم يعرف بها كما عرف بجهود غيره من المصلحين.
٣ - أن كتبه في الرد على الطوائف الضالة من شيعة ومتصوفة ومبتدعة ومشركين لازالت في حاجة إلى خدمة لاستخراج ما فيها من فوائد لينتفع بها.
٤ - أن الإمام الألوسي مر بأطوار ثلاثة من حيث معتقده.
٥ - أن كتاب صب العذاب نموذج قوي على قدرة أهل السنة على الرد على الباطل، وأن مؤلفه يتمتع بعارضة قوية وباع طويل في المناظرة وعلم الجدل.
٦ - أن مصادر التشريع عند الرافضة ليست هي التي عند أهل السنة، وأما القرآن فإن النصوص المتواترة عندهم في كتبهم صريحة في أنه ناقص ومحرف، ومن قال منهم تقية إنه كامل أوله بما يوافق هواه، ولذلك تجد
стр. 310
في تفاسيرهم العجب العجاب.
وأما الأحاديث فإنهم لا يعترفون بأصحها عند أهل السنة، وكذلك أهل
السنة لا يعترفون ولا بواحد من مصادرهم في الحديث.
وأما الإجماع فإنه لا عبرة به عندهم، إلا إن وجد فيه معصوم، فمدار الحجية عندهم على المعصوم -بزعمهم- لا على الإجماع، وأما القياس فغير قائلين به.
وعلى هذا فإن كل من حاول التقريب بين أهل السنة والشيعة فهو كالراقم على الماء.
٧ - أن ما يسمونه تقية عندهم ويقولون: من لا تقية له لا دين له، هو في الحقيقة الكذب والنفاق، ومن كان هذا دينه فإنه لا يجوز أن يصدق في قوله ولا أن يتعاون معه في مصالح المسلمين.
٨ - أن الإمامة عند الرافضة أخت النبوة، والمكذب بالإمامة كالمكذب بالنبوة، ولازم هذا القول أن أهل السنة كلهم كفار في عقيدة الرافضة، لأنهم لا يؤمنون بالإمامة التي يؤمن بها الرافضة.
٩ - بما أن الرافضة أسسوا مذهبهم وبنوه في كثير من مسائله على الكذب؛ فإن السبئية الأوائل وضعوا بعض القواعد من أجل أن لا يظهر كذبهم، فوضعوا عقيدة التقية من أجل الخروج من التناقض الذي يحصل بسبب الكذب.
١٠ - وضعوا كذلك عقيدة البداء حتى إذا ما أخبر أئمتهم المعصومون بغيب ثم ظهر خلاف ذلك قالوا: بدا لله فيه.
١١ - الرافضة الإمامية الاثنا عشرية يعتقدون - حسب ما في مصادرهم
стр. 311
المعتمدة - أن الصحابة ﵃ كلهم كفار ما عدا أربعة أو ستة، ولا فرق في هذا المعتقد بين القدماء منهم والمعاصرين، وانتشار سب
الصحابة في بعض البلاد التي لم يكن فيها أثر للتشيع والرفض يدل على أن المعاصرين يملأون قلوب أتباعهم بالحقد على الصحابة الأخيار، وذلك بنشر الحكايات المختلقة ضدهم.
١٢ - أن من يعتقد أن الصحابة كلهم ارتدوا ما عدا أربعة أو ستة، أو يعتقد كفر الشيخين أو يقذف عائشة ﵂؛ فإنه كافر باتفاق العلماء لأنه أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة.
١٣ - أن من سب الصحابة ولم يعتقد كفرهم ليس بكافر عند بعض العلماء، لكنه ارتكب جرما عظيما وإثما كبيرا، يخاف عليه من سوء الخاتمة بسبب هذا الإثم الكبير، وقد يتحول السب إلى شيء آخر يصل بصاحبه إلى الكفر.
وصلى الله على أشرف الخلق أجمعين وعلى آله الطاهرين وأصحابه ذوي الفضل المبين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.