Полный текст (311 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ورحم الله السيد عبد الغفار حيث يقول:
ألم تكفر الأرفاض والكفر دينهم ... وقد نسبوا صحب النبي إلى الكفر
صحابة هادينا وأعلام ديننا ... تسب بلا ذنب جنته ولا وزر
أكان جزاء المصطفى سب جنده ... وأزواجه ظلما وأصحابه الطهر
وأما قوله: (وهل يحل ... إلخ) فليس من المتفق عليه بين الفقهاء، ومن أحله استند إلى كون الروافض من الحربيين مع ما انضم إليه من كفرهم بتكفير الصحابة ﵃.
стр. 247
والتفصيل في فتاوى الحامدية، وكذا في أكثر كتب الحنفية، وأما قوله: (وكيف ... إلخ) فليس بصحيح، بل الصواب ما قدمناه من أن من سب أحدا من الصحابة وكفره فهو كافر، سيما إذا كان من أجلتهم رضي الله تعالى عنهم.
ومن صرح بخلاف ما ذكرنا فهو مردود لا يلتفت إليه، ولا يعول عليه، والحق أحق بالقبول، والله شاهد على ما نقول.
стр. 248
* [قال الناظم] :
٨٩ - وشيعة الغر الهداة البررة ... عندك يا غمر عتاة كفرة
٩٠ - لقد سلكت مسلكا من سلكا ... فيه فعن بينة قد هلكا
٩١ فالدين عند ربنا الإسلام ... وديننا الإسلام والسلام
أقول: كل أحد يدعي أنه على الحق وغيره على الباطل، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ .
وقد تفضل الله تعالى على نوع نبي آم بالعقل والإدراك ليتميز به الحق من الباطل والرائج من العاطل، وشرع سبحانه لعباده من الدين ما وصى به الأنبياء والمرسلين وأنعم علينا جل شأنه ببعثة سيدنا ومولانا محمد ﷺ ، فأنقذنا من الضلالات، ونجانا من مهالك الجهالات بشريعته الغراء الواضحة البيضاء، وقد حملها في كل قرن عدوله،
стр. 249
وحفظها في كل عصر أساطينه وفحوله، ونفوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، فمن جرد نظره عن وساوس النفس وشبهات الأوهام، وانفرد بعقله عما كان يمنعه عن قبول الحق من الإلف والعادة وتقليد آراء الأفهام، تبين له بالضرورة فساد ما عليه الروافض اليوم من العقائد والعوائد المنكرة، وظهر له أن ما ادعوه محض وساوس لا معاني مبتكرة؛ وذلك لأن ما ألفوه من الهوى والزيغ صدهم عن اتباع الحق ومنع العقل السليم أن يسلك في منهج الصدق، لأن العوائد طبائع ثوان، وهي قاهرة لذوي الفضل والعرفان.
فليصن المرء من العوائد التي استأنس بها، وتربي عليها فإنها سم قاتل قل من سلم من آفاتها وظهر له الحق معها، ألا يرى أن قريشا لأجل العوائد التي ألفتها نفوسهم أنكروا على النبي ﷺ ما جاء به من الهدى والبيان، وكان ذلك سببا لكفرهم وطغيانهم، وقد خالف المبتدعون ما جاءت به الرسل وناقضوه، ومع ذلك يزعمون أنهم الهداة البررة، إن هذا لشيء عجاب.
стр. 250
انظر إلى حال المشركين مع ما كانوا به من غزارة العقل وفرط الذكاء وكمال الدراية، كيف منعتهم العوائد وما كانوا يألفونه مما تلقوه عن أسلافهم نتائج الدلائل البرهانية، وغايات المعجزات النبوية، حتى ترددوا واستفهموا، فقالوا: أي الفريقين أهدى سبيلا؟ بل ربما قطعوا بأن ما هم عليه هو الحق الذي لا معدل عنه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ هذا مع ظهور فساد ما هم عليه، وبداهة قبائح ما ذهبوا إليه. وهكذا حال الروافض اليوم، وإلا فكيف يتصور عاقل سلم عقله من داء الغفلة، وتجرد عن شواغل الإلف والعادة أن جميع أصحاب محمد ﷺ الذين توفي عنهم وهم على ما يقال مائة وأربعة وعشرون ألف صحابي
стр. 251
قد ارتدوا عن الدين وزاغوا عن شريعة سيد المرسلين إلا نحو أربعة أو ستة بسبب تقديمهم أبا بكر على علي في الخلافة، مع ما جاهدوا لله حق جهاده، حتى فتحوا البلاد، ودوخوا أهل الكفر والعناد. وقد أثنى الله عليهم في كتابه بما لا مزيد عليه، وكذا رسول الله ﷺ .
هذا الأمير كرم الله تعالى وجهه كان يقول في وصفهم على ما في نهج البلاغة: (كانوا إذا ذكروا الله تعالى همت أعينهم حتى تبل ثيابهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب ورجاء للثواب) .
كيف يكون مذهب الروافض حقا وجميع معتقداتهم أمور موهومة وأشياء غير معلومة.
стр. 252
فإن منهم من يعتقد أن المعبود رجل واحد أو اثنان أو خمسة.
وكل منهم يأكل ويشرب وينكح ويلد ويولد، أو يغلب عليه عباده.
ومنهم من يقول: إنه جسد له طول وعرض وعمق، وغير ذلك من صفات الأجسام.
ومنهم من يعتقده أنه لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها.
ومنهم من يعتقده أنه لا يحصل أكثر مراداته سبحانه في الدنيا، وكثيرا ما يقع مراد من يعاديه كإبليس وجنوده وسائر الكفرة.
стр. 253
ومنهم من يعتقد أنه يرضى لعباده الكفر، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وأما الرسول الذي آمنوا به فهو بزعمهم رجل من العرب لم يبلغ رسالات ربه، وليس هو أفضل الخلق، بل إن من ليس بنبي يساويه بزعمهم، وأنه رد الوحي مرتين، وأنه لم يبلغ رسالات ربه في آخر حياته خوفا من ضرر أصحابه، وأنه أمر خيار أهل بيته بأن يكذبوا على الله ورسوله ماداموا أحياء،
стр. 254
وأن يفتوا في الدين بخلاف ما أنزل الله، وأن يحللوا فروج فتياتهم لشيعتهم، وأن يكرهوهن على البغاء إن أردن تحصنا، وأن يأمروا شيعتهم بإخراج أمهات أولادهم وسائر جواريهم لأهل مذهبهم.
وأن يقرءوا في الصلاة بعض كلمات ليست من القرآن وأن لا يقرءوا فيها بعض ما هو من القرآن، وأن يأمروا شيعتهم أن يرضوا من خالفهم بما لا يرضى الله تعالى لهم من الضلال إلى غير ذلك أن النبي الموصوف
стр. 255
بهذه الصفات ليس هو محمد ﷺ بن عبد الله بن عبد المطلب، بل لم يرسل الله تعالى قط نبيا بهذه الصفة.
وأما إمامهم في كل عصر فهو رجل كثير الخوف، يخشى من صفير الصافر، وبزعمهم أن جميع الأئمة كانوا أذلاء مغلوبين، يفترون على الله الكذب، ولا يمكنهم إظهار الحق، ويخشون من محبيهم الذين يصلون عليهم في صلواتهم، وأن خاتمتهم -كما زعموا- أشدهم جبنا وأكثرهم خوفا.
وقد اختفى لما خوفه في صباه بعض الناس، وأنه لا يظهر على أحبائه ولا على أعدائه لمزيد خوفه. وقد طالت مدة غيبته فتعطل بسببه الجهاد الذي هو ذروة الإسلام، وكذا
стр. 256
سائر الحدود وغالب الأحكام.
ومن الروافض من يزعم أن إمامه لا يجب عليه شيء وله أن يفعل ما يشاء، وله أيضا إسقاط التكاليف الشرعية.
ومنهم من يزعم أن إمامه يعلم الغيب، وأن موته باختياره، وأنه يناجي ربه. ولا شك أن مثل هؤلاء الأئمة لم يوجد في زمان قط، بل إنه موهوم
стр. 257
محض.
وهذا حديث إجمالي، تفصيله في " السيوف المشرقة في أعناق أهل الزندقة " وكل ما ذكرناه منقول من كتبهم الصحيحة.
فقوله: (وشيعة الغر ... إلخ) تبين لك بطلانه.
وقوله: (لقد سلكت ... إلخ) مردود بما مر غير مرة، وقد تبين لك من الهالك، ومن السالك في أوعر المسالك!!
وما أشبه حال الناظم وإخوانه الروافض بما عناه الشاعر:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... سفها وظلما إنه لذميم
وقوله: (فالدين ... إلخ) حق لا شبهة فيه ولا ريب يعتريه.
وقوله: (وديننا الإسلام) كذب بما حررناه لك غير مرة مما لا مرية فيه ولا شبهة.
стр. 258
إلام التعامي وارتكاب المحارم ... ورميك أعلام الهدى بالجرائم
وتطمع أن ترقى السماء بسلم ... لترمي أقمار الدجى بالعظائم
نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب يهدى به كل عالم
* قال الناظم:
فصل
٩٢ - ما قلت في الإجماع يا غمر فلا ... معنى له حدا ولا محصلا
٩٣ - إذ بعد ما تعين الإمام ... لم يك في انعقاده كلام
٩٤ - والخبر المنقول بالتواتر ... ولو بنقل فاسق أو كافر
٩٥ - معتبر كظاهر الكتاب ... وإن نقل ما قيل في الأصحاب
стр. 259
٩٦ - إذ لا يكون ذاك بالتواتر ... مما يضر باتفاق ظاهر
٩٧ - وخبر النقصان إن تم فلا ... يقدح فيه عند من تأملا
٩٨ - إذ هو محمول على التفسير ... ولا ترى فيه من التغيير
٩٩ - هذا وليس مطلق النقصان ... يقدح في حجية القرآن
١٠٠ - لا سيما ما كان في فضل علي ... وأنه الولي والأمر الجلي
١٠١ - فعندنا الكتاب قطعي السند ... وفي الفروع فهو أولى مستند
١٠٢ - والنقص إن قيل به للنقل ... والشك فيه فهو مجرى الأصل
١٠٣ - والعلم بالإجمال في المجموع ... لا يقدح الإجزاء في الفروع
١٠٤ - إذا ليس غيرها محل الابتدا ... فلا ينافي العلم أصلا أصلا
١٠٥ - ورد مما مر إشكال يجر ... وانكشف الغطا وبان ما ستر
стр. 260
١٠٦ - فما تواترات عن الرسول ... يؤخذ في عقائد الأصول
١٠٧ - كمثل ما تواترت عن آله ... فإنه جار على منواله
١٠٨ - وفي الفروع الخبر الواحد مع ... ما ذكروا أمر الشروط متبع
١٠٩ - والدس في أخبار أهل العصمة ... كالدس في حامي نبي الرحمة
١١٠ - والدس غير قادح لا سيما ... بعد تصدي العلماء القدما
١١١ - ثم النبي قد أتى بما ظهر ... من معجزات عجزت عنها البشر
١١٢ - قد رويت لنا مع التواتر ... من مؤمن وفاسق وكافر
١١٣ - وأعظم الآيات بالعيان ... معجزة فصاحة القرآن
١١٤ - قد عجز الناس عن المقابلة ... فانجر أمرهم إلى المقاتلة
١١٥ - وقوله فأتوا بسورة ولا ... مجيب كاف عند من تأملا
стр. 261
أقول: لم يزل هذا الناظم يردد الهذيان، ويتكلم بكلام الصبيان ويركب متن عمياء، ويخبط خبط عشواء.
فقد قصد بهذه الأبيات العاطلة، والكلمات الباطلة، الرد بها على ما في الأصل من إبطال دلائلهم، وعدم إمكان استدلالهم.
وما درى أنه صرير باب أو طنين ذباب.
راحت مشرقة ورحت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
وفسادها بعد مراجعة الأصل غني عن البيان، لا يحتاج إلى شاهد ولا إلى برهان، ومع ذلك لا بد من التنبيه عليه والإشارة إليه.
فنقول: أما قوله: (ما قلت في الإجماع ... إلخ) فهو دليل على جهل الناظم وإخوانه، ولو كان له قلب لم يتكلم بمثله.
وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ
стр. 262
أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقوله: (إذ بعدما تعين الإمام ... إلخ) مردود، بل هو أول المسألة، وأي دليل أثبته فضلا عن تعينه؛ فإن دلائل الروافض كما لا يخفى على من راجع الأصل - صارت هباء منثورا.
وقوله: (والخبر المنقول بالتواتر ... إلخ) مردود بأنه لم يرد عن أحد
من الصحابة خبر بما عليه الرافضة، فضلا عن أن يتواتر، على أن التواتر ساقط عن حيز الاعتبار عندهم؛ لأن كتمان الحق والزور في الدين قد وقع عن نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا بزعمهم الفاسد، ولأنهم لم يعتبروا التواتر في خبر الأمر بالصلاة.
وقوله: (وخبر النقصان إن تم ... إلخ) مما لا وجه لإيراد كلمة الشك فيه بعد أن طفحت كتبهم الصحيحة عندهم بالنقصان. وقد بسط الكلام على هذه المسألة في كل من: " كتاب السيوف المشرقة " و " مختصر التحفة ".
стр. 263
وما في الأصل من رواية الكليني دليل على ما ذكرناه.
على أن في بعض كتبهم المعتمد عليها تصريح بأنه لم يصح من القرآن الموجود بين أيدي الناس اليوم سوى سورة الفاتحة والإخلاص.
وفي كتاب الكافي للكليني وغيره أمثال هذه الرواية.
стр. 264
ولا دليل لهم على أن الساقط محمول على التفسير، والقول الذي لا دليل عليه مردود.
وقوله: (هذا وليس مطلق النقصان ... إلخ) باطل؛ فإن مطلق النقصان مبطل للحجية، واحتماله كاف في ذلك، لأن من يجترئ على إسقاط بعض يجترئ على إسقاط ما تهواه نفسه.
" والدليل إن طرقه الاحتمال، بطل به الاستدلال ".
على أن ما سمعت من قصر ما ثبت من القرآن على سورتي الفاتحة والإخلاص يدفع هذا القول.
стр. 265
وأيضا: ما كان في فضل علي يحتمل أن لا يخلو من ناسخ ومخصص ونحو ذلك، فالمحذور باق فتدبر.
وقوله: (فعندنا الكتاب ... إلخ) لا يفيدهم ذلك بعد أن تبين أنه لا ينبغي على مقتضى قواعدهم أن يستدلوا به، وقد أسلفنا لك غير مرة أنهم خالفوا الكتاب والسنة والعترة.
وقوله: (والنقص إن قيل ... إلخ) معناه أن النقص ثبت بطريق
النقل من غير يقين، والأصل عدمه، والعمل بالأصل، ولا يخفى أن هذا أيضا لا يفيدهم شيئا؛ لما سبق أن الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل الاستدلال به كما برهن عليه أهل الأصول.
وأيضا: إن النقصان ثابت لديهم بخبر التواتر بزعمهم عن الأئمة فلا يعتريه شك.
وقوله: (والعلم بالإجماع في المجموع ... إلخ) يريد به الاعتراض
стр. 266
على ما ذكر في الأصل من أن ثبوت الإجماع فرع ثبوت الشرع، وإذا لم يثبت الأصل لا يثبت الفرع.
وأنت تعلم أن:
والعلم بالإجمال في المجموع ... لا يقدح الإجزاء في الفروع
ودعوى بلا دليل فلا يلتفت إليها.
وقوله: (ورد مما مر ... إلخ) باطل؛ فقد ذكرنا أن جميع ما هذى به لا
يقابل ما ذكر في الأصل، بل تبين لك فساده، فلا محيص لهم عن هذه الورطة.
وقوله: (فما تواترت ... إلخ) صحيح، ولكن قد تبين حال المتواتر عندهم، وأنه ساقط عن حيز الاعتبار؛ لأن كتمان الحق والزور قد وقع من عدد التواتر، وأنه لا متواتر عندهم إلا حديث واحد كما نص عليه محققوهم.
وقوله: (والدس غير قادح ... إلخ) لا يفيد شيئا؛ لأنه على مقتضى
стр. 267
ما يزعمه الروافض في حق أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يمكن أن يصل لعلمائهم خبر صحيح، حتى يميزوا بينه وبين المدسوس، والتمييز بين الطيب من الخبيث، ومعرفة الغث من السمين إنما هو وظيفة أهل الحق، فقد جاء منهم أئمة هداة، وحفاظ ثقات، ميزوا القشر من اللب، وصانوا الشريعة من تطرق الخلل والنقصان والزيادة، حتى أدركوا زيادة حرف ونقصانه، ولا ينكر ذلك إلا من أنكر ربه عز اسمه.
وكيف يميز بين الخطإ والصواب من مدار مذهبه على الرقاع المزورة ونحوها مما سبق بيانه!!! .
وقوله: (ثم النبي ... إلخ) حق لا شبهة فيه، ولا ريب يعتريه.
فإن معجزات سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مما يضيق عنها نطاق الحصر، وهي أظهر من نار على علم، غير أن عيون بصائر أهل الرفض لا تدركها، لما طرأ عليها من عمى الضلال والعياذ بالله تعالى. ولا يمكنهم إثباتها على طريقهم بعد أن حكموا بارتداد حملة الدين، وحاشاهم.
فقد تبين لك أيها العارف المنصف أن ما ذكر في الأصل من عدم إمكان إثبات مطلب من المطالب الدينية.. إلى آخر ما قرره في ذلك حق لا غبار
стр. 268
عليه، وأن ما عوى به الناظم ومن شاكله مما لا يصغى إليه، وليس فيه ما يمس بالمقصود ولا ما يتقون به عما رموا به من الجلمود.
* قال الناظم:
١١٦ - ونحن بالعصمة في الأحكام ... وغيرها نقول بالإمام
١١٧ - والعقل حاكم وهذي المسألة ... مبسوطة في الكتب المفصلة
١١٨ - فما عنى من دوره وما قصد ... في خبطه وهل ترى له سند
١١٩ - وليته أبدل عن دور بلى ... بدور تصويب وحل المشكلا
أقول: ذهب الرافضة إلى وجوب عصمة الأئمة كالأنبياء، وبذلك
стр. 269
توصلوا إلى نفي الخلافة عن الخلفاء الثلاثة.
تقرير ذلك على طريقة الاختصار: " أن الإمام يجب أن يكون معصوما وغير الأمير من الصحابة لم يكن معصوما فكان هو إماما لا غيره ".
وفي هذا الترتيب نظر، يظهر لكل ذي نظر.
وفيه بعد منع، أما الصغرى: فلأن الأمير نص بقوله: (إنما الشورى للمهاجرين والأنصار) على أن الشورى لهم فقط. وبديهي عدم العصمة
стр. 270
فيهم.
ولما سمع ما قال الخوارج: (لا إمرة) قال: (لا بد للناس من أمير بر أو فاجر) كذا في نهج البلاغة.
وأيضا: طريق العلم بالعصمة لغير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مسدود؛ إذ أسباب العلم ثلاثة: الحواس السليمة، والعقل، والخبر الصادق ولا سبيل لأحد منها إلى تحصيله.
أما الأقوال فظاهر؛ لأن العصمة ملكة نفسانية تمنع من صدور القبائح وهي غير محسوسة.
وأما الثاني: فلأن العقل لا يدرك الملكة إلا بطريق الاستدلال بالآثار والأفعال، وأين الاستقراء التام في هذا المقام سيما مكنونات الضمائر من
стр. 271
العقائد الفاسدة، والحسد والبغض والعجب والرياء ونحوها. ولو فرضنا الاطلاع على عدم الصدور، فأين الاطلاع على عدم إمكانه؟ وهو المقصود.
وأما الثالث: فلأن الخبر الصادق إما المتواتر، أو خبر الله ورسوله، وظاهر أن المتواتر لا دخل له هاهنا؛ إذ يشترط انتهاؤه إلى المحسوس في إفادة العلم، ولا انتهاء، إذ لا محسوس. وخبر الله والرسول لا يكون موجبا
للعلم هنا على أصول الشيعة، لإمكان البداء عندهم، وأيضا وصول الخبر
стр. 272
إلى المكلفين إما بواسطة معصوم، أو بواسطة تواتر.
ففي الأول يلزم الدور وفي الثاني يلزم خلاف الواقع؛ لأن كل متواتر ليس مفيدا للعلم القطعي عند الشيعة، كتواتر المسح على الخف، وغسل
الرجين في الوضوء
стр. 273
و ﴿أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ وصيغة التحيات ونحو ذلك.
فلا بد من التعيين، وذلك غير مفيد؛ إذ حصول العلم القطعي من المتواتر يكون
стр. 274
بناء على كثرة الناقلين وبلوغهم إلى ذلك المبلغ، ولما كذب الناقلون في مادة أو مادتين ارتفع الاعتماد عن أقسامه ولا يرد هذا في الأنبياء للمعجزة وبتميزهم على غيرهم، وفرق بين التابع والمتبوعبن فافهم.
واما الكبرى: فلأن الأمير قال لأ صحابه: (لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست بفوق أن أخطئ ولا آمن من ذلك في فعلي) ، كذا في النهج.
وهذا لا يصدر عن معصوم، لا سيما وبعده: (إلا أن يلقي الله في نفسي ما هو أملك به مني) . والمعصوم يملكه الله تعالى نفسه.
وأيضا: روى في دعاء الأمير: (اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي) كذا في النهج أيضا، فليتدبر حق التدبير.
стр. 275
والكلام على هذه المسألة مبسوط في "مختصر التحفة " و "السيوف المشرقة في أعناق أهل الزندقة ".
وقوله: (والعقل حاكم ... إلخ) مردود بما ذكره الأصوليون؛ (أنه لا حكم قبل الشرع) ؛ إذا لا يستقل العقل بإدراك حسن ولا قبح من حيث ترتب ثواب أو عقاب، بل من حيث صفة الكمال أو النقص وملاءمة الطبع ومنافرته.
وهذه المسألة مفروغ عنها في كتب الأصول.
وقد بسطناها في كتاب " رجوم الشياطين ".
стр. 276
وما ذهب إليه الرافضة هو مذهب المعتزلة كما لا يخفى.
وقوله: (فما عنى بدوره ... إلخ) تبين لك مما قررناه أن الدور لازم لا محالة، وهو من البداهة بمكان لا يخفى إلا على من حجب عين بصيرته غشاوة الضلال والخسران؛ فإن صدق الخبر موقوف على كون المخبر معصوما، وكونه معصوما موقوف على صدق الخبر، فقد جاء الدور الصريح بلا شبهة. وقد زعم هذا الناظم أنه رد على ما ذكر في الأصل: أن في نقل إجماع الغائبين لا بد من الخبر، وفي إثبات عصمة رجل بعينه بخبره أو بخبر المعصوم الآخر الذي وصل الخبر بواسطته دور صريح. وقد علمت أن هذا كلام لا غبار عليه.
وقوله: (في خبطه ... إلخ) فيه خروج عن حده، وتجاسر على من لا يبلغ هو ولا من يحذوه من الروافض دون شراك نعله. وهكذا دأب هؤلاء الأشرار مع سادة الأمة الأخيار.
يا أمة صرف الضلال قلوبها ... من ذا على نهج الشقا دلاك
أعماك عن سبل الهدى أعماك ... حتى ضللت وما علمت خطاك
стр. 277
أم رأى أهواك المضلة في الردى ... أهواك حتى زل منه خطاك
فلقد هجوت المسلمين جميعهم ... وهم الخيار كما حكى مولاك
ورميت أقمار الهدى بنقائص ... لما بها رب السماء رماك
وقوله: (وليته ... إلخ) لا يتلافى به ما فات، وهيهات أن يلتئم صدع قلوبهم من أسئلة أهل الحق وهيهات.
.... وهل ينفع شيئا ليت......
كما لا ينجو من أعلن ببغض الصحابة بحب أهل البيت، نسأله تعالى أن يسعدنا يوم القيامة، ويباعدنا عن موجبات الندامة.
стр. 278
* قال الناظم:
١٢٠ - والعقل في معرفة الله وفي ... معرفة الرسول حجة تفي
١٢١ - بلا انضمام إذ لو احتاج إلى ... قولهما لدار أو تسلسلا
١٢٢ - فالعقل حجة بما به استقل ... وما عليه بطريق الإن دل
أقول: إن الروافض قد وافقوا في هذه المسألة المعتزلة.
وإن أردت التفصيل: فاعلم أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا عند الأشاعرة لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ و ﴿قُلِ
стр. 279
انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . ولقوله ﷺ : ( «تفكروا في آلاء الله» ..) .
والأمر هاهنا للوجوب؛ لقوله ﷺ حين نزل قوله تعالى: إِنَّ ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ : ( «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر
стр. 280
فيها» ) .
فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم أوعد بترك الفكر في دلائل معرفة الله تعالى، ولا وعيد على ترك غير الواجب.
وأيضا: إن معرفة الله واجبة إجماعا، وهي لا تتم إلا بالنظر وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب كوجوبه.
وعند المعتزلة واجب عقلا؛ لأن شكر المنعم واجب عقلا عندهم، وهو موقوف على معرفة الله تعالى المنعم، ومقدمة المطلق واجبة أيضا، هذا
стр. 281
بناء على قولهم بكون الحسن والقبح عقليين كما عرفت آنفا.
واحتجت المعتزلة على كونه واجبا عقلا بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع يلزم إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة
إذ يجوز للمكلف حينئذ أن يقول إذا أمره النبي بالنظر في معجزته وغيرها مما يتوقف عليه نبوته ليظهر له صدق دعواه: لا أنظر ما لم يجب النظر علي، ولا يجب النظر علي ما لم يثبت الشرع عندي، إذ المفروض عدم الوجوب إلا به، ولا يثبت الشرع عندي ما لم أنظر؛ لأن ثبوته نظري، فيتوقف كل واحد من وجوب النظر وثبوت الشرع على الآخر، وهو دور محال، ويكون كلامه هذا حقا لا قدرة للنبي على دفعه؛ وهو معنى إفحامه.
وأجيب عنه أولا بالنقض بأن ما ذكرتم مشترك بين الوجوب الشرعي والعقلي معا، فما هو جوابكم فهو جوابنا. وبيان الاشتراك أن النظر لو وجب بالعقل لوجب بالنظر لأن وجوبه ليس معلوما بالضرورة، بل بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى
стр. 282
أنظار دقيقة، من أن المعرفة واجبة، وأنها لا تتم إلا بالنظر، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيصح للمكلف أن يقول حينئذ: لا أنظر أصلا ما لم يجب علي النظر، ولا يجب ما لم أنظر، فيلزم الدور المحذور.
لا يقال: قد يكون وجوب النظر فطري القياس بأن يضع النبي
للمكلف مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكلف، وتفيده العلم بذلك ضرورة؛ لأنا نقول: كونه فطري القياس -مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار- باطل قطعا.
ولو سلمناه بأن يكون هناك دليل آخر، ولكن يجوز للمكلف أن لا يصغي إلى كلام النبي الذي أراد به التنبيه، ولا يستمع به، ولا يأثم بترك النظر والاستماع؛ إذ لم يثبت بعد وجوب شيء أصلا، فلا يمكن الدعوة وإثبات النبوة، وهو المراد بالإفحام.
وثانيا بالحل، بأن قوله: لا يجب النظر علي ما لم يثبت الشرع عندي،
стр. 283
إنما يصح إذا كان الوجوب عليه بحسب نفس الأمر متوقفا على العلم بالوجوب المستفاد من العلم بثبوت الشرع، ولكن لا يتوقف. كذلك العلم بالوجوب موقوف على نفس الوجوب؛ لأن العلم بثبوت شيء فرع لثبوته في نفسه؛ فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان اعتقاد ثبوته جهلا مركبا لا علما.
فلو توقف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور وأن لا يجب شيء
على الكافر أيضا. فليس الوجوب في نفس الأمر موقوفا على العلم بالوجوب. بل نقول: الوجوب في نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الأمر، والشرع ثابت في نفس الأمر، علم المكلف ثبوته ونظر فيه أم لا، وكذلك الوجوب.
ولا يلزم من هذا تكليف الغافل؛ لأن الغافل إنما هو من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به.
فإن قال المكلف: لا أعرف الوجوب في نفس الأمر، وما لم أعرفه لم أنظر، قلنا: ماذا تريد بالوجوب؟ فإن قال: أريد به ما يكون ترك ما اتصف به إثما، وفعله ثوابا.
قلنا له: فقد أثبت الشرع حيث قلت بالثواب والإثم، فبطل قولك لا أعرف الوجوب، بقولك!! فاندفع الإفحام.
وإن قال: أردت به ما يكون ترك ما اتصف به قبيحا لا تستحسنه العقلاء
стр. 284
وتترتب عليه المفسدة. قلنا: فأنت تعرف الوجوب إذا رجعت إلى عقلك وتأملت فيه به، إذ يعرف كل عاقل قبح ترك ما اتصف به ومفسدته، فبطل قولك: لم أنظر ما لم أعرف الوجوب، واندفع الإفحام. وليس فيه لزوم القول بالحسن والقبح العقليين، لأنهما ليسا هاهنا بالمعنى المتنازع فيه، بل بالمعنى المتفق عليه
كما لا يخفى.
وإذا عرفت ما حققناه، عرفت أن ما قاله الأشاعرة هو الحق الحقيق بالقبول.
стр. 285
ثم اعلم أن الماتريدية من أهل السنة وافقوا أهل الاعتزال في هاتين
следующие страницы →