← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

أَشْرَفَ عَلَى الْغَرَقِ وَأَرَادُوا أَنْ يَرْمُوا بَعْضَهُمْ إِلَى الْبَحْرِ لِيَخِفَّ الْمَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهُمْ وَيَسْلَمَ الْمَرْكَبُ فَقَالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ أَلْقَيْنَاهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ الْمَرْكَبِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ جَالِسُونَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا حُكْمًا مُرْضِيًا وَإِنَّمَا نَعُدُّ الْجَمَاعَةَ فَمَنْ كَانَ تَاسِعًا أَلْقَيْنَاهُ فَارْتَضَوْا بِذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهُمْ وَيُلْقِي التَّاسِعَ فَالتَّاسِعَ إِلَى أَنْ أَلْقَى الْكُفَّارَ وَسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ وَهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وَصَوَّرَ دَائِرَةً فِيهَا عَلَامَاتٌ حُمْرٌ وَعَلَامَاتٌ سُودٌ، فَالْحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ وَمِنْهُمُ ابْتِدَاءُ الْعَدِّ وَهُوَ إِلَى جِهَةِ الشِّمَالِ) قَالَ: وَلَقَدْ ذَكَرْتُهَا لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأَعْجَبَتْهُ وَقَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِحِفْظِ هَذَا التَّرْتِيبِ فَقُلْتُ لَهُ: الضَّابِطُ فِي هَذَا الْبَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ الْمُعْجَمَةَ لِلْكُفَّارِ وَالْمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ: اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ... ويرزق الضَّيْف حِين كَانَا ا. هـ وَكَانَتِ الْقُرْعَةُ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْتِبَاسِ الْحَقِّ أَوْ عِنْدَ اسْتِوَاءِ عَدَدٍ فِي اسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٤٤] عِنْدَ قَوْلِهِ: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَهِيَ طَرِيقَةٌ إِقْنَاعِيَّةٌ كَانَ الْبَشَرُ يَصِيرُونَ إِلَيْهَا لِفَصْلِ التَّنَازُعِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْأُمَمِ الْمُتَدَيِّنَةِ، أَوْ إِرَادَةِ الْأَصْنَامِ عِنْدَ الْأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الْأَصْنَامَ تَمْيِيزَ صَاحِبِ الْحَقِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَلَعَلَّهَا مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الْكَهَنَةِ وَسَدَنَةِ الْأَصْنَامِ. فَلَمَّا شَاعَتْ فِي الْبَشَرِ أَقَرَّتْهَا الشَّرَائِعُ لِمَا فِيهَا مِنْ قَطْعِ الْخِصَامِ وَالْقِتَالِ، وَلَكِنَّ الشَّرَائِعَ الْحَقَّ لَمَّا أَقَرَّتْهَا اقْتَصَدَتْ فِي اسْتِعْمَالِهَا بِحَيْثُ لَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِلَّا عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْحَقِّ وَفُقْدَانِ الْمُرَجِّحِ، الَّذِي هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي نَوْعِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهِيَ مِنْ بَقَايَا الْأَوْهَامِ. وَقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي اعْتِبَارِهَا عَلَى أَقَلِّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ. مِثْلَ تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَقْسَامِ الْمُتَسَاوِيَةِ لِأَحَدِ الْمُتَقَاسِمِينَ إِذْ تَشَاحُّوا فِي أَحَدِهَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي «الْمُقَدِّمَاتِ» : «وَالْقُرْعَةُ إِنَّمَا جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأَنْفُسِ الْمُتَقَاسِمِينَ وَأَصْلُهَا قَائِمٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُونُسَ: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. وَعِنْدِي: أَنْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَةِ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ إِذْ لَا يُعْرَفُ دِينُ أَهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أَجْرَوُا الِاسْتِهَامَ عَلَى يُونُسَ، عَلَى أَنَّ مَا أُجْرِيَ الِاسْتِهَامُ عَلَيْهِ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ

стр. 7912

عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي مِثْلِهِ اسْتِهَامٌ. فَلَوْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبِلْنَا فَقَدْ نَسَخَهُ إِجْمَاعُ عُلَمَاءِ أُمَّتِنَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الِاقْتِرَاعُ عَلَى إِلْقَاءِ الْآدَمِيِّ فِي الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ فَكَيْفَ الْمُسْلِمُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيمَنْ كَانَ عَاصِيًا أَنْ يقتل وَلَا أَن يُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ وَالْبَحْرِ. وَإِنَّمَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْحُدُود وَالتَّعْزِير عَلَى مِقْدَارِ جِنَايَتِهِ. وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْبَحْرَ إِذَا هَالَ عَلَى الْقَوْمِ فَاضْطَرُّوا إِلَى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أَنَّ الْقُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهُمْ تَخْفِيفًا، وَهَذَا فَاسِدٌ فَلَا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجَالِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَإِنَّمَا يَصْبِرُونَ عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ. وَكَانَتْ فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا الْقُرْعَةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْعُمُومِ. وَجَاءَتِ الْقُرْعَةُ فِي شَرْعِنَا عَلَى الْخُصُوصِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: الْأَوَّلُ: كَانَ النبيء ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. الثَّانِي: أَن النبيء ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ- وَهُمَا مُعَادِلُ الثُّلُثِ- وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً. الثَّالِثُ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ دُرِسَتْ، فَقَالَ: اذْهَبَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ وَاسْتَهِمَا وَلْيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ. وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ الْغَزْوِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الِاقْتِرَاعُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لَا يُمْكِنُ وَاخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِيثَارٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقُرْعَةُ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي «الْفِرَقِ» (٢٤٠) : مَتَى تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ أَوِ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ لَا يَجُوزُ الِاقْتِرَاعُ لِأَنَّ فِي الْقُرْعَةِ ضَيَاعَ الْحَقِّ وَمَتَى تَسَاوَتِ الْحُقُوقُ أَوِ الْمَصَالِحُ فَهَذَا مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ دَفْعَا لِلضَّغَائِنِ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الْخُلَفَاءِ إِذَا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الْأَهْلِيَّة للولاية وَالْأَئِمَّة والمؤذنين إِذْ اسْتَوَوْا وَالتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحَامِ وَتَغْسِيلُ الْأَمْوَاتِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْأَوْلِيَاءِ وَتُسَاوِيهِمْ وَبَيْنَ الْحَاضِنَاتِ وَالزَّوْجَاتِ فِي السَّفَرِ

стр. 7913

وَالْقِسْمَةُ وَالْخُصُومُ عِنْدَ الْحُكَّامِ فِي عِتْقِ الْعَبِيدِ إِذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ فِي الْمَرَضِ وَلَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْقُرْعَةُ (بَيْنَهُمْ) . وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ وَيُسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهِ وَوَافَقَ فِي قِيمَةِ الْأَرْضِ. قَالَ: وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهَا تَجْرِي فِي كل مُشكل ا. هـ. قُلْتُ: وَفِي «الصَّحِيحِ» «عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّهُ لَمَّا اقْتَرَعَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ وَقَعَ فِي سَهْمِهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ» الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْجَصَّاصُ: (احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَعْضُ الْأَغْمَارِ فِي إِيجَابِ الْقُرْعَةِ فِي الْعَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الْمَرِيضُ. وَذَلِكَ إِغْفَالٌ مِنْهُ لِأَنَّ يُونُسَ سَاهَمَ فِي طَرْحِهِ فِي الْبَحْرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا لَا تَجُوزُ الْقُرْعَةُ فِي قَتْلِ مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ وَفِي أَخْذِ مَالِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ فِيهِ) . وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِإِلْقَاءِ الْأَقْلَامِ فِي كَفَالَةِ مَرْيَمَ» عَلَى جَوَازِ الْقُرْعَةِ فِي الْعَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَلَيْسَ هَذَا (أَيْ إِلْقَاءُ الْأَقْلَامِ) مِنْ عِتْقِ الْعَبِيدِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّ الرِّضَى بِكَفَالَةِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مَرْيَمَ جَائِزٌ فِي مِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى اسْتِرْقَاقِ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ، وَقَدْ كَانَ عِتْقُ الْمَيِّتِ نَافِذًا فِي الْجَمِيعِ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْقُرْعَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى نَقْلِ الْحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ. وَالْإِدْحَاضُ: جَعْلُ الْمَرْءِ دَاحِضًا، أَيْ زَالِقًا غَيْرَ ثَابِتِ الرِّجْلَيْنِ وَهُوَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ لِلْخُسْرَانِ وَالْمَغْلُوبِيَّةِ. وَالِالْتِقَامُ: الْبَلْعُ. وَالْحُوتُ الَّذِي الْتَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الْأَشْيَاءَ وَلَا يَعَضُّ بِأَسْنَانِهِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ الْحُوتُ الَّذِي يُسَمَّى (بَالَيْنُ) بِالْإِفْرِنْجِيَّةِ. وَالْمُلِيمُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَلَامَ، إِذَا فَعَلَ مَا يَلُومُهُ عَلَيْهِ النَّاسُ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمْ لَائِمِينَ فَهُوَ أَلَامَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ. وَكَانَ غَرَقُهُ فِي الْبَحْرِ الْمُسَمَّى بَحْرَ الرُّومِ وَهُوَ الَّذِي نُسَمِّيهِ الْبَحْرَ الْأَبْيَضَ الْمُتَوَسِّطَ، وَلَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَمَا غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.

стр. 7914

وكانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٨٧] ، فَأَنْجَاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وَتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الْحُوتُ مِنْ بَطْنِهِ إِلَى الْبَرِّ بَعْدَ أَنْ مَكَثَ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَقِيلَ: يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقِيلَ: بِضْعَ سَاعَاتٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ التَّأْبِيدُ بِأَنْ يُمِيتَ اللَّهُ الْحُوتَ حِينَ ابْتِلَاعِهِ وَيُبْقِيَهُمَا فِي قَعْرِ الْبَحْرِ، أَوْ بِأَنْ يُخْتَطَفَ الْحُوتُ فِي حَجَرٍ فِي الْبَحْرِ أَوْ نَحْوِهُ فَلَا يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ حَتَّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قَعْر الْبَحْر. [١٤٥- ١٤٦] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٤٥ إِلَى ١٤٦] فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ لِأَنَّهَا تُفْصِحُ عَنْ كَلَامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤] . فَالتَّقْدِيرُ: يُسَبِّحُ رَبَّهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَنَجَّاهُ كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَالْمَعْنَى: فَلَفَظَهُ الْحُوتُ وَقَاءَهُ، وَحَمَلَهُ الْمَوْجُ إِلَى الشَّاطِئِ. وَالنَّبْذُ: الْإِلْقَاءُ وَأُسْنِدَ نَبْذُهُ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْحُوتَ لِقَذْفِهِ مِنْ بَطْنه إِلَى شاطىء لَا شَجَرَ فِيهِ. وَالْعَرَاءُ: الْأَرْضُ الَّتِي لَا شَجَرَ فِيهَا وَلَا مَا يُغَطِّيهَا. وَكَانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ سَقِيمًا لِأَنَّ أَمْعَاءَ الْحُوتِ أَضَرَّتْ بِجِلْدِهِ بِحَرَكَتِهَا حَوْلَهُ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ نزع ثِيَابه عِنْد مَا أُرِيدَ رَمْيُهُ فِي الْبَحْرِ لِيَخِفَّ لِلسِّبَاحَةِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَصَابَ الْحُوتَ بِشِبْهِ الْإِغْمَاءِ فَتَعَطَّلَتْ حَرَكَة هضمه تعطلا مَا فَبَقِيَ كَالْخَدِرِ لِئَلَّا تَضُرَّ أَمْعَاؤُهُ لَحْمَ يُونُسَ. وَأَنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ لِتُظَلِّلَهُ وَتَسْتُرَهُ. وَالْيَقْطِينُ: الدُّبَّاءُ وَهِيَ كَثِيرَةُ الْوَرَقِ تَتَسَلَّقُ أَغْصَانُهَا فِي الشَّيْءِ الْمُرْتَفِعِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَغْصَانَ الْيَقْطِينَةِ تَسَلَّقَتْ عَلَى جَسَدِ يُونُس فكسته وأضلته. وَاخْتِيرَ لَهُ الْيَقْطِينُ لِيُمْكِنَ لَهُ أَنْ يَقْتَاتَ مِنْ غَلَّتِهِ

стр. 7915

فَيَصْلُحُ جَسَدُهُ لُطْفًا مِنْ رَبِّهِ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَجْرَى لَهُ حَادِثًا لِتَأْدِيبِهِ، شَأْنُ الرَّبِّ مَعَ عَبِيدِهِ أَنْ يُعْقِبَ الشِّدَّةَ بِالْيُسْرِ. وَهَذَا حَدَثٌ لَمْ يَعْهَدْ مَثِيلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وَلِأَجْلِهِ قَالَ النبيء ﷺ : «مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيِرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» ، يُرِيدُ رَسُول الله ﷺ نَفْسَهُ إِذْ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَحَدًا آخَرَ إِذْ لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنْ يَقُولَهُ أَحَدٌ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَالْمَعْنَى نَفْيُ الْأَخْيَرِيَّةِ فِي وَصْفِ النُّبُوءَةِ، أَيْ لَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّ فِعْلَةَ يُونُسَ تَسْلُبُ عَنْهُ النُّبُوءَةَ. فَذَلِكَ مثل قَوْله ﷺ : «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» ، أَيْ فِي أَصْلِ النُّبُوءَةِ لَا فِي دَرَجَاتِهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] وَقَالَ: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ [الْإِسْرَاء: ٥٥] . وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِ يُونُسَ هُنَا تَسْلِيَة النبيء ﷺ فِيمَا يَلْقَاهُ مَنْ ثِقَلِ الرِّسَالَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ أَثْقَلَ الرُّسُلَ مِنْ قَبْلِهِ فَظَهَرَتْ مرتبَة النبيء ﷺ فِي صَبْرِهِ عَلَى ذَلِكَ وَعدم تذمّره ولإعلام جَمِيعِ النَّاسِ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمُدَاوَمَةِ الدَّعْوَةِ لِلدِّينِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَلُومُونَهُ عَلَى إِلْحَاحِهِ عَلَيْهِمْ وَدَعْوَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي مُخْتَلَفِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ وَيَقُولُونَ: لَا تَغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَمن جَاءَك فمنّا فَاسْمَعْهُ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رسالاته [الْمَائِدَة: ٦٧] فَلِذِكْرِ قِصَّةِ يُونُسَ أَثَرٌ مِنْ مَوْعِظَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا وَقع فِيهِ يُونُس مِنْ غَضَبِ رَبِّهِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [الْقَلَم: ٤٨، ٤٩] . وَلْيَعْلَمِ النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ إِذَا اصْطَفَى أَحَدًا لِلرِّسَالَةِ لَا يُرَخِّصُ لَهُ فِي الْفُتُورِ عَنْهَا وَلَا يَنْسَخُ أَمْرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَل رسالاته.

стр. 7916

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٤٧ إِلَى ١٤٨] وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) ظَاهِرُ تَرْتِيبِ ذِكْرِ الْإِرْسَالِ بَعْدَ الْإِنْجَاءِ مِنَ الْحُوتِ أَنَّهُ إِعَادَةٌ لِإِرْسَالِهِ. وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى مَا فِي كِتَابِ يُونُسَ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ إِذْ وَقَعَ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ: ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونُسَ ثَانِيَةً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا. وَالْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ: الْيَهُودُ الْقَاطِنُونَ فِي نِينَوَى فِي أَسْرِ الْآشُورِيِّينَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا بُعِثَ إِلَى قَوْمٍ مُخْتَلِطِينَ بِغَيْرِهِمْ أَنْ تَعُمَّ رسَالَته جَمِيع الخليط لِأَنَّ فِي تَمْيِيزِ الْبَعْضِ بِالدَّعْوَةِ تَقْرِيرًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسَى ﵇ لِتَخْلِيصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ دَعَا فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ إِلَى نَبْذِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُقَدَّرَيْنِ بِمِائَةِ أَلْفٍ هُمُ الْيَهُودُ وَأَنَّ الْمَعْطُوفَيْنِ بِقَوْلِهِ: أَوْ يَزِيدُونَ هُمْ بَقِيَّةُ سُكَّانِ (نِينَوَى) . وَذُكِرَ فِي كِتَابِ يُونُسَ أَنَّ دَعْوَةَ يُونُسَ لَمَّا بَلَغَتْ مَلِكَ نِينَوَى قَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ وَلَبِسَ مَسْحًا وَأَمَرَ أَهْلَ مَدِينَتِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِيمَانِ إِلَخْ. وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ يُونُسَ دَعَا غَيْرَ أَهْلِ نِينَوَى مِنْ بِلَادِ أَشُورَ مَعَ سَعَتِهَا. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُول الله ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قَالَ: «عِشْرُونَ أَلْفًا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. فَحَرْفُ أَوْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ يَزِيدُونَ بِمَعْنَى (بَلْ) عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَاخْتِيَارِ الْفَرَّاءِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ جِنِّيِّ وَابْنِ بُرْهَانَ (١) . وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ جَرِيرٍ: مَاذَا تَرَى فِي عِيَالٍ قَدْ بَرَمْتَ بِهِمْ ... لَمْ أُحْصِ عِدَّتَهُمْ إِلَّا بّعَدَّادِ كَانُوا ثَمَانِينَ أَوْ زَادُوا ثَمَانِيَةً ... لَوْلَا رَجَاؤُكَ قَدْ قَتَّلْتَ أَوْلَادِي وَالْبَصْرِيُّونَ لَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ وَأَنْ يُعَادَ

стр. 7917

الْعَامِلُ، وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَالْمَعْنَى إِذَا رَآهُمُ الرَّائِي تَخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ، أَوْ يَقُولَ: يَزِيدُونَ. وَيُرَجِّحُهُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِ أَوْ غَيْرُ مُفْرَدٍ بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُبِينٌ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ لِلْإِضْرَابِ. وَالْفَاءُ فِي فَآمَنُوا لِلتَّعْقِيبِ الْعُرْفِيِّ لِأَنَّ يُونُسَ لَمَّا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَدَعَاهُمُ امْتَنَعُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَعِيدٍ بِهَلَاكِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ خَافُوا فَآمَنُوا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يُونُس: ٩٨] . [١٤٩] [سُورَة الصافات (٣٧) : آيَة ١٤٩] فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَإِبْطَالِ دَعَاوِيهِمْ، وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ لَهُمْ بِنُظَرَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ فَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَمْرَ الله رَسُوله ﷺ بِإِبْطَالِ مَا نَسَبَهُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْوَلَدِ. فَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَاسْتَفْتِهِمْ عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ يُعْلَمُ مِنَ الْمَقَامِ. مِثْلَ نَظِيرِهِ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا [الصافات: ١١] . وَالْمُرَادُ: التَّهَكُّمُ عَلَيْهِمْ بِصُورَةِ الِاسْتِفْتَاءِ إِذْ يَقُولُونَ: وُلَدَ اللَّهُ، عَلَى أَنَّهُمْ قَسَّمُوا قِسْمَةً ضِيزَى حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الْبَنَاتِ وَهُمْ يَرْغَبُونَ فِي الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ وَيَكْرَهُونَ الْإِنَاثَ، فَجَعَلُوا لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ. وَقَدْ جَاءُوا فِي مَقَالِهِمْ هَذَا بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْكُفْرِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا التَّجْسِيمَ لِلَّهِ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ مِنْ أَحْوَالِ الْأَجْسَامِ. الثَّانِي: إِيثَارُ أَنْفُسِهِمْ بِالْأَفْضَلِ وَجَعْلُهُمْ لِلَّهِ الْأَقَلَّ. قَالَ تَعَالَى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف: ١٧] . الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَصْفَ الْأُنُوثَةِ وَهُمْ يَتَعَيَّرُونَ بِأَبِي الْإِنَاثِ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَنْوَاعَ مِنْ كُفْرِهِمْ فِي كِتَابِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

стр. 7918

فَجُمْلَةُ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ فَاسْتَفْتِهِمْ. وَضَمِيرُ لِرَبِّكَ مُخَاطَبٌ بِهِ النبيء ﷺ وَهُوَ حِكَايَةٌ لِلِاسْتِفْتَاءِ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَفْتَاهُمْ يَقُولُ: أَلِرَبِّكُمُ الْبَنَاتُ، وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ وَلَهُمُ مَحْكِيٌّ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُمْ: وَلَكُمُ الْبَنُونَ. وَهَذَا التَّصَرُّفُ يَقَعُ فِي حِكَايَةِ الْقَوْلِ وَنَحْوِهُ مِمَّا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ مثل الاستفتاء. [١٥٠] [سُورَة الصافات (٣٧) : آيَة ١٥٠] أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنَى (بَلْ) وَهِيَ لَا يُفَارِقُهَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، فَالْكَلَامُ بَعْدَهَا مُقَدَّرٌ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ بَلْ أَخَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا. وَضَمِيرُ خَلَقْنَا الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ وَهُوَ إِذَا اسْتَفْتَاهُمْ يَقُولُ لَهُمْ: أَمْ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ وَتَعْجِيبِيٌّ مِنْ جُرْأَتِهِمْ وَقَوْلِهِمْ بِلَا عِلْمٍ. وَجُمْلَةُ وَهُمْ شاهِدُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَهِيَ قَيْدٌ لِلْإِنْكَارِ، أَيْ كَانُوا حَاضِرِينَ حِينَ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ فَشَهِدُوا أُنُوثَةَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ لِأَمْثَالِهِمْ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ إِذْ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِعِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا الْمُشَاهَدَةُ. وَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الْقَاطِعِ فَذَلِكَ مَا سَيَنْفِيهِ بِقَوْلِهِ: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ [الصافات: ١٥٦] ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أُنُوثَةَ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَتْ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ. وَضَمِيرُ: وَهُمْ شاهِدُونَ مَحْكِيٌّ بِالْمَعْنَى فِي الِاسْتِفْتَاءِ. وَالْأَصْلُ: وَأَنْتُمْ شَاهِدُونَ، كَمَا تقدم آنِفا. [١٥١- ١٥٢] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٥١ إِلَى ١٥٢] أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) ارْتِقَاءٌ فِي تَجْهِيلِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْمُسْتَحِيلَ فَضْلًا عَلَى الْقَوْلِ بِلَا دَلِيلٍ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ إِفْكًا. وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ الِاسْتِفْتَاءِ.

стр. 7919

وَ (أَلا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ. وَالْإِفْكُ: الْكَذِبُ أَيْ قَوْلُهُمْ هَذَا بَعْضٌ مِنْ أُكْذُوبَاتِهِمْ. وَلِذَلِكَ أَعْقَبَهُ بِعَطْفِ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ مُؤَكَّدًا بِ (إِنَّ) وَاللَّامِ، أَيْ شَأْنُهُمُ الْكَذِبُ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ مِنْ بَاطِلِهِمْ، فَلَيْسَتِ الْجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: مِنْ إِفْكِهِمْ كَيْفَ وَهِي معطوفة. [١٥٣- ١٥٧] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٥٣ إِلَى ١٥٧] أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) عَوْدٌ إِلَى الِاسْتِفْتَاءِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا كَمَالَ الِاتِّصَالِ، فَالْمَعْنَى: وَقُلْ لَهُمْ: اصْطفى الْبَنَات. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَصْطَفَى بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ عَلَى أَنَّهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَأَمَّا هَمْزَةُ الْوَصْلِ الَّتِي فِي الْفِعْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِأَجْلِ الْوَصْلِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ عَلَى أَنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفَةٌ. وَالْكَلَامُ ارْتِقَاءٌ فِي التَّجْهِيلِ، أَيْ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ اتخذ ولدا فَلَمَّا ذَا اصْطَفَى الْبَنَاتِ دُونَ الذُّكُورِ، أَيِ اخْتَارَ لِذَاتِهِ الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ وَالْبَنُونَ أَفْضَلُ عِنْدَكُمْ؟ وَجُمْلَةُ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ فَإِنَّ إِنْكَارَ اصْطِفَاءِ الْبَنَاتِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلِيلِ فِي حُكْمِهِمْ ذَلِكَ، فَأَبْدَلَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ مِنْ إِنْكَارِ ادِّعَائِهِمُ اصْطِفَاءَ اللَّهِ الْبَنَاتِ لِنَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ: مَا لَكُمْ: مَا اسْتِفْهَامٌ عَنْ ذَاتٍ وَهِيَ مُبْتَدَأٌ ولَكُمْ خَبَرٌ. وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكُمْ؟ وَهَذَا إِبْهَامٌ فَلِذَلِكَ كَانَتْ كَلِمَةُ «مَا لَكَ» وَنَحْوُهَا فِي الِاسْتِفْهَامِ يَجِبُ أَنْ يُتْلَى بِجُمْلَةِ حَالٍ تُبَيِّنُ الْفِعْلَ الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهُ نَحْوَ: مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ [الصافات: ٩٢] وَنَحْوَ مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ [يُوسُفَ: ١١] وَقَدْ بُيِّنَتْ هُنَا بِمَا

стр. 7920

تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اسْتِفْهَامِ كَيْفَ تَحْكُمُونَ فَإِنَّ كَيْفَ اسْمُ اسْتِفْهَامٍ عَنِ الْحَالِ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ تَحْكُمُونَ قُدِّمَتْ لِأَجْلِ صَدَارَةِ الِاسْتِفْهَامِ. وَجُمْلَةُ تَحْكُمُونَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ لَكُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا لَكُمْ فَحَصَلَ اسْتِفْهَامَانِ: أَحَدُهُمَا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ فَحَكَمُوا هَذَا الْحُكْمَ. وَثَانِيهِمَا عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِهَا لَمَّا حُكِيَ هَذَا الْحُكْمُ الْبَاطِلُ. وَهَذَا إِيجَازُ حَذْفٍ إِذِ التَّقْدِيرُ: مَا لَكَمَ تَحْكُمُونَ هَذَا الْحُكْمَ، كَيْفَ تَحْكُمُونَهُ. وَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ تَحْكُمُونَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامَانِ مِنْ كَوْنِ مَا حَكَمُوا بِهِ مُنْكَرًا يَحِقُّ الْعَجَبُ مِنْهُ فَكِلَا الِاسْتِفْهَامَيْنِ إِنْكَارٌ وَتَعْجِيبٌ. وَفَرَّعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِيَّ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، أَيِ اسْتِعْمَالُ ذُكْرِهِمْ- بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ الْعَقْلُ- أَيْ فَمُنْكَرٌ عَدَمُ تَفَهُّمِكُمْ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْ حُكْمِكُمْ. وأَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ فَ أَمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنَى (بَلْ) الَّتِي مَعْنَاهَا الإضراب الصَّالح للإضراب الْإِبْطَالِيُّ وَالْإِضْرَابُ الِانْتِقَالِيُّ. وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ. وَالْمُبِينُ: الْمُوَضِّحُ لِلْحَقِّ. وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أَمْ بَعْدَهَا إِنْكَارِيُّ أَيْضًا. فَالْمَعْنَى: مَا لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ، أَيْ عَلَى مَا قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَتَفَرَّعَ عَلَى إِنْكَارِ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ بِمَا قَالُوا أَنْ خُوطِبُوا بالإتيان بِكِتَاب من عِنْد الله عَلَى ذَلِكَ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِيمَا زَعَمُوا، أَي فَإِنْ لَمْ تَأْتُوا بِكُتَّابٍ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْتُمْ غَيْرُ صَادِقِينَ. وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: فَأْتُوا أَمْرُ تَعْجِيزٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الْبَقَرَة: ٢٣] . وَإِضَافَةُ الْكِتَابِ إِلَيْهِمْ عَلَى مَعْنَى الْمَفْعُولِيَّةِ، أَيْ كِتَابٍ مُرْسَلٍ إِلَيْكُمْ. وَمُجَادَلَتُهُمْ بِهَذِهِ الْجُمَلِ الْمُتَفَنَّنَةِ رُتِّبَتْ عَلَى قَانُونِ الْمُنَاظَرَةِ فَابْتَدَأَهُمْ بِمَا يُشْبِهُ الِاسْتِفْسَارَ عَنْ دَعْوَيَيْنِ: دَعْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَدَعْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثٌ بِقَوْلِهِ: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً [الصافات: ١٤٩، ١٥٠] .

стр. 7921

ثُمَّ لَمَّا كَانَ تَفْسِيرُهُمْ لِذَلِكَ مَعْلُومًا مِنْ مُتَكَرَّرِ أَقْوَالِهِمْ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ الْمُجِيبِ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثٌ. وَإِنَّمَا أُرِيدَ مِنِ اسْتِفْسَارِهِمْ صُورَةُ الِاسْتِفْسَارِ مُضَايَقَةً لَهُمْ وَلِيَنْتَقِلَ مِنْ مَقَامِ الِاسْتِفْسَارِ إِلَى مَقَامِ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلَى دَعْوَاهُمْ، فَذَلِكَ الِانْتِقَالُ ابْتِدَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَهُمْ شاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠] وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مَنْ شَهِدَ إِذَا حَضَرَ وَرَأَى، ثُمَّ قَوْلِهِ: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَرَدَّدَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إِلَى دَلِيلِ الْمُشَاهَدَةِ أَوْ إِلَى دَلِيلٍ غَيْرِهِ وَهُوَ هُنَا مُتَعَيَّنٌ لِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا سَبِيلَ إِلَى إِثْبَاتِهَا غَيْرُ ذَلِكَ، فَدَلِيلُ الْمُشَاهَدَةِ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِ مُنْتَفٍ أَيْضًا إِذْ لَا دَلِيلَ مِنَ الْعَقْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثٌ وَلَا عَلَى أَنَّهُمْ ذُكُورٌ. فَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ غَيْرُ مَفْرُوضٍ هُنَا انْحَصَرَ الْكَلَامُ مَعَهُمْ فِي دَلِيلِ السَّمْعِ وَهُوَ الْخَبَرُ الصَّادِقُ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْعِلْمِ لِلْخَلْقِ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ: أُشِيرَ إِلَى دَلِيلِ الْحِسِّ بِقَوْلِهِ: وَهُمْ شاهِدُونَ، وَإِلَى دَلِيلَيِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ بِقَوْلِهِ: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَهُوَ دَلِيلُ السَّمْعِ. فَأَسْقَطَ بِهَذَا التَّفْرِيعِ احْتِمَالَ دَلِيلِ الْعَقْلِ لِأَنَّ انْتِفَاءَهُ مَقْطُوعٌ إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَيْهِ وَانْحَصَرَ دَلِيلُ السَّمْعِ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا عَلِمْتَ إِذْ لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَيْبِ اللَّهِ غَيْرُهُ. ثُمَّ خُوطِبُوا بِأَمْرِ التَّعْجِيزِ بِأَنْ يَأْتُوا بِكِتَاب أَي بِكِتَابٍ جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا عَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اسْتِحَالَةَ مَجِيءِ رَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاسْتِحَالَةَ أَنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ أَحَدًا مَنْ خَلْقِهِ، فَانْحَصَرَ الدَّلِيلُ الْمَفْرُوضُ مِنْ جَانِبِ السَّمْعِ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ فِي أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [الْإِسْرَاء: ٩٣] ، وَلَنْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَأْتُوا بِكِتَابٍ. فَذِكْرُ لَفْظِ «كِتَابِكُمْ» إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَأْتُوا بِهِ، أَيِ السُّلْطَانِ الْمُبِينِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كِتَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِضَافَةُ كِتَابٍ إِلَى ضَمِيرِهِمْ مِنْ إِضَافَةِ مَا فِيهِ مَعْنَى الْمَصْدَرِ إِلَى مَعْنَى الْمَفْعُولِ

стр. 7922

عَلَى طَرِيقَةِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: بِكِتَابٍ إِلَيْكُمْ، لِأَنَّ مَا فِيهِ مَادَّةُ الْكِتَابَةِ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ بَلْ بِوَاسِطَةِ حَرْفِ الْجَرِّ وَهُوَ (إِلَى) . فَلَا جَرَمَ قَدِ اتَّضَحَ إِفْحَامُهُمْ بِهَذِهِ الْمُجَادَلَةِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْقَوَانِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَلِذَلِكَ صَارُوا كَالْمُعْتَرِفِينَ بِأَنْ لَا دَلِيلَ لَهُمْ على مَا زعموه فَانْتَقَلَ السَّائِلُ الْمُسْتَفْتِي مِنْ مَقَامِ الِاعْتِرَاضِ فِي الْمُنَاظَرَةِ إِلَى انْقِلَابِهِ مُسْتَدِلًّا بِاسْتِنْتَاجٍ مِنْ إِفْحَامِهِمْ وَذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُ: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [الصافات: ١٥١، ١٥٢] الْوَاقِعُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ التَّرْدِيدِ فِي الدَّلِيلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّسْلِيمِ فِي أَثْنَاءِ الْمُنَاظَرَةِ كَمَا عَلِمْتَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُسَمَّى الْمُعَارَضَةَ. وَإِنَّمَا أُقْحِمَ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُجْعَلْ مَعَ حِكَايَةِ دَعْوَاهُمْ لِيَكُونَ آخِرُ الْجَدَلِ مَعَهُمْ هُوَ الدَّلِيلَ الَّذِي يَجْرِفُ جَمِيعَ مَا بَنَوْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَهَذَا مِنْ بَدِيعِ النَّسِيجِ الْجَامِعِ بَيْنَ أُسْلُوبِ الْمُنَاظَرَةِ وَأُسْلُوبِ الْمَوْعِظَةِ وَأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَذَكَّرُونَ بِتَشْدِيدِ الذَّالِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الذَّال بَعْدَ قَلْبِهَا ذَالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ عَلَى أَنَّ إِحْدَى التَّاءَيْنِ حذفت تَخْفِيفًا. [١٥٨] [سُورَة الصافات (٣٧) : آيَة ١٥٨] وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) عَطْفٌ عَلَى جملَة لَيَقُولُونَ [الصافات: ١٥١] أَيْ شَفَّعُوا قَوْلَهُمْ: وَلَدَ اللَّهُ [الصافات: ١٥٢] ، فَجَعَلُوا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْجِنِّ نَسَبًا بِتِلْكَ الْوِلَادَةِ، أَيْ بَيَّنُوا كَيْفَ حَصَلَتْ تِلْكَ الْوِلَادَةُ بِأَنْ جَعَلُوهَا بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا.

стр. 7923

والْجِنَّةِ: الْجَمَاعَةُ مِنَ الْجِنِّ، فَتَأْنِيثُ اللَّفْظِ بِتَأْوِيلِ الْجَمَاعَةِ مِثْلُ تَأْنِيثِ رَجْلَةَ، الطَّائِفَةُ مِنَ الرِّجَالِ، ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ مِنْ سَرَوَاتِ الْجِنِّ، أَيْ مِنْ فَرِيقِ نِسَاءٍ مِنَ الْجِنِّ مِنْ أَشْرَافِ الْجِنِّ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٨٤] . وَالنَّسَبُ: الْقَرَابَةُ الْعَمُودِيَّةُ أَوِ الْأُفُقِيَّةُ- أَيْ مِنَ الْأَطْرَافِ- وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ ذَوِي نَسَبٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ نسب النبوءة لِزَعْمِهِمْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعَالَى نَسَبًا لِلْجِنَّةِ وَلِلْجِنَّةِ نَسَبًا لِلَّهِ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ نَسَباً أَيْ كَائِنًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ، أَيْ أَنَّ نَسَبَهُ تَعَالَى، أَيْ نَسْله سُبْحَانَهُ ناشىء مِنْ بَيْنِهِ وَبَيْنِ الْجِنِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ جَعَلُوا، أَيْ جَعَلُوا فِي الِاقْتِرَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنِّ نَسَبًا لَهُ، أَيْ جَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ نَسَبًا يَتَوَلَّدُ لَهُ، فَقَوْلُهُ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً هُوَ كَقَوْلِكَ: بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ بَنُونَ، أَيْ لَهُ مِنْهَا وَلَهَا مِنْهُ بَنُونَ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مُرَادُ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَنْ جَعَلُوا الْجِنَّ أَصْهَارًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَتَفْسِيرُهُ النَّسَبَ بِالْمُصَاهَرَةِ تَفْسِيرٌ بِالْمَعْنَى وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ النَّسَبَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُصَاهَرَةِ كَمَا تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، لِأَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي دَوَاوِينِ اللُّغَةِ فَلَا تَغْتَرِرْ بِهِ. وَلِعَدَمِ الْغَوْصِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنَّةِ الْمَلَائِكَةُ، أَيْ جَعَلُوا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ نَسَبَ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً إِعَادَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ [الصافات: ١٥١، ١٥٢] وَمِنْ قَوْلِهِ: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠] . وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجِنَّةِ أَصْلُ الْجِنَّةِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا اللَّهَ نَسِيبًا لِلشَّيْطَانِ نَسَبَ الْأُخُوَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. عَلَى أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ مِنَ الْمَجُوسِ بِوُجُودِ إِلَهٍ لِلْخَيْرِ هُوَ اللَّهُ، وَإِلَهٍ لِلشَّرِّ هُوَ الشَّيْطَانُ وَهُمْ مِنْ مِلَلِ مَجُوسِ فَارِسَ وَسَمَّوْا إِلَهَ الْخَيْرِ (يَزْدَانَ) وَإِلَهَ الشَّرِّ (أَهْرُمُنْ) وَقَالُوا: كَانَ إِلَهُ الْخَيْرِ وَحْدَهُ فَخَطَرَ لَهُ خَاطِرٌ فِي نَفْسِهِ مِنَ الشَّرِّ فَنَشَأَ مِنْهُ إِلَهُ الشَّرِّ هُوَ (أَهْرُمُنْ) وَهُوَ مَا نَعَاهُ الْمَعَرِّيُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:

стр. 7924

قَالَ أُنَاسٌ بَاطِلٌ زَعْمُهُمْ ... فَرَاقِبُوا اللَّهَ وَلَا تَزْعُمُنْ فَكَّرَ (يَزْدَانُ) عَلَى غِرَّةٍ ... فَصِيغَ مِنْ تَفْكِيرِهِ (أَهْرُمُنْ) وَهَذَا الدِّينُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ بَعْضِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَرَبِ الْعِرَاقِ الْمُجَاوِرِينَ لِبِلَادِ فَارِسَ وَالْخَاضِعِينَ لِسُلْطَانِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَلِأَنَّ الْجِنَّةَ لَا يَشْمَلُ الشَّيَاطِينَ إِذَا أُطْلِقَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ إِلَّا أَنَّهُ تَمَيَّزَ بِهِ صِنْفٌ خَاصٌّ مِنْهُمْ. وَجُمْلَةُ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَبَيْنَ جُمْلَةِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] وجَعَلُوا بَيْنَهُ إِلَخْ ... حَالٌ وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ، وَضَمِيرُ إِنَّهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ إِلَى الْجِنَّةِ، وَالْوَجْهَانِ مُرَادَانِ فَإِن الْفَرِيقَيْنِ معاقبان. وَالْمُحْضَرُونَ: الْمَجْلُوبُونَ لِلْحُضُورِ، وَالْمُرَادُ: مُحَضَرُونَ لِلْعِقَابِ، بِقَرِينَةِ مَقَامِ التَّوْبِيخِ فَإِنَّ التَّوْبِيخَ يَتْبَعُهُ التَّهْدِيدُ، وَالْغَالِبُ فِي فِعْلِ الْإِحْضَارِ أَنْ يُرَادَ بِهِ إِحْضَارُ سُوءٍ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] وَلِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ «مُحْضَرُونَ» ، فَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِأَحَدٍ لِإِكْرَامِهِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْجِنَّ تَعْلَمُ كَذِبَ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ كَذِبًا فَاحِشًا يُجَازَوْنَ عَلَيْهِ بِالْإِحْضَارِ لِلْعَذَابِ، فَجُعِلَ «مُحْضَرُونَ» كِنَايَةً عَنْ كَذِبِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا صَادِقِينَ مَا عُذِّبُوا عَلَى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ حَاصِلٌ لِلْجِنِّ فِيمَا مَضَى، وَلَعَلَّ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُمْ مِنْ زَمَانِ تَمَكُّنِهِمْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاضِي فِي مَوْضِعِ الْمُسْتَقْبَلِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١] ، أَيْ سَتَعْلَمُ الْجِنَّةُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ يَتَحَقَّقُونَ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ الْعَذَابِ عَنْهُمْ فَقَدْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ لِاعْتِقَادِ وَجَاهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ بِالصَّهْرِ الَّذِي لَهُم.

стр. 7925

[سُورَة الصافات (٣٧) : آيَة ١٥٩] سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) اتُّبِعَتْ حِكَايَةُ قَوْلِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِاعْتِرَاضٍ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى يَتَضَمَّنُ إِنْشَاءَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ، فَهُوَ إِنْشَاءٌ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَنْزِيهِهِ، وَتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَقْتَدُوا بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ التَّنْزِيهِ، وَتَعْجِيبٌ مِنْ فَظِيعِ مَا نسبوه إِلَيْهِ. [١٦٠] [سُورَة الصافات (٣٧) : آيَة ١٦٠] إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) اعْتِرَاضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] وَجُمْلَةِ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ [الصافات: ١٦١] الْآيَةَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، قِيلَ نَشأ عَن قَوْلهم: إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] وَالْمَعْنَى لَكِنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَا يُحْضَرُونَ، وَقِيلَ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ: عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] أَيْ لَكِنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخَلَصِينَ لَا يَصِفُونَهُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ مِنْ ضمير وَجَعَلُوا [الصافات: ١٥٨] أَيْ لَكِنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ. وَهُوَ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ الثَّانِي، فَالْمُرَادُ بِالْعِبَادِ الْمُخْلَصِينَ الْمُؤْمِنُونَ. وَالْوَجْهُ عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ لِأَنَّ «مَا يَصِفُونَ» أَفَادَ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ [الصافات: ١٤٩] . وَالْمَعْنَى: لَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ عِبَادُ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، فَالْمُرَادُ مِنْ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الْمَلَائِكَةُ فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٢٦] . [١٦١- ١٦٣] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٦١ إِلَى ١٦٣] فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) عُقِّبَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ بِهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْجِنِّ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي سَوَّلَهَا لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَحَرَّضَهُمْ عَلَيْهَا الْكُهَّانُ خَدَمَةُ الْجِنِّ

стр. 7926

فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِتَأْيِيسِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ إِدْخَالِ الْفِتْنَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ بِمَا يُحَاوِلُونَ مِنْهُمْ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الشِّرْكِ، أَوْ هِيَ فَاءٌ فَصِيحَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَفْتِنُونَ إِلَّا من هُوَ صالي الْجَحِيمِ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ دَاخِلًا فِي حَيِّزِ الِاسْتِفْتَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ [الصافات: ١٤٩] الْآيَةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: ١٥٨] الْآيَةَ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَما تَعْبُدُونَ وَاوُ الْعَطْفِ أَوْ وَاوُ الْمَعِيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا مَفْعُولٌ مَعَهُ وَالْخَبَرُ هُوَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ. وَضَمِيرُ أَنْتُمْ خِطَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ «إِنَّكُمْ» . وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ مُصْطَحَبِينَ بِالْجِنِّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ لَا تَفْتِنُونَ أَحَدًا. وَوَجْهُ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ مَعَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُمَوِّهُونَ لِلنَّاسِ أَنَّ الْجِنَّ تَنْفَعُ وَتَضُرُّ وَأَنَّ الْأَصْنَامَ كَذَلِكَ وَكَانُوا يُخَوِّفُونَ النَّاسَ مِنْ بَأْسِهَا وَانْتِقَامِهَا كَمَا قَالَتِ امْرَأَةُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ لَمَّا أَسْلَمَ وَدَعَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ «أَلَا تَخْشَى عَلَى الصِّبْيَةِ مِنْ ذِي الشَّرَى؟ قَالَ: لَا» فَأَسْلَمَتْ وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ يَسُبُّ الْأَصْنَامَ يُصِيبُهُ الْبَرَصُ أَوِ الْجُذَامُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا قَدِمَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ عِنْد النبيء ﷺ قَالَ فِي قَوْلِهِ: بَاسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى. فَقَالُوا: يَا ضِمَامُ اتَّقِ الْجُذَامَ اتَّقِ الْجُنُونَ. وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا يُسْنَدُ إِلَيْهَا الْإِفْتَانُ. وَجَوَّزَ فِي «الْكَشَّافِ» أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَما تَعْبُدُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ سَادًّا مَسَدَّ خَبَرِ (إِنَّ) ، وَالْمَعْنَى: فَإِنَّكُمْ مَعَ مَا تَعْبُدُونَ، أَيْ فَإِنَّكُمْ قُرَنَاءُ لِآلِهَتِكُمْ لَا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَهَا، وَهَذَا كَمَا يَقُولُونَ «كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتَهُ» أَيْ مَعَ ضَيْعَتِهِ، أَيْ مُقَارِنٌ لَهَا. وَمَا تَعْبُدُونَ صَادِقٌ عَلَى الْجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الْأَنْعَام: ١٠٠] لِأَنَّ الْجِنَّ تَصْدُرُ مِنْهُمْ فِتْنَةُ النَّاسِ بِالْإِشْرَاكِ دُونَ الْأَصْنَامِ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْهَا

стр. 7927

قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الْفرْقَان: ١٧] الْآيَةَ. وَضَمِيرُ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ [الصافات: ١٥١، ١٥٢] أَوْ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ [الصافات: ١٦٠] ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا تَعْبُدُونَ بِمُرَاعَاةِ إِفْرَادِ اسْمِ الْمَوْصُولِ وَهُوَ مَا. وَحُذِفَ مَفْعُولُ «فَاتِنِينَ» لِقَصْدِ الْعُمُومِ. وَالتَّقْدِيرُ: بِفَاتِنِينَ أَحَدًا، وَمِعْيَارُهُ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ وَالْمُسْتَثْنَى مَفْعُولٌ بِفاتِنِينَ. وَحَرْفُ (عَلَى) يَتَعَلَّقُ بِ «فَاتِنِينَ» إِمَّا لِتَضْمِينِ «فَاتِنِينَ» مَعْنَى مُفْسِدِينَ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِهَا عَائِدًا إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ كَمَا يُقَالُ: فَسَدَ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ وَخَلَّقَ فُلَانٌ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا، وَتَكُونُ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ لِأَنَّ تَضْمِينَ مُفْسِدِينَ فِيهِ مَعْنَى الْغَلَبَةِ. وَإِمَّا لِتَضْمِينِهِ معنى حاملين ومسؤولين وَيَكُونُ (عَلَى) بِمَعْنَى لَامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ [الْبَقَرَة: ١٨٥] وَيَكُونُ تَقْدِيرُ مُضَافٍ بَيْنَ (عَلَى) وَمَجْرُورِهَا تَقْدِيرُهُ: عَلَى عِبَادَةِ مَا تَعْبُدُونَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ وَالشَّيَاطِينَ لَا يَتْبَعُكُمْ أَحَدٌ فِي دِينِكُمْ إِلَّا مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِيَكُونَ صَالِيَ الْجَحِيمِ، وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [الْحجر: ٤٢، ٤٣] . وَرُسِمَ فِي الْمُصْحَفِ صالِ الْجَحِيمِ بِدُونِ يَاءٍ بَعْدَ اللَّامِ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْوَصْلِ فَإِنَّ الْيَاءَ لَا يُنْطَقُ بِهَا فَرَسَمَهُ كَاتِبُ الْمُصْحَفِ بِمِثْلِ حَالَةِ النُّطْقِ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوقَفَ على صالِ. [١٦٤- ١٦٦] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٦٤ إِلَى ١٦٦] وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٦٠] عَلَى أَوَّلِ الْوَجْهَيْنِ

стр. 7928

فِي الْمَعْنَى بِعِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَوْلَادَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعُطِفَ عَلَيْهِ أَنهم يتبرأون مِنْ ذَلِكَ فَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَا بَعْدَ الْوَاوِ لَا يَصْلُحُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامَ قَائِلٍ. وَالتَّقْدِيرُ: وَيَقُولُونَ مَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْفَقُ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَقَوْلِهِ: الصَّافُّونَ الْمُسَبِّحُونَ: الشَّائِعُ وَصْفُ الْمَلَائِكَةِ بِأَمْثَالِهَا فِي الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَصْفُهُمْ بِالصَّافَّاتِ، وَوَصْفُهُمْ بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥] ، وَذِكْرُ مَقَامَاتِهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠، ٢١] وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [النَّجْم: ١٣، ١٤] . وَفِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ أَنَّ جِبْرِيلَ وَجَدَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّمَاءَ وَيَسْأَلُهُ الْمَلَكُ: مَنْ أَنْتَ؟ وَمَنْ مَعَكَ؟ وَهَلْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّ قَوْلَهُ: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ إِلَى الْمُسَبِّحُونَ نَزَلَ وَرَسُول الله ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَتَأَخَّرَ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ: أَهُنَا تُفَارِقُنِي فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَقَدَّمَ عَنْ مَكَانِي وَأَنْزَلَ اللَّهُ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ الْآيَتَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا أَمر النبيء ﷺ بِأَنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلَى التَّفْرِيعِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ [الصافات: ١٦١] إِلَى آخِرِهِ وَيَتَّصِلُ الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ [الصافات: ١٤٩] إِلَى هُنَا. وَالْمَعْنَى: مَا أَنْتُم بفاتنينا فِتْنَةَ جَرَاءَةٍ عَلَى رَبِّنَا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَالْجِنُّ أَصْهَارُ اللَّهِ فَمَا مِنَا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ لَا يَتَجَاوَزُهُ وَهُوَ مَقَامُ الْمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ وَالْعُبُودِيَّةِ لَهُ. وَالْمَنْفِيُّ بِ مَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وَصْفُهُ بِقَوْلِهِ: مِنَّا. وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَحَدٌ مِنَّا كَمَا فِي قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وَثِيلٍ: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَاعِ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعُ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي

стр. 7929

التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلَا. وَالْخَبَرُ هُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وَالتَّقْدِيرُ: مَا أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا كَائِنٌ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ. وَالْمَقَامُ: أَصْلُهُ مَكَانُ الْقِيَامِ. وَلَمَّا كَانَ الْقِيَامُ يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِأَجْلِ الْعَمَلِ كَثُرَ إِطْلَاقُ الْمَقَامِ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْمَرْءُ كَمَا حُكِيَ فِي قَوْلِ نُوحٍ: إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي [يُونُس: ٧١] أَيْ عَمَلِي. وَالْمَعْلُومُ: الْمُعَيَّنُ الْمَضْبُوطُ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ وَصْفُ مَعْلُومٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ الْمَضْبُوطَ لَا يَشْتَبِهُ عَلَى الْمُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَنْ تَأَمَّلَهُ عَلِمَهُ. وَالْمَعْنَى: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَّا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا لَهُ صِفَةٌ وَعَمَلٌ نَحْوَ خَالِقِهِ لَا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوساوس فَلَا تطمعوا أَنْ تَزِلُّونَا عَنْ عِبَادَةِ رَبِّنَا. فَالْمَقَامُ هُوَ صِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [الصافات: ١٦١، ١٦٢] ، أَيْ مَا أَنْتُمْ بِفَاتِنِينَ لَنَا فَلَا يَلْتَبِسُ عَلَيْنَا فَضْلُ الْمَلَائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إِلَى مَقَامِ الْبُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا نُشَبِّهُ اعْتِقَادَكُمْ فِي تَصَرُّفِ الْجِنِّ أَنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقَامَ الْمُصَاهَرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمُدَانَاةِ لِجَلَالِهِ كَقَوْلِهِ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ [الْأَنْعَام: ١٠٠] . فَقَوْلُهُ: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أَيْ وَإِنَّا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، الصَّافُّونَ أَيِ الْوَاقِفُونَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلَاةِ. وَوَصَفَ وُقُوفَهُمْ فِي الصَّلَاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظَامِ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ النبيء ﷺ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ» ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسَبِّحِينَ الْمُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا أَوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أَوْ صَاحِبَةً خِلَافًا لِشِرْكِكُمْ إِذْ عِبَادَتُكُمْ مُكَاءٌ وَتَصْدِيَةٌ وَخِلَافًا لِكُفْرِكُمْ إِذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَوَاحِبَ وَبَنَاتٍ وَأَصْهَارًا. وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الصَّافُّونَ ... الْمُسَبِّحُونَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أَيِ الصَّافُّونَ لِعِبَادَتِهِ الْمُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كلهَا مُتَعَلق بشؤون اللَّهِ تَعَالَى. وَتَعْرِيفُ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ، وَضَمِيرِ الْفَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ: لَنَحْنُ يُفِيدَانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ، أَيْ دُونَ مَا وَصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البنوّة لله.

стр. 7930

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٦٧ إِلَى ١٧٠] وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) انْتِقَالٌ مَنْ ذِكْرِ كُفْرِ الْمُشْرِكِينَ بِتَعَدُّدِ الْإِلَهِ وَبِإِنْكَارِ الْبَعْثِ وَمَا وَصَفُوا بِهِ الرَّسُول ﷺ مِنَ السِّحْرِ وَالْجُنُونِ ثُمَّ بِمَا نَسَبُوا لِلَّهِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِإِلَهِيَّتِهِ وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْوَعِيدِ لَهُمْ وَالْوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْعِبْرَةِ بِمَصَارِعِ الْمُكَذِّبِينَ السَّابِقِينَ وَمَا لَقِيَهُ رُسُلُ اللَّهِ من أقوامهم. فانتقال الْكَلَامُ إِلَى ذِكْرِ مَا كَفَرَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ تَكْذِيبِ الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هَدًى لَهُمْ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا هُوَ قَوْلُهُ: فَكَفَرُوا بِهِ أَيِ الذِّكْرِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ لَهُ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ مَا فِيهِ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ تَهَافُتُهُمْ فِي الْقَوْلِ إِذْ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيهم مُحَمَّد ﷺ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ يَوَدُّونَ أَنْ يُشَرِّفَهُمُ اللَّهُ بِكِتَابٍ لَهُمْ كَمَا شَرَّفَ الْأَوَّلِينَ وَيَرْجُونَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا عِبَادًا لِلَّهِ مُخْلَصِينَ لَهُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا رَغِبُوا فِيهِ كَفَرُوا بِهِ وَذَلِكَ أَفْظَعُ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ كُفْرٌ بِمَا كَانُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ إِذْ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَغْبِطُونَ الْأُمَمَ الَّتِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ فَلَمْ يَكُنْ كُفْرُهُمْ عَنْ مُبَاغَتَةٍ وَلَا عَنْ قِلَّةِ تَمَكُّنٍ مِنَ النَّظَرِ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ إِنْ الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَبِلَامِ الِابْتِدَاءِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْمُخَفَّفَةِ وَالنَّافِيَةِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِيَسُدَّ عَلَيْهِمْ بَابَ الْإِنْكَارِ. وَإِقْحَامُ فِعْلِ كانُوا لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ (كَانَ) ثَابِتٌ لَهُمْ فِي الْمَاضِي. وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي «يَقُولُونَ» لِإِفَادَةِ أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُمْ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ وَسَدَّتْ أَنَّ وَصِلَتُهَا مَسَدَّ فِعْلِ الشَّرْطِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ. وَالذِّكْرُ: الْكِتَابُ الْمَقْرُوءُ، سُمِّيَ ذِكْرًا لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ النَّاسَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مُسَمًّى بِالْمَصْدَرِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٦] . ومِنَ الْأَوَّلِينَ صِفَةٌ لِ ذِكْراً، وَالْمُرَادُ بِ الْأَوَّلِينَ الرُّسُلُ السَّابِقُونَ، ومِنَ ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ ذِكْرًا جَائِيًا مِنَ الرُّسُلِ الْأَوَّلِينَ، أَيْ مِثْلَ مُوسَى وَعِيسَى. وَمُرَادُهُمْ

стр. 7931

بِهَذَا أَنَّ الرُّسُلَ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إِلَيْهِمْ وَلَا بَلَّغُوا إِلَيْهِمْ كِتَابَهُمْ وَلَوْ كَانُوا مُرْسَلِينَ إِلَيْهِمْ لَآمَنُوا بِهِمْ فَكَانُوا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، فَذَكَرَ فِي جَوَابِ لَوْ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنَ الْإِيمَانِ لِيُفِيدَ مَعْنَى الْإِيمَانِ بِدَلَالَةِ الْفَحْوَى. وَفِي جُمْلَةِ لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ صِيغَةُ قَصْرٍ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مَعْرِفَةً بِالْإِضْمَارِ وَالْمُسْنَدِ مَعْرِفَةً بِالْإِضَافَةِ، أَيْ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ دُونَ غَيْرِنَا، وَلَمَّا وَصَفَ الْمُسْنَدَ بِ الْمُخْلَصِينَ وَهُوَ مُعَرَّفٌ بِلَامِ الْجِنْسِ حَصَلَ قَصْرُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ لَهُمْ صِفَةُ الْإِخْلَاصِ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، وَهَذَا قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ثُبُوتِ صِفَةِ الْإِخْلَاصِ لَهُمْ حَتَّى كَانُوا شَبِيهِينَ بِالْمُنْفَرِدِينَ بِالْإِخْلَاصِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِإِخْلَاصِ غَيْرِهِمْ فِي جَانِبِ إخلاصهم. وَهُوَ يؤول إِلَى مَعْنَى تَفْضِيلِ أَنْفُسِهِمْ فِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ حِينَئِذٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [الْأَنْعَام: ١٥٧] . وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَكَفَرُوا بِهِ لِلتَّعْقِيبِ عَلَى فِعْلِ لَيَقُولُونَ، أَيِ اسْتَمَرَّ قَوْلُهُمْ حَتَّى كَانَ آخِرُهُ أَنْ جَاءَهُمُ الْكِتَابُ فَكَفَرُوا بِهِ، أَو للفصيحة، وَالتَّقْدِيرُ: فَكَانَ عِنْدَهُمْ ذِكْرٌ فَكَفَرُوا بِهِ، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الذِّكْرِ وَهُوَ الْقُرْآنُ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [فصلت: ٤١] . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [فاطر: ٤٢] . وَبِهَذَا كَانَ لِلْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ مَوْقِعُهُ الْمُصَادِفُ الْمِجَزُّ مِنَ الْكَلَامِ، وَهَوْلُهُ بِمَا ضَمِنَهُ مِنَ الْإِبْهَامِ. وَ «سَوْفَ» أُخْتُ السِّينِ فِي إِفَادَةِ مُطلق الِاسْتِقْبَال. [١٧١- ١٧٣] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٧١ إِلَى ١٧٣] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) تَسْلِيَة للنبيء ﷺ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: فَكَفَرُوا بِهِ [الصافات: ١٧٠] وَبَيَانٌ لِبَعْضِ الْوَعِيدِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] بِمَنْزِلَةِ بَدَلِ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ وَلَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ

стр. 7932

جَانِبُ التَّسْلِيَةِ فَعَطَفَ بِالْوَاوِ عَطْفَ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ. وَالْكَلِمَةُ مُرَادٌ بِهَا الْكَلَامُ، عَبَّرَ عَنِ الْكَلَامِ بِكَلِمَةٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ مُنْتَظِمٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ دَالٍّ عَلَى الْمَقْصُودِ دَلَالَةً سَرِيعَةً فَشُبِّهَ بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فِي سُرْعَةِ الدَّلَالَةِ وَإِيجَازِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٠] وَقَول النبيء ﷺ : «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ» وَبُيِّنَتِ الْكَلِمَةُ بِجُمْلَةِ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، أَيِ الْكَلَامُ الْمُتَضَمِّنُ وَعْدَهُمْ بِأَنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَى الَّذِينَ كَذَّبُوهُمْ وَعَادَوْهُمْ وَهَذِهِ بِشَارَة للنبيء ﷺ عَقِبَ تَسْلِيَتِهِ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْمُرْسَلِينَ. وَعَطَفَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ بِشَارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ جُنْدُ اللَّهِ، أَيْ أَنْصَارُهُ لِأَنَّهُمْ نَصَرُوا دِينَهُ وَتَلَقَّوْا كَلَامَهُ، كَمَا سُمُّوا حِزْبَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١] إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢] . وَقَوله: هُمُ الْغالِبُونَ يَشْمَلُ عُلُوَّهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فِي مَقَامِ الْحِجَاجِ وَمَلَاحِمِ الْقِتَالِ فِي الدُّنْيَا، وَعُلُوَّهُمْ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الْبَقَرَة: ٢١٢] فَهُوَ من استعمالْ غالِبُونَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ. وَمعنى الْمَنْصُورُونَ وْغالِبُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَبِاعْتِبَارِ الْعَاقِبَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ نَادِرًا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ، أَوِ الْمُرَادُ النَّصْرُ وَالْغَلَبَةُ الْمَوْعُودُ بِهِمَا قَرِيبًا وَهُمَا مَا كَانَ يَوْم بدر. [١٧٤- ١٧٥] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٧٤ إِلَى ١٧٥] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا [الصافات: ١٧١] .

стр. 7933

والتولي حَقِيقَتُهُ: الْمُفَارَقَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] ، وَاسْتُعْمِلَ هُنَا مَجَازًا فِي عَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِمَا يَقُولُونَهُ وَتَرْكِ النَّكَدِ مِنْ إِعْرَاضِهِمْ. وَالْحِينُ: الْوَقْتُ. وَأَجْمَلَ هُنَا إِيمَاءً إِلَى تَقْلِيلِهِ، أَيْ تَقْرِيبِهِ، فَالتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ الْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ التَّقْلِيلُ. وَمَعْنَى أَبْصِرْهُمْ انْظُرْ إِلَيْهِمْ، أَيْ مِنَ الْآنِ، وَعُدِّيَ (أَبْصِرْ) إِلَى ضَمِيرِهِمُ الدَّالِّ عَلَى ذَوَاتِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّظَرَ إِلَى ذَوَاتِهِمْ لَكِنْ إِلَى أَحْوَالِهِمْ، أَيْ تَأَمَّلْ أَحْوَالَهُمْ تَرَ كَيفَ ننصرك عَلَيْهِمْ، وَهَذَا وَعِيدٌ بِمَا حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وَحُذِفَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِبْصَارُ مِنْ حَالٍ أَوْ مَفْعُولٍ مَعَهُ بِتَقْدِيرِ: وَأَبْصِرْهُمْ مَأْسُورِينَ مَقْتُولِينَ، أَوْ وَأَبْصِرْهُمْ وَمَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَسْرٍ وَقَتْلٍ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات: ١٧٢، ١٧٣] عَلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ الْمَأْمُورُ بِهِ أَيْضًا ذَوَاتِهِمْ، وَهَذَا مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ. وَصِيغَةُ الْأَمْرِ فِي وَأَبْصِرْهُمْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِرْشَادِ عَلَى حَدِّ قَوْلِ: إِذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِنِ امْرِئٍ ... فَدَعْهُ وَوَاكِلْ أَمْرَهُ وَاللَّيَالِيَا أَيْ إِذَا شِئْتَ أَنْ تَتَحَقَّقَ قَرَارَةَ حَالِهِ فَانْتَظِرْهُ. وَعبر عَن ترَتّب نُزُولِ الْوَعِيدِ بِهِمْ بِفِعْلِ الْإِبْصَارِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا تُوُعِّدُوا بِهِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَأَنَّهُ قَرِيبٌ حَتَّى أَنَّ الْمَوْعُودَ بِالنَّصْرِ يَتَشَوَّفُ إِلَى حُلُولِهِ فَكَانَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ تَحَقُّقِهِ وَقُرْبِهِ لِأَنَّ تَحْدِيقَ الْبَصَرِ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى شَيْءٍ أَشْرَفَ عَلَى الْحُلُولِ. وَتَفْرِيعُ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلَى وَأَبْصِرْهُمْ تَفْرِيعٌ لِإِنْذَارِهِمْ بِوَعِيدٍ قَرِيبٍ عَلَى بِشَارَةِ النَّبِيءِ بِقُرْبِهِ فَإِن ذَلِك المبصر يسرّ النبيء ﷺ وَيُحْزِنُ أَعْدَاءَهُ، فَفِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَبْصِرْهُمْ وَمَا يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ تُبْصِرُ مَا وَعَدْنَاكَ وَلِيُبْصِرُوا مَا يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَهُ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ يُبْصِرُونَ لِدَلَالَةِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَفْرِيعَ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلَى وَأَبْصِرْهُمْ يَمْنَعُ مِنْ إِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَبْصِرْهُمْ حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ الْعَذَابُ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِينِ كَمَا لَا يخفى.

стр. 7934

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٧٦ إِلَى ١٧٧] أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى التَّأْجِيلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى حِينٍ [الصافات: ١٧٤] فَإِنَّ ذَلِكَ مَا أُنْذِرُهُمْ بِعَذَابٍ يَحِلُّ بِهِمْ تُوُقِّعَ أَنَّهُمْ سَيَقُولُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَرِنَا الْعَذَابَ الَّذِي تُخَوِّفُنَا بِهِ وَعَجِّلْهُ لَنَا. وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ فَلُوحِظَ ذَلِكَ وَفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهَامٌ تَعْجِيبِيٌّ من استعجالهم مَا فِي تَأْخِيرِهِ وَالنَّظْرَةِ بِهِ رَأْفَةً بِهِمْ وَاسْتِبْقَاءً لَهُمْ حِينًا. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَاءُ الْفَصِيحَةِ، أَيْ إِنْ كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ فَإِذَا نَزَلَ بِهِمْ فَبِئْسَ وَقْتُ نُزُولِهِ. وَإِسْنَادُ النُّزُولِ إِلَى الْعَذَابِ وَجَعْلُهُ فِي سَاحَتِهِمُ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ، شَبَّهَتْ هَيْئَةَ حُصُولِ الْعَذَابِ لَهُمْ بَعْدَ مَا أُنْذِرُوا بِهِ فَلم يعبأوا بِهَيْئَةِ نُزُولِ جَيْشِ عَدُوٍّ فِي سَاحَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَنْذَرَهُمْ بِهِ النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَتَهُمْ حَتَّى أَنَاخَ بِهِمْ. وَذَكَرَ الصَّبَاحَ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَائِقِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا فَإِنَّ شَأْنَ الْغَارَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الصَّبَاحِ وَلِذَلِكَ كَانَ نَذِيرُ الْمَجِيءِ بِغَارَةِ عَدُوٍّ يُنَادِي: يَا صَبَاحَاهُ! نِدَاءَ نُدْبَةٍ وَتَفَجُّعٍ. وَلِذَلِكَ جُعِلَ جَوَابُ «إِذَا» قَوْلُهُ: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ أَيْ بِئْسَ الصَّبَاحُ صَبَاحُهُمْ. وَفِي وَصْفِهِمْ بِ الْمُنْذَرِينَ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ وَتَوْرِيَةٌ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّ الْمُشَبَّهِينَ مُنْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ بِالْعَذَابِ. وَالَّذِينَ يَسُوءُ صَبَاحُهُمْ عِنْدَ الْغَارَةِ هُمُ الْمَهْزُومُونَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ. وَهَذَا التَّمْثِيلُ قَابِلٌ لِتَفْرِيقِ أَجْزَائِهِ فِي التَّشْبِيهِ بِأَنْ يُشَبِّهَ الْعَذَابَ بِالْجَيْشِ، وَحُلُولَهُ بِهِمْ بِنُزُولِ الْجَيْشِ بِسَاحَةِ قَوْمٍ وَمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ ضُرِّ الْعَذَابِ بِضُرِّ الْهَزِيمَةِ، وَوَقْتَ نُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ بِتَصْبِيحِ الْعَدُوِّ مَحِلَّةَ قَوْمٍ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «وَمَا فَصَحَتْ هَذِهِ الْآيَةُ

стр. 7935

وَلَا كَانَتْ لَهَا الرَّوْعَةُ الَّتِي تُحِسُّ بِهَا وَيَرُوقُكَ مَوْرِدُهَا عَلَى نَفْسِكَ وَطَبْعِكَ إِلَّا لِمَجِيئِهَا عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ» . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي اخْتِيَارِ هَذَا التَّمْثِيلِ الْبَدِيعِ مَعْنًى بَدِيعًا مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْعَذَابَ الَّذِي وُعِدُوهُ هُوَ مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قَتْلٍ وَأَسْرٍ عَلَى طَريقَة التورية. [١٧٨- ١٧٩] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٧٨ إِلَى ١٧٩] وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ [الصافات: ١٧٧] الْآيَةَ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا الْوَعْدُ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ فَعَطَفَ عَلَيْهِ أمره رَسُوله ﷺ بِأَنْ لَا يَهْتَمَّ بِعِنَادِهِمْ. وَهَذِهِ نَظِيرُ الَّتِي سَبَقَتْهَا الْمُفَرَّعَةِ بِالْفَاءِ فَلِذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْهَا تَأْكِيدُ نَظِيرَتِهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَذَا التَّوَلِّي غَيْرَ الْأَوَّلِ وَإِلَى حِينٍ آخَرَ وَإِبْصَارٍ آخَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوَلٍّ عَمَّنْ يَبْقَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ حُلُولِ الْعَذَابِ الَّذِي اسْتُعْجِلُوهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِينًا مِنْ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا فَهُوَ إِنْذَارٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلَى حِينٍ مِنْ أَحْيَانِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ غَايَةً لتولي النبيء ﷺ عَنْهُمْ لِأَنَّ تَوَلِّيَهُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ غَايَةٌ لتولي النبيء ﷺ عَنْهُمْ لِأَنَّ تَوَلِّيَهُ عَنْهُمْ مُسْتَمِرٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ مُدَّةَ لحاق النبيء ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى لَمَّا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِتَوَلِّيهِ عَنْهُمْ جُعِلَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ كَأَنَّهَا ظَرْفٌ لِلتَّوَلِّي يَنْتَهِي بِحِينِ إِحْضَارِهِمْ لِلْعِقَابِ، فَيكون قَوْله: حَتَّى حِينٍ مُرَادًا بِهِ الْأَبَدُ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ وَأَبْصِرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِدَلَالَةِ مَا فِي نظيرها عَلَيْهِ. [١٨٠- ١٨٢] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٨٠ إِلَى ١٨٢] سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢) خطاب النبيء ﷺ تَذْيِيلًا لِخِطَابِهِ الْمُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ [الصافات: ١٤٩] الْآيَةَ. فَإِنَّهُ خُلَاصَةٌ جَامِعَةٌ لِمَا حَوَتْهُ مِنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ رُسُلَهُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الْأَغْرَاضِ جَمَعَتْ تَنْزِيهَ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَى

стр. 7936

الرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ وَحَمْدَ اللَّهَ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ نِعْمَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ هُدًى وَنَصْرٍ وَفَوْزٍ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ كَمَالِ النُّفُوسِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَلِيقُ بِهِ تُنْقِذُ النَّفْسَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مُهَاوِي الْجَهَالَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الضَّلَالَةِ فَسُوءِ الْحَالَةِ. وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. فَأَشَارَ قَوْلُهُ: سُبْحانَ رَبِّكَ إِلَخْ إِلَى تَنْزِيهِهِ، وَأَشَارَ وَصْفُ رَبِّ الْعِزَّةِ إِلَى التَّوْصِيفِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ تَجْمَعُ الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةَ وَصِفَاتِ الْمَعَانِي وَالْمَعْنَوِيَّةَ لِأَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هِيَ كَمَالُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْغَيْرِ، وَلَمَّا كَانَتِ النُّفُوسُ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ لَا تَسْلَمُ مِنْ نَقْصٍ أَوْ حَيْرَةٍ كَانَتْ فِي حَاجَةٍ إِلَى مُرْشِدِينَ يُبَلِّغُونَهَا مَرَاتِبَ الْكَمَالِ بِإِرْشَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ إِلَى النَّاسِ وَبِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الرُّسُلِ. وَكَانَتْ غَايَةُ ذَلِكَ هِيَ بُلُوغَ الْكَمَالِ فِي الدُّنْيَا وَالْفَوْزَ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ فِي الْآخِرَةِ. وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ عَلَى النَّاسِ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ يَقْتَضِي اتِّصَافَ الْمَحْمُودِ بِالْفَضَائِلِ وَإِنْعَامَهُ بِالْفَوَاضِلِ وَأَعْظَمُهَا نِعْمَةُ الْهِدَايَةِ بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ فَهُمُ الْمُبَلِّغُونَ إِرْشَادَ اللَّهِ إِلَى الْخَلْقِ. ورَبِّ هُنَا بِمَعْنَى: مَالِكٍ. وَمَعْنَى كَوْنِهِ تَعَالَى مَالِكَ الْعِزَّةِ: أَنَّهُ مُنْفَرد بِالْعِزَّةِ الْحَقِيقَة وَهِيَ الْعِزَّةُ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا افْتِقَارٌ، فَإِضَافَةُ رَبِّ إِلَى الْعِزَّةِ عَلَى مَعْنَى لَامِ الِاخْتِصَاصِ كَمَا يُقَالُ: صَاحِبُ صِدْقٍ، لِمَنِ اخْتُصَّ بِالصِّدْقِ وَكَانَ عَرِيقًا فِيهِ. وَفِي الِانْتِقَالِ مِنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ إِلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّسْلِيمِ إِيذَانٌ بِانْتِهَاءِ السُّورَةِ عَلَى طَرِيقَةِ بَرَاعَةِ الْخَتْمِ مَعَ كَوْنِهَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعِزَّةِ كَالتَّعْرِيفِ فِي الْحَمْدُ هُوَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ فَيَقْتَضِي انْفِرَادَهُ تَعَالَى بِهِ لِأَنَّ مَا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ كَالْعَدَمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. وَتَنْكِيرُ سَلامٌ لِلتَّعْظِيمِ.

стр. 7937

وَوَصْفُ الْمُرْسَلِينَ يَشْمَلُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ مُرْسَلُونَ فِيمَا يَقُومُونَ بِهِ مِنْ تَنْفِيذِ أَمْرِ اللَّهِ. رَوَى الْقُرْطُبِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ آخِرَ صِلَاتِهِ أَوْ حِينَ يَنْصَرِفُ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَمِنَ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى مِنَ الْأَجْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، وَفِي بَعْضِ أَسَانِيدِهِ أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَلَمْ يَصِحَّ» .

стр. 7938

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٨- سُورَةُ ص سُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ عَنِ السَّلَفِ «سُورَةَ صَادٍ» كَمَا يُنْطَقُ بِاسْمِ حَرْفِ الصَّادِ تَسْمِيَةً لَهَا بِأَوَّلِ كَلِمَةٍ مِنْهَا هِيَ صَادٌ (بِصَادٍ فَأَلِفٍ فَدَالٍ سَاكِنَةٍ سُكُونَ وَقْفٍ) شَأْنُ حُرُوفِ التَّهَجِّي عِنْدَ التَّهَجِّي بِهَا أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً، أَيْ سَاكِنَةَ الْأَعْجَازِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمَعَرِّيِّ يَذْكُرُ سُلَيْمَانَ ﵇: وَهُوَ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِ ... نُّ بِمَا صَحَّ مِنْ شَهَادَةِ صَادِ فَإِنَّمَا هِيَ كَسْرَةُ الْقَافِيَةِ السَّاكِنَةِ تُغَيَّرُ إِلَى الْكَسْرَةِ (لِأَنَّ الْكَسْرَ أَصْلٌ فِي التَّخَلُّصِ مِنَ السُّكُونِ) كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فَانْزِلِ وَفِي «الْإِتْقَانِ» عَنْ كِتَابِ «جَمَالِ الْقُرَّاءِ» لِلسَّخَاوِيِّ: أَنَّ سُورَةَ ص تُسَمَّى أَيْضًا سُورَةَ دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ فِي ذَلِكَ. وَكُتِبَ اسْمُهَا فِي الْمَصَاحِفِ بِصُورَةِ حَرْفِ الصَّادِ مِثْلَ سَائِرِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ اتِّبَاعًا لِمَا كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. وَذُكِرَ فِي «الْإِتْقَانِ» أَنَّ الْجَعْبَرِيَّ حَكَى قَوْلًا بِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَهُوَ خِلَافُ حِكَايَةِ جَمَاعَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ. وَعَنِ الدَّانِيِّ فِي كِتَابِ «الْعَدَدِ» قَوْلٌ بِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَهِيَ السُّورَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَلَاثُونَ فِي عداد نزُول السُّور نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَقَبْلَ سُورَةِ الْأَعْرَافِ.

стр. 7939

وَعُدَّتْ آيُهَا سِتًّا وَثَمَانِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَعَدَّهَا أَيُّوبُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْبَصْرِيُّ خَمْسًا وَثَمَانِينَ. وَعُدَّتْ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثَمَانًا وَثَمَانِينَ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ وجاءه النبيء ﷺ وَعِنْدَ أَبِي طَالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ، فَقَامَ أَبُو جهل كي يمْنَع النبيء ﷺ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ وَشَكَوْهُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: يَا بْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمُ الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ. قَالَ: كَلِمَةً وَاحِدَةً! قَالَ: يَا عَمِّ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالُوا: أَإِلَهًا وَاحِدًا مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ، قَالَ فَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١] إِلَى قَوْلِهِ: مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص: ٧] قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ نُزُولَهَا فِي آخِرِ حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَهَذَا الْمَرَضُ مَرَضُ مَوْتِهِ كَمَا فِي ابْنِ عَطِيَّةَ فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. أَغْرَاضُهَا أَصْلُهَا مَا عَلِمْتَ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا. وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ تَوْبِيخِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى تكذيبهم الرَّسُول ﷺ وَتَكَبُّرِهِمْ عَنْ قَبُولِ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَتَهْدِيدِهِمْ بِمِثْلِ مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَهُمْ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَذَّبُوهُ لِأَنَّهُ جَاءَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُ اخْتُصَّ بِالرِّسَالَةِ مِنْ دُونِهِمْ. وتسلية الرَّسُول ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وَأَنْ يَقْتَدِيَ بِالرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ دَاوُدَ وَأَيُّوبَ وَغَيْرِهِمْ وَمَا جُوزُوا عَنْ صَبْرِهِمْ، وَاسْتِطْرَادُ الثَّنَاءِ عَلَى دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ، وَأَتْبَعَ ذِكْرَ أَنْبِيَاءَ آخَرِينَ لِمُنَاسَبَةٍ سَنَذْكُرُهَا. وَإِثْبَاتُ الْبَعْثِ لحكمة جَزَاء الْعَالمين بِأَعْمَالِهِمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وَجَزَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ وَضِدُّهُ مِنْ جَزَاءِ الطَّاغِينَ وَالَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ وَقَبَّحُوا لَهُمُ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ. وَوَصَفَ أَحْوَالَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

стр. 7940

وَذِكْرُ أَوَّلِ غَوَايَةٍ حَصَلَتْ وَأَصْلِ كُلِّ ضَلَالَةٍ وَهِيَ غَوَايَةُ الشَّيْطَانِ فِي قِصَّةِ السُّجُودِ لِآدَمَ. وَقَدْ جَاءَتْ فَاتِحَتُهَا مُنَاسِبَةً لِجَمِيعِ أَغْرَاضِهَا إِذِ ابْتُدِئَتْ بِالْقَسَمِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، وَجَاءَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ أَحْوَالِ الْمُكَذِّبِينَ سَبَبُهُ اعْتِزَازُهِمْ وَشِقَاقُهُمْ، وَمِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ سَبَبُهُ ضِدُّ ذَلِكَ، مَعَ مَا فِي الِافْتِتَاحِ بِالْقَسَمِ مِنَ التَّشْوِيقِ إِلَى مَا بَعْدَهُ فَكَانَتْ فَاتِحَتُهَا مُسْتَكْمِلَةً خَصَائِصَ حسن الِابْتِدَاء. [١] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) ص الْقَوْلُ فِي هَذَا الْحَرْفِ كَالْقَوْلِ فِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَائِلِ بَعْضِ السُّوَرِ بِدُونِ فَرْقٍ أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِلتَّهَجِّي تَحَدِّيًا لِبُلَغَاءِ الْعَرَبِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ وَتَوَرُّكًا عَلَيْهِمْ إِذْ عَجَزُوا عَنْهُ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَدِّ عَلَى أَنَّ ص لَيْسَ بِآيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بَلْ هِيَ فِي مَبْدَأِ آيَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: ذِي الذِّكْرِ وَإِنَّمَا لَمْ تُعَدَّ ص آيَةً لِأَنَّهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ كَمَا لَمْ يعد ق [ق: ١] ون [الْقَلَم: ١] آيَةً. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. الْوَاوُ لِلْقَسَمِ أَقْسَمَ بِالْقُرْآنِ قَسَمَ تَنْوِيهٍ بِهِ. وَوُصِفَ بِ ذِي الذِّكْرِ لِأَنَّ ذِي تُضَافُ إِلَى الْأَشْيَاءِ الرَّفِيعَةِ فتجري على متصف مَقْصُودٍ التَّنْوِيهُ بِهِ. والذِّكْرِ: التَّذْكِيرُ، أَيْ تَذْكِيرُ النَّاسِ بِمَا هُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالذِّكْرِ ذِكْرُ اللِّسَانِ وَهُوَ عَلَى مَعْنَى: الَّذِي يُذَكِّرُ، بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ، أَيْ وَالْقُرْآنِ الْمَذْكُورِ، أَيِ الْمَمْدُوحِ الْمُسْتَحَقِّ الثَّنَاءَ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الْأَنْبِيَاء: ١٠] أَيْ شَرَفُكُمْ. وَقَدْ تَرَدَّدَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَعْيِينِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَى أَقْوَالٍ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ هُنَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ: أَوَّلُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ ص فَإِنَّ الْمَقْصُودَ

стр. 7941

مِنْهُ التَّحَدِّي بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَعَجْزِهِمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ بِأَنَّهُ كَلَامٌ بِلُغَتِهِمْ وَمُؤَلَّفٌ مِنْ حُرُوفِهَا فَكَيْفَ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ. فَالتَّقْدِيرُ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَنَّهُ لَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِهَذَا عَجَزْتُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ. وَثَانِيهِمَا: الَّذِي أَرَى أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ أَيْضًا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِضْرَابُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ص: ٢] بَعْدَ أَنْ وُصِفَ الْقُرْآنُ بِ ذِي الذِّكْرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَمُوقِظٌ لِلْعُقُولِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ لَذِكْرٌ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ يَجْحَدُونَ أَنَّهُ ذِكْرٌ وَيَقُولُونَ: سِحْرٌ مُفْتَرًى وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الْأَنْعَام: ٣٣] ، فَجَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَلَيْسَ حَرْفُ ص هُوَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقَسَمِ، أَيْ لَيْسَ دَلِيلُ الْجَوَابِ مِنَ اللَّفْظِ بَلْ مِنَ الْمَعْنَى وَالسِّيَاقِ. وَالْغَرَضُ مِنْ حَذْفِ جَوَابِ الْقَسَمِ هُنَا الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَجْدَرُ بِالذِّكْرِ وَهُوَ صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا الْقُرْآنَ عِنَادًا أَوْ شقاقا مِنْهُم. [٢] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٢] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) بَلِ لِلْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّاغِبُ فِي «مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ» وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ إِبْطَالًا مَحْضًا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ بِحَيْثُ يَكُونُ حَرْفُ بَلِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ النَّفْيِ كَمَا هُوَ غَالِبُ الْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ، وَلَا هُوَ إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ، وَلَكِنَّ هَذَا إِبْطَالٌ لِتَوَهُّمٍ يَنْشَأُ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ إِذْ دَلَّ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١] أَنَّ الْقُرْآنَ مُذَكِّرٌ سَامِعِيهِ تَذْكِيرًا نَاجِعًا، فعقب بِإِزَالَة تو هم مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِ الْكُفَّارِ لَيْسَ لِضَعْفٍ فِي تَذْكِيرِ الْقُرْآنِ وَلَكِنْ لِأَنَّهُمْ مُتَعَزِّزُونَ مُشَاقُّونَ، فَحَرْفُ بَلِ فِي مِثْلِ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَحْقِيقُ أَنَّهُ ذُو ذِكْرٍ، وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ فِي ذَلِكَ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق: ١، ٢] ، أَيْ

стр. 7942

لَيْسَ امْتِنَاعُهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ لِنَقْصٍ فِي عُلُوِّهِ وَمَجْدِهِ وَلَكِنْ لِأَنَّهُمْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ بِهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ بَلِ إِضْرَابَ انْتِقَالٍ مِنَ الشُّرُوعِ فِي التَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ إِلَى بَيَانِ سَبَبِ إِعْرَاضِ الْمُعْرِضِينَ عَنْهُ، لِأَنَّ فِي بَيَانِ ذَلِكَ السَّبَبِ تَحْقِيقًا لِلتَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ كَمَا يُقَالُ: دَعْ ذَا وَخُذْ فِي حَدِيثٍ..، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَدَعْ ذَا وَسَلِّ الْهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ... ذُمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: دَعْ ذَا وَعَدِّ الْقَوْلَ فِي هَرَمٍ ... خَيْرِ الْبُدَاةِ وَسَيِّدِ الْحَضَرِ وَقَوْلِ الْأَعْشَى: فَدَعْ ذَا وَلَكِنْ مَا تَرَى رَأْيَ كَاشِحٍ ... يَرَى بَيْنَنَا مِنْ جَهْلِهِ دَقَّ مَنْشَمِ وَقَوْلِ الْعَجَّاجِ: دَعْ ذَا وَبَهِّجْ حَسَبًا مُبَهَّجَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ أَخَذَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الْقُرْآنِ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ وَهُوَ بَيَانُ سَبَبِ إِعْرَاضِ الْمُعْرِضِينَ عَنْهُ لِاعْتِزَازِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَشِقَاقِهِمْ، فَوَقَعَ الْعُدُولُ عَنْ جَوَابِ الْقَسَمِ اسْتِغْنَاءً بِمَا يُفِيدُ مُفَادَ ذَلِكَ الْجَوَابِ. وَإِنَّمَا قِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا دُونَ (الْكَافِرُونَ) لِمَا فِي صِلَةِ الْمَوْصُولِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. وَالْعِزَّةُ تَحُومُ إِطْلَاقَاتُهَا فِي الْكَلَامِ حَوْلَ مَعَانِي الْمَنَعَةِ وَالْغَلَبَةِ وَالتَّكَبُّرِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَارِيًا عَلَى أَسْبَابٍ وَاقِعَةٍ فَهِيَ الْعِزَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَإِنْ كَانَ عَنْ غُرُورٍ وَإِعْجَابٍ بِالنَّفْسِ فَهِيَ عِزَّةٌ مُزَوَّرَةٌ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [الْبَقَرَة: ٢٠٦] ، أَيْ أَخَذَتْهُ الْكِبْرِيَاءُ وَشِدَّةُ الْعِصْيَانِ، وَهِيَ هُنَا عِزَّةٌ بَاطِلَةٌ أَيْضًا لِأَنَّهَا إِبَاءٌ مِنَ الْحَقِّ وَإِعْجَابٌ بِالنَّفْسِ. وَضِدُّ الْعِزَّةِ الذِّلَّةُ قَالَ تَعَالَى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [الْمَائِدَة: ٥٤] وَقَالَ السَّمَوْأَلُ أَوْ غَيْرُهُ: وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ وَجَارُ الْأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ

стр. 7943

وَ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ مُسْتَعَارَةٌ لِقُوَّةِ التَّلَبُّسِ بِالْعِزَّةِ. وَالْمَعْنَى: مُتَلَبِّسُونَ بِعِزَّةٍ عَلَى الْحَقِّ. وَالشِّقَاقُ: الْعِنَادُ وَالْخِصَامُ. وَالْمُرَادُ: وَشِقَاقٌ لِلَّهِ بالشرك وَلِرَسُولِهِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَائِلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التَّذْكِيرِ بِالْقُرْآنِ هُوَ مَا فِي قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ مِنَ الْعِزَّة والشقاق. [٣] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٣] كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ الْعِزَّةَ عَنِ الْحَقِّ وَالشِّقَاقَ لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ مِمَّا يُثِيرُ فِي خَاطِرِ السَّامِعِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ جَزَاءِ ذَلِكَ فَوَقَعَ هَذَا بَيَانًا لَهُ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ص: ٢] ، وَبَيْنَ جُمْلَةِ وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ص: ٤] . وَكَانَ هَذَا الْبَيَانُ إِخْبَارًا مُرْفَقًا بِحُجَّةٍ مِنْ قَبِيلِ قِيَاسِ تَمْثِيلٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ قَبْلِهِمْ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ فِي الْعِزَّةِ وَالشِّقَاقِ وَمُتَضَمِّنًا تَحْذِيرًا مِنَ التَّرَيُّثِ عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَةِ الْحَقِّ، أَيْ يَنْزِلُ بِهِمُ الْعَذَابُ فَلَا يَنْفَعُهُمْ نَدَمٌ وَلَا مَتَابٌ كَمَا لَمْ يَنْفَعِ الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ. فَالتَّقْدِيرُ: سَيُجَازَوْنَ عَلَى عِزَّتِهِمْ وَشِقَاقِهِمْ بِالْهَلَاكِ كَمَا جُوزِيَتْ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلْيَحْذَرُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ إِنْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ لَمْ يَنْفَعْهُمْ مَتَابٌ كَمَا لَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مَتَابٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ. وكَمْ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ. ومِنْ قَرْنٍ تَمْيِيزٌ لِإِبْهَامِ الْعَدَدِ، أَيْ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ الْقُرُونِ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْمَفْعُولِيَّةِ لِ أَهْلَكْنا. وَالْقَرْنُ: الْأُمَّةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٢] . ومِنْ قَبْلِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا جُعِلَ صِفَةً لِ قَرْنٍ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ حَالًا، وَإِنَّمَا قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ بِمَضْمُونِهِ لِيُفِيدَ الِاهْتِمَامَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُمْ أُسْوَةٌ لَهُمْ فِي الْعِزَّةِ وَالشِّقَاقِ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ إِهْلَاكِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ أَهْلَكْنا عَلَى أَنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ، وَقُدِّمَ عَلَى مَفْعُولِ فِعْلِهِ

стр. 7944

مَعَ أَنَّ الْمَفْعُولَ أَوْلَى بِالسَّبْقِ مِنْ بَقِيَّةِ مَعْمُولَاتِ الْفِعْلِ لِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ اهْتِمَامًا بِهِ إِيمَاءً إِلَى الْإِهْلَاكِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَفَرَّعَ عَلَى الْإِهْلَاكِ أَنَّهُمْ نَادَوْا فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ نِدَاؤُهُمْ، تَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يَقَعَ هَؤُلَاءِ فِي مِثْلِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِهِمْ إِذْ أَضَاعُوا الْفُرْصَةَ فَنَادَوْا بَعْدَ فَوَاتِهَا فَلَمْ يُفِدْهُمْ نِدَاؤُهُمْ وَلَا دُعَاؤُهُمْ. وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ فِي فَنادَوْا نِدَاؤُهُمُ اللَّهَ تَعَالَى تَضَرُّعًا، وَهُوَ الدُّعَاءُ كَمَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدُّخان: ١٢] . وَقَوْلِهِ: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٦٤] . وَجُمْلَةُ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ، أَيْ نَادَوْا فِي حَالٍ لَا حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ. ولاتَ حَرْفُ نَفْيٍ بِمَعْنَى (لَا) الْمُشَبَّهَةِ بِ (لَيْسَ) ولاتَ حَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِنَفْيِ أَسْمَاءِ الْأَزْمَانِ وَمَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الزَّمَانِ مِنْ إِشَارَةٍ وَنَحْوِهَا. وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ (لَا) النَّافِيَةِ وُصِلَتْ بِهَا تَاءٌ زَائِدَةٌ لَا تُفِيدُ تَأْنِيثًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ هَاءً وَإِنَّمَا هِيَ كَزِيَادَةِ التَّاءِ فِي قَوْلِهِمْ: رُبَّتْ وَثُمَّتْ. وَالنَّفْيُ بِهَا لِغَيْرِ الزَّمَانِ وَنَحْوِهِ خَطَأٌ فِي اللُّغَةِ وَقَعَ فِيهِ أَبُو الطَّيِّبِ إِذْ قَالَ: لَقَدْ تَصَبَّرْتُ حَتَّى لَاتَ مُصْطَبَرٍ ... وَالْآنَ أُقْحِمُ حَتَّى لَاتَ مُقْتَحَمِ وَأَغْفَلَ شَارِحُو دِيوَانِهِ كُلُّهُمْ وَقَدْ أَدْخَلَ لاتَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ زَمَانٍ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدْ صَارَتْ (لَا) بِلُزُومِ زِيَادَةِ التَّاءِ فِي آخِرِهَا حَرْفًا مُسْتَقِلًّا خَاصًّا بِنَفْيِ أَسْمَاءِ الزَّمَانِ فَخَرَجَتْ عَنْ نَحْوِ: رُبَّتْ وَثُمَّتْ. وَزَعَمَ أَبُو عُبَيدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ أَنَّ التَّاءَ فِي وَلاتَ حِينَ مَناصٍ مُتَّصِلَةٌ بِ حِينَ وَأَنَّهُ رَآهَا فِي مصحف عُثْمَانَ مُتَّصِلَةً بِ حِينَ وَزَعَمَ أَنَّ هَذِهِ التَّاءَ

стр. 7945

تَدْخُلُ عَلَى: حِينٍ وَأَوَانٍ وَآنٍ (١) يُرِيدُ أَنَّ التَّاء لَا حقة لِأَوَّلِ الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ (لَا) وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ لِدُخُولِهَا مَعْنًى. وَقد اعتذر الْأَئِمَّة عَنْ وُقُوعِ التَّاءِ مُتَّصِلَةً بِ حِينَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ بِأَنَّ رَسْمَ الْمُصْحَفِ قَدْ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ الَّذِي رَآهُ أَبُو عُبَيدٍ مِنَ الْمَصَاحِفِ الْمُعَاصِرَةِ لِذَلِكَ الْمُصْحَفِ وَالْمَرْسُومَةِ بَعْدَهُ. وَالْمَنَاصُ: النَّجَاءُ وَالْفَوْتُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقَالُ: نَاصَّهُ، إِذَا فَاتَهُ. وَالْمَعْنَى: فَنَادَوْا مُبْتَهِلِينَ فِي حَالٍ لَيْسَ وَقْتَ نَجَاءٍ وَفَوْتٍ، أَيْ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْهَلَاكُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ [غَافِر: ٨٥] . [٤- ٥] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٤ الى ٥] وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ. عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ص: ٢] فَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ الْوَاقِعِ الْإِضْرَابِ لِلِانْتِقَالِ إِلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق: ١، ٢] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِهِمُ اسْتِحَالَةُ بَعْثَةِ رَسُولٍ مِنْهُمْ فَذَلِكَ سَبَبٌ آخَرُ لِانْصِرَافِهِمْ عَنِ التَّذَكُّرِ بِالْقُرْآنِ. وَالْعَجَبُ حَقِيقَتُهُ: انْفِعَالٌ فِي النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ عِلْمٍ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُتَرَقِّبٍ وُقُوعُهُ عِنْدَ النَّفْسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى إِنْكَارِ شَيْءٍ نَادِرٍ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي سُورَةِ هُودٍ [٧٣] فَإِنَّ مَحَلَّ الْعِتَابِ هُوَ كَوْنُ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ أَحَالَتْ أَنْ تَلِدَ، وَهِيَ عَجُوزٌ وَكَذَلِكَ إِطْلَاقُهُ هُنَا. وَالْمَعْنَى: وَأَنْكَرُوا وأحالوا أَن جَاءَ هم مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.

стр. 7946

وَالْمُنْذِرُ: الرَّسُولُ، أَيْ مُنْذِرٌ لَهُمْ بِعَذَابٍ عَلَى أَفْعَالٍ هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا. وَعَبَّرَ عَن الرَّسُول ﷺ بِوَصْفِ الْمُنْذِرِ: وَوُصِفَ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى سُوءِ نَظَرِهِمْ مِنْ عَجَبِهِمْ لِأَنَّ شَأْنَ النَّذِيرِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ مِمَّنْ يَنْصَحُ لَهُمْ فَكَوْنُهُ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يكون من غير هم. ثُمَّ إِنْ كَانَ التَّبْعِيضُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ حَرْفِ (مِنْ) مُرَادًا بِهِ أَنَّهُ بَعْضُ الْعَرَبِ أَوْ بَعْضُ قُرَيْشٍ فَأَمْرُ تَجْهِيلِهِمْ فِي عَجَبِهِمْ مِنْ هَذَا النَّذِيرِ بَيِّنٌ وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهِ أَنَّهُ بَعْضُ الْبَشَرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَجْهِيلُهُمْ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِمْ أَجْدَرُ بِأَنْ يَنْصَحَ لَهُمْ مِنْ رَسُولٍ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ كَالْمَلَائِكَةِ، وَهَذِهِ جَدَارَةٌ عُرْفِيَّةٌ. وَهَذَا الْعَجَبُ تَكَرَّرَ تَصْرِيحُهُمْ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ، وَهُوَ الْأَصْلُ الدَّاعِي لَهُمْ إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ تَصْدِيقِهِ فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَتْ بِهِ حِكَايَةُ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي قَالُوهَا فِي مَجْلِسِ شَيْخِ الْأَبَاطِحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ. وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) . بَعْدَ أَنْ كُشِفَ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهُمْ مِنَ الْعِزَّةِ وَالشِّقَاقِ وَإِحَالَةِ بَعْثَةِ رَسُولٍ لِلْبَشَرِ مِنْ جِنْسِهِمْ، حُوسِبُوا بِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ، إِشَارَةً بِهَذَا التَّرْتِيبِ إِلَى أَنَّ مَقَالَتَهُمْ هَذِهِ نَتِيجَةٌ لِعَقِيدَتِهِمْ تِلْكَ. وَفِي قَوْلِهِ: الْكافِرُونَ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: «وَقَالُوا هَذَا سَاحِرٌ» إِلَخْ، وَهَذَا لِقَصْدِ وَصْفِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَافِرُونَ بِرَبِّهِمْ مُقَابَلَةً لِمَا وَصَمُوا بِهِ النبيء ﷺ فَوُصِفُوا بِمَا هُوَ شَتْمٌ لَهُمْ يَجْمَعُ ضُرُوبًا مِنَ الشَّتْمِ تَأْصِيلًا وَتَفْرِيعًا وَهُوَ الْكُفْرُ الَّذِي هُوَ جِمَاعُ فَسَادِ التَّفْكِيرِ وَفَاسِدِ الْأَعْمَالِ. وَلَفَظُ هَذَا أَشَارُوا بِهِ إِلَى النبيء ﷺ ، اسْتَعْمَلُوا اسْمَ الْإِشَارَةِ لِتَحْقِيرِ مثله فِي قَوْلهم: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الْأَنْبِيَاء: ٣٦] وَإِنَّمَا قَالُوا مَقَالَتَهُمْ هَذِهِ حِينَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ مَجْلِسِ أَبِي طَالِبٍ الْمَذْكُورِ فِي سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ جعلُوا النبيء ﷺ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمَحْضَرِهِ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ حِينَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ.

стр. 7947

وَجَعَلُوا حَالَهُ سِحْرًا وَكَذِبًا لِأَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ تَقْبَلْ عُقُولُهُمْ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ زَعَمُوا مَا لَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ- مِثْلَ كَوْنِ الْإِلَهِ وَاحِدًا أَوْ كَوْنِهِ يُعِيدُ الْمَوْتَى أَحْيَاءً- سِحْرًا إِذْ كَانُوا يَأْلَفُونَ مِنَ السِّحْرِ أَقْوَالًا غَيْرَ مَفْهُومَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢] . وَزَعَمُوا مَا يَفْهَمُونَهُ وَيُحِيلُونَهُ مِثْلَ ادِّعَاءِ الرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبًا. وَبَيَّنُوا ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، وَالثَّانِيَةُ جُمْلَةُ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: ٨] . فَجُمْلَةُ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً بَيَانٌ لِجُمْلَةِ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ، أَيْ حَيْثُ عَدُّوهُ مُبَاهِتًا لَهُمْ بِقَلْبِ الْحَقَائِقِ وَالْأَخْبَارِ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ. وَالْهَمْزَةُ للاستفهام الإنكاري التعجيبي وَلِذَلِكَ أَتْبَعُوهُ بِمَا هُوَ كَالْعِلَّةِ لِقَوْلِهِمْ: ساحِرٌ وَهُوَ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ أَيْ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يُتَعَجَّبُ مِنْ شَعْوَذَةِ السَّاحِرِ. وعُجابٌ: وَصْفُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَثِيرًا لِأَنَّ وَزْنَ فُعَالٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ يَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنِ الْوَصْفِ مِثْلَ: طُوَالٌ، بِمَعْنَى الْمُفْرِطِ فِي الطُّولِ، وَكُرَامٌ بِمَعْنَى الْكَثِيرِ الْكَرَمِ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ كَرِيمٍ، وَقَدِ ابْتَدَأُوا الْإِنْكَارَ بِأَوَّلِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ كُفْرِهِمْ فَإِنَّ أُصُولَ كُفْرِهِمْ ثَلَاثَةٌ: الْإِشْرَاكُ، وَتَكْذيب الرَّسُول ﷺ وَإِنْكَارُ الْبَعْثِ، وَالْجَزَاءِ فِي الْآخِرَة. [٦- ٧] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٦ إِلَى ٧] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) الِانْطِلَاقُ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرَافُ وَالْمَشْيُ، وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ لِأَنَّ الشَّارِعَ يَنْطَلِقُ إِلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ فِي ذَلِكَ: ذَهَبَ بِفِعْلِ كَذَا، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبَهَانِيِّ: فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا ... وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ

стр. 7948

وَكَذَلِكَ قَامَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قامُوا فَقالُوا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [١٤] . وَقِيلَ: إِنَّ الِانْطِلَاقَ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَيْ وَانْصَرَفَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ عَنْ مَجْلِسِ أَبِي طَالِبٍ. والْمَلَأُ: سَادَةُ الْقَوْمِ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَائِلُ ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إِنَّ مِنَ الْقَائِلِينَ أَبَا جَهْلٍ، وَالْعَاصِيَ بْنَ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأَنِ تَفْسِيرِيَّةٌ لِأَنَّ الِانْطِلَاقَ إِنْ كَانَ مَجَازًا فَهُوَ فِي الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ فِي الْكَلَامِ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَاحْتَاجَ إِلَى تَفْسِيرٍ بِكَلَامٍ مَقُولٍ، وَإِنْ كَانَ الِانْطِلَاقُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَقَدْ تَضَمَّنَ انْطِلَاقَهُمْ عَقِبَ التَّقَاوُلِ بَيْنَهُمْ بِكَلَامِهِمُ الْبَاطِلِ هَذَا ساحِرٌ [ص: ٤] إِلَى قَوْله: عُجابٌ [ص: ٥] يَقْتَضِي أَنَّهُمُ انْطَلَقُوا مُتَحَاوِرِينَ فِي مَاذَا يَصْنَعُونَ. وَلَمَّا أُسْنِدَ الِانْطِلَاقُ إِلَى الْمَلَأِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا لِيَنْطَلِقُوا إِلَّا لِتَدْبِيرٍ فِي مَاذَا يَصْنَعُونَ فَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَحَاوُرًا وَتُقَاوُلًا احْتِيجَ إِلَى تَفْسِيره بِجُمْلَةِ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِلَخْ. وَالْأَمْرُ بِالْمَشْيِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، أَيِ انْصَرِفُوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ مَكَانِ الْمُجَادَلَةِ، وَاشْتَغِلُوا بِالثَّبَاتِ عَلَى آلِهَتِكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى دِينِهِمْ كَمَا يُقَالُ: كَمَا سَارَ الْكِرَامُ، أَيِ اعْمَلْ كَمَا عَمِلُوا، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْأَخْلَاقُ وَالْأَعْمَالُ الْمُعْتَادَةُ سِيرَةً. وَالصَّبْرُ: الثَّبَاتُ وَالْمُلَازَمَةُ، يُقَالُ: صَبَرَ الدَّابَّةَ إِذَا رَبَطَهَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّبَاتُ عِنْدَ حُلُولِ الضُّرِّ صَبْرًا لِأَنَّهُ مُلَازَمَةٌ لِلْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ بِحَيْثُ لَا يَضْطَرِبُ بِالْجَزَعِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [الْفرْقَان: ٤٢] .. وَحَرْفُ عَلى يَدُلُّ عَلَى تَضْمِينِ اصْبِرُوا مَعْنَى: اعْكُفُوا وَاثْبُتُوا، فَحَرْفُ عَلى هُنَا لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِثْلَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَلَيْسَ هُوَ حَرْفَ عَلى الْمُتَعَارَفَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الصَّبْرِ بِهِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [المزمل: ١٠] فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى (مَعَ) ، وَلِذَلِكَ يَخْلُفُهُ اللَّامُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْقِعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الْقَلَم: ٤٨] ، وَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ عَلَى عِبَادَةِ

стр. 7949

آلِهَتِكُمْ، فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ إِنْ كَانَ مَجَازًا فَهُوَ فِي الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ فِي الْكَلَامِ فَكَانَ. وَجُمْلَةُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى آلِهَتِهِمْ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ شَكِّهِمْ فِي صِحَّةِ دَعْوَة النبيء ﷺ بِأَنَّهَا شَيْءٌ أَرَادَهُ لِغَرَضٍ أَيْ لَيْسَ صَادِقًا وَلَكِنَّهُ مَصْنُوعٌ مُرَادٌ مِنْهُ مَقْصِدٌ كَمَا يُقَالُ: هَذَا أَمْرٌ دُبِّرَ بِلَيْلٍ، فَالْإِشَارَةُ بِ هَذَا إِلَى مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ دَعْوَة النبيء ﷺ إِيَّاهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ مِنْ كَلَامِ الْمَلَأِ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ، أَيْ هَذَا القَوْل وَهُوَ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: ٥] . وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ لِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ مِثْلِهِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ شَيْءٌ مُصْطَنَعٌ مُبْتَدَعٌ. وَإِعَادَةُ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِقَصْدِ زِيَادَةِ تَمْيِيزِهِ. وَفِي قَوْله: هَذَا تَقْدِيرُ مُضَافٍ، أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ. وَنَفِيُ السَّمَاعِ هُنَا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنِ الِاسْتِبْعَادِ وَالِاتِّهَامِ بِالْكَذِبِ. والْمِلَّةِ: الدِّينُ، قَالَ تَعَالَى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٢٠] ، وَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٣٧، ٣٨] . والْآخِرَةِ: تَأْنِيثُ الْآخِرُ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَقَرَّرَتْ فِيهَا أَمْثَالُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [العنكبوت: ٢٠] . وَالْمَجْرُورُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَيَانًا لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْإِشَارَةِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ سَمِعْنا. وَالْمَعْنَى: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ فَلَا نَعْتَدُّ بِهِ. وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِ الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ دِينَ النَّصَارَى، وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ فَالْمُشْرِكُونَ اسْتَشْهَدُوا عَلَى بُطْلَانِ تَوْحِيدِ الْإِلَهِ بِأَنَّ دِينَ النَّصَارَى الَّذِي ظهر قَبْلَ الْإِسْلَامِ

стр. 7950

أَثْبَتَ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ، وَيَكُونُ نَفْيُ السَّمَاعِ كِنَايَةً عَنْ سَمَاعِ ضِدِّهِ وَهُوَ تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدُوا بِ الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ الْمِلَّةَ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا وَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِ مَلَأِ قُرَيْشٍ لِأَبِي طَالِبٍ فِي حِينِ احْتِضَارِهِ حِينَ قَالَ لَهُ النبيء ﷺ : «يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالُوا لَهُ جَمِيعًا: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» . فَقَوْلُهُمْ: فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِمْرَارِ انْتِفَاءِ هَذَا إِلَى الزَّمَنِ الْأَخِيرِ فَيَعْلَمُ أَنَّ انْتِفَاءَهُ فِي مِلَّتِهِمُ الْأَوْلَى بِالْأَحْرَى. وَجُمْلَةُ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ مَا سَمِعْنا بِهذا وَهَذَا هُوَ الْمُتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمُ الْمَبْدُوءِ بِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كَالْفَذْلَكَةِ لِكَلَامِهِمْ. وَالِاخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ الْمُخْتَرَعُ الَّذِي لَا شُبْهَة لقائله. [٨] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٨] أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا. يجوز أَن يكون أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا مِنْ كَلَامِ عُمُومِ الْكَافِرِينَ الْمَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] فَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: ٥] وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ بَيَانًا لجملة كَذَّابٌ [ص: ٤] ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: هَذَا كَذَّابٌ إِذْ هُوَ خَبَرٌ ثَانٍ لِ (كَانَ) ، وَلِكَوْنِهِ بَيَانًا لِلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ قَوْلِهِ: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ [ص: ٦] إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص: ٧] اعْتِرَاضًا بَيْنَ جُمْلَتَيِ الْبَيَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الْمَلَأِ وَاسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ بَيَانِ جُمْلَةِ كَذَّابٌ لِأَنَّ نُطْقَ الْمَلَأِ بِهِ كَافٍ فِي قَوْلِ الْآخَرِينَ بِمُوجَبِهِ فَاسْتَغْنَوْا عَنْ بَيَانِ جُمْلَةِ كَذَّابٌ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، وَمَنَاطُ الْإِنْكَارِ هُوَ الظَّرْفُ مِنْ بَيْنِنا وَهُوَ فِي مَوْضِعِ حَالٍ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرُوا أَنْ يخص مُحَمَّد ﷺ بِالْإِرْسَالِ وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْكِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] أَيْ مِنْ مَكَّةَ أَوِ الطَّائِفِ وَلَمْ يُرِيدُوا بِهَذَا الْإِنْكَارِ
следующие страницы →