← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

وَالْمُنْذِرُ: الرَّسُولُ، أَيْ مُنْذِرٌ لَهُمْ بِعَذَابٍ عَلَى أَفْعَالٍ هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا. وَعَبَّرَ عَن الرَّسُول ﷺ بِوَصْفِ الْمُنْذِرِ: وَوُصِفَ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى سُوءِ نَظَرِهِمْ مِنْ عَجَبِهِمْ لِأَنَّ شَأْنَ النَّذِيرِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ مِمَّنْ يَنْصَحُ لَهُمْ فَكَوْنُهُ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يكون من غير هم. ثُمَّ إِنْ كَانَ التَّبْعِيضُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ حَرْفِ (مِنْ) مُرَادًا بِهِ أَنَّهُ بَعْضُ الْعَرَبِ أَوْ بَعْضُ قُرَيْشٍ فَأَمْرُ تَجْهِيلِهِمْ فِي عَجَبِهِمْ مِنْ هَذَا النَّذِيرِ بَيِّنٌ وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهِ أَنَّهُ بَعْضُ الْبَشَرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَجْهِيلُهُمْ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِمْ أَجْدَرُ بِأَنْ يَنْصَحَ لَهُمْ مِنْ رَسُولٍ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ كَالْمَلَائِكَةِ، وَهَذِهِ جَدَارَةٌ عُرْفِيَّةٌ. وَهَذَا الْعَجَبُ تَكَرَّرَ تَصْرِيحُهُمْ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ، وَهُوَ الْأَصْلُ الدَّاعِي لَهُمْ إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ تَصْدِيقِهِ فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَتْ بِهِ حِكَايَةُ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي قَالُوهَا فِي مَجْلِسِ شَيْخِ الْأَبَاطِحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ. وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) . بَعْدَ أَنْ كُشِفَ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهُمْ مِنَ الْعِزَّةِ وَالشِّقَاقِ وَإِحَالَةِ بَعْثَةِ رَسُولٍ لِلْبَشَرِ مِنْ جِنْسِهِمْ، حُوسِبُوا بِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ، إِشَارَةً بِهَذَا التَّرْتِيبِ إِلَى أَنَّ مَقَالَتَهُمْ هَذِهِ نَتِيجَةٌ لِعَقِيدَتِهِمْ تِلْكَ. وَفِي قَوْلِهِ: الْكافِرُونَ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: «وَقَالُوا هَذَا سَاحِرٌ» إِلَخْ، وَهَذَا لِقَصْدِ وَصْفِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَافِرُونَ بِرَبِّهِمْ مُقَابَلَةً لِمَا وَصَمُوا بِهِ النبيء ﷺ فَوُصِفُوا بِمَا هُوَ شَتْمٌ لَهُمْ يَجْمَعُ ضُرُوبًا مِنَ الشَّتْمِ تَأْصِيلًا وَتَفْرِيعًا وَهُوَ الْكُفْرُ الَّذِي هُوَ جِمَاعُ فَسَادِ التَّفْكِيرِ وَفَاسِدِ الْأَعْمَالِ. وَلَفَظُ هَذَا أَشَارُوا بِهِ إِلَى النبيء ﷺ ، اسْتَعْمَلُوا اسْمَ الْإِشَارَةِ لِتَحْقِيرِ مثله فِي قَوْلهم: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الْأَنْبِيَاء: ٣٦] وَإِنَّمَا قَالُوا مَقَالَتَهُمْ هَذِهِ حِينَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ مَجْلِسِ أَبِي طَالِبٍ الْمَذْكُورِ فِي سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ جعلُوا النبيء ﷺ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمَحْضَرِهِ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ حِينَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ.

стр. 7947

وَجَعَلُوا حَالَهُ سِحْرًا وَكَذِبًا لِأَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ تَقْبَلْ عُقُولُهُمْ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ زَعَمُوا مَا لَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ- مِثْلَ كَوْنِ الْإِلَهِ وَاحِدًا أَوْ كَوْنِهِ يُعِيدُ الْمَوْتَى أَحْيَاءً- سِحْرًا إِذْ كَانُوا يَأْلَفُونَ مِنَ السِّحْرِ أَقْوَالًا غَيْرَ مَفْهُومَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢] . وَزَعَمُوا مَا يَفْهَمُونَهُ وَيُحِيلُونَهُ مِثْلَ ادِّعَاءِ الرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبًا. وَبَيَّنُوا ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، وَالثَّانِيَةُ جُمْلَةُ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: ٨] . فَجُمْلَةُ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً بَيَانٌ لِجُمْلَةِ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ، أَيْ حَيْثُ عَدُّوهُ مُبَاهِتًا لَهُمْ بِقَلْبِ الْحَقَائِقِ وَالْأَخْبَارِ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ. وَالْهَمْزَةُ للاستفهام الإنكاري التعجيبي وَلِذَلِكَ أَتْبَعُوهُ بِمَا هُوَ كَالْعِلَّةِ لِقَوْلِهِمْ: ساحِرٌ وَهُوَ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ أَيْ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يُتَعَجَّبُ مِنْ شَعْوَذَةِ السَّاحِرِ. وعُجابٌ: وَصْفُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَثِيرًا لِأَنَّ وَزْنَ فُعَالٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ يَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنِ الْوَصْفِ مِثْلَ: طُوَالٌ، بِمَعْنَى الْمُفْرِطِ فِي الطُّولِ، وَكُرَامٌ بِمَعْنَى الْكَثِيرِ الْكَرَمِ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ كَرِيمٍ، وَقَدِ ابْتَدَأُوا الْإِنْكَارَ بِأَوَّلِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ كُفْرِهِمْ فَإِنَّ أُصُولَ كُفْرِهِمْ ثَلَاثَةٌ: الْإِشْرَاكُ، وَتَكْذيب الرَّسُول ﷺ وَإِنْكَارُ الْبَعْثِ، وَالْجَزَاءِ فِي الْآخِرَة. [٦- ٧] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٦ إِلَى ٧] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) الِانْطِلَاقُ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرَافُ وَالْمَشْيُ، وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ لِأَنَّ الشَّارِعَ يَنْطَلِقُ إِلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ فِي ذَلِكَ: ذَهَبَ بِفِعْلِ كَذَا، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبَهَانِيِّ: فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا ... وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ

стр. 7948

وَكَذَلِكَ قَامَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قامُوا فَقالُوا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [١٤] . وَقِيلَ: إِنَّ الِانْطِلَاقَ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَيْ وَانْصَرَفَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ عَنْ مَجْلِسِ أَبِي طَالِبٍ. والْمَلَأُ: سَادَةُ الْقَوْمِ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَائِلُ ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إِنَّ مِنَ الْقَائِلِينَ أَبَا جَهْلٍ، وَالْعَاصِيَ بْنَ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأَنِ تَفْسِيرِيَّةٌ لِأَنَّ الِانْطِلَاقَ إِنْ كَانَ مَجَازًا فَهُوَ فِي الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ فِي الْكَلَامِ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَاحْتَاجَ إِلَى تَفْسِيرٍ بِكَلَامٍ مَقُولٍ، وَإِنْ كَانَ الِانْطِلَاقُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَقَدْ تَضَمَّنَ انْطِلَاقَهُمْ عَقِبَ التَّقَاوُلِ بَيْنَهُمْ بِكَلَامِهِمُ الْبَاطِلِ هَذَا ساحِرٌ [ص: ٤] إِلَى قَوْله: عُجابٌ [ص: ٥] يَقْتَضِي أَنَّهُمُ انْطَلَقُوا مُتَحَاوِرِينَ فِي مَاذَا يَصْنَعُونَ. وَلَمَّا أُسْنِدَ الِانْطِلَاقُ إِلَى الْمَلَأِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا لِيَنْطَلِقُوا إِلَّا لِتَدْبِيرٍ فِي مَاذَا يَصْنَعُونَ فَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَحَاوُرًا وَتُقَاوُلًا احْتِيجَ إِلَى تَفْسِيره بِجُمْلَةِ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِلَخْ. وَالْأَمْرُ بِالْمَشْيِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، أَيِ انْصَرِفُوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ مَكَانِ الْمُجَادَلَةِ، وَاشْتَغِلُوا بِالثَّبَاتِ عَلَى آلِهَتِكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى دِينِهِمْ كَمَا يُقَالُ: كَمَا سَارَ الْكِرَامُ، أَيِ اعْمَلْ كَمَا عَمِلُوا، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْأَخْلَاقُ وَالْأَعْمَالُ الْمُعْتَادَةُ سِيرَةً. وَالصَّبْرُ: الثَّبَاتُ وَالْمُلَازَمَةُ، يُقَالُ: صَبَرَ الدَّابَّةَ إِذَا رَبَطَهَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّبَاتُ عِنْدَ حُلُولِ الضُّرِّ صَبْرًا لِأَنَّهُ مُلَازَمَةٌ لِلْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ بِحَيْثُ لَا يَضْطَرِبُ بِالْجَزَعِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [الْفرْقَان: ٤٢] .. وَحَرْفُ عَلى يَدُلُّ عَلَى تَضْمِينِ اصْبِرُوا مَعْنَى: اعْكُفُوا وَاثْبُتُوا، فَحَرْفُ عَلى هُنَا لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِثْلَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَلَيْسَ هُوَ حَرْفَ عَلى الْمُتَعَارَفَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الصَّبْرِ بِهِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [المزمل: ١٠] فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى (مَعَ) ، وَلِذَلِكَ يَخْلُفُهُ اللَّامُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْقِعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الْقَلَم: ٤٨] ، وَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ عَلَى عِبَادَةِ

стр. 7949

آلِهَتِكُمْ، فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ إِنْ كَانَ مَجَازًا فَهُوَ فِي الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ فِي الْكَلَامِ فَكَانَ. وَجُمْلَةُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى آلِهَتِهِمْ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ شَكِّهِمْ فِي صِحَّةِ دَعْوَة النبيء ﷺ بِأَنَّهَا شَيْءٌ أَرَادَهُ لِغَرَضٍ أَيْ لَيْسَ صَادِقًا وَلَكِنَّهُ مَصْنُوعٌ مُرَادٌ مِنْهُ مَقْصِدٌ كَمَا يُقَالُ: هَذَا أَمْرٌ دُبِّرَ بِلَيْلٍ، فَالْإِشَارَةُ بِ هَذَا إِلَى مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ دَعْوَة النبيء ﷺ إِيَّاهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ مِنْ كَلَامِ الْمَلَأِ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ، أَيْ هَذَا القَوْل وَهُوَ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: ٥] . وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ لِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ مِثْلِهِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ شَيْءٌ مُصْطَنَعٌ مُبْتَدَعٌ. وَإِعَادَةُ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِقَصْدِ زِيَادَةِ تَمْيِيزِهِ. وَفِي قَوْله: هَذَا تَقْدِيرُ مُضَافٍ، أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ. وَنَفِيُ السَّمَاعِ هُنَا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنِ الِاسْتِبْعَادِ وَالِاتِّهَامِ بِالْكَذِبِ. والْمِلَّةِ: الدِّينُ، قَالَ تَعَالَى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٢٠] ، وَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٣٧، ٣٨] . والْآخِرَةِ: تَأْنِيثُ الْآخِرُ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَقَرَّرَتْ فِيهَا أَمْثَالُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [العنكبوت: ٢٠] . وَالْمَجْرُورُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَيَانًا لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْإِشَارَةِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ سَمِعْنا. وَالْمَعْنَى: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ فَلَا نَعْتَدُّ بِهِ. وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِ الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ دِينَ النَّصَارَى، وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ فَالْمُشْرِكُونَ اسْتَشْهَدُوا عَلَى بُطْلَانِ تَوْحِيدِ الْإِلَهِ بِأَنَّ دِينَ النَّصَارَى الَّذِي ظهر قَبْلَ الْإِسْلَامِ

стр. 7950

أَثْبَتَ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ، وَيَكُونُ نَفْيُ السَّمَاعِ كِنَايَةً عَنْ سَمَاعِ ضِدِّهِ وَهُوَ تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدُوا بِ الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ الْمِلَّةَ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا وَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِ مَلَأِ قُرَيْشٍ لِأَبِي طَالِبٍ فِي حِينِ احْتِضَارِهِ حِينَ قَالَ لَهُ النبيء ﷺ : «يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالُوا لَهُ جَمِيعًا: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» . فَقَوْلُهُمْ: فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِمْرَارِ انْتِفَاءِ هَذَا إِلَى الزَّمَنِ الْأَخِيرِ فَيَعْلَمُ أَنَّ انْتِفَاءَهُ فِي مِلَّتِهِمُ الْأَوْلَى بِالْأَحْرَى. وَجُمْلَةُ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ مَا سَمِعْنا بِهذا وَهَذَا هُوَ الْمُتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمُ الْمَبْدُوءِ بِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كَالْفَذْلَكَةِ لِكَلَامِهِمْ. وَالِاخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ الْمُخْتَرَعُ الَّذِي لَا شُبْهَة لقائله. [٨] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٨] أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا. يجوز أَن يكون أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا مِنْ كَلَامِ عُمُومِ الْكَافِرِينَ الْمَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] فَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: ٥] وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ بَيَانًا لجملة كَذَّابٌ [ص: ٤] ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: هَذَا كَذَّابٌ إِذْ هُوَ خَبَرٌ ثَانٍ لِ (كَانَ) ، وَلِكَوْنِهِ بَيَانًا لِلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ قَوْلِهِ: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ [ص: ٦] إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص: ٧] اعْتِرَاضًا بَيْنَ جُمْلَتَيِ الْبَيَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الْمَلَأِ وَاسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ بَيَانِ جُمْلَةِ كَذَّابٌ لِأَنَّ نُطْقَ الْمَلَأِ بِهِ كَافٍ فِي قَوْلِ الْآخَرِينَ بِمُوجَبِهِ فَاسْتَغْنَوْا عَنْ بَيَانِ جُمْلَةِ كَذَّابٌ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، وَمَنَاطُ الْإِنْكَارِ هُوَ الظَّرْفُ مِنْ بَيْنِنا وَهُوَ فِي مَوْضِعِ حَالٍ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرُوا أَنْ يخص مُحَمَّد ﷺ بِالْإِرْسَالِ وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْكِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] أَيْ مِنْ مَكَّةَ أَوِ الطَّائِفِ وَلَمْ يُرِيدُوا بِهَذَا الْإِنْكَارِ

стр. 7951

تَجْوِيزَ أَصْلِ الرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُمُ اسْتِقْصَاءُ الِاسْتِبْعَادِ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَصْلَ الرِّسَالَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ص: ٤] وَغَيْرُهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَهَذَا الْأَصْلُ الثَّانِي مِنْ أُصُولِ كُفْرِهِمُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: ٥] وَهُوَ أَصْلُ إِنْكَارِ بَعْثَةِ رَسُولٍ مِنْهُمْ. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي. يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا أَيْ لَيْسَ قَصْدُهُمُ الطَّعْنَ فِي اخْتِصَاصِكَ بِالرِّسَالَةِ وَلَكِنَّهُمْ شَاكُّونَ فِي أَصْلِ إِنْزَالِهِ، فَتَكُونُ بَلْ إِضْرَابًا إِبْطَالِيَّا تَكْذِيبًا لِمَا يَظْهَرُ مِنْ إِنْكَارِهِمْ إِنْزَالَ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَيْ إِنَّمَا قَصْدُهُمُ الشَّكُ فِي أَنَّ اللَّهَ يُوحِي إِلَى أَحَدٍ بِالرِّسَالَةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي شَكًّا مِنْ وُقُوعِهِ. وَالشَّكُّ يُطْلَقُ عَلَى الْيَقِينِ مَجَازًا مُرْسَلًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَيَكُونُ كَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الْأَنْعَام: ٣٣] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتِقَالًا مِنْ خَبَرٍ عَنْهُمْ إِلَى خَبَرٍ آخَرَ فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًا وَتَكُونُ بَلْ لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ، وَالْمَعْنَى: وَهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، أَيْ فِي شَكٍّ مِنْ كُنْهِ الْقُرْآنِ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: افْتَرَاهُ، وَمَرَّةً يَقُولُونَ: شِعْرٌ، وَمَرَّةً: سِحْرٌ، وَمَرَّةً: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَمَرَّةً: قَوْلُ كَاهِنٍ. فَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ حَقِيقَتُهُ أَيِ التَّرَدُّدُ فِي الْعِلْمِ. وَإِضَافَةُ الذِّكْرِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَلِتَحْقِيقِ كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَالذِّكْرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ عَيْنُ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالظَّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ تَوَصُّلًا إِلَى التَّنْوِيهِ بِهِ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ، جُعِلَتْ مُلَابَسَةُ الشَّكِّ إِيَّاهُمْ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ الْمُحِيطِ بِمَحْوَيْهِ فِي أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ جَانِبٌ مِنْ جَوَانِبِهِ. ومِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ ذِكْرِي ابْتِدَائِيَّةٌ لِكَوْنِ الشَّكِّ صِفَةً لَهُمْ، أَيْ نَشَأَ لَهُمُ

стр. 7952

الشَّكُّ مِنْ شَأْنِ ذِكْرِي، أَيْ مِنْ جَانِبِ نَفْيِ وُقُوعِهِ، أَوْ فِي جَانِبِ مَا يَصِفُونَهُ بِهِ. بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ. أَتْبَعَ ذَلِكَ الْإِضْرَابَ بِإِضْرَابٍ آخَرَ يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي جَرَّأَهُمْ عَلَى هَذَا الشِّقَاقِ أَنَّهُمْ لَمَّا تَأَخَّرَ حُلُولُ الْعَذَابِ بِهِمْ ظَنُّوا وَعِيدَهُ كَاذِبًا فَأَخَذُوا فِي الْبَذَاءَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَلَوْ ذَاقُوا الْعَذَابَ لَأَلْقَمَتْ أَفْوَاهُهُمُ الْحَجَرَ. ولَمَّا حَرْفُ نَفْيٍ بِمَعْنَى (لَمْ) إِلَّا أَنَّ فِي لَمَّا خُصُوصِيَّةً، وَهِيَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمَنْفِيِّ بِهَا مُتَّصِلِ الِانْتِفَاءِ إِلَى وَقْتِ التَّكَلُّمِ بِخِلَافِ (لَمْ) فَلِذَلِكَ كَانَ النَّفْيُ بِ لَمَّا قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ تَرَقُّبُ حُصُولِ الْمَنْفِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ [١٤] مَا فِي لَمَّا مِنْ مَعْنَى التَّوَقُّعِ دَالٍّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ آمَنُوا فِيمَا بَعْدُ، أَيْ دَالٍ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ الْحَاصِلِ مِنْ مَعْنَى غَايَةِ النَّفْيِ إِلَى زَمَنِ التَّكَلُّمِ، أَيْ لَا أَضْمَنُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَاقُوا عَذَابَ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَإِضَافَةُ عَذابِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ لِاخْتِصَاصِهِ بِاللَّهِ لِأَنَّهُ مُقَدِّرُهُ وَقَاضٍ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلِوُقُوعِهِ عَلَى حَالَةٍ غَيْرِ جَارِيَةٍ عَلَى الْمُعْتَادِ إِذِ الشَّأْنُ أَنْ يَسْتَأْصِلَ الْجَيْشُ الْقَوِيُّ الْجَيْشَ الْقَلِيلَ. وَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا لِلْفَاصِلَةِ، وَأُبْقِيَتِ الْكَسْرَةُ دَلِيلًا عَلَيْهَا وَهُوَ حَذْفٌ كَثِيرٌ فِي الْفَوَاصِلِ وَالشِّعْرِ عَلَى نَحْوِ حَذْفِهَا من المنادى. [٩] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٩] أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ مُنْقَطِعَةٌ وَهِيَ لِلْإِضْرَابِ أَيْضًا وَهُوَ إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ فَإِنَّ أَمْ مُشْعِرَةٌ بِاسْتِفْهَامٍ بَعْدَهَا هُوَ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ إِنْكَارًا لِقَوْلِهِمْ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: ٨] أَيْ لَيْسَتْ خَزَائِنُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ فَيَتَصَدَّوْا لِحِرْمَانِ مَنْ يَشَاءُونَ حِرْمَانَهُ مِنْ مَوَاهِبِ الْخَيْرِ فَإِنَّ الْمَوَاهِبَ مِنَ اللَّهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ فَهُوَ يَخْتَارُ لِلنُّبُوءَةِ مَنْ

стр. 7953

يَصْطَفِيهِ وَلَيْسَ الِاخْتِيَارُ لَهُمْ فَيَجْعَلُوا مَنْ لَمْ يُقَدِّمُوهُ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ غَيْرَ أَهْلٍ لِأَنْ يَخْتَارَهُ اللَّهُ. وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمَامِ لِأَنَّهُ مَنَاطُ الْإِنْكَارِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] . وَالْخَزَائِنُ: جَمْعُ خِزَانَةٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ. وَهِيَ الْبَيْتُ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الْمَالُ أَوِ الطَّعَامُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى صُنْدُوقٍ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ يُخَزَّنُ فِيهِ الْمَالُ. وَالْخَزْنُ: الْحِفْظُ وَالْحِرْزُ. وَالرَّحْمَةُ: مَا بِهِ رِفْقٌ بِالْغَيْرِ وَإِحْسَانٌ إِلَيْهِ، شُبِّهَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ الْمَخْزُونِ الَّذِي تَطْمَحُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ فِي أَنَّهُ لَا يُعْطَى إِلَّا بِمَشِيئَةِ خَازِنِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ. وَإِثْبَاتُ الْخَزَائِنِ: تَخْيِيلٌ مِثْلَ إِثْبَاتِ الْأَظْفَارِ لِلْمُنْيَةِ، وَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى لَامِ الِاخْتِصَاصِ. وَالْعُدُولُ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى وَصْفٍ لِأَنَّ لَهُ مَزِيدَ مُنَاسَبَةٍ لِلْغَرَضِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ تَشْرِيفَهُ إِيَّاهُ بِالنُّبُوءَةِ مِنْ آثَارِ صِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ لَهُ لِأَنَّ وَصْفَ الرَّبِّ مُؤْذِنٌ بِالْعِنَايَةِ وَالْإِبْلَاغِ إِلَى الْكَمَالِ. وَأُجْرِيَ عَلَى الرَّبِّ صِفَةُ الْعَزِيزِ لِإِبْطَالِ تَدَخُّلِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِهِ، وَصِفَةُ الْوَهَّابِ لِإِبْطَالِ جَعْلِهِمُ الْحِرْمَانَ مِنَ الْخَيْرِ تَابِعًا لِرَغَبَاتِهِمْ دُونَ مَوَادَّةِ اللَّهِ تَعَالَى. والْعَزِيزِ: الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، والْوَهَّابِ: الْكَثِيرُ الْمَوَاهِبِ فَإِنَّ النُّبُوءَةَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ فَلَا يُخَوَّلُ إِعْطَاؤُهَا إِلَّا لِشَدِيدِ الْعِزَّةِ وافر الموهبة. [١٠] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ١٠] أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ إِلَى رَدٍّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ مَزَاعِمِهِمْ وَيَشْمَلُ بِإِجْمَالِهِ جَمِيعَ النُّقُوضِ التَّفْصِيلِيَّةِ لِمَزَاعِمِهِمْ بِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ كَالْحَوْصَلَةِ فَيُشْبِهُ التَّذْيِيلَ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ عُمُومِ الْمُلْكِ وَعُمُومِ الْأَمَاكِنِ الْمُقْتَضِي عُمُومَ الْعِلْمِ وَعُمُومَ التَّصَرُّفِ يُنْعَى عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ فِي الْمُغَيَّبَاتِ بِلَا عِلْمٍ وَتَحَكُّمُهُمْ فِي مَرَاتِبِ الْمَوْجُودَاتِ بِدُونِ قُدْرَةٍ وَلَا غِنًى.

стр. 7954

وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ أَمْ الْمُنْقَطِعَةِ تَهَكُّمِيٌّ وَلَيْسَ إِنْكَارِيًا لِأَنَّ تَفْرِيعَ أَمْرِ التَّعْجِيزِ عَلَيْهِ يُعَيِّنُ أَنَّهُ تَهَكُّمِيٌّ. فَالْمَعْنَى: إِنْ كَانَ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَكَانَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَصَّعَّدُوا إِنِ اسْتَطَاعُوا فِي أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ لِيُخْبَرُوا حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ فَيَتَكَلَّمُوا عَنْ عِلْمٍ فِي كُنْهِ الْإِلَهِ وَصِفَاتِهِ وَفِي إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَعَدَمِهِ وَفِي صدق الرَّسُول ﷺ أَوْ ضِدِّهِ وَلِيَفْتَحُوا خَزَائِنَ الرَّحْمَةِ فَيُفِيضُوا مِنْهَا عَلَى مَنْ يُعْجِبُهُمْ وَيَحْرِمُوا مَنْ لَا يَرْمُقُونَهُ بِعَيْنِ اسْتِحْسَانٍ. وَالْأَمْرُ فِي فَلْيَرْتَقُوا لِلتَّعْجِيزِ مِثْلَ قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [الْحَج: ١٥] . وَالتَّعْرِيفُ فِي الْأَسْبابِ لِعَهْدِ الْجِنْسِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ لِكُلِّ مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ أَسْبَابًا يُصْعَدُ بِهَا إِلَيْهِ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَإِنْ يَرْقَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ وَقَوْلِ الْأَعْشَى: فَلَوْ كُنْتَ فِي حِبِّ ثَمَانِينَ قَامَةً ... وَرُقِّيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ وَالسَّبَبُ: الْحَبْلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الصَّاعِدُ إِلَى النَّخْلَةِ لِلْجِذَاذِ، فَإِنْ جُعِلَ مِنْ حَبْلَيْنِ وَوُصِلَ بَيْنَ الْحَبْلَيْنِ بِحِبَالٍ مُعْتَرِضَةٍ مَشْدُودَةٍ أَوْ بِأَعْوَادٍ بَيْنَ الْحَبْلَيْنِ مَضْفُورٍ عَلَيْهَا جَنْبَتَا الْحَبْلَيْنِ فَهُوَ السُّلَّمُ. وَحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الْأَسْبَابِ حَتَّى كَأَنَّهَا ظُرُوفٌ مُحِيطَة بالمرتقين. [١١] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ١١] جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [ص: ٣] الْآيَةَ أُرِيدَ بِهِ وَصْلُ الْكَلَامِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلَهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ص: ٢] وَتَلَاهُ قَوْلُهُ: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ الْآيَةَ. فَلَمَّا تَقَضَّى الْكَلَامُ عَلَى تَفْصِيلِ مَا لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنْ عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ وَمَا لِذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ ثُنِيَ الْعِنَانُ إِلَى

стр. 7955

تَفْصِيلِ مَا أُهْلِكَ مِنَ الْقُرُونِ أَمْثَالِهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي الْكُفْرِ لِيُفْضِيَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [ص: ١٢] إِلَى قَوْلِهِ: فَحَقَّ عِقابِ [ص: ١٤] . فَتَكُونُ جُمْلَةُ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ بَدَلًا مِنْ جُمْلَةِ جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا مُسْتَقِلًّا خَارِجًا مَخْرَجَ الْبشَارَة للنبيء ﷺ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ جُنْدٌ مِنَ الْأَحْزَابِ مَهْزُومٌ، أَيْ مُقَدَّرٌ انْهِزَامُهُ فِي الْقَرِيبِ، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُعْجِزَةٌ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ خَتَمَ بِهَا وَصْفَ أَحْوَالِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: وَعَدَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَهْزِمُهُمْ وَهُمْ بِمَكَّةَ فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ الْفَخْرُ: إِشَارَةٌ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِشَارَةٌ إِلَى نَصْرِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ. وَعَادَةُ الْأَخْبَارِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْبِشَارَةِ أَوِ النِّذَارَةِ بِأَمْرٍ مَغِيبٍ أَنْ تَكُونَ مَرْمُوزَةً، وَالرَّمْزُ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ هُوَ اسْمُ الْإِشَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ: هُنالِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِدُونِ تَأَوُّلٍ فَلْنَجْعَلْهُ إِشَارَةً إِلَى مَكَانٍ أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نبيئه ﷺ وَهُوَ مَكَانُ بَدْرٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْأَحْزابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشَارَةً خَفِيَّةً إِلَى انْهِزَامِ الْأَحْزَابِ أَيْامَ الْخَنْدَقِ فَإِنَّهَا عُرِفَتْ بِغَزْوَةِ الْأَحْزَابِ. وَسَمَّاهُمُ اللَّهُ الْأَحْزابِ فِي السُّورَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَتَكُونُ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إِلْهَامًا كَمَا أَلْهَمَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فَسَمَّوْا حجّة النبيء ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمْ سَلِيمُ الْمِزَاجِ، وَهَذَا فِي عِدَادِ الْمُعْجِزَاتِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي جَمَعْنَا طَائِفَةً مِنْهَا فِي كِتَابٍ خَاصٍّ. وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ اسْمِ الْإِشَارَةِ الْبَعِيدِ رَمْزٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الِانْهِزَامَ سَيَكُونُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ غَيْرِ مَكَّةَ فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ مُشِيرَةً إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَتْحَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ عَذَابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بَلْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَانُوا الطُّلَقَاءَ. وَهَذِهِ الْإِشَارَةُ قَدْ علمهَا النبيء ﷺ وَهِيَ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ حَتَّى كَانَ الْمُسْتَقْبِلَ تَأْوِيلَهَا كَمَا عَلِمَ يَعْقُوبُ سِرَّ رُؤْيَا ابْنِهِ يُوسُفَ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ [يُوسُف: ٥] . وَلَمْ يَعْلَمْ يُوسُفُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا يَوْمَ قَالَ: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [يُوسُف: ١٠٠] يُشِيرُ إِلَى سُجُودِ أَبَوَيْهِ لَهُ.

стр. 7956

وَأَمَّا ظَاهِرُ الْآيَةِ الَّذِي تَلَقَّاهُ النَّاسُ يَوْمَ نُزُولِهَا فَهُوَ أَنَّ الْجُنْدَ هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ، أَيْ مَا هُمْ إِلَّا جُنْدٌ مِنَ الْجُنُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَأُهْلِكُوا، وَأَنَّ الْإِشَارَةَ بِ هُنالِكَ إِلَى مَكَانٍ اعْتِبَارِيٍّ وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الرِّفْعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْعُرْفِيَّةِ وَأَنَّ الِانْهِزَامَ مُسْتَعَارٌ لِإِضْعَافِ شَوْكَتِهِمْ، وَعَلَى التفسيرين الظَّاهِر والمؤول لَا تَعْدُو الْآيَةُ أَنْ تَكُونَ تَسْلِيَة للرسول ﷺ وَتَثْبِيتًا لَهُ وَبِشَارَةً بِأَنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْهِمْ. وَالْجُنْدُ: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ قَالَ تَعَالَى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ [البروج: ١٧، ١٨] . وَمَا حَرْفٌ زَائِدٌ يُؤَكِّدُ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ فَهِيَ تَوْكِيدٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ جُنْدٌ بِمَعْنَاهُ، وَتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ جُنْدٌ عَظِيمٌ، لِأَنَّ التَّنْوِينَ وَإِنْ دَلَّ عَلَى التَّعْظِيمِ فَلَيْسَ نَصًّا فَصَارَ بِالتَّوْكِيدِ نَصًّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦] ، فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ مُشِيرَةً إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ فَتَعْظِيمُ جُنْدٌ لِأَنَّ رِجَالَهُ عُظَمَاءُ قُرَيْشٍ مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُشِيرَةً إِلَى يَوْمِ الْأَحْزَابِ فَتَعْظِيمُ جُنْدٌ لِكَثْرَةِ رِجَالِهِ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ. وَوَصْفُ جُنْدٌ بِ مَهْزُومٌ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، أَيْ سَيُهْزَمُ، وَاسْمُ الْمَفْعُولِ كَاسْمِ الْفَاعِلِ مَجَازٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَالْقَرِينَةُ حَالِيَّةٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ مَا هُوَ لِلْحَالِ فِي مَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ فَكَأَنَّهُ مِنَ الْقُرْبِ بِحَيْثُ هُوَ كَالْوَاقِعِ فِي الْحَالِ. والْأَحْزابِ: الَّذِينَ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ يَتَحَزَّبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ. ومِنَ لِلتَّبْعِيضِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجُنْدَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَمِ وَهُوَ تَعْرِيضٌ لَهُمْ بِالْوَعِيدِ بِأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ، قَالَ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [غَافِر: ٣٠، ٣١] .

стр. 7957

[سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ١٢ إِلَى ١٤] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ص: ١١] تَسْلِيَة للنبيء ﷺ وَوَعْدًا لَهُ بِالنَّصْرِ وَتَعْرِيضًا بِوَعِيدِ مُكَذِّبِيهِ بِأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ الْأَحْزَابُ الَّذِينَ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا جِيءَ بِمَا هُوَ كَالْبَيَانِ لِهَذَا التَّعْرِيضِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَصِيرِ الْمَقْصُودِ عَلَى طَرِيقَةِ قِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ: إِمَّا بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ جُنْدٌ مَا هُنالِكَ إِلَخْ، وَإِمَّا اسْتِئْنَافٌ وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَحُذِفَ مَفْعُولُ كَذَّبَتْ لِأَنَّهُ سَيَرِدُ مَا يُبَيِّنُهُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كَمَا سَيَأْتِي. وَخَصَّ فِرْعَوْنَ بِإِسْنَادِ التَّكْذِيبِ إِلَيْهِ دُونَ قَوْمِهِ لِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مُوسَى ﵇ إِلَى فِرْعَوْنَ لِيُطْلِقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَذَّبَ مُوسَى فَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى بِمُجَادِلَةِ فِرْعَوْنَ لِإِبْطَالِ كُفْرِهِ فَتَسَلْسَلَ الْجِدَالُ فِي الْعَقِيدَةِ وَوَجَبَ إِشْهَارُ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فِي ضَلَالٍ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِشُبُهَاتِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ كَانَ فِرْعَوْنُ عَقِبَ ذَلِكَ مُضْمِرًا أَذَى مُوسَى وَمُعْلِنًا بِتَكْذِيبِهِ. وَوُصِفَ فِرْعَوْنُ بِأَنَّهُ بِ ذُو الْأَوْتادِ لِعَظَمَةِ مُلْكِهِ وَقُوَّتِهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَذَابِ اللَّهِ. وَأَصْلُ الْأَوْتادِ أَنَّهُ: جَمْعُ وَتِدٍ بِكَسْرِ التَّاءِ: عُودٌ غَلِيظٌ لَهُ رَأْسٌ مُفَلْطَحٌ يُدَقُّ فِي الْأَرْضِ لِيُشَدَّ بِهِ الطُّنُبُ، وَهُوَ الْحَبْلُ الْعَظِيمُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ شَقَّةُ الْبَيْتِ وَالْخَيْمَةِ فَيُشَدُّ إِلَى الْوَتِدِ وَتُرْفَعُ الشَّقَّةُ عَلَى عِمَادِ الْبَيْتِ قَالَ الْأَفْوَهُ الْأَوْدَيُّ: وَالْبَيْتُ لَا يُبْتَنَى إِلَّا عَلَى عَمَدٍ ... وَلَا عِمَادَ إِذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادِ والْأَوْتادِ فِي الْآيَةِ مُسْتَعَارٌ لِثَبَاتِ الْمُلْكِ وَالْعِزِّ، كَمَا قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الْأَوْتَادِ وَقِيلَ: الْأَوْتادِ: الْبِنَاءَاتُ الشَّاهِقَةُ. وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضِّحَاكِ، سُمِّيَتِ الْأَبْنِيَةُ أَوْتَادًا لِرُسُوخِ أُسُسِهَا فِي الْأَرْضِ.

стр. 7958

وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَتَأَيَّدُ بِمُطَابَقَةِ التَّارِيخِ فَإِنَّ فِرْعَوْنَ الْمَعْنِيَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ (مِنْفِتَاحُ الثَّانِي) الَّذِي خَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ فِي زَمَنِهِ وَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الْعَائِلَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ فِي تَرْتِيبِ الْأُسَرِ الَّتِي تَدَاوَلَتْ مُلْكَ مِصْرَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْعَائِلَةُ مُشْتَهِرَةً بِوَفْرَةِ الْمَبَانِي الَّتِي بَنَاهَا مُلُوكُهَا مِنْ مَعَابِدَ وَمَقَابِرَ وَكَانَتْ مُدَّةُ حُكْمِهِمْ مِائَةً وَأَرْبَعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً مِنْ سَنَةِ (١٤٦٢) قَبْلَ الْمَسِيحِ إِلَى سَنَةِ (١٢٨٨) ق. م. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهْ فِي «تَفْسِيرِهِ» لِلْجُزْءِ الثَلَاثِينَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْفَجْرِ: وَمَا أَجْمَلَ التَّعْبِيرَ عَمَّا تَرَكَ الْمِصْرِيُّونَ مِنَ الْأَبْنِيَةِ الْبَاقِيَةِ بِالْأَوْتَادِ فَإِنَّهَا هِيَ الْأَهْرَامُ وَمَنْظَرُهَا فِي عَيْنِ الرَّائِي مَنْظَرُ الْوَتَدِ الضَّخْمِ الْمَغْرُوزِ فِي الأَرْض ا. هـ. وَأَكْثَرُ الْأَهْرَامِ بُنِيَتْ قَبْلَ زَمَنِ فِرْعَوْنَ مُوسَى مِنْفِتَاحَ الثَّانِي فَكَانَ مِنْفِتَاحُ هَذَا مَالِكَ تِلْكَ الْأَهْرَامِ فَإِنَّهُ يَفْتَخِرُ بِعَظَمَتِهَا وَلَيْسَ يُفِيدُ قَوْلُهُ: ذُو الْأَوْتادِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبَانِيَ تِلْكَ الْأَهْرَامِ. وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ: ذُو النِّيلِ، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ: وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: ٥١] . وَأَمَّا ثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مرّة. وأَصْحابُ الْأَيْكَةِ: هُمْ أَهْلُ مَدْيَنَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُمْ وَتَحْقِيقُ أَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ وَأَنَّهُمْ مُخْتَلِطُونَ مَعَ مَدْيَنَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ. وَتَقْدِيمُ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ عَلَى ثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ لَيْكَةَ مَعَ أَنَّ قِصَّتَهُ حَدَثَتْ بَعْدَ قَصَصِهِمْ لِأَنَّ حَالَهُ مَعَ مُوسَى أَشْبَهُ بِحَالِ زُعَمَاءِ أَهْلِ الشِّرْكِ بِمَكَّةَ مِنْ أَحْوَالِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ قاوم موس بِجَيْشٍ كَمَا قَاوَمَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ بِجُيُوشٍ. وَجُمْلَةُ أُولئِكَ الْأَحْزابُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ وَجُمْلَةِ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْظِيمِ، أَيْ تَعْظِيمِ الْقُوَّةِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْأَحْزابِ اسْتِغْرَاقٌ ادِّعَائِيٌّ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَى الْكَمَالِ مِثْلَ: هُمُ الْقَوْمُ وَأَنْتَ الرَّجُلُ. وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ حَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ، قُصِرَتْ صِفَةُ

стр. 7959

الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِ أُولئِكَ بِادِّعَاءِ الْأُمَمِ وَأَنَّ غَيْرَهُمْ لَمَّا يَبْلُغُوا مَبْلَغَ أَنْ يُعَدُّوا مِنَ الْأَحْزَابِ فَظَاهِرُ الْقِصَرِ وَلَامُ الْكَمَالِ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْكَمَالِ كَقَوْلِ الْأَشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ: وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ وَالْمَعْنَى: أُولَئِكَ الْمَذْكُورُونَ هُمُ الْأُمَمُ لَا تُضَاهِيهِمْ أُمَمٌ فِي الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ. وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِتَخْوِيفِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلْ بِأُولَئِكَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ فِي سُورَةِ غَافِرٍ [٢١، ٢٢] . وَجُمْلَةُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ إِلَى قَوْله: وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ، أَخْبَرَ أَوَّلًا عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا إِلَّا مُكَذِّبِينَ عَلَى وَجْهِ الْحَصْرِ كَأَنَّهُمْ لَا صِفَةَ لَهُمْ إِلَّا تَكْذِيبُ الرُّسُلِ لِتَوَغُّلِهِمْ فِيهَا وَكَوْنِهَا هِجِّيرَاهُمْ. وإِنْ نَافِيَةٌ، وَتَنْوِينُ كُلٌّ تَنْوِينُ عِوَضٍ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ كُلُّهُمْ. وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ فِعْلًا فِي قَوْلِهِ: كَذَّبَ الرُّسُلَ لِيُفِيدَ تَقْدِيمَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَيْهِ تَخْصِيصَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فَحَصَلَ بِهَذَا النّظم تَأْكِيد الْحَصْرِ. وَتَعْدِيَةُ كَذَّبَ إِلَى الرُّسُلَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ إِنَّمَا كَذَّبَتْ رَسُولَهَا، مَقْصُودٌ مِنْهُ تَفْظِيعُ التَّكْذِيبِ لِأَنَّ الْأُمَّةَ إِنَّمَا كَذَّبَتْ رَسُولَهَا مُسْتَنِدَةً لِحُجَّةٍ سُفُسْطَائِيَّةٍ هِيَ اسْتِحَالَةُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنَ الْبَشَرِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَهَذِهِ السَّفْسَطَةُ تَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ جَمِيعَ الرُّسُلِ. وَقَدْ حَصَلَ تَسْجِيلُ التَّكْذِيبِ عَلَيْهِمْ بِفُنُونٍ مِنْ تَقْوِيَةِ ذَلِكَ التَّسْجِيلِ وَهِيَ إِبْهَامُ مَفْعُولِ كَذَّبَتْ فِي قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ثُمَّ تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ وَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ مِنَ الْحَصْرِ، وَمَا فِي تَأْكِيدِهِ بِالْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا كَذَّبَ، وَمَا فِي جَعْلِ الْمُكَذَّبِ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ،

стр. 7960

فَأَنْتَجَ ذَلِكَ التَّسْجِيلُ اسْتِحْقَاقَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: فَحَقَّ عِقابِ، أَيْ عِقَابِي، فَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ وَأُبْقِيَتِ الْكَسْرَةُ فِي حَالَةِ الْوَصْلِ. وَحَقَّ: تَحَقَّقَ، أَيْ كَانَ حَقًّا، لِأَنَّهُ اقْتَضَاهُ عَظِيمُ جُرْمِهِمْ. وَالْعِقَابُ: هُوَ مَا حَلَّ بِكُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ الْغَرَقُ وَالتَّمْزِيقُ بِالرِّيحِ، وَالْغَرَقُ أَيْضًا، وَالصَّيْحَةُ، وَالْخَسْفُ، وَعَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ. وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِعَذَابٍ مِثْلِ عَذَابِ أُولَئِكَ لِاتِّحَادِهِمْ فِي مُوجبه. [١٥] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ١٥] وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَا لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) لَمَّا أَشْعَرَ قَوْلُهُ: فَحَقَّ عِقابِ [ص: ١٤] بِتَهْدِيدِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِعَذَابٍ يَنْتَظِرُهُمْ جَرْيًا عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ فِي جَزَاءِ الْمُكَذِّبِينَ رُسُلَهُ، عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ الْإِخْبَارِ عَنْ حُلُولِ الْعَذَابِ بِالْأَحْزَابِ السَّابِقِينَ جُمْلَةُ تَوَعُّدٍ بِعَذَابِ الَّذِينَ مَاثَلُوهُمْ فِي التَّكْذِيبِ. وهؤُلاءِ إِشَارَةٌ إِلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِأَنَّ تَجَدُّدَ دَعْوَتِهِمْ وَوَعِيدِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ يَوْمًا فَيَوْمًا جَعَلَهُمْ كَالْحَاضِرِينَ فَكَانَتِ الْإِشَارَةُ مَفْهُومًا مِنْهَا أَنَّهَا إِلَيْهِمْ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ اصْطِلَاحَ الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ إِذَا اسْتَعْمَلَ هؤُلاءِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُشَارٌ إِلَيْهِ مَذْكُورٌ: أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى غَيْرَ مَرَّةٍ. ويَنْظُرُ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ قَالَ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الْأَنْعَام: ١٥٨] ، أَيْ مَا يَنْتَظِرُ الْمُشْرِكُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ [يُونُس: ١٠٢] . وَالْمُتَبَادَرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهَا تهديد لَهُم بِصَيْحَةٍ صَاعِقَةٍ وَنَحْوِهَا كَصَيْحَةِ ثَمُودَ أَوْ صَيْحَةِ النَّفْخِ فِي الصُّورِ الَّتِي يَقَعُ عِنْدَهَا الْبَعْثُ لِلْجَزَاءِ، وَلَكِنْ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ آنِفًا مِنْ أَنَّ قَوْلَهَ تَعَالَى: جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ص: ١١] إِيمَاءٌ إِلَى بِشَارَةٍ لرَسُول الله ﷺ بِأَنَّ مُعَانَدِيهِ سَيُهْزَمُونَ وَيَعْمَلُ فِيهِمُ السَّيْفُ يَوْمَ بَدْرٍ، يَقْتَضِي أَنَّ الصَّيْحَةَ

стр. 7961

صَيْحَةُ الْقِتَالِ وَهِيَ أَنْ يَصِيحَ النَّذِيرُ: يَا صَبَاحَاهُ كَمَا صَاحَ الصَّارِخُ بِمَكَّةَ حِينَ تَعَرَّضَ الْمُسْلِمُونَ لِعِيرِ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ. وَوَصْفُهَا بِ واحِدَةً إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّاعِقَةَ عَظِيمَةٌ مُهْلِكَةٌ، أَوْ أَنَّ النَّفْخَةَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَفِي خَفِيِّ الْمَعْنَى إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْقَوْمَ يَبْتَدِرُونَ إِلَى السِّلَاحِ وَيَخْرُجُونَ مُسْرِعِينَ لِإِنْقَاذِ غَيْرِهِمْ فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ الْعَظِيمَةُ وَقْعَةَ يَوْمِ بَدْرٍ أَوْ صَيْحَةَ الْمُبَارِزِينَ لِلْقِتَالِ يَوْمَئِذٍ. وَأُسْنِدَ الِانْتِظَارُ إِلَيْهِمْ فِي حِينِ أَنَّهُمْ غَافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ ومكذبون بِظَاهِرِهِ إِسْنَاد مجازي عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُ بِهِمْ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ الْمَوْعُودُونَ بِالنَّصْرِ، أَوْ يَنْتَظِرُ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِحَشْرِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ، فَلَمَّا كَانُوا مُتَعَلَّقَ الِانْتِظَارِ أُسْنِدَ فِعْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ لِمُلَابَسَةِ الْمَفْعُولِيَّةِ عَلَى نَحْوِ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: ٢١] . وَالْفَوَاقُ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا: اسْمٌ لِمَا بَيْنَ حَلْبَتَيْ حَالِبِ النَّاقَةِ وَرَضْعَتَيْ فَصِيلِهَا، فَإِنَّ الْحَالِبَ يَحْلِبُ النَّاقَةَ ثُمَّ يَتْرُكُهَا سَاعَةً لِيَرْضَعَهَا فَصِيلُهَا لِيَدِرَّ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَحْلِبُونَهَا، فَالْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ تُسَمَّى فَوَاقًا. وَهِيَ سَاعَةٌ قَلِيلَةٌ وَهُمْ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الْحَلْبِ يَتْرُكُونَ الْفَصِيلَ يَرْضَعُهَا لِتَدِرَّ بِاللَّبَنِ. وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ وَالضَّمَّ فِيهِ سَوَاءٌ، وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّ بَيْنَ الْمَفْتُوحِ وَالْمَضْمُومِ فَرْقًا فَقَالَا: الْمَفْتُوحُ بِمَعْنَى الرَّاحَةِ مِثْلَ الْجَوَابِ مِنَ الْإِجَابَةِ، وَالْمَضْمُومُ اسْمٌ لِلْمُدَّةِ. وَاللَّبَنُ الْمُجْتَمِعُ فِي تِلْكَ الْحِصَّةِ يُسَمَّى: الْفَيْقَةَ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَجَمْعُهَا أَفَاوِيقُ. وَمَعْنَى مَا لَها مِنْ فَواقٍ لَيْسَ بَعْدَهَا إِمْهَالٌ بِقَدْرِ الْفَوَاقِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس: ٤٩، ٥٠] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَواقٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِضَم الْفَاء. [١٦] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ١٦] وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) حِكَايَةُ حَالَةِ اسْتِخْفَافِهِمْ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَتَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِ

стр. 7962

الْقُرْآنِ إِيَّاهُمْ فَلَمَّا هَدَّدَهُمُ الْقُرْآنُ بِعَذَابِ اللَّهِ قَالُوا: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ إِظْهَارًا لِعَدَمِ اكْتِرَاثِهِمْ بِالْوَعِيدِ وَتَكْذِيبِهِ، لِئَلَّا يَظُنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اسْتِخْفَافَهُمْ بِالْوَعِيدِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ فَأَبَانُوا لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يصدّقون النبيء ﷺ فِي كُلِّ وَعِيدٍ حَتَّى الْوَعِيدِ بِعَذَابِ الدُّنْيَا الَّذِي يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ فِي تَصَرُّفِ اللَّهِ. فَالْقَوْلُ هَذَا قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَحُكِيَ عَنْهُمْ هُنَا إِظْهَارًا لِرِقَاعَتِهِمْ وَتَصَلُّبِهِمْ فِي الْكُفْرِ. وَهَذَا الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ أُصُولِ كُفْرِهِمُ الْمُتَقَدَّمِ ذِكْرُهَا وَهُوَ إِنْكَارُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] فَذَكَرَ قَوْلَهُمْ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: ٥] ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُمْ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: ٨] وَمَا عَقَبَهُ مِنْ عَوَاقِبِ مِثْلِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، أَفْضَى الْقَوْلُ إِلَى أَصْلِهِمُ الثَّالِثِ. قِيلَ: قَائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقِيلَ: أَبُو جَهْلٍ وَالْقَوْمُ حَاضِرُونَ رَاضُونَ فَأُسْنِدَ الْقَوْلُ إِلَى الْجَمِيعِ. وَالْقِطُّ: هُوَ الْقِسْطُ مِنَ الشَّيْءِ، وَيُطْلَقُ عَلَى قِطْعَةٍ مِنَ الْوَرَقِ أَوِ الرَّقِّ أَوِ الثَّوْبِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا الْعَطَاءُ لِأَحَدٍ وَلِذَلِكَ يُفَسَّرُ بِالصَّكِّ، وَقَدْ قَالَ الْمُتَلَمِّسُ فِي صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ يُوهِمُهُ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالْعَطَاءِ وَإِنَّمَا هِيَ أَمْرٌ بِقَتْلِهِ وَعَرَفَ الْمُتَلَمِّسُ مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ فَأَلْقَاهَا فِي النَّهْرِ وَقَالَ فِي صَحِيفَتِهِ الْمَضْرُوبِ بِهَا الْمَثَلُ: وَأَلْقَيْتُهَا بِالثِّنْيِ مِنْ جَنْبِ كَافِرٍ ... كَذَلِكَ يَلْقَى كُلُّ قِطٍّ مُضَلَّلِ فَالْقِطُّ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُكْتَبُ فِيهِ عَطَاءٌ أَوْ عِقَابٌ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ وَرَقَةُ الْعَطَاءِ، قَالَ الْأَعْشَى: وَلَا الْمَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمًا لَقِيتُهُ ... بِأُمَّتِهِ يُعْطِي الْقُطُوطَ وَيَأْفِقُ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا عَنَوْا عَجِّلْ لَنَا النَّعِيمَ الَّذِي وَعَدْتَنَا بِهِ عَلَى الْإِيمَانِ حَتَّى نَرَاهُ الْآنَ فَنُوقِنَ. وَعَلَى تَسْلِيمِ اخْتِصَاصِ الْقِطِّ بِصَكِّ الْعَطَاءِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قَصْدِهِمْ

стр. 7963

تَعْجِيلَ الْعِقَابِ بِأَنْ يَكُونُوا سَمَّوُا الْحَظَّ مِنَ الْعِقَابِ قِطًّا عَلَى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ إِذْ جَعَلَ الْقِتَالَ قِرًى: قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونَا فَيَكُونُونَ قَدْ أَدْمَجُوا تَهَكُّمًا فِي تَهَكُّمٍ إِغْرَاقًا فِي التَّهَكُّمِ. وَتَسْمِيَتُهُمْ يَوْمِ الْحِسابِ أَيْضًا مِنَ التَّهَكُّمِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ بِالْحِسَابِ. [١٧- ٢٠] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ١٧ إِلَى ٢٠] اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) أعقب حِكَايَةُ أَقْوَالِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] إِلَى هُنَا، بِأَمْرِ الله رَسُوله ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَى أَقوَالِهِمْ إِذْ كَانَ جَمِيعُهَا أَذًى: إِمَّا صَرِيحًا كَمَا قَالُوا: ساحِرٌ كَذَّابٌ وَقَالُوا: إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص: ٧] إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ [ص: ٦] ، وَإِمَّا ضِمْنًا وَذَلِكَ مَا فِي سَائِرِ أَقْوَالِهِمْ مِنْ إِنْكَارِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ص: ١٦] مِنْ إِثْبَاتِ أَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَيَشْمَلُ مَا يَقُولُونَهُ مِمَّا لَمْ يُحْكَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وَقَوْلُهُ: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ إِلَى آخِرِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ بِأَنْ أَتْبَعَ أَمْرَهُ بِالصَّبْرِ وَبِالِائْتِسَاءِ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ فِيمَا لَقُوهُ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ كَانَتْ لَهُمْ عَاقِبَةُ النَّصْرِ وَكَشْفُ الْكَرْبِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ عطف الْقِصَّة على الْقِصَّةِ وَالْغَرَضُ هُوَ هُوَ. وَابْتُدِئَ بِذِكْرِ دَاوُدَ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ مُلْكًا وَسُلْطَانًا لَمْ يَكُنْ لِآبَائِهِ فَفِي ذِكْرِهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ شَأْن مُحَمَّد ﷺ سَيَصِيرُ إِلَى الْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَفٌ وَلَا جُنْدٌ فَقَدْ كَانَ حَال النبيء ﷺ أَشْبَهَ بِحَالِ دَاوُدَ ﵇. وَأُدْمِجَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ الْإِيمَاءُ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الضَّجَرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَاتِّقَاءِ

стр. 7964

مُرَاعَاةِ حُظُوظِ النَّفْسِ فِي سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ إبعادا لرَسُوله ﷺ عَنْ مَهَاوِي الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَتَأْدِيبًا لَهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ وَآخِرِهِ مِمَّا أَنْ يَتَلَقَّى بِالْعَذَلِ. وَكَانَ دَاوُدُ أَيْضًا قَدْ صَبَرَ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنْ حَسَدِ شَاوِلَ (طَالُوتَ) مَلِكِ إِسْرَائِيلَ إِيَّاهُ عَلَى انْتِصَارِهِ عَلَى جَالُوتَ مَلِكِ فِلَسْطِينَ. فَالْمَصْدَرُ الْمُتَصَرِّفُ مِنْهُ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ هُوَ الذُّكْرُ بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ وَلَيْسَ هُوَ ذِكْرَ اللِّسَانِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمر النبيء ﷺ بِذَلِكَ لِتَسْلِيَتِهِ وَحِفْظِ كَمَالِهِ لَا لِيُعْلِمَهُ الْمُشْرِكِينَ وَلَا لِيُعْلِمَهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ حَاصِلٌ تَبَعًا حِينَ إِبْلَاغِ الْمُنَزَّلِ فِي شَأْنِ دَاوُدَ إِلَيْهِمْ وَقِرَاءِتِهِ عَلَيْهِمْ. وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِتَذَكُّرِ ذَلِكَ تَذَكُّرُ مَا سَبَقَ إِعْلَام النبيء ﷺ بِهِ مِنْ فَضَائِلِهِ وَتَذْكِيرُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْلَمْهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَوَصْفُ دَاوُدَ بِ عَبْدَنا وَصْفُ تَشْرِيفٍ بِالْإِضَافَةِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [٤٠] . والْأَيْدِ: الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، مَصْدَرُ: آدَ يَئِيدُ، إِذَا اشْتَدَّ وَقَوِيَ، وَمِنْهُ التَّأْيِيدُ التقوية، قَالَ تَعَالَى: فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٢٦] . وَكَانَ دَاوُدُ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةً نَادِرَةً وَشَجَاعَةً وَإِقْدَامًا عَجِيبَيْنِ وَكَانَ يَرْمِي الْحَجَرَ بالمقلاع فَلَا يخطىء الرَّمْيَةَ، وَكَانَ يَلْوِي الْحَدِيدَ لِيَصْنَعَهُ سَرْدًا لِلدُّرُوعِ بِأَصَابِعِهِ، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ مَحْمُودَةٌ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا فِي نَصْرِ دِينِ التَّوْحِيدِ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُ أَوَّابٌ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِذِكْرِهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِقَصْدِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَام: ٩٠] ، فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَاذْكُرْ وَجُمْلَةِ بَيَانِهَا وَهِيَ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ. وَالْأَوَّابُ: الْكَثِيرُ الْأَوْبِ، أَيِ الرُّجُوعِ. وَالْمُرَادُ: الرُّجُوعُ إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِهِ وَتَدَارُكُ مَا فَرَّطَ فِيهِ. وَالتَّائِبُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْأَوَّابُ، وَهُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ وَهُوَ مَجَازٌ وَلَا تُسَمَّى التَّوْبَة أوبا، و «زبور» دَاوُدَ الْمُسَمَّى عِنْد الْيَهُود ب «المزامير» مُشْتَمِلٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ التَّوْبَةِ.

стр. 7965

وَجُمْلَةُ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيِ اذْكُرْ فَضَائِلَهُ وَمَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ مِنْ تَسْخِيرِ الْجِبَالِ وَكَيْتَ وَكَيْتَ، ومَعَهُ ظَرْفٌ لِ يُسَبِّحْنَ، وَقُدِّمَ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِمَعِيَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَيْسَ ظَرْفًا لِ سَخَّرْنَا لِاقْتِضَائِهِ، وَتَقَدَّمَ تَسْخِيرُ الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ لِدَاوُدَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ حَالٌ. وَاخْتِيرَ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ دُونَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الشَّأْنُ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ أُرِيدَ الدَّلَالَةُ عَلَى تَجَدُّدِ تَسْبِيحِ الْجِبَالِ مَعَهُ كُلَّمَا حَضَرَ فِيهَا، وَلِمَا فِي الْمُضَارع من استحضار تِلْكَ الْحَالَةَ الْخَارِقَةَ لِلْعَادَةِ. وَالتَّسْبِيحُ أَصْلُهُ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الذِّكْرِ وَعَلَى الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُول الله ﷺ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الصُّبْحِ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا هُنَا لِأَنَّ الْجِبَالَ لَا تُصَلِّي وَالطَّيْرُ كَذَلِكَ وَلِأَنَّ دَاوُدَ لَا يُصَلِّي فِي الْجِبَالِ إِذِ الصَّلَاةُ فِي شَرِيعَتِهِمْ لَا تَقَعُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ فَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ. وَالْعَشِيُّ: مَا بَعْدَ الْعَصْرِ. يُقَالُ: عَشِيٌّ وَعَشِيَّةٌ. والْإِشْراقِ: وَقْتُ ظُهُورِ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَاضِحًا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ وَقْتُ الضُّحَى، يُقَالُ: أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ وَلَا يُقَالُ: أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ مِنْ بَابِ قَعَدَ، وَلِذَلِكَ كَانَ قِيَاسُ الْمَكَانِ مِنْهُ الْمَشْرَقَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَلكنه لم يجىء إِلَّا بِكَسْرِ الرَّاءِ. وَوَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ هُوَ الشُّرُوقُ وَوَقْتُ الْإِشْرَاقِ الضُّحَى، يُقَالُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ وَلَمَّا تُشْرِقْ، وَيُقَالُ: كُلَّمَا ذَرَّ شَارِقٌ، أَيْ كُلَّمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَالْبَاءُ فِي بِالْعَشِيِّ لِلظَّرْفِيَّةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشْرَاقِ وَقْتُ الْإِشْرَاقِ. وَالْمَحْشُورَةُ: الْمُجْتَمِعَةُ حَوْلَهُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ الزَّبُورَ. وَانْتَصَبَ مَحْشُورَةً عَلَى الْحَالِ مِنَ الطَّيْرَ. وَلَمْ يُؤْتَ فِي صِفَةِ الطَّيْرِ بِالْحَشْرِ بِالْمُضَارِعِ كَمَا جِيءَ بِهِ فِي يُسَبِّحْنَ إِذِ الْحَشْرُ يَكُونُ دُفْعَةً فَلَا يَقْتَضِي الْمَقَامُ دَلَالَةً عَلَى تَجَدُّدٍ وَلَا عَلَى اسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ. وَتَنْوِينُ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَالتَّقْدِيرُ: كُلُّ الْمَحْشُورَةِ لَهُ

стр. 7966

أَوَّابٌ، أَيْ كَثِيرُ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، أَيْ يَأْتِيهِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ لَهُ لِأَنَّ شَأْنَ الطَّيْرِ النُّفُورُ مِنَ الْإِنْسِ. وَكَلِمَةُ كُلٌّ عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهَا مِنَ الشُّمُولِ. وأَوَّابٌ هَذَا غَيْرُ أَوَّابٌ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ أَوَّابٌ فَلَمْ تَتَكَرَّرِ الْفَاصِلَةُ. وَاللَّامُ فِي لَهُ أَوَّابٌ لَامُ التَّقْوِيَةِ، وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِالضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ. وَالشَّدُّ: الْإِمْسَاكُ وَتَمَكُّنُ الْيَدِ مِمَّا تَمْسِكُهُ، فَيَكُونُ لِقَصْدِ النَّفْعِ كَمَا هُنَا، وَيَكُونُ لِقَصْدِ الضُّرِّ كَقَوْلِهِ: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فِي سُورَة [يُونُس: ٨٨] . فَشَدُّ الْمَلِكِ هُوَ تَقْوِيَةُ مُلْكِهِ وَسَلَامَتُهُ مِنْ أَضْرَارِ ثَوْرَةٍ لَدَيْهِ وَمِنْ غَلَبَةِ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ فِي حُرُوبِهِ. وَقَدْ مَلَكَ دَاوُدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَمَاتَ وَعُمُرُهُ سَبْعُونَ سَنَةً فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابِتٍ. والْحِكْمَةَ: النُّبُوءَةُ. وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَعَمِّ: الْعِلْمُ بِالْأَشْيَاءِ كَمَا هِيَ وَالْعَمَلُ بِالْأُمُورِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَقَدِ اشْتَمَلَ كِتَابُ «الزَّبُورِ» عَلَى حِكَمٍ جَمَّةٍ. وفَصْلَ الْخِطابِ: بَلَاغَةُ الْكَلَامِ وَجَمْعُهُ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ سَامِعُهُ إِلَى زِيَادَةِ تِبْيَانٍ، وَوَصْفُ الْقَوْلِ بِ (الْفَصْل) وصف بِالْمَصْدَرِ، أَيْ فَاصِلٍ. وَالْفَاصِلُ: الْفَارِقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَهُوَ ضِدُّ الْوَاصِلِ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى مَا يُمَيِّزُ شَيْئًا عَنِ الِاشْتِبَاهِ بِضِدِّهِ. وَعَطْفُهُ هُنَا عَلَى الْحِكْمَةِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَهُ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [النبأ: ١٧] . وَالْمَعْنَى: أَنَّ دَاوُدَ أُوتِيَ مِنْ أَصَالَةِ الرَّأْيِ وَفَصَاحَةِ الْقَوْلِ مَا إِذَا تَكَلَّمَ جَاءَ بِكَلَامٍ فَاصْلٍ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ شَأْنُ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحُكَمَاءِ، وَحَسْبُكَ بِكِتَابِهِ «الزَّبُورِ» الْمُسَمَّى عِنْد الْيَهُود ب «المزامير» فَهُوَ مَثَلٌ فِي بَلَاغَةِ الْقَوْلِ فِي لُغَتِهِمْ. وَعَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: فَصْلَ الْخِطابِ هُوَ قَوْلُهُ فِي خُطَبِهِ «أَمَّا بَعْدُ» قَالَ: وَدَاوُدُ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلَا أَحْسَبُ هَذَا صَحِيحًا لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَلَا

стр. 7967

يُعْرَفُ فِي كِتَابِ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ مَا هُوَ بِمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ، وَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فَصْلَ الْخِطَابِ عِنْدَ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا تَقَعُ بَيْنَ مُقَدِّمَةِ الْمَقْصُودِ وَبَيْنَ الْمَقْصُودِ. فَالْفَصْلُ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ مِنَ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ، وَالْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ. وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ» هُوَ سُحْبَانُ وَائِلٍ خَطِيبُ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: فَصْلَ الْخِطابِ الْقَضَاءُ بَيْنَ الْخُصُومِ وَهَذَا بَعِيدٌ إِذْ لَا وَجْهَ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْخِطَابِ. وَاعْلَمْ أَن مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ أُعْطِيَ مِنْ كُلِّ مَا أُعْطِيَ دَاوُدُ فَكَانَ أَوَّابًا، وَهُوَ الْقَائِلُ: «إِنِّي لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ، وَسَخَّرَ لَهُ جَبَلَ حِرَاءٍ عَلَى صُعُوبَةِ مَسَالِكِهِ فَكَانَ يَتَحَنَّثُ فِيهِ إِلَى أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ فِي غَارِ ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ جِبَالُ مَكَّةَ أَنْ تَصِيرَ لَهُ ذَهَبًا فَأَبَى وَاخْتَارَ الْعُبُودِيَّةَ وَسُخِّرَتْ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ الْحَمَامُ فَبَنَتْ وَكْرَهَا عَلَى غَارِ ثَوْرٍ مُدَّةَ اخْتِفَائِهِ بِهِ مَعَ الصّديق فِي مسير هما فِي الْهِجْرَةِ. وَشَدَّ اللَّهُ مُلْكَ الْإِسْلَامِ لَهُ، وَكَفَاهُ عَدُوَّهُ مِنْ قَرَابَتِهِ مِثْلَ أَبِي لَهَبٍ وَابْنِهِ عُتْبَةَ وَمِنْ أَعْدَائِهِ مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ، وَآتَاهُ الْحِكْمَةَ، وَآتَاهُ فَصْلَ الْخِطَابِ قَالَ: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَ لِيَ الْكَلَامُ اخْتِصَارًا» بَلْهَ مَا أُوتِيَهُ الْكِتَابِ الْمُعْجِزِ بُلَغَاءَ الْعَرَبِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْقُرْآنِ: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٣، ١٤] . [٢١- ٢٥] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٢١ الى ٢٥] وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لَا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لَا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ جُمْلَةُ وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِلَى آخِرِهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ [ص: ١٨] . وَالْإِنْشَاءُ هُنَا فِي مَعْنَى الْخَبَرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ قَصَّتْ شَأْنًا مِنْ شَأْنِ دَاوُدَ مَعَ رَبِّهِ تَعَالَى فَهِيَ نَظِيرُ مَا قَبْلَهَا.

стр. 7968

وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ أَوْ فِي الْبَحْثِ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ مَعْلُومَة للنبيء ﷺ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّعْجِيبِ وَإِنْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ عَهْدِهِ بِعِلْمِهَا كَانَ الِاسْتِفْهَامُ لِلْحَثِّ مِثْلُ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [الْغَاشِيَةِ: ١] . وَالْخِطَابُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ سَامِعٍ وَالْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ قَائِمَانِ. وَالنَّبَأُ: الْخَبَرُ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْخَصْمِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيْ عَهْدِ فَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسِهِ أَيْ نَبَأِ خَصْمٍ مُعَيَّنٍ هَذَا خَبَرُهُ، وَهَذَا مِثْلُ التَّعْرِيفِ فِي ادْخُلِ السُّوقَ. وَالْخِصَامُ وَالِاخْتِصَامُ: الْمُجَادَلَةُ وَالتَّدَاعِي، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: هذانِ خَصْمانِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ [١٩] . والْخَصْمِ: اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَأَكْثَرَ، وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا خَصْمَانِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ خَصْمانِ. وَتَسْمِيَتُهُمَا بِالْخَصْمِ مَجَازٌ بِعَلَاقَةِ الصُّورَةِ وَهِيَ مِنْ عَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فِي الذَّاتِ لَا فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَعَادَةُ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ أَنْ يُمَثِّلُوهَا بِقَوْلِ الْقَائِلِ إِذَا رَأَى صُورَةَ أَسَدٍ: هَذَا أَسد. وَضمير الْجمع مُرَادٌ بِهِ الْمُثَنَّى، وَالْمَعْنَى: إِذْ تَسَوَّرَا الْمِحْرَابَ، وَالْعَرَبُ يَعْدِلُونَ عَنْ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ إِلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لِأَنَّ فِي صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ثِقَلًا لِنُدْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا، قَالَ تَعَالَى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التَّحْرِيم: ٤] أَيْ قَلْبَاكُمَا. وإِذْ تَسَوَّرُوا إِذَا جُعِلَتْ إِذْ ظَرْفًا لِلزَّمَنِ الْمَاضِي فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْخَصْمِ، وَالتَّقْدِيرُ: تَحَاكَمَ الْخَصْمُ حِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ لِدَاوُدَ. وَلَا يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ أَتاكَ وَلَا بِ نَبَأُ لِأَنَّ النَّبَأَ الْمُوَقَّتَ بِزَمَنِ تَسَوُّرِ الْخَصْمِ مِحْرَابَ دَاوُدَ لَا يَأْتِي النبيء ﷺ . وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ إِذْ اسْمًا لِلزَّمَنِ الْمَاضِي مُجَرَّدًا عَنِ الظَّرْفِيَّةِ وَتَجْعَلَهُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنَ الْخَصْمِ لِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها [مَرْيَم: ١٦] ، فَالْخَصْمُ مُشْتَمِلٌ عَلَى زَمَنِ تَسَوُّرِهِمُ الْمِحْرَابَ، وَخُرُوجُ إِذْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِوُقُوعِهَا مَفْعُولًا بِهِ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فَيَكُونُ ظَرْفًا وَغَيْرَ ظَرْفٍ.

стр. 7969

وَالتَّسَوُّرُ: تَفَعُّلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّورِ، وَهُوَ الْجِدَارُ الْمُحِيطُ بِمَكَانٍ أَوْ بَلَدٍ يُقَالُ: تَسَوَّرَ، إِذَا اعْتَلَى عَلَى السُّورِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: تَسَنَّمَ جَمَلَهُ، إِذَا عَلَا سَنَامَهُ، وَتَذَرَّأَهُ إِذَا عَلَا ذُرْوَتَهُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الِاشْتِقَاقِ قَوْلُهُمْ: صَاهَى، إِذَا رَكِبَ صَهْوَةَ فَرَسِهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ بَيْتَ عِبَادَةِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ مَحُوطًا بِسُورٍ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْ حَارِسِ السُّورِ. والْمِحْرابَ: الْبَيْتُ الْمُتَّخَذُ لِلْعِبَادَةِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ [١٣] . وإِذْ دَخَلُوا بَدَلٌ مِنْ إِذْ تَسَوَّرُوا لِأَنَّهُمْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ لِلدُّخُولِ عَلَى دَاوُدَ. وَالْفَزَعُ: الذُّعْرُ، وَهُوَ انْفِعَالٌ يَظْهَرُ مِنْهُ اضْطِرَابٌ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ تَوَقُّعِ شِدَّةٍ أَوْ مُفَاجَأَةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [١٠٣] . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» : إِنْ قِيلَ: لِمَ فَزِعَ دَاوُدُ وَقَدْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ بِالنُّبُوءَةِ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ الْعِصْمَةَ وَلَا الْأَمْنَ مِنَ الْقَتْلِ وَكَانَ يَخَافُ مِنْهُمَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى لَا تَخَفْ وَقَبْلَهُ قِيلَ لِلُوطٍ. فَهُمْ مُؤَمَّنُونَ مِنْ خَوْفِ مَا لَمْ يَكُنْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ مِنْهُ مَعْصُومُونَ اه. وَحَاصِلُ جَوَابِهِ: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ عَرَضَ لِلْأَنْبِيَاءِ إِذْ لَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ مِنْ إِصَابَةِ الضُّرِّ حَتَّى يُؤَمِّنَ اللَّهُ أَحَدَهُمْ فَيَطْمَئِنَّ وَاللَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْ دَاوُدَ فَلِذَلِكَ فَزِعَ. وَهُوَ جَوَابٌ غَيْرُ تَامِّ الْإِقْنَاعِ لِأَنَّ السُّؤَالَ تَضَمَّنَ قَوْلَ السَّائِلِ وَقَدْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ بِالنُّبُوءَةِ فَجَعَلَ السَّائِلُ انْتِفَاءَ تَطَرُّقِ الْخَوْفِ إِلَى نُفُوسِ الْأَنْبِيَاءِ أَصْلًا بَنَى عَلَيْهِ سُؤَالَهُ، وَهُوَ أَجَابَ بِانْتِفَاءِ التَّأْمِينِ فَلَمْ يُطَابِقْ سُؤَالَ السَّائِلِ. وَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَنْفِيَ فِي الْجَوَابِ سَلَامَةَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ تَطَرُّقِ الْخَوْفِ إِلَيْهِمْ. وَالْأَحْسَنُ أَنْ نُجِيبَ: أَوَّلًا: بِأَنَّ الْخَوْفَ انْفِعَالٌ جِبْلِيٌّ وَضَعَهُ اللَّهُ فِي أَحْوَالِ النُّفُوسِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَكْرُوهِ فَلَا تَخْلُو مِنْ بَوَادِرِهِ نُفُوسُ الْبَشَرِ فَيَعْرِضُ لَهَا ذَلِك الانفعال بادىء ذِي بَدْءٍ ثُمَّ يَطْرَأُ

стр. 7970

عَلَيْهِ ثَبَاتُ الشَّجَاعَةِ فَتَدْفَعُهُ عَلَى النَّفْسِ وَنُفُوسُ النَّاسِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي دَوَامِهِ وَانْقِشَاعِهِ، فَأَمَّا إِذَا أَمَّنَ اللَّهُ نَبِيئًا فَذَلِكَ مَقَامٌ آخَرُ كَقَوْلِهِ لِمُوسَى لَا تَخَفْ وَقَوله للنبيء ﷺ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [الْبَقَرَة: ١٣٧] . وَثَانِيًا: بِأَنَّ الَّذِي حَصَلَ لِدَاوُدَ ﵇ فَزَعٌ وَلَيْسَ بِخَوْفٍ. وَالْفَزَعُ أَعَمُّ مِنَ الْخَوْفِ إِذْ هُوَ اضْطِرَابٌ يحصل من الْإِحْسَان بِشَيْءٍ شَأْنُهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ خُسُوفِ الشَّمْسِ «أَنَّ رَسُول الله ﷺ خَرَجَ فَزِعًا، أَيْ مُسْرِعًا مُبَادِرًا لِلصَّلَاةِ تَوَقُّعًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخُسُوفُ نَذِيرَ عَذَابٍ» ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُرْآنُ فَفَزِعَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقُلْ: خَافَ. وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الذاريات: ٢٨] أَيْ تَوَجُّسًا مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْخَوْفِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْخَصْمِ لِدَاوُدَ لَا تَخَفْ فَهُوَ قَوْلٌ يَقُولُهُ الْقَادِمُ بِهَيْئَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُرِيبَ النَّاظِرَ. وَثَالِثًا: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَأْمُورُونَ بِحِفْظِ حَيَاتِهِمْ لِأَنَّ حَيَاتَهُمْ خَيْرٌ لِلْأُمَّةِ فَقَدْ يَفْزَعُ النَّبِيءُ مِنْ تَوَقُّعِ خَطَرٍ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي هَلَاكِهِ فَيَنْقَطِعَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِأُمَّتِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَن النبيء ﷺ أَرِقَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ جِئْتُ لِأَحْرُسَكَ. قَالَتْ: فَنَامَ النبيء ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ: أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ يحرس النبيء ﷺ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [الْمَائِدَة: ٦٧] فَتُرِكَتِ الْحِرَاسَةُ. وَمَعْنَى بَغى بَعْضُنا اعْتَدَى وَظَلَمَ. وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِ خَصْمانِ وَالرَّابِطُ ضَمِيرُ بَعْضُنا، وَجَاءَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ رَعْيًا لِمَعْنَى خَصْمانِ. وَلَمْ يُبَيِّنَا الْبَاغِيَ مِنْهُمَا لِأَنَّ مَقَامَ تَسْكِينِ رَوْعِ دَاوُدَ يَقْتَضِي الْإِيجَازَ بِالْإِجْمَالِ ثُمَّ يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ، وَلِإِظْهَارِ الْأَدَبِ مَعَ الْحَاكِمِ فَلَا يَتَوَلَّيَانِ تَعْيِينَ الْبَاغِي مِنْهُمَا بَلْ يَتْرُكَانِهِ لِلْحَاكِمِ يُعَيِّنُ الْبَاغِيَ مِنْهُمَا فِي حُكْمِهِ حِينَ قَالَ لِأَحَدِهِمَا: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ. وَالْفَاءُ فِي فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: خَصْمانِ لِأَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ

стр. 7971

السَّلَامُ لَمَّا كَانَ مَلِكًا وَكَانَ اللَّذَانِ حَضَرَا عِنْدَهُ خَصْمَيْنِ كَانَ طَلَبُ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا مُفَرَّعًا عَلَى ذَلِكَ. وَالْبَاءُ فِي بِالْحَقِّ لِلْمُلَابَسَةِ، وَهِيَ مُتَعَلقَة ب فَاحْكُمْ. وَهَذَا مُجَرَّدُ طَلَبٍ مِنْهُمَا لِلْحَقِّ كَقَوْلِ الرجل للنبيء ﷺ الَّذِي افْتَدَى ابْنَهُ مِمَّنْ زَنَى بِامْرَأَتِهِ: فاحْكُمْ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. وَالنَّهْيُ فِي لَا تُشْطِطْ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّذْكِيرِ وَالْإِرْشَادِ. وتُشْطِطْ: مُضَارِعُ أَشَطَّ، يُقَالُ: أَشَطَّ عَلَيْهِ، إِذَا جَارَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّطَطِ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالْقَدْرِ الْمُتَعَارَفِ. وَمُخَاطَبَةُ الْخَصْمِ دَاوُدَ بِهَذَا خَارِجَةٌ مَخْرَجَ الْحِرْصِ عَلَى إِظْهَارِ الْحَقِّ وَهُوَ فِي مَعْنَى الذِّكْرَى بِالْوَاجِبِ فَلِذَلِكَ لَا يُعَدُّ مِثْلُهَا جَفَاءً لِلْحَاكِمِ وَالْقَاضِي، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي. وَصُدُورُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ أَقْرَبُ إِلَى مَعْنَى التَّذْكِيرِ وَأَبْعَدُ عَنِ الْجَفَاءِ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْجَفَاءِ كَالَّذِي قَالَ للنبيء ﷺ فِي قِسْمَةٍ قَسَّمَهَا «اعْدِلْ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» . وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي قَوْلِ الْخَصْمِ لِلْقَاضِي: (اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي) إِنَّهُ لَا يُعَدُّ جَفَاءً لِلْقَاضِي وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَيْهِ كَمَا يُعَاقِبُ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ. وَأَفْتَى مَالِكٌ بِسَجْنِ فَتًى، فَقَالَ أَبُوهُ لِمَالِكٍ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مَالك، فو الله مَا خُلِقَتِ النَّارُ بَاطِلًا، فَقَالَ مَالِكٌ: مِنَ الْبَاطِلِ مَا فَعَلَهُ ابْنُكَ. فَهَذَا فِيهِ زِيَادَةٌ بالتعريض بقوله فو الله مَا خُلِقَتِ النَّارُ بَاطِلًا. وَقَوْلُهُمَا: وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ يَصْرِفُ عَنْ إِرَادَةِ الْجَفَاءِ مِنْ قَوْلِهِمَا: وَلا تُشْطِطْ لِأَنَّهُمَا عَرَفَا أَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا وَأَنَّهُمَا تَطَلَّبَا مِنْهُ الْهُدَى. وَالْهُدَى: هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْبَيَانِ وَإِيضَاحِ الصَّوَابِ. وسَواءِ الصِّراطِ: مُسْتَعَارٌ لِلْحَقِّ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الصِّرَاطَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ، وَالسَّوَاءُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي لَا الْتِوَاءَ فِيهِ وَلَا شَعْبَ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ فَهُوَ أَسْرَعُ إِيصَالًا إِلَى الْمَقْصُودِ بِاسْتِوَائِهِ وَأَبْعَدُ عَنِ الِالْتِبَاسِ بِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّشَعُّبِ.

стр. 7972

وَمَجْمُوعُ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْحَاكِمِ بِالْعَدْلِ بِحَالِ الْمُرْشِدِ الدَّالِّ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ فَهُوَ مِنَ التَّمْثِيلِ الْقَابِلِ تَجْزِئَةَ التَّشْبِيهِ فِي أَجْزَائِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي الْعَدْلِ يُحْمَلُ عَلَى الْجَرْيِ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ الْحُكْمَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْحَقِّ شَرْعًا لِأَنَّهُ هَدْيٌ فَهُوَ وَالْفُتْيَا سَوَاءٌ فِي أَنَّهُمَا هُدًى إِلَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ إِلْزَامٌ. وَمَعْنَى أَكْفِلْنِيها اجْعَلْهَا فِي كَفَالَتِي، أَيْ حِفْظِي وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِعْطَاءِ وَالْهِبَةِ، أَيْ هَبْهَا لِي. وَجُمْلَةُ إِنَّ هَذَا أَخِي إِلَى آخِرِهَا بَيَانٌ لِجُمْلَةِ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ وَظَاهِرُ الْأَخِ أَنَّهُمَا أَرَادَا أُخُوَّةَ النَّسَبِ. وَقَدْ فَرَضَا أَنْفُسَهُمَا أَخَوَيْنِ وَفَرَضَا الْخُصُومَةَ فِي مُعَامَلَاتِ الْقَرَابَةِ وَعَلَاقَةِ النَّسَبِ وَاسْتِبْقَاءِ الصِّلَاتِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ إِنَّ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ اسْتِفْظَاعِ اعْتِدَائِهِ عَلَيْهِ. وعَزَّنِي غَلَبَنِي فِي مُخَاطَبَتِهِ، أَيْ أَظْهَرَ فِي الْكَلَامِ عِزَّةً عَلِيَّ وَتَطَاوُلًا. فَجَعَلَ الْخِطَابَ ظَرْفًا لِلْعِزَّةِ مَجَازًا لِأَنَّ الْخِطَابَ دَلَّ عَلَى الْعِزَّةِ وَالْغَلَبَةِ فَوَقَعَ تَنْزِيلَ الْمَدْلُولِ مَنْزِلَةَ الْمَظْرُوفِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ نَعْجَتَهُ، وَلَمَّا رَأَى مِنْهُ تَمَنُّعًا اشْتَدَّ عَلَيْهِ بِالْكَلَامِ وَهَدَّدَهُ، فَأَظْهَرَ الْخَصْمُ الْمُتَشَكِّي أَنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَوَاصِرِ الْقَرَابَةِ فَشَكَاهُ إِلَى الْمَلِكِ لِيَصُدَّهُ عَنْ مُعَامَلَةِ أَخِيهِ مُعَامَلَةَ الْجَفَاءِ وَالتَّطَاوُلِ لِيَأْخُذَ نَعْجَتَهُ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَوْضِعَ هَذَا التَّحَاكُمِ طَلَبُ الْإِنْصَافِ فِي مُعَامَلَةِ الْقَرَابَةِ لِئَلَّا يُفْضِيَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ إِلَى التَّوَاثُبِ فَتَنْقَطِعَ أَوَاصِرُ الْمَبَرَّةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَهُمْ. وَقَدْ عَلِمَ دَاوُدُ مِنْ تَسَاوُقِهِمَا لِلْخُصُومَةِ وَمِنْ سُكُوتِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ عَلَى مَا وَصَفَهُ الْحَاكِي مِنْهُمَا، أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدِ اعْتَرَفَ. فَحَكَمَ دَاوُدُ بِأَنَّ سُؤَالَ الْأَخِ أَخَاهُ نَعْجَتَهُ ظُلْمٌ لِأَنَّ السَّائِلَ فِي غِنًى عَنْهَا وَالْمَسْئُولُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا فَرَغْبَةُ السَّائِلِ فِيمَا بِيَدِ أَخِيهِ مِنْ فَرْطِ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ

стр. 7973

وَاجْتِلَابِ النَّفْعِ لِلنَّفْسِ بِدُونِ اكْتِرَاثٍ بِنَفْعِ الْآخَرِ. وَهَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِ التَّحَابِّ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ وَالْإِنْصَافِ مِنْهُمَا فَهُوَ ظُلْمٌ وَمَا كَانَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَسْأَلَهُ ذَلِكَ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ، وَلِأَنَّهُ تَطَاوَلَ عَلَيْهِ فِي الْخِطَابِ وَلَامَهُ عَلَى عَدَمِ سَمَاحِ نَفْسِهِ بِالنَّعْجَةِ، وَهَذَا ظُلْمٌ أَيْضًا. وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ: بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ لِلتَّعْرِيفِ، أَيْ هَذَا السُّؤَالِ الْخَاصِّ الْمُتَعَلِّقِ بِنَعْجَةٍ مَعْرُوفَةٍ، أَيْ هَذَا السُّؤَالُ بِحَذَافِرِهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى ظُلْمٍ، وَإِضَافَةُ سُؤَالٍ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ. وَتَعْلِيقُ إِلى نِعاجِهِ بِ «سُؤَالِ» تَعْلِيقٌ عَلَى وَجْهِ تَضْمِينِ «سُؤَالِ» مَعْنَى الضَّمِّ، كَأَنَّهُ قِيلَ: بِطَلَبِ ضَمِّ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ. فَهَذَا جَوَابُ قَوْلِهِمَا: فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِجَوَابِ قَوْلِهِمَا: وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إِذْ قَالَ: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الْمُفِيدِ أَنَّ بَغْيَ أَحَدِ الْمُتَعَاشِرَيْنِ عَلَى عَشِيرِهِ مُتَفَشٍّ بَيْنَ النَّاسِ غَيْرِ الصَّالِحِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ أَمْرِهِمَا بِأَنْ يَكُونَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ وَأَنَّ مَا فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الصَّالِحِينَ. وَذِكْرُ غَالِبِ أَحْوَالِ الْخُلَطَاءِ أَرَادَ بِهِ الْمَوْعِظَةَ لَهُمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمَا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنِ انْتِهَازِ فُرَصِ الْهِدَايَةِ فَأَرَادَ دَاوُدُ ﵇ أَنْ يُرَغِّبَهُمَا فِي إِيثَارِ عَادَةِ الْخُلَطَاءِ الصَّالِحِينَ وَأَنْ يُكَرِّهَ إِلَيْهِمَا الظُّلْمَ وَالِاعْتِدَاءَ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْمَقَامِ أَنَّهُ يَأْسَفُ لِحَالِهِمَا، وَأَنَّهُ أَرَادَ تَسْلِيَةَ الْمَظْلُومِ عَمَّا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ خَلِيطِهِ، وَأَنَّ لَهُ أُسْوَةً فِي أَكْثَرِ الْخُلَطَاءِ. وَفِي تَذْيِيلِ كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ: وَقَلِيلٌ مَا هُمْ حَثٌّ لَهُمَا أَنْ يَكُونَا مِنَ الصَّالِحِينَ لِمَا هُوَ مُتَقَرَّرٌ فِي النُّفُوسِ مِنْ نَفَاسَةِ كُلِّ شَيْءٍ قَلِيلٍ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [الْمَائِدَة: ١٠٠] . وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مِنْ جَانِبِ الْحِكْمَةِ أَنَّ الدَّوَاعِيَ إِلَى لَذَّاتِ الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ وَالْمَشْيَ مَعَ الْهَوَى مَحْبُوبٌ وَمُجَاهَدَةَ النَّفْسِ عَزِيزَةُ الْوُقُوعِ، فَالْإِنْسَانُ مَحْفُوفٌ بِجَوَاذِبِ السَّيِّئَاتِ، وَأَمَّا دَوَاعِي الْحَقِّ وَالْكَمَالِ فَهُوَ الدِّينُ وَالْحِكْمَةُ، وَفِي أَسْبَابِ الْكَمَالِ إِعْرَاضٌ عَنْ مُحَرِّكَاتِ

стр. 7974

الشَّهَوَاتِ، وَهُوَ إِعْرَاضٌ عَسِيرٌ لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا مَنْ سَمَا بِدِينِهِ وَهِمَّتِهِ إِلَى الشَّرَفِ النَّفْسَانِيِّ وَأَعْرَضَ عَنِ الدَّاعِي الشَّهْوَانِيِّ، فَذَلِكَ هُوَ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِالْقِلَّةِ. وَزِيَادَةُ مَا بَعْدَ قَلِيلٌ لِقَصْدِ الْإِبْهَامِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: جُنْدٌ مَا هُنالِكَ [ص: ١١] ، وَفِي هَذَا الْإِبْهَامِ إِيذَانٌ بِالتَّعَجُّبِ مِنْ ذَلِكَ بِمَعُونَةِ السِّيَاقِ وَالْمَقَامِ كَمَا أَفَادَتْ زِيَادَتُهَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَحَدِيثُ الرَّكْبِ يَوْمَ هُنَا ... وَحَدِيثٌ مَا عَلَى قِصَرِهْ مَعْنَى التَّلَهُّفِ وَالتَّشَوُّقِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَاهِيَّة هاذين الْخَصْمَيْنِ، فَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْحَسَنُ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَا مَلَكَيْنِ أَرْسَلَهُمَا اللَّهُ فِي صُورَةِ رَجُلَيْنِ لِدَاوُدَ ﵇ لِإِبْلَاغِ هَذَا الْمَثَلِ إِلَيْهِ عِتَابًا لَهُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. وَقَيلَ كَانَا أَخَوَيْنِ شَقِيقَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيْ أَلْهَمَهُمَا اللَّهُ إِيقَاعَ هَذَا الْوَعْظِ. وَاعْلَمْ أَنَّ سَوْقَ هَذَا النَّبَأِ عَقِبَ التَّنْوِيهِ بِدَاوُدَ ﵇ لَيْسَ إِلَّا تَتْمِيمًا لِلتَّنْوِيهِ بِهِ لِدَفْعِ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَنْقُضُ مَا ذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ مِمَّا جَاءَ فِي كِتَابِ «صَمْوِيلَ الثَّانِي» مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَغْلَاطٍ بَاطِلَةٍ تُنَافِي مَقَامَ النُّبُوءَةِ فَأُرِيدَ بَيَانُ الْمِقْدَارِ الصَّادِقِ مِنْهَا وَتَذْيِيلُهُ بِأَنَّ مَا صَدَرَ عَنْ دَاوُدَ ﵇ يَسْتَوْجِبُ الْعِتَابَ وَلَا يَقْتَضِي الْعِقَابَ وَلِذَلِكَ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٠] . وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ لِهَذَا النَّبَأِ تَعَلُّقٌ بِالْمَقْصِدِ الَّذِي سِيقَ لِأَجْلِهِ ذِكْرُ دَاوُدَ وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا النَّبَأُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ يُشِيرُ بِهِ إِلَى قِصَّةِ تَزَوُّجِ دَاوُدَ ﵇ زَوْجَةَ (أُورَيَا الْحَثِّيِّ) مِنْ رِجَالِ جَيْشِهِ وَكَانَ دَاوُدُ رَآهَا فَمَالَ إِلَيْهَا وَرَامَ تَزَوُّجَهَا فَسَأَلَهُ أَنْ يَتَنَازَلَ لَهُ عَنْهَا وَكَانَ فِي شَرِيعَتِهِمْ مُبَاحًا أَنَّ الرَّجُلَ يَتَنَازَلُ عَنْ زَوْجِهِ إِلَى غَيْرِهِ لِصَدَاقَةٍ بَيْنَهُمَا فَيُطَلِّقُهَا وَيَتَزَوَّجُهَا الْآخَرُ بَعْدَ مُضِيِّ عِدَّتِهَا وَتَحَقُّقِ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ. وَخَرَجَ أُورَيَا فِي غَزْوِ مَدِينَةِ (رَبَّةَ) لِلْعَمُونِيِّينَ وَقِيلَ فِي غَزْوِ

стр. 7975

عَمَّانَ قَصَبَةِ الْبَلْقَاءِ مِنْ فِلَسْطِينَ فَقُتِلَ فِي الْحَرْبِ وَكَانَ اسْمُ الْمَرْأَةِ (بَثَشْبَعُ بِنْتُ أَلْيَعَامِ وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمَانَ) . وَحكى الْقُرْآن الْقِصَّة اكْتِفَاءً بِأَنَّ نَبَأَ الْخَصْمَيْنِ يُشْعِرُ بِهَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا أَعْقَبَهُ نَبَأُ الْخَصْمَيْنِ فِي نَفْسِ دَاوُدَ فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَى دَاوُدَ أَنِ اسْتَعْمَلَ لِنَفْسِهِ هَذَا الْمُبَاحَ فَعَاتَبَهُ بِهَذَا الْمَثَلِ الْمُشَخَّصِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ نَزَلَا مِنْ أَعْلَى سُورِ الْمِحْرَابِ فِي صُورَةِ خَصْمَيْنِ وَقَصَّا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَطَلَبَا حُكْمَهُ وَهَدْيَهُ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا وَهَدَاهُمَا بِمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ لِتَكُونَ تِلْكَ الصُّورَةُ عِظَةً لَهُ وَيُشْعِرُ أَنَّهُ كَانَ الْأَلْيَقُ بِمَقَامِهِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ هَذَا الزَّوَاجَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِمَا فِيهِ مِنْ إِيثَارِ نَفْسِهِ بِمَا هُوَ لِغَيْرِهِ وَلَوْ بِوَجْهٍ مُبَاحٍ لِأَنَّ الشُّعُورَ بِحُسْنِ الْفِعْلِ أَوْ قُبْحِهِ قَدْ لَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ حِينَ يَفْعَلُهُ فَإِذَا رَأَى أَوْ سَمِعَ أَنَّ وَاحِدًا عَمِلَهُ شَعَرَ بِوَصْفِهِ. وَوَقَعَ فِي سِفْرِ «صَمْوِيلِ الثَّانِي» مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ سَوْقُ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى الْخِلَافِ هَذَا. وَلَيْسَ فِي قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ: هَذَا أَخِي وَلَا فِي فَرْضِهِمَا الْخُصُومَةَ الَّتِي هِيَ غَيْرُ وَاقِعَةٍ ارْتِكَابُ الْكَذِبِ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُخَالِفَةِ لِلْوَاقِعِ الَّتِي لَا يُرِيدُ الْمُخْبِرُ بِهَا أَنْ يَظُنَّ الْمُخْبَرُ (بِالْفَتْحِ) وُقُوعَهَا إِلَّا رَيْثَمَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ مِنَ الْعِبْرَةِ بِهَا ثُمَّ يَنْكَشِفُ لَهُ بَاطِنُهَا فَيَعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ. وَمَا يَجْرِي فِي خِلَالِهَا مِنَ الْأَوْصَافِ وَالنِّسَبِ غَيْرِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ وَعَلَى نِيَّةِ الْمُشَابَهَةِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى جَوَازِ وَضْعِ الْقَصَصِ التَّمْثِيلِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا التَّرْبِيَةُ وَالْمَوْعِظَةُ وَلَا يَتَحَمَّلُ وَاضِعُهَا جُرْحَةَ الْكَذِبِ خِلَافًا لِلَّذِينِ نَبَزُوا الْحَرِيرِيَّ بِالْكَذِبِ فِي وَضْعِ «الْمَقَامَاتِ» كَمَا أَشَارَ هُوَ إِلَيْهِ فِي دِيبَاجَتِهَا. وَفِيهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لِجَوَازِ تَمْثِيلِ تِلْكَ الْقَصَص بالأجسام والذوات إِذَا لَمْ تُخَالِفِ الشَّرِيعَةَ، وَمِنْهُ تَمْثِيلُ الرِّوَايَاتِ وَالْقَصَصِ فِي دِيَارِ التَّمْثِيلِ، فَإِنَّ مَا يَجْرِي فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لَنَا فِي شَرْعِنَا إِذَا حَكَاهُ الْقُرْآنُ أَوْ سنة النبيء ﷺ وَلَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ. وَأُخِذَ مِنَ الْآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، قَالُوا: وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ سِوَى هَذِهِ الْآيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا حَكَاهُ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ.

стр. 7976

وَقَدْ حُكِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي سِفْرِ «صَمْوِيلِ الثَّانِي» فِي الْإِصْحَاحِ الْحَادِيَ عَشَرَ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْقُرْآنِ وَعَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الْعِصْمَةُ لِنُبُوءَةِ دَاوُدَ ﵇ فَاحْذَرُوهُ. وَالَّذِي فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْحَقُّ، وَالْمُنْتَظِمُ مَعَ الْمُعْتَادِ وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ، وَلَوْ حُكِيَ ذَلِكَ بِخَبَرِ آحَادٍ فِي الْمُسْلِمِينَ لَوَجَبَ رَدُّهُ وَالْجَزْمُ بِوَضْعِهِ لِمُعَارَضَتِهِ الْمَقْطُوعَ بِهِ مِنْ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِنَ الصَّغَائِرِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ وَهُوَ الْمُخْتَار. هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ أَيْ عَلِمَ دَاوُدُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا لَهُ فِتْنَةً لِيُشْعِرَهُ بِحَالِ فَعْلَتِهِ مَعَ (أُورَيَا) وَقَدْ أَشْعَرَهُ بِذَلِكَ مَا دَلَّهُ عَلَيْهِ انْصِرَافُ الْخَصْمَيْنِ بِصُورَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهُمَا مَلَكَانِ وَأَنَّ الْخُصُومَةَ صُورِيَّةٌ فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمَا إِلَيْهِ عَتْبًا لَهُ عَلَى مُتَابَعَةِ نَفْسِهِ زَوْجَةَ (أُورَيَا) وَطَلَبِهِ التَّنَازُلَ عَنْهَا. وَعَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ ذَلِكَ بِالظَّنِّ لِأَنَّهُ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ اكْتَسَبَهُ بِالتَّوَسُّمِ فِي حَالِ الْحَادِثَةِ وَكَثِيرًا مَا يُعَبَّرُ عَنِ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ بِالظَّنِّ لِمُشَابَهَتِهِ الظَّنَّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ تَرَدُّدٍ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ. وأَنَّما مَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ أُخْتُ (إِنَّمَا) تُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ ظَنَّ أَنَّ الْخُصُومَةَ لَيْسَتْ إِلَّا فِتْنَةً لَهُ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي تَزَوُّجِ امْرَأَةِ أُورَيَا لَيْسَ إِلَّا فِتْنَةً. وَمَعْنَى فَتَنَّاهُ قَدَّرْنَا لَهُ فِتْنَةً، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفِتْنَةُ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فِي تَدْبِيرِ الْحِيلَةِ لِقَتْلِ (أُورَيَا) فَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْفِتْنَةِ لِأَنَّهَا أَوْرَثَتْ دَاوُدَ مُخَالَفَةً لِلْأَلْيَقِ بِهِ مِنْ صَرْفِ نَفْسِهِ عَنْ شَيْءِ غَيْرِهِ، وَعَدَمِ مُتَابَعَتِهِ مَيْلَهُ النَّفْسَانِيَّ وَإِنْ كَانَ فِي دَائِرَةِ الْمُبَاحِ فِي دِينِهِمْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَعَلِمَ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِتْنَةٌ مِنَ النَّفْسِ. وَإِنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ كَرَاهِيَةَ مِثْلِهَا مِمَّا صَوَّرَهُ لَهُ الْخَصْمَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَتْنُ بِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: وَفَتَنَّاكَ

стр. 7977

فُتُوناً [طه: ٤٠] ، أَيْ ظَنَّ أَنَّا اخْتَبَرْنَا زَكَانَتَهُ بِإِرْسَالِ الْمَلَكَيْنِ، يُصَوِّرُ أَنَّ لَهُ صُورَةً شَبِيهَةً بِفِعْلِهِ فَفَطِنَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ أَمْرٌ غَيْرُ لَائِقٍ بِهِ. وَتَفْرِيعُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ الظَّنِّ ظَاهِرٌ عَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ، أَيْ لَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ طَلَبَ الْغُفْرَانَ مِنْ رَبِّهِ لِمَا صَنَعَ. وَخَرَّ خُرُورًا: سَقَطَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ فِي سُورَةِ [النَّحْلِ: ٢٦] . وَالرُّكُوعُ: الِانْحِنَاءُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ دُونَ وُصُولٍ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ تَعَالَى: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الْفَتْح: ٢٩] ، فَذَكَرَ شَيْئَيْنِ. قَالُوا: لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ سُجُودٌ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ لَهُمُ الرُّكُوعُ، وَعَلَيْهِ فَتَقْيِيدُ فِعْلِ خَرَّ بِحَالِ راكِعاً تَمَجُّزٌ فِي فِعْلِ خَرَّ بِعَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ تَنْبِيهًا عَلَى شِدَّةِ الِانْحِنَاءِ حَتَّى قَارَبَ الْخُرُورَ. وَمَنْ قَالَ: كَانَ لَهُمُ السُّجُودُ جَعَلَ إِطْلَاقَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الرُّكُوعَ هَاهُنَا السُّجُودُ، قُلْتُ: الْخِلَافُ مَوْجُودٌ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَيْسَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ سُجُودٌ بِالْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ عِبَادَةَ الْأَنْبِيَاءِ كَشَأْنِ كَثِيرٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ خَاصَّةً بِالْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ كَمَا تقدم فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [الْبَقَرَة: ١٣٢] ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً فِي سُورَةِ يُوسُفَ [١٠٠] . وَكَانَ رُكُوعُ دَاوُدَ ﵇ تَضَرُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى لِيَقْبَلَ اسْتِغْفَارَهُ. وَالْإِنَابَةُ: التَّوْبَةُ: يُقَالُ: أَنَابَ، وَيُقَالُ: نَابَ. وَتَقَدَّمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ فِي سُورَةِ هُودٍ [٧٥] . وَعِنْدَ قَوْلِهِ: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ فِي سُورَةِ الرُّومِ [٣١] . وَهُنَا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ مِنَ الْعَزَائِمِ عِنْدَ مَالِكٍ لِثُبُوتِ سُجُود النبيء ﷺ عِنْدَهَا. فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ مُجَاهِدٍ «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّجْدَةِ فِي ص فَقَالَ: أَو مَا تَقْرَأُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الْأَنْعَام: ٨٤] إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَام: ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيئُكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ» . وَفِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 7978

«لَيْسَ ص مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول الله ﷺ سَجَدَ فِيهَا» . وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ص فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ (أَيْ تَهَيَّأُوا وَتَحَرَّكُوا لِأَجْلِهِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيءٍ وَلَكِنِّي رأيتكم تشزّنتم للسُّجُود فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا» ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ سُجُودًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِمَّا لِأَجْلِ قَول النبيء ﷺ : «إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيءٍ» فَرَجَعَ أَمْرُهَا إِلَى أَنَّهَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا دَلِيلًا. وَوَجْهُ السُّجُودِ فِيهَا عِنْدَ مَنْ رَآهُ أَنَّ رُكُوعَ دَاوُدَ هُوَ سُجُودُ شَرِيعَتِهِمْ فَلَمَّا اقْتَدَى بِهِ النبيء ﷺ أَتَى فِي اقْتِدَائِهِ بِمَا يُسَاوِي الرُّكُوعَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ السُّجُودُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الرُّكُوعُ يَقُومُ مَقَامَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ أَخْذًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ خُصُومَةُ الْخَصْمَيْنِ مِنْ تَمْثِيلِ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ بِصُورَةِ قَضِيَّةِ الْخَصْمَيْنِ، وَهَذَا مِنْ لَطَائِفِ الْقُرْآنِ إِذْ طَوَى الْقِصَّةَ الَّتِي تَمَثَّلَ لَهُ فِيهَا الْخَصْمَانِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْمَطْوِيِّ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَأَتْبَعَ اللَّهُ الْخَبَرَ عَنِ الْغُفْرَانِ لَهُ بِمَا هُوَ أَرْفَعُ دَرَجَةً وَهُوَ أَنَّهُ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْمَرْضِيِّ عَنْهُمْ وَأَنَّهُ لَمْ يُوقَفْ بِهِ عِنْد حد الْغُفْرَانِ لَا غَيْرَ. وَالزُّلْفَى: الْقُرْبَى، وَهُوَ مَصْدَرٌ أَوِ اسْمُ مَصْدَرٍ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَر لإِزَالَة تو هم أَنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِ إِذْ فَتَنَهُ تَنْزِيلًا لِمَقَامِ الِاسْتِغْرَابِ مَنْزِلَةَ مقَام الْإِنْكَار. والمئاب: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْأَوْبِ. وَهُوَ الرُّجُوعُ. وَالْمُرَادُ بِهِ: الرُّجُوعُ إِلَى الْآخِرَةِ. وَسُمِّيَ رُجُوعًا لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى اللَّهِ، أَيْ إِلَى حِكْمَةِ الْبَحْتِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا قَالَ تَعَالَى: إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ [الرَّعْد: ٣٦] . وَحسن المئاب: حسن الْمَرْجِعِ، وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ رُجُوعًا حَسَنًا عِنْدَ نَفْسِهِ وَفِي

стр. 7979

مَرْأَى النَّاسِ، أَيْ لَهُ حُسْنُ رُجُوعٍ عِنْدِنَا وَهُوَ كَرَامَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ، أَي الْجنَّة يؤوب إِلَيْهَا. [٢٦] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٢٦] يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: ٢٥] أَيْ صَفَحْنَا عَنْهُ وَذَكَّرْنَاهُ بِنِعْمَةِ الْمُلْكِ وَوَعَظْنَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بِهَذَا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وَإِرْشَادًا لِلْوَاجِبِ. وَافْتِتَاحُ الْخِطَابِ بِالنِّدَاءِ لِاسْتِرْعَاءِ وَعْيِهِ وَاهْتِمَامِهِ بِمَا سَيُقَالُ لَهُ. وَالْخَلِيفَةُ: الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ فِي عَمَلٍ، أَيْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ الْمَخْلُوفِ عَنْهُ قِيلَ: هُوَ خَلِيفَةُ فُلَانٍ، وَإِن كَانَ بعد مَا مَضَى الْمَخْلُوفُ قِيلَ: هُوَ خَلِيفَةٌ مِنْ فُلَانٍ. وَالْمُرَادُ هُنَا: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ. فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي إِنْفَاذِ شَرَائِعِهِ لِلْأُمَّةِ الْمَجْعُولِ لَهَا خَلِيفَةً مِمَّا يُوحِي بِهِ إِلَيْهِ وَمِمَّا سَبَقَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أُوحِيَ إِلَيْهِ الْعَمَلُ بِهَا. وَخَلِيفَةٌ عَنْ مُوسَى ﵇ وَعَنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَوَّلِينَ الْمَدْعُوِّينَ بِالْقُضَاةِ، أَوْ خَلِيفَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ فِي الْمُلْكِ وَهُوَ شَاوَلُ. والْأَرْضِ: أَرْضُ مَمْلَكَتِهِ الْمَعْهُودَةِ، أَيْ جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَرْضَ مُرَادًا بِهِ جَمِيعُ الْأَرْضِ فَإِنَّ دَاوُدَ كَانَ فِي زَمَنِهِ أَعْظَمَ مُلُوكِ الْأَرْضِ فَهُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي مَمْلَكَتِهِ وَيَخَافُ بَأْسَهُ مُلُوكُ الْأَرْضِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ إِذْ لَا يَنْفَلِتُ شَيْءٌ مِنْ قَبْضَتِهِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْخِلَافَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ [يُونُس: ١٤] وَقَوْلِهِ: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [النَّمْل: ٦٢] . وَهَذَا الْمَعْنَى خِلَافُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] فَإِنَّ الْأَرْضَ هُنَالِكَ هِيَ هَذِهِ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا يُقَالُ خَلِيفَةُ اللَّهِ إِلَّا لرَسُوله ﷺ وَأَمَّا الْخُلَفَاءُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ،

стр. 7980

أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ حَرَّرُوا هَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ ﵁: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَبِهَذَا كَانَ يُدْعَى بِذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَطَالَ وَرَأَوْا أَنَّهُ سَيَطُولُ أَكْثَرَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذَا وَلِيَ خَلِيفَةٌ بَعْدَ عُمَرَ فَدَعَوْا عُمَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَصُرَ هَذَا عَلَى الْخُلَفَاءِ، وَمَا يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ مِنْ دُعَاءِ أَحَدِ الْخُلَفَاءِ خَلِيفَةَ اللَّهِ فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ كَمَا قَالَ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ: خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي بَرِيَّتِهِ ... جَفَّتْ بِذَاكَ الْأَقْلَامُ وَالْكُتُبُ وَفُرِّعَ عَلَى جَعْلِهِ خَلِيفَةً أَمْرُهُ بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبُهُ وَأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَرْجِعُ لِلْمَظْلُومِينَ وَالَّذِي تُرْفَعُ إِلَيْهِ مَظَالِمُ الظَّلَمَةِ مِنَ الْوُلَاةِ فَإِذَا كَانَ عَادِلًا خَشِيَهُ الْوُلَاةُ وَالْأُمَرَاءُ لِأَنَّهُ أَلِفَ الْعَدْلَ وَكَرِهَ الظُّلْمَ فَلَا يُقِرُّ مَا يَجْرِي مِنْهُ فِي رَعِيَّتِهِ كُلَّمَا بَلَغَهُ فَيَكُونُ النَّاسُ فِي حَذَرٍ مِنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُمْ مَا عَسَى أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْخَلِيفَةِ فَيَقْتَصَّ مِنَ الظَّالِمِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ يَظْلِمُ فِي حُكْمِهِ فَإِنَّهُ يَأْلَفُ الظُّلْمَ فَلَا يُغْضِبُهُ إِذَا رُفِعَتْ إِلَيْهِ مَظْلَمَةُ شَخْصٍ وَلَا يَحْرِصُ عَلَى إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ. وَفِي «الْكَشَّافِ» : أَنَّ بَعْضَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ لِلزُّهْرِيِّ: هَلْ سَمِعْتَ مَا بَلَغَنَا؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ وَلَا تُكْتَبُ لَهُ مَعْصِيَةٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْخُلَفَاءُ أَفْضَلُ أَمِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. وَالْمُرَادُ بِ النَّاسِ نَاسُ مَمْلَكَتِهِ فَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أَوْ هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ. وَالْحَقُّ: هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ الشَّرْعِيُّ مِنْ مُعَامَلَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَتَصَرُّفَاتِهِمْ فِي خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَيَتَعَيَّنُ الْحَقُّ بِتَعْيِينِ الشَّرِيعَةِ. وَالْبَاءُ فِي بِالْحَقِّ بَاءُ الْمَجَازِيَّةِ، جُعِلَ الْحَقُّ كَالْآلَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا الْعَامِلُ فِي قَوْلِكَ: قَطَعَهُ بِالسِّكِّينِ، وَضَرَبَهُ بِالْعَصَا. وَقَوْلُهُ: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى مَعْطُوفٌ عَلَى التَّفْرِيعِ، وَلَعَلَّهُ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ. وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ لِيَكُونَ تَوْطِئَةً لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى سَدًّا لِذَرِيعَةِ

стр. 7981

الْوُقُوعِ فِي خَطَأِ الْحَقِّ فَإِنَّ دَاوُدَ مِمَّنْ حَكَمَ بِالْحَقِّ فَأَمَرَهُ بِهِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْهَوى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الْمُفِيدُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَالنَّهْيُ يَعُمُّ كُلَّ مَا هُوَ هَوًى، سَوَاءٌ كَانَ هَوَى الْمُخَاطَبِ أَوْ هَوَى غَيْرِهِ مِثْلَ هَوَى زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ وَسَيِّدِهِ، وَصَدِيقِهِ، أَوْ هَوَى الْجُمْهُورِ: قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الْأَعْرَاف: ١٣٨] . وَمَعْنَى الْهَوَى: الْمَحَبَّةُ، وَأُطْلِقَ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ مُبَالَغَةً، أَيْ وَلَوْ كَانَ هَوًى شَدِيدًا تَعْلَقُ النَّفْسُ بِهِ. وَالْهَوَى: كِنَايَةٌ عَنِ الْبَاطِلِ وَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ لِمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ مِنَ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَبَيْنَ هَوَى النُّفُوسِ، فَإِنَّ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ فَلَا تَهْوَاهُ غَالِبًا، وَمَنْ صَارَتْ لَهُ مَحَبَّةُ الْحَقِّ سَجِيَّةً فَقَدْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ وَأُيِّدَ بِالْحِفْظِ أَوِ الْعِصْمَةِ. وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى تَحْذِيرٌ لَهُ وَإِيقَاظٌ لِيُحَذِّرَ مِنْ جَرَّاءِ الْهَوَى وَيَتَّهِمَ هَوَى نَفْسِهِ وَيَتَعَقَّبَهُ فَلَا ينقاد إِلَيْهِ فِيمَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَالتَّثَبُّتِ، وَقَدْ قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ﵁: «اتَّهِمُوا الرَّأْيَ» ، ذَلِكَ أَنَّ هَوَى النَّفْسِ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ السَّهْلَةِ عَلَيْهَا الرَّائِقَةِ عِنْدَهَا وَمُعْظَمُ الْكَمَالَاتِ صَعْبَةٌ عَلَى النَّفْسِ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَالِارْتِقَاءِ بِهَا عَنْ حَضِيضِ الْحَيَوَانِيَّةِ إِلَى أَوْجِ الْمَلَكِيَّةِ، فَفِي جَمِيعِهَا أَوْ مُعْظَمِهَا صَرْفٌ لِلنَّفْسِ عَمَّا لَاصَقَهَا مِنَ الرَّغَائِبِ الْجُسْمَانِيَّةِ الرَّاجِعِ أَكْثَرُهَا إِلَى طَبْعِ الْحَيَوَانِيَّةِ لِأَنَّهَا إِمَّا مَدْعُوَّةٌ لِدَاعِي الشَّهْوَةِ أَوْ دَاعِي الْغَضَبِ فَالِاسْتِرْسَالُ فِي اتِّبَاعِهَا وُقُوعٌ فِي الرَّذَائِلِ فِي الْغَالِبِ، وَلِهَذَا جُعِلَ هُنَا الضَّلَالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مُسَبَّبًا عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَهُوَ تَسَبُّبٌ أَغْلَبِيٌّ عُرْفِيٌّ، فَشَبَّهَ الْهَوَى بِسَائِرٍ فِي طَرِيقٍ مُهْلِكَةٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكَنِيَّةِ وَرَمَزَ إِلَيْهِ بِلَازِمِ ذَلِكَ وَهُوَ الْإِضْلَالُ عَنْ طَرِيقِ الرَّشَادِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِسَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَّبِعُ سَائِرًا غَيْرَ عَارِفٍ بِطَرِيقِ الْمَنَازِلِ النَّافِعَةِ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَجِدَ نَفْسَهُ وَإِيَّاهُ فِي مَهْلَكَةٍ أَوْ مَقْطَعَةِ طَرِيقٍ. وَاتِّبَاعُ الْهَوَى قَدْ يَكُونُ اخْتِيَارًا، وَقَدْ يَكُونُ كُرْهًا. وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِهِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ فَأَمَّا الِاتِّبَاعُ الِاخْتِيَارِيُّ فَالْحَذَرُ مِنْهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الِاتِّبَاعُ الِاضْطِرَارِيُّ فَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ بِالِانْسِحَابِ عَمَّا جَرَّهُ إِلَى الْإِكْرَاهِ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ

стр. 7982

الْعُلَمَاءُ فِي الْخَلِيفَةِ شُرُوطًا كُلُّهَا تَحُومُ حَوْلَ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَمَا يُوَازِيهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْبَاطِلِ، وَهِيَ: التَّكْلِيفُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالذُّكُورَةُ، وَأَمَّا شَرْطُ كَوْنِهِ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلِئَلَّا يَضْعُفَ أَمَامَ الْقَبَائِلِ بِغَضَاضَةٍ. وَانْتَصَبَ فَيُضِلَّكَ بَعْدَ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ. وَمَعْنَى جَوَابِ النَّهْيِ جَوَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَهُوَ السَّبَبُ فِي الضَّلَالِ وَلَيْسَ النَّهْيُ سَبَبًا فِي الضَّلَالِ. وَهَذَا بِخِلَافِ طَرِيقَةِ الْجَزْمِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ. وسَبِيلِ اللَّهِ: الْأَعْمَالُ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْهَا مَرْضَاتُهُ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَوَعَدَ بِالْجَزَاءِ عَلَيْهَا، شُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى اللَّهِ، أَيْ إِلَى مَرْضَاتِهِ. وَجُمْلَةُ: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى آخِرِهَا يَظْهَرُ أَنَّهَا مِمَّا خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ دَاوُدَ، وَهِيَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْعَدَدِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمَ الْحِسابِ، فَهِيَ فِي مَوْقِعِ الْعِلَّةِ لِلنَّهْيِ، فَكَانَتْ (إِنَّ) مُغْنِيَةً عَنْ فَاءِ التَّسَبُّبِ وَالتَّرَتُّبِ، فَالشَّيْءُ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ خَلِيقٌ بِأَنْ يُنْهَى عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ كَلَامًا مُنْفَصِلًا عَنْ خِطَابِ دَاوُدَ كَانَتْ مُعْتَرِضَةً وَمُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِبَيَانِ خَطَرِ الضَّلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْعُمُومُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُكْسِبُ الْجُمْلَةَ وَصْفَ التَّذْيِيلٍ أَيْضًا وَكِلَا الِاعْتِبَارَيْنِ مُوجِبٌ لِعَدَمِ عَطْفِهَا. وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ. وَاللَّامُ فِي لَهُمْ عَذابٌ لِلِاخْتِصَاصِ، وَالْبَاءُ فِي بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ سَبَبِيَّةٌ. وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ نِسْيَانِهِمْ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَتَتَعَلَّقُ الْبَاءُ بِالِاسْتِقْرَارِ الَّذِي نَابَ عَنْهُ الْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ عَذابٌ. وَالنِّسْيَانُ: مُسْتَعَارٌ لِلْإِعْرَاضِ الشَّدِيدِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ نِسْيَانَ الْمُعْرِضِ عَنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التَّوْبَة: ٦٧] ، وَهُوَ مَرَاتِبُ أَشَدُّهَا إِنْكَارُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، قَالَ تَعَالَى: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيناكُمْ [السَّجْدَة: ١٤] . وَدُونَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ تَكُونُ عَلَى وِفْقِ مَرَاتِبِ الْعَذَابَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ السَّبَبُ ذَا مَرَاتِبَ كَانَتِ الْمُسَبَّبَاتُ تَبَعًا لِذَلِكَ.

стр. 7983

وَالْمُرَادُ بِ يَوْمَ الْحِسابِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَهُوَ فِي الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ جَزَاءَ يَوْمِ الْحِسَابِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ [الْكَهْف: ٥٧] ، أَيْ لَمْ يُفَكِّرْ فِي عَاقِبَةِ مَا يُقَدِّمُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ. وَفِي جَعْلِ الضَّلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَنِسْيَانِ يَوْمِ الْحِسَابِ سَبَبَيْنِ لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَلَازُمِهِمَا فَإِنَّ الضَّلَالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُفْضِي إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ مُرَاقَبَةِ الْجَزَاءِ. وَتَرْجَمَةُ دَاوُدَ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ فِي الْأَنْعَامِ [٨٤] وَقَوْلِهِ: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً فِي النِّسَاء [١٦٣] . [٢٧] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٢٧] وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) لَمَّا جَرَى فِي خِطَابِ دَاوُدَ ذِكْرُ نِسْيَانِ يَوْمِ الْحِسَابِ وَكَانَ أقْصَى غايات ذَلِكَ النِّسْيَانِ جُحُودُ وُقُوعِهِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ مُرَاعَاتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ أَبَدًا اعْتُرِضَ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ بِثَلَاثِ آيَاتٍ لِبَيَانِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَعْلِ الْجَزَاءِ وَيَوْمِهِ احْتِجَاجًا عَلَى مُنْكِرِيهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَالْبَاطِلُ: ضِدُّ الْحَقِّ، فَكُلُّ مَا كَانَ غَيْرَ حَقٍّ فَهُوَ الْبَاطِلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [الدُّخان: ٣٩] . وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْ نَفْيِ الْبَاطِلِ هُنَا، هُوَ أَنَّ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ خُلِقَتْ عَلَى حَالَةٍ لَا تَخْرُجُ عَنِ الْحَقِّ إِمَّا حَالًا كَخَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِمَّا فِي الْمَآلِ كَخَلْقِ الشَّيَاطِينِ وَالْمُفْسِدِينَ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِ اسْتِدْرَاكٍ لِمُقْتَضَى الْحَقِّ. وَقَدْ بُنِيَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِأَحْوَالِ الْمُشَاهَدَاتِ وَهِيَ أَحْوَالُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَأُقِيمُ الدَّلِيلُ عَلَى أَسَاسِ مُقَدِّمَةٍ لَا نِزَاعَ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ إِذَا تَأَمَّلُوا أَدْنَى تَأَمُّلٍ وَجَدُوا مِنْ نِظَامِ هَذِهِ الْعَوَالِمِ دَلَالَةً تَحْصُلُ بِأَدْنَى

стр. 7984

نَظَرٍ عَلَى أَنَّهُ نِظَامٌ عَلَى غَايَةِ الْإِحْكَامِ إِحْكَامًا مُطَّرِدًا، وَهُوَ مَا نَبَّهَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا. وَمَصَبُّ النَّفْيِ الْحَالُ وَهُوَ قَوْلُهُ: باطِلًا فَهُوَ عَامٌّ لِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَبُعْدُ النَّظَرِ يُعْلِمُ النَّاظِرَ أَنَّ خَالِقَهَا حَكِيمٌ عَادِلٌ وَأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْفَاعِلِ يُسْتَدَلُّ بِالظَّاهِرِ مِنْهَا عَلَى الْخَفي، فَكَانَ حَقًا عَلَى الَّذِينَ اعْتَادُوا بِتَحْكِيمِ الْمُشَاهَدَاتِ وَعَدَمِ تَجَاوُزِهَا أَنْ ينْظرُوا بِقِيَاس من خَفِيَ عَنْهُمْ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ لَهُمْ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَنَّ نِظَامَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا كَانَ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَكَامِلِ النِّظَامِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَدَبَّرُوا فِيمَا خَفِيَ عَنْهُمْ مِنْ وُقُوعِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ جَارٍ عَلَى نِظَامٍ بَدِيعٍ إِلَّا أَعْمَالَ الْإِنْسَانِ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالْمُشَاهَدَةِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ صَالِحِينَ نَافِعِينَ، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ إِلَى صِنْفِ الْمُجْرِمِينَ الْمُفْسِدِينَ، وَأَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ كَثِيرًا لَمْ يَنَالُوا مِنْ حُظُوظِ الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ شَيْئًا أَوْ إِلَّا شَيْئًا قَلِيلًا هُوَ أَقَلُّ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ صَلَاحُهُ وَمَا جَاهَدَهُ مِنَ الِارْتِقَاءِ بِنَفْسِهِ إِلَى مَعَارِجِ الْكَمَالِ. وَمِنَ الْمُفْسِدِينَ مَنْ هُمْ بِعَكْسِ ذَلِكَ. وَالْفَسَادُ: اخْتِلَالٌ اجْتَلَبَهُ الْإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ بِاتِّبَاعِهِ شَهَوَاتِهِ بِاخْتِيَارِهِ الَّذِي أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ، وَبِقُوَاهُ الْبَاطِنِيَّةِ قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التِّين: ٤، ٦] وَفِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ يَدْنُو النَّاسُ دُنُوًّا مُتَدَرِّجًا إِلَى مَرَاتِبِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ دُنُوًّا مُتَدَلِّيًا إِلَى أَحْضِيَةِ الشَّيَاطِينِ فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ تَقْتَضِي أَنْ يَلْتَحِقَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَشْبَاهِهِ فِي النَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ أَوِ الْجَحِيمِ السَّرْمَدِيِّ. وَلَوْلَا أَنَّ حِكْمَةَ نِظَامِ خَلْقِ الْعَوَالِمِ اقْتَضَتْ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ الْعَوَالِمِ الزَّائِلَةِ وَالْعَوَالِمِ السَّرْمَدِيَّةِ فِي الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ لِبَقَاءِ هَذِهِ الْأَخِيرَةِ لَأَطَارَ اللَّهُ الصَّالِحِينَ إِلَى أَوْجِ النَّعِيمِ الْخَالِدِ، وَلَدَسَّ الْمُجْرِمِينَ فِي دَرَكَاتِ السَّعِيرِ الْمُؤَبَّدِ، لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ جُمَاعُهَا رَعْيَ الْإِبْقَاءِ عَلَى خَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ حَتَّى تُؤَدِّيَ وَظَائِفَهَا الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا، وَهِيَ خَصَائِصُ قَدْ تَتَعَارَضُ فَلَوْ أُوثِرَ بَعْضُهَا عَلَى غَيْرِهِ بِالْإِبْقَاءِ لَأَفْضَى إِلَى زَوَالِ الْآخَرِ، فَمَكَّنَ اللَّهُ كُلَّ نَوْعٍ وَكُلَّ صِنْفٍ مِنَ الْكَدَحِ لِنَوَالِ مُلَائِمِهِ وَأَرْشَدَ الْجَمِيعَ إِلَى الْخَيْرِ وَأَمَرَ وَنَهَى وَبَيَّنَ وَحَدَّدَ.

стр. 7985

وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْعَالَمِ الزَّائِلِ عَالَمًا خَالِدًا يَكُونُ فِيهِ وُجُودُ الْأَصْنَافِ مَحُوطًا بِمَا تَسْتَحِقُّهُ كَمَالَاتُهَا وَأَضْدَادُهَا مِنْ حُسْنٍ أَوْ سُوءٍ، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ الْعَالَمَ الْأَبَدِيَّ لَذَهَبَ صَلَاحُ الصَّالِحِينَ بَاطِلًا أَجْهَدُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ وَأَضَاعُوا فِي تَحْصِيلِهِ جَمًّا غَفِيرًا مِنْ لَذَائِذِهِمُ الزَّائِلَةِ دُونَ مُقَابِلٍ، وَلَعَادَ فَسَادُ الْمُفْسِدِينَ غُنْمًا أَرْضَوْا بِهِ أَهْوَاءَهُمْ وَنَالُوا بِهِ مُشْتَهَاهُمْ فَذَهَبَ مَا جَرُّوهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَرْزَاءٍ بَاطِلًا، فَلَا جَرَمَ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَزَاءُ الْأَبَدِيُّ لَعَادَ خَلْقُ الْأَرْضِ بَاطِلًا وَلَفَازَ الْغَوِيُّ بِغَوَايَتِهِ. فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ تُعُيِّنَ أَنَّ إِنْكَارَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ مُنْكِرُهُ قَائِلًا بِأَنَّ خَلْقَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبَاطِلِ، وَقَدْ دَلَّتِ الدَّلَائِلُ الْأُخْرَى أَنْ لَا يَكُونَ فِي خَلْقِ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْبَاطِلِ بِقِيَاسِ الْخَفِيِّ عَلَى الظَّاهِرِ، فَبَطَلَ مَا يُفْضِي إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ فِي خَلْقِ بَعْضِ مَا ذكر شَيْء مِنَ الْبَاطِلِ. وَالْمُشْرِكُونَ وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَلَا اعتقدوه لكِنهمْ آئلون إِلَى لُزُومِهِ لَهُمْ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ فَقَدْ تَقَلَّدَ أَنَّ مَا هُوَ جَارٍ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ بَاطِلٌ، وَالنَّاسُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَبَاطِلُهُمْ إِذَا لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ خَالِقُهُمْ عَلَيْهِ يَكُونُ مِمَّا أَقَرَّهُ خَالِقُهُمْ، فَيَكُونُ فِي خَلْقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبَاطِلِ، فَتَنْتَقِضُ كُلِّيَّةُ قَوْلِهِ: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا، وَهُوَ مَا أَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْقَضِيَّةِ الْمَنْفِيَّةِ لَا إِلَى نَفْيِهَا، أَيْ خَلْقُ الْمَذْكُورَاتِ بَاطِلًا هُوَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيِ اعْتِقَادُهُمْ. وَأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلَى الْعِلْمِ لِأَنَّ ظَنَّهُمْ عِلْمٌ مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ فَهُوَ بَاسْمِ الظَّنِّ أَجْدَرُ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الظَّنِّ يَقَعُ عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ الْمُشْبِهِ وَالْبَاطِلِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَازِمَ الْقَوْلِ يُعْتَبَرُ قَوْلًا، وَأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ مَذْهَبٌ وَهُوَ الَّذِي نَحَاهُ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فِي مُوجِبَاتِ الرِّدَّةِ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ. وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَعَدَمِ جَرْيِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مُقْتَضَاهُ قَوْلَهُ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَيْ نَارِ جَهَنَّمَ. وَعُبِّرَ عَنْهُمْ بِالْمَوْصُولِ لِمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ الصِّلَةُ مِنْ أَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ عَلَى سُوءِ اعْتِقَادِهِمْ وَسُوءِ أَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ آثَارِ انْتِفَاءِ الْبَاطِلِ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِنِظَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِي ارْتِكَابِهِمْ مَفَاسِدَ عَوَائِدِ
следующие страницы →