← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

رَقَبَةً يَعْتَاضُ بِفَكِّهَا عَنْ فَكِّ عِصْمَةِ الزَّوْجَةِ نُقِلَ إِلَى كَفَّارَةٍ فِيهَا مَشَقَّةُ النَّفْسِ بِالصَّبْرِ عَلَى لَذَّةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِيَدْفَعَ مَا الْتَزَمَهُ بِالظِّهَارِ مِنْ مَشَقَّةِ الصَّبْرِ عَلَى ابْتِعَادِ حَلِيلَتِهِ فَكَانَ الصَّوْمُ دَرَجَةً ثَانِيَةً قَرِيبَةً مِنْ دَرَجَةِ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ فِي الْمُنَاسَبَةِ. وَأُعِيدَ قَيْدُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا لِلدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمَسُّ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الصِّيَامِ، فَلَا يَظُنُّ أَنَّ مُجَرَّدَ شُرُوعِهِ فِي الصِّيَامِ كَافٍ فِي الْعَوْدِ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، أَيْ لِعَجْزِهِ أَوْ ضَعْفِهِ رَخَّصَ اللَّهَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِوَضًا عَنِ الصِّيَامِ فَالْإِطْعَامُ دَرَجَةٌ ثَالِثَةٌ يَدْفَعُ عَنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَلَمَ الْجُوعِ عِوَضًا عَمَّا كَانَ الْتَزَمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَشَقَّةِ الِابْتِعَادِ عَنْ لَذَّاتِهِ، وَإِنَّمَا حُدِّدَتْ بِسِتِّينَ مِسْكِينًا إِلْحَاقًا لِهَذَا بِكَفَّارَةِ فِطْرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ عَمْدًا بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا كَفَّارَةٌ عَنْ صِيَامٍ فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ مُتَنَاسِبَةً مَعَ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا مُنَاسِبًا. وَقَدْ أُجْمِلَ مِقْدَارُ الطَّعَامِ فِي الْآيَةِ اكْتِفَاءً بِتَسْمِيَتِهِ إِطْعَامًا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَقْصِدُهُ النَّاسُ مِنَ الطَّعَامِ وَهُوَ الشِّبَعُ الْوَاحِدُ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي فِعْلِ طَعِمَ. فَحَمَلَهُ عُلَمَاؤُنَا عَلَى مَا بِهِ شِبَعُ الْجَائِعِ فَيُقَدَّرُ فِي كُلِّ قَوْمٍ بِحَسْبِ مَا بِهِ شِبَعُ مُعْتَادِ الْجَائِعِينَ. وَعَنْ مَالِكٍ ﵀ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مُدٌّ وَاحِدٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بمدّ النبيء ﷺ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مُدَّانِ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنَ الْمُدَّيْنِ وَهُوَ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامِ (بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ) وَقَدْرُهُ مُدَّانِ إِلَّا ثُلُثَ مُدٍّ قَالَ: قَالَ أَشْهَبُ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَيَخْتَلِفُ الشِّبَعُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ؟ قَالَ: نَعَمِ الشِّبَعُ عِنْدَنَا مُدٌّ بمدّ النبيء ﷺ وَالشِّبَعُ عِنْدَكُمْ أَكْثَرُ (أَيْ لِأَن النبيء ﷺ دَعَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ) . وَقَوْلُهُ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِطْعَامُ فِي الْمَدِينَةِ مُدًّا بمدّ النبيء ﷺ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ فَكَيْفَ جَعَلَهُ مَالِكٌ مُقَدَّرًا بِمُدَّيْنِ أَوْ بِمُدٍّ وَثُلُثَيْنِ، وَقَالَ: لَوْ أَطْعَمَ مُدًّا وَنِصْفَ مُدٍّ أَجْزَأَهُ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ تَضْعِيفَ الْمِقْدَارِ فِي الْإِطْعَامِ مُرَاعًى فِيهِ مَعْنَى الْعُقُوبَةُ عَلَى مَا صَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: إِنَّمَا أَخَذَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِمُدِّ هِشَامٍ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ تَغْلِيظًا عَلَى الْمُتَظَاهِرِينَ الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا فَهَذَا مِمَّا ثَبَتَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

стр. 9627

وَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ الشِّبَعَ بِمُدَّيْنِ بمدّ النبيء ﷺ فلعه رَاعَى الشِّبَعَ فِي مُعْظَمِ الْأَقْطَارِ غَيْرَ الْمَدِينَةِ، وَقَدَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بِمُدٍّ وَاحِدٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قِيَاسًا عَلَى مَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ فِي كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَلَمْ يُذْكَرْ مَعَ الْإِطْعَامِ قَيْدُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا اكْتِفَاءً بِذِكْرِهِ مَعَ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ وَصِيَامِ الشَّهْرَيْنِ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الصِّيَامِ وَمُجَزَّأٌ لِمِثْلِ أَيَّامِ الصِّيَامِ. هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِطْعَامَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُقُوعُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا. ثُمَّ إِنَّ وَقْعَ الْمَسِيسِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ أَوْ قَبْلَ إِتْمَامِهَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ آثِمٌ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرٌ آخَرُ، وَهَذَا مَا بَيَّنَهُ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الَّذِي شَكَا إِلَى النبيء ﷺ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، فَأَمَرَهُ بِأَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى يُكَفِّرَ. وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ. وَصَرِيحُ الْآيَةِ أَنَّ تَتَابُعَ الصِّيَامِ شَرْطٌ فِي التَّكْفِيرِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَفْطَرَ فِي خِلَالِهِ دُونَ عُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ. وَلَا يَمَسُّ امْرَأَتَهُ حَتَّى يتم الشهران مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ مَسَّهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ أَثِمَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الشَّهْرَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَانَ الْوَطْءُ لَيْلًا لَمْ يَبْطُلِ التَّتَابُعُ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الْقِيَاسِ وَعَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْر. وَأما كَون آثِمًا بِالْمَسِيسِ قَبْلَ تَمَامِ الْكَفَّارَةِ فَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى، فَمِنَ الْعَجَبِ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الْفِقْهِ لِأَنَّ الْوَطْءَ الْوَاقِعَ فِي خِلَالِ الصَّوْمِ لَيْسَ بِالْمَحَلِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ وَطْءُ تَعَدٍّ فَلَا بُدَّ مِنَ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ بِصَوْمٍ لَا يَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ وَطْءٌ اه. وَالْمِسْكِينُ: الشَّدِيدُ الْفَقْرِ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ. وَالْمُظَاهِرُ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى بَعْضِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَأَبَى أَنْ يُكَفِّرَ انْقَلَبَ ظِهَارُهُ إِيلَاءً. فَإِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ بِالْبَقَاءِ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ فَإِنِ انْقَضَى الْأَجَلُ

стр. 9628

طُلِّقَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إِنْ طَلَبَتِ الطَّلَاقَ. وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةَ كُلِّهَا كَانَ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْوَطْءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ مِنْهُ فَتَبْقَى الْعِصْمَةُ بَيْنَ الْمُتَظَاهِرِ وَامْرَأَتِهِ وَلَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ. وَقَدْ أَمر النبيء ﷺ بِكَفَّارَةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَحَقَّ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يَدْفَعُوا عَنِ الْعَاجِزِ كَفَّارَةَ ظِهَارِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَسِيسِ امْرَأَتِهِ، وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ ذَنْبًا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ أَبْطَلَ طَلَاقَ الظِّهَارِ. ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَيْ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَيْ لِتُؤْمِنُوا إِيمَانًا كَامِلًا بِالِامْتِثَالِ لِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلَا تَشُوبُوا أَعْمَالَ الْإِيمَانِ بِأَعْمَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي تَشْنِيعِ الظِّهَارِ، وَتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ إِيقَاعِهِ فِيمَا بَعْدُ، أَوْ ذَلِكَ النَّقْلُ مِنْ حَرَجِ الْفِرَاقِ بِسَبَبِ قَوْلِ الظِّهَارِ إِلَى الرُّخْصَةِ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَفِي الْخَلَاصِ مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ، لَتَيْسِيرِ الْإِيمَانِ عَلَيْكُمْ فَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَج: ٧٨] . ولِتُؤْمِنُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ. وَلَمَّا كَانَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ وَهُوَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِوَضًا عَنْ تَحْرِيرِ رَقَبَة كَانَ من عُلِّلَ بِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُنْسَحِبًا عَلَى الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَمَا عُلِّلَ بِهِ الصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ مُنْسَحِبًا عَلَى تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، فَأَفَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ وَصِيَامِ شَهْرَيْنِ وَإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُشْتَمِلٌ عَلَى كِلْتَا الْعِلَّتَيْنِ وَهُمَا: الْمَوْعِظَةُ وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَالْإِشَارَةُ فِي وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إِلَى مَا أُشير إِلَيْهِ ب ذلِكَ، وَجِيءَ لَهُ بِاسْمِ إِشَارَةِ التَّأْنِيثِ نَظَرًا لِلْإِخْبَارِ عَنْهُ بِلَفْظِ حُدُودُ إِذْ هُوَ جَمْعٌ يَجُوزُ تَأْنِيثُ إِشَارَتِهِ كَمَا يَجُوزُ تَأْنِيثُ ضَمِيرِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ

стр. 9629

وَجُمْلَةُ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ تَتْمِيمٌ لِجُمْلَةِ ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَيْ: ذَلِكَ الْحُكْمُ وَهُوَ إِبْطَالُ التَّحْرِيمِ بِالظِّهَارِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ آثَارِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ سُنَّةُ قَوْمٍ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ عَلَى الْكُفْرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْأَبَاطِيلِ، فَالظِّهَارُ شَرْعُ الْجَاهِلِيَّةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التَّوْبَة: ٣٧] ، لِأَنَّهُ وَضَعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ. [٥] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٥] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. لَمَّا جَرَى ذِكْرُ الْكَافِرِينَ وَجَرَى ذِكْرُ حُدُودِ اللَّهِ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ مُنَافِقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ نَقَلَ الْكَلَامَ إِلَى تَهْدِيدِهِمْ وَإِيقَاظِ الْمُسْلِمِينَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْهُمْ. وَالْمُحَادَّةُ: الْمَشَاقَّةُ وَالْمُعَادَاةُ، وَقَدْ أُوثِرَ هَذَا الْفِعْلُ هُنَا لِوُقُوعِ الْكَلَامِ عَقِبَ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُحَادَّةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحَدِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَادِيَيْنِ كَأَنَّهُ فِي حَدٍّ مُخَالِفٍ لِحَدِّ الْآخَرِ، مِثْلَ مَا قِيلَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ عُدْوَةِ الْوَادِي لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَعَادِيَيْنِ يُشْبِهُ مَنْ هُوَ مِنَ الْآخَرِ فِي عُدْوَةٍ أُخْرَى. وَقِيلَ: اشْتُقَّتِ الْمُشَاقَّةُ مِنَ الشُّقَّةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَخَالِفَيْنِ كَأَنَّهُ فِي شُقَّةٍ غَيْرِ شُقَّةِ الْآخَرِ. وَالْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يُحَادُّونَ رَسُول الله ﷺ الْمُرْسَلَ بِدِينِ اللَّهِ فَمُحَادَّتُهُ مُحَادَّةٌ لِلَّهِ. وَالْكَبْتُ: الْخِزْيُ وَالْإِذْلَالُ وَفِعْلُ كُبِتُوا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَعِيدِ أَيْ سَيُكْبَتُونَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُضِيِّ تَنْبِيهًا عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لَا خِلَافَ فِي خَبَرِهِ مِثْلَ أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١] وَلِأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِتَنْظِيرِهِ بِمَا وَقَعَ لِأَمْثَالِهِمْ. وَقَرِينَةُ ذَلِكَ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ إِنَّ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَوْ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ كَبْتٍ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُقْتَضَى لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ إِذْ لَا يُنَازِعُ أَحَدٌ فِيمَا وَقَعَ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُ: كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَعْنِي الَّذِينَ حَادُّوا اللَّهَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِيهَا فَالْمُرَادُ بِصِلَةِ مِنْ قَبْلِهِمْ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُمْ.

стр. 9630

وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ. مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجُمْلَةِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أَيْ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي مُحَادَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ مَعَ الرَّسُول ﷺ آيَاتِ الْقُرْآنِ بَيِّنَةً عَلَى صِدْقِهِ. وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ. عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَيْ لَهُمْ بَعْدَ الْكَبْتِ عَذَابٌ مُهِينٌ فِي الْآخِرَةِ. وَتَعْرِيفُ (الْكَافِرِينَ) تَعْرِيفُ الْجِنْسِ لِيَسْتَغْرِقَ كُلَّ الْكَافِرِينَ. وَوَصَفَ عَذَابَهُمْ بِالْمُهِينِ لِمُنَاسَبَةِ وَعِيدِهِمْ بِالْكَبْتِ الَّذِي هُوَ الذل والإهانة. [٦] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٦] يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) يجوز أَنْ يَكُونَ يَوْمَ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [المجادلة: ٥] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ مُهِينٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَهْوِيلًا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَسْمَاءِ الزَّمَانِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٠] . وَضَمِيرُ الْجَمْعِ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة: ٥] . وَلِذَلِكَ أُتِيَ بِلَفْظِ الشُّمُولِ وَهُوَ جَمِيعاً حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ. وَقَوْلُهُ: فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا تَهْدِيدٌ بِفَضْحِ نِفَاقِهِمْ يَوْمَ الْبَعْثِ. وَفِيهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.

стр. 9631

وَجُمْلَةُ أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ (مَا عَمِلُوا) . وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَالِ هُوَ مَا عطف عَلَيْهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَنَسُوهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ الْعِبْرَةِ. وَبِه تكون الْحَال مُؤَسِّسَةً لَا مُؤَكِّدَةً لعاملها، وَهُوَ فَيُنَبِّئُهُمْ، أَيْ عَلِمَهُ اللَّهُ عِلْمًا مُفَصَّلًا مِنَ الْآنَ، وَهُمْ نَسُوهُ، وَذَلِكَ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مُتَهَاوِنُونَ بِعَظِيمِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ مِنَ الْغُرُورِ، أَيْ نَسُوهُ فِي الدُّنْيَا بَلْهَ الْآخِرَةِ فَإِذَا أُنْبِئُوا بِهِ عَجِبُوا قَالَ تَعَالَى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لَا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً [الْكَهْف: ٤٩] . وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ تَذْيِيلٌ. وَالشَّهِيدُ: الْعَالِمُ بالأمور الْمُشَاهدَة. [٧] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٧] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ هُوَ تَخَلُّصٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦] إِلَى ذِكْرِ عِلْمِ اللَّهِ بِأَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْلَافِهِمُ الْيَهُودِ. فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يُنَاجِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيُرِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مَوَدَّةَ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ لِبَعْضٍ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ بِتَنَاجِيهِمْ يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ أَمْرُهَا وَاحِدٌ وَكَلِمَتُهَا وَاحِدَةٌ، وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ يُحِبُّونَ أَنْ تكون لَهُم خيفة فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ يَتَّقُونَ بِهَا بَأْسَهُمْ إِنِ اتَّهَمُوا بَعْضَهُمْ بِالنِّفَاقِ أَوْ بَدَرَتْ مِنْ أَحَدِهِمْ بَادِرَةٌ تَنُمُّ بِنِفَاقِهِ، فَلَا يُقْدِمُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَذَاهُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ لَهُ بِطَانَةً تُدَافِعُ عَنْهُ. وَكَانُوا إِذَا مَرَّ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ فَحَسِبُ الْمَارُّونَ لَعَلَّ حَدَثًا حَدَثَ مِنْ مُصِيبَةٍ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ عَلَى تَوَقُّعِ حَرْبٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ حِينٍ فَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّ مُنَاجَاةَ الْمُتَنَاجِينَ حَدِيثٌ عَنْ قُرْبِ الْعَدُوِّ أَوْ عَنْ هَزِيمَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي السَّرَايَا الَّتِي يَخْرُجُونَ فِيهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ لِإِشْعَارِ الْمُنَافِقِينَ بِعِلْمِ اللَّهِ بِمَاذَا يَتَنَاجَوْنَ، وَأَنَّهُ مطلع رَسُوله ﷺ عَلَى دَخِيلَتِهِمْ لِيَكُفُّوا عَنِ الْكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 9632

فَهَذِهِ الْآيَةُ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى الْآيَة [المجادلة: ٨] . وأَ لَمْ تَرَ مِنَ الرُّؤْيَةِ الْعِلْمِيَّةِ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يُرَى وَسَدَّ الْمَصْدَرُ مَسَدَّ الْمَفْعُولِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ تَرَ اللَّهَ عَالِمًا. وَمَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَعُمُّ الْمُبْصِرَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: ٦] لِاخْتِصَاصِهِ بِعِلْمِ الْمُشَاهَدَاتِ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمُفْتَتَحَ بِهِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ هُوَ عِلْمُ الْمَسْمُوعَاتِ. وَجُمْلَةُ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَى آخِرِهَا بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ. وَقَوْلِهِ: إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَقَوْلِهِ: إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ، أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا يَتَنَاجَوْنَ فِيهِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى نَجِيٌّ مَعَهُمْ. وَمَا نَافِيَةٌ. ويَكُونُ مُضَارِعُ (كَانَ) التَّامَّةِ، ومِنْ زَائِدَةٌ فِي النَّفْيِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ، ونَجْوى فِي مَعْنَى فَاعِلِ يَكُونُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَكُونُ بِيَاءِ الْغَائِبِ لِأَنَّ تَأْنِيثَ نَجْوى غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَيَجُوزُ فِيهِ جَرْيُ فِعْلِهِ عَلَى أَصْلِ التَّذْكِيرِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَاعِلِهِ بِحَرْفِ مِنْ الزَّائِدَةِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِتَاءِ الْمُؤَنَّثِ رَعْيًا لِصُورَةِ تَأْنِيثِ لَفْظِهِ. وَالنَّجْوَى: اسْمُ مَصْدَرِ نَاجَاهُ، إِذَا سَارَّهُ. وثَلاثَةٍ مُضَافٌ إِلَيْهِ نَجْوى. أَيْ مَا يَكُونُ تَنَاجِي ثَلَاثَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ كَرَابِعٍ لَهُمْ، وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ كَسَادِسٍ لَهُمْ، وَلَا أَدْنَى وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ عَائِدَةٌ إِلَى ثَلاثَةٍ وَإِلَى خَمْسَةٍ وَإِلَى ذلِكَ وأَكْثَرَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ الْإِنْذَارُ وَالْوَعِيدُ وَتَخْصِيصُ عَدَدَيِ الثَّلَاثَةِ وَالْخَمْسَةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ بعض المتناجين الَّذِي نَزَلَتِ الْآيَةُ بِسَبَبِهِمْ كَانُوا حِلَفًا بِعْضُهَا مِنْ ثَلَاثَةٍ وَبَعْضُهَا مِنْ خَمْسَةٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى غَيْرُ مَصْمُودٍ وَالْعَدَدُ غَيْرُ مَقْصُودٍ. وَفِي «الْكَشَّافِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رَبِيعَةَ وَحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرِو (بْنِ عُمَيْرٍ مِنْ

стр. 9633

ثَقِيفٍ) وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ (السُّلَمِيِّ حَلِيفِ بَنِي أَسَدٍ) كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا نَقُولُ؟ فَقَالَ الْآخَرُ: يَعْلَمُ بَعْضًا وَلَا يَعْلَمُ بَعْضًا. وَقَالَ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ بَعْضًا فَهُوَ يَعْلَمُ كُلَّهُ. اهـ. وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي غَيْرِ «الْكَشَّافِ» وَلَا مُنَاسَبَةَ لِهَذَا بِالْوَعِيدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ فَإِنَّ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةَ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَعُدُّوا فِي الصَّحَابَةِ وَكَأَنَّ هَذَا تَخْلِيطٌ مِنَ الرَّاوِي بَيْنَ سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ [٢٢] . كَمَا فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» وَبَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ. وَرُكِّبَتْ أَسْمَاءُ ثَلَاثَةٍ آخَرِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فآية النَّجْوَى إِنَّمَا هِيَ فِي تَنَاجِي الْمُنَافِقِينَ أَوْ فِيهِمْ وَفِي الْيَهُودِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ مُفَرَّعٌ مِنْ أَكْوَانٍ وَأَحْوَالٍ دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يَكُونُ وَالْجُمَلُ الَّتِي بعد حرف الِاسْتِثْنَاء فِي مَوَاضِعِ أَحْوَالٍ. وَالتَّقْدِيرُ: مَا يكون من نَجْوَى ثَلَاثَةٍ فِي حَالٍ مِنْ عِلْمِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ إِلَّا حَالَةٌ اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ. وَتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ فِي الْمَعْطُوفَاتِ عَلَى الْمَنْفِيِّ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ وَخَاصَّةً حَيْثُ كَانَ مَعَ كُلٍّ مِنَ الْمَعَاطِيفِ اسْتِثْنَاءٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَلا أَكْثَرَ بِنَصْبِ أَكْثَرَ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ نَجْوى. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ نَجْوى لِأَنَّهُ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرٍّ زَائِدٍ. وأَيْنَ مَا مُرَكَّبٌ مِنْ (أَيْنَ) الَّتِي هِيَ ظَرْفُ مَكَانٍ وَ (مَا) الزَّائِدَةُ. وَأُضِيفَ (أَيْنَ) إِلَى جُمْلَةِ كانُوا، أَيْ فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانُوا فِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ [٤] . وثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ لِأَنَّ إِنْبَاءَهُمْ بِمَا تَكَلَّمُوا وَمَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَدَلُّ عَلَى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ مِنْ عِلْمِهِ بِحَدِيثِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ مُعْظَمَ عِلْمِ الْعَالَمِينَ يَعْتَرِيهِ النِّسْيَانُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنَ الطُّولِ وَكَثْرَةِ تَدْبِيرِ الْأُمُورِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَفِي هَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ بِأَنَّ نَجْوَاهُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ فَنُهِيَ عَنْهُ وَيَشْمَلُ هَذَا تَحْذِيرَ مَنْ يُشَارِكُهُمْ.

стр. 9634

وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا فَأَغْنَتْ أَنَّ غناء فَاء السبية كَقَوْلِ بَشَّارٍ: إِنْ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِ أَنَّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَإِلَّا فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ لَا يَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا التَّعْرِيضُ بِالْوَعِيدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّنَاجِي كَانَ سَابِقًا عَلَى نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَالْآيَاتِ بَعْدَهَا. [٨] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٨] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ. إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالْآيَتَانِ اللَّتَانِ بَعْدَهَا نَزَلَتْ مَعَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ تَرْتِيبِ التِّلَاوَةِ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: نُهُوا عَنِ النَّجْوى مُؤْذِنًا بِأَنَّهُ سَبَقَ نَهْيٌ عَنِ النَّجْوَى قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ نَهَاهُمْ رَسُول الله ﷺ عَنِ التَّنَاجِي بِحَضْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَنَزَلَتْ، فَتَكُونُ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ نَزَلَتْ لِتَوْبِيخِهِمْ وَهُوَ مَا اعْتَمَدْنَاهُ آنِفًا. وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِفَتْرَةٍ كَانَ الْمُرَادُ النَّهْيُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ [المجادلة: ٧] كَمَا تَقَدَّمَ، بِأَنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ النَّجْوَى بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا الْوَعِيدَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى هُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ. وثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ يَعُودُونَ لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ لِأَنَّ عَوْدَتَهُمْ إِلَى النَّجْوَى بَعْدَ أَن نهوا عَنْهَا أَعْظَمُ مِنِ ابْتِدَاءِ النَّجْوَى لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا كَانَ إِثْمًا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ نَجْوَاهُمْ مِنْ نَوَايَا سَيِّئَةٍ نَحْو النبيء ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا عَوْدَتُهُمْ إِلَى النَّجْوَى بَعْدَ أَنْ نُهُوا عَنْهَا فَقَدْ زَادُوا بِهِ تَمَرُّدًا على النبيء ﷺ وَمَشَاقَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا اقْتَضَاهُ اسْتِمْرَارُ الْمُنَافِقِينَ عَلَى نَجْوَاهُمْ.

стр. 9635

وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى تَعْجِيبِيٌّ مُرَادٌ بِهِ تَوْبِيخُهُمْ حِينَ يَسْمَعُونَهُ. وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهَا بِحَرْفِ إِلَى. وَالتَّعْرِيفُ فِي النَّجْوى تَعْرِيفُ الْعَهْدِ لِأَنَّ سِيَاق الْكَلَام فِي نَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ النَّجْوَى. وَهِيَ النَّجْوَى الَّتِي تُحْزِنُ الَّذِينَ آمنُوا كَمَا ينبىء عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة: ١٠] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ جِنْسِ النَّجْوَى فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَعُمُّ كُلَّ نَجْوَى بِمَرْأًى مِنَ النَّاسِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، قَالَ الْبَاجِيُّ فِي «الْمُنْتَقَى» : رُوِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ دُونَ وَاحِدٍ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَآمَنَ النَّاسُ زَالَ هَذَا الْحُكْمُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ الْآيَةَ [١١٤] فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِأَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْإِخْلَاصُ وَهُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ ظَاهِرُ الْمَرْءِ وَبَاطِنُهُ، وَالثَّانِي: النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، فَالنَّجْوَى خِلَافُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ وَبَعْدَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْخَلْقِ مِنْ أَمْرٍ يَخْتَصُّونَ بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَيَخُصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَرخص فِي ذَلِكَ بِصَفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ اه. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» حَدِيثٌ أَنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» . زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» . وَاخْتَلَفَ فِي مَحْمَلِ هَذَا النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْقَبَسِ» : فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ مَخَافَةَ أَنْ يُحْزِنَهُ مِنْ قَول النبيء ﷺ فَقَدِ انْحَسَمَ التَّأْوِيلُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يَتَنَاجَى أَرْبَعَةٌ دُونَ وَاحِدٍ. وَأما تناجي الْجَمَاعَة دُونَ جَمَاعَةٍ فَإِنَّهُ أَيْضًا مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ اه. وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ تَنَاجِي جَمَاعَةٍ دُونَ جَمَاعَةٍ وَاحْتَجَّ لَهُ ابْنُ التِّينِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ (يَعْنِي النبيء ﷺ وَهُوَ فِي مَلَأٍ فَسَارَرْتُهُ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ.

стр. 9636

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُتَنَاجِيَيْنِ فِي حَالِ تَنَاجِيهِمَا. وَأُلْحِقَ بِالتَّنَاجِي أَنْ يَتَكَلَّمَ رَجُلَانِ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُهَا ثَالِثٌ مَعَهُمَا. وَالْقَوْلُ فِي اسْتِعْمَالِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ وَتَعْدِيَتِهِ بِاللَّامِ نَظِيرُ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة: ٣] . وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَوْقِعِ ثُمَّ عَاطِفَةِ الْجُمْلَةِ. وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ فِي يَعُودُونَ دَالَّةٌ عَلَى التَّجَدُّدِ، أَيْ يُكَرِّرُونَ الْعَدَدَ بِحَيْثُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْعِصْيَانَ وَقِلَّةَ الِاكْتِرَاثِ بِالنَّهْيِ فَإِنَّهُمْ لَوْ عَادُوا إِلَى النَّجْوَى مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لَاحْتَمَلَ حَالُهُمْ أَنَّهُمْ نَسُوا. وَ «لِما نُهُوا عَنْهُ» هُوَ النَّجْوَى، فَعَدَلَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِضَمِيرِ النَّجْوَى إِلَى الْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِمَا بَعْدَهَا مِنَ الْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ عَلَى مَا فِي الصِّلَةِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلَى سَفَهِهِمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَتَناجَوْنَ بِصِيغَةِ التَّفَاعُلِ مِنْ نَاجَى الْمَزِيدِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَرُوَيْسٌ وَيَعْقُوبُ وَيَنْتَجُونَ بِصِيغَةِ الِافْتِعَالِ مِنْ نَجَا الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ أَيْ سَارَّ غَيْرَهُ، وَالِافْتِعَالُ يَرِدُ بِمَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ مِثْلِ اخْتَصَمُوا وَاقْتَتَلُوا. وَالْإِثْمُ: الْمَعْصِيَةُ وَهُوَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تَنَاجِيهِمْ مِنْ كَلَامِ الْكُفْرِ وَذَمِّ الْمُسْلِمِينَ. والْعُدْوانِ بِضَمِّ الْعَيْنِ: الظُّلْمُ وَهُوَ مَا يُدَبِّرُونَهُ مِنَ الْكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَعْصِيَةُ الرَّسُولِ مُخَالَفَةُ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ النَّجْوَى وَهُمْ يعودون لَهَا. وَالْيَاء لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ يَتَنَاجَوْنَ مُلَابِسِينَ الْإِثْمَ وَالْعُدْوَانَ وَمَعْصِيَةَ الرَّسُولِ وَهَذِهِ الْمُلَابَسَةُ مُتَفَاوِتَةٌ. فَمُلَابَسَةُ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مُلَابَسَةُ الْمُتَنَاجِي فِي شَأْنِهِ لِفِعْلِ الْمُنَاجِينَ. وَمُلَابَسَةُ مَعْصِيّة الرَّسُول ﷺ مُلَابَسَةُ الْمُقَارَنَةِ لِلْفِعْلِ، لِأَنَّ نَجْوَاهُمْ بَعْدَ أَنْ نَهَاهُم النبيء ﷺ عَنْهَا مَعْصِيَةٌ وَفِي قَوْلِهِ: نُهُوا عَنِ النَّجْوى وَقَوْلِهِ: وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ لَا يَهُودُ لِأَن النبيء ﷺ مَا كَانَ

стр. 9637

يَنْهَى الْيَهُودَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ. وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ تَأَوَّلَ الْآيَةَ عَلَى الْيَهُودِ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، بَلِ الْحَقُّ مَا فِي ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقين. وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ. بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَالَهُمْ فِي اخْتِلَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ذَكَرَ حَالَ نِيَّاتِهِمُ الْخَبِيثَةِ عِنْدَ الْحُضُورِ فِي مجْلِس النبيء ﷺ فَإِنَّهُمْ يَتَتَبَّعُونَ سُوءَ نِيَّاتِهِمْ مِنْ كَلِمَاتٍ يَتَبَادَرُ مِنْهَا لِلسَّامِعِينَ أَنَّهَا صَالِحَةٌ فَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا على النبيء ﷺ يَخْفِتُونَ لَفْظَ «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» لِأَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ وَلِمَا فِيهِ من جمع مَعْنَى السَّلَامَةِ يَعْدِلُونَ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: أَنْعِمْ صَبَاحًا، وَهِيَ تَحِيَّةُ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُحِبُّونَ أَنْ يَتْرُكُوا عَوَائِدَ الْجَاهِلِيَّةِ. نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَمَعْنَى بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ، بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَامِ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيَّاهُ بِذَلِكَ بِخُصُوصِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الْأَحْزَاب: ٥٦] . وَحَيَّاهُ بِهِ فِي عُمُومِ الْأَنْبِيَاءِ بِقَوْلِهِ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النَّمْل: ٥٩] وَتَحِيَّةُ اللَّهِ هِيَ التَّحِيَّةُ الْكَامِلَةُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حيّوا النبيء ﷺ قَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، وَأَن النبيء ﷺ كَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: «وَعَلَيْكُمْ» . فَإِنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ فِي قَوْمٍ مَعْرُوفٌ أَنَّهُمْ مِنَ الْيَهُودِ. وَمَا ذُكِرَ أَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَلِيقُ حَمْلُهُ عَلَى أَحْوَالِ الْيَهُودِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا وَلَوْ حمل ضمير جاؤُكَ عَلَى الْيَهُودِ لَزِمَ عَلَيْهِ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ. أَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَفِي أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ، وَهَذَا مِثْلُ مَا كَانَ بَعضهم يَقُول للنَّبِي ﷺ : راعِنا [الْبَقَرَة: ١٠٤] تَعَلَّمُوهَا مِنَ الْيَهُودِ وَهُمْ يُرِيدُونَ التَّوْجِيهَ بِالرُّعُونَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ [الْبَقَرَة: ١٠٤] وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُ نَهْيَ الْيَهُودِ. وَمَعْنَى يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 9638

فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النُّور: ٦١] . وَقَوْلِهِ: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النُّور: ١٢] ، أَيْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ خَيْرًا، أَيْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِ أَنْفُسِهِمْ مَجَامِعِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً، أَيْ قُلْ لَهُمْ خَالِيًا بِهِمْ سَتْرًا عَلَيْهِمْ مِنَ الِافْتِضَاحِ. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٦٣] ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ، أَيْ هَلَّا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِسَبَبِ كَلَامِنَا الَّذِي نَتَنَاجَى بِهِ مِنْ ذمّ النبيء ﷺ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَيْ يَقُولُونَ مَا مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا لَعَذَّبَنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُهُ مِنَ السُّوءِ فِيهِ وَمِنَ الذَّمِّ وَهُوَ مَا لَخَّصَهُ اللَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِكَلِمَةِ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ فَإِنَّ لَوْلا لِلتَّحْضِيضِ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنَايَةٌ عَن جحد نبوءة النبيء ﷺ ، أَيْ لَوْ كَانَ نَبِيئًا لَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلَعَذَّبَنَا الْآنَ بِسَبَبِ قَوْلِنَا لَهُ. وَهَذَا خَاطِرٌ مِنْ خَوَاطِرِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ الْمُتَأَصِّلَةِ فِيهِمْ، وَهِيَ تَوَهُّمُهُمْ أَنَّ شَأْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَشَأْنِ الْبَشَرِ فِي إِسْرَاعِ الِانْتِقَامِ وَالِاهْتِزَازِ مِمَّا لَا يَرْضَاهُ وَمِنَ الْمُعَانَدَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ نِدًّا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لِجُحُودِهِمْ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ يَحْسَبُونَ أَنَّ عِقَابَ اللَّهِ تَعَالَى يَظْهَرُ فِي الدُّنْيَا» . وَهَذَا مِنَ الْغُرُورِ قَالَ تَعَالَى: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [فصلت: ٢٣] ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَى كَلَامِهِمْ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ أَيْ كَافِيهِمْ مِنَ الْعَذَابِ جَهَنَّمُ فَإِنَّهُ عَذَابٌ. وَأَصْلُ يَصْلَوْنَها يَصْلَوْنَ بِهَا، فَضَمَّنَ مَعْنَى يَذُوقُونَهَا أَوْ يَحُسُّونَهَا وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ فِي الْقُرْآنِ. وَقَوْلُهُ: فَبِئْسَ الْمَصِيرُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْوَعِيدِ بِشَأْنِ ذمّ جَهَنَّم. [٩] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٩] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) خِطَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ فَعَامَلَهُمُ اللَّهُ بِمَا أَظْهَرُوهُ وَنَادَاهُمْ بِوَصْفِ الَّذِينَ آمَنُوا كَمَا قَالَ: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [الْمَائِدَة: ٤١]

стр. 9639

وَمِنْهُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الْحجر: ٦] أَيْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ بِزَعْمِهِ، وَنَبَّهَهُمْ إِلَى تَدَارُكِ حَالِهِمْ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ آثَارِ النِّفَاقِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ مِنْ تَعْقِيبِ التَّخْوِيفِ بِالتَّرْغِيبِ. فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ. ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْكُفْرُ فَكَانُوا فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ مُقَارِبِينَ الْإِيمَانَ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَلِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ مَثَلًا بِالنُّورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [الْبَقَرَة: ١٧] ثُمَّ قَوْلِهِ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [الْبَقَرَة: ٢٠] . وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِنْ كَانُوا مُتَنَاجِينَ لَا مَحَالَةَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ الْخُلَّصِ بِأَنْ وَجَّهَ اللَّهُ الْخِطَابَ إِلَيْهِمْ تَعْلِيمًا لَهُمْ بِمَا يَحْسُنُ مِنَ التَّنَاجِي وَمَا يَقْبُحُ مِنْهُ بِمُنَاسَبَةِ ذَمِّ تَنَاجِي الْمُنَافِقِينَ فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِالنَّهْيِ عَنْ مِثْلِ تَنَاجِي الْمُنَافِقِينَ وَإِنْ كَانَ لَا يَصْدُرُ مِثْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَعْرِيضًا بِالْمُنَافِقِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمرَان: ١٥٦] ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ هُوَ قَوْلُهُ: وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وَالتَّقْيِيد ب إِذا تَناجَيْتُمْ يُشِير إِلَى أَنه لَا يَنْبَغِي التناجي مُطلقًا وَلَكنهُمْ لما اعتادوا التناجي حذروا من غوائله، وَإِلَّا فَإِن التَّقْيِيد مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله: «لَا تتناجوا بالإثم والعدوان» . وَهَذَا مثل مَا وَقع فِي حَدِيث النَّهْي عَن الْجُلُوس فِي الطرقات من قَوْله ﷺ : «فَإِن كُنْتُم فاعلين لَا محَالة فاحفظوا حق الطَّرِيق» . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَلا تَتَناجَوْا بِصِيغَةِ التَّفَاعُلِ. وَقَرَأَهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ فَلَا تَنْتَجُوا بِوَزْنِ تَنْتَهُوا. وَالْأَمْرُ مِنْ قَوْلِهِ: وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِبَاحَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذا تَناجَيْتُمْ.

стр. 9640

وَالْإِثْمُ وَالْعُدْوَانُ وَمَعْصِيَةُ الرَّسُولِ تَقَدَّمَتْ. وَأَمَّا الْبِرُّ فَهُوَ ضِدُّ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَهُوَ يَعُمُّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الدِّينِ. والتَّقْوى: الِامْتِثَالُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢] . وَفِي قَوْلِهِ: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ. فَالْمَعْنَى: الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون فيجازيكم. [١٠] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ١٠] إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَأْنِيسٌ لِنُفُوسِهِمْ يُزَالُ بِهِ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْحُزْنِ لِمُشَاهَدَةِ نَجْوَى الْمُنَافِقِينَ لِاخْتِلَافِ مَذَاهِبِ نُفُوسِهِمْ إِذَا رَأَوُا الْمُتَنَاجِينَ فِي عَدِيدِ الظُّنُونِ وَالتَّخَوُّفَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ اقْتَضَتْهُ مُنَاسِبَةُ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوَى، عَلَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَعْلِيلًا لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوَى. وَالتَّعْرِيفُ فِي النَّجْوى تَعْرِيفُ الْعَهْدِ لَا مَحَالَةَ. أَيْ نَجْوَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ومعصية الرَّسُول ﷺ . وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ إِنَّمَا قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ ومِنَ ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ قَصَرَ النَّجْوَى عَلَى الْكَوْنِ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَيْ جَائِيَةٌ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ الَّتِي يَتَنَاجَوْنَ فِيهَا مِنْ أَكْبَرِ مَا يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ بِأَنْ يَفْعَلُوهُ لِيُحْزِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا يَتَطَرَّقُهُمْ مِنْ خَوَاطِرِ الشَّرِّ بِالنَّجْوَى. وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَيْسَتْ قَيْدًا فِي الْحَصْرِ فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ عِلَلًا أُخْرَى مِثْلَ إِلْقَاءِ الْمُتَنَاجِينَ فِي الضَّلَالَةِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ عَلَى إِلْقَاءِ الْفِتْنَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ الشَّيْطَانِيَّةِ. وَقَدْ خُصَّتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَسْلِيَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَصَبُّرُهُمْ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً لِيَطْمَئِنَّ الْمُؤْمِنُونَ بِحِفْظِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِنْ ضُرِّ الشَّيْطَانِ. وَهَذَا نَحْو من قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الْحجر: ٤٢] .

стр. 9641

وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ لِيَحْزُنَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ فَيَكُونُ الَّذِينَ آمَنُوا مَفْعُولًا. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمَّ الزَّاي مضارع حزم فَيَكُونُ الَّذِينَ آمَنُوا فَاعِلًا وَهُمَا لُغَتَانِ. وَجُمْلَةُ وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ إِلَخْ مُعْتَرِضَةٌ. وَضَمِيرُ الرَّفْعِ الْمُسْتَتِرُ فِي قَوْلِهِ: بِضارِّهِمْ عَائِدٌ إِلَى الشَّيْطانِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَضُرُّ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّجْوَى أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ يُحْزِنُهُمْ. فَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً [آل عمرَان: ١١١] أَوْ عَائِدٌ إِلَى النَّجْوَى بِتَأْوِيلِهِ بِالتَّنَاجِي، أَيْ لَيْسَ التَّنَاجِي بِضَارِّ الْمُؤْمِنِينَ لِأَن أَكْثَره ناشىء عَنْ إِيهَامِ حُصُولِ مَا يَتَّقُونَهُ فِي الْغَزَوَاتِ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحْوَالٍ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ إِلَّا فِي حَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَ شَيْئًا مِنَ الْمَضَرَّةِ مِنْ هَزِيمَةٍ أَوْ قَتْلٍ. وَالْمُرَادُ بِالْإِذْنِ أَمْرُ التَّكْوِينِ. وَانْتَصَبَ شَيْئاً عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، أَيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ. وَوُقُوعُ شَيْئاً وَهُوَ ذِكْرُهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ كُلِّ ضُرٍّ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَيِ انْتَفَى كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ضُرِّ الشَّيْطَانِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَشْمَلُ ضُرَّ النَّجْوَى وَضُرَّ غَيْرِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ مِنْ عُمُومِ شَيْئاً الْوَاقِعُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، أَيْ لَا ضُرًّا مُلَابِسًا لِإِذْنِ اللَّهِ فِي أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ضُرَّهُ فِيهِ، أَيْ ضُرَّ وَسْوَسَتِهِ. وَاسْتُعِيرَ الْإِذْنُ لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ مِنْ تَأَثُّرِ النُّفُوسِ بِمَا يُسَوِّلُ إِلَيْهَا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [الْحجر: ٤٢] فَإِذَا خَلَّى اللَّهُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ يَكُونُ اقْتِرَابُ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فِي كُلِّ حَالَةٍ يَبْتَعِدُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ عَنْ مُرَاقَبَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الشَّرْعِيَّيْنِ. وَهَذَا الضُّرُّ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّلْطَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الشَّيْطَانِ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ أَيْ فَلَكَ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ. وَهَذِهِ التَّصَارِيفُ الْإِلَهِيَّةُ جَارِيَةٌ عَلَى وَفْقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يُعلمهُ من أَحْوَال عِبَادِهِ وَسَرَائِرِهِمْ وَهُوَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى.

стр. 9642

وَلِهَذَا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمْ إِذَا تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكُّلًا حَقًّا بِأَنِ اسْتَفْرَغُوا وُسْعَهُمْ فِي التَّحَرُّزِ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَاسْتَعَانُوا بِاللَّهِ عَلَى تَيْسِيرِ ذَلِكَ لَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُهُمْ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطَّلَاق: ٣] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمُومُ شَيْئاً مُرَادًا بِهِ الْخُصُوصُ، أَيْ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا مِمَّا يُوهِمُهُ تَنَاجِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ هَزِيمَةٍ أَوْ قَتْلٍ إِلَّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ حُصُولَ هَزِيمَةٍ أَوْ قَتْلٍ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ التَّنَاجِيَ يُوهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَيْسَ وَاقِعًا فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنْ لَا يَحْزَنُوا بِالنَّجْوَى لِأَنَّ الْأُمُورَ تَجْرِي عَلَى مَا قَدَّرَهُ الله فِي نفس الْآمِرِ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْأَخْبَارُ الصَّادِقَةُ. وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ لِلِاهْتِمَامِ بِمَدْلُولِ هَذَا الْمُتَعَلّق. [١١] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ١١] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) فَصَلَ بَيْنَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنَّجْوَى بِهَذِهِ الْآيَةِ مُرَاعَاةً لِاتِّحَادِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَضْمُونِ الَّتِي بَعْدَهَا فِي أَنَّهُمَا يَجْمَعُهُمَا غَرَضُ التَّأَدُّبِ مَعَ الرَّسُول ﷺ ، وَتلك الْمُرَاعَاةُ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ اتِّحَادِ سِيَاقِ الْأَحْكَامِ. فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَدَبٌ فِي مجْلِس الرَّسُول ﷺ ، وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَدَبِ فِي مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ ، وأخرت تِلْكَ عَنْ آيَاتِ النَّجْوَى الْعَامَّةِ إِيذَانًا بِفَضْلِهَا دُونَ النَّجْوَى الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الْآيَاتُ السَّابِقَةُ، فَاتِّحَادُ الْجِنْسِ فِي النَّجْوَى هُوَ مُسَوِّغُ الِانْتِقَالِ مِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ إِلَى النَّوْعِ الثَّانِي، وَالْإِيمَاءُ إِلَى تَمَيُّزِهَا بِالْفَضْلِ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى الْفَصْلَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بِآيَةِ أَدَبِ الْمَجْلِسِ النَّبَوِيِّ. وَأَيْضًا قَدْ كَانَ لِلْمُنَافِقِينَ نِيَّةُ مَكْرٍ فِي قَضِيَّةِ الْمَجْلِسِ كَمَا كَانَ لَهُمْ نِيَّةُ مَكْرٍ فِي

стр. 9643

النَّجْوَى، وَهَذَا مِمَّا أَنْشَأَ مُنَاسَبَةَ الِانْتِقَالِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى النَّجْوَى إِلَى ذِكْرِ التَّفَسُّحِ فِي الْمَجْلِسِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ. رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النبيء ﷺ فِي الصُّفَّةِ، وَكَانَ فِي الْمَكَانِ ضِيقٌ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ قَدْ سَبَقُوا فِي الْمَجْلِسِ فَقَامُوا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُفْسَحَ لَهُمْ وَكَانَ النبيء ﷺ يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: قُمْ يَا فُلَانُ بِعَدَدِ الْوَاقِفِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ أُقِيمُوا، وَغَمَزَ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا أُنْصِفَ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ أَحَبُّوا الْقُرْبَ مِنْ نَبِيئِهِمْ فَسَبَقُوا إِلَى مَجْلِسِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِ الَّذِينَ أُقِيمُوا، وَتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِوَاجِبِ رَعْيِ فَضِيلَةِ أَصْحَابِ الْفَضِيلَةِ مِنْهَا، وَوَاجِبِ الِاعْتِرَافِ بِمَزِيَّةِ أَهْلِ الْمَزَايَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [النِّسَاء: ٣٢] ، وَقَالَ: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الْحَدِيد: ١٠] . وَالْخِطَابُ بِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ يَعُمُّ مَنْ حَضَرُوا الْمَجْلِسَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ حَادِثَةُ سَبَبِ النُّزُولِ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ عَسَى أَنْ يَحْضُرَ مجْلِس الرَّسُول ﷺ . وَابْتُدِئَتِ الْآيَةُ بِالْأَمْرِ بِالتَّفَسُّحِ لِأَنَّ إِقَامَةَ الَّذِينَ أُقِيمُوا إِنَّمَا كَانَتْ لِطَلَبِ التَّفَسِيحِ فَإِنَاطَةُ الْحُكْمِ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ. وَالتَّفَسُّحُ: التَّوَسُّعُ وَهُوَ تَفْعُّلٌ مِنْ فَسَحَ لَهُ بِفَتْحِ السِّينِ مُخَفَّفَةً إِذَا أَوْجَدَ لَهُ فُسْحَةً فِي مَكَانٍ، وَفَسُحَ الْمَكَانُ مِنْ بَابِ كَرُمَ إِذَا صَارَ فَسِيحًا. وَمَادَّةُ التَّفَعُّلِ هُنَا لِلتَّكَلُّفِ، أَيْ يُكَلَّفُ أَنْ يَجْعَلَ فُسْحَةً فِي الْمَكَانِ وَذَلِكَ بِمُضَايَقَةٍ مَعَ الجلّاس. وتعريف الْمَجالِسِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الْعَهْدِ، وَهُوَ مجْلِس النبيء ﷺ ، أَيْ إِذَا قَالَ النبيء ﷺ لَكُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَمْرَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَاعَاةِ حق رَاجِح على غَيْرِهِ وَالْمَجْلِسُ مَكَانُ الْجُلُوسِ. وَكَانَ مجْلِس النبيء ﷺ بِمَسْجِدِهِ وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ الْمَكَانَ الْمُسَمَّى بِالرَّوْضَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ مِنْبَر النبيء ﷺ وَبَيْتِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يكون تَعْرِيف الْمَجالِسِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ. وَقَوْلُهُ: يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ

стр. 9644

مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: فَافْسَحُوا، وَهُوَ وَعْدٌ بِالْجَزَاءِ عَلَى الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ التَّفَسُّحِ مِنْ جِنْسِ الْفِعْلِ إِذْ جُعِلَتْ تَوْسِعَةُ اللَّهِ عَلَى الْمُمْتَثِلِ جَزَاءً عَلَى امْتِثَالِهِ الَّذِي هُوَ إِفْسَاحُهُ لِغَيْرِهِ فَضَمِيرُ لَكُمْ عَائِدٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الَّذِينَ يَفْسَحُونَ هُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَشَاعٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا الْجَزَاءُ لِلَّذِينَ تَعَلَّقَ بِهِمُ الْأَمْرُ تَعَلُّقًا إِلْزَامِيًّا. وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ لِيَعُمَّ كُلَّ مَا يَتَطَلَّبُ النَّاسُ الْإِفْسَاحَ فِيهِ بِحَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ مَكَانٍ ورزق أَوْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ عَلَى حَسَبِ النِّيَّاتِ، وَتَقْدِيرُهُ الْجَزَاءُ مَوْكُولٌ إِلَى إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَحُذِفَ فَاعِلُ الْقَوْلِ لِظُهُورِهِ، أَيْ إِذَا قَالَ لَكُمُ الرَّسُولُ: تَفَسَّحُوا فَافْسَحُوا، فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُكُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَالْآيَةُ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّفَسُّحِ إِذَا أَمَرَ بِهِ النبيء ﷺ ، وَلَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْهَا أَن تفسح الْمُسلمين بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْمَجَالِسِ مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا لِأَنَّهُ مِنَ الْمُكَارَمَةِ وَالْإِرْفَاقِ. فَهُوَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ وَاجِبِ التَّحَابِّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْبُقْعَةِ يُضَايِقُهُ فِيهَا غَيْرُهُ. فَهِيَ كُلْفَةٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ إِذَا قُوبِلَتْ بِمَصْلَحَةِ التَّحَابِّ وَفَوَائِدِهِ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى شِدَّةِ مُضَايِقَةٍ وَمَضَرَّةٍ أَوْ إِلَى تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ مِنْ سَمَاعٍ أَوْ نَحْوِهِ مِثْلِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَصُفُوفِ الصَّلَاةِ. وَذَلِكَ قِيَاسٌ عَلَى مجْلِس النبيء ﷺ فِي أَنَّهُ مَجْلِسُ خَيْرٍ. وَرُوِيَ عَن النبيء ﷺ : «أَحَبُّكُمْ إِلَيَّ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ» . قَالَ مَالِكٌ: مَا أَرَى الْحُكْمَ إِلَّا يَطَّرِدُ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهَا غَابِرَ الدَّهْرِ. يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَإِنْ نَزَلَ فِي مجْلِس النبيء ﷺ فَهُوَ شَامِلٌ لِمَجَالِسِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَجَالِسِ الْخَيْرِ لِأَنَّ هَذَا أَدَبٌ وَمُؤَاسَاةٌ، فَلَيْسَ فِيهِ قَرِينَةُ الْخُصُوصِيَّةِ بِالْمَجَالِسِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَرَادَ مَالِكٌ بِ «نَحْوِهَا» كُلَّ مَجْلِسٍ فِيهِ أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي شُؤُونِ الدِّينِ فَمِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْرِصُوا عَلَى إِعَانَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَى حُضُورِهِ. وَهَذَا قِيَاسٌ عَلَى مجْلِس النبيء ﷺ ، وَعِلَّتُهُ هِيَ التَّعَاوُنُ عَلَى الْمَصَالِحِ. وَأَفْهَمَ لَفْظُ التَّفَسُّحِ أَنَّهُ تَجَنُّبٌ لِلْمُضَايَقَةِ وَالْمُرَاصَّةِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الْمَقْصُودُ مِنْ حُضُورِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَوْ يَحْصُلُ أَلَمٌ لِلْجَالِسِينَ.

стр. 9645

وَقَدْ أَرْخَصَ مَالِكٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ إِذَا كَثُرَ الزِّحَامُ فِيهَا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فِي الْمَجْلِسِ وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي الْمَجالِسِ وَعَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ يَجُوزُ كَوْنُ اللَّامِ لِلْعَهْدِ وَكَوْنُهَا لِلْجِنْسِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مجَالِس النبيء ﷺ كُلَّمَا تَكَرَّرَتْ أَوْ مَا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَجَالِسِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْن يَصح أَن يكون الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَافْسَحُوا لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ. وَقَوْلُهُ: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا الْآيَةَ عَطْفٌ عَلَى إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ. وانْشُزُوا أَمْرٌ مِنْ نَشَزَ إِذَا نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ يُقَالُ: نَشَزَ يَنْشُزُ مِنْ بَابِ قَعَدَ وَضَرَبَ إِذَا ارْتَفَعَ لِأَنَّ النُّهُوضَ ارْتِفَاعٌ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي استقرّ فِيهِ وَمِنْه نشوز الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا مَجَازًا عَنْ بُعْدِهَا عَنْ مَضْجَعِهَا. وَالنُّشُوزُ: أَخَصُّ مِنَ التَّفْسِيحِ مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْأَخَصِّ: مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْهُ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمَعْطُوفِ لِأَنَّ الْقِيَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ أَقْوَى مِنَ التَّفْسِيحِ مِنْ قُعُودٍ. فَذُكِرَ النُّشُوزُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ وَأَنَّ التَّفْسِيحَ الْمَأْمُورَ بِهِ تَفْسِيحٌ من قعُود لَا سِيمَا وَقَدْ كَانَ سَبَبُ النُّزُولِ بِنُشُوزٍ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ فَسَّرَ النُّشُوزَ بِمُطْلَقِ الْقِيَامِ مِنْ مجْلِس الرَّسُول ﷺ سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ التَّفْسِيحِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْمَرُ بِالْقِيَامِ لِأَجْلِهِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ «إِذَا قِيلَ انْشُزُوا إِلَى الْخَيْرِ وَإِلَى الصَّلَاةِ فَانْشُزُوا» . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِذَا قِيلَ انْشُزُوا عَنْ بَيْتِ رَسُول الله ﷺ فَارْتَفِعُوا فَإِن للنبيء ﷺ حَوَائِجَ، وَكَانُوا إِذَا كَانُوا فِي بَيْتِهِ أَحَبَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ برَسُول الله ﷺ وَسَبَبُ النُّزُولِ لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ وَلَا يُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ. وَهَذَا الْحُكْمُ إِذَا عَسُرَ التَّفْسِيحُ وَاشْتَدَّ الزِّحَامُ وَالتَّرَاصُّ فَإِنَّ لِأَصْحَابِ الْمَقَاعِدِ الْحَقَّ الْمُسْتَقِرَّ فِي أَنْ يَسْتَمِرُّوا قَاعِدِينَ لَا يُقَامُ أَحَدٌ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَقُومُ لِأَجْلِهِ أَوْلَى بِالْمَكَانِ مِنَ الَّذِي أُقِيمَ لَهُ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْأَوَّلِيَّةِ كَمَا فعل النبيء ﷺ فِي إِقَامَةِ نَفَرٍ لِإِعْطَاءِ مَقَاعِدِهِمْ لِلْبَدْرِيِّينَ. وَمِنْهُ أَوْلَوِيَّةُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِمَجَالِسِ الدَّرْسِ، وَأَوْلَوِيَّةُ النَّاسِ فِي مَقَاعِدِ الْمَسَاجِدِ بِالسَّبْقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ نهى النبيء ﷺ عَنْ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ.

стр. 9646

وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى الْمَسْجِدِ بِبِسَاطِهِ أَوْ طَنْفَسَتِهِ أَوْ سَجَّادَتِهِ لِتُبْسَطَ لَهُ فِي مَكَانٍ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَأْتِيَ فَيَجْلِسَ عَلَيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ حَوْزٌ لِذَلِكَ الْمَكَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُرْسِلُ غُلَامَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ فَإِذَا جَاءَ ابْنُ سِيرِينَ قَامَ الْغُلَامُ لَهُ مِنْهُ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَرَى طَنْفَسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُطْرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ فَإِذَا غَشِيَ الطَّنْفَسَةَ كُلَّهَا ظَلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ. فَالطَّنْفَسَةُ وَنَحْوُهَا حَوْزُ الْمَكَانِ لِصَاحِبِ الْبِسَاطِ. فَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا يُبَكِّرُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَأْخُذُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الَّذِي أَرْسَلَ تَرَكَ لَهُ الْبُقْعَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ النِّيَابَةِ فِي حَوْزِ الْحَقِّ. وَقَرَأَ نَافِعٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ انْشُزُوا فَانْشُزُوا بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِمَا. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الشِّينِ. وَهَمَا لُغَتَانِ فِي مُضَارِعِ نَشَزَ. وَقَوْلُهُ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ جَوَاب الْأَمر فِي قَوْله: فَانْشُزُوا فَقَدْ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى جَزْمِ فِعْلِ يَرْفَعِ فَهُوَ جَوَابُ الْأَمْرِ بِهَذَا. وَعَدَ بِالْجَزَاءِ عَلَى الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ فِيمَا فِيهِ أَمْرٌ أَوْ لِمَا يَقْتَضِي الْأَمْرُ مِنْ عِلَّةٍ يُقَاسُ بِهَا عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْثَالُهُ مِمَّا فِيهِ عِلَّةُ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَافْسَحُوا. وَلَمَّا كَانَ النُّشُوزُ ارْتِفَاعًا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ بِهِ كَانَ جَزَاؤُهُ مِنْ جِنْسِهِ. وَتَنْكِيرُ دَرَجاتٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنْوَاعِهَا مِنْ دَرَجَاتِ الدُّنْيَا وَدَرَجَاتِ الْآخِرَةِ. وَضَمِيرُ مِنْكُمْ خِطَابٌ لِلَّذِينَ نُودُوا بِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. وَ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ يَرْفَعِ اللَّهُ دَرَجَاتِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا. وَقَرِينَةُ هَذَا التَّقْدِيرِ هِيَ جَعْلُ الْفِعْلِ جَزَاءً لِلْأَمْرِ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مُسَبَّبٌ عَمَّا رُتِّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: مِنْكُمْ صِفَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا. أَيِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالتَّغَايُرُ بَيْنَ مَعْنَى الْوَصْفِ وَمَعْنَى الْمَوْصُوفِ بِتَغَايُرِ الْمُقَدَّرِ وَإِنْ كَانَ لفظ الْوَصْف وَلَفظ الْمَوْصُوف مُتَرَادِفَيْنِ فِي الظَّاهِرِ. فَآلَ الْكَلَامُ إِلَى تَقْدِيرِ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلْأَمْرِ بِالنُّشُوزِ إِذَا كَانُوا

стр. 9647

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ دُونَ مَنْ يَضُمُّهُ الْمَجْلِسُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: يَرْفَعِ اللَّهُ النَّاشِزِينَ مِنْكُمْ فَاسْتَحْضَرُوا بِالْمَوْصُولِ بِصِلَةِ الْإِيمَانِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى عِلَّةِ رَفْعِ الدَّرَجَاتِ لِأَجْلِ امْتِثَالِهِمْ أَمْرَ الْقَائِلِ انْشُزُوا وَهُوَ الرَّسُول ﷺ إِنْ كَانَ لِإِيمَانِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ الِامْتِثَالَ مِنْ إِيمَانِهِمْ لَيْسَ لِنِفَاقٍ أَوْ لِصَاحِبِهِ امْتِعَاضٌ. وَعَطَفَ «الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْهُمْ» عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّ غِشْيَانَ مجْلِس الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا هُوَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ مَوَاعِظِهِ وَتَعْلِيمِهِ، أَيْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لِأَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ لِأَحَدٍ بِالْقِيَامِ مِنَ الْمَجْلِسِ لِأَجْلِهِمْ، أَيْ لِأَجْلِ إِجْلَاسِهِمْ، وَذَلِكَ رَفْعٌ لِدَرَجَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُمْ إِذَا تَمَكَّنُوا مِنْ مجْلِس الرَّسُول ﷺ كَانَ تَمَكُّنُهُمْ أَجْمَعَ لِلْفَهْمِ وَأَنْفَى لِلْمَلَلِ، وَذَلِكَ أَدْعَى لِإِطَالَتِهِمُ الْجُلُوسَ وَازْدِيَادِهِمُ التَّلَقِّيَ وَتَوْفِيرِ مُسْتَنْبَطَاتِ أَفْهَامِهِمْ فِيمَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ، فَإِقَامَةُ الْجَالِسِينَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَجْلِ إِجْلَاسِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ رَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَلَعَلَّ الْبَدْرِيِّينَ الَّذِينَ نَزَلَتِ الْآيَةُ بِسَبَبِ قِصَّتِهِمْ كَانُوا مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ. وَيَجُوزُ أَنْ بَعْضًا مِنَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْقِيَامِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأُقِيمَ لِأَجْلِ رُجْحَانِ فَضِيلَةِ الْبَدْرِيِّينَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِي الْوَعْدِ لِلَّذِي أُقِيمَ مِنْ مَكَانِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ اسْتِئْنَاسٌ لَهُ بِأَنَّ اللَّهَ رَافِعُ دَرَجَتِهِ. هَذَا تَأْوِيلُ نَظْمِ الْآيَةِ الَّذِي اقْتَضَاهُ قُوَّةُ إِيجَازِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْإِفْصَاحِ عَنِ اسْتِفَادَةِ الْمَعْنَى مِنْ هَذَا النَّظْمِ الْبَدِيعِ مَذَاهِبَ كَثِيرَةً وَمَا سَلَكْنَاهُ أَوْضَحُ مِنْهَا. وَانْتَصَبَ دَرَجاتٍ، عَلَى أَنَّهُ ظَرْفُ مَكَانٍ يَتَعَلَّقُ بِ يَرْفَعِ أَيْ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا رَفْعًا كَائِنًا فِي دَرَجَاتٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِ يَرْفَعِ لِأَنَّهَا دَرَجَاتٌ مِنَ الرَّفْعِ، أَيْ مَرَافِعَ.

стр. 9648

وَالدَّرَجَاتُ مُسْتَعَارَةٌ لِلْكَرَامَةِ فَإِنَّ الرَّفْعِ فِي الْآيَةِ رَفْعًا مَجَازِيًّا، وَهُوَ التَّفْضِيلُ وَالْكَرَامَةُ وَجِيءَ لِلِاسْتِعَارَةِ بِتَرْشِيحِهَا بِكَوْنِ الرَّفْعِ دَرَجَاتٍ. وَهَذَا التَّرْشِيحُ هُوَ أَيْضًا اسْتِعَارَةٌ مِثْلُ التَّرْشِيحِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [الرَّعْد: ٢٥] وَهَذَا أَحْسَنُ التَّرْشِيحِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٨٣] نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ قَوْلَهُ: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: مِنْكُمْ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ وَلَعَلَّهُ يَعْنِي: نَصْبَ دَرَجاتٍ بِفِعْلٍ هُوَ الْخَبَرُ عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَالتَّقْدِيرُ: جَعَلَهُمْ. وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تَذْيِيلٌ، أَيِ اللَّهُ عَلِيمٌ بِأَعْمَالِكُمْ وَمُخْتَلِفِ نِيَّاتِكُمْ مِنْ الِامْتِثَالِ كَقَوْل النبيء ﷺ «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبيله» الحَدِيث. [١٢] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ١٢] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ عَادَ بِهِ إِلَى ذِكْرِ بَعْضِ أَحْوَالِ النَّجْوَى وَهُوَ مِنْ أَحْوَالِهَا الْمَحْمُودَةِ. وَالْمُنَاسَبَةُ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى [المجادلة: ٩] . فَهَذِهِ الصَّدَقَةُ شَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَ سَبَبَهَا مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ ، فَذُكِرَتْ عَقِبَ آيِ النَّجْوَى لِاسْتِيفَاءِ أَنْوَاعِ النَّجْوَى مِنْ مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ صَدَقَةِ الْمُنَاجَاةِ. فَنُقِلَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَجَابِر بن زِيَاد وَزيد بْنِ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلٍ أَقْوَالٌ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مُتَخَالِفَةٌ، وَلَا أَحْسَبُهُمْ يُرِيدُونَ مِنْهَا إِلَّا حِكَايَةَ أَحْوَالٍ لِلنَّجْوَى كَانَتْ شَائِعَةً، فَلَمَّا نَزَلَ حُكْمُ صَدَقَةِ النَّجْوَى أَقَلَّ النَّاسُ مِنَ النَّجْوَى. وَكَانَتْ عِبَارَاتُ الْأَقْدَمِينَ تَجْرِي عَلَى التَّسَامُحِ فَيُطْلِقُونَ عَلَى أَمْثِلَةِ الْأَحْكَامِ وَجُزْئِيَّاتِ الْكُلِّيَّاتِ اسْمَ أَسْبَابِ النُّزُولِ، كَمَا ذَكَرْنَاهَا فِي الْمُقَدِّمَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَأَمْسَكَ مُجَاهِدٌ فَلَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الْآيَةِ سَبَبًا وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: نُهُوا عَنْ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ حَتَّى يَتَصَدَّقُوا.

стр. 9649

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي: أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ شَرْعَهَا اللَّهُ وَفَرْضَهَا عَلَى مَنْ يَجِدُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ قَبْلَ مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ وَأَسْقَطَهَا عَنِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ، وَجَعَلَ سَبَبَهَا وَوَقْتَهَا هُوَ وَقْتَ تُوَجُّهِهِمْ إِلَى مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ حَرِيصِينَ عَلَى سُؤَالِ رَسُول الله ﷺ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ كُلَّ يَوْمٍ فَشَرَعَ اللَّهُ لَهُمْ هَذِهِ الصَّدَقَةَ كُلَّ يَوْمٍ لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ نَفْعًا يَوْمِيًّا، وَكَانَ الْفُقَرَاءُ أَيَّامَئِذٍ كَثِيرِينَ بِالْمَدِينَةِ مِنْهُمْ أَهْلُ الصُّفَّةِ وَمُعْظَمُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ شُرِعَتْ بَعْدَ الزَّكَاةِ فَتَكُونُ لِحِكْمَةِ إِغْنَاءِ الْفُقَرَاءِ يَوْمًا فَيَوْمًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ تُدْفَعُ فِي رُؤُوسِ السِّنِينَ وَفِي مُعَيَّنِ الْفُصُولِ، فَلَعَلَّ مَا يَصِلُ إِلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهَا يَسْتَنْفِدُونَهُ قَبْلَ حُلُولِ وَقْتِ الزَّكَاةِ الْقَابِلَةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ صَدَقَةَ الْمُنَاجَاةِ شُرِعَتْ قَبْلَ شَرْعِ الزَّكَاةِ وَنُسِخَتْ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [المجادلة: ١٣] أَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ شَرْعٌ مُفْرَدٌ مَعْلُومٌ، وَلَعَلَّ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ صَحَّ عَنْهُ أَرَادَ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِالِاكْتِفَاءِ بِالزَّكَاةِ. وَقَدْ تَعَدَّدَتْ أَخْبَارٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَسَانِيدِ تَتَضَمَّنُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ يَدُمِ الْعَمَلُ بِهَا إِلَّا زَمَنًا قَلِيلًا، قِيلَ: إِنَّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ. وَعَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: كَانَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَيْ أَنَّهَا لَمْ يَدُمِ الْعَمَلُ بِهَا طَوِيلًا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ مُرَادًا بِهِ الْوُجُوبُ وَإِلَّا فَإِنَّ نَدْبَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي حَيَاة النبيء ﷺ لِتَكُونَ نَفْسُ الْمُؤْمِنِ أَزْكَى عِنْدَ مُلَاقَاةِ النَّبِيءِ مِثْلَ اسْتِحْبَابِ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لكل صَلَاة. وتضافرت كَلِمَاتُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قَدْ نَسَخَهُ قَوْلُهُ: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [المجادلة: ١٣] الْآيَةَ. وَهَذَا مُؤَذِّنٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا لِلْوُجُوبِ. وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ وَأَحْكَامِ ابْنِ الْفَرَسِ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ تَحُومُ حَوْلَ كَوْنِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ شُرِعَتْ لِصَرْفِ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ مُنَاجَاة النبيء ﷺ إِذْ كَانُوا قَدْ أَلْحَفُوا فِي مُنَاجَاتِهِ دُونَ دَاعٍ يَدْعُوهُمْ فَلَا يَنْثَلِجُ لَهَا صَدْرُ الْعَالِمِ لِضَعْفِهَا سَنَدًا وَمَعْنًى، وَمُنَافَاتِهَا مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ. وَأَقْرَبُ مَا رُوِيَ عَنْ خَبَرِ تَقْرِيرِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ مَا فِي «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَلْقَمَةَ الْأَنْمَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ

стр. 9650

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قَالَ لي النبيء ﷺ «مَا تَرَى دِينَارًا؟ قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ، قَالَ فَنِصْفُ دِينَارٍ؟ قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ. قَالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَيْ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: إِنَّكَ لَزَهِيدٌ فَنَزَلَتْ: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ [المجادلة: ١٣] الْآيَةَ. قَالَ: «فَبِيَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اه. قُلْتُ: عَلِيُّ بْنُ عَلْقَمَةَ الْأَنْمَارِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: صَحَّحُوا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ غَيْرِي» . وَسَاقَ حَدِيثًا. وَمَحْمَلُ قَوْلِ عَلِيٍّ «فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» ، أَنَّهُ أَرَادَ التَّخْفِيفَ فِي مِقْدَارِ الصَّدَقَةِ مِنْ دِينَارٍ إِلَى زِنَةِ شَعِيرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَهِيَ جُزْءٌ مِنَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ جُزْءا من أَجزَاء الدِّينَارِ. وَفَعْلُ ناجَيْتُمُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى إِرَادَةِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [الْمَائِدَة: ٦] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النَّحْل: ٩٨] . وَالْقَرِينَةُ قَوْلُهُ: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: فَقَدِّمُوا لِلْوُجُوبِ، وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ وَرَجَّحَهُ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ، وَبِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إِلَّا فِيمَا بِفَقْدِهِ يَزُولُ الْوُجُوبُ. وَيُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ نُسِخَتْ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ فَرِيقٌ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ وَهُوَ يُنَاسِبُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنْ فَرَضَ الزَّكَاةِ كَانَ سَابِقًا عَلَى نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ شَرْعَ الزَّكَاةِ أَبْطَلَ كُلَّ حَقٍّ كَانَ وَاجِبًا فِي الْمَالِ. وبَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ مَعْنَاهُ: قَبْلَ نَجْوَاكُمْ بِقَلِيلٍ، وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ جَرَتْ مَجْرَى الْمِثْلِ لِلْقُرْبِ مِنَ الشَّيْءِ قُبَيْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ. شَبَّهَتْ هَيْئَةَ قُرْبِ الشَّيْءِ مِنْ آخَرٍ بِهَيْئَةِ وُصُولِ الشَّخْصِ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يَرِدُ هُوَ عَلَيْهِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.

стр. 9651

وَيُسْتَعْمَلُ فِي قُرْبِ الزَّمَانِ بِتَشْبِيهِ الزَّمَانِ بِالْمَكَانِ كَمَا هُنَا وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٥٥] . وَالْإِشَارَةُ بِ ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ إِلَى التَّقْدِيمِ الْمَفْهُومِ مِنْ «قَدَّمُوا» عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: ٨] . وَقَوْلُهُ: ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ تَعْرِيفٌ بِحِكْمَةِ الْأَمْرِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ نجوى الرَّسُول ﷺ لِيَرْغَبَ فِيهَا الرَّاغِبُونَ. وخَيْرٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، أَصْلُهُ: أَخْيَرُ وَهُوَ الْمُزَاوِجُ لِقَوْلِهِ: وَأَطْهَرُ أَيْ ذَلِكَ أَشَدُّ خَيْرِيَّةً لَكُمْ مِنْ أَنْ تناجوا الرَّسُول ﷺ بِدُونِ تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ خَيْرٌ. كَقَوْلِهِ: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٧١] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا عَلَى وَزْنِ فَعْلٍ وَهُوَ مُقَابِلُ الشَّرِّ، أَيْ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ النَّجْوَى فِيهِ خَيْرٌ لَكُمْ وَهُوَ تَحْصِيلُ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى فِي حِينِ إِقْبَالِهِمْ على رَسُوله ﷺ فَيَحْصُلُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمُنَاجَاةِ مَا لَا يَحْصُلُ مِثْلُهُ بِدُونِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ. وَأَمَّا أَطْهَرُ فَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ لَا مَحَالَةَ، أَيْ أَطْهَرُ لَكُمْ بِمَعْنَى: أَشَدُّ طُهْرًا، وَالطُّهْرُ هُنَا مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ طُهْرُ النَّفْسِ وَزَكَاؤُهَا لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ أَنْوَارٌ رَبَّانِيَّةٌ مِنْ رِضَى اللَّهِ عَنْهُ فَتَكُونُ نَفْسُهُ زَكِيَّةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التَّوْبَة: ١٠٣] . وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الصَّدَقَةُ زَكَاةً. وَصِفَةُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تُعْطَى لِلْفَقِيرِ حِينَ يَعْمِدُ الْمُسْلِمُ إِلَى الذَّهَابِ إِلَى النبيء ﷺ لِيُنَاجِيَهُ. وَعَذَرَ اللَّهُ الْعَاجِزِينَ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تَتَصَدَّقُونَ بِهِ قَبْلَ النَّجْوَى غَفَرَ اللَّهُ لَكُمُ الْمَغْفِرَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْصُلُ لَكُمْ لَوْ تَصَدَّقْتُمْ لِأَنَّ مَنْ نَوَى أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ عَلَى نِيَّتِهِ. وَأَمَّا اسْتِفَادَةُ أَنَّ غَيْرَ الْوَاجِدِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي النَّجْوَى بِدُونِ صَدَقَةٍ فَحَاصِلَةٌ

стр. 9652

بِدِلَالَةِ الْفَحْوَى لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ فَإِنَّ إِرَادَةَ مناجاته الرَّسُول ﷺ لَيْسَتْ عَبَثًا بَلْ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: رَحِيمٌ فَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ مَا فَاتَ غَيْرَ الْوَاجِدِ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفس إشعارا لَهُ بِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْفَعُهُ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخ. [١٣] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ١٣] أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا: وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ سَلَفِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا. وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ الْقَادِرِينَ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ النَّجْوَى شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَمْسَكُوا عَنْ مُنَاجَاة النبيء ﷺ فَأَسْقَطَ اللَّهُ وُجُوبَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، وَقَدْ قِيلَ: لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَلَعَلَّ غَيْرَهُ لَمْ يحْتَج إِلَى نجوى الرَّسُول ﷺ وَاقْتَصَدَ مِمَّا كَانَ يُنَاجِيهِ لِأَدْنَى مُوجِبٍ. فَالْخِطَابُ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِرِينَ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْمُنَاجَاةِ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَوْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ. وَالْإِشْفَاقُ توقع حُصُول مَالا يَبْتَغِيهِ وَمَفْعُولُ أَأَشْفَقْتُمْ هُوَ أَنْ تُقَدِّمُوا أَيْ مِنْ أَنْ تُقَدِّمُوا، أَيْ أَأَشْفَقْتُمْ عَاقِبَةَ ذَلِكَ وَهُوَ الْفَقْرُ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِلَّتِي قَبْلَهَا فَسَقَطَ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لِمَنْ يُرِيدُ مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللَّوْمِ عَلَى تَجَهُّمِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ فَوَائِدَ لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ.

стр. 9653

ثُمَّ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَحْمَةً بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ الْآيَةَ. وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ التَّوْبِيخِيِّ أَيْ بَعْضًا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. وَ (إِذْ) ظَرْفِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ فَحِينَ لَمْ تَفْعَلُوا فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. وَفَاءُ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا لِتَفْرِيعِ مَا بَعْدَهَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ التَّوْبِيخِيِّ. وَجُمْلَةُ وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مُعْتَرِضَةٌ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ. وَمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ (إِذْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ تَقْدِيرُهُ: خَفَّفْنَا عَنْكُمْ وَأَعْفَيْنَاكُمْ مِنْ أَنْ تُقَدِّمُوا صَدَقَةً قَبْلَ مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ . وَفَاءُ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ عَاطِفَةٌ عَلَى الْكَلَامِ الْمُقَدَّرِ وَحَافِظُوا عَلَى التَّكَالِيفِ الْأُخْرَى وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أَيْ فَذَلِكَ لَا تَسَامُحَ فِيهِ، قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَحْسَبُوا أَنَّهُمْ كُلَّمَا ثَقُلَ عَلَيْهِم فعل مِمَّا كُلِّفُوا بِهِ يُعْفَوْنَ مِنْهُ. وَإِذْ قَدْ كَانَتِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ سَابِقَةً عَلَى الْأَمْرِ بِصَدَقَةِ النَّجْوَى عَلَى الْأَصَحِّ كَانَ فِعْلُ آتُوا مُسْتَعْمَلًا فِي طَلَبِ الدَّوَامِ مِثْلُ فِعْلِ فَأَقِيمُوا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَكْثُرُ وُقُوعُ الْفَاءِ بَعْدَ (إِذْ) وَمُتَعَلِّقِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ [١١] . وإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [١٦] . وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي طَاعَةِ الله وَرَسُوله. [١٤، ١٥] [سُورَة المجادلة (٥٨) : الْآيَات ١٤ إِلَى ١٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) هَذِهِ حَالَةٌ أُخْرَى مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ النِّفَاقِ هِيَ تُوَلِّيهِمُ الْيَهُودَ مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهَلِ مِلَّتِهِمْ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهَلِ الشِّرْكِ.

стр. 9654

وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِأَنَّهَا عَوْدٌ إِلَى الْغَرَضِ الَّذِي سَبَقَتْ فِيهِ آيَاتُ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا [المجادلة: ٥] بَعْدَ أَنْ فَصَلَ بِمُسْتَطْرَدَاتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَهُ. وَالْقَوْمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَقَدْ عُرِفُوا بِمَا يُرَادِفُ هَذَا الْوَصْفَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الْفَاتِحَة: ٧] . وَالِاسْتِفْهَامُ تَعْجِيبِيٌّ مِثْلُ قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى [المجادلة: ٨] . وَوَجْهُ التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ تَوَلَّوْا قَوْمًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمْ وَلَيْسُوا فِي دِينِهِمْ مَا حَمَلَهُمْ عَلَى تَوَلِّيهِمْ إِلَّا اشْتِرَاكُ الْفَرِيقَيْنِ فِي عَدَاوَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَضَمِيرُ مَا هُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ حَالًا مِنَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا، أَيْ مَا هُمْ مُسْلِمُونَ وَلَا يَهُودٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى قَوْماً وَهُمُ الْيَهُودُ. فَتَكُونُ جُمْلَةُ مَا هُمْ مِنْكُمْ صِفَةَ قَوْماً قَوْمًا لَيْسُوا مُسْلِمِينَ وَلَا مُشْرِكِينَ بَلْ هُمْ يَهُودٌ. وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ وَلا مِنْهُمْ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ عَلَى التَّعَاكُسِ وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ وَاقِعٌ. وَمُرَادٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ تَكْثِيرًا لِلْمَعَانِي مَعَ الْإِيجَازِ فَيُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِنْ حَالِ الْمُنَافِقِينَ أَنْ يَتَوَلَّوْا قَوْمًا أَجَانِبَ عَنْهُمْ عَلَى قَوْمٍ هُمْ أَيْضًا أَجَانِبُ عَنْهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافُ الدِّينِ فَإِنَّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ اخْتِلَافُ الدِّينِ وَاخْتِلَافُ النَّسَبِ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ عَرَبٌ وَيُفِيدُ بِالِاحْتِمَالِ الْآخَرِ الْإِخْبَارَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ إِسْلَامَهُمْ لَيْسَ صَادِقًا، أَيْ مَا هُمْ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَلا مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ احْتِرَاسًا وَتَتْمِيمًا لِحِكَايَةِ حَالِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَكُونُ ذَمُّ الْمُنَافِقِينَ أَشَدَّ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حَمَاقَتِهِمْ إِذْ جَعَلُوا لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مَنْ لَيْسُوا عَلَى دِينِهِمْ فَهُمْ لَا يُوثَقُ بِوِلَايَتِهِمْ وَأَضْمَرُوا بُغْضَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُصَادِفُوا الدِّينَ الْحَقَّ. وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ عُطِفَ عَلَى تَوَلَّوْا وَجِيءَ بِهِ مُضَارِعًا لِلدِّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِهِ وَلِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ فِي حِينِ حَلِفِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ لِلتَّنَصُّلِ مِمَّا فَعَلُوهُ. وَالْكَذِبُ الْخَبَرُ الْمُخَالِفُ لِلْوَاقِعِ وَهِيَ الْأَخْبَارُ الَّتِي يُخْبِرُونَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فِي نَفْيِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ فِي جَانِبِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 9655

وَهُمْ يَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَذَلِكَ أَدْخَلُ فِي التَّعْجِيبِ لِأَنَّهُ أَشْنَعُ مِنَ الْحَلِفِ عَلَى الْكَذِبِ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ هَذَا إِلَى مَا كَانَ يَحْلِفُهُ المُنَافِقُونَ للنبيء ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ إِذَا كُشِفَ لَهُمْ بَعْضُ مَكَائِدِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ [التَّوْبَة: ٥٦] ، وَقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ [التَّوْبَة: ٦٢] وَقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ [التَّوْبَة: ٧٤] . قَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلٍ (بِنُونٍ فَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ) كَانَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ يُجَالس النبيء ﷺ ، وَيَرْفَعُ أَخْبَارَهُ إِلَى الْيَهُودِ ويسبّ النبيء ﷺ فَإِذَا بُلِّغَ خَبَرَهُ أَوْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ جَاءَ فَاعْتَذَرَ وَأَقْسَمَ إِنَّهُ مَا فَعَلَ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ تَعْلِيلٌ لإعداد الْعَذَاب الشَّديد لَهُمْ، أَيْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا فِيمَا مَضَى أَعْمَالًا سَيِّئَةً مُتَطَاوِلَةً مُتَكَرِّرَةً كَمَا يُؤذن بِهِ الْمُضَارِعُ مِنْ قَوْلِهِ: يَعْمَلُونَ. وَبَيْنَ (يَعْمَلُونَ) ، وَ (يَعْلَمُونَ) الْجِنَاسُ الْمَقْلُوبُ قَلْبَ بَعْضٍ. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤَالَ سَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَا أَلْجَأَهُمْ إِلَى الْحَلِفِ عَلَى الْكَذِبِ، فَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِقَضَاءِ مَآرِبِهِمْ وَزِيَادَةِ مَكْرِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ الْجُمْلَةُ خَبَرًا ثَانِيًا لِأِنَّ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٥] وَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي التَّعْلِيلِ. وَالْجُنَّةُ: الْوِقَايَةُ وَالسُّتْرَةُ، مِنْ جَنَّ، إِذَا اسْتَتَرَ، أَيْ وِقَايَةٌ مِنْ شُعُورِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ صَدِّ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ لِأَنَّهُمْ

стр. 9656

يَخْتَلِقُونَ أُكْذُوبَاتٍ يَنْسِبُونَهَا إِلَى الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وَذَلِكَ مَعْنَى التَّفْرِيعِ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَ «صَدُّوا» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا، وَحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِظُهُورِهِ، أَيْ فَصَدُّوا النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أَي الْإِسْلَام بالتثبيط وَإِلْصَاقِ التُّهَمِ وَالنَّقَائِصِ بِالدِّينِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْل قاصرا، أَي فَصَدُّوا هُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَمَجِيءُ فِعْلِ «صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» مَاضِيًا مُفَرَّعًا عَلَى اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً مَعَ أَنَّ أَيْمَانَهُمْ حَصَلَتْ بَعْدَ أَنْ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُرَاعًى فِيهِ التَّفْرِيعُ الثَّانِي وَهُوَ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. وَفُرِّعَ عَلَيْهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ لِيُعْلَمَ أَنَّ مَا اتَّخَذُوا مِنْ أَيْمَانِهِمْ جُنَّةً سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعَذَابِ يَقْتَضِي مُضَاعَفَةَ الْعَذَابِ. وَقَدْ وَصَفَ الْعَذَابَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِشَدِيدٍ وَهُوَ الَّذِي يُجَازَوْنَ بِهِ عَلَى تَوَلِّيهِمْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَحَلِفِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. وَوَصَفَ عَذَابَهُمْ ثَانِيًا بِ مُهِينٌ لِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى صَدِّهِمُ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا مَعْنَى شَدِيدُ الْعَذَابِ لِأَجْلِ عَظِيمِ الْجُرْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [النَّمْل: ٨٨] . فَكَانَ الْعَذَابُ مُنَاسِبًا لِلْمَقْصِدَيْنِ فِي كُفْرِهِمْ وَهُوَ عَذَابٌ وَاحِدٌ فِيهِ الْوَصْفَانِ. وَكَرَّرَ ذِكْرَهُ إِبْلَاغًا فِي الْإِنْذَارِ وَالْوَعِيدِ فَإِنَّهُ مَقَامُ تَكْرِيرٍ مَعَ تَحْسِينِهِ باخْتلَاف الوصفين. [١٧] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ١٧] لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] فَكَمَا لَمْ تَقِهِمْ أَيْمَانُهُمُ الْعَذَابَ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَنْصَارُهُمْ شَيْئًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ مِنْ أَهْلِ الثَّرَاءِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ ثَرَاؤُهُمْ مِنْ أَسْبَابِ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ سِيَادَةٍ فَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يَصِيرُوا فِي طَبَقَةِ عُمُومِ

стр. 9657

النَّاسِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ مُهَيَّأً لِأَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَى الْمَدِينَةِ قُبَيْلَ إِسْلَامِ الْأَنْصَارِ، فَكَانُوا يَفْخَرُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِوَفْرَةِ الْأَمْوَالِ وَكَثْرَةِ الْعَشَائِرِ وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ «لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» يُرِيدُ بِالْأَعَزِّ فَرِيقَهُ وَبِالْأَذَلِّ فَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ فَآذَنَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ لَا تُغْنِي عَنْهُمْ مِمَّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَذَلَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الْأَحْزَاب: ٦٠، ٦١] . وَإِذَا لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهَا أَجْدَرُ بِأَنْ لَا تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ شَيْئًا، أَيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الْإِغْنَاءِ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُنْصَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَقَدْ شقينا إِذن. فو الله لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْفُسِنَا وَأَوْلَادِنَا وَأَمْوَالِنَا إِنْ كَانَتْ قِيَامَةٌ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَإِقْحَامُ حَرْفِ النَّفْيِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَى الْمَنْفِيِّ لِتَوْكِيدِ انْتِفَاءِ الْإِغْنَاءِ. وَمَعْنَى مِنَ اللَّهِ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ أَوْ مِنْ عَذَابِهِ. وَحَذْفُ مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ. وَتَقْدِيرُهُ ظَاهِرٌ. وَيُلَقَّبُ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ عِنْدَ عُلَمَاءِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى الْأَعْيَانِ عَلَى إِرَادَةِ أَشْهَرِ أَحْوَالِهَا نَحْوَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الْمَائِدَة: ٣] ، أَيْ أَكْلُهَا. وَجُمْلَةُ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ إِلَخْ خَبَرٌ ثَالِثٌ أَوْ ثَانٍ عَنْ (إِنَّ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٥] . وَجُمْلَةُ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فِي مَوْضِعِ الْعِلَّةِ لِجُمْلَةِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أَيْ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، أَيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. وَصَاحِبُ الشَّيْءِ مُلَازِمُهُ فَلَا يُفَارِقُهُ. إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ من قَوْلِهِ: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً [المجادلة: ١٥] وَمِنْ قَوْلِهِ: فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [المجادلة: ١٦] أَنَّهُمْ لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنِ النَّارِ، فَكَيْفَ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ النَّارِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [الزمر: ١٩] أَيْ مَا أَنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النَّارِ. فَإِنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِعِ يُنَبِّهُ عَلَى

стр. 9658

أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ صَارَ جَدِيرًا بِمَا يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ أَجْلِ الْأَخْبَارِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنْهُ قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ فِي سُورَة الْبَقَرَة [٥] . [١٨] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ١٨] يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ إِلَى قَوْلِهِ: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٤- ١٦] وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ قَوْلِهِ: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا [المجادلة: ٦] . كَمَا سَبَقَ آنِفا فِي هَذَا السُّورَةِ، أَيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. وَحَلِفُهُمْ لِلَّهِ فِي الْآخِرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الْأَنْعَام: ٢٣] . وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ: كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ فِي صِفَةِ الْحَلِفِ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ غَيْرُ مُشْرِكِينَ، وَفِي كَوْنِهِ حَلِفًا عَلَى الْكَذِبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ تَعَالَى فِتْنَةً فِي آيَة الْأَنْعَام [٢٣] بقوله تَعَالَى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. وَمَعْنَى وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ حَلِفَهُمْ يُفِيدُهُمْ تَصْدِيقَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ حَصَّلُوا شَيْئًا عَظِيمًا، أَيْ نَافِعًا. وعَلى لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ شِدَّةُ التَّلَبُّسِ بِالْوَصْفِ وَنَحْوِهِ كَقَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٥] . وَحُذِفَتْ صِفَةُ شَيْءٍ لِظُهُورِ مَعْنَاهَا مِنَ الْمَقَامِ، أَيْ عَلَى شَيْءٍ نَافِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [الْمَائِدَة: ٦٨] . وَقَول النبيء ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْكُهَّانِ «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» . وَهَذَا يَقْتَضِي تَوَغُّلَهُمْ فِي النِّفَاقِ وَمُرُونَتَهُمْ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ بَاقٍ فِي أَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ بَعْثِهِمْ لِأَنَّ نُفُوسَهُمْ خَرَجَتْ مِنْ عَالَمِ الدُّنْيَا مُتَخَلِّقَةً بِهِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ إِنَّمَا تَكْتَسِبُ تَزْكِيَةً أَوْ خُبْثًا فِي عَالَمِ التَّكْلِيفِ. وَحِكْمَةُ إِيجَادِ النُّفُوسِ فِي الدُّنْيَا هِيَ تَزْكِيَتُهَا وَتَصْفِيَةُ

стр. 9659

أَكْدَارِهَا لِتَخْلُصَ إِلَى عَالَمِ الْخُلُودِ طَاهِرَةً، فَإِنْ هِيَ سَلَكَتْ مَسْلَكَ التَّزْكِيَةِ تَخَلَّصَتْ إِلَى عَالَمِ الْخُلُودِ زَكِيَّةً وَيَزِيدُهَا اللَّهُ زَكَاءً وَارْتِيَاضًا يَوْمَ الْبَعْثِ. وَإِنِ انْغَمَسَتْ مُدَّةَ الْحَيَاةِ فِي حَمْأَةِ النَّقَائِصِ وَصَلْصَالِ الرَّذَائِلِ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ تَشْوِيهًا لِحَالِهَا لِتَكُونَ مَهْزَلَةً لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ. وَقَدْ تَبْقَى فِي النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ خَلَائِقُ لَا تُنَافِي الْفَضِيلَةَ وَلَا تُنَاقِضُ عَالَمَ الْحَقِيقَةِ مِثْلُ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ وَلِقَاءِ الْأَحِبَّةِ قَالَ تَعَالَى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عِبادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف: ٦٧- ٧٠] . وَفِي الحَدِيث: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أَنْ يَزْرَعَ، فَيَقُول الله: أَو لست فِيمَا شِئْتَ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَيُبَادِرُ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ عِنْد النبيء ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَجْدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زرع، فَضَحِك النَّبِي ﷺ إِقْرَارًا لِمَا فَهِمَهُ الْأَعْرَابِيُّ» . وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُسلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» . قَالَ عِيَاضٌ فِي «الْإِكْمَالِ» : هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ حَالَةٍ مَاتَ عَلَيْهَا الْمَرْءُ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: يُبْعَثُ الزَّمَّارُ بِمِزْمَارِهِ. وَشَارِبُ الْخَمْرِ بِقَدَحِهِ اهـ. قُلْتُ: ثُمَّ تَتَجَلَّى لَهُمُ الْحَقَائِقُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ إِذْ تَصِيرُ الْعُلُومُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَخَتَمَ هَذَا الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ وَهُوَ تَذْيِيلٌ جَامِعٌ لِحَالِ كَذِبِهِمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ [المجادلة: ١٤] . فَالْمُرَادُ أَنَّ كَذِبَهُمْ عَلَيْكُمْ لَا يُمَاثِلُهُ كَذِبٌ، حَتَّى قُصِرَتْ صِفَةُ الْكَاذِبِ عَلَيْهِمْ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِلْمُبَالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِكَذِبِ غَيْرِهِمْ. وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ تَوْكِيدًا لِمُفَادِ الْحَصْرِ الِادِّعَائِيِّ، وَهُوَ أَنَّ كَذِبَ غَيْرِهِمْ كَلَا كَذِبٍ فِي جَانِبِ كَذِبِهِمْ، وَبِأَدَاةِ الِاسْتِفْتَاحِ الْمُقْتَضِيَةِ اسْتِمَالَةَ السَّمْعِ لِخَبَرِهِمْ لِتَحْقِيقِ تَمَكُّنِ صِفَةِ الْكَذِبِ مِنْهُم حَتَّى أَنهم يُلَازِمُهُمْ يَوْم الْبَعْث. [١٩] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ١٩] اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ

стр. 9660

(١٩) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ مَا سِيقَ مِنْ وَصْفِهِمْ بِانْحِصَارِ صِفَةِ الْكَذِبِ فِيهِمْ يُثِيرُ سُؤَالَ السَّامِعِ أَنْ يَطْلُبَ السَّبَبَ الَّذِي بَلَغَ بهم إِلَى هَذَا الْحَالِ الْفَظِيعِ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ اسْتِحْوَاذُ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ وَامْتِلَاكُهُ زِمَامَ أَنْفُسِهِمْ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يُرِيدُ وَهَلْ يَرْضَى الشَّيْطَانُ إِلَّا بِأَشَدِّ الْفَسَادِ وَالْغِوَايَةِ. وَالِاسْتِحْوَاذُ: الِاسْتِيلَاءُ وَالْغَلَبُ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ حَاذَ حَوْذًا، إِذَا حَاطَ شَيْئًا وَصَرَّفَهُ كَيْفَ يُرِيدُ. يُقَالُ: حَاذَ الْعِيرَ إِذَا جَمَعَهَا وَسَاقَهَا غَالِبًا لَهَا. فَاشْتَقُّوا مِنْهُ اسْتَفْعَلَ لَلَّذِي يَسْتَوْلِي بِتَدْبِيرٍ وَمُعَالَجَةٍ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَال: استحوذ إِلَّا فِي اسْتِيلَاءِ الْعَاقِلِ لِأَنَّهُ يَتَطَلَّبُ وَسَائِلَ اسْتِيلَاءٍ. وَمِثْلُهُ اسْتَوْلَى. وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْغَلَبِ مِثْلُهَا فِي: اسْتَجَابَ. وَالْأَحْوَذِيُّ: الْقَاهِرُ لِلْأُمُورِ الصَّعْبَةِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ عُمَرُ أَحْوَذِيًّا نَسِيجَ وَحْدِهِ» . وَكَانَ حَقُّ اسْتَحْوَذَ أَنْ يُقْلَبَ عَيْنُهُ أَلِفًا لِأَنَّ أَصْلَهَا وَاوٌ مُتَحَرِّكَةٌ إِثْرَ سَاكِنٍ صَحِيحٍ وَهُوَ غَيْرُ اسْمِ تَعَجُّبٍ وَلَا مُضَاعَفِ اللَّامِ وَلَا مُعْتَلِّ اللَّامِ فَحَقُّهَا أَنْ تُنْقَلَ حَرَكَتُهَا إِلَى السَّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَهَا فِرَارًا مِنْ ثِقَلِ الْحَرَكَةِ عَلَى حَرْفِ الْعِلَّةِ مَعَ إِمْكَانِ الِاحْتِفَاظِ بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ بِنَقْلِهَا إِلَى الْحَرْفِ قَبْلَهَا الْخَالِي مِنَ الْحَرَكَةِ فَيَبْقَى حَرْفُ الْعِلَّةِ سَاكِنًا سُكُونًا مَيِّتًا إِثْرَ حَرَكَةٍ فَيُقْلَبُ مَدَّةً مُجَانِسَةً لِلْحَرَكَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِثْلُ يَقُومُ وَيَبِينُ وَأَقَامَ، فَحَقُّ اسْتَحْوَذَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: اسْتَحَاذَ وَلَكِنَّ الْفَصِيحَ فِيهِ تَصْحِيحُهُ عَلَى خِلَافِ غَالِبِ بَابِهِ وَهُوَ تَصْحِيحٌ سَمَاعِيٌّ، وَلَهُ نَظَائِرُ قَلِيلَةٌ مِنْهَا: اسْتَنْوَقَ الْجمل، وأعول، إِذْ رَفَعَ صَوْتَهُ. وَأَغْيَمَتِ السَّمَاءُ وَاسْتَغْيَلَ الصَّبِيُّ، إِذَا شَرِبَ الْغَيْلَ وَهُوَ لَبَنُ الْحَامِلِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: التَّصْحِيحُ هُوَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ مُطَّرِدَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ. وَحَكَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ اسْتَحَاذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَصْحِيحُ هَذَا الْبَابِ كُلُّهُ مُطَّرِدٌ. وَقَالَ فِي «التَّسْهِيلِ» : يَطَّرِدُ تَصْحِيحُ هَذَا الْبَابِ فِي كُلِّ فِعْلٍ أُهْمِلَ ثُلَاثِيُّهُ مِثْلِ: اسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ وَاسْتَتْيَسَتِ الشَّاةُ إِذَا صَارَتْ كَالتَّيْسِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الِاسْتِحْوَاذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٤١] ، فَضُمَّ هَذَا إِلَى ذَاكَ.

стр. 9661

وَالنِّسْيَانُ مُرَادٌ مِنْهُ لَازِمُهُ وَهُوَ الْإِضَاعَةُ وَتَرْكُ الْمَنْسِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه: ١٢٦] . وَالذِّكْرُ يُطْلَقُ عَلَى نُطْقِ اللِّسَانِ بِاسْمٍ أَوْ كَلَامٍ وَيُطْلَقُ عَلَى التَّذَكُّرِ بِالْعَقْلِ. وَقَدْ يُخَصُّ هَذَا الثَّانِي بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي صَرِيحِهِ وَكِنَايَتِهِ، أَيْ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِهِ وَهُوَ الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَنْسَاهُمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ. وَالَّذِي لَا يَتَذَكَّرُ شَيْئًا لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى وَاجِبَاتِهِ. وَجُمْلَةُ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ نَتِيجَةٌ وَفَذْلَكَةٌ لِقَوْلِ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ. فَإِنَّ الِاسْتِحْوَاذَ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَيَّرَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِهِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِئَلَا يَتَرَدَّدَ فِي أَنَّهُمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ. وَجُمْلَةُ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفَرُّعِ وَالتَّسَبُّبِ عَلَى جُمْلَةِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ، فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هم الخاسرون، وَلذَلِك عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى حَرْفِ الِاسْتِفْتَاحِ تَنْبِيهًا عَلَى أَهَمِّيَّةِ مَضْمُونِهَا وَأَنَّهُ مِمَّا يَحِقُّ الْعِنَايَةُ بِاسْتِحْضَارِهِ فِي الْأَذْهَانِ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الِانْدِمَاجِ فِيهِمْ، وَالتَّلَبُّسِ بِمِثْلِ أَحْوَالِهِمُ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا. وَزِيدَ هَذَا التَّحْذِيرُ اهْتِمَامًا بِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ بِحَرْفِ إِنَّ وَبِصِيغَةِ الْقَصْرِ، إِذْ لَا يَتَرَدَّدُ أَحَدٌ فِي أَنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ خَاسِرُونَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا الْمُسَلَّمَةِ بَيْنَ الْبَشَرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُؤَكِّدَاتُ لِرَدِّ الْإِنْكَارِ لِتَحْذِيرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَغُرَّهُمْ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَتَرُوقَ فِي أَنْظَارِهِمْ بَزَّةُ الْمُنَافِقِينَ وَتَخْدَعَهُمْ أَيْمَانُهُمُ الْكَاذِبَةُ. وَإِظْهَارُ كَلِمَةِ حِزْبُ الشَّيْطانِ دون ضمير هم لِزِيَادَةِ التَّصْرِيحِ وَلِتَكُونَ الْجُمْلَةُ صَالِحَة للتمثل بِهِ مُسْتَقِلَّةً بِدِلَالَتِهَا. وَضَمِيرُ الْفَصْلِ أَفَادَ الْقَصْرَ، وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لَلْمُبَالَغَةِ فِي مِقْدَار خسرانهم وَأَنه لَا خُسْرَانَ أَشَدُّ مِنْهُ فَكَأَنَّ كُلَّ خُسْرَانٍ غَيْرِهِ عَدَمٌ فَيُدَّعَى أَنَّ وَصْفَ الْخَاسِرِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ. وَحِزْبُ الْمَرْءِ: أَنْصَارُهُ وَجُنْدُهُ وَمن يواليه.

стр. 9662

[سُورَة المجادلة (٥٨) : الْآيَات ٢٠ إِلَى ٢١] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ يُشْبِهُ مَوْقِعَ آيَةِ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة: ٥] . فَالَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْمُعْلِنُونَ بِالْمُحَادَّةِ. وَأَمَّا الْمُحَادُّونَ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُمُ الْمُسِرُّونَ لِلْمُحَادَّةِ الْمُتَظَاهِرُونَ بِالْمُوَالَاةِ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ بَيَّنَتْ شَيْئًا مِنَ الْخُسْرَانِ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَى حزب الشَّيْطَان الَّذِي هُمْ فِي مُقَدِّمَتِهِ. وَبِهَذَا تَكْتَسِبُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْنَى بَدَلَ الْبَعْضِ مِنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [المجادلة: ١٩] ، لِأَنَّ الْخُسْرَانَ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَخُسْرَانُ الدُّنْيَا أَنْوَاعٌ أَشَدُّهَا عَلَى النَّاسِ الْمَذَلَّةُ وَالْهَزِيمَةُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ فِي الْأَذَلِّينَ والمغلوبين. وَاسْتِحْضَارُهُمْ بصلَة إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ فَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ فِي الْأَذَلِّينَ فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ إِلَى الْمَوْصُولِيَّةِ لِإِفَادَةِ مَدْلُولِ الصِّلَةِ أَنهم أَعدَاء لله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَإِفَادَةُ الْمَوْصُولِ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَذَلِّينَ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ رَسُول الله ﷺ فَهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَعَدُوُّهُ لَا يَكُونُ عَزِيزًا. وَمُفَادُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ أَنَّهُمْ كَائِنُونَ فِي زُمْرَةِ الْقَوْمِ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّهُمْ أَذَلُّونَ، أَيْ شَدِيدُو الْمَذَلَّةِ لِيَتَصَوَّرَهُمُ السَّامِعُ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ يَرَى أَنَّهُمْ أَذَلُّونَ، فَيَكُونُ هَذَا النَّظْمُ أَبْلَغَ مِنْ أَنْ يُقَالَ: أُولَئِكَ هُمُ الْأَذَلُّونَ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِمَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنَ الْحُكْمِ بِسَبَبِ الْوَصْفِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِثْلَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ [٥] . وَجُمْلَةُ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ

стр. 9663

أَرَادَ أَنْ يكون رَسُوله ﷺ غَالِبًا لِأَعْدَائِهِ وَذَلِكَ مِنْ آثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَغْلِبُهَا شَيْءٌ وَقَدْ كَتَبَ لِجَمِيعِ رُسُلِهِ الْغَلَبَةَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَغَلَبَتُهُمْ مِنْ غَلَبَةِ اللَّهِ إِذْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالْأَشْيَاءِ على وفْق إِرَادَته وَإِرَادَة اللَّهِ لَا يُغَيِّرُهَا شَيْءٌ، وَالْإِرَادَةُ تَجْرِي عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ وَمَجْمُوعُ تَوَارُدِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَوْجُودِ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَضَاءِ. وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِ كَتَبَ اللَّهُ لِأَنَّ الْكِتَابَة استعيرت الْمَعْنى: قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ وَأَرَادَ وُقُوعَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَهُ وَأَرَادَهُ فَهُوَ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ لَا يَتَخَلَّفُ مِثْلُ الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ ضَبْطُهُ وَعَدَمُ الْإِخْلَالِ بِهِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لِكَيْ لَا يُنْسَى وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يُجْحَدَ التَّرَاضِي عَلَيْهِ. فَثَبت لرَسُوله ﷺ الْغَلَبَةُ لِشِمُولِ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ لِرُسُلِهِ إِيَّاهُ وَهَذَا إِثْبَاتٌ لِغَلَبَةِ رَسُولِهِ أَقْوَامًا يُحَادُّونَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهَانِيٍّ. فَجُمْلَةُ لَأَغْلِبَنَّ مَصُوغَةٌ صِيغَةُ الْقَوْلِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعَارَةِ كَتَبَ إِلَى مَعْنَى قَضَى وَقَدَّرَ. وَالْمَعْنَى: قَضَى مَدْلُولَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، أَيْ قَضَى بِالْغَلَبَةِ لله وَرَسُوله ﷺ ، فَكَأَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ هِيَ الْمَكْتُوبَةُ مِنَ اللَّهِ. وَالْمُرَادُ: الْغَلَبَةُ بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّهْدِيدِ. وَأَمَّا الْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ فَأَمْرٌ مَعْلُومٌ. وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ لَأَغْلِبَنَّ لِأَنَّ الَّذِي يُغَالِبُ الْغَالِبَ مَغْلُوبٌ. قَالَ حَسَّانُ: زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا ... وَلْيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ [٢٢] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٢٢] لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. كَانَ لِلْمُنَافِقِينَ قَرَابَةٌ بِكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَاب النبيء ﷺ ، وَكَانَ نِفَاقُهُمْ لَا يَخْفَى عَلَى بَعْضِهِمْ، فَحَذَّرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَالِصِينَ مِنْ مُوَادَّةِ مَنْ يُعَادِي الله وَرَسُوله ﷺ . وَرُوِيَتْ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ مُتَفَاوِتَةٍ قُوَّةَ أَسَانِيدَ اسْتَقْصَاهَا الْقُرْطُبِيُّ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ

стр. 9664

وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلْآيَةِ سَبَبُ نُزُولٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهَا مُتَّصِلَةُ الْمَعْنَى بِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ وَمُوَالَاتِهِمُ الْيَهُودَ، فَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ قَصَصٍ لِسَبَبِ نُزُولِهَا فَإِنَّمَا هُوَ أَمْثِلَةٌ لِمُقْتَضَى حُكْمِهَا. وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِ لَا تَجِدُ قَوْماً يُثِيرُ تَشْوِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ حَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَمَا سَيُسَاقُ فِي شَأْنِهِمْ مِنْ حُكْمٍ. وَالْخطاب للنبيء ﷺ . وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَمْرُهُ بِإِبْلَاغِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مُوَادَّةَ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُحَادُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هِيَ مِمَّا يُنَافِي الْإِيمَانَ لِيَكُفَّ عَنْهَا مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِهَا. فَالْكَلَامُ مِنْ قِبَلِ الْكِنَايَةِ عَنِ السَّعْيِ فِي نَفْيِ وِجْدَانِ قَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهُمْ، مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا، أَيْ لَا تَحْضُرْ هُنَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [يُونُس: ١٨] أَرَادَ بِمَا لَا يَكُونُ، لِأَنَّ مَا لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةُ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَيَّامَ كَانُوا بِمَكَّةَ. وَقَدْ نُقِلَتْ أَخْبَارٌ مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةُ الْقُوَّةِ وَلَكِنْ كَانَ الْكُفْرُ أَيَّامَئِذٍ مَكْشُوفًا وَالْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَاضِحَةً. فَلَمَّا انْتَقَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ الْكُفْرُ مَسْتُورًا فِي الْمُنَافِقِينَ فَكَانَ التَّحَرُّزُ مِنْ مُوَادَّتِهِمْ أَجْدَرَ وَأَحْذَرَ. وَالْمُوَادَّةُ أَصْلُهَا: حُصُولُ الْمَوَدَّةِ فِي جَانِبَيْنِ. وَالنَّهْيُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ عَنْ مَوَدَّةِ الْمُؤْمِنِ الْكَافِرِينَ لَا عَنْ مُقَابَلَةِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَوَدَّةِ، وَإِنَّمَا جِيءَ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ هُنَا اعْتِبَارًا بِأَنَّ شَأْنَ الْوُدِّ أَنْ يَجْلِبَ وُدًّا مِنَ الْمَوْدُودِ لِلْوَادِّ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُفَاعَلَةُ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِ الْوُدِّ صَادِقًا لِأَنَّ الْوَادَّ الصَّادِقَ يُقَابِلُهُ الْمَوْدُودُ بِمِثْلِهِ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِ الْمُعَامَلَةِ، وَقَرِينَةُ الْكِنَايَةِ تَوْجِيهُ نَفْيِ وِجْدَانِ الْمَوْصُوفِ بِذَلِكَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله ﷺ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ هُنَا إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: ٢٨] ، لِأَنَّ الْمَوَدَّةَ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ فَلَا تُتَصَوَّرُ مَعَهَا التَّقِيَةُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: ٢٨] .

стр. 9665

وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ إِلَى آخِرِهِ مُبَالَغَةٌ فِي نِهَايَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِي قَدْ يُقْدِمُ فِيهَا الْمَرْءُ عَلَى التَّرَخُّصِ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ بِعِلَّةِ قُرْبِ الْقَرَابَةِ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يُحَادُّ الله وَرَسُوله ﷺ إِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِذَلِكَ مُعْلِنًا بِهِ، أَوْ مُتَجَاهِرًا بِسُوءِ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَجْلِ إِسْلَامِهِمْ لَا لِمُوجِبِ عَدَاوَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِظْهَارُ عَدَاوَتِهِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: ٩] وَلَمْ يُرَخَّصْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ بِالْحُسْنَى إِلَّا لِاتِّقَاءِ شَرِّهِمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ بَأْسٌ قَالَ تَعَالَى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: ٢٨] . وَأَمَّا مَنْ عَدَا هَذَا الصِّنْفَ فَهُوَ الْكَافِرُ الْمُمْسِكُ شَرَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: لَا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨] . وَمِنْ هَذَا الصِّنْفِ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ مَسَائِلَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْمَوَدَّةِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ لَا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة: ٨] وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَالَتَهَا. فَ لَوْ وَصْلِيَةٌ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَى لَوْ الْوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٩١] وَرُتِّبَتْ أَصْنَافُ الْقَرَابَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّدَلِّي مِنَ الْأَقْوَى إِلَى مَنْ دُونَهُ لِئَلَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ النَّهْيَ خَاصُّ بِمَنْ تَقْوَى فِيهِ ظَنَّةُ النَّصِيحَةِ لَهُ وَالِائْتِمَارُ بِأَمْرِهِ. وَعَشِيرَةُ الرَّجُلِ قَبِيلَتُهُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ فِي جَدٍّ غَيْرِ بَعِيدٍ وَقَدْ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ لَا يُوَادُّونَ مَنْ فِيهِ مَعْنًى مِنْ مُحَادَّةِ الله وَرَسُوله ﷺ بِخَرْقِ سِيَاجِ شَرِيعَتِهِ عَمْدًا وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرُمَاتِ الْإِسْلَامِ، وَهَؤُلَاءِ مِثْلُ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ فِي الْأَعْمَالِ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مرتكبه بالدّين وينبىء عَنْ ضُعْفِ احْتِرَامِهِ لِلدِّينِ مِثْلُ الْمُتَجَاهِرِينَ بِالْكَبَائِرِ وَالْفَوَاحِشِ السَّاخِرِينَ
следующие страницы →