← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

وَالنِّسْيَانُ مُرَادٌ مِنْهُ لَازِمُهُ وَهُوَ الْإِضَاعَةُ وَتَرْكُ الْمَنْسِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه: ١٢٦] . وَالذِّكْرُ يُطْلَقُ عَلَى نُطْقِ اللِّسَانِ بِاسْمٍ أَوْ كَلَامٍ وَيُطْلَقُ عَلَى التَّذَكُّرِ بِالْعَقْلِ. وَقَدْ يُخَصُّ هَذَا الثَّانِي بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي صَرِيحِهِ وَكِنَايَتِهِ، أَيْ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِهِ وَهُوَ الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَنْسَاهُمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ. وَالَّذِي لَا يَتَذَكَّرُ شَيْئًا لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى وَاجِبَاتِهِ. وَجُمْلَةُ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ نَتِيجَةٌ وَفَذْلَكَةٌ لِقَوْلِ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ. فَإِنَّ الِاسْتِحْوَاذَ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَيَّرَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِهِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِئَلَا يَتَرَدَّدَ فِي أَنَّهُمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ. وَجُمْلَةُ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفَرُّعِ وَالتَّسَبُّبِ عَلَى جُمْلَةِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ، فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هم الخاسرون، وَلذَلِك عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى حَرْفِ الِاسْتِفْتَاحِ تَنْبِيهًا عَلَى أَهَمِّيَّةِ مَضْمُونِهَا وَأَنَّهُ مِمَّا يَحِقُّ الْعِنَايَةُ بِاسْتِحْضَارِهِ فِي الْأَذْهَانِ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الِانْدِمَاجِ فِيهِمْ، وَالتَّلَبُّسِ بِمِثْلِ أَحْوَالِهِمُ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا. وَزِيدَ هَذَا التَّحْذِيرُ اهْتِمَامًا بِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ بِحَرْفِ إِنَّ وَبِصِيغَةِ الْقَصْرِ، إِذْ لَا يَتَرَدَّدُ أَحَدٌ فِي أَنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ خَاسِرُونَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا الْمُسَلَّمَةِ بَيْنَ الْبَشَرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُؤَكِّدَاتُ لِرَدِّ الْإِنْكَارِ لِتَحْذِيرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَغُرَّهُمْ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَتَرُوقَ فِي أَنْظَارِهِمْ بَزَّةُ الْمُنَافِقِينَ وَتَخْدَعَهُمْ أَيْمَانُهُمُ الْكَاذِبَةُ. وَإِظْهَارُ كَلِمَةِ حِزْبُ الشَّيْطانِ دون ضمير هم لِزِيَادَةِ التَّصْرِيحِ وَلِتَكُونَ الْجُمْلَةُ صَالِحَة للتمثل بِهِ مُسْتَقِلَّةً بِدِلَالَتِهَا. وَضَمِيرُ الْفَصْلِ أَفَادَ الْقَصْرَ، وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لَلْمُبَالَغَةِ فِي مِقْدَار خسرانهم وَأَنه لَا خُسْرَانَ أَشَدُّ مِنْهُ فَكَأَنَّ كُلَّ خُسْرَانٍ غَيْرِهِ عَدَمٌ فَيُدَّعَى أَنَّ وَصْفَ الْخَاسِرِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ. وَحِزْبُ الْمَرْءِ: أَنْصَارُهُ وَجُنْدُهُ وَمن يواليه.

стр. 9662

[سُورَة المجادلة (٥٨) : الْآيَات ٢٠ إِلَى ٢١] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ يُشْبِهُ مَوْقِعَ آيَةِ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة: ٥] . فَالَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْمُعْلِنُونَ بِالْمُحَادَّةِ. وَأَمَّا الْمُحَادُّونَ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُمُ الْمُسِرُّونَ لِلْمُحَادَّةِ الْمُتَظَاهِرُونَ بِالْمُوَالَاةِ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ بَيَّنَتْ شَيْئًا مِنَ الْخُسْرَانِ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَى حزب الشَّيْطَان الَّذِي هُمْ فِي مُقَدِّمَتِهِ. وَبِهَذَا تَكْتَسِبُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْنَى بَدَلَ الْبَعْضِ مِنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [المجادلة: ١٩] ، لِأَنَّ الْخُسْرَانَ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَخُسْرَانُ الدُّنْيَا أَنْوَاعٌ أَشَدُّهَا عَلَى النَّاسِ الْمَذَلَّةُ وَالْهَزِيمَةُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ فِي الْأَذَلِّينَ والمغلوبين. وَاسْتِحْضَارُهُمْ بصلَة إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ فَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ فِي الْأَذَلِّينَ فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ إِلَى الْمَوْصُولِيَّةِ لِإِفَادَةِ مَدْلُولِ الصِّلَةِ أَنهم أَعدَاء لله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَإِفَادَةُ الْمَوْصُولِ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَذَلِّينَ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ رَسُول الله ﷺ فَهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَعَدُوُّهُ لَا يَكُونُ عَزِيزًا. وَمُفَادُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ أَنَّهُمْ كَائِنُونَ فِي زُمْرَةِ الْقَوْمِ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّهُمْ أَذَلُّونَ، أَيْ شَدِيدُو الْمَذَلَّةِ لِيَتَصَوَّرَهُمُ السَّامِعُ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ يَرَى أَنَّهُمْ أَذَلُّونَ، فَيَكُونُ هَذَا النَّظْمُ أَبْلَغَ مِنْ أَنْ يُقَالَ: أُولَئِكَ هُمُ الْأَذَلُّونَ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِمَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنَ الْحُكْمِ بِسَبَبِ الْوَصْفِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِثْلَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ [٥] . وَجُمْلَةُ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ

стр. 9663

أَرَادَ أَنْ يكون رَسُوله ﷺ غَالِبًا لِأَعْدَائِهِ وَذَلِكَ مِنْ آثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَغْلِبُهَا شَيْءٌ وَقَدْ كَتَبَ لِجَمِيعِ رُسُلِهِ الْغَلَبَةَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَغَلَبَتُهُمْ مِنْ غَلَبَةِ اللَّهِ إِذْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالْأَشْيَاءِ على وفْق إِرَادَته وَإِرَادَة اللَّهِ لَا يُغَيِّرُهَا شَيْءٌ، وَالْإِرَادَةُ تَجْرِي عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ وَمَجْمُوعُ تَوَارُدِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَوْجُودِ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَضَاءِ. وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِ كَتَبَ اللَّهُ لِأَنَّ الْكِتَابَة استعيرت الْمَعْنى: قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ وَأَرَادَ وُقُوعَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَهُ وَأَرَادَهُ فَهُوَ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ لَا يَتَخَلَّفُ مِثْلُ الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ ضَبْطُهُ وَعَدَمُ الْإِخْلَالِ بِهِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لِكَيْ لَا يُنْسَى وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يُجْحَدَ التَّرَاضِي عَلَيْهِ. فَثَبت لرَسُوله ﷺ الْغَلَبَةُ لِشِمُولِ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ لِرُسُلِهِ إِيَّاهُ وَهَذَا إِثْبَاتٌ لِغَلَبَةِ رَسُولِهِ أَقْوَامًا يُحَادُّونَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهَانِيٍّ. فَجُمْلَةُ لَأَغْلِبَنَّ مَصُوغَةٌ صِيغَةُ الْقَوْلِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعَارَةِ كَتَبَ إِلَى مَعْنَى قَضَى وَقَدَّرَ. وَالْمَعْنَى: قَضَى مَدْلُولَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، أَيْ قَضَى بِالْغَلَبَةِ لله وَرَسُوله ﷺ ، فَكَأَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ هِيَ الْمَكْتُوبَةُ مِنَ اللَّهِ. وَالْمُرَادُ: الْغَلَبَةُ بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّهْدِيدِ. وَأَمَّا الْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ فَأَمْرٌ مَعْلُومٌ. وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ لَأَغْلِبَنَّ لِأَنَّ الَّذِي يُغَالِبُ الْغَالِبَ مَغْلُوبٌ. قَالَ حَسَّانُ: زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا ... وَلْيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ [٢٢] [سُورَة المجادلة (٥٨) : آيَة ٢٢] لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. كَانَ لِلْمُنَافِقِينَ قَرَابَةٌ بِكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَاب النبيء ﷺ ، وَكَانَ نِفَاقُهُمْ لَا يَخْفَى عَلَى بَعْضِهِمْ، فَحَذَّرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَالِصِينَ مِنْ مُوَادَّةِ مَنْ يُعَادِي الله وَرَسُوله ﷺ . وَرُوِيَتْ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ مُتَفَاوِتَةٍ قُوَّةَ أَسَانِيدَ اسْتَقْصَاهَا الْقُرْطُبِيُّ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ

стр. 9664

وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلْآيَةِ سَبَبُ نُزُولٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهَا مُتَّصِلَةُ الْمَعْنَى بِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ وَمُوَالَاتِهِمُ الْيَهُودَ، فَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ قَصَصٍ لِسَبَبِ نُزُولِهَا فَإِنَّمَا هُوَ أَمْثِلَةٌ لِمُقْتَضَى حُكْمِهَا. وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِ لَا تَجِدُ قَوْماً يُثِيرُ تَشْوِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ حَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَمَا سَيُسَاقُ فِي شَأْنِهِمْ مِنْ حُكْمٍ. وَالْخطاب للنبيء ﷺ . وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَمْرُهُ بِإِبْلَاغِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مُوَادَّةَ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُحَادُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هِيَ مِمَّا يُنَافِي الْإِيمَانَ لِيَكُفَّ عَنْهَا مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِهَا. فَالْكَلَامُ مِنْ قِبَلِ الْكِنَايَةِ عَنِ السَّعْيِ فِي نَفْيِ وِجْدَانِ قَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهُمْ، مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا، أَيْ لَا تَحْضُرْ هُنَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [يُونُس: ١٨] أَرَادَ بِمَا لَا يَكُونُ، لِأَنَّ مَا لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةُ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَيَّامَ كَانُوا بِمَكَّةَ. وَقَدْ نُقِلَتْ أَخْبَارٌ مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةُ الْقُوَّةِ وَلَكِنْ كَانَ الْكُفْرُ أَيَّامَئِذٍ مَكْشُوفًا وَالْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَاضِحَةً. فَلَمَّا انْتَقَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ الْكُفْرُ مَسْتُورًا فِي الْمُنَافِقِينَ فَكَانَ التَّحَرُّزُ مِنْ مُوَادَّتِهِمْ أَجْدَرَ وَأَحْذَرَ. وَالْمُوَادَّةُ أَصْلُهَا: حُصُولُ الْمَوَدَّةِ فِي جَانِبَيْنِ. وَالنَّهْيُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ عَنْ مَوَدَّةِ الْمُؤْمِنِ الْكَافِرِينَ لَا عَنْ مُقَابَلَةِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَوَدَّةِ، وَإِنَّمَا جِيءَ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ هُنَا اعْتِبَارًا بِأَنَّ شَأْنَ الْوُدِّ أَنْ يَجْلِبَ وُدًّا مِنَ الْمَوْدُودِ لِلْوَادِّ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُفَاعَلَةُ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِ الْوُدِّ صَادِقًا لِأَنَّ الْوَادَّ الصَّادِقَ يُقَابِلُهُ الْمَوْدُودُ بِمِثْلِهِ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِ الْمُعَامَلَةِ، وَقَرِينَةُ الْكِنَايَةِ تَوْجِيهُ نَفْيِ وِجْدَانِ الْمَوْصُوفِ بِذَلِكَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله ﷺ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ هُنَا إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: ٢٨] ، لِأَنَّ الْمَوَدَّةَ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ فَلَا تُتَصَوَّرُ مَعَهَا التَّقِيَةُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: ٢٨] .

стр. 9665

وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ إِلَى آخِرِهِ مُبَالَغَةٌ فِي نِهَايَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِي قَدْ يُقْدِمُ فِيهَا الْمَرْءُ عَلَى التَّرَخُّصِ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ بِعِلَّةِ قُرْبِ الْقَرَابَةِ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يُحَادُّ الله وَرَسُوله ﷺ إِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِذَلِكَ مُعْلِنًا بِهِ، أَوْ مُتَجَاهِرًا بِسُوءِ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَجْلِ إِسْلَامِهِمْ لَا لِمُوجِبِ عَدَاوَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِظْهَارُ عَدَاوَتِهِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: ٩] وَلَمْ يُرَخَّصْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ بِالْحُسْنَى إِلَّا لِاتِّقَاءِ شَرِّهِمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ بَأْسٌ قَالَ تَعَالَى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: ٢٨] . وَأَمَّا مَنْ عَدَا هَذَا الصِّنْفَ فَهُوَ الْكَافِرُ الْمُمْسِكُ شَرَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: لَا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨] . وَمِنْ هَذَا الصِّنْفِ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ مَسَائِلَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْمَوَدَّةِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ لَا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة: ٨] وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَالَتَهَا. فَ لَوْ وَصْلِيَةٌ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَى لَوْ الْوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٩١] وَرُتِّبَتْ أَصْنَافُ الْقَرَابَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّدَلِّي مِنَ الْأَقْوَى إِلَى مَنْ دُونَهُ لِئَلَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ النَّهْيَ خَاصُّ بِمَنْ تَقْوَى فِيهِ ظَنَّةُ النَّصِيحَةِ لَهُ وَالِائْتِمَارُ بِأَمْرِهِ. وَعَشِيرَةُ الرَّجُلِ قَبِيلَتُهُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ فِي جَدٍّ غَيْرِ بَعِيدٍ وَقَدْ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ لَا يُوَادُّونَ مَنْ فِيهِ مَعْنًى مِنْ مُحَادَّةِ الله وَرَسُوله ﷺ بِخَرْقِ سِيَاجِ شَرِيعَتِهِ عَمْدًا وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرُمَاتِ الْإِسْلَامِ، وَهَؤُلَاءِ مِثْلُ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ فِي الْأَعْمَالِ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مرتكبه بالدّين وينبىء عَنْ ضُعْفِ احْتِرَامِهِ لِلدِّينِ مِثْلُ الْمُتَجَاهِرِينَ بِالْكَبَائِرِ وَالْفَوَاحِشِ السَّاخِرِينَ

стр. 9666

مِنَ الزَّوَاجِرِ وَالْمَوَاعِظِ، وَمِثْلُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ فِي الِاعْتِقَادِ مِمَّنْ يُؤْذَنُ حَالُهُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَدِلَّةِ الِاعْتِقَادِ الْحَقِّ، وَإِيثَارُ الْهَوَى النَّفْسِيِّ وَالْعَصَبِيَّةِ عَلَى أَدِلَّةِ الِاعْتِقَادِ الْإِسْلَامِيِّ الْحَقِّ. فَعَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ تَنْزِيلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَنْ يَصْحَبُ سَلَاطِينَ الْجَوْرِ. وَعَنْ مَالِكٍ: لَا تُجَالِسِ الْقَدَرِيَّةَ وَعَادَهِمْ فِي اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَقَالَ فقهاؤنا: يجوز أَن يَجِبُ هُجْرَانُ ذِي الْبِدْعَةِ الضَّالَّةِ أَوْ الِانْغِمَاسِ فِي الْكَبَائِرِ إِذَا لَمْ يَقْبَلِ الْمَوْعِظَةَ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ إِعْطَاءِ بَعْضِ أَحْكَامِ الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَوْ وَعِيدٌ لِمَعْنًى آخَرَ فِيهِ وَصْفٌ مِنْ نَوْعِ الْمَعْنَى ذِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الشَّبَهِ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ لِلْقِيَاسِ فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الشَّبَهِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَيِمَّةُ الْأُصُولِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النِّسَاء: ١١٥] مَعَ أَنَّ مَهْيَعَ الْآيَةِ الْمُحْتَجِّ بِهَا إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُمْ رَأَوُا الْخُرُوجَ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةً فَمُخَالَفَةُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ فِيهِ شَبَهُ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ. أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. الْإِشَارَةُ إِلَى الْقَوْمِ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْأَوْصَافَ السَّابِقَةَ وَوُقُوعُهَا عَقِبَ مَا وُصِفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ مُحَادَّةِ الله وَرَسُوله ﷺ سَابِقًا وَآنِفًا، وَمَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، وَأَنَّهُمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهُمُ

стр. 9667

الْخَاسِرُونَ، مِمَّا يَسْتَشْرِفُ بَعْدَهُ السَّامِعُ إِلَى مَا سَيُخْبَرُ بِهِ عَنِ الْمُتَّصِفِينَ بِضِدِّ ذَلِكَ. وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَا يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُوله ص. وَكِتَابَةُ الْإِيمَانِ فِي الْقُلُوبِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] . وَهِيَ التَّقْدِيرُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا تَتَخَلَّفُ آثَارُهُ، أَيْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا الَّذِينَ زَيَّنَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَاتَّبَعُوا كَمَالَهُ وسلكوا شعبه. والتأييد: التَّقْوِيَةُ وَالنَّصْرُ. وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٧] ، أَيْ إِنَّ تَأْيِيدَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ قَدْ حَصَلَ وَتَقَرَّرَ بِالْإِتْيَانِ بِفِعْلِ الْمُضِيِّ لِلدِّلَالَةِ عَلَى الْحُصُولِ وَعَلَى التَّحَقُّقِ وَالدَّوَامِ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَيَيْهِ. وَالرُّوحُ هُنَا: مَا بِهِ كَمَالُ نَوْعِ الشَّيْءِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَرُوحٌ مِنَ اللَّهِ: عِنَايَتُهُ وَلُطْفُهُ. وَمَعَانِيَ الرُّوحِ فِي قَوْله تَعَالَى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٨٥] ، وَوَعَدَهُمْ بِأَنَّهُ يُدْخِلُهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْجَنَّاتِ خَالِدِينَ فِيهَا. وَرَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ حَاصِلٌ مِنَ الْمَاضِي وَمُحَقَّقُ الدَّوَامِ فَهُوَ مِثْلُ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: وَأَيَّدَهُمْ، وَرِضَاهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ حَاصِلٌ فِي الدُّنْيَا بِثَبَاتِهِمْ عَلَى الدِّينِ وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ، وَحَاصِلٌ فِي الْمُسْتَقْبل بنوال ﵃ وَنَوَالِ نَعَيْمِ الخلود. وَأما تحول التَّعْبِيرِ إِلَى الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ فَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِقْبَالِ. وَقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ إِفَادَةِ التَّحْقِيقِ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ كَالْقَوْلِ فِي أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ [المجادلة: ١٩] . وَحَرْفُ التَّنْبِيهِ يَحْصُلُ مِنْهُ تَنْبِيهُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى فَضْلِهِمْ. وَتَنْبِيهُ مَنْ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى مَا حَبَا اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَعَلَّ الْمُنَافِقِينَ يَغْبِطُونَهُمْ فَيُخْلِصُونَ الْإِسْلَامَ. وَشَتَّانَ بَيْنَ الْحِزْبَيْنِ. فَالْخُسْرَانُ لِحِزْبِ الشَّيْطَانِ، وَالْفَلَّاحُ لِحِزْبِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 9668

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥٩- سُورَةُ الْحَشْرِ اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةُ «سُورَةُ الْحَشْرِ» . وَبِهَذَا الِاسْمِ دَعَاهَا النبيء ﷺ . رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ «قَالَ رَسُول الله ﷺ : مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أُعَوِّذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ» الْحَدِيثَ، أَيِ الْآيَاتِ الَّتِي أَوَّلُهَا هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الْحَشْر: ٢٢] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ قَالَ: «قُلْ بَنِي النَّضِيرِ» ، أَيْ سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ فَابْنُ جُبَيْرٍ سَمَّاهَا بِاسْمِهَا الْمَشْهُورِ. وَابْنُ عَبَّاسٍ يُسَمِّيهَا سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ. وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ تَسْمِيَة النبيء ﷺ إِيَّاهَا «سُورَةَ الْحَشْرِ» لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَرَى تَسْمِيَتَهَا «سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ» لِقَوْلِهِ لِابْنِ جُبَيْرٍ «قُلْ بَنِي النَّضِيرِ» . وَتَأَوَّلَ ابْنُ حَجْرٍ كَلَامَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ تَسْمِيَتَهَا بِ «الْحَشْرِ» لِئَلَا يَظُنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَة. وَهَذَا تَأَول بَعِيدٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرَادَ أَنْ لَهَا اسْمَيْنِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: قُلْ، لِلتَّخْيِيرِ. فَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهَا «الْحَشْرَ» فَلِوُقُوعِ لفظ الْحَشْرِ [الْحَشْرِ: ٢] فِيهَا. وَلِكَوْنِهَا ذُكِرَ

стр. 9669

فِيهَا حَشْرُ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ دِيَارِهِمْ أَيْ مِنْ قَرْيَتِهِمُ الْمُسَمَّاةِ الزُّهْرَةِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ. فَخَرَجُوا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ إِلَى أَرِيحَا وَأَذْرُعَاتٍ، وَبَعْضُ بُيُوتِهِمْ خَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَبَعْضُ بُيُوتِهِمْ خَرجُوا إِلَى الحيوة. وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهَا «سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ» فَلِأَنَّ قِصَّةَ بَنِي النَّضِيرِ ذُكِرَتْ فِيهَا. وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَهِيَ الثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَيِّنَةِ وَقَبْلَ سُورَةِ النَّصْرِ. وَكَانَ نُزُولُهَا عَقِبَ إِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ بِلَادِهِمْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَعَدَدُ آيِهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ بِاتِّفَاق العادّين. أغراض هَذِه السُّورَة وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي النَّضِيرِ وَلَمْ يُعَيِّنُوا مَا هُوَ الْغَرَضُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْهَا حُكْمُ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ الِانْتِصَارِ عَلَيْهِمْ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْهَا. وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَنَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ دَالٌّ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ، وَكَون مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُلْكُهُ، وَأَنَّهُ الْغَالِبُ الْمُدَبِّرُ. وَعَلَى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى مَا يَسَّرَ مِنْ إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَنَعَةِ وَالْحُصُونِ وَالْعُدَّةِ. وَتِلْكَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ تَأْيِيدِ رَسُول الله ﷺ وَغَلَبَتِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ. وَذِكْرِ مَا أَجْرَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ إِتْلَافِ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَأَحْكَامِ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتَعْيِينِ مُسْتَحِقِّيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَتَعْظِيمِ شَأْنِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ يَجِيئُونَ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَشْفِ دَخَائِلِ الْمُنَافِقِينَ وَمَوَاعِيدِهِمْ لِبَنِي النَّضِيرِ أَنْ يَنْصُرُوهُمْ وَكَيْفَ كَذَبُوا وَعْدَهُمْ.

стр. 9670

وَأَنْحَى عَلَى بَنِي النَّضِيرِ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْجُبْنِ وَتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَتَنْظِيرِ حَالِ تَغْرِيرِ الْمُنَافِقِينَ لِلْيَهُودِ بِتَغْرِيرِ الشَّيْطَانِ لِلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، وَتَنَصُّلِهِ مِنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَانَ عَاقِبَةُ الْجَمِيعِ الْخُلُودَ فِي النَّارِ. ثُمَّ خِطَابُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى وَالْحَذَرِ مِنْ أَحْوَالِ أَصْحَابِ النَّارِ وَالتَّذْكِيرِ بِتَفَاوُتِ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ. وَبَيَانِ عَظَمَةِ الْقُرْآنِ وَجَلَالَتِهِ وَاقْتِضَائِهِ خُشُوعَ أَهْلِهِ. وَتَخَلَّلَ ذَلِكَ إِيمَاءٌ إِلَى حِكْمَةِ شَرَائِعِ انْتِقَالِ الْأَمْوَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْوُجُوهِ الَّتِي نَظَّمَهَا الْإِسْلَامُ بِحَيْثُ لَا تَشُقُّ عَلَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ. وَالْآمِرُ بِاتِّبَاعِ مَا يَشْرَعُهُ اللَّهُ على لِسَان رَسُول الله ﷺ . وَخُتِمَتْ بِصِفَاتٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَنَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْحَشْر: ٢٤] تَزَكِيَهً لِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ وتعريضا بالكافرين. [١] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ تَسْبِيحِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِلَّهِ تَعَالَى تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ تَسْبِيحَ شُكْرٍ عَلَى مَا أَنَالَهُمْ مِنْ فَتْحِ بِلَادِ بَنِي النَّضِيرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ سَبِّحُوا لِلَّهِ كَمَا سَبَّحَ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَتَعْرِيضٌ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ نَزَلَتِ السُّورَةُ فِيهِمْ بِأَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ لِتَكَبُّرِهِمْ عَنْ تَسْبِيحِ اللَّهِ حَقَّ تَسْبِيحِهِ بِتَصْدِيق رَسُوله ﷺ إِذْ أَعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِي دَلَائِلِ رِسَالَتِهِ أَوْ كَابَرُوا فِي مَعْرِفَتِهَا. وَالْقَوْلُ فِي لَفْظِ هَذِهِ الْآيَةِ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَدِيدِ [١] ، إِلَّا أَنَّ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَدِيدِ فِيهَا: مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهَاهُنَا قَالَ: مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ فَاتِحَةَ سُورَةِ الْحَدِيدِ تَضَمَّنَتْ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى

стр. 9671

عَظْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَكَانَ دَلِيلُ ذَلِكَ هُوَ مَجْمُوعَ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَوْجُودَاتِ فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي اسْمٍ وَاحِدٍ هُوَ مَا الْمَوْصُولَةُ الَّتِي صِلَتُهَا قَوْلُهُ: فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وَأَمَّا فَاتِحَةُ سُورَةِ الْحَشْرِ فَقَدْ سِيقَتْ لِلتَّذْكِيرِ بِمِنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَادِثَةٍ أَرْضِيَّةٍ وَهِيَ خِذْلَانُ بَنِي النَّضِيرِ فَنَاسَبَ فِيهَا أَنْ يُخَصَّ أَهْلُ الْأَرْضِ بِاسْمٍ مَوْصُولٍ خَاصٍّ بِهِمْ، وَهِيَ مَا الْمَوْصُولَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي صِلَتُهَا فِي الْأَرْضِ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ جَاءَتْ فَوَاتِحُ سُوَرِ الصَّفِّ وَالْجُمُعَةِ وَالتَّغَابُنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا. وَأُوثِرَ الْإِخْبَارُ عَنْ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بِفِعْلِ الْمُضِيِّ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ تَسْبِيحُ شُكْرٍ عَنْ نِعْمَةٍ مَضَتْ قَبْلَ نُزُولِ السُّورَةِ وَهِيَ نِعْمَةُ إِخْرَاجِ أَهْلِ النَّضِيرِ. [٢] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٢] هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا. يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى آخِرِهَا اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِقَصْدِ إِجْرَاءِ هَذَا التَّمْجِيدِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ بَاهِرِ تَقْدِيرِهِ، وَلِمَا يُؤْذِنُ بِهِ ذَلِكَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِوُجُوبِ شُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ الْإِخْرَاجِ الْعَجِيبِ. وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ عِلَّةً لِمَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ عَنْ تَسْبِيحِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنَ التَّذْكِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالتَّعْرِيضِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ هُمْ فَرِيقَانِ مِمَّا فِي الْأَرْضِ فَإِنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا فَاتِحَةُ السُّورَة من أهل أَحْوَالِهِمَا. وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ مُبِيِّنَةً لِجُمْلَةِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الْحَشْر: ١] لِأَنَّ هَذَا التَّسْخِيرَ الْعَظِيمَ مِنْ آثَارِ عِزِّهِ وَحِكْمَتِهِ. وَعَلَى كُلِّ الْوُجُوهِ فَهُوَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَتَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وَهُوَ قِسْمَةُ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. وَتَعْرِيفُ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ بِالضَّمِيرِ وَالْمَوْصُولِ يُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ إِخْرَاجِ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 9672

مِنْ دِيَارِهِمْ عَلَيْهِ تَعَالَى وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِسَعْيِ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الْإِخْرَاجِ وَمُعَالَجَتِهِمْ بَعْضَ أَسْبَابِهِ كَتَخْرِيبِ دِيَارِ بَنِي النَّضِيرِ. وَلِذَلِكَ فَجُمْلَةُ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ الْقَصْرِ. وَجُمْلَةُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ عَطْفٌ عَلَى الْعِلَّةِ، أَيْ وَهُمْ ظنُّوا أَن الْمُسْلِمِينَ لَا يَغْلِبُونَهُمْ. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَظَنُّوا أَنْ لَا يُخْرَجُوا. مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى خُرُوجِهِمْ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ أَيْ مَانِعَتُهُمْ مِنْ إِخْرَاجِهِمِ اسْتِغْنَاءً عَنْ ذِكْرِ الْمَظْنُونِ بِذِكْرِ عِلَّةِ الظَّنِّ. وَالتَّقْدِيرُ: وَظَنُّوا أَنْ لَا يَخْرُجُوا لِأَنَّهُمْ تَمْنَعُهُمْ حُصُونُهُمْ، أَيْ ظَنُّوا ظَنًّا قَوِيًّا مُعْتَمِدِينَ عَلَى حُصُونِهِمْ. وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ بَنُو النَّضِيرِ (بِوَزْنِ أَمِيرٍ) وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَهُودِ اسْتَوْطَنُوا بِلَادَ الْعَرَبِ هُمْ وَبَنُو عَمِّهِمْ قُرَيْظَةُ، وَيَهُودُ خَيْبَرَ، وَكُلُّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ ﵇ وَكَانَ يُقَالُ لِبَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ: الْكَاهِنَانِ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمَا مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ وَهُوَ كَاهِنُ الْمِلَّةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَالْكِهَانَةُ: حَفِظُ أُمُورِ الدِّيَانَةِ بِيَدِهِ وَيَدِ أَعْقَابِهِ. وَقِصَّةُ اسْتِيطَانِهِمْ بِلَادَ الْعَرَبِ أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ أَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْ أَسْلَافِهِمْ لِقِتَالِ الْعَمَالِيقِ الْمُجَاوِرِينَ لِلشَّامِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ فَقَصَّرُوا فِي قِتَالِهِمْ وَتُوُفِّيَ مُوسَى قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا عَلِمُوا بِوَفَاةِ مُوسَى رَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ إِلَى دِيَارِ إِسْرَائِيلَ فِي أَرِيحَا فَقَالَ لَهُمْ قَوْمُهُمْ: أَنْتُمْ عَصَيْتُمْ أَمْرَ مُوسَى فَلَا تَدْخُلُوا بِلَادَنَا، فَخَرَجُوا إِلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَقَامُوا لِأَنْفُسِهِمْ قُرًى حَوْلَ يَثْرِبَ (الْمَدِينَةِ) وَبَنَوْا لِأَنْفُسِهِمْ حُصُونًا وَقَرْيَةً سَمَّوْهَا الزُّهْرَةَ. وَكَانَتْ حُصُونُهُمْ خَمْسَةً سَيَأْتِي ذِكْرُ أَسْمَائِهَا فِي آخِرِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَصَارُوا أَهْلَ زَرْعٍ وَأَمْوَالٍ. وَكَانَ فِيهِمْ أَهْلُ الثَّرَاءِ مِثْلُ السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَا، وَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حِلْفٌ وَمُعَامَلَةٌ، فَكَانَ مِنْ بُطُونِ أُولَئِكَ الْيَهُودِ بَنُو النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةُ وَخَيْبَرُ. وَوُسِمُوا بِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ كفرُوا بِمُحَمد ﷺ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْوَصْفِ الذَّمِيمِ وَقَدْ وُصِفُوا بِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [الْبَقَرَة: ٨٩]

стр. 9673

إِلَى قَوْلِهِ: عَذابٌ مُهِينٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٩٠] . وَعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ بَيَانِيَّةٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا خُصُوصُ الْيَهُودِ أَيِ الَّذِينَ كَفَرُوا برسالة مُحَمَّد ﷺ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَرَادَ بِهِمُ الْيَهُودَ، فَوُصِفُوا بِ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لِئَلَا يُظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ أَوْ بَقِيَّةُ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَدِينَةِ فَيُظَنُّ أَنَّ الْكَلَامَ وَعِيدٌ. وَتَفْصِيلُ الْقِصَّةِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا الْآيَةُ على مَا ذكره جُمْهُورُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَة جاؤوا فصالحوا النبيء ﷺ عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ مُصَالَحَتَهُمْ كَانَتْ عَقِبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ لَمَّا غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ لأَنهم توسّموا أَنه لَا تُهْزَمَ لَهُمْ رَايَةٌ، فَلَمَّا غُلِبَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ نَكَثُوا عَهْدَهُمْ وَرَامُوا مُصَالَحَةَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، إِذْ كَانُوا قَدْ قَعَدُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ (كَدَأْبِ الْيَهُودِ فِي مُوَالَاةِ الْقَوِيِّ) فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي النَّضِيرِ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا إِلَى مَكَّة فَحَالَفُوا الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا عَوْنًا لَهُمْ عَلَى مُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَى رَسُول الله ﷺ بِذَلِكَ أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَنْ يَقْتُلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فَقَتَلَهُ غِيلَةً فِي حِصْنِهِ فِي قِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَالسِّيَرِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ سَبَبًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا انْقَضَتْ وَقْعَةُ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ كَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ أَسِيرًا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ فَأَطْلَقُهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ. فَلَمَّا كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَكَانَ لِقَوْمِهِمَا عَقْدٌ مَعَ رَسُول الله ﷺ وَنَزَلَا مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، فَلَمَّا نَامَا عَدَا عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يَثْأَرُ بِهِمَا مِنْ بَنِي عَامِرٍ الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ رَسُول الله ﷺ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ أَخْبَرَ رَسُول الله ﷺ بِمَا فَعَلَ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : «لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ وَلَآدِيَنَّهُمَا» ، وَخَرَجَ رَسُول الله ﷺ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ إِذْ كَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي عَامِرٍ حِلْفٌ، وَأَضْمَرَ بَنُو النَّضِيرِ الْغَدْرَ برَسُول الله ﷺ وَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمَرَ رَسُول الله ﷺ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ.

стр. 9674

ثُمَّ أَمر النبيء ﷺ الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَسَارَ إِلَيْهِمْ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ قَرْيَتِهِمْ فَامْتَنَعُوا وَتَنَادَوْا إِلَى الْحَرْبِ وَدَسَّ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أَنْ لَا يَخْرُجُوا مِنْ قَرْيَتِهِمْ وَقَالَ: إِنْ قَاتَلَكُمُ الْمُسْلِمُونَ فَنَحْنُ مَعَكُمْ وَلَنَنْصُرَنَّكُمْ وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ فَدَرَّبُوا عَلَى الْأَزِقَّةِ (أَيْ سَدُّوا مَنَافِذَ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ لِيَكُونَ كُلُّ دَرْبٍ مِنْهَا صَالحا للمدافعة) وحصّونها، وَوَعَدَهُمْ أَنَّ مَعَهُ أَلْفَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ مَعَهُمْ قُرَيْظَةَ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ غَطَفَانَ مِنَ الْعَرَبِ فَحَاصَرَهُمْ النبيء ﷺ وَانْتَظَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ وَقُرَيْظَةَ وَغَطَفَانَ أَنْ يَقْدَمُوا إِلَيْهِمْ لِيَرُدُّوا عَنْهُمْ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَمْ يُنْجِدُوهُمْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَطَلَبُوا من النبيء ﷺ الصُّلْحَ فَأَبَى إِلَّا الْجَلَاءَ عَنْ دِيَارِهِمْ وَتَشَارَطُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا وَيَحْمِلَ كُلُّ ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ حِمْلَ بعير مِمَّا شاؤوا مِنْ مَتَاعِهِمْ، فَجَعَلُوا يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ لِيَحْمِلُوا مَعَهُمْ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الْخَشَبِ وَالْأَبْوَابِ. فَخَرَجُوا فَمِنْهُمْ مَنْ لَحِقَ بِخَيْبَرَ، وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ لَحِقُوا بِبِلَادِ الشَّامِ فِي مُدُنِ (أَرِيحَا) وَأَذْرِعَاتٍ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَخَرَجَ قَلِيلٌ مِنْهُمْ إِلَى الْحِيرَةِ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ لَامُ التَّوْقِيتِ وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى أَوَّلِ الزَّمَانِ الْمَجْعُولِ ظَرْفًا لِعَمَلٍ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الْفجْر: ٢٤] أَيْ مِنْ وَقْتِ حَيَاتِي. وَقَوْلُهُمْ: كَتَبَ لِيَوْمِ كَذَا. وَهِيَ بِمَعْنَى (عِنْدَ) . فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ عِنْدَ مَبْدَأِ الْحَشْرِ الْمُقَدَّرِ لَهُمْ، وَهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ جَمِيعِ دِيَارِهِمْ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ. وَهَذَا التَّقْدِيرُ أَمَرَ بِهِ النبيء ﷺ كَمَا سَيَأْتِي. فَالتَّعْرِيفُ فِي الْحَشْرِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ. وَالْحَشْرُ: جَمْعُ نَاسٍ فِي مَكَانٍ قَالَ تَعَالَى: وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الشُّعَرَاء: ٣٦، ٣٧] . وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: حَشْرُ يَهُودِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَى أَرْضٍ غَيْرِهَا، أَيْ جَمْعُهُمْ لِلْخُرُوجِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يُرَادِفُ الْجَلَاءَ إِذَا كَانَ الْجَلَاءُ لِجَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ تُجْمَعُ مِنْ مُتَفَرِّقِ دِيَارِ الْبِلَادِ.

стр. 9675

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ: حَشْرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِذْ لَا مُنَاسِبَةَ لَهُ هُنَا وَلَا يُلَائِمُ ذِكْرَ لَفْظِ «أَوَّلِ» لِأَنَّ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَّحِدَ النَّوْعِ مَعَ مَا أُضِيفَ هُوَ إِلَيْهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى حَشْرِ الْقِيَامَةِ وَرَكَّبُوا عَلَى ذَلِكَ أَوْهَامًا فِي أَنَّ حَشْرَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ بِأَرْضِ الشَّامِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احْتَرَزَ مِنْ هَذَا حِينَ سَمَّى هَذِهِ السُّورَةَ «سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ» وَفِي جَعْلِ هَذَا الْإِخْرَاجِ وَقْتًا لِأَوَّلِ الْحَشْرِ إِيذَانٌ بِأَنَّ حَشْرَهُمْ يَتَعَاقَبُ حَتَّى يَكْمُلَ إِخْرَاجُ جَمِيعِ الْيَهُودِ وَذَلِكَ مَا أَوْصَى بِهِ النبيء ﷺ قُبَيْلَ وَفَاتِهِ إِذْ قَالَ: «لَا يَبْقَى دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . وَقَدْ أَنْفَذَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ أَجْلَى الْيَهُودَ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِ الْعَرَبِ. وَقِيلَ: وُصِفَ الْحَشْرُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَوَّلَ جَلَاءٍ أَصَابَ بَنِي النَّضِيرِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ أُجْلُوا مِنْ فِلَسْطِينَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي زَمَنِ (بُخْتَنَصَّرَ) وَمَرَّةً فِي زَمَنِ (طَيْطَسَ) سُلْطَانِ الرُّومِ وَسَلِمَ بَنُو النَّضِيرِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْجَلَاءِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ. فَكَانَ أَوَّلَ جَلَاءٍ أَصَابَهُمْ جَلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ. أَيْ كَانَ ظَنُّ الْمُسْلِمِينَ وَظَنُّ أَهْلِ الْكِتَابِ مُتَوَارَدَيْنِ عَلَى تَعَذُّرِ إِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ قَرْيَتِهِمْ بِسَبَبِ حَصَانَةِ حُصُونِهِمْ. وَكَانَ الْيَهُودُ يَتَّخِذُونَ حُصُونًا يأوون إِلَيْهَا عِنْد مَا يَغْزُوهُمُ الْعَدُوُّ مِثْلَ حُصُونِ خَيْبَرَ. وَكَانَتْ لِبَنِي النَّضِيرِ سِتَّةُ حُصُونٍ أَسْمَاؤُهَا: الْكُتَيْبَةُ (بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ) وَالْوَطِيحُ (بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الطَّاءِ) وَالسُّلَالِمُ (بِضَمِّ السِّينِ) وَالنَّطَاةُ (بِفَتْحِ النُّونِ وَفَتْحِ الطَّاءِ بعْدهَا ألف وبهاء تَأْنِيثُ آخِرِهِ) وَالْوَخْدَةُ (بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ) وَشَقُّ (بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ) . وَنَظَمَ جُمْلَةَ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ عَلَى هَذَا النَّظْمِ دُونَ أَنْ يُقَالَ: وَظَنُّوا أَنَّ حُصُونَهُمْ مَانِعَتُهُمْ لِيَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِضَمِيرِهِمْ لِأَنَّهُ سَيَعْقُبُهُ إِسْنَادُ مانِعَتُهُمْ إِلَيْهِ فَيَكُونُ الِابْتِدَاءُ بِضَمِيرِهِمْ مُشِيرًا إِلَى اغْتِرَارِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ فِي عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ، وَأَنَّ مَنَعَةَ حُصُونِهِمْ هِيَ مِنْ شُؤُونِ عِزَّتِهِمْ.

стр. 9676

وَفِي تَقْدِيمِ مانِعَتُهُمْ وَهُوَ وَصْفٌ عَلَى حُصُونُهُمْ وَهُوَ اسْمٌ وَالِاسْمُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَوْلَى بِأَن يَجْعَل فِي مرتبَة الْمُبْتَدَأِ وَيُجْعَلَ الْوَصْفُ خَبَرًا عَنْهُ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى أَهَمِّيَّةِ مَنَعَةِ الْحُصُونِ عِنْدَ ظَنِّهِمْ فَهِيَ بِمَحْلِّ التَّقْدِيمِ فِي اسْتِحْضَارِ ظَنِّهِمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِجَوَازِ جَعْلِ حُصُونِهِمْ فَاعِلًا بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ مانِعَتُهُمْ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى مُسْنَدٍ إِلَيْهِ لِأَنَّ مَحَامِلَ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ تَجْرِي عَلَى وُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِي دَقَائِقَ الْمَعَانِي فَيَصِيرُ الْجَائِزُ مَرْجُوحًا. قَالَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي شَرْحِ (بَابِ النَّسَبِ) قَوْلُ الشَّاعِرِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى ذِي الرُّمَّةِ فِي غَيْرِ دِيوَانِ الْحَمَاسَةِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مُعَرَّجُ سَاعَةٌ ... قَلِيلًا فَإِنِّي نَافِعٌ لِي قَلِيلُهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (قليلها) مُبْتَدأ و (نَافِع) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ- أَيْ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ-. وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ (إِنَّ) وَالتَّقْدِيرُ: إِنِّي قَلِيلُهَا نَافِعٌ لِي. فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ. تَفْرِيعٌ عَلَى مَجْمُوعِ جُمْلَتَيْ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ اللَّتَيْنِ هَمَا تَعْلِيلٌ لِلْقَصْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ. وَتَرْكِيبُ (فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) تَمْثِيلٌ، مُثِّلَ شَأْنُ اللَّهِ حِينَ يَسَّرَ أَسْبَابَ اسْتِسْلَامِهِمْ بَعْدَ أَنْ صَمَّمُوا عَلَى الدِّفَاعِ وَكَانُوا أَهْلَ عِدَّةٍ وَعُدَّةٍ وَلَمْ يَطُلْ حِصَارُهُمْ بِحَالِ مَنْ أَخَذَ حَذَرَهُ مِنْ عَدُوِّهِ وَأَحْكَمَ حِرَاسَتَهُ مِنْ جِهَاتِهِ فَأَتَاهُ عَدْوُهُ مِنْ جِهَةٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَقَامَ حِرَاسَةً فِيهَا. وَهَذَا يُشْبِهُ التَّمْثِيلَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [النُّور: ٣٩] . وَالِاحْتِسَابُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْحُسْبَانِ، أَيِ الظَّنِّ أَيْ مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَظُنُّوهُ لِأَنَّهُمْ قَصَرُوا اسْتِعْدَادَهُمْ عَلَى التَّحَصُّنِ وَالْمَنَعَةِ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ قُوَّةَ اللَّهِ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ.

стр. 9677

وَالْقَذْفُ: الرَّمْيُ بِالْيَدِ بِقُوَّةٍ. وَاسْتُعِيرَ لِلْحُصُولِ الْعَاجِلِ، أَيْ حَصَلَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ دَفْعَةً دُونَ سَابِقِ تَأَمُّلٍ وَلَا حُصُولِ سَبَبٍ لِلرُّعْبِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِفِعْلِ الْقَذْفِ فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٥١] سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. وَالْمَعْنَى: وَجَعَلَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَسْرَعُوا بِالِاسْتِسْلَامِ. وَقَذْفُ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ هُو مِنْ أَحْوَالِ إِتْيَانِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِلتَّعْجِيبِ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ، وَعَطْفُهُ عَلَى «أَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا» عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِلِاهْتِمَامِ. والرُّعْبَ: شِدَّةُ الْخَوْفِ وَالْفَزَعِ. وَهَذَا مَعْنَى قَول النبيء ﷺ : «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ» ، أَيْ بِرُعْبِ أَعْدَاءِ الدِّينِ. وَجُمْلَةُ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ قُلُوبِهِمُ لِأَنَّ الْمُضَافَ جُزْءٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْهُ. وَالْمَقْصُودُ التَّعْجِيبُ مِنَ اخْتِلَالِ أُمُورِهِمْ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ خَرَّبُوا بُيُوتَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ لَكِنَّ دَاعِيَ التَّخْرِيبِ قَهْرِيٌّ. وَالْإِخْرَابُ وَالتَّخْرِيبُ: إِسْقَاطُ الْبِنَاءِ وَنَقْضُهُ. وَالْخَرَابُ: تَهَدُّمُ الْبِنَاءِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُخْرِبُونَ بِسِكُونِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ مُضَارِعِ: أَخْرَبَ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ مُضَارِعِ: خَرَّبَ. وَهَمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ سِيبَوَيْهُ: إِنَّ أَفْعَلْتَ وَفَعَّلْتَ يتعاقبان نَحْو أخرجته وَخَرَّبْتُهُ، وَأَفْرَحَتُهُ وَفَرَّحَتُهُ. يُرِيدُ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ: أَنْزَلَ وَنَزَّلَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ. وَأَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ تَخْرِيبِ بَنِي النَّضِيرِ بِيُوتَهُمْ لِيَأْخُذُوا مِنْهَا مَا يَصْلُحُ مِنْ أَخْشَابٍ وَأَبْوَابٍ مِمَّا يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ لِيَبْنُوا بِهِ مَنَازِلَهُمْ فِي مَهَاجِرِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ تَخْرِيبِ الْمُؤْمِنِينَ بَقِيَّةُ تِلْكَ الْبُيُوتِ كُلَّمَا حَلُّوا بُقْعَةً تَرَكَهَا بَنُو النَّضِيرِ. وَقَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمْ هُوَ تَخْرِيبُهُمُ الْبُيُوتَ بِأَيْدِيهِمْ، حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ وَفِي مَا تَعَلَّقَ

стр. 9678

بِهِ، وَأَمَّا تَخْرِيبُهُمْ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ فِي إِسْنَادِ التَّخْرِيبِ الَّذِي خَرَّبَهُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ سَبَّبُوا تَخْرِيبَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا تَرَكَهُ بَنُو النَّضِيرِ. فَعَطَفَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بِأَيْدِيهِمْ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ يُخْرِبُونَ اسْتِعْمَالٌ دَقِيقٌ لِأَنَّ تَخْرِيبَ الْمُؤْمِنِينَ دِيَارِ بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا وَجَدُوهَا خَاوِيَةً تَخْرِيبٌ حَقِيقِيٌّ يَتَعَلَّقُ الْمَجْرُورُ بِهِ حَقِيقَةً. فَالْمَعْنَى: وَيُسَبِّبُونَ خَرَابَ بُيُوتِهِمْ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَوَقَعَ إِسْنَادُ فِعْلِ يُخْرِبُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَوَقَعَ تَعَلُّقُ وَتَعْلِيقُ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِهِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، فَالْمَجَازُ فِي التَّعْلِيقِ الثَّانِي. وَأَمَّا مَعْنَى التَّخْرِيبِ فَهُوَ حَقِيقِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِكِلَا المتعلقين فَإِنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ فِيهِمَا هُوَ الْعِبْرَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ، أَيِ اعْتَبَرُوا بِأَنْ كَانَ تَخْرِيبُ بُيُوتِهِمْ بِفِعْلِهِمْ وَكَانَتْ آلَاتُ التَّخْرِيبِ مِنْ آلَاتِهِمْ وَآلَاتِ عَدُوِّهِمْ. وَالِاعْتِبَارُ: النَّظَرُ فِي دَلَالَةِ الْأَشْيَاءِ عَلَى لَوَازِمِهَا وَعَوَاقِبِهَا وَأَسْبَابِهَا. وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْعِبْرَةِ، وَهِيَ الْمَوْعِظَةُ. وَقَوْلُ «الْقَامُوسِ» : هِيَ الْعَجَبُ قُصُورٌ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [١١١] . وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: يَا أُولِي الْأَبْصارِ مُوَجَّهٌ إِلَى غَيْرِ معِين. وَنُودِيَ أولو الْأَبْصَارِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَاضِحَةٌ مَكْشُوفَةٌ لِكُلِّ ذِي بصر مِمَّا شَاهَدَ ذَلِكَ، وَلِكُلِّ ذِي بَصَرٍ يَرَى مَوَاقِعِ دِيَارِهِمْ بَعْدَهُمْ، فَتَكُونُ لَهُ عِبْرَةً قُدْرَةُ اللَّهِ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ وَتَسْلِيطِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ. وَفِي انْتِصَارِ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ وَانْتِصَارِ أَهْلِ الْيَقِينِ عَلَى الْمُذَبْذَبِينَ. وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ لِإِثْبَاتِ حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ

стр. 9679

[٣] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٣] وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا. جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ نَاشِئَةٌ عَنْ جُمْلَةِ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الْحَشْر: ٢] . فَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، أَيْ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِنْ قَرْيَتِهِمْ عِقَابًا لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وتكذيبهم للرسول ﷺ كَمَا قَالَ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الْحَشْر: ٤] وَلَوْ لَمْ يُعَاقِبْهُمُ اللَّهُ بِالْجَلَاءِ لَعَاقَبَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ. فَلَوْ لَمْ يَقْذِفْ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتَّى اسْتَسْلَمُوا لَعَاقَبَهُمْ بِجُوعِ الْحِصَارِ وَفَتَحَ دِيَارَهُمْ عَنْوَةً فَعُذِّبُوا قَتْلًا وَأَسْرًا. وَالْمُرَادُ بِالتَّعْذِيبِ: الْأَلَمُ الْمَحْسُوسُ بِالْأَبْدَانِ بِالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَالْأَسْرِ وَالْإِهَانَةِ وَإِلَّا فَإِنَّ الْإِخْرَاجَ مِنَ الدِّيَارِ نَكْبَةٌ وَمُصِيبَةٌ لَكِنَّهَا لَا تُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَإِنَّمَا تُدْرَكُ بِالْوِجْدَانِ. ولَوْلا حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ، تُفِيدُ امْتِنَاعَ جَوَابِهَا لِأَجْلِ وُجُودِ شَرْطِهَا، أَيْ وُجُودُ تَقْدِيرِ اللَّهِ جَلَاءَهُمْ سَبَبٌ لِانْتِفَاءِ تَعْذِيبِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِعَذَابٍ آخَرَ. وَإِنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَلَاءَ دُونَ التَّعْذِيبِ فِي الدُّنْيَا لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ، وَهِيَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَحَوَائِطَهُمْ دُونَ إِتْلَافٍ مِنْ نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَخْلُو مِنْهُ الْقِتَالُ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ اسْتِبْقَاءَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الْفُتُوحِ، فَلَيْسَ تَقْدِيرُ الْجَلَاءِ لَهُمْ لِقَصْدِ اللُّطْفِ بِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ آثَرُوهُ عَلَى الْحَرْبِ. وَمَعْنَى كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ قَدَّرَ لَهُمْ تَقْدِيرًا كالكتابة فِي تحقق مَضْمُونِهِ وَكَانَ مَظْهَرُ هَذَا التَّقْدِيرِ الْإِلَهِيِّ مَا تَلَاحَقَ بِهِمْ مِنَ النَّكَبَاتِ مِنْ جَلَاءِ النَّضِيرِ ثُمَّ فَتْحِ قُرَيْظَةَ ثُمَّ فَتْحِ خَيْبَرَ. وَالْجَلَاءُ: الْخُرُوجُ مِنَ الْوَطَنِ بِنِيَّةِ عَدَمِ الْعَوْدِ، قَالَ زُهَيْرٌ: فَإِنَّ الْحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلَاثٌ ... يَمِينٌ أَوْ نِفَارٌ أَوْ جَلَاءٌ وَاعْلَمْ أَنَّ أَنْ الْوَاقِعَةَ بَعْدَ لَوْلا هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ لِأَنَّ أَنْ السَّاكِنَةَ النُّونِ إِذَا لَمْ

стр. 9680

تَقَعْ بَعْدَ فِعْلِ عِلْمِ يَقِينٍ أَوْ ظَنٍّ وَلَا بَعْدَ مَا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ، فَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ وَلَيْسَتْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْآيَةَ، أَوْ عَلَى جُمْلَةِ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْحَشْر: ٢] ، وَلَيْسَ عَطْفًا عَلَى جَوَابِ لَوْلا فَإِنَّ عَذَابَ النَّارِ حَاقٌّ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ مُنْتَفِيًا. وَالْمَقْصُودُ الِاحْتِرَاسُ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْجَلَاءَ بَدَلٌ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَمِنْ عَذَاب الْآخِرَة. [٤] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٤] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) الْإِشَارَةُ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ إِخْرَاجِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَقَذْفِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَتَخْرِيبِ بُيُوتِهِمْ، وَإِعْدَادِ الْعَذَابِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهِيَ جَارَّةٌ لِلْمَصْدَرِ الْمُنْسَبِكِ مِنْ (أَنْ) وَجُمْلَتِهَا. وَالْمُشَاقَّةُ: الْمُخَاصَمَةُ وَالْعَدَاوَةُ قَالَ تَعَالَى: وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ [النَّحْل: ٢٧] وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي أَوَّلِ الْأَنْفَالِ. وَالْمُشَاقَّةُ كَالْمُحَادَّةِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الِاسْمِ. وَهُوَ الشِّقُّ، كَمَا اشْتُقَّتِ الْمُحَادَّةُ مِنَ الْحَدِّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٣٥] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما. وَقَدْ كَانَ بَنُو النَّضِيرِ نَاصَبُوا الْمُسْلِمِينَ الْعَدَاءَ بَعْدَ أَنْ سَكَنُوا الْمَدِينَةَ وَأَضَرُّوا الْمُنَافِقِينَ وَعَاهَدُوا مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا. وَجُمْلَةُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ تَذْيِيلٌ، أَيْ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِكُلِّ مَنْ يُشَاقِقُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 9681

وَعُطِفَ اسْم الرَّسُول ﷺ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي الْجُمْلَة الأولى لقصر تَعْظِيمِ شَأْن الرَّسُول ﷺ لِيَعْلَمُوا أَنَّ طَاعَتَهُ طَاعَة الله لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُو إِلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ وَلَمْ يُعْطَفِ اسْم الرَّسُول ﷺ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ اسْتِغْنَاءً بِمَا عُلِمَ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى. وَأُدْغِمَ الْقَافَانِ فِي يُشَاقِّ لِأَنَّ الْإِدْغَامَ والإظهار فِي مَثَلِهِ جَائِزَانِ فِي الْعَرَبيَّة. وقرىء بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فِي سُورَة الْبَقَرَة [٢١٧] . وَالْفَكُّ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَالْإِدْغَامُ لُغَةُ بَقِيَّةِ الْعَرَبِ. وَجُمْلَةُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ دَلِيلُ جَوَابِ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ إِذِ التَّقْدِيرُ: وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ فَاللَّهُ مُعَاقِبُهُمْ إِنَّهُ شَدِيد الْعقَاب. [٥] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٥] مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ أَفْضَى بِهِ إِلَى الْمَقْصد من السُّورَةِ عَنْ أَحْكَامِ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَإِشَارَةُ الْآيَةِ إِلَى مَا حَدَثَ فِي حِصَارِ بَنِي النَّضِيرِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا اعْتَصَمُوا بِحُصُونِهِمْ فَحَاصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَكَانَتْ حَوَائِطُهُمْ خَارِجَ قَرْيَتِهِمْ وَكَانَتِ الْحَوَائِطُ تُسَمَّى الْبُوَيْرَةُ (بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَهِيَ تَصْغِيرُ بُؤْرٍ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ فَخُفِّفَتْ وَاوًا) عَمَدَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَطْعِ بَعْضِ نَخِيلِ النَّضِيرِ قِيلَ بِأَمْرٍ من النبيء ﷺ وَقِيلَ بِدُونِ أَمْرِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ لِيُوَسِّعُوا مَكَانًا لِمُعَسْكَرِهِمْ، وَقِيلَ لِتَخْوِيفِ بَنِي النَّضِيرِ وَنِكَايَتِهِمْ، وَأَمْسَكَ بَعْضُ الْجَيْشِ عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ وَقَالُوا: لَا تَقْطَعُوا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النَّخَلَاتِ الَّتِي قُطِعَتْ سِتُّ نَخَلَاتٍ أَوْ نَخْلَتَانِ. فَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ تُرِيدُ الصَّلَاحَ أَفَمِنَ الصَّلَاحِ قَطْعُ النَّخْلِ وَحَرْقُ الشَّجَرِ، وَهَلْ وَجَدَتَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ إِبَاحَةُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَا قَطَعُوا مِنَ النَّخْلِ أُرِيدَ بِهِ مَصْلَحَةُ إِلْجَاءِ الْعَدُوِّ إِلَى الِاسْتِسْلَامِ وَإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ وَإِذْلَالِهِمْ بِأَنْ يَرَوْا أَكْرَمَ أَمْوَالِهِمْ عُرْضَةً لِلْإِتْلَافِ بِأَيْدِي

стр. 9682

الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ مَا أُبْقِيَ لَمْ يُقْطَعْ فِي بَقَائِهِ مَصْلَحَةٌ لِأَنَّهُ آيِلٌ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكَانَ فِي كِلَا الْقَطْعِ وَالْإِبْقَاءِ مَصْلَحَةٌ فَتَعَارَضَ الْمَصْلَحَتَانِ فَكَانَ حُكْمُ اللَّهِ تَخْيِيرَ الْمُسْلِمِينَ. وَالتَّصَرُّفُ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ يَكُونُ تَابِعًا لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْقَطْعَ وَالْإِبْقَاءَ كِلَيْهِمَا بِإِذْنِهِ، أَيْ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ، فَأَطْلَقَ الْإِذْنَ عَلَى الرِّضَى عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، أَوْ أَطْلَقَ إِذَنَ اللَّهِ عَلَى إِذن رَسُوله ﷺ إِنْ ثَبَتَ أَن النبيء ﷺ أَذِنَ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً، ثُمَّ أَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْهُ. وَكَلَامُ الْأَئِمَةِ غَيْرُ وَاضِحٍ فِي إِذن النبيء ﷺ فِيهِ ابْتِدَاءً وَأَظْهَرُ أَقْوَالِهِمْ قَوْلُ مُجَاهِدُ: إِنَّ الْقَطْعَ وَالِامْتِنَاعَ مِنْهُ كَانَ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ. وَفِي ذَلِكَ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَتَوَرَّكُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ إِذْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ بَنِي النَّضِيرِ أَحْلَافَهُمْ وَيَتَوَرَّكُ عَلَى بَنِي النَّضِيرِ إِذْ لَمْ يَنْصُرْهُمْ أَحْلَافُهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ: تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا ... وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ يُرِيدُ سَرَاةَ أَهْلِ مَكَّةَ وَكُلُّهُمْ مِنْ بَنِي لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَفِهْرٌ هُوَ قُرَيْشٌ أَيْ لَمْ يُنْقِذُوا أَحْلَافَهُمْ لِهَوَانِهِمْ عَلَيْهِمْ. وَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبْ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ: أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ ... وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ سَتَعْلَمُ أَيَّنَا مِنْهَا بِنَزْهٍ ... وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ يُرِيدُ أَنَّ التَّحْرِيقَ وَقَعَ بِنَوَاحِيَ مَدِينَتِكُمْ فَلَا يَضِيرُ إِلَّا أَرْضُكُمْ وَلَا يَضِيرُ أَرْضَنَا، فَقَوْلُهُ: أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ، تَهَكُّمٌ. وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَخَذَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ تَحْرِيقَ دَارِ الْعَدُوِّ وَتَخْرِيبَهَا وَقَطْعَ ثِمَارِهَا جَائِزٌ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ الْمُتَعَيَّنَةُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَإِتْلَافُ بَعْضِ الْمَالِ لِإِنْقَاذِ بَاقِيهِ مَصْلَحَةٌ وَقَوْلُهُ: مِنْ لِينَةٍ بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ: مَا قَطَعْتُمْ. وَاللِّينَةُ: النَّخْلَةُ ذَاتُ الثَّمَرِ الطَّيِّبِ تُطْلِقُ اسْمَ اللِّينَةِ عَلَى كُلِّ نَخْلَةٍ غَيْرِِِ

стр. 9683

الْعَجْوَةِ وَالْبَرْمَنِيِّ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَيِمَّةِ اللُّغَةِ. وَتَمْرُ اللِّينَةِ يُسَمَّى اللَّوْنُ. وَإِيثَارُ لِينَةٍ عَلَى نَخْلَةٍ لِأَنَّهُ أَخَفٌّ وَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ نَخْلَةٍ مُفْرَدًا فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّخْلُ اسْمَ جَمْعٍ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يَاءُ لِينَةٍ أَصْلُهَا وَاوٌ انْقَلَبَتْ يَاءً لِوُقُوعِهَا إِثْرَ كَسْرَةٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا سَبَبَ كَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُقَالُ: لِوَنَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَفِي كُتُبِ السِّيرَةِ يُذْكَرُ أَنْ بَعْضَ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ أَحْرَقَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ شِعْرُ حَسَّانَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُرْآنُ الْحَرْقَ فَلَعَلَّ خَبَرَ الْحَرْقِ مِمَّا أُرْجِفَ بِهِ فَتَنَاقَلَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ شِعْرُ حَسَّانَ وَشِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ، أَوْ أَنَّ النَّخَلَاتِ الَّتِي قُطِعَتْ أَحْرَقَهَا الْجَيْشُ لِلطَّبْخِ أَوْ لِلدِّفْءِ. وَجِيءَ بِالْحَالِ فِي قَوْلِهِ: قائِمَةً عَلى أُصُولِها لِتَصْوِيرِ هَيْئَتِهَا وَحُسْنِهَا. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْقَطْعِ أَوْلَى. وَضَمِيرُ أُصُولِها عَائِدٌ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا قَطَعْتُمْ لِأَنَّ مَدْلُولَ مَا هُنَا جَمْعٌ وَلَيْسَ عَائِدًا إِلَى لِينَةٍ لِأَنَّ اللِّينَةَ لَيْسَ لَهَا عِدَّةُ أُصُولٍ بَلْ لِكُلِّ لِينَةٍ أَصْلٌ وَاحِدٌ. وَتَعَلَّقَ عَلى أُصُولِها بِ قائِمَةً. وَالْمَقْصُودُ: زِيَادَةُ تَصْوِيرِ حُسْنِهَا. وَالْأُصُولُ: الْقَوَاعِدُ. وَالْمُرَادُ هُنَا: سُوقُ النَّخْلِ قَالَ تَعَالَى: أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [إِبْرَاهِيم: ٢٤] . وَوَصْفُهَا بِأَنَّهَا قائِمَةً عَلى أُصُولِها هُوَ بِتَقْدِيرِ: قَائِمَةٌ فُرُوعُهَا عَلَى أُصُولِهَا لِظُهُورِ أَنَّ أَصْلَ النَّخْلَةِ بَعْضُهَا. وَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: فَبِإِذْنِ اللَّهِ مَزِيدَةٌ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ لِأَنَّهُ اسْمٌ مَوْصُولٌ، وَاسْمُ الْمَوْصُولِ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الشَّرْطِ كَثِيرًا إِذَا ضُمِنَ مَعْنَى التَّسَبُّب، وَقد قرىء بِالْفَاءِ وَبِدُونِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فِي سُورَةِ الشُّورَى [٣٠] . وَعَطْفُ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ مِنْ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى السَّبَبِ وَهُوَ فَبِإِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ الْآيَةُ فِي آلِ عِمْرَانَ [١٦٦] .

стр. 9684

وَالْمَعْنَى: فَقَطْعُ مَا قَطَعْتُمْ مِنَ النَّخْلِ وَتَرْكُ مَا تَرَكْتُمْ لِأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ لِصَلَاحٍ لَهُمْ فِيهِ، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ، أَيْ لِيُهِينَ بَنِي النَّضِيرِ فَيَرَوْا كَرَائِمَ أَمْوَالهم بَعْضهَا مخضود وَبَعضهَا بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمْ. فَذَلِكَ عَزَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَخِزْيٌ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُرَادُ بِ الْفاسِقِينَ هُنَا: يَهُودُ النَّضِيرِ. وَعَدَلَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِضَمِيرِهِمْ كَمَا أَتَيَ بِضَمَائِرِهِمُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُمْ بِوَصْفِ الْفاسِقِينَ لِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُشْتَقَّ يُؤْذِنُ بِسَبَبِ مَا اشْتُقَّ مِنْهُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ، أَيْ لِيَجْزِيَهُمْ لِأَجْلِ الْفِسْقِ. وَالْفِسْق: الْكفْر. [٦] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٦] وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الْحَشْر: ٥] الْآيَةَ فَتَكُونُ امْتِنَانًا وَتَكْمِلَةً لِمَصَارِفَ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلَى مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ عَطْفَ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ وَالْغَرَضِ عَلَى الْغَرَضِ لِلِانْتِقَالِ إِلَى التَّعْرِيفِ بِمَصِيرِ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ لِئَلَا يَخْتَلِفَ رِجَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَتِهِ. وَلِبَيَانِ أَنَّ مَا فعله الرَّسُول ﷺ فِي قِسْمَةِ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ هُوَ عَدْلٌ إِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَمَا صَدْقُ مَا أَفاءَ اللَّهُ هُوَ مَا تَرَكُوهُ مِنَ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ وَالنَّقْضِ وَالْحَطَبِ. وَالْفَيْءُ مَعْرُوفٌ فِي اصْطِلَاحِ الْغُزَاةِ، فَفِعْلُ أَفَاءَ أَعْطَى الْفَيْءَ، فَالْفَيْءُ فِي الْحُرُوبِ وَالْغَارَاتِ مَا يَظْفَرُ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ مَتَاعِ عَدُوِّهِمْ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَيِمَّةُ اللُّغَةِ فِي أَصْلِ اشْتِقَاقِهِ فَيَكُونُ الْفَيْءُ بِقِتَالٍ وَيَكُونُ بِدُونِ قِتَالٍ، وَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَهِيَ مَا أُخِذَ بِقِتَالٍ. وَضَمِيرُ مِنْهُمْ عَائِد إِلَى الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الْحَشْر: ٢] الْوَاقِعِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَهُمْ بَنُو النَّضِيرِ. وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الْكُفَّارُ، وَأَنَّهُ نَزَلَ فِي فَيْءِ فَدَكَ فَهَذَا بَعِيدٌ وَمُخَالِفٌ لِلْآثَارِ.

стр. 9685

وَقَوْلُهُ: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ خَبَرٌ عَنْ (مَا) الْمَوْصُولَةِ قُرِنَ بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ كَالشَّرْطِ لَتَضَمُّنِهِ مَعْنَى التَّسَبُّبِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الْحَشْر: ٥] . وَهُوَ بِصَرِيحِهِ امْتِنَانٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ اللَّهَ سَاقَ لَهُمْ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ دُونَ قِتَالٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الْأَحْزَاب: ٢٥] ، وَيُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ كِنَايَةً بِأَنْ يَقْصِدَ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ لَازِمَ الْخَبَرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ سَبَبُ حَقٍّ فِيهِ. وَالْمَعْنَى: فَمَا هُوَ مِنْ حَقِّكُمْ، أَوْ لَا تَسْأَلُوا قِسْمَتَهُ لِأَنَّكُمْ لَمْ تَنَالُوهُ بِقِتَالِكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أعطَاهُ رَسُوله ﷺ نِعْمَةً مِنْهُ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا نَصَبٍ. وَالْإِيجَافُ: نَوْعٌ مِنْ سَيْرِ الْخَيْلِ. وَهُوَ سَيْرٌ سَرِيعٌ بِإِيقَاعِ وَأُرِيدَ بِهِ الرَّكْضُ لِلْإِغَارَةِ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَرِيعًا. وَالرِّكَابُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْإِبِلِ الَّتِي تُرْكَبُ. وَالْمَعْنَى: مَا أَغَرْتُمْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا إِبِلٍ. وَحَرْفُ (عَلَى) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ لِلتَّعْلِيلِ، وَلَيْسَ لِتَعْدِيَةِ أَوْجَفْتُمْ لَأَنَّ مَعْنَى الْإِيجَافِ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْفَيْءِ بِحَرْفِ الْجَرِّ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هُوَ مَصْدَرُ أَوْجَفْتُمْ، أَيْ إِيجَافًا لِأَجْلِهِ. ومِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ خَيْلٍ زَائِدَةٌ دَاخِلَةٌ عَلَى النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَمَدْخُولُ مِنْ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِ أَوْجَفْتُمْ أَيْ مَا سُقْتُمْ خَيْلًا وَلَا رِكَابًا. وَقَوْلُهُ: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى النَّفْيِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ. وَالْمُرَادُ: أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِ رَسُوله ﷺ . فَالرَّسُولُ أَحَقُّ بِهِ. وَهَذَا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ قَصْرًا مَعْنَوِيًّا كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَا سَلَّطَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ سَلَّطَ عَلَيْهِم رَسُوله ﷺ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ إِيجَازُ حَذْفٍ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِم رَسُوله ﷺ . وَاللَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِعِمُومِهِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْمُقَدَّرِ.

стр. 9686

وَعُمُومُ مَنْ يَشاءُ لِشِمُولِ أَنَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مُقَاتِلِينَ وَيُسَلِّطُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْمُقَاتِلِينَ. وَالْمَعْنَى: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ على رَسُوله ﷺ إِنَّمَا هُوَ بِتَسْلِيطِ الله رَسُوله ﷺ عَلَيْهِم، وَإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ. فَأَغْنَى التَّذْيِيلُ عَنِ الْمَحْذُوفِ، أَيْ فَلَا حَقَّ لَكُمْ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ مَالِ اللَّهِ يتصرّف فِيهِ رَسُوله ﷺ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ مِنْ بَعْدِهِ. فَتَكُونُ الْآيَةُ تَبْيِينًا لِمَا وَقَعَ فِي قِسْمَةِ فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ. ذَلِكَ أَنَّ رَسُول الله ﷺ لَمْ يُقَسِّمْهُ عَلَى جَمِيعِ الْغُزَاةِ وَلَكِنْ قَسَمَهُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ سَوَاءٌ كَانُوا مِمَّنْ غَزَوْا مَعَهُ أَمْ لَمْ يَغْزُوا إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُهَاجِرِينَ أَمْوَالٌ. فَأَرَادَ أَنْ يَكْفِيَهُمْ وَيَكْفِيَ الْأَنْصَارَ مَا مَنَحُوهُ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ النَّخِيلِ. وَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ الْأَنْصَارَ إِلَّا ثَلَاثَةً لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ وَهُمْ أَبُو دُجَانَةَ (سِمَاكُ بْنُ خُزَيْنَةَ) ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ. وَأَعْطَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيْفَ أَبِي الْحُقَيْقِ. وَكُلُّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِاجْتِهَاد الرَّسُول ﷺ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ تِلْكَ الْأَمْوَالَ لَهُ. فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ قُسِّمَتْ أَمْوَالُ النَّضِيرِ كَانَتْ بَيَانًا بِأَنَّ مَا فعله الرَّسُول ﷺ حَقٌّ، أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، أَوْ جَعَلَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، إِذْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ الْجَيْشَ سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ تَخْمِيسَ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ مِثْلِ غَنَائِمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، كَانَت الْآيَةُ تَشْرِيعًا لِاسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ. قَالَ أَبُو بَكْرُ ابْن الْعَرَبِيِّ: «لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى خَاصَّةٌ لرَسُول الله ﷺ » أَيْ هَذِهِ الْآيَةُ الْأُولَى مِنَ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ خَاصَّةٌ بِأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَعَلَى أَنَّهَا خَاصَّةٌ لرَسُول الله ﷺ يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ. وَبِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِمَحْضِرِ عُثْمَان، وَعبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ صَافِيَةً لرَسُول الله ﷺ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَن النبيء ﷺ لَمْ يُخَمِّسْهَا . وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيَاسِ عَلَيْهَا كُلُّ مَالٍ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

стр. 9687

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فَتَحَ الله على الْأَئِمَّة مِمَّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً اه. وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا. [٧] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٧] مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ. جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ جَعَلُوا هَذِهِ الْآيَةَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ، أَيْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ الِابْتِدَائِيِّ، وَأَنَّهَا قُصِدَ مِنْهَا حُكْمٌ غَيْرُ الْحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَالِكٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فَجَعَلُوا مَضْمُونَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ خَاصَّةً، وَجَعَلُوا الْآيَةَ الثَّانِيَةَ هَذِهِ إِخْبَارًا عَنْ حُكْمِ الْأَفْيَاءِ الَّتِي حُصِّلَتْ عِنْدَ فَتْحِ قُرًى أُخْرَى بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ. مِثْلِ قُرَيْظَةَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَفَدَكَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَنَحْوِهِمَا فَعَيَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ لِلْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا، وَلَا حَقَّ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَيْشِ أَيْضًا وَهَذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَى وِفَاقِ كَلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي قَضَائِهِ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ فِيمَا بِأَيْدِيهِمَا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى احْتِمَالٍ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَغْيِيرُ أُسْلُوبِ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ هُنَا: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى بَعْدَ أَنْ قَالَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ [الْحَشْر: ٦] فَإِنَّ ضَمِيرَ مِنْهُمْ رَاجِعٌ لِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الْحَشْر: ٢] وَهُمْ بَنُو النَّضِيرِ لَا مَحَالَةَ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ الْآيَةِ الْأُولَى، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ فَإِنَّ فَتْحَ الْقُرَى وَقَعَ بَعْدَ فَتْحِ النَّضِيرِ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْآيَةَ كَلِمَةً وَبَيَانًا لِلْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَي بَيَانا للإجمال الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ الْآيَة [الْحَشْر: ٦] ، لِأَنَّ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا اقْتَصَرَتْ عَلَى الْإِعْلَامِ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَيْشِ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ، وَلَمْ تُبَيِّنْ مُسْتَحِقَّهُ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ [الْحَشْر: ٦] أَنَّهُ مَالٌ لِلَّهِ تَعَالَى يَضَعهُ حَيْثُ شَاءَ عَلَى يَد رَسُوله ﷺ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ مُسْتَحِقِّيهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجَيْشِ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا مَوْقِعُ عَطْفِ الْبَيَانِ. وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ وَعَلَيْهِ جَرَى تَفْسِيرُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» . وَمُقْتَضَى هَذَا

стр. 9688

أَنْ تَكُونَ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا يُخَمَّسُ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّ رَسُول الله ﷺ خَمَّسَهَا بَلْ ثَبَتَ ضِدُّهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ حُكْمًا خَاصًّا، أَوْ تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِلْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا إِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَهَا بِمُدَّةٍ. قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: آيَةُ مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ إِذَا نُظِرَتْ مَعَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَمَعَ آيَةِ الْغَنِيمَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ الْآيَة [الْحَشْر: ٦] إِنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَا صَارَ لرَسُول الله ﷺ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ إِيجَافٍ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهَا عُمَرُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ. وَأَمَّا آيَةُ الْأَنْفَالِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَا صَارَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِإِيجَافٍ، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْحَشْرِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَهَا إِلَى الَّتِي قَبْلَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَهَا إِلَى آيَةِ الْأَنْفَالِ وَأَنَّهُمَا نَزَلَتَا بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْغَنِيمَةِ الْمُوجَفِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ نَسَخَتْ آيَةَ الْحَشْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَعْنًى ثَالِثٍ غَيْرِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَتَيْنِ: وَاخْتَلَفَ الذَّاهِبُونَ إِلَى هَذَا: فَقِيلَ نَزَلَتْ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَمْوَالِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي حُكْمِ الْأَرْضِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ (فَتَكُونُ تَخْصِيصًا لِآيَةِ الْأَنْفَالِ) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ. وَالْآيَةُ عِنْدَ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَخْيِيرِ الْإِمَامِ اه. وَالتَّعْرِيفُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ أَهْلِ الْقُرى تَعْرِيفُ الْعَهْدِ وَهِيَ قُرًى مَعْرُوفَةٌ عُدَّتْ مِنْهَا: قُرَيْظَةُ، وَفَدَكُ، وَقُرَى عُرَيْنَةَ، وَالْيَنْبُعُ، وَوَادِي الْقُرَى، وَالصَّفْرَاءُ، فُتِحَتْ فِي عهد النبيء ﷺ ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي فَتْحِهَا أَكَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا أَوْ فَيْئًا. وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ فَدَكَ كَانَتْ مَثَلَ النَّضِيرِ. وَلَا يَخْتَصُّ جَعْلُهُ لِلرَّسُولِ بِخُصُوصِ ذَات الرَّسُول ﷺ بَلْ مِثْلُهُ فِيهِ أَيِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ. وَتَقْيِيدُ الْفَيْءِ بِفَيْءِ الْقُرَى جَرَى عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا تُفْتَحَ إِلَّا الْقُرَى لِأَنَّ أَهْلَهَا يُحَاصَرُونَ فَيَسْتَسْلِمُونَ وَيُعْطُونَ بِأَيْدِيهِمْ إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، فَأَمَّا

стр. 9689

النَّازِلُونَ بِالْبَوَادِي فَلَا يُغْلَبُونَ إِلَّا بَعْدَ إِيجَافٍ وَقِتَالٍ فَلَيْسَ لِقَيْدِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى مَفْهُومٌ عِنْدِنَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْفَيْءِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ بِدُونِ إِيجَافٍ. فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ وَإِنَّمَا تُخَمَّسُ الْغَنَائِمُ وَهِيَ مَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ بِإِيجَافٍ وَقِتَالٍ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ غَيْرَ الْأَرْضِينَ وَبَيْنَ الْأَرْضِينَ. فَأَمَّا غَيْرُ الْأَرْضِينَ فَهُوَ مُخَمَّسٌ، وَأَمَّا الْأَرْضُونَ فَالْخِيَارُ فِيهَا لِلْإِمَامِ بِمَا يَرَاهُ أَصْلَحَ إِنْ شَاءَ قَسَّمَهَا وَخَمَّسَ أَهْلَهَا فَهُمْ أَرِقَّاءُ، وَإِن شَاءَ تَركهَا على ملك أَهْلَهَا وَجَعَلَ خَرَاجًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ أَمْوَالِ الْحَرْبِ مُخَمَّسَةٌ وَحَمَلَ حُكْمَ هَاتِهِ الْآيَةِ عَلَى حُكْمِ آيَةِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ بِالنَّسْخِ. وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى التَّفْصِيل بَين الْأَمْوَال غير الْأَرْضين وَبَين الْأَرْضين. فَأَما غير الْأَرْضين فَهُوَ مخمّس، وَأما الأرضون فالتفويض فِيهَا للْإِمَام بِمَا يرَاهُ أصلح إِن شَاءَ قسّمها وَخمْس أَهلهَا فهم أرقاء، وَإِن شَاءَ أقرّ أَهلهَا بهَا وَجعل خراجا عَلَيْهَا وعَلى أنفسهم. وَهَذِهِ الْآيَةُ اقْتَضَتْ أَنَّ صِنْفًا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نَصِيبًا لِلْغُزَاةِ وَبِذَلِكَ تَحْصُلُ مُعَارَضَةٌ بَيْنَ مُقْتَضَاهَا وَبَيْنَ قَصْرِ آيَةِ الْأَنْفَالِ الَّتِي لَمْ تَجْعَلْ لِمَنْ ذُكِرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا الْخُمْسَ، فَقَالَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ نَسَخَتْ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ جَمْعٌ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْ آيَةَ الْأَنْفَالِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتِ الْغَنَائِمُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْأَنْفَالِ، وَبِذَلِك قَالَ زَيْدُ بْنُ رُومَانَ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ اه. عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْأَنْفَالِ سَابِقَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى سُورَةِ الْحَشْرِ لِأَنَّ الْأَنْفَالَ نَزَلَتْ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ وَسُورَةُ الْحَشْرِ نَزَلَتْ بَعْدَهَا بِسَنَتَيْنِ. إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الْحَشْرِ تَجْدِيدًا لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ التَّخْمِيسِ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ، أَيْ فَتَكُونُ آيَةُ الْحَشْرِ نَاسِخَةً لِمَا فَعَلَهُ رَسُول الله ﷺ فِي قِسْمَةِ مَغَانِمِ بَدْرٍ، ثُمَّ نَسَخَتْ آيَةُ الْأَنْفَالِ آيَةَ الْحَشْرِ. فَيَكُونُ إِلْحَاقُهَا بِسُورَةِ الْأَنْفَالِ بِتَوْقِيفٍ من النبيء ﷺ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قِيلَ إِنَّ سُورَةَ الْحَشْرِ

стр. 9690

نَزَلَتْ بَعْدَ الْأَنْفَالِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَخْمِيسَ الْغَنَائِمِ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، أَيْ بِفعل النبيء ﷺ ، وَبِالْإِجْمَاعِ. وَلَيْسَ يَبْعُدُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الْقُرَى الَّتِي عَنَتْهَا آيَةُ الْحَشْرِ فُتِحَتْ بِحَالَةٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ مُجَرَّدِ الْفَيْءِ وَبَيْنَ الْغَنِيمَةِ، فَشُرِعَ لَهَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِهَا، وَإِذْ قَدْ كَانَتْ حَالَتُهَا غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ تَعَذَّرَ أَنْ نَقِيسَ عَلَيْهَا وَنُسِخَ حُكْمُهَا وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى انْحِصَارِ الْفُتُوحِ فِي حَالَتَيْنِ: حَالَةُ الْفَيْءِ الْمُجَرَّدِ وَمَا لَيْسَ مُجَرَّدَ فَيْءٍ. وَسَقَطَ حُكْمُ آيَةِ الْحَشْرِ بِالنَّسْخِ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَةِ حُكْمُ النَّصِّ يُعْتَبَرُ نَاسِخًا لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَاسِخًا. وَعَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ- أَيْ آيَةَ مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى - نَزَلَتْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ إِذَا أُخِذَتْ عَنْوَةً مِثْلُ سَوَادِ الْعِرَاقِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ غَيْرَ أَرْضٍ. كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْحَيْرَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَآيَةِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ مَعَ أَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى هَذِهِ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي قَضِيَّةِ حُكْمِهِ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ، وَمَعَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَوْقِعَ كُلٍّ. وَسَتَعْرِفُ وَجْهَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الْحَشْر: ١٠] . وَمن الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ مَحْمَلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْغَنَائِمِ كُلِّهَا بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِهِمُ الْفَيْءَ بِمَا يُرَادِفُ الْغَنِيمَةَ. وَزَعَمُوا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْأَنْفَالِ. وَتَقَدَّمَ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي عِدَادِ مَنْ لَهُمُ الْمَغَانِمُ وَالْفَيْءُ وَالْأَصْنَافُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي سُورَة الْأَنْفَال. وكَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً إِلَخْ تَعْلِيلٌ لِمَا اقْتَضَاهُ لَامُ التَّمْلِيكِ مِنْ جَعْلِهِ مِلْكًا لِأَصْنَافٍ كَثِيرَةِ الْأَفْرَادِ، أَيْ جَعَلْنَاهُ مَقْسُومًا عَلَى هَؤُلَاءِ لِأَجْلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْفَيْءُ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ لِئَلَّا يَتَدَاوَلَهُ الْأَغْنِيَاءُ وَلَا يَنَالُ أَهْلَ الْحَاجَةِ نَصِيبٌ مِنْهُ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ. إِبْطَالُ مَا كَانَ مُعْتَادا فِي الْعَرَبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ اسْتِئْثَارِ قَائِدِ الْجَيْشِ بِأُمُورٍ مِنَ الْمَغَانِمِ وَهِيَ: الْمِرْبَاعُ، وَالصَّفَايَا، وَمَا صَالَحَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ دُونَ قِتَالٍ، وَالنَّشِيطَةُ، وَالْفُضُولُ.

стр. 9691

قَالَ عَبْدُ الله بن عنمة الضَّبِّيُّ يُخَاطِبُ بِسْطَامَ بَنَ قَيْسٍ سَيِّدَ بَنِي شَيْبَانَ وَقَائِدَهُمْ فِي أَيَّامِهِمْ: لَك المرباع مِنْهَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ فَالْمِرْبَاعُ: رُبْعُ الْمَغَانِمِ كَانَ يَسْتَأْثِرُ بِهِ قَائِدُ الْجَيْشِ. وَالصَّفَايَا: النَّفِيسُ مِنَ الْمَغَانِمِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فَتَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ، كَانَ يَسْتَأْثِرُ بِهِ قَائِدُ الْجَيْشِ، وَأَمَّا حُكْمُهُ فَهُوَ مَا أَعْطَاهُ الْعَدُوُّ مِنَ الْمَالِ إِذَا نَزَلُوا عَلَى حَكَمِ أَمِيرِ الْجَيْشِ. وَالنَّشِيطَةُ: مَا يُصِيبُهُ الْجَيْشُ فِي طَرِيقِهِ مِنْ مَالِ عَدُوِّهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى مَوْضِعِ الْقِتَالِ. وَالْفُضُولُ: مَا يَبْقَى بَعْدَ قِسْمَةِ الْمَغَانِمِ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ عَلَى رُؤُوس الْغُزَاة مثل بَعِيرٍ وَفَرَسٍ. وَقَدْ أَبْطَلَ الْإِسْلَامُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَجَعَلَ الْفَيْءَ مَصْرُوفًا إِلَى سِتَّة مصارف رَاجِعَةٍ فَوَائِدُهَا إِلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ لَسَدِّ حَاجَاتِهِمُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَإِنَّ مَا هُوَ لله وَلِلرَّسُولِ ﷺ إِنَّمَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ رَسُوله ﷺ وَجَعَلَ الْخُمْسَ مِنَ الْمَغَانِمِ كَذَلِكَ لِتِلْكَ الْمَصَارِفِ. وَقَدْ بَدَا مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ دُولَةً بَيْنَ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى نِظَامٍ مُحْكَمٍ فِي انْتِقَالِهِ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ مِثْلُ الْمَوَاتِ، وَالْفَيْءِ، وَاللُّقَطَاتِ، وَالرِّكَازِ، أَوْ كَانَ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِثْلَ: الزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَتَخْمِيسِ الْمَغَانِمِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْمَوَارِيثِ، وَعُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي بَيَنَ جَانِبِيِّ مَالٍ وَعَمَلٍ مِثْلِ: الْقِرَاضِ وَالْمُغَارَسَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَفِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَظْفَرُ بِهَا الظَّافِرُ بِدُونِ عَمَلٍ وَسَعْيٍ مثل: الْفَيْء والرّكاز، وَمَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ «مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ» . وَالدُّولَةُ بِضَمِّ الدَّالِ: مَا يَتَدَاوَلُهُ الْمُتَدَاوِلُونَ. وَالتَّدَاوُلُ: التَّعَاقُبُ فِي التَّصَرُّفِ فِي شَيْءٍ. وَخَصَّهَا الِاسْتِعْمَالُ بِتَدَاوُلِ الْأَمْوَالِ.

стр. 9692

وَالدَّوْلَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ: النَّوْبَةُ فِي الْغَلَبَةِ وَالْمِلْكُ. وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ الْمَشْهُورُونَ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِضَمِّ الدَّالِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بِنَصْبِ دُولَةً عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ يَكُونَ. وَاسْمُ يَكُونَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى مَا أَفَاءَ اللَّهُ، وَقَرَأَهُ هِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ دُولَةٌ عَلَى أَنَّ يَكُونَ تَامَّةٌ ودولة فَاعِلُهُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَكُونَ بِتَحْتِيَّةٍ فِي أَوَّلِهِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ تَكُونُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ جَرْيًا عَلَى تَأْنِيثِ فَاعِلِهِ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ فَبَعْضُهُمْ رَوَى عَنهُ مُوَافقَة (أَي جَعْفَرٍ) فِي تَاءِ تَكُونُ وَبَعْضُهُمْ رَوَى عَنْهُ مُوَافَقَةَ الْجُمْهُورِ فِي الْيَاءِ. وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا فِي ابْتِدَاءِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا [الْحَشْر: ٢] ثُمَّ قَوْلُهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الْحَشْر: ٥] وَمَا بَعْدَهُ. وَجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ خِطَابًا لِلْأَنْصَارِ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غِنًى. وَالْمُرَادُ بِ الْأَغْنِياءِ الَّذِينَ هُمْ مَظَنَّةُ الْغِنَى، وَهُمُ الْغُزَاةُ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِالْمَغَانِمِ وَالْأَنْفَالِ. وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. اعْتِرَاضٌ ذَيَّلَ بِهِ حُكْمَ فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ إِذْ هُوَ أَمَرَ بِالْأَخْذِ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي شَأْنِ فَيْءِ النَّضِيرِ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا التَّذْيِيلِ إِزَالَةُ مَا فِي نُفُوسِ بَعْضِ الْجَيْشِ مِنْ حَزَازَةِ حِرْمَانِهِمْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ على رَسُوله ﷺ مِنْ أَرْضِ النَّضِيرِ. وَالْإِيتَاءُ مُسْتَعَارٌ لِتَبْلِيغِ الْأَمْرِ إِلَيْهِمْ، جَعَلَ تَشْرِيعَهُ وَتَبْلِيغَهُ كَإِيتَاءِ شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [الْبَقَرَة: ٦٣ و٩٣] وَاسْتُعِيرَ الْأَخْذُ أَيْضًا لِقَبُولِ الْأَمْرِ والرضى بِهِ وَالْعَمَل.

стр. 9693

وَقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِنَوْعَيِ التَّشْرِيعِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ جَامِعَةٌ لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مَا يَصْدُرُ من النبيء ﷺ مِنَ قَوْلٍ وَفِعْلٍ فَيَنْدَرِجُ فِيهَا جَمِيعُ أَدِلَّةِ السُّنَّةِ. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ» .. الْحَدِيثُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ فَجَاءَتْهُ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ فَقَالَ لَهَا: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأَتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. وَعُطِفَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ على لِسَان رَسُوله ﷺ وَعَطَفَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى عَلَى الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ بِالْأَوَامِرِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى هِيَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ. وَالْمَعْنَى: وَاتَّقُوا عِقَابَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، أَيْ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ واقتحم نَهْيه. [٨] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٨] لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) بَدَلٌ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَصْنَافِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي دخلت عَلَيْهَا الْكَلَام مُبَاشَرَةً وَعَطْفًا قَوْلُهُ: وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الْحَشْر: ٧] بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ. وَأَوَّلُ فَائِدَةٍ فِي هَذَا الْبَدَلِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْمَعْنِيَّةِ فِي الْآيَةِ لَا يَجْرِي قَسْمُهُ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ قَسْمُ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ الَّتِي اقْتَصَرَ فِي قَسْمِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَرَابِعٍ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ لِلْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ لَا مُطْلَقًا، يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَالَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَهُمْ.

стр. 9694

وَأُعِيدَ اللَّامُ مَعَ الْبَدَلِ لِرَبْطِهِ بِالْمُبْدَلِ مِنْهُ لِانْفِصَالِ مَا بَيْنَهُمَا بِطُولِ الْكَلَامِ مِنْ تَعْلِيلٍ وَتَذْيِيلٍ وَتَحْذِيرٍ. ولإفادة التَّأْكِيد. وَكَثِيرًا مَا يقْتَرن الْبَدَل بِمثل الْعَامِلُ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [١١٤] . فَبَقَى احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الْحَشْر: ٧] ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لِلْفُقَراءِ إِلَى آخِرِهِ مَسُوقًا لِتَقْيِيدِ اسْتِحْقَاقِ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ وَشَأْنُ الْقُيُودِ الْوَارِدَةِ بَعْدَ مُفْرَدَاتٍ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى جَمِيعِ مَا قَبْلَهَا، فَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ يُشْتَرَطَ الْفَقْرُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ، لِأَنَّ مُطْلَقَهَا قَدْ قُيِّدَ بِقَيْدٍ عَقِبَ إِطْلَاقٍ، وَالْكَلَامُ بِأَوَاخِرِهِ فَلَيْسَ يجْرِي هُنَا الِاخْتِلَافُ فِي حَمْلِ الْمُطَلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَا تجْرِي الصُّور الْأَرْبَع فِي حَمْلِ الْمُطَلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنَ اتِّحَادِ حُكْمِهِمَا وَجِنْسِهِمَا. وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُعْطَى ذَوُو الْقُرْبَى إِلَّا إِذَا كَانُوا فَقُرَاءَ لِأَنَّهُ عِوَضٌ لَهُمْ عَمَّا حُرِمُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: يُشْتَرَطُ الْفَقْرُ فِيمَا عَدَا ذَوِي الْقُرْبَى لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ لِأَجْلِ الْقَرَابَة للنبيء ﷺ . قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَغْلَظَ الشَّافِعِيُّ الرَّدَّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْقَرَابَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَاجَةَ، فَاشْتِرَاطُهَا وَعَدَمُ اعْتِبَارِ الْقَرَابَةِ يُضَارُّهُ وَيُحَادُّهُ. قُلْتُ: هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ وَصْفَ الْيَتَامَى وَوَصْفَ ابْنِ السَّبِيلِ وَلَمْ يَشْتَرَطِ الْحَاجَةَ. وَاعْتَذَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِلْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الصَّدَقَاتِ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى كَانَتْ فَائِدَةُ ذَكْرِهِمْ فِي خُمْسِ الْفَيْءِ وَالْمَغَانِمِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ صَرْفُهُ إِلَيْهِمِ امْتِنَاعَ صَرْفِ الصَّدَقَاتِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَغْتَرَّ بِالِاعْتِذَارِ فَإِنَّ الْآيَةَ نَصٌّ عَلَى ثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ تَشْرِيفًا لَهُمْ فَمَنْ عَلَّلَهُ بِالْحَاجَةِ فَوَّتَ هَذَا الْمَعْنَى اه. وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ تَجِدُ أَنَّ هَذَا الرَّدَّ مَدْخُولٌ، وَالْبَحْثَ فِيهِ يَطُولُ. وَمَحَلُّهُ مَسَائِلُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ مَنْ جَعَلَ جُمْلَةَ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ ابْتِدَائِيَّةً عَلَى حَذْفِ

стр. 9695

الْمُبْتَدَأِ. وَالتَّقْدِيرُ: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ الْفُقَرَاءِ إِلَى آخَرِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَتَكُونُ هَذِهِ مَصَارِفُ أُخْرَى لِلْفَيْءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مَعْطُوفَةً بِحَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ عَلَى طَرِيقَةِ التِّعْدَادِ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قِيلَ: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ. فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَنْتَفِي كَوْنُهَا قَيْدًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قبلهَا، وتنفتح طرائق أُخْرَى فِي حَمْلِ الْمُطَلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَالِاخْتِلَافِ فِي شُرُوطِ الْحمل، وَهِي طرائق وَاضِحَةٌ لِلْمُتَأَمِّلِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمُعَوَّلُ. وَوُصِفَ الْمُهَاجِرُونَ بِالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ إِعْطَاءَهُمْ مُرَاعًى جَبْرَ مَا نُكِبُوا بِهِ مِنْ ضَيَاعِ الْأَمْوَالِ وَالدِّيَارِ، وَمُرَاعًى فِيهِ إِخْلَاصُهُمُ الْإِيمَانَ وَأَنَّهُمْ مُكَرِّرُونَ نَصْرَ دِينِ الله وَرَسُوله ﷺ فَذَيَّلَ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ وَصْفَ الصَّادِقِينَ لِأَجْلِ مَا سَبَقَ اسْمَ الْإِشَارَةِ مِنَ الصِّفَاتِ وَهِيَ أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَابْتِغَاؤُهُمْ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَنَصْرُهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الْخَالِصَةَ فِيمَا عُمِلَتْ لِأَجْلِهِ يَشْهَدُ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا مَا يَلْحَقُ عَامِلَهَا مِنْ مَشَاقٍّ وَأَذًى وَإِضْرَارٍ، فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ مِنْهَا لَوْ تَرَكَ مَا عَمِلَهُ لِأَجْلِهَا أَوْ قَصَّرَ فِيهِ. وَجُمْلَةُ هُمُ الصَّادِقُونَ مُفِيدَةٌ الْقَصْرَ لِأَجْلِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِهِمْ بِالصِّدْقِ الْكَامِلِ كَأَنَّ صِدْقَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ صِدْقًا فِي جَانِبِ صِدْقِهِمْ. وَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٥] . [٩] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٩] وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) الْأَظْهَرُ أَنَّ الَّذِينَ عَطْفٌ على الْمُهاجِرِينَ [الْحَشْر: ٨] أَيْ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ.

стр. 9696

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ هُمُ الْأَنْصَارُ. وَالدَّارُ تُطْلَقُ عَلَى الْبِلَادِ، وَأَصْلُهَا مَوْضِعُ الْقَبِيلَةِ مِنَ الْأَرْضِ. وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْقَرْيَةِ قَالَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ ثَمُودَ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [الْأَعْرَاف: ٧٨] ، أَيْ فِي مَدِينَتِهِمْ وَهِيَ حِجْرُ ثَمُودَ. وَالتَّعْرِيفُ هُنَا لِلْعَهْدِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّارِ: يَثْرِبُ، وَالْمَعْنَى الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الدَّارِ. هَذَا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ. وَالتَّبَوُّءُ: اتِّخَاذُ الْمَبَاءَةِ وَهِيَ الْبُقْعَةُ الَّتِي يَبُوءُ إِلَيْهَا صَاحِبُهَا، أَيْ يَرْجِعُ إِلَيْهَا بَعْدَ انْتِشَارِهِ فِي أَعْمَالِهِ. وَفِي مَوْقِعِ قَوْلِهِ: وَالْإِيمانَ غُمُوضٌ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولا لفعل تبوّؤوا، فَتَأَوَّلَهُ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ الْكَلَامُ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الْإِيمَانِ بِالْمَنْزِلِ وَجَعْلِ إِثْبَاتِ التَّبَوُّءِ تَخْيِيلًا فَيكون فعل تبوأوا مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ. وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ جَعَلُوا الْمَعْطُوفَ عَامِلًا مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، تَقْدِيره: وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الرَّاجِزِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (١) وَقَوْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى: يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا أَيْ وَمُمْسِكًا رُمْحًا وَهُوَ الَّذِي درج عَلَيْهِ فِي «الْكَشَّافُ» . وَقِيلَ الْوَاوُ لِلْمَعِيَّةِ. والْإِيمانَ مَفْعُولٌ مَعَهُ.

стр. 9697

وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ، وَإِنْ قَلَّ قَائِلُوهُ. وَالْجُمْهُورُ يَجْعَلُونَ النَّصْبَ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ سَمَاعِيًّا فَهُوَ عِنْدَهُمْ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ فَتَجَنَّبُوا تَخَرِيجَ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ حَتَّى ادَّعَى ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْقُرْآن بِيَقِين. وَتَأَول قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ [يُونُس: ٧١] ، ذَلِك لِأَن جُمْهُور الْبَصرِيين يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْمَفْعُولِ مَعَهُ هُوَ الْعَامِلَ فِي الِاسْمِ الَّذِي صَاحَبَهُ وَلَا يَرَوْنَ وَاوَ الْمَعِيَّةِ نَاصِبَةَ الْمَفْعُولِ مَعَهُ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَالْأَخْفَشِ فَإِنَّ الْوَاوَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى (مَعَ) . وَقَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ: مَنْصُوبٌ بِالْوَاوِ. وَالْحَقُّ عَدَمُ الْتِزَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ، أَلَا تَرَى صِحَّةَ قَوْلِ الْقَائِلِ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةُ. وَقَوْلُهُمْ: سِرْتُ وَالنِّيلُ، وَهُوَ يُفِيدُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ دَارُهُمْ آوَوْا إِلَيْهَا الْمُهَاجِرِينَ لِأَنَّهَا دَارُ مُؤْمِنِينَ لَا يُمَاثِلُهَا يَوْمَئِذٍ غَيْرُهَا. وَبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ مِنْ قَبْلِهِمْ فعل تَبَوَّؤُا بِمُفْرَدِهِ، وَأَنَّ الْمَجْرُورَ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ قُيِّدَ فِيهِ دُونَ مَا ذِكْرٍ بَعْدَ الْوَاوِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ وَاوَ عَطْفٍ فَلِذَلِكَ لَا تَكُونُ قَائِمَةً مَقَامَ الْفِعْلِ السَّابِقِ لِأَنَّ وَاوَ الْمَعِيَّةِ فِي مَعْنَى ظَرْفٍ فَلَا يُعَلَّقُ بِهَا مَجْرُورٌ. وَفِي ذِكْرِ الدَّارِ (وَهِيَ الْمَدِينَةِ) مَعَ ذِكْرِ الْإِيمَانِ إِيمَاءٌ إِلَى فَضِيلَةِ الْمَدِينَةِ بِحَيْثُ جَعَلَ تَبَوُّءَهُمُ الْمَدِينَةَ قَرِينَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ مَالِكٌ ﵀ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْآفَاقِ. فَقَالَ: إِنَّ الْمَدِينَةَ تُبُوِّئَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْقُرَى افْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ ثُمَّ قَرَأَ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ الْآيَةَ. وَجُمْلَةُ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ حَالٌ من الَّذين تبوّؤوا الدَّار، وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِمَا تَقَرَّرَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ إِذْ أَحَبُّوا الْمُهَاجِرِينَ، وَشَأْنُ الْقَبَائِلِ أَنْ يَتَحَرَّجُوا مِنَ الَّذِينَ يُهَاجِرُونَ إِلَى دِيَارِهِمْ لِمُضَايَقَتِهِمْ. وَمِنْ آثَارِ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ خَبَرِ سعد بن الربيح مَعَ عبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ إِذْ عَرَضَ سَعْدٌ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَهُ مَالَهُ وَأَنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَقَدْ أَسْكَنُوا الْمُهَاجِرِينَ مَعَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَنَحُوهُمْ مِنْ نَخِيلِهِمْ، وَحَسْبُكَ الْأُخُوَّةُ الَّتِي آخى النبيء ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

стр. 9698

وَقَوْلُهُ: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا أُرِيدَ بِالْوُجْدَانِ الْإِدْرَاكُ الْعَقْلِيُّ، وَكَنَّى بِانْتِفَاءِ وجدان الْحَاجة عَن انْتِفَاءِ وُجُودِهَا لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَأَدْرَكُوهَا فِي نُفُوسِهِمْ وَهَذَا مِنْ بَابِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ وَالْحَاجَةُ فِي الْأَصْلِ: اسْمُ مَصْدَرِ الْحَوْجِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ، أَيْ الِافْتِقَارُ إِلَى شَيْءٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْأَمْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَهِيَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْمَأْرَبِ وَالْمُرَادِ، وَإِطْلَاقُ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَأْرَبِ مَجَازٌ مَشْهُورٌ سَاوَى الْحَقِيقَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ [غَافِر: ٨٠] ، أَيْ لِتَبْلُغُوا فِي السَّفَرِ عَلَيْهَا الْمَأْرَبَ الَّذِي تُسَافِرُونَ لِأَجْلِهِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها [يُوسُف: ٦٨] أَيْ مَأْرَبًا مُهِمًّا وَقَوْلِ النَّابِغَةِ: أَيَّامَ تُخْبِرْنِي نُعْمُ وَأُخْبِرُهَا ... مَا أَكْتُمُ النَّاسَ مِنْ حَاجِي وَإِسْرَارِي وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِمَّا أُوتُوا ابْتِدَائِيَّةً، أَيْ مَأْرَبًا أَوْ رَغْبَةً نَاشِئَةً مِنْ فَيْءٍ أُعْطِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ. وَالصُّدُورُ مُرَادٌ بِهَا النُّفُوسُ جَمْعُ الصَّدْرِ وَهُوَ الْبَاطِنُ الَّذِي فِيهِ الْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ وَذَلِكَ كَإِطْلَاقِ الْقَلْبِ على ذَلِك. و (مَا أُوتُوا) هُوَ فَيْءُ بَنِي النَّضِيرِ. وَضَمِيرُ صُدُورِهِمْ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ، وَضَمِيرُ أُوتُوا عَائِدٌ إِلَى مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّ مَنْ هَاجَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَرُوعِيَ فِي ضَمِيرِ مَعْنَى (مِنْ) بِدُونِ لَفْظِهَا. وَهَذَانَ الضَّمِيرَانِ وَإِنْ كَانَا ضَمِيرَيْ غَيْبَةٍ وَكَانَا مُقْتَرِبَيْنِ فَالسَّامِعُ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إِلَى مُعَادِهِ بِحَسَبِ السِّيَاقِ مِثْلَ (مَا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها فِي سُورَةِ الرُّومِ [٩] . وَقَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ يَذْكُرُ انْتِصَارَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى هَوَازِنَ: عُدْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَحْدَقَ جَمْعُهُمْ ... بِالْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوا مَا جَمَعُوا (أَيْ أَحْرَزَ جَيْشُ هَوَازِنَ مَا جَمَعَهُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ) . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُخَامِرُ نُفُوسَهُمْ تَشَوُّفٌ إِلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِمَّا أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.

стр. 9699

وَيَجُوزُ وَجْهٌ آخَرُ بِأَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ حَاجَةٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْحَقِيقِيِّ اسْمُ مَصْدَرِ الِاحْتِيَاجِ فَإِنَّ الْحَاجَّةَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ وُقُوعُهَا فِي الصُّدُورِ لِأَنَّهَا مِنَ الْوِجْدَانِيَّاتِ وَالِانْفِعَالَاتِ. وَمَعْنَى نَفْيِ وُجْدَانِ الِاحْتِيَاجِ فِي صُدُورِهِمْ أَنَّهُمْ لِفَرْطِ حُبِّهِمْ لِلْمُهَاجِرِينَ صَارُوا لَا يُخَامِرُ نُفُوسَهُمْ أَنَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يُؤْتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ، أَي فهم أَغْنِيَاء عَمَّا يؤتاه الْمُهَاجِرُونَ فَلَا تستشرف نُفُوسهم إِلَى شَيْء مِمَّا يؤتاه الْمُهَاجِرُونَ بَلْهَ أَنْ يَتَطَلَّبُوهُ. وَتَكُونُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّا أُوتُوا لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ حَاجَةٌ لِأَجْلِ مَا أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ، أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ حَاجَةٌ نَاشِئَةٌ عَمَّا أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَيُفِيدُ انْتِفَاءَ وُجْدَانِ الْحَاجَةِ فِي نُفُوسِهِمْ وَانْتِفَاءِ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْوُجْدَانِ وَمَنَاشِئِهِ الْمُعْتَادَةِ فِي النَّاسِ تَبَعًا لِلْمُنَافَسَةِ وَالْغِبْطَةِ، وَقَدْ دَلَّ انْتِفَاءُ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ عَلَى مُتَعَلِّقِ حَاجَةِ الْمَحْذُوفِ إِذِ التَّقْدِيرُ: وَلَا يَجِدُونَ فِي نُفُوسِهِمْ حَاجَةً لِشَيْءٍ أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ. وَالْإِيثَارُ: تَرْجِيحُ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ بِمَكْرَمَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ. وَالْمَعْنَى: يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُمْ وَهَذَا أَعْلَى دَرَجَةً مِمَّا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ يُؤْثِرُونَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: مِمَّا أُوتُوا عَلَيْهِ. وَمِنْ إِيثَارِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ مَا رُوِيَ فِي «الصَّحِيحِ» أَن النبيء ﷺ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيَقْطَعَ لَهُمْ قَطَائِعَ بِنَخْلِ الْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تَقْطَعَ لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا . وَإِمَّا إِيثَارُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِيَ الْجَهْدُ. فَأَرْسَلَ فِي نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقَالَ النبيء ﷺ : أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀، فَقَامَ رَجُلٌ مَنِ الْأَنْصَارِ (هُوَ أَبُو طَلْحَةَ) فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. فَإِذَا دَخَلَ الضَّيْفُ فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقَوْمِي إِلَى السِّرَاجِ تُرِي أَنَّكِ تُصْلِحِينَهُ فَأَطْفِئِيهِ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ. فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ.

стр. 9700

وَذُكِرَتْ قَصَصٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي التَّفَاسِيرِ، قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَجُمْلَةُ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. ولَوْ وَصْلِيَةٌ وَهِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ تَعْلِيقِ جَوَابِهَا بِشَرْطٍ يُفِيدُ حَالَةً لَا يُظَنُّ حُصُولَ الْجَوَابِ عِنْدَ حُصُولِهَا. وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ لَآثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَيُعْلَمُ أَنَّ إِيثَارَهُمْ فِي الْأَحْوَالِ الَّتِي دُونَ ذَلِكَ بِالْأَحْرَى دُونَ إِفَادَةِ الِامْتِنَاعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٩١] . وَالْخَصَاصَةُ: شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ. وَتَذْكِيرُ فِعْلِ كانَ لِأَجْلِ كَوْنِ تَأْنِيثِ الْخَصَاصَةِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا، وَلِأَنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ كانَ وَاسْمِهَا بِالْمَجْرُورِ. وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ. وَجُمْلَةُ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تَذْيِيلٌ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، فَإِنَّ التَّذْيِيلَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الرَّأْيِ الصَّحِيحِ. وَتَذْيِيلُ الْكَلَامِ بِذِكْرِ فَضْلِ مَنْ يُوقَوْنَ شُحَّ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ إِيثَارَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى فِي حَالَةِ الْخَصَاصَةِ هُوَ سَلَامَةٌ مِنْ شُحِّ الْأَنْفُسِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِسَلَامَتِهِمْ مِنْ شُحِّ الْأَنْفُسِ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالشُّحُّ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا: غَرِيزَةٌ فِي النَّفْسِ بِمَنْعِ مَا هُوَ لَهَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْبُخْلِ. وَقَالَ الطِّيبِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ عَسِيرٌ جِدًّا وَقَدْ أَشَارَ فِي «الْكَشَّافِ» إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْبُخْلَ أَثَرُ الشُّحِّ وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدٌ مَا يُرَادُ مِنْهُ بَذْلُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النِّسَاء: ١٢٨] أَيْ جُعِلَ الشُّحُّ حَاضِرًا مَعَهَا لَا يُفَارِقُهَا، وَأُضِيفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى النَّفْسِ لِذَلِكَ فَهُوَ غَرِيزَةٌ لَا تَسْلَمُ مِنْهَا نَفْسٌ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي بَيَانِ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ «أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى» وَلَكِنَّ النُّفُوسَ تَتَفَاوَتُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ فَإِذَا غَلَبَ
следующие страницы →