← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ هُمُ الْأَنْصَارُ. وَالدَّارُ تُطْلَقُ عَلَى الْبِلَادِ، وَأَصْلُهَا مَوْضِعُ الْقَبِيلَةِ مِنَ الْأَرْضِ. وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْقَرْيَةِ قَالَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ ثَمُودَ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [الْأَعْرَاف: ٧٨] ، أَيْ فِي مَدِينَتِهِمْ وَهِيَ حِجْرُ ثَمُودَ. وَالتَّعْرِيفُ هُنَا لِلْعَهْدِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّارِ: يَثْرِبُ، وَالْمَعْنَى الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الدَّارِ. هَذَا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ. وَالتَّبَوُّءُ: اتِّخَاذُ الْمَبَاءَةِ وَهِيَ الْبُقْعَةُ الَّتِي يَبُوءُ إِلَيْهَا صَاحِبُهَا، أَيْ يَرْجِعُ إِلَيْهَا بَعْدَ انْتِشَارِهِ فِي أَعْمَالِهِ. وَفِي مَوْقِعِ قَوْلِهِ: وَالْإِيمانَ غُمُوضٌ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولا لفعل تبوّؤوا، فَتَأَوَّلَهُ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ الْكَلَامُ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الْإِيمَانِ بِالْمَنْزِلِ وَجَعْلِ إِثْبَاتِ التَّبَوُّءِ تَخْيِيلًا فَيكون فعل تبوأوا مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ. وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ جَعَلُوا الْمَعْطُوفَ عَامِلًا مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، تَقْدِيره: وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الرَّاجِزِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (١) وَقَوْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى: يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا أَيْ وَمُمْسِكًا رُمْحًا وَهُوَ الَّذِي درج عَلَيْهِ فِي «الْكَشَّافُ» . وَقِيلَ الْوَاوُ لِلْمَعِيَّةِ. والْإِيمانَ مَفْعُولٌ مَعَهُ.

стр. 9697

وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ، وَإِنْ قَلَّ قَائِلُوهُ. وَالْجُمْهُورُ يَجْعَلُونَ النَّصْبَ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ سَمَاعِيًّا فَهُوَ عِنْدَهُمْ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ فَتَجَنَّبُوا تَخَرِيجَ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ حَتَّى ادَّعَى ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْقُرْآن بِيَقِين. وَتَأَول قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ [يُونُس: ٧١] ، ذَلِك لِأَن جُمْهُور الْبَصرِيين يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْمَفْعُولِ مَعَهُ هُوَ الْعَامِلَ فِي الِاسْمِ الَّذِي صَاحَبَهُ وَلَا يَرَوْنَ وَاوَ الْمَعِيَّةِ نَاصِبَةَ الْمَفْعُولِ مَعَهُ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَالْأَخْفَشِ فَإِنَّ الْوَاوَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى (مَعَ) . وَقَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ: مَنْصُوبٌ بِالْوَاوِ. وَالْحَقُّ عَدَمُ الْتِزَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ، أَلَا تَرَى صِحَّةَ قَوْلِ الْقَائِلِ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةُ. وَقَوْلُهُمْ: سِرْتُ وَالنِّيلُ، وَهُوَ يُفِيدُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ دَارُهُمْ آوَوْا إِلَيْهَا الْمُهَاجِرِينَ لِأَنَّهَا دَارُ مُؤْمِنِينَ لَا يُمَاثِلُهَا يَوْمَئِذٍ غَيْرُهَا. وَبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ مِنْ قَبْلِهِمْ فعل تَبَوَّؤُا بِمُفْرَدِهِ، وَأَنَّ الْمَجْرُورَ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ قُيِّدَ فِيهِ دُونَ مَا ذِكْرٍ بَعْدَ الْوَاوِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ وَاوَ عَطْفٍ فَلِذَلِكَ لَا تَكُونُ قَائِمَةً مَقَامَ الْفِعْلِ السَّابِقِ لِأَنَّ وَاوَ الْمَعِيَّةِ فِي مَعْنَى ظَرْفٍ فَلَا يُعَلَّقُ بِهَا مَجْرُورٌ. وَفِي ذِكْرِ الدَّارِ (وَهِيَ الْمَدِينَةِ) مَعَ ذِكْرِ الْإِيمَانِ إِيمَاءٌ إِلَى فَضِيلَةِ الْمَدِينَةِ بِحَيْثُ جَعَلَ تَبَوُّءَهُمُ الْمَدِينَةَ قَرِينَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ مَالِكٌ ﵀ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْآفَاقِ. فَقَالَ: إِنَّ الْمَدِينَةَ تُبُوِّئَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْقُرَى افْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ ثُمَّ قَرَأَ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ الْآيَةَ. وَجُمْلَةُ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ حَالٌ من الَّذين تبوّؤوا الدَّار، وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِمَا تَقَرَّرَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ إِذْ أَحَبُّوا الْمُهَاجِرِينَ، وَشَأْنُ الْقَبَائِلِ أَنْ يَتَحَرَّجُوا مِنَ الَّذِينَ يُهَاجِرُونَ إِلَى دِيَارِهِمْ لِمُضَايَقَتِهِمْ. وَمِنْ آثَارِ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ خَبَرِ سعد بن الربيح مَعَ عبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ إِذْ عَرَضَ سَعْدٌ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَهُ مَالَهُ وَأَنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَقَدْ أَسْكَنُوا الْمُهَاجِرِينَ مَعَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَنَحُوهُمْ مِنْ نَخِيلِهِمْ، وَحَسْبُكَ الْأُخُوَّةُ الَّتِي آخى النبيء ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

стр. 9698

وَقَوْلُهُ: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا أُرِيدَ بِالْوُجْدَانِ الْإِدْرَاكُ الْعَقْلِيُّ، وَكَنَّى بِانْتِفَاءِ وجدان الْحَاجة عَن انْتِفَاءِ وُجُودِهَا لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَأَدْرَكُوهَا فِي نُفُوسِهِمْ وَهَذَا مِنْ بَابِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ وَالْحَاجَةُ فِي الْأَصْلِ: اسْمُ مَصْدَرِ الْحَوْجِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ، أَيْ الِافْتِقَارُ إِلَى شَيْءٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْأَمْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَهِيَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْمَأْرَبِ وَالْمُرَادِ، وَإِطْلَاقُ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَأْرَبِ مَجَازٌ مَشْهُورٌ سَاوَى الْحَقِيقَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ [غَافِر: ٨٠] ، أَيْ لِتَبْلُغُوا فِي السَّفَرِ عَلَيْهَا الْمَأْرَبَ الَّذِي تُسَافِرُونَ لِأَجْلِهِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها [يُوسُف: ٦٨] أَيْ مَأْرَبًا مُهِمًّا وَقَوْلِ النَّابِغَةِ: أَيَّامَ تُخْبِرْنِي نُعْمُ وَأُخْبِرُهَا ... مَا أَكْتُمُ النَّاسَ مِنْ حَاجِي وَإِسْرَارِي وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِمَّا أُوتُوا ابْتِدَائِيَّةً، أَيْ مَأْرَبًا أَوْ رَغْبَةً نَاشِئَةً مِنْ فَيْءٍ أُعْطِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ. وَالصُّدُورُ مُرَادٌ بِهَا النُّفُوسُ جَمْعُ الصَّدْرِ وَهُوَ الْبَاطِنُ الَّذِي فِيهِ الْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ وَذَلِكَ كَإِطْلَاقِ الْقَلْبِ على ذَلِك. و (مَا أُوتُوا) هُوَ فَيْءُ بَنِي النَّضِيرِ. وَضَمِيرُ صُدُورِهِمْ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ، وَضَمِيرُ أُوتُوا عَائِدٌ إِلَى مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّ مَنْ هَاجَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَرُوعِيَ فِي ضَمِيرِ مَعْنَى (مِنْ) بِدُونِ لَفْظِهَا. وَهَذَانَ الضَّمِيرَانِ وَإِنْ كَانَا ضَمِيرَيْ غَيْبَةٍ وَكَانَا مُقْتَرِبَيْنِ فَالسَّامِعُ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إِلَى مُعَادِهِ بِحَسَبِ السِّيَاقِ مِثْلَ (مَا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها فِي سُورَةِ الرُّومِ [٩] . وَقَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ يَذْكُرُ انْتِصَارَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى هَوَازِنَ: عُدْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَحْدَقَ جَمْعُهُمْ ... بِالْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوا مَا جَمَعُوا (أَيْ أَحْرَزَ جَيْشُ هَوَازِنَ مَا جَمَعَهُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ) . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُخَامِرُ نُفُوسَهُمْ تَشَوُّفٌ إِلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِمَّا أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.

стр. 9699

وَيَجُوزُ وَجْهٌ آخَرُ بِأَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ حَاجَةٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْحَقِيقِيِّ اسْمُ مَصْدَرِ الِاحْتِيَاجِ فَإِنَّ الْحَاجَّةَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ وُقُوعُهَا فِي الصُّدُورِ لِأَنَّهَا مِنَ الْوِجْدَانِيَّاتِ وَالِانْفِعَالَاتِ. وَمَعْنَى نَفْيِ وُجْدَانِ الِاحْتِيَاجِ فِي صُدُورِهِمْ أَنَّهُمْ لِفَرْطِ حُبِّهِمْ لِلْمُهَاجِرِينَ صَارُوا لَا يُخَامِرُ نُفُوسَهُمْ أَنَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يُؤْتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ، أَي فهم أَغْنِيَاء عَمَّا يؤتاه الْمُهَاجِرُونَ فَلَا تستشرف نُفُوسهم إِلَى شَيْء مِمَّا يؤتاه الْمُهَاجِرُونَ بَلْهَ أَنْ يَتَطَلَّبُوهُ. وَتَكُونُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّا أُوتُوا لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ حَاجَةٌ لِأَجْلِ مَا أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ، أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ حَاجَةٌ نَاشِئَةٌ عَمَّا أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَيُفِيدُ انْتِفَاءَ وُجْدَانِ الْحَاجَةِ فِي نُفُوسِهِمْ وَانْتِفَاءِ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْوُجْدَانِ وَمَنَاشِئِهِ الْمُعْتَادَةِ فِي النَّاسِ تَبَعًا لِلْمُنَافَسَةِ وَالْغِبْطَةِ، وَقَدْ دَلَّ انْتِفَاءُ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ عَلَى مُتَعَلِّقِ حَاجَةِ الْمَحْذُوفِ إِذِ التَّقْدِيرُ: وَلَا يَجِدُونَ فِي نُفُوسِهِمْ حَاجَةً لِشَيْءٍ أُوتِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ. وَالْإِيثَارُ: تَرْجِيحُ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ بِمَكْرَمَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ. وَالْمَعْنَى: يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُمْ وَهَذَا أَعْلَى دَرَجَةً مِمَّا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ يُؤْثِرُونَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: مِمَّا أُوتُوا عَلَيْهِ. وَمِنْ إِيثَارِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ مَا رُوِيَ فِي «الصَّحِيحِ» أَن النبيء ﷺ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيَقْطَعَ لَهُمْ قَطَائِعَ بِنَخْلِ الْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تَقْطَعَ لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا . وَإِمَّا إِيثَارُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِيَ الْجَهْدُ. فَأَرْسَلَ فِي نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقَالَ النبيء ﷺ : أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀، فَقَامَ رَجُلٌ مَنِ الْأَنْصَارِ (هُوَ أَبُو طَلْحَةَ) فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. فَإِذَا دَخَلَ الضَّيْفُ فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقَوْمِي إِلَى السِّرَاجِ تُرِي أَنَّكِ تُصْلِحِينَهُ فَأَطْفِئِيهِ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ. فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ.

стр. 9700

وَذُكِرَتْ قَصَصٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي التَّفَاسِيرِ، قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَجُمْلَةُ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. ولَوْ وَصْلِيَةٌ وَهِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ تَعْلِيقِ جَوَابِهَا بِشَرْطٍ يُفِيدُ حَالَةً لَا يُظَنُّ حُصُولَ الْجَوَابِ عِنْدَ حُصُولِهَا. وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ لَآثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَيُعْلَمُ أَنَّ إِيثَارَهُمْ فِي الْأَحْوَالِ الَّتِي دُونَ ذَلِكَ بِالْأَحْرَى دُونَ إِفَادَةِ الِامْتِنَاعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٩١] . وَالْخَصَاصَةُ: شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ. وَتَذْكِيرُ فِعْلِ كانَ لِأَجْلِ كَوْنِ تَأْنِيثِ الْخَصَاصَةِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا، وَلِأَنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ كانَ وَاسْمِهَا بِالْمَجْرُورِ. وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ. وَجُمْلَةُ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تَذْيِيلٌ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، فَإِنَّ التَّذْيِيلَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الرَّأْيِ الصَّحِيحِ. وَتَذْيِيلُ الْكَلَامِ بِذِكْرِ فَضْلِ مَنْ يُوقَوْنَ شُحَّ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ إِيثَارَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى فِي حَالَةِ الْخَصَاصَةِ هُوَ سَلَامَةٌ مِنْ شُحِّ الْأَنْفُسِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِسَلَامَتِهِمْ مِنْ شُحِّ الْأَنْفُسِ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالشُّحُّ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا: غَرِيزَةٌ فِي النَّفْسِ بِمَنْعِ مَا هُوَ لَهَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْبُخْلِ. وَقَالَ الطِّيبِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ عَسِيرٌ جِدًّا وَقَدْ أَشَارَ فِي «الْكَشَّافِ» إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْبُخْلَ أَثَرُ الشُّحِّ وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدٌ مَا يُرَادُ مِنْهُ بَذْلُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النِّسَاء: ١٢٨] أَيْ جُعِلَ الشُّحُّ حَاضِرًا مَعَهَا لَا يُفَارِقُهَا، وَأُضِيفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى النَّفْسِ لِذَلِكَ فَهُوَ غَرِيزَةٌ لَا تَسْلَمُ مِنْهَا نَفْسٌ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي بَيَانِ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ «أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى» وَلَكِنَّ النُّفُوسَ تَتَفَاوَتُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ فَإِذَا غَلَبَ

стр. 9701

عَلَيْهَا بِمَنْعِ الْمَعْرُوفِ وَالْخَيْرِ فَذَلِكَ مَذْمُومٌ وَيَتَفَاوَتُ ذَمُّهُ بِتَفَاوُتِ مَا يَمْنَعُهُ. قَالَ وَقَدْ أَحْسَنَ وَصْفَهُ مَنْ قَالَ، لَمْ أَقف على قَائِله: يُمَارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إِذَا هَمَّ بِالْمَعْرُوفِ قَالَتْ لَهُ مَهْلَا فَمَنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ، أَيْ وُقِيَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الشُّحُّ الْمَذْمُومُ خُلُقًا لَهُ، لِأَنَّهُ إِذَا وُقِيَ هَذَا الْخُلُقَ سَلِمَ مِنْ كُلِّ مَوَاقِعِ ذَمِّهِ. فَإِنْ وُقِيَ مِنْ بَعْضِهِ كَانَ لَهُ مِنَ الْفَلَاحِ بِمَقْدَارِ مَا وُقِيَهِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِتَعْظِيمِ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ. وَصِيغَةُ الْقَصْرِ الْمُؤَدَّاةُ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ لِلْمُبَالَغَةِ لِكَثْرَةِ الْفَلَاحِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى وِقَايَةِ شُحِّ النَّفْسِ حَتَّى كَأَنَّ جِنْسَ الْمُفْلِحِ مَقْصُورٌ عَلَى ذَلِكَ الْمُوقَى. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ جعل وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ لِلثَّنَاءِ عَلَى الْأَنْصَارِ بِمُنَاسَبَةِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَجْعَلُوا لِلْأَنْصَارِ حَظًّا فِي مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَقَصَرُوا قَوْلَهُ: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [الْحَشْر: ٧] عَلَى قُرًى خَاصَّةٍ هِيَ: قُرَيْظَةُ. وَفَدَكُ، وَخَيْبَرُ. وَالنَّفْعُ، وَعُرَيْنَةُ، وَوَادِي الْقُرَى، وَرَوَوْا أَنَّ رَسُول الله ﷺ لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيْئَهَا قَالَ لِلْأَنْصَارِ: «إِنْ شِئْتُمْ قَاسَمْتُمُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَدِيَارِكُمْ وَشَارَكْتُمُوهُمْ فِي هَذِهِ الْغَنِيمَةِ، وَإِن شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وتركتم لَهُم هَذَا» ؟ فَقَالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا وَنَتْرُكُ لَهُمْ هَذِهِ الْغَنِيمَةَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى الْآيَة [الْحَشْر: ٧] . وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ وَكُلُّ ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ مَهْيَعِ انْتِظَامِ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ وَتَفْكِيكٌ لِنَظْمِ الْكَلَامِ وَتَنَاسُبِهِ مَعَ وَهْنِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَوْهَا فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَكُونُ عطف وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، وَاسْمُ الْمَوْصُولِ مُبْتَدَأً وَجُمْلَةُ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ خَبَرًا عَن الْمُبْتَدَأ. [١٠] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٠] وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ

стр. 9702

(١٠) عَطْفٌ على وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ [الْحَشْر: ٩] عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فَأَمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ جعلُوا وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ [الْحَشْر: ٩] مَعْطُوفًا عَلَى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ [الْحَشْر: ٨] جعلُوا الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَرِيقًا مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، وَهُوَ غَيْرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَلْ هُوَ مَنْ جَاءَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَضَمِيرُ مِنْ بَعْدِهِمْ عَائِدٌ إِلَى مَجْمُوعِ الْفَرِيقَيْنِ. وَالْمَجِيءُ مُسْتَعْمَلٌ لِلطُّرُوِّ وَالْمَصِيرِ إِلَى حَالَةٍ تُمَاثِلُ حَالَهُمْ، وَهِيَ حَالَةُ الْإِسْلَامِ، فَكَأَنَّهُمْ أَتَوْا إِلَى مَكَانٍ لِإِقَامَتِهِمْ، وَهَذَا فَرِيقٌ ثَالِثٌ وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ [التَّوْبَة: ١٠٠] أَيِ اتَّبَعُوهُمْ فِي الْإِيمَانِ. وَإِنَّمَا صِيغ جاؤُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي تَغْلِيبًا لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِثْلِ غِفَارَةَ، وَمُزَيْنَةَ، وَأَسْلَمَ، وَمِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، فَكَأَنَّهُ قيل: الَّذين جاؤوا وَيَجِيئُونَ، بِدِلَالَةِ لَحْنِ الْخِطَابِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا: زِيَادَةُ دَفْعِ إِيهَامِ أَنْ يَخْتَصَّ الْمُهَاجِرُونَ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ على رَسُوله ﷺ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى كَمَا اختصهم النبيء ﷺ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ. وَقَدْ شَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كُلَّ مَنْ يُوجَدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبَدَ الدَّهْرِ، وَعَلَى هَذَا جَرَى فَهْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَّمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا (أَيِ الْفَاتِحِينَ) كَمَا قسم النبيء ﷺ خَيْبَرَ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ: أَنَّ عُمَرَ دَعَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: تَثَبَّتُوا الْأَمْرَ وَتَدَبَّرُوهُ ثُمَّ اغْدُوَا عَلَيَّ فَلَمَّا غَدَوْا عَلَيْهِ قَالَ: قَدْ مَرَرْتُ بِالْآيَاتِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْحَشْرِ وَتَلَا مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [٧، ٨] . قَالَ: مَا هِيَ لِهَؤُلَاءِ فَقَطْ وتلا قَوْله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: رَؤُفٌ رَحِيمٌ ثُمَّ قَالَ: مَا بَقِي أحد مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ اه. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْفَيْءِ، وَأَمَّا مَا فُتِحَ عَنْوَةً فَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَلِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي

стр. 9703

عَدَمِ قِسْمَتِهِ سَوَادَ الْعرَاق بَين الْجَيْش الْفَاتِحِينَ لَهُ عَمَلٌ آخَرُ، وَهُوَ لَيْسَ من غَرَضَنَا. وَمَحَلُّهُ كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ. وَالْفَرِيقُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [الْحَشْر: ٩] كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا، وَجَعَلَ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ [الْحَشْر: ٩] خَبَرًا عَنِ اسْمِ الْمَوْصُولِ، جَعَلُوا قَوْله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفًا. وَمِنَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا [الْحَشْر: ٩] مَعْطُوفًا عَلَى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ [الْحَشْر: ٨] مَنْ جَعَلَ قَوْله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ مُسْتَأْنَفًا. وَنَسَبَهُ ابْنُ الْفَرَسِ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» إِلَى الشَّافِعِيِّ. وَرَأَى أَنَّ الْفَيْءَ إِذَا كَانَ أَرْضًا فَهُوَ إِلَى تَخْيِيرِ الْإِمَامِ وَلَيْسَ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِلْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ. وَجُمْلَةُ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا عَلَى التَّفْسِيرِ الْمُخْتَارِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ من الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ. وَالْغِلُّ بِكَسْرِ الْغَيْنِ: الْحَسَدُ وَالْبُغْضُ، أَيْ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُطَهِّرَ نُفُوسَهُمْ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ لِلْمُؤْمِنِينَ السَّابِقَيْنِ عَلَى مَا أُعْطُوهُ مِنْ فَضِيلَة صُحْبَة النبيّ ﷺ وَمَا فُضِّلَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنَ الْهِجْرَةِ وَبَعْضُهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ الله للَّذين جاؤا مِنْ بَعْدِهِمْ مَا يُكْسِبُهُمْ فَضِيلَةً لَيْسَتْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهِيَ فَضِيلَةُ الدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَانْطِوَاءِ ضَمَائِرِهِمْ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَانْتِفَاءِ الْبُغْضِ لَهُمْ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُضْمِرُونَ مَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِهِ لَهُمْ فِي نُفُوسهم ويرضوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ. وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذْكُرُوا سَلَفَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّ حَقًّا عَلَيْهِمْ مَحَبَّةُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَعْظِيمُهُمْ، قَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَ يُبْغِضُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أَوْ كَانَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ غِلٌّ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأَ وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الْآيَةَ. فَلَعَلَّهُ أَخَذَ بِمَفْهُومِ الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا الْآيَةَ، فَإِنَّ الْمَقْصِدَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أَنْ يُضْمِرُوا مَضْمُونَهُ فِي نُفُوسِهِمْ فَإِذَا أَضْمَرُوا خِلَافَهُ وَأَعْلَنُوا بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ فَقَدْ تَخَلَّفَ فِيهِمْ هَذَا الْوَصْفُ، فَإِنَّ الْفَيْءَ عَطِيَّةٌ

стр. 9704

أَعْطَاهَا اللَّهُ تِلْكَ الْأَصْنَافَ وَلَمْ يَكْتَسِبُوهَا بِحَقِّ قِتَالٍ، فَاشْتَرَطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِهَا أَنْ يَكُونُوا مُحِبِّينَ لِسَلَفِهِمْ غَيْرَ حَاسِدِينَ لَهُمْ. وَهُوَ يَعْنِي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شَنَآنٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ لِأَسْبَابٍ عَادِيَّةٍ أَوْ شَرْعِيَّةٍ مِثْلِ مَا كَانَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ حِينَ تَحَاكَمَا إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ الْخَائِنِ الْغَادِرِ. وَمِثْلِ إِقَامَةِ عُمَرَ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى أَبِي بَكْرَةَ. وَأَمَّا مَا جَرَى بَيْنَ عَائِشَةَ وَعَلِيٍّ مِنَ النِّزَاعِ وَالْقِتَالِ وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ مِنَ الْقِتَالِ فَإِنَّمَا كَانَ انْتِصَارًا لِلْحَقِّ فِي كِلَا رَأْيَيِ الْجَانِبَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغِلٍّ أَوْ تَنَقُّصٍ، فَهُوَ كَضَرْبِ الْقَاضِي أَحَدًا تَأْدِيبًا لَهُ فَوَجَبَ إِمْسَاكُ غَيْرِهِمْ مِنَ التَّحَزُّبِ لَهُمْ بَعْدَهُمْ فَإِنَّهُ وَإِنْ سَاغَ ذَلِك لآحادهم لتكافىء دَرَجَاتِهِمْ أَوْ تَقَارُبِهَا. وَالظَّنُّ بِهِمْ زَوَالُ الْحَزَازَاتِ مِنْ قُلُوبِهِمْ بِانْقِضَاءِ تِلْكَ الْحَوَادِثِ، لَا يُسَوِّغُ ذَلِكَ لِلْأَذْنَابِ مِنْ بَعْدِهِمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْهُمْ فِي عِيرٍ وَلَا نَفِيرٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسْحَةٌ مِنْ حَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ نَخَرَتْ عَضُدَ الْأمة المحمدية. [١١] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١١] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) أَعْقَبَ ذِكْرَ مَا حَلَّ بِبَنِي النَّضِيرِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ بَيَانِ أَسْبَابِهِ، ثُمَّ بَيَانِ مَصَارِفِ فَيْئِهِمْ وَفَيْءِ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْقُرَى بَعْدَ ذَلِكَ، بِذِكْرِ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ وَتَغْرِيرِهِمْ بِالْوُعُودِ الْكَاذِبَةِ لِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ النِّفَاقَ سَجِيَّةٌ فِي أُولَئِكَ لَا يَتَخَلَّوْنَ عَنْهُ وَلَوْ فِي جَانِبِ قَوْمٍ هُمُ الَّذِينَ يَوَدُّونَ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ الْمُنَافِقِينَ فَبُنِيَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِحَالِهِمْ كِنَايَةً عَنِ التَّحْرِيضِ عَلَى إِيقَاعِ هَذَا الْعِلْمِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَأَمَّلَ الَّذِينَ نَافَقُوا فِي حَالِ مَقَالَتِهِمْ لِإِخْوَانِهِمْ وَلَا تَتْرُكِ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَالٌ عَجِيبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعْنَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى كَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ

стр. 9705

وَجُمْلَةُ يَقُولُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي. وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ تَرَهُمْ قَائِلِينَ. وَجِيءَ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِقَصْدِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُؤَكِّدِينَهُ وَمُكَرِّرِينَهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْبِدَاءِ أَوِ الْخَاطِرِ الْمَعْدُولِ عَنْهُ. والَّذِينَ نافَقُوا الْمُخْبَرُ عَنْهُمْ هُنَا هُمْ فَرِيقٌ مِنْ بَنِي عَوْفٍ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ سُمِّيَ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَرَافِعَةُ بْنُ تَابُوتٍ، وَأَوْس بن قيظي، وَوَدِيعَةُ بْنُ أَبِي قَوْتَلٍ، أَوِ ابْنُ قَوْقَلٍ، وَسُوَيْدٌ (لَمْ يُنْسَبْ) وَدَاعِسٌ (لَمْ يُنْسَبْ) ، بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ حِينَ حَاصَرَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ بَنِي النَّضِيرِ يَقُولُونَ لَهُمْ: اثْبُتُوا فِي مَعَاقِلِكُمْ فَإِنَّا مَعَكُمْ. وَالْمُرَادُ بِإِخْوَانِهِمْ بَنُو النَّضِيرِ وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِالْإِخُوَّةِ لَهُمْ لِأَنَّهُمَ كَانُوا مُتَّحِدِينَ فِي الْكُفْرِ برسالة مُحَمَّد ﷺ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ أُخُوَّةَ النَّسَبِ فَإِنَّ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْيَهُودِ، وَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ بَعَثُوا إِلَيْهِمْ مِنْ بَنِي عَوْفٍ مِنْ عَرَبِ الْمَدِينَةِ وَأَصْلُهُمْ مِنَ الْأَزْدِ. وَفِي وَصْفِ إِخْوَانِهِمْ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَاءٌ إِلَى أَنْ جَانِبَ الْأُخُوَّةِ بَيْنَهُمْ هُوَ الْكُفْرُ إِلَّا أَنَّ كُفْرَ الْمُنَافِقِينَ كُفْرُ الشِّرْكِ وَكُفْرَ إِخْوَانِهِمْ كُفْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ الْكُفْرُ برسالة مُحَمَّد ﷺ . وَلَامُ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، أَيْ قَالُوا لَهُمْ كَلَامًا مُؤَكَّدًا بِالْقَسَمِ. وَإِنَّمَا وَعَدُوهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ لِيَطْمَئِنُّوا لِنُصْرَتِهِمْ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ النَّصْرِ وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يُفَارِقُوا بِلَادَهُمْ. وَجُمْلَةُ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ فَهِيَ مِنَ الْمَقُولِ لَا مِنَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أُعْرِيَتْ عَنِ الْمُؤَكَّدِ لِأَنَّ بَنِي النَّضِيرِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يطيعون الرَّسُول ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ فِي غُنْيَةٍ عَنْ تَحْقِيقِ هَذَا الْخَبَرِ. وَمَعْنَى فِيكُمْ فِي شَأْنِكُمْ، وَيُعْرَفُ هَذَا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، أَيْ فِي ضُرِّكُمْ إِذْ لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنَّهُمْ لَا يُطِيعُونَ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُوَالَاةِ إِخْوَانِهِمْ، وَيُقَدَّرُ الْمُضَافُ فِي مِثْلِ هَذَا بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ، [الْمَائِدَة: ٥٢]

стр. 9706

أَيْ فِي الْمُوَالَاةِ لَهُمْ. وَمَعْنَى لَنَنْصُرَنَّكُمْ لَنُعِينَنَّكُمْ فِي الْقِتَالِ. وَالنَّصْرُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِعَانَةِ عَلَى الْمُعَادِي. وَقَدْ أَعْلَمَ الله رَسُوله ﷺ بِأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَعْلَمَهُ بِمَا أَقْسَمُوا عَلَيْهِ تَطْمِينًا لِخَاطِرِهِ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ وَقَبْلَ غَزْوِ قُرَيْظَةَ لِئَلَا يتوجس الرَّسُول ﷺ خِيفَةً مِنْ بَأْسِ الْمُنَافِقِينَ، وَسَمَّى اللَّهُ الْخَبَرَ شَهَادَةً لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ يَقِينٍ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا يَتَجَازَفُ الْمُخْبِرُ فِي شَأْنِهَا. [١٢] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٢] لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ. بَيَانٌ لِجُمْلَةِ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [الْحَشْر: ١١] . وَاللَّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ وَهَذَا تَأْكِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لرَسُوله ﷺ أَنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوهُ شَيْئًا لِكَيْلَا يَعْبَأَ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ مَقَالَتِهِمْ. وَضَمِيرُ أُخْرِجُوا وقُوتِلُوا عَائِدَانِ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الْحَشْر: ١١] ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا وَلَمَّا يُقَاتِلُوا وَهُمْ قُرَيْظَةُ وَخَيْبَرُ، أَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَقَدْ أُخْرِجُوا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَهُمْ غَيْرُ مَعْنِيِّينَ بِهَذَا الْخَبَرِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَالْمَعْنَى: لَئِنْ أُخْرِجَ بَقِيَّةُ الْيَهُودِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَنْصُرُونَهُمْ. وَقَدْ سَلَكَ فِي هَذَا الْبَيَانِ طَرِيقَ الْإِطْنَابِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [الْحَشْر: ١١] جَمَعَ مَا فِي هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ فَجَاءَ بَيَانُهُ بِطَرِيقَةِ الْإِطْنَابِ لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ كَذِبِهِمْ. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ. ارْتِقَاءٌ فِي تَكْذِيبِهِمْ عَلَى مَا وَعَدُوا بِهِ إِخْوَانَهُمْ، وَالْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ وَلَيْسَتْ وَاوَ الْعَطْفِ. وَفِعْلُ نَصَرُوهُمْ إِرَادَةُ وُقُوعَ الْفِعْلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ فَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْفِعْلِ عَلَى إِرَادَتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

стр. 9707

الْآيَة [الْمَائِدَة: ٦] وَقَوْلِهِ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النَّحْل: ٩٨] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [الْبَقَرَة: ٢٢٦] ، أَيْ يُرِيدُونَ الْعَوْدَ إِلَى مَا امْتَنَعُوا مِنْهُ بِالْإِيلَاءِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا نَصْرَهُمْ فَإِنَّ أَمْثَالَهُمْ لَا يُتَرَقَّبُ مِنْهُمُ الثَّبَاتُ فِي الْوَغَى فَلَوْ أَرَادُوا نَصْرَهُمْ وَتَجَهَّزُوا مَعَهُمْ لَفَرُّوا عِنْدَ الْكَرِيهَةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التَّوْبَة: ٤٧] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ النَّصْرُ عَلَى الْإِعَانَةِ بِالرِّجَالِ وَالْعَتَادِ وَهُوَ من مَعَاني النَّصْرِ. وثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِي كَمَا هُوَ شَأْنُهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ النَّصْرِ أَعْظَمُ رُتْبَةً فِي تَأْيِيسِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِإِعَانَةِ الْمُنَافِقِينَ فَهُوَ أَقْوَى مِنَ انْهِزَامِ الْمُنَافِقين إِذا جاؤوا لِإِعَانَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْقِتَالِ. وَالنَّصْرُ هُنَا بِمَعْنَى: الْغَلَبُ. وَضَمِيرُ لَا يُنْصَرُونَ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذِ الْكَلَامُ جَارٍ عَلَى وَعْدِ الْمُنَافِقِينَ بِنَصْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَالْمَقْصُودُ تَثْبِيتُ رَسُول الله ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ وَتَأْمِينُهُمْ مِنْ بَأْس أعدائهم. [١٣] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٣] لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ وَهْنِ الْمُنَافِقِينَ فِي الْقِتَالِ تَشْدِيدَ نفس النبيء ﷺ وَأَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى لَا يَرْهَبُوهُمْ وَلَا يَخْشَوْا مُسَانَدَتَهُمْ لِأَهْلِ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ أَحْلَافِ الْمُنَافِقِينَ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِإِعْلَامِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْلَافَهُمْ يَخْشَوْنَ الْمُسْلِمِينَ خشيَة شَدِيدَة وصف شِدَّتُهَا بِأَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ خَشْيَتِهِمُ اللَّهَ

стр. 9708

تَعَالَى، فَإِنَّ خَشْيَةَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ أَعْظَمُ خَشْيَةً فَإِذَا بَلَغَتِ الْخَشْيَةُ فِي قَلْبِ أَحَدٍ أَنْ تَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ مُنْتَهَى الْخَشْيَةِ. وَالْمَقْصُودُ تَشْدِيدُ نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ لِيَعْلَمُوا أَنَّ عَدُوَّهُمْ مُرْهَبٌ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُ الْمُسْلِمِينَ إِقْدَامًا فِي مُحَارَبَتِهِمْ إِذْ لَيْسَ سِيَاقُ الْكَلَامِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ قِلَّةَ رَهْبَتِهِمْ لِلَّهِ بَلْ إِعْلَامَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُمْ أَرْهَبُ لَهُمْ مِنْ كُلِّ أَعْظَمِ الرَّهَبَاتِ. وَالْخطاب للنبيء ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالصُّدُورُ مُرَادٌ بِهَا: النُّفُوسُ وَالضَّمَائِرُ لِأَنَّ مَحَلَّ أَجْهِزَتِهَا فِي الصُّدُورِ. وَالرَّهْبَةُ: مَصْدَرُ رَهِبَ، أَيْ خَافَ. وَقَوْلُهُ: فِي صُدُورِهِمْ لِ رَهْبَةً فَهِيَ رَهْبَةُ أُولَئِكَ. وَضَمِيرُ صُدُورِهِمْ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا [الْحَشْر: ١١] والَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الْحَشْر: ١١] إِذْ لَيْسَ اسْمُ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ أَوْلَى بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ مَعَ صَلَاحِيَّةِ الضَّمِيرِ لِكِلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودِينَ بِالْقِتَالِ هُمْ يَهُودُ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَكَانُوا أَعْوَانًا لَهُمْ. وَإِسْنَادُ أَشَدُّ إِلَى ضَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَاطَبِينَ إِسْنَادٌ سَبَبِيٌّ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَرَهْبَتُكُمِ فِي صُدُورِهِمْ أَشَدُّ مِنْ رَهْبَةٍ فِيهَا. فَالرَّهْبَةُ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَكُلُّ مَصْدَرٍ لِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُضَافَ إِلَى فَاعِلِهِ أَوْ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَشَدَّ مَرْهُوبِيَّةً. ومِنَ اللَّهِ هُوَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ مِنْ رَهْبَةِ اللَّهِ، أَيْ مِنْ رَهْبَتِهِمُ اللَّهَ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ: وَقَدْ خِفْتُ حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعْلٍ فِي ذِي الْمَطَارَةِ عَاقِلِ أَيْ عَلَى مَخَافَةِ وَعْلٍ. وَهَذَا تَرْكِيبٌ غَرِيبُ النَّسْجِ بَدِيعُهُ. وَالْمَأْلُوفُ فِي أَدَاءِ مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُقَالَ: لَرَهْبَتُهُمْ مِنْكُمْ فِي صُدُورِهِمْ أَشَدُّ مِنْ رَهْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، فَحُوِّلَ عَنْ هَذَا النَّسْجِ إِلَى

стр. 9709

النَّسْجِ الَّذِي حَبَكَ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ، لِيَتَأَتَّى الِابْتِدَاءُ بِضَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ اهْتِمَامًا بِهِ وَلِيَكُونَ مُتَعَلِّقُ الرَّهْبَةِ ذَوَاتِ الْمُسْلِمِينَ لِتَوَقُّعِ بَطْشِهِمْ وَلِيَأْتِيَ التَّمْيِيزُ الْمُحَوَّلُ عَنِ الْفَاعِلِ لِمَا فِيهِ مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْإِجْمَالِ مَعَ التَّفْصِيلِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي خُصُوصِيَّةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مَرْيَم: ٤] دُونَ: وَاشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي. وَلِيَتَأَتَّى حَذْفُ الْمُضَافِ فِي تَرْكِيبِ مِنَ اللَّهِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: مِنْ رَهْبَةِ اللَّهِ لِأَنَّ حَذْفَهُ لَا يَحْسُنُ إِلَّا إِذَا كَانَ مَوْقِعُهُ مُتَّصِلًا بِلَفْظِ رَهْبَةً، إِذْ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: لَرَهْبَتُهُمْ أَشَدُّ مِنَ اللَّهِ. وَانْظُرْ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٧٧] . فَالْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَخْشُوا اللَّهَ. أَمَّا الْيَهُودُ فَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ فَهُمْ يَخَافُونَ اللَّهَ وَيَحْذَرُونَ عِقَابَ الدُّنْيَا وَعِقَابَ الْآخِرَةِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَهُمْ مُشْرِكُونَ وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْإِلَهُ الْأَعْظَمُ، وَأَنَّهُ أَوْلَى الْمَوْجُودَاتِ بِأَنْ يُخْشَى لِأَنَّهُ رَبُّ الْجَمِيعِ وَهُمْ لَا يُثْبِتُونَ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ فَخَشِيَتْهُمُ اللَّهَ قَاصِرَةٌ عَلَى خَشْيَةِ عَذَابِ الدُّنْيَا مِنْ خَسْفٍ وَقَحْطٍ وَاسْتِئْصَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ خَشْيَةٌ. وَهَذَا بِشَارَة للنبيء ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ اللَّهَ أَوْقَعَ الرُّعْبَ مِنْهُمْ فِي نُفُوسِ عَدُوِّهُمْ كَمَا قَالَ النبيء ﷺ : «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» . وَوَجْهُ وَصْفِ الرَّهْبَةِ بِأَنَّهَا فِي صُدُورِهِمُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهَا رَهْبَةٌ جَدُّ خَفِيَّةٍ، أَيْ أَنَّهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِالِاسْتِعْدَادِ لِحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَطَاوَلُونَ بِالشَّجَاعَةِ لِيَرْهَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَمَا هُمْ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ فَأَطْلَعَ الله رَسُوله ﷺ عَلَى دَخِيلَتِهِمْ فَلَيْسَ قَوْلُهُ: فِي صُدُورِهِمْ وَصْفًا كَاشِفًا. وَإِذْ قَدْ حَصُلَتِ الْبِشَارَةُ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ ثُنِيَ عَنَانُ الْكَلَامِ إِلَى مَذَمَّةِ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ مِنْ جَرَّاءِ كَوْنِهِمْ أَخْوَفَ لِلنَّاسِ مِنْهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِلَّةٍ فَقْهِ نُفُوسِهِمْ، وَلَوْ فَقِهُوا لَكَانُوا أَخْوَفَ لِلَّهِ مِنْهُمْ لِلنَّاسِ فَنَظَرُوا فِيمَا يُخَلِّصُهُمْ مِنْ عِقَابِ التَّفْرِيطِ فِي النَّظَرِ فِي دَعْوَة الرَّسُول ﷺ فَعَلِمُوا صِدْقَهُ فَنَجَوْا مِنْ عَوَاقِبِ كُفْرِهِمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَكَانَتْ رَهْبَتُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الرَّهْبَةُ مُصِيبَةً عَلَيْهِمْ وَفَائِدَةً لِلْمُسْلِمِينَ. فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْبَيَانِ وَمُبَيِّنِهِ.

стр. 9710

وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ وَاجْتِلَابُ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِيَتَمَيَّزَ الْأَمْرُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَتَمَّ تَمْيِيزٍ لِغَرَابَتِهِ. وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ سَبَبُ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ وَهُوَ انْتِفَاءُ فَقَاهَتِهِمْ. وَإِقْحَامُ لَفْظِ قَوْمٌ لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ مِنْ أَنَّ عَدَمَ فِقْهِ أَنْفُسِهِمْ أَمْرٌ عُرِفُوا بِهِ جَمِيعًا وَصَارَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ لَا يَخْلُو عَنْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِلَى قَوْلِهِ: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤] . وَالْفِقْهُ: فَهْمُ الْمَعَانِيَ الْخَفِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٧٨] ، وَقَوْلِهِ: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٦٥] ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ تَبِعُوا دَوَاعِيَ الْخَوْفِ الْمُشَاهَدِ وَذَهَلُوا عَنِ الْخَوْفِ الْمُغَيَّبِ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، وَهُوَ خَوْفُ اللَّهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قِلَّةِ فَهْمِهِمْ لِلْخَفِيَّاتِ. [١٤] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٤] لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ. هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الْحَشْر: ١٣] ، لِأَنَّ شِدَّةَ الرَّهْبَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَشْتَمِلُ عَلَى شَدَّةِ التَّحَصُّنِ لِقِتَالِهِمْ إِيَّاهُمْ، أَيْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى قِتَالِكُمْ إِلَّا فِي هَاتِهِ الْأَحْوَالِ وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي يُقاتِلُونَكُمْ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الْحَشْر: ١١] . وَقَوْلُهُ: جَمِيعاً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى كُلَّهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [الْمَائِدَة: ٤٨] فَيَكُونُ لِلشِّمُولِ، أَيْ كُلُّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَكُمُ الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ إِلَخْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مُجْتَمَعِينَ، أَيْ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جُيُوشًا كَشَأْنِ جُيُوشِ الْمُتَحَالِفِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ قِتَالُ مَنْ لَا يَقْبَعُونَ فِي قُرَاهُمْ فَيَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا إِلَى هَذَا

стр. 9711

الْقَيْدِ، أَيْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى قِتَالِكُمُ اجْتِمَاعَ الْجُيُوشِ، أَيْ لَا يُهَاجِمُونَكُمْ وَلَكِنْ يُقَاتِلُونَ قِتَالَ دِفَاعٍ فِي قُرَاهُمْ. وَاسْتِثْنَاءُ إِلَّا فِي قُرىً عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعاً اسْتِثْنَاءٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ عُمُومِ الْأَحْوَالِ، أَيْ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ كُلُّهُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي حَالِ الْكَوْنِ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ إِلَخْ. وَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فِي جَمِيعاً اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْقِتَالَ فِي الْقُرَى وَوَرَاءَ الْجُدُرِ لَيْسَ مِنْ أَحْوَالِ قِتَالِ الْجُيُوشِ الْمُتَسَانِدِينَ. وَعَلَى كلا الِاحْتِمَالَيْنِ فَالْكَلَام يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ إِلَّا مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي قَرْيَتِهِمْ، وَإِلَّا خَائِفِينَ مُتَتَرِّسِينَ. وَالْمَعْنَى: لَا يُهَاجِمُونَكُمْ، وَإِنْ هَاجَمْتُمُوهُمْ لَا يَبْرُزُونَ إِلَيْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ يُدَافِعُونَكُمْ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ يُقَاتِلُونَكُمْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ، أَيْ فِي الْحُصُونِ وَالْمَعَاقِلِ وَمِنْ وَرَاءِ الْأَسْوَارِ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ مَصِيرِهِمْ إِلَى الْهَزِيمَةِ إِذْ مَا حُورِبَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَهَذَا إِطْلَاعٌ لَهُمْ عَلَى تطمين للرسول ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ وَدَخَائِلِ الْأَعْدَاءِ. وَ «الْجُدُرُ» بِضَمَّتَيْنِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ جَمْعُ جِدَارٍ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو جِدَارٌ عَلَى الْإِفْرَادِ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ تُسَاوِي الْجَمْعَ. ومُحَصَّنَةٍ مَمْنُوعَةٍ مِمَّنْ يُرِيدُ أَخْذَهَا بِأَسْوَارٍ أَوْ خَنَادِقَ. وقُرىً بِالْقَصْرِ جَمْعُ قَرْيَةٍ، وَوَزْنُهُ وَقَصْرُهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى زِنَةِ فَعْلَةٍ مُعْتَلِّ اللَّامِ مِثْلَ قَرْيَةٍ يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ مَمْدُودًا مِثْلَ: رَكْوَةٍ وَرِكَاءٍ، وَشَكْوَةٍ وَشِكَاءٍ. وَلَمْ يُسْمَعِ الْقَصْرُ إِلَّا فِي كَوَّةٍ بِفَتْحِ الْكَافِ لُغَةٌ وَكُوًى، وَقَرْيَةٍ وَقُرًى وَلِذَلِكَ قَالَ الْفَرَّاءُ: قُرًى شَاذٌّ، يُرِيدُ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ. بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنْصَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ

стр. 9712

الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ الْمُفِيدُ أَنَّهُمْ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى جَيْشٍ وَاحِدٍ مُتَسَانِدِينَ فِيهِ مِمَّا يُثِيرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَيُجَابُ بِأَنَّ بَيْنَهُمْ بَأْسًا شَدِيدًا وَتَدَابُرًا، فَهُمْ لَا يَتَّفِقُونَ. وَافْتُتِحَتِ الْجُمْلَةُ بِ بَأْسُهُمْ لِلِاهْتِمَامِ بِالْأِخْبَارِ عَنْهُ بِأَنَّهُ بَيْنَهُمْ، أَيْ مُتَسَلِّطٌ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَيْسَ بَأْسُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِي تَهَكُّمٍ. وَمَعْنَى بَيْنَهُمْ أَنَّ مَجَالَ الْبَأْسِ فِي مُحِيطِهِمْ فَمَا فِي بَأْسِهِمْ مِنْ إِضْرَارٍ فَهُوَ مُنْعَكِسٌ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الْفَتْح: ٢٩] . وَجُمْلَةُ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً إِلَى آخِرِهَا اسْتِئْنَافٌ عَنْ جُمْلَةِ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ. لِأَنَّهُ قَدْ يَسْأَلُ السَّائِلُ: كَيْفَ ذَلِكَ وَنَحْنُ نَرَاهُمْ مُتَّفِقِينَ؟ فَأُجِيبُ بِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِمْ حَالُ اجْتِمَاعٍ وَاتِّحَادٍ وَهُمْ فِي بَوَاطِنِهِمْ مُخْتَلِفُونَ فَآرَاؤُهُمْ غير متفقة إِلَّا إِلْفَةَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ بَيْنَهُمْ إِحَنًا وَعَدَاوَاتٍ فَلَا يَتَعَاضَدُونَ. وَالْخِطَابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِأَن النبيء ﷺ لَا يَحْسَبُ ذَلِكَ. وَهَذَا تَشْجِيعٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَالِهِمْ وَالِاسْتِخْفَافِ بِجَمَاعَتِهِمْ. وَفِي الْآيَةِ تَرْبِيَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحْذَرُوا مِنَ التَّخَالُفِ وَالتَّدَابُرِ وَيَعْلَمُوا أَنْ الْأُمَّةَ لَا تَكُونُ ذَاتَ بَأْسٍ عَلَى أَعْدَائِهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَّفِقَةَ الضَّمَائِرِ يَرَوْنَ رَأْيًا مُتَمَاثِلًا فِي أُصُولِ مَصَالِحِهِمَا الْمُشْتَرِكَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي خُصُوصِيَّاتِهَا الَّتِي لَا تَنْقُضُ أُصُولَ مَصَالِحِهَا، وَلَا تُفَرِّقُ جَامِعَتِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الِاتِّحَادِ تَوَافُقُ الْأَقْوَالِ وَلَا التَّوَافُقُ عَلَى الْأَغْرَاضِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّمَائِرُ خَالِصَةً مِنَ الْإِحَنِ وَالْعَدَاوَاتِ. وَالْقُلُوبُ: الْعُقُولُ وَالْأَفْكَارُ، وَإِطْلَاقُ الْقَلْبِ عَلَى الْعَقْلِ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ. وَشَتَّى: جَمْعُ شَتِيتٍ بِمَعْنَى مُفَارِقٍ بِوَزْنِ فَعْلَى مَثَلَ قَتِيلٍ وَقَتْلَى، شُبِّهَتِ الْعُقُولُ الْمُخْتَلِفَةُ مَقَاصِدُهَا بِالْجَمَاعَاتِ الْمُتَفَرِّقِينَ فِي جِهَاتٍ فِي أَنَّهَا لَا تَتَلَاقَى فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: ذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ وَمِنْ تَشَتُّتِ قُلُوبِهِمْ أَيْ ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَلَى عَدَمِ عَقْلِهِمْ إِذِ انْسَاقُوا إِلَى إِرْضَاءِ خَوَاطِرِ الْأَحْقَادِ وَالتَّشَفِّي بَيْنَ أَفْرَادِهِمْ وَأَهْمَلُوا النَّظَرَ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَاتِّبَاعِ الْمَصَالِحِ فَأَضَاعُوا مَصَالِحَ قَوْمِهِمْ.

стр. 9713

وَلِذَلِكَ أَقْحَمَ لَفْظَ الْقَوْمِ فِي قَوْلِهِ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ حَتَّى صَارَتْ عُقُولُهُمْ كَالْمَعْدُومَةِ فَالْمُرَادُ: أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ الْمَعْقِلَ الصَّحِيحَ. وَأُوثِرَ هُنَا لَا يَعْقِلُونَ. وَفِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لَا يَفْقَهُونَ [الْحَشْر: ١٣] لِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَآلِ التَّشَتُّتِ فِي الرَّأْيِ وَصَرْفِ الْبَأْسِ إِلَى الْمُشَارِكِ فِي الْمَصْلَحَةِ مِنَ الْوَهْنِ وَالْفَتِّ فِي سَاعِدِ الْأُمَّةِ مَعْرِفَةٌ «مَشْهُورَةٌ» بَيْنَ الْعُقَلَاءِ. قَالَ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ يُخَاطِبُ قَوْمَهُ إِذْ أَزْمَعُوا عَلَى حَرْبِ بَعْضِهِمْ: وَأَنَّ الْحَزَامَةَ أَنْ تَصْرِفُوا ... لِحَيٍ سِوَانَا صُدُورَ الْأَسَلْ فَإِهْمَالُهُمْ سُلُوكَ ذَلِكَ جَعَلَهُمْ سَوَاءً مَعَ مَنْ لَا عُقُولَ لَهُمْ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ شِقْوَةً لَهُمْ حَصُلَتْ مِنْهَا سَعَادَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّ إِسْنَادَ الْحُكْمِ إِلَى عُنْوَانِ قَوْمٍ يُؤْذِنُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ كَالْجِبِلَّةِ الْمُقَوِّمَةِ لِلْقَوْمِيَّةِ وَقَدْ ذكرته آنِفا. [١٥] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٥] كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ، فَالتَّقْدِيرُ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا، أَيْ حَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَوْعُودِ بِنَصْرِ الْمُنَافِقِينَ كَحَالِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا. وَالْمُرَادُ: أَنَّ حَالَهُمُ الْمُرَكَّبَةَ مِنَ التَّظَاهُرِ بِالْبَأْسِ مَعَ إِضْمَارِ الْخَوْفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ التَّفَرُّقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمِنْ خِذْلَانِ الْمُنَافِقِينَ إِيَّاهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَمِنْ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ، كَحَالِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ فِي زَمَنٍ قَرِيبٍ وَهُمْ بَنُو النَّضِيرِ فَإِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ وَأَبَوُا الْجَلَاءَ، فَلَمْ يُحَارِبُوا إِلَّا فِي قَرْيَتِهِمْ إِذْ حَصَّنُوهَا وَقَبَعُوا فِيهَا حَتَّى أَعْيَاهُمُ الْحِصَارُ فَاضْطُرُّوا إِلَى الْجَلَاءِ وَلَمْ يَنْفَعْهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَلَا إِخْوَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

стр. 9714

وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. ومِنْ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدَ ارْتِبَاطِ الظَّرْفِ بِعَامِلِهِ. وَانْتَصَبَ قَرِيباً عَلَى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقًا بِالْكَوْنِ الْمُضْمَرِ فِي قَوْلِهِ: كَمَثَلِ، أَيْ كَحَالٍ كَائِنٍ قَرِيبٍ، أَوِ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ أَيِ الْقَوْمُ الْقَرِيبُ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٩] . وَالْوَبَالُ أَصْلُهُ: وَخَامَةُ الْمَرْعَى الْمُسْتَلَذِّ بِهِ لِلْمَاشِيَةِ يُقَالُ: كَلَأٌ وَبِيلٌ، إِذَا كَانَ مَرْعًى خَضِرًا «حُلْوًا» تَهَشُّ إِلَيْهِ الْإِبِلُ فَيُحْبِطُهَا وَيُمَرِضُهَا أَوْ يَقْتُلُهَا، فَشُبِّهُوا فِي إِقْدَامِهِمْ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْجَهْلِ بِعَاقِبَةِ تِلْكَ الْحَرْبِ بِإِبِلٍ تَرَامَتْ عَلَى مَرْعًى وَبِيلٍ فَهَلَكَتْ وَأُثْبِتَ الذَّوْقُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكَنِيَّةِ وَتَخْيِيلِهَا، فَكَانَ ذِكْرُ ذاقُوا مَعَ وَبالَ إِشَارَةً إِلَى هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ. وأَمْرِهِمْ شَأْنُهُمْ وَمَا دَبَّرُوهُ وَحَسَبُوا لَهُ حِسَابَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْجَلَاءِ وَتَرْكِ الدِّيَارِ وَمَا فِيهَا، أَيْ ذَاقُوا سُوءَ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَضَمِيرُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى مَا ذَاقُوهُ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا بِالْجَلَاءِ وَمَا فِيهِ مِنْ مَشَقَّةٍ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَجْسَادِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الْآخِرَةِ على الْكفْر. [١٦، ١٧] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : الْآيَات ١٦ إِلَى ١٧] كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) هَذَا مَثَلٌ آخَرُ لِمُمَثَّلٍ آخَرَ، وَلَيْسَ مَثَلًا مُنْضَمًّا إِلَى الْمَثَلِ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ بِالْوَاوِ، أَوْ بِ (أَوْ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [الْبَقَرَة: ١٩] . وَالْوَجْهُ: أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [الْحَشْر: ١٥] كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ الْآيَةَ، أَيْ مثلهم فِي تسبيبهم لِأَنْفُسِهِمْ

стр. 9715

عَذَابَ الْآخِرَةِ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ يُوَسْوِسُ لِلْإِنْسَانِ بِأَنْ يَكْفُرَ ثُمَّ يَتْرُكَهُ وَيَتَبَرَّأَ مِنْهُ فَلَا يَنْتَفِعُ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَيَقَعَانِ مَعًا فِي النَّارِ. فَجُمْلَةُ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [الْحَشْر: ١٥] أَيْ فِي الْآخِرَةِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الشَّيْطانِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ تَعْرِيفُ «الْإِنْسَانِ» . وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ. وَلَمْ تُرَدْ فِي الْآخِرَةِ حَادِثَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ لِإِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ فِي الدُّنْيَا، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، وَهَلْ يَتَكَلَّمُ الشَّيْطَانُ مَعَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ ظَاهِرَةَ قَوْلِهِ: قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ أَنَّهُ يَقُولُهُ لِلْإِنْسَانِ، وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يَقُولَهُ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ. فَالْحَقُّ: أَنَّ قَوْلَ الشَّيْطَانِ هَذَا هُوَ مَا فِي آيَةِ وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ [٢٢] . وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قِصَّةَ رَاهِبٍ بِحِكَايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ جُعِلَتْ كَأَنَّهَا الْمُرَادُ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَالْقُرْطُبِيُّ وَضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَسَانِيدَهَا فَلَئِنْ كَانُوا ذَكَرُوا الْقِصَّةَ فَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهَا تَصْلُحُ مِثَالًا لِمَا يَقَعُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِلْإِنْسَانِ كَمَا مَالَ إِلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ. فَالْمَعْنَى: إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا: اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ وَوَافَى الْقِيَامَةَ عَلَى الْكُفْرِ قَالَ الشَّيْطَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، أَيْ قَالَ كُلُّ شَيْطَانٍ لِقَرِينِهِ مِنَ الْإِنْسِ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ طَمَعًا فِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْجِيهِ مِنَ الْعَذَابِ. فَفِي الْآيَةِ إِيجَازُ حَذْفٍ حُذِفَ فِيهَا مَعْطُوفَاتٌ مُقَدَّرَةٌ بَعْدَ شَرْطِ (لَمَّا) هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الشَّرْطِ إِذِ التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا كَفَرَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الْكُفْرِ وَجَاءَ يَوْمَ الْحَشْرِ وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ أَضَلَّهُ قَالَ الشَّيْطَانُ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِلَخْ. وَهَذِهِ الْمُقَدَّرَاتُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ آيَاتٍ أُخْرَى مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ وَآيَةِ سُورَةِ ق [٢٧] . قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ

стр. 9716

الْآيَةَ. وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذِهِ الْمُحَاجَّةَ لَا تَقَعُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجَزَاءِ وَبَعْدَ مَوْتِ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ دُونَ مَنْ أَسْلَمُوا. وَقَوْلُ: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها مِنْ تَمَامِ الْمَثَلِ. أَيْ كَانَ عَاقِبَة الممثل بِهِمَا خُسْرَانَهُمَا مَعًا. وَكَذَلِكَ تَكُونُ عَاقِبَةُ الْفَرِيقَيْنِ الْمُمَثَّلَيْنِ أَنَّهُمَا خَائِبَانِ فِيمَا دَبَّرَا وَكَادَا لِلْمُسْلِمِينَ. وَجُمْلَةُ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ تَذْيِيلٌ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ مِنْ مَعْنَى، فَكَانَتْ عَاقِبَتُهُمَا سُوأَى وَالْعَاقِبَةُ السُّوأَى جَزَاءُ جَمِيعِ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ عَلَى اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَكَمَا كَانَتْ عَاقِبَةُ الْكَافِرِ وَشَيْطَانِهِ عَاقِبَةَ سوء كَذَلِك تكون عَاقِبَةِ الْمُمَثِّلَيْنِ بِهِمَا وَقَدِ اشْتَرَكَا فِي ظُلْمِ أَهْلِ الْخَيْر وَالْهدى. [١٨] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٨] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) انْتِقَالٌ مِنْ الِامْتِنَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا يَسَّرَ اللَّهُ مِنْ فَتْحِ قَرْيَةِ بَنِي النَّضِيرِ بِدُونِ قِتَالٍ، وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ على رَسُوله ﷺ مِنْهُمْ، وَوَصْفُ مَا جَرَى مِنْ خَيْبَتِهِمْ وَخَيْبَةِ أَمَلِهِمْ فِي نُصْرَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَمِنَ الْإِيذَانِ بِأَنَّ عَاقِبَةَ أَهْلِ الْقُرَى الْبَاقِيَةِ كَعَاقِبَةِ أَسْلَافِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَوْقِفُ أَنْصَارِهِمْ مَعَهُمْ، إِلَى الْأَمْرِ بِتَقْوَى اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا مَنَحَ وَمَا وَعَدَ مِنْ صَادِقِ الْوَعْدِ فَإِنَّ الشُّكْرَ جَزَاءُ الْعَبْدِ عَنْ نِعْمَةِ رَبِّهِ إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ جَزَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى خِطَابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَمِرِ بِتَقْوَى اللَّهِ. وَلَمَّا كَانَ مَا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنْ تَأْيِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَفَيْضِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ كَانَ مِنْ مَنَافِعَ الدُّنْيَا، أَعْقَبَهُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالْإِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ أَيْ لِتَتَأَمَّلْ كُلُّ نَفْسٍ فِيمَا قَدَّمَتْهُ لِلْآخِرَةِ. وَجُمْلَةُ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، عَطْفُ أَمْرٍ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ. وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ اتَّقُوا اللَّهَ وَجُمْلَةِ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. وَذِكْرُ

стр. 9717

نَفْسٌ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ: وَانْظُرُوا مَا قَدَّمْتُمْ، فَعَدَلَ عَنِ الْإِظْهَارِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ أَيْ لِتَنْظُرُوا وَتَنْظُرْ كُلُّ نَفْسٍ. وَتَنْكِيرُ نَفْسٌ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ، أَيْ لِتَنْظُرْ كُلُّ نَفْسٍ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالدُّعَاءَ وَنَحْوَهُمَا كَالشَّرْطِ تَكُونُ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِهَا مِثْلَ مَا هِيَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ [التَّوْبَة: ٦] وَكَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ: يَا أَهْلَ ذَا الْمَغْنَى وُقِيتُمْ ضُرًّا (أَيْ كُلَّ ضُرٍّ) . وَإِنَّمَا لَمْ يُعَرِّفْ بلام التَّعْرِيف تنصيصا عَلَى الْعُمُومِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ نَفْسٌ مَعْهُودَةٌ. وَأَطْلَقَ «غَدٍ» عَلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مَجَازًا لِتَقْرِيبِ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْبَعِيدِ لِمُلَازَمَةِ اقْتِرَابِ الزَّمَنِ لِمَفْهُومِ الْغَدِ، لِأَنَّ الْغَدَ هُوَ الْيَوْمَ الْمُوَالِي لِلْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ الْمُتَكَلِّمِ فَهُوَ أَقْرَبُ أَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا قَالَ قُرَادُ بْنُ أَجْدَعَ: فَإِنْ يَكُ صَدْرُ هَذَا الْيَوْمَ وَلَّى ... فَإِنَّ غَدًا لِنَاظِرِهِ قَرِيبُ وَهَذَا الْمَجَازُ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي لَفْظِ (غَدٍ) وَأَخَوَاتِهِ قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ يُرِيدُ بِالْيَوْمِ الزَّمَنَ الْحَاضِرَ، وَبِالْأَمْسِ الزَّمَنَ الْمَاضِي، وَبِالْغَدِ الزَّمَنَ الْمُسْتَقْبَلَ. وَتَنْكِيرُ «غَدٍ» لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّهْوِيلِ، أَيْ لِغَدٍ لَا يُعْرَفُ كُنْهُهُ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِغَدٍ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ مَا قَدَّمَتْهُ لِأَجْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَيْ لِأَجْلِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. وَالتَّقْدِيمُ: مُسْتَعَارٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي يُعْمَلُ لِتَحْصِيلِ فَائِدَتِهِ فِي زَمَنٍ آتٍ شَبَّهَ قَصْدَ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِتَقْدِيمِ مَنْ يَحِلُّ فِي الْمَنْزِلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّائِرِينَ إِلَيْهِ مِنْ جَيْشٍ أَوْ سَفَرٍ لِيُهَيِّءَ لَهُمْ مَا يُصْلِحُ أَمْرَهُمْ، وَمِنْهُ مُقَدِّمَةُ الْجَيْشِ وَتَقْدِيمُ الرَّائِدِ قَبْلَ الْقَافِلَةِ. قَالَ تَعَالَى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١١٠] وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ: أَخَّرَ، إِذَا تَرَكَ عَمَلَ شَيْءٍ قَالَ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الإنفطار: ٥] .

стр. 9718

وَإِعَادَةُ وَاتَّقُوا اللَّهَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فَيَحْصُلُ الرَّبْطُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ وَالْمُعَلَّلِ إِذْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فَصْلُ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ. وَإِنَّمَا أُعِيدَ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ فَإِنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ يُؤْتَى بِهِ تَارَةً مَعْطُوفًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [الْقِيَامَة: ٣٤، ٣٥] وَقَوْلِهِ: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر: ٣- ٤] . وَقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: «وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا» . وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْعَطْفِ إِيهَامَ أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيدُ يُجْعَلُ كَالتَّأْسِيسِ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِالْمُؤَكَّدِ. فَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ تَعْلِيلٌ لِلْحَثِّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَمَوْقِعُ إِنَّ فِيهَا مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اتَّقُوا اللَّهَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا مُرَادًا بِهِ التَّقْوَى بِمَعْنَى الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَهِيَ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ أَرْدَفَ بِقَوْلِهِ: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَيَكُونُ اتَّقُوا اللَّهَ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا مُرَادًا بِهِ الدَّوَامُ عَلَى التَّقْوَى الْأُولَى، أَيْ وَدُومُوا عَلَى التَّقْوَى عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النِّسَاء: ١٣٦] وَلِذَلِكَ أَرْدَفَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أَيْ بِمِقْدَارِ اجْتِهَادِكُمْ فِي التَّقْوَى، وَأَرْدَفَ بِقَوْلِهِ: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الْحَشْر: ١٩] أَيْ أَهْمَلُوا التَّقْوَى بَعْدَ أَنْ تَقَلَّدُوهَا كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُمُ الْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُمْ تَقَلَّدُوا الْإِسْلَامَ وَأَضَاعُوهُ قَالَ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [التَّوْبَة: ٦٧] . وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ إِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِدِلَالَتِهَا أَتَمَّ اسْتِقْلَالٍ فَتَجْرِي مَجْرَى الْأَمْثَالِ وَلِتَرْبِيَةِ الْمَهَابَةِ فِي نفس المخاطبين. [١٩] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ١٩] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) بَعْدَ أَنْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِعْدَادِ الْعُدَّةِ لِلْآخِرَةِ أَعْقَبَهُ بِهَذَا النَّهْيِ تَحْذِيرًا عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الدِّينِ وَالتَّغَافُلِ عَنِ التَّقْوَى، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْفُسُوقِ. وَجِيءَ

стр. 9719

فِي النَّهْيِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ حَالَةِ قَوْمٍ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الصِّلَةُ لَيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ إِضَاعَةِ التَّقْوَى مُصَوَّرًا فِي صُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ هِيَ صُورَةُ قَوْمٍ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الصِّلَةُ وَهُمُ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ التَّقْوَى. وَهَذَا الْإِعْرَاضُ مَرَاتِبُ قَدْ تَنْتَهِي إِلَى الْكُفْرِ الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ الْيَهُودُ وَإِلَى النِّفَاقِ الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ فَرِيقٌ مِمَّنْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ فِي أَوَّلِ سِنِيِّ الْهِجْرَةِ، وَظَاهَرُ الْمَوْصُولِ أَنَّهُ لِطَائِفَةٍ مَعْهُودَةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِ «الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ» الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ وَلَمْ يَهْتَدُوا لِلتَّوْحِيدِ بِهَدْىِ الْإِسْلَامِ فَعَبَّرَ عَنِ النِّفَاقِ بِنِسْيَانِ اللَّهِ لِأَنَّهُ جَهْلٌ بِصِفَاتِ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْكَمَالِ. وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِالْفَاسِقِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ [٦٧] ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ نَاظِرَةً إِلَى تِلْكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمُ الْيَهُودُ لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا دِينَهُمْ وَلَمْ يَقْبَلُوا رِسَالَةَ عِيسَى ﵇ وَكَفرُوا بِحَمْد ﷺ . فَالْمَعْنَى: نَسُوا دِينَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ [الْبَقَرَة: ٤٠، ٤١] . وَقَدْ أَطْلَقَ نِسْيَانَهُمْ عَلَى التَّرْكِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ عَمْدٍ أَيْ فَنَسُوا دَلَائِلَ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَدَلَائِلَ صِفَاتِهِ وَدَلَائِلَ صدق رَسُوله ﷺ وَفَهْمِ كِتَابِهِ فَالْكَلَامُ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ أَوْ مُضَافَيْنِ. وَمَعْنَى «أَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ» أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ فِي مَدَارِكِهِمُ التَّفَطُّنَ لِفَهْمِ الْهَدْيِ الْإِسْلَامِيِّ فَيَعْمَلُوا بِمَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَلِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ فِي الدُّنْيَا، إِذْ خَذَلَهُمْ بِذَبْذَبَةِ آرَائِهِمْ فَأَصْبَحَ الْيَهُودُ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَصْبَحَ الْمُنَافِقُونَ مَلْمُوزِينَ بَيْنَ الْيَهُودِ بِالْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاحْتِقَارِ وَاللَّعْنِ. وَأَشْعَرَ فَاءُ التَّسَبُّبِ بِأَنَّ إِنْسَاءَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَنْفُسَهُمْ مُسَبَّبٌ عَلَى نِسْيَانِهِمْ دِينَ اللَّهِ، أَيْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ الْهُدَى بِكَسْبِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ عَاقَبَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ خَلَقَ فِيهِمْ نِسْيَانَ أَنْفُسِهِمْ.

стр. 9720

وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ دُونَ أَنْ يُقَالَ: نَسُوهُ لِاسْتِفْظَاعِ هَذَا النِّسْيَانِ فَعَلَّقَ باسم الله الَّذِي خَلَقَهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ. وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ ضَمِيرِ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِهِمْ بِشِدَّةِ الْفِسْقِ حَتَّى كَأَنَّ فِسْقَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ بِفِسْقٍ فِي جَانِبِ فِسْقِهِمْ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِلتَّشْهِيرِ بِهِمْ بِهَذَا الْوَصْفِ. وَالْفِسْقُ: الْخُرُوجُ مِنَ الْمَكَانِ الْمَوْضُوعِ لِلشَّيْءِ فَهُوَ صِفَةُ ذَمٍّ غَالِبًا لِأَنَّهُ مُفَارَقَةٌ لِلْمَكَانِ اللَّائِقِ بِالشَّيْءِ، وَمِنْهُ قِيلَ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا، فَالْفَاسِقُونَ هُمُ الْآتُونَ بفواحش السَّيِّئَات ومساوئ الْأَعْمَالِ وَأَعْظَمُهَا الْإِشْرَاكُ. وَجُمْلَةُ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِبَيَانِ الْإِبْهَامِ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ: فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ كَأَنَّ السَّامِعَ سَأَلَ: مَاذَا كَانَ إِثْرَ إِنْسَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَنْفُسَهُمْ؟ فَأُجِيبُ بِأَنَّهُمْ بَلَغُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ مُنْتَهَى الْفِسْقِ فِي الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ حَتَّى حَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَا فِسْقَ بعد فسقهم. [٢٠] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٢٠] لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الْحَشْر: ١٨] إِلَخْ. لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِخُلَاصَةِ عَاقِبَةِ الْحَالَيْنِ: حَالِ التَّقْوَى وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ، وَحَالِ نِسْيَانِ ذَلِكَ وَإِهْمَالِهِ، وَلِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَاقِبَةُ عَمَلِهِ. وَيَشْمَلُ الْفَرِيقَيْنِ وَأَمْثَالَهُمْ. وَالْجُمْلَةُ أَيْضًا فَذْلَكَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مِنْ حَالِ الْمُتَّقِينَ وَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وَنُسُّوا أَنْفُسَهُمْ لِأَنَّ ذِكْرَ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُ يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِلتَّعْرِيضِ بِذَلِكَ الْمُتَحَدَّثِ عَنهُ كَقَوْلِك عِنْد مَا تَرَى أَحَدًا يُؤْذِي النَّاسَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» ، فَمَعْنَى الْآيَةِ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ، وَكَوْنِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ فَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ وَعْدًا لِلْمُتُّقِينَ وَوَعِيدًا لِلْفَاسِقِينَ.

стр. 9721

وَالْمُرَادُ مِنْ نَفْيِ الِاسْتِوَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الْكِنَايَةُ عَنِ الْبَوْنِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وَتَعْيِينُ الْمُفَضَّلِ مِنَ الشَّيْئَيْنِ مَوْكُولٌ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ كَمَا فِي قَوْلِ السَّمَوْأَلِ: فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ وَقَوْلُ أَبِي حِزَامٍ غَالِبِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِي: وَأَعْلَمُ أَنَّ تَسْلِيمًا وتركا ... لَا مُتَشَابِهَانِ وَلَا سَوَاءُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسُوا سَواءً بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [آل عمرَان: ١١٠] الْآيَة. وَقبل قَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [آل عمرَان: ١١٣] . وَقَدْ يُرْدِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جِهَةِ التَّفْضِيلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا [الْحَدِيد: ١٠] . وَقَوْلُهُ هُنَا أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْآيَةُ [٩٥] فِي سُورَةِ النِّسَاءِ. وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ إِلَى تَعْمِيمِ نَحْوِ لَا يَسْتَوُونَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ [السَّجْدَة: ١٨] فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَلِي وِلَايَةَ النِّكَاحِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيَّةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَرْضِيٍّ، وَقَدْ أَبَاهُ الْحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمْ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيِّ فِي غَيْرِ «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» . وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ ضَمِيرِ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِأَنَّ فَوْزَهُمْ أَبَدِيٌّ فَاعْتَبَرَ فَوْزَ غَيْرِهِمْ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا كَالْعدمِ. [٢١] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٢١] لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) لَمَّا حَذَّرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَهْوَاةِ نِسْيَانِ اللَّهِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْفَاسِقُونَ، وتوعد الدَّين نَسُوا اللَّهَ بِالنَّارِ، وَبَيَّنَ حَالَهُمْ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ سَوَّلَ لَهُمُ الْكُفْرَ. وَكَانَ الْقُرْآنُ

стр. 9722

دَالًّا عَلَى مَسَالِكِ الْخَيْرِ وَمُحَذِّرًا مِنْ مَسَالِكِ الشَّرِّ، وَمَا وَقَعَ الْفَاسِقُونَ فِي الْهَلَكَةِ إِلَّا مِنْ جَرَّاءِ إِهْمَالِهِمُ التَّدَبُّرَ فِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ نِسْيَانِهِمُ اللَّهَ تَعَالَى انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى التَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ وَهَدْيِهِ الْبَيِّنِ الَّذِي لَا يَصْرِفُ النَّاسَ عَنهُ إِلَّا أهواؤهم وَمُكَابَرَتُهُمْ، وَكَانَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْهُ أَصْلَ اسْتِمْرَارِ ضَلَالِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، ضَرَبَ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ تَعْجِيبًا مِنْ تَصَلُّبِهِمْ فِي الضَّلَالِ. وَفِي هَذَا الِانْتِقَالِ إِيذَانٌ بِانْتِهَاِءِ السُّورَةِ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ بَعْدَ طُولِ الْكَلَامِ فِي غَرَضِ فَتْحِ قُرَى الْيَهُودِ وَمَا يَنَالُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ جَرَّائِهِ مِنْ خُسْرَانٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وهذَا الْقُرْآنَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي نَزَلَ مِنْهُ، وَهُوَ مَا عَرِفُوهُ وَتَلَوْهُ وَسَمِعُوا تِلَاوَتَهُ. وَفَائِدَةُ الْإِتْيَانِ بِاسْمِ إِشَارَةِ الْقَرِيبِ التَّعْرِيضُ لَهُمْ بِأَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْهُمْ. وَأَنَّهُ فِي مُتَنَاوُلِهِمْ وَلَا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ فِي تَدَبُّرِهِ وَلَكِنَّهُمْ قَصَدُوا الْإِعْرَاضَ عَنْهُ. وَهَذَا مَثَلٌ سَاقَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ إِلَخْ. وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا مَثَلًا لِقَسْوَةِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وَانْتِفَاءِ تَأَثُّرِهِمْ بِقَوَارِعِ الْقُرْآنِ. وَالْمُرَادُ بِالْجَبَلِ: حَقِيقَتُهُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فَرْضٌ وَتَقْدِيرٌ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى لَوْ أَنْ تَجِيءَ فِي الشُّرُوطِ الْمَفْرُوضَةِ. فَالْجَبَلُ: مِثَالٌ لِأَشَدِّ الْأَشْيَاءِ صَلَابَةً وَقِلَّةَ تَأَثُّرٍ بِمَا يَقْرَعُهُ. وَإِنْزَالُ الْقُرْآنِ مُسْتَعَارٌ لِلْخِطَابِ بِهِ. عَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِنْزَالِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ تَشْبِيهًا لِشَرَفِ الشَّيْءِ بِعُلُوِّ الْمَكَانِ، وَلِإِبْلَاغِهِ لِلْغَيْرِ بِإِنْزَالِ الشَّيْءِ مِنْ عُلُوٍّ. وَالْمَعْنَى: لَوْ كَانَ الْمُخَاطَبُ بِالْقُرْآنِ جَبَلًا، وَكَانَ الْجَبَلُ يَفْهَمُ الْخِطَابَ لَتَأَثَّرَ بِخِطَابِ الْقُرْآنِ تَأَثُّرًا نَاشِئًا مِنْ خَشْيَةٍ لِلَّهِ خَشْيَةٍ تُؤَثِّرُهَا فِيهِ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ. وَالْمَعْنَى: لَوْ كَانَ الْجَبَلُ فِي مَوْضِعِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وَأَعْرَضُوا عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِهِ لَاتَّعَظَ الْجَبَلُ وَتَصَدَّعَ صَخْرُهُ وَتُرْبُهُ مِنْ شِدَّةِ تَأَثُّرِهِ بِخَشْيَةِ اللَّهِ. وَضَرَبَ التَّصَدُّعَ مَثَلًا لِشِدَّةِ الِانْفِعَالِ وَالتَّأَثُّرِ لِأَنَّ مُنْتَهَى تَأَثُّرِ الْأَجْسَامِ الصُّلْبَةِ أَنْ تَنْشَقَّ وَتَتَصَدَّعَ إِذْ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لَهَا بِسُهُولَةٍ.

стр. 9723

وَالْخُشُوعُ: التَّطَأْطُؤُ وَالرُّكُوعُ، أَيْ لَرَأَيْتَهُ يَنْزِلُ أَعْلَاهُ إِلَى الْأَرْضِ. وَالتَّصَدُّعُ: التَّشَقُّقُ، أَيْ لَتَزَلْزَلَ وَتَشَقَّقَ مِنْ خَوْفِهِ اللَّهَ تَعَالَى. وَالْخِطَابُ فِي لَرَأَيْتَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ لِوِقُوعِهَا جَوَابًا لِحَرْفِ لَوْ الِامْتِنَاعَيَّةِ. وَالْمَعْنَى: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَرَأَيْتَ الْجَبَلَ فِي حَالَةِ الْخُشُوعِ وَالتَّصَدُّعِ. وَجُمْلَةُ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ تَذْيِيلٌ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا سِيقَ مَسَاقَ الْمَثَلِ فَذُيِّلَ بِأَنَّ الْأَمْثَالَ الَّتِي يَضْرِبُهَا اللَّهُ فِي كَلَامِهِ مِثْلُ الْمَثَلِ أَرَادَ مِنْهَا أَنْ يَتَفَكَّرُوا فَإِنْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا بِهَا فَقَدْ سُجِّلَ عَلَيْهِمْ عِنَادُهُمْ وَمُكَابَرَتُهُمْ، فَالْإِشَارَةُ بِتِلْكَ إِلَى مَجْمُوعِ مَا مَرَّ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ مِنَ الْأَمْثَالِ الْكَثِيرَةِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: ضَرَبْنَا هَذَا مَثَلًا، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ. وَضَرْبُ الْمَثَلِ سَوْقُهُ، أَطْلَقَ عَلَيْهِ الضَّرْبَ بِمَعْنَى الْوَضْعِ كَمَا يُقَالُ: ضَرَبَ بَيْتًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا فِي سُورَة الْبَقَرَة [٢٦] . [٢٢] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٢٢] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) لَمَّا تَكَرَّرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وَضَمَائِرِهِ وَصِفَاتِهِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً مِنْهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ بِذِكْرِ اسْمِ الْجَلَالَةِ وَسِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً بِذِكْرِ ضَمِيرِهِ الظَّاهِرِ، أَوْ صِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ. وَكَانَ مَا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ دَلَائِلُ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَبَدِيعِ تَصَرُّفِهِ وحكمته. وَكَانَ مِمَّا حَوَتْهُ السُّورَةُ الِاعْتِبَارُ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ إِذْ أيد النبيء ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ وَنَصَرَهُمْ عَلَى بَنِي النَّضِيرِ ذَلِكَ النَّصْرَ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ، وَذَكَرَ مَا حَلَّ بِالْمُنَافِقِينَ أَنْصَارِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَقُوبِلَ ذَلِكَ بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّه وَرَسُوله ﷺ الَّذِينَ نَصَرُوا الدِّينَ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ الْجَزَاءِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهِمْ، وَخَتْمُ ذَلِكَ

стр. 9724

بِالتَّذْكِيرِ بِالْقُرْآنِ الدَّالِّ عَلَى الْخَيْرِ، وَالْمُعَرَّفِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ الْمُقْتَضِيَةِ شِدَّةَ خَشْيَتِهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طَائِفَةٍ مِنْ عَظِيمِ صِفَاتِ اللَّهِ ذَاتِ الْآثَارِ الْعَدِيدَةِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ الْمُنَاسِبَةِ لِغَرَضِ السُّورَةِ زِيَادَةً فِي تَعْرِيفِ الْمُؤْمِنِينَ بِعَظَمَتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَزِيدِ مِنْ خَشْيَتِهِ. وَبِالصِّفَاتِ الْحُسْنَى الْمُوجِبَةِ لِمَحَبَّتِهِ، وَزِيَادَةً فِي إِرْهَابِ الْمُعَانِدِينَ الْمَعْرَضِينَ مِنْ صِفَاتِ بَطْشِهِ وَجَبَرُوتِهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمِ لِلسُّورَةِ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى مَا هُوَ مُخْتَلِفُ التَّعَلُّقِ وَالْآثَارِ لِلْفَرِيقَيْنِ حَظُّ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْهَا. وَفِي غُضُونِ ذَلِكَ كُلِّهِ دَلَائِلُ عَلَى بُطْلَانِ إِشْرَاكِهِمْ بِهِ أَصْنَامَهُمْ. وَسَنَذْكُرُ مَرَاجِعَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إِلَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ فِيمَا يَأْتِي. فَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ الْوَاقِعُ فِي أَوَّلِ الْجُمْلَةِ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الْحَشْر: ١٨] ، وهُوَ مُبْتَدَأٌ وَاسْمُ الْجَلَالَةِ خَبَرٌ عَنْهُ والَّذِي صِفَةٌ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ. وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الِاقْتِصَارَ عَلَى الضَّمِيرِ دُونَ ذِكْرِ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ عَنِ الضَّمِيرِ بِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَبِمَا بَعْدَ ذَلِكَ من الصِّفَات الْعلية، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرِ وَمَا يُسَاوِي مُعَادَةَ اعْتِبَارٍ بِأَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ يَجْمَعُ صِفَاتَ الْكَمَالِ لِأَنَّ أَصْلُهُ الْإِلَهَ وَمَدْلُولُ الْإِلَه يَقْتَضِي جَمِيع صِفَاتِ الْكَمَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَيَكُونُ الْكَلَامُ اسْتِئْنَافًا قُصِدَ مِنْهُ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِيَتَبَصَّرُوا فِيهَا وَلِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِشْرَاكِهِمْ بِصَاحِبِ هَذِهِ الصِّفَاتِ مَعَهُ أَصْنَافًا لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلِذَلِكَ خُتِمَتْ طَائِفَةٌ مِنْهَا بِجُمْلَةِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الْحَشْر: ٢٣] ، لتَكون ختاما لِهَذِهِ السُّورَةِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ مِنَّةً عَظِيمَةً، وَهِيَ مِنَّةُ الْفَتْحِ الْوَاقِعِ وَالْفَتْحِ الْمُيَسَّرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا جَرَمَ أَنَّهُ حَقِيقٌ بِأَنْ يَعْرِفُوا جَلَائِلَ صِفَاتِهِ الَّتِي لِتَعَلُّقَاتِهَا آثَارٌ فِي الْأَحْوَالِ الْحَاصِلَةِ وَالَّتِي سَتَحْصُلُ مِنْ هَذِهِ الْفُتُوحِ وَلِيَعْلَمَ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ مَا تَعَاقَبَتْ هَزَائِمُهُمْ إِلَّا مِنْ جَرَّاءَ كُفْرِهِمْ. وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَظِيمًا نَاسَبَ أَنْ تُفْتَتَحَ الْجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ، فَيَكُونُ اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأً والَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ خَبَرًا وَالْجُمْلَةُ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.

стр. 9725

وَابْتُدِئَ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الْعَلِيَّةِ بِصِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَهِيَ مَدْلُولُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَهِيَ الْأَصْلُ فِيمَا يَتْبَعُهَا مِنَ الصِّفَاتِ. وَلِذَلِكَ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُهَا عَقِبَ اسْمِ الْجَلَالَةِ كَمَا فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَثُنِّيَ بِصِفَةِ عالِمُ الْغَيْبِ لِأَنَّهَا الصّفة الَّتِي تَقْتَضِيهَا صِفَةُ الْإِلَهِيَّةِ إِذْ عِلْمُ اللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ الْوَاجِبُ وَهِيَ تَقْتَضِي جَمِيعَ الصِّفَاتِ إِذْ لَا تَتَقَوَّمُ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ إِلَّا بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَإِذْ هُوَ يَقْتَضِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةَ، وَإِنَّمَا ذكر مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ عِلْمِهِ أُمُورُ الْغَيْبِ لِأَنَّهُ الَّذِي فَارَقَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمَ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ مَعَهُ عِلْمَ الشَّهَادَةِ لِلِاحْتِرَاسِ تَوَهُّمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْحَقَائِقَ الْعَالِيَةَ الْكُلِّيَّةَ فَقَطْ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فَرِيقٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْأَقْدَمِينَ وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ. أَيْ كُلُّ غَيْبٍ وَشَهَادَةٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَهُوَ عِلْمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَيِ الْغَائِبِ عَنْ إِحْسَاسِ النَّاسِ وَالْمُشَاهَدِ لَهُم. فالمقصود فيهمَا بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ عَالِمٍ مَا ظهر للنَّاس وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ كُلِّ غَائِبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْرَاِقِ الْحَقِيقِيِّ. وَفِي ذِكْرِ الْغَيْبِ إِيمَاءٌ إِلَى ضَلَالِ الَّذِينَ قَصَرُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْمُشَاهَدَاتِ وَكَفَرُوا بِالْمُغَيَّبَاتِ مِنَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ، أَمَّا ذِكْرُ عِلْمِ الشَّهَادَةِ فَتَتْمِيمٌ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَتَوَهَّمُونَ اللَّهَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَا يُخْفُونَهُ. قَالَ تَعَالَى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: مِنَ الْخاسِرِينَ [فصلت: ٢٢، ٢٣] . وَضَمِيرُ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفِيدُ قَصْرَ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِرَحْمَةِ غَيْرِهِ لِقُصُورِهَا قَالَ تَعَالَى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الْأَعْرَاف: ١٥٦] . وَقَالَ النبيء ﷺ : «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا. فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ [٣] . وَوَجْهُ تَعْقِيبِ صِفَةِ عُمُومِ الْعِلْمِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ أَنَّ عُمُومَ الْعِلْمِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَغِيبَ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْوَالِ خَلْقِهِ وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، فَهُوَ يَرْحَمُ الْمُحْتَاجِينَ إِلَى

стр. 9726

رَحْمَتِهِ وَيُمْهِلُ الْمُعَانِدِينَ إِلَى عِقَابِ الْآخِرَةِ، فَهُوَ رَحْمَانٌ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ كَثُرَ إِتْبَاعُ اسْمِ الْجَلَالَةِ بِصِفَتَيِ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا فِي الْفَاتِحَةِ. [٢٣] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٢٣] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ. الْقَوْلُ فِي ضَمِيرِ هُوَ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى. وَهَذَا تَكْرِيرٌ لِلِاسْتِئْنَافِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَعْظِيمٍ وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ التَّكْرِيرِ، وَفِيهِ اهْتِمَامٌ بِصِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ. والْمَلِكُ: الْحَاكِمُ فِي النَّاسِ، وَلَا مَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا وَصْفُ غَيْرِهِ بِالْمَلِكِ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النَّاسِ. وَعُقِّبَ وَصْفَا الرَّحْمَةِ بِوَصْفِ الْمَلِكُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ فَضْلٌ وَأَنَّهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَمَا وَقَعَ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. والْقُدُّوسُ بِضَمِّ الْقَافِ فِي الْأَفْصَحِ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْقَافُ قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: فَعُّولٌ فِي الصِّفَةِ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَسْمَاءِ مِثْلِ تَنُّورٍ وَسَفُّودٍ وَعَبُّودٍ. وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ السّبّوح والقدوس بِالْفَتْحِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يَرِدْ فُعُّولٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ إِلَّا الْقُدُّوسُ وَالسُّبُوحُ. وَزَادُ غَيْرُهُ الذُّرُّوحُ، وَهُوَ ذُبَابٌ أَحْمَرُ مُتَقَطِّعُ الْحُمْرَةِ بِسَوَادٍ يُشْبِهُ الزُّنْبُورَ. وَيُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الْأَطِبَّاءِ ذُبَابَ الْهِنْدِ. وَمَا عَدَاهُمَا مَفْتُوحٌ مِثْلَ سَفُّودٍ وَكَلُّوبٍ. وَتَنُّورٍ وَسَمُّورٍ وَشَبُّوطٍ (صِنْفٌ مِنَ الْحُوتِ) وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ سُبُّوحٌ وَقُدُّوسٌ صَارَا اسْمَيْنِ. وَعَقَّبَ بِ الْقُدُّوسُ وَصْفِ الْمَلِكُ لِلِاحْتِرَاسِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ نَقَائِصِ الْمُلُوكِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِرْسَالِ فِي الشَّهَوَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ نَقَائِصِ النُّفُوسِ. والسَّلامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمُسَالَمَةِ وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ، أَيْ ذُو السَّلَامِ، أَيِ السَّلَامَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ تَعَالَى سَالَمَ الْخَلْقَ مِنَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ

стр. 9727

السَّلَامُ» . وَبِهَذَا ظَهَرَ تَعْقِيبُ وَصْفِ الْمَلِكُ بِوَصْفِ السَّلامُ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ عَقَّبَ بِ الْقُدُّوسُ لِلدِّلَالَةِ عَلَى نَزَاهَةِ ذَاتِهِ، عَقَّبَ بِ السَّلامُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْعَدْلِ فِي مُعَامَلَتِهِ الْخَلْقَ، وَهَذَا احْتِرَاسٌ أَيْضًا. والْمُؤْمِنُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ آمَنَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ جَعَلَ غَيْرَهُ آمِنًا. فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْأَمَانَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ، إِذْ خَلَقَ نِظَامَ الْمَخْلُوقَاتِ بَعِيدًا عَنِ الْأَخْطَارِ وَالْمَصَائِبِ، وَإِنَّمَا تعرض للمخلوقات للمصائب بِعَوَارِضَ تَتَرَكَّبُ مِنْ تَقَارُنٍ أَوْ تَضَادٍّ أَوْ تعَارض مصَالح، فَيرجع أَقْوَاهَا وَيُدْحَضُ أَدْنَاهَا، وَقَدْ تَأْتِي مِنْ جَرَّاءِ أَفْعَالِ النَّاسِ. وَذِكْرُ وَصْفِ الْمُؤْمِنُ عَقِبَ الْأَوْصَافِ الَّتِي قَبْلَهُ إِتْمَامٌ لِلِاحْتِرَاسِ مِنْ تَوَهُّمِ وَصْفِهِ تَعَالَى بِ الْمَلِكُ أَنَّهُ كَالْمُلُوكِ الْمَعْرُوفِينَ بِالنَّقَائِصِ. فَأُفِيدَ أَوَّلًا نَزَاهَةُ ذَاتِهِ بِوَصْفِ الْقُدُّوسُ، وَنَزَاهَةُ تَصَرُّفَاتِهِ الْمُغَيَّبَةِ عَنِ الْغَدْرِ وَالْكَيْدِ بِوَصْفِ الْمُؤْمِنُ، وَنَزَاهَةُ تَصَرُّفَاتِهِ الظَّاهِرَةِ عَنِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ بِوَصْفِ السَّلامُ. والْمُهَيْمِنُ: الرَّقِيبُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَالْحَافِظُ فِي لُغَةِ بَقِيَّةِ الْعَرَبِ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ أَمِنَ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَة فَصَارَ آمن وَأَنَّ وَزْنَ الْوَصْفِ مُؤَيْمِنٌ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هَاءً، وَلَعَلَّ مُوجِبَ الْقَلْبِ إِرَادَةُ نَقْلِهِ مِنَ الْوَصْفِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَى الْأَمْنِ، بِحَيْثُ صَارَ كَالِاسْمِ الْجَامِدِ. وَصَارَ مَعْنَاهُ: رَقَبَ: (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعْنًى إِلَّا من الَّذين فِي الْمُؤْمِنِ لَمَّا صَارَ اسْمًا لِلرَّقِيبِ وَالشَّاهِدِ) ، وَهُوَ قَلْبٌ نَادِرٌ مِثْلُ قَلْبِ هَمْزَةِ: أَرَاقَ إِلَى الْهَاءِ فَقَالُوا: هَرَاقَ، وَقَدْ وَضَعَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ بَابِ النُّونِ وَوَزْنُهُ مُفَعْلِلٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ آمَنَ مِثْلِ مُدَحْرِجٍ، فَتَصْرِيفُهُ مُؤَأْمِنٌ بِهَمْزَتَيْنِ بَعْدَ الْمِيمِ الْأُولَى الْمَزِيدَةِ، فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى هَاءً كَمَا أُبْدِلَتْ هَمْزَةُ أرَاقَ فَقَالُوا: هَرَاقَ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ هَيْمَنَ بِمَعْنَى: رَقَبَ، كَذَا فِي «لِسَانِ الْعَرَبِ» وَعَلَيْهِ فَالْهَاءُ أَصْلِيَّةٌ وَوَزْنُهُ مُفَيْعِلٌ. وَذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْقَامُوسِ» فِي فَصْلِ الْهَاءِ مِنْ بَابِ النُّونِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْهُ. وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ وَفَصْلِ الْهَاءِ مِنْ بَابِ النُّونِ مُصَرِّحًا بِأَنَّ هَاءَهُ أَصْلُهَا هَمْزَةٌ. وَعَدَلَ الرَّاغِبُ وَصَاحِبُ «الأساس» عَن ذكر.

стр. 9728

وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ هَاءَهُ مُبْدَلَةً مِنَ الْهَمْزَةِ وَأَنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي مَعَانِي الْأَمْنِ. وَفِي «الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى» لِلْغَزَالِيِّ الْمُهَيْمِنُ فِي حَقِّ اللَّهِ: الْقَائِمُ عَلَى خَلْقِهِ بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وَإِنَّمَا قِيَامُهُ عَلَيْهِمْ بِاطِّلَاعِهِ وَاسْتِيلَائِهِ وَحِفْظِهِ. وَالْإِشْرَافُ، (أَيِ الَّذِي هُوَ الِاطِّلَاعُ) يَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ، وَالِاسْتِيلَاءُ يَرْجِعُ إِلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَالْحِفْظُ يَرْجِعُ إِلَى الْفِعْلِ. وَالْجَامِعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي اسْمُهُ الْمُهَيْمِنُ وَلَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى ذَلِكَ الْكَمَالِ وَالْإِطْلَاقِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ اهـ. وَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ نَظَرٌ وَلَعَلَّهُ جَرَى مِنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ مَجْرَى الِاعْتِبَارِ بِالصِّفَةِ لَا تَفْسِيرِ مَدْلُولِهَا. وَتَعْقِيبُ الْمُؤْمِنُ بِ الْمُهَيْمِنُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ تَأْمِينَهُ عَنْ ضَعْفٍ أَوْ عَنْ مَخَافَةِ غَيْرِهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ تَأْمِينَهُ لِحِكْمَتِهِ مَعَ أَنَّهُ رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِ خَلْقِهِ فَتَأْمِينُهُ إِيَّاهُمْ رَحْمَةٌ بِهِمْ. والْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ وَلَا يُذِلُّهُ أَحَدٌ، وَلِذَلِكَ فُسِّرَ بِالْغَالِبِ. والْجَبَّارُ: الْقَاهِرُ الْمُكْرِهُ غَيْرَهُ عَلَى الِانْفِعَالِ بِفِعْلِهِ، فَاللَّهُ جَبَّارُ كُلِّ مَخْلُوق على الانفعال لِمَا كَوَّنَهُ عَلَيْهِ لَا يَسْتَطِيعُ مَخْلُوقٌ اجْتِيَازَ مَا حَدَّهُ لَهُ فِي خِلْقَتِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ الطَّيَرَانَ وَلَا يَسْتَطِيعُ ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ الْمَشْيَ عَلَى رَجْلَيْنِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ هُوَ جَبَّارٌ لِلْمَوْجُودَاتِ عَلَى قَبُولِ مَا أَرَادَهُ بِهَا وَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ قُدْرَتُهُ عَلَيْهَا. وَإِذَا وُصِفَ الْإِنْسَانُ بِالْجَبَّارِ كَانَ وَصْفَ ذَمٍّ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلَى هَوَاهُ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [الْقَصَص: ١٩] . فَالْجَبَّارُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مَنْ أَجْبَرَهُ، وَأَمْثِلَةُ الْمُبَالَغَةِ تُشْتَقُّ مِنَ الْمَزِيدِ بِقِلَّةٍ مِثْلِ الْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: لَمْ أَسْمَعْ فَعَّالًا فِي أَفْعَلَ إِلَّا جَبَّارًا وَدَرَّاكًا. وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: الْمُجْبِرُ وَالْمُدْرِكُ، وَقِيلَ: الْجَبَّارُ مَعْنَاهُ الْمُصْلِحُ مِنْ جَبَرَ الْكَسْرَ، إِذْا أَصْلَحَهُ، فَاشْتِقَاقُهُ لَا نُذْرَةُ فِيهِ. والْمُتَكَبِّرُ: الشَّدِيدُ الْكِبْرِيَاءِ، أَيِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالَةِ. وَأَصْلُ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ

стр. 9729

أَنْ تَدُلَّ عَلَى التَّكَلُّفِ لَكِنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ هُنَا فِي لَازِمِ التَّكَلُّفِ وَهُوَ الْقُوَّةُ لِأَنَّ الْفِعْلَ الصَّادِرَ عَنْ تَأَنُّقٍ وَتَكَلُّفٍ يَكُونُ أَتْقَنَ. وَيُقَالُ: فُلَانُ يَتَظَلَّمُ عَلَى النَّاسِ، أَيْ يُكْثِرُ ظُلْمَهُمْ. وَوَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ عَقِبَ صِفَةِ الْمُهَيْمِنُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ آنِفًا مِنَ الصِّفَاتِ لَا يُؤْذِنُ إِلَّا بِاطْمِئْنَانِ الْعِبَادِ لِعِنَايَةِ رَبِّهِمْ بِهِمْ وَإِصْلَاحِ أُمُورِهِمْ وَأَنَّ صِفَةَ الْمُهَيْمِنُ تُؤْذِنُ بِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ فَعُقِّبَتْ بِصِفَةِ الْعَزِيزُ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ غَالِبٌ لَا يُعْجِزْهُ شَيْءٌ. وَاتُّبِعَتْ بِصِفَةِ الْجَبَّارُ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ مُسَخِّرُ الْمَخْلُوقَاتِ لِإِرَادَتِهِ ثُمَّ صِفَةِ الْمُتَكَبِّرُ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ ذُو الْكِبْرِيَاءِ يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ دُونَ كِبْرِيَائِهِ فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي جَانِبِ التَّخْوِيفِ كَمَا كَانَت الصِّفَات قَبْلَهَا فِي جَانِبِ الْإِطْمَاعِ. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. ذُيِّلَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ بِتَنْزِيِهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكَاءُ بِأَنْ أَشْرَكَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ. فَضَمِيرُ يُشْرِكُونَ عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ الْمَقَامِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يَزَلِ الْقُرْآنُ يُقَرِّعُهُمْ بِالْمَوَاعِظِ. [٢٤] [سُورَة الْحَشْر (٥٩) : آيَة ٢٤] هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ. الْقَوْلُ فِي ضَمِيرِ هُوَ الْمُفْتَتَحِ بِهِ وَفِي تَكْرِيرِ الْجُمْلَةِ كَالْقَوْلِ فِي الَّتِي سَبَقَتْهَا. فَإِنْ كَانَ ضَمِيرُ الْغَيْبَةِ ضَمِيرَ شَأْنٍ فَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وَجُمْلَةُ اللَّهُ الْخالِقُ تُفِيدُ قَصْرًا بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ هُوَ الْخَالِقُ لَا شُرَكَاؤُهُمْ. وَهَذَا إِبْطَالٌ لِإِلَهِيَّةِ مَا لَا يَخْلُقُ. قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النَّحْل: ٢٠] ، وَقَالَ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: ١٧] ، وَإِنْ كَانَ عَائِدًا عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ فَاسْمُ الْجَلَالَةِ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ والْخالِقُ صِفَةٌ.

стр. 9730

والْخالِقُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَأَصْلُ الْخَلْقِ فِي اللُّغَةِ إِيجَادُ شَيْءٍ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عِيسَى ﵇ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ الْآيَةُ [٤٩] فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَيُطْلَقُ الْخَلْقُ عَلَى مَعْنًى أَخَصَّ مِنْ إِيجَادِ الصُّوَرِ وَهُوَ إِيجَادُ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ق: ٣٨] . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْغَالِبُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْخالِقُ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «الْمُقَدِّرُ لِمَا يُوجِدُهُ» . وَنَقَلَ عَنْهُ فِي بَيَانِ مُرَادِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: «لِمَّا كَانَتْ إِحْدَاثَاتُ اللَّهِ مَقْدِرَةً بِمَقَادِيرِ الْحِكْمَةِ عَبَّرَ عَنْ إِحْدَاثِهِ بِالْخَلْقِ» اهـ. يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْخَالِقَ فِي صِفَةِ اللَّهِ بِمَعْنَى الْمُحَدِثِ الْأَشْيَاءَ عَنْ عَدَمٍ، وَبِهَذَا يَكُونُ الْخَلْقُ أَعَمَّ مِنَ التَّصْوِيرِ. وَيَكُونُ ذِكْرُ الْبارِئُ والْمُصَوِّرُ بَعْدَ الْخالِقُ تَنْبِيهًا عَلَى أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ فِي الْخَلْقِ. قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [الْأَعْرَاف: ١١] عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْخَلْقُ التَّقْدِيرُ الْمُسْتَقِيمُ وَاسْتُعْمِلَ فِي إِيدَاعِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَلَا احْتِذَاءٍ اهـ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْن الْعَرَبِيِّ فِي «عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ» عَلَى «سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ» : الْخالِقُ: الْمُخْرِجُ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ الْمُقَدَّرِ لَهَا عَلَى صِفَاتِهَا (فَخَلَطَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ) ثُمَّ قَالَ: فَالْخَالِقُ عَامٌّ، وَالْبَارِئُ أَخَصُّ مِنْهُ، وَالْمُصَوِّرُ أَخَصُّ مِنَ الْأَخَصِّ وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى» : الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مُتَرَادِفَةٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ يَفْتَقِرُ إِلَى تَقْدِيرٍ أَوَّلًا، وَإِلَى الْإِيجَادِ عَلَى وَفْقِ التَّقْدِيرِ ثَانِيًا، وَإِلَى التَّصْوِيرِ بَعْدَ الْإِيجَادِ ثَالِثًا، وَاللَّهُ خَالِقٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُقَدَّرٌ وَبَارِئٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُخْتَرِعٌ مَوْجُودٌ، وَمُصَوَّرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُرَتِّبٌ صُوَرَ الْمُخْتَرَعَاتِ أَحْسَنَ تَرْتِيبٍ اه. فَجَعَلَ الْمَعَانِي مُتَلَازِمَةً وَجَعَلَ الْفَرْقَ بَيْنَهَا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا أَحْسَبُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى مَوَاقِعِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ. والْبارِئُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَأَ مَهْمُوزًا. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» الْمُمَيَّزُ لِمَا يُوجِدُهُ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ بِالْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَةِ اه. وَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَعْنَى الْخَالِق بالخصوص. و

стр. 9731

فِي الْحَدِيثِ «مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ» . وَمِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ ﵁: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، فَيَكُونُ اسْمُ الْبَرِيئَةِ غَيْرَ خَاصٍّ بِالنَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [الْبَيِّنَة: ٦، ٧] . وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْبَرِيئَةُ: الْخَلْقُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَارِضَةِ» : الْبارِئُ: خَالِقُ النَّاسَ مِنَ الْبَرَى (مَقْصُورًا) وَهُوَ التُّرَابُ خَاصًّا بِخَلْقِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ اسْمُ الْبَرِيئَةِ خَاصًّا بِالْبَشَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَعْنَى الْخَالِقِ. وَكَذَلِكَ صَاحَبُ «الْقَامُوسِ» . وَفَسَّرَهُ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ الْمُخْتَرِعُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْطَبِقٍ فَأَحْسَنُ تَفْسِيرٍ لَهُ مَا فِي «الْكَشَّافِ» . والْمُصَوِّرُ: مُكَوِّنُ الصُّوَرِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ذَوَاتِ الصُّوَرِ الْمَرْئِيَّةِ. وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ مُتَتَابِعَةً لِأَنَّ مِنْ مَجْمُوعِهَا يَحْصُلُ تَصَوُّرُ الْإِبْدَاعِ الْإِلَهِيِّ لِلْإِنْسَانِ فَابْتُدِئَ بِالْخَلْقِ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ الْأَصْلِيُّ ثُمَّ بِالْبَرَءِ الَّذِي هُوَ تَكْوِينُ جِسْمِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ بِالتَّصَوُّرِ الَّذِي هُوَ إِعْطَاءُ الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ [الانفطار: ٧، ٨] ، الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آل عمرَان: ٦] . وَوَجْهُ ذِكْرِهَا عَقِبَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ أُرِيدَ مِنْهَا الْإِشَارَةُ إِلَى تَصَرُّفِهِ فِي الْبَشَرِ بِالْإِيجَادِ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ الْبَدِيعَةِ لِيُثِيرَ دَاعِيَةَ شُكْرِهِمْ عَلَى ذَلِك. وَلذَلِك عقب بِجُمْلَةِ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وَاعْلَمْ أَنَّ وَجْهَ إِرْجَاعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحُسْنَى إِلَى مَا يُنَاسِبُهَا مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَلَكِنَّهَا ذُكِرَتْ فِي الْآيَةِ بِحَسَبِ تَنَاسُبِ مَوَاقِعِ بَعْضِهَا عَقِبَ بَعْضٍ مِنْ تَنْظِيرٍ أَوِ احْتِرَاسٍ أَوْ تَتْمِيمٍ كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفًا. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَتَعَلَّقُ بِمَا يُنَاسِبُ أَحْوَالَ الْمُشْرِكِينَ وَأَحْلَافِهِمُ الْيَهُودِ الْمُتَأَلِّبِينَ على النبيء ﷺ وعَلى الْمُسْلِمِينَ بِالْحَرْبِ وَالْكَيْدِ وَالْأَذَى، وَأَنْصَارِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمُخَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 9732

وَإِلَى هَذَا الْقِسْمِ تَنْضَوِي صِفَةُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [الْحَشْر: ٢٣] وَهَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي التَّهَيُّؤِ لِلتَّدَبُّرِ وَالنَّظَرِ فِي بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ أَصْلُ الضَّلَالَاتِ، وَالْمُشْرِكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَ الْيَهُودَ، وَالْمُنَافِقُونَ بَيْنَ يَهُودٍ وَمُشْرِكِينَ تَسَتَّرُوا بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، فَالشِّرْكُ هُوَ الَّذِي صَدَّ النَّاسَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَسَالِكِ الْهُدَى، قَالَ تَعَالَى: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١] . وَصِفَةُ عالِمُ الْغَيْبِ [الْحَشْر: ٢٢] فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الشِّرْكِ إِنْكَارَ الْغَيْبِ الَّذِي مِنْ آثَارِهِ إِنْكَارُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَعَلَى الِاسْتِرْسَالِ فِي الْغَيِّ وَأَعْمَالِ السَّيِّئَاتِ وَإِنْكَارِ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ. وَهَذَا نَاظِرٌ إِلَى قَوْله تَعَالَى: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الْأَنْفَال: ١٣] الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ ذِكْرُ صِفَاتِ «الْمَلِكِ، وَالْعَزِيزِ، وَالْجَبَّارِ، وَالْمُتَكَبِّرِ» ، لِأَنَّهَا تُنَاسِبُ مَا أَنْزَلَهُ بِبَنِي النَّضِيرِ مِنَ الرُّعْبِ وَالْخِزْيِ وَالْبَطْشَةِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِمَا اجْتَنَاهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ ثَمَرَةِ النَّصْرِ فِي قِصَّةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَتِلْكَ صِفَاتُ: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ [الْحَشْر: ٢٣] لِقَوْلِهِ: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [الْحَشْر: ٦] ، أَيْ لَمْ يَتَجَشَّمِ الْمُسْلِمُونَ لِلْغِنَى مَشَقَّةً وَلَا أَذَى وَلَا قِتَالًا. وَكَذَلِكَ صفتا الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [الْحَشْر: ٢٢] لِمُنَاسَبَتِهِمَا لِإِعْطَاءِ حَظٍّ فِي الْفَيْءِ لِلضُّعَفَاءِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْفَرِيقَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَيَأْخُذُ كُلُّ فَرِيقٍ حَظَّهُ مِنْهَا، وَهِيَ صِفَاتُ: «الْقُدُّوسِ، الْمُهَيْمِن، الْخَالِق، البارئ، الْمُصَوِّرِ» . لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. تَذْيِيلٌ لِمَا عُدِّدَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ لَهُ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الَّتِي بَعْضُهَا الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ آنِفًا. وَالْمُرَادُ بِالْأَسْمَاءِ الصِّفَاتِ، عَبَّرَ عَنْهَا بِالْأَسْمَاءِ لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ خَلْقِهِ وَلِكَوْنِهَا بَالِغَةً مُنْتَهَى حَقَائِقِهَا بِالنِّسْبَةِ لِوَصْفِهِ تَعَالَى بِهَا فَصَارَتْ كَالْأَعْلَامِ عَلَى ذَاتِهِ تَعَالَى.

стр. 9733

وَالْمَقْصُودُ: أَنْ لَهُ مَدْلُولَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [الْبَقَرَة: ٣١] ، أَيْ عَرَضَ الْمُسَمَّيَاتِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٨٠] . يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. جُمْلَةُ يُسَبِّحُ لَهُ إِلَخْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يَعْنِي أَنَّ اتِّصَافَهُ بِالصِّفَاتِ الْحُسْنَى يَضْطَرُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْعُقَلَاءِ عَلَى تَعْظِيمِهِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّنْزِيهِ عَنِ النَّقَائِصِ فَكُلُّ صِنْفٍ يَبْعَثُهُ عِلْمُهُ بِبَعْضِ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَلَى أَنْ يُنَزِّهَهُ وَيُسَبِّحَهُ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ. فَالدَّهْرِيُّ أَوِ الطَّبَائِعِيُّ إِذَا نَوَّهَ بِنِظَامِ الْكَائِنَاتِ وَأُعْجِبَ بِانْتِسَاقِهَا فَإِنَّمَا يُسَبِّحُ فِي الْوَاقِعِ لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ وَإِنْ كَانَ هُوَ يَدْعُوهُ دَهْرًا أَوْ طَبِيعَةً، هَذَا إِذَا حُمِلَ التَّسْبِيحُ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ التَّنْزِيهُ بِالْقَوْلِ، فَأَمَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَعْنِيِّينِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مِنْ دلَالَة على التَّنْزِيه وَلَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ. فَالْمَعْنَى: أَنَّ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ وَالْإِمْدَادِ وَالْقَهْرِ تَدُلُّ عَلَيْهِ شَوَاهِدُ الْمَخْلُوقَاتِ وَانْتِظَامُ وُجُودِهَا. وَجُمْلَةُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ الْحَالِ وَأُوثِرَ هَاتَانِ الصِّفَتَانِ لِشِدَّةِ مُنَاسَبَتِهِمَا لِنِظَامِ الْخَلْقِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدُّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ لِأَنَّ صَدْرَ السُّورَةِ مُمَاثِلٌ لِآخِرِهَا. رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَن النبيء ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ الثَّلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخَرِ سُورَةَ الْحَشْرِ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ [الْحَشْر: ٢٢] إِلَى آخَرِ السُّورَةِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَاتَ شَهِيدًا. وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ» . فَهَذِهِ فَضِيلَةٌ لِهَذِهِ الْآيَاتِ أُخْرَوِيَّةٌ.

стр. 9734

وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي «تَارِيخِهِ» بِسَنَدِهِ إِلَى إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْحَدَّادِ قَالَ: قَرَأَتُ عَلَى خَلَفٍ (رَاوِي حَمْزَةَ) فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذِهِ الْآيَةَ لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الْحَشْر: ٢١] إِلَى آخَرِ السُّورَةِ قَالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِكَ فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى الْأَعْمَشِ. فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِكَ فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِكَ فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذِه الْآيَة قَالَا: ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِكَ فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا بَلَغْنَا هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: ضَعَا أَيْدِيَكُمَا عَلَى رُؤُوسِكُمَا، فَإِنِّي قَرَأْتُ على النبيء ﷺ فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ لِي: ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِكَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا نَزَلَ بِهَا إِلَيَّ قَالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِكَ فَإِنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامُ. وَالسَّامُ الْمَوْتُ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيثٌ أَغَرُّ مُسَلْسَلٌ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇. وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ عَن النبيء ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ [الْحَشْر: ٢١] إِلَى آخَرِ السُّورَةِ: هِيَ رُقْيَةُ الصُّدَاعِ، فَهَذِهِ مَزِيَّةٌ لِهَذِهِ الْآيَاتِ.

стр. 9735

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦٠- سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ عُرِفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ وَفِي الْمَصَاحِفِ بِ «سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ» . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ النُّطْقُ فِي كَلِمَةِ «الْمُمْتَحِنَةِ» بَكَسْرِ الْحَاءِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ. وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا جَاءَتْ فِيهَا آيَةُ امْتِحَانِ إِيمَانِ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَأْتِينَ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرَاتٍ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ آيَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ إِلَى قَوْلِهِ: بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: ١٠] . فَوَصَفَ النَّاسُ تِلْكَ الْآيَةَ بِالْمُمْتَحِنَةِ لِأَنَّهَا شَرَعَتْ الِامْتِحَانَ. وَأُضِيفَتِ السُّورَةُ إِلَى تِلْكَ الْآيَةِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: أُسْنِدَ الِامْتِحَانُ إِلَى السُّورَةِ مَجَازًا كَمَا قِيلَ لِسُورَةِ بَرَاءَةٍ الْفَاضِحَةُ. يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ. وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَيِ الْمَرْأَةُ الْمُمْتَحَنَةُ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ وَالْمَعْهُودِ أَوَّلُ امْرَأَةٍ امْتُحِنَتْ فِي إِيمَانِهَا، وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ امْرَأَة عبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ. (كَمَا سُمِّيَتْ سُورَةُ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ «سُورَةَ الْمُجَادِلَةِ» بِكَسْرِ الدَّالِ) . وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ، أَيِ النِّسَاءِ الْمُمْتَحَنَةِ. قَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» : وَتُسَمَّى «سُورَةَ الِامْتِحَانِ» ، «وَسُورَةَ الْمَوَدَّةِ» ، وَعَزَا ذَلِكَ إِلَى كِتَابِ «جَمَالِ الْقُرَّاءِ» لِعَلِيٍّ السَّخَاوِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ.
следующие страницы →