← Язык

Язык · id 97799

المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية

نصر الهوريني

Полный текст (431 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يوم السبت الخامس والعشرين من الشهر، ثم تبين نقص الشهر، بدليل أن الوقوف بعرفة كان يوم جمعة (١). قال النووى (٢) على (مسلم): "يُؤخذ من ذلك عدم التشاؤم بالسفر في آخر الشهر" اهـ (٣). مع أنهم يقولون: الخامس والعشرون من الأيام السبعة المنحوسة من كل شهر المنقوطة من قول الشاعر: مُحِبُّكَ يَرْعَى هَواكَ فَهَلْ ... تَعُودُ ليالٍ بضدِّ الأَمَلْ (٤). واستمر التأريخ بالعبارة في المحاكم الشرعية ووثائقها حتى يقولون خَطَأً: "لأحد وعشرون شهر جُمادَى". واعترض عليهم من قال: إِنّ حادى عِشْرينَ شَهْر جُمادَى ... في كلامِ الشُّهُوِد لَحْنٌ قَبيحُ أَثْبتُوا الشَّهْرَ وهو مع رمضا ... نَ والرَّبِيعَيْن غَيْر ذِى لم يُبِيُحُوا وتَعدَّوا بحذْفِ واوٍ إثبا ... تٍ لنُونٍ، وعَكْسُ هذا الصَّحيحُ (٥) وكنت رأيت في تفسير (رُوح البيان) في آية سورة التوبة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]. تلحين التُّرْك في قولهم "شهر جَمادَىَ الأول" من أَوْجُهٍ عديدة: فتح الجيم والياء، وإعْجام الذال وكسرها، وِإضافة شهر إِلى اسم الشهر. ووُصِف جُمَادَى بالأَوَّل، مع أنه على وزن "حُبَارى" (مضموم الأول)،

стр. 387

وأَلِفُه تُكتب ياء، لانقلابها عند التثنية ياءً، فيقال: الجُمادِيَّان (١). وهذه البِنْية ألفها للتأنيث، فيجب مطابقة النعت لمنعوته تأنيثًا فيقال "الأُولى"، لا "الأَوَّل". نَعَمْ، إِذا جُعِل وصفًا للشهر صَحَّ وإن مَنَغُوا من ذِكْر الشهر، كما قال الأُجْهُورِى (٢): ولا تُضِفْ شَهْرًا إلى اسْمِ شَهْر ... إلَّا لِمَا أَوَّلُهُ الرَّا فادْر واسْتَثْنِ مِن ذَا رَجَبَا فيمتنعْ ... لأَنه فيما رَوَوْهُ مَا سُمِعْ واستثناء "رَجَب" غير مُسلَّم، فقد سُمِعَ، إِلا أنه قليل جِدًا.

стр. 388

الخاتمة في الشَّكْل والنَّقْط وبيان أول واضع للأول، وأول واضع للثاني في المصحف، وبيان ما يجب نقطه وما يمتنع من الياآت [تعريف الشكل لغةً واصطلاحًا]: يُطلق الشَّكْل في اللغة على مَعَانٍ ذكرها في (القاموس) (١): منها: صُورة الشىء وهيئتُه. ومنها: ما يُماثل الشىءَ صورةً أو طَبْعًا، ومنه قول البُسْتى (٢): وما غُرْبَةُ الإِنسان في شُقَّةِ النَّوَى ... وَلَكِنَّها وَاللهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ (٣) وأما الشَّكْل في اصطلاح الخَطِّ فهو "ما يُوضع فوق الحروف أو تحتها من العلامات الدالة على الحركة المخصوصة، أو السكون، أو الهمز، أو المدّ، أو التنوين، أو الشَّدّ. وينقسم إِلى قسمين: عام وخاص، على ما يأتى بيانه (٤).

стр. 389

[سبب التسمية]: وسُميت تلك العلامات بهذا الاسم قيل: لأن هيئة الكلمة وصورتها تختلف في التلفظ باختلافها. وقيل: شَكْلُ الكتاب مأخوذٌ من شكَال الدابة التي تُقَيَّد به (١)، فكأَنَّ شكل الكلمة يُقيدهَا عن الاختلاف فيها، ويُزيل عنها الإِبْهامَ؛ فإِن الخط إِذا لم يكن مَشْكُولًا يُقال له: خط غفل كما في فقه اللغة. ولذا يقال للحرف الذي لا يُنقَط "مُبْهَمٌ" و"مغفل". وقال أبو البقاء (٢) في (الكُلّيات): "هو من: أَشْكَل الكِتابَ، أي أَعْجمه، كأنه أَزال عنه الإِشْكالَ والالتباس" اهـ (٣). ولذا كانوا يُسمُّونه إِعجامًا ونَقْطًا. قلت: ولعله المراد من قول الجلال (٤) في (المزْهر): "أول من نَقَط المصحف أبو الأسود الدُّؤلى، كما أنه أول من وضع علم العربية بالبصرة" فيكون المراد بالنَّقْط في كلامه: الإِعْجام؛ بمعنى الشَّكْل، لا النَّقْط، أَزواجًا وأَفرادًا المميّز بين الحرف المعْجَم والمهْمَل. بل أقول: يُحتمل أيضًا أنه المراد من قولهم: "حروف المعجم"، أي: الخط المعجم، بمعنى المشْكُول؛ أي الذي شَأْنُه أن يُشكل كما قد يُومئ إِلى ذلك قولُ (القاموس): "أي: ما من شأنه الإِعجام"، كما سبق أول المقدمة (٥). وكما قد يُؤخذ من حكاية العَسْكرى الآتية قريبًا (٦). [قصة اختراع النَّقْط وأول من اخترعه]: وتكون هذه التسمية حدثْت له بعد ما اخترَع له أبو الأسود (٧) النَّقْط الذي

стр. 390

وضعه، "فإِنه لما أقام بالبصرة (١) مُستوطِنًا بعدما كان واليًا بها لابن عباس في خلافة سيدنا علىّ -رضوان الله عليهم- إِلى أن تولَّى زياد بن أبِيه (٢) إِمارة العِراقَيْن أيام معاوية (٣)، وكانت العرب قد خالطت الأعاجم وتغيّرت ألسنتهم، وكان الدُّؤلى (٤) لا يُخرِج إِلى أَحدٍ شيئًا مما أخذه من علم العربية عن الإِمام ﵁ وكَرَّم الله وجهه - حتى أمره زِياد بتعليم أولاده بالبصرة، ثم بعث إِليه أنِ اعمل شيئًا يكون إِمامًا تَنتفِع به الناس، وتعْرِب كتابَ الله. فاستعفاه من ذلك إِلى أن سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣].بكسر اللام، فقال: ما ظننتُ أن أَمْر الناسِ صار إِلى هذا. فرجع إلى زِياد وقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير، فليَبْغنى الأميرُ كاتبًا لَقنًا لَبِقًا (٥) يعقل ما أقول. فأتى بكاتب من عبد القَيْس، فلَم يَرْضَه، فأتى بآخر -قال أبو العباس: أحسبه منهم- فقال أبو الأسود: إِذا رأيتَنى قد فَتحتُ فَمِى بالحرف فانقط نُقطةً على أعلاه. وإن ضَمَمْتُ فمى فانقط نقطة بين يَدَى الحرف. وإنْ كسرتُ فمى فاجعل النقطة تحت الحرف. فإِن أَتبعتُ لك شيئًا من غنَّةٍ فاجعل مكان النقطة نقطتين. ففعل ذلك. فهذا نَقْط أبى الأسود" اهـ. هكذا نقلته من (شرح) المُطَّرِزِى (٦) على المقامة الأخيرة من (مقامات) الحريرى (٧) من عند قوله: "أنه أقام بالبصرة مُستوطنًا. . . إِلخ" (٨). ورأيت مثله في ترجمته في حرف الظاء من (ابن خَلِّكَان) (٩).

стр. 391

قلت: فهذا النَّقْط الذي وضعه علامات أنواع الحركات الثلاث والتنوين. ولعلهم أخذوا من قوله: (فتحت فمى .. وكسرت .. وضممت) تسميتَها بالضمة والفتحة والكسرة في الحركات الحشْوية وحركات الآخِر البنائية. وأما الحركات الإِعرابية فلها أسماء أخرى. وقد جمع التسميتين بعضُهم في قوله: قَدْ فتحتْ بابَ الرِّضَى بَعْدَ هَجْرها ... شقيقةُ بَدْرُ التَّمِّ فانْجبرَ الكَسْرُ فأسْكَنتْ بَعْدَ الضَّمِّ ما قَدْ نَصَبتْهُ ... فقُلتُ ارْفَعِى جَزْمًا فَقَدْ طَابَ لِيَ الجرُّ (١) وأما بقية الشَّكْل غير التنوين فلا يُستفاد من ذلك أنه من وَضْعِه. ولم أَطَّلِع على ما يدل على تمام الوضع، فلعل الحجَّاجَ (٢) وأتباعَه هم الذين كمَّلوا بقية الشَّكْل، كالشَّدَّة والمدَّة والقِطعة والصِلَة عندما نَقَطُوا الأزواجَ والأَفْرادَ في المصحف. [أقسام الشكل]: والحاصل أن الشَّكْل جميعه ينقسم إِلى عامٍ وخاص. ١ - فالعام هو دَوَال الحركات الثلاث والسكون والتشديد، فيجرى ذلك في جميع الحروف حتى الهمزة، سواء كان الحرف أَوَّلًا أو حَشْوًا أو طَرْفًا، إِلا أن الأخيريْن -أعنى السُّكون والشَّدَّة- لا يكونان في الابتداء، لِمَا هو معلوم أن الابتداء بالساكن مرفوض في العربية.

стр. 392

لكنَّ تشديد الهمز نادر الاستعمال، مثل "التَّذَؤُّب" و"رِئِّيس" (كـ (قِسِّيس") و"سَاَّل" (كـ"شَحَّات") وَزْنًا ومعنى. و"رأس" بوزن "جَبَّار". ٢ - وأما الخاص فهو ما يختص بالحرف الأخير من الكلمة، وهو التنوين أو يختص بالهمزة والألف، وهو ثلاثة أشكال: أولها: القِطْعة، وهي صورة رأس عَيْن، تُوضع فوق همزة القطع التي شَبَّه الشاعر قلبه بها في قوله: قَلْبِى على قَدّك الممْشُوقِ بالهَيفِ ... طَيْرٌ على الغُصْنِ أَوْ هَمْزٌ على أَلِفِ كما في أول (الرَّيْحانة) للشهاب الخَفَاجى (١). أو تُوضع على الياء أو الواو المصوَّرتَيْن بدلًا عن الألف المهموزة، أو في موضع همزة محذوفة الصورة، مثل "جاء". والثانى: الصِّلة، وهي رأس صاد صغيرة توضع على رأس ألف الوصل، دلالة على أنها ليست ألف قَطع. والثالث: المدَّة، وهي كشيدة -أي سَحْبة في آخرها ارتفاع كالسنان المقوَّم- تُوضع على همزة ممدودة، للدلالة على أن بعد الهمزة ألفًا محذوفة خَطًّا، موجودة لفظًا، مثل "آبَ" (أي: رَجَعَ) و"آتَى" (كـ"أَعْطَى" وَزْنًا ومعنىً)، و"مَآلٌ" و"مَآبٌ". ولا تكون على الحرف الأخير، بل في الأول أو الحشْو، فلا تُوضع على الألف التي تليها همزة محذوفة مثل "ماء" و"جَاء". ولا على الألف التي تليها مَدَّة تُرسم ياءً مثل "مَلأْى" و"السُّوءَى".

стр. 393

ولا على نحو "وُضُوء". والنُّسَّاخ يَضعُونها في ذلك جميعه على حَدِّ سواء، ولا يفرقون، بخلاف المطبعة؛ فإِن فيها فَرْقًا بين ذلك وتخصيص المدَّة بالهمزة التي يليها مَدٌّ دون الألف التي يليها الهمز، فافهم الفرق. [أحوال الشَّدَّة]: ثمَّ إِن الشَّدَّة تارة تكون بدلًا عن تكرار الحرف المضعَّف الذي يُرسم عند العَرُوضيين في التقطيع بحرفيْن. وتارةً تكون لإِدغام الحرف السابق فيما بعده الذي عليه الشَّدَّة من كلمة أُخرى، مثل الحروف الأربعة عشر الواقعة بعد اللام الشمسية، أو الراء الواقعة بعد اللام الساكنة في القرآن، مثل ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: ١٤]. وقد يجتمع على الألف ثلاث شكلات: القِطعة والشَّدَّة والمدَّة؛ وذلك في نحو: "سأل" بوزن "شحَّات" وبمعناه، فيُستثقل ذلك، ويُقتصر على الشَّدَّة والمدَّة. وقد يجتمع اثنان، وذلك في نحو "رِئِّيس" (بوزن "قِسِّيس") و"التَّفَؤُّد" (بوزن "التَّعَوُّذ"). وهذا من النوادر كما سبقت الإِشارة لذلك في فصل الهمزة (١). (تنبيه): إِذا كان الحرف المشدَّد مكسورًا ذلك في وضع الخَفْضَة تحت الشَّدَّة طريقان: إِمَّا تضعها تحت الحرف، وهو أحسن، أَخْذًا من قول الدُّؤَلى المتقدم (٢). وإمَّا تضعها فوق الحرف وتحت الشدَّة.

стр. 394

* [طريقة المغاربة في وضع الحركات مع الشَّدَّة]: وهذه الطريقة الثانية للمشارقة فقط المكسور. وهي طريقة المغاربة في المفتوح والمضموم؛ يجعلون الفتحة والضمة فوق الحرف وتحت الشدة، فيكون شكل المفتوح عندهم على صورة شَكْل المكسور عندنا على الطريقة الثانية، فتنبَّهْ لهذا لئلَّا ترى مثل ذلك في كتابتهم وشَكْلهم فتظنه مكسورًا مع أنه مفتوح. كما أن شكل الشَّدَّة عند أكثرهم مُنكَّسة، وليست على صورة أسنان السين كما هى عندنا. * [الحركات المتولدة بين حركتين (الإِمالة)]: ومن المعلوم أن أشكال الحركات منحصرةٌ في ثلاث. وأما الحركات لفظًا فلا تنحصر في ذلك، فإِن لهم حركاتٍ أخرى متولدة بين حركتيْن، ويُقال لها: "بَيْنَ بَيْنَ"؛ أي: بين الفتحة والضمة، كما يُنطق بها في نحو "القول" و"الخُوخ" و"الجوخ". أو بين الفتحة والكسرة كما في "الصّيت"، مع أن الصواب كسر الصاد. وهذه الأخيرة هى التي عَقَدوا لها في النحو باب "الإِمالة". ولكن لم يضعوا لها شَكْلًا. غير أن بعض شُرَّاح (الصحيحين) قال في حديث: "إِمَّا لا فَاصْبروا" و"إِمَّا لا فَلَا تَتَبَايَعُوا" (١) أَنه بإِمالة اللام إِلى الكسرة. ولا تُكتب ياء، بل يُوضع فوق اللام شَكْلة منحرفة علامة الإِمالة. * [علامات الحركات عند غير العرب]: وأما غير العرب فلهم علامات لباقى الحركات السبع عندهم. ولهذا قال الفخر الرازى (٢) في المسئلة [٨] من الباب [٦] من القِسْم الأول من مقدمة

стр. 395

(تفسيره الكبير) ما نصه: "لَمَّا كان المرجع بالحركة والسكون في هذا الباب إِلى أصوات مخصوصة لم يجب القطعُ بانحصار الحركات في العدد المذكور. قال ابن جِنّى (١): اسم المِفْتاح بالفارسية -وهو كليد- لا يُعرف أن أوله متحرك أو ساكن. قال: وحدثنى أبو على -يعني الفارسي (٢) - قال: دخلت بلدةً فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل، فتعجبت منها، وأقمت بها أيامًا، فتكلمت بها، فلما فارقت تلك البلدة نسيتها" انتهى (٣). وبمثله يقول الفقير: وقع لي نظير ذلك لما أقمت مُدّةً في مدينة باريس، ثم رجعت بحمد الله سالمًا (٤). فإِن قيل: قد جعلوا في العربية رموزًا بحروف صغيرة وأشكال أخرى غير الحركات الثلاث ذكرها الأشمونى في (باب الوقف) (٥).

стр. 396

قلت: نَعَمْ، إِلا أنها خاصة بالحرف الموقوف عليه لتدل على تشديده أو تخفيفه، أو حركة النقل أو الإِشْمام، ومع ذلك فهي مهجورة الاستعمال. ومثلها الرموز التي كانوا يضعونها في المصاحف علامات للتجويد والوقوف، فليست مما يُستعمل في كتب العلوم العامة. [التفريق بين النقط والشكل بعد عصر الحجاج بن يوسف الثقفى]: وذكر ابن خَلِّكان (١) في ترجمة الحجَّاج (٢) ما حكاه أبو أحمد العسكري (٣) في كتاب (التصحيف) أن الناس غبروا (٤) يَقْرءُون في مصحف عثمان بن عفان ﵁ نَيِّفًا وأربعين سنة إِلىَ أيام عبد الملك بن (٥)، ثم كَثُر التصحيف، وانتشر بالعراق، ففزع الحجاج بن يوسف (٦) إِلى كُتَّابه، فسألهم أن يضعوا علاماتٍ لهذه الحروف المشْتَبَهة، فيُقال: إِن نصر بن عاصم (٧) قام بذلك، فوضع النَّقْط أَفرادًا وأَزواجًا، وخالف بين أماكنها،

стр. 397

فغبر (١) الناس بذلك لا يكتبون إِلا منقوطًا، فكان مع استعمال النَّقْط يقع التصحيف، فأَحدثوا الإِعجام، فكانوا يتبعون النقط بالإِعجام، وإذا أُغفل الاستقصاء عن الكلمة ولم تُوفَّ حقوقها اعترى التصحيف، فالتمسوا حيلةً فلم يَقْدروا فيها إِلا على الأخذ من أفواه الرجال بالتَّلْقين انتهى كلام ابن خَلِّكان (٢). فانظر في التوفيق بينه وبين ما سبق عن المُطرِّزِى في حق الدُّؤَلى مما نقله عن ابن خَلِّكان أيضًا (٣). هذا، ولما قال البيْضاوِى (٤) في قوله تعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]: "إِنه غير مُنَوَّن" (٥): قال الشّهاب عليه: "معنى قوله (غير مُنَوَّن) أي غير مكتوب بعد الراء ألف، فلا يُرد أن الشَّكْل حدث بعد العصر الأول" (٦) اهـ. ورأيت في الصفحة [٢٢] من (خطط المقريزى) أن ﴿مِصْرًا﴾ بالتنوين في خط المصاحف، إِلا ما حُكِىَ عن بعض مصاحف عثمان. ثم قال: "وكذا في مصحف أُبّىّ بن كَعْب غير مُنَوَّنة" (٧) اهـ.

стр. 398

قال ابن خَلِّكان (١) في ترجمة الخليل بن أحمد (٢) مُخْترِع فن العَرُوض أنه أول من صنَّف كتابًا في الشَّكْل (٣). فتَحصّل من هذا أن النَّقْط والإعجام يستعملان بمعنيين: أولهما: النقط المعروف الممّيز بين المعجَم والمهْمَل الذي يُسمَّى أيضًا بالمُغْفَل وبالمُبْهَم كما في (الدُّرَّة) (٤) وغيرها. وثانيهما: الشَّكْل. * [التمييز بين المنقوط وغير المنقوط من حروف الهجاء]: ثُمَّ مِن البَيِّن أن المنقوط من حروف الهجاء خمسة عشر حرفًا، والباقى غير منقوط. وليس كل منقوط يُوصف بلفظ "المعجم"، ولا كل متروك النقط يوصف "بالمهْمَل" أو "المُغْفَل"، وإنما الوصف بأحد الوصفين يكون في الحرفين المشتركين في الصورة الخطية، كـ"الحاء" و"الخاء". و"الدال" و"الذال". و"السين" و"الشين". . . إِلخ فيُوصف المنقوط بالمعجم، والمتروك بالمهمل. وهذا تمييز لفظى. وكانوا يُميِّزون المهمل تمييزًا خَطِيَّا؛ بوضْع النُّقَّط تحته التي توضع فوق شريكه المعجم لِتَحقُّقِ إِهمالِه وتعيُّنِه، سوى "الحاء"، فلا ينقطونها أصلًا، لئلا تُلتبس بالجيم في مثل "الجاسُوس"، وكقوله تعالى حكاية: ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ

стр. 399

يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧]، فإِن "التَّجسُّس" لا يكون في الخير، بل في الشر، بخلاف "التحسُّس". وإن كان المعنى قد لايختلف في نحو ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥]: و ﴿حَاسُوا﴾ كما قُرِىء بهما (١). نَعَمْ، "الباء" وأمثالها لا تُوصف بالمعجم، بل بالموحَّدة، والمثناة الفوقية والتحتية، والمثلَّثة. وكذا "الظاء" يُقال فيها المُشَالة. و"الضاد" الساقطة. [رأى للمؤلف في نقط المهمل]: يقول الفقير: ظهر لي في نقط المهمل من أسفل منفعةٌ جليلة في الكلمات التي تَرِد في اللغة وفي بعض الأحاديث بوجْهَىِ الإِعجام والإِهمال، كـ"التَّشْميت، والتَّسْمِيت" (٢) فتُنقط من فوق دليلًا على إِعجامها، ومن تحت للدلالة على الإِهمال، إِشارةً إِلى أن في الحرف وجهيْن. فاحفظ هذا ينفعْك في الكلمات التي عَقَدَ لها في (المزْهر) ترجمةً مستقلة فيما جاء بوجهين، كـ"الحَضَب، والحَصَب" (٣)، و"المصْمصَة والمضْمضة" (٤) و"هِمْيَع، وهمْيَغ" (٥) (للموت السريع)، وغير ذلك مما

стр. 400

ذكره في النوع [٣٧] منه (١). ونظير هذا ما يفعله فضلاء المتقدمين من شَكْل الحرف بشكلين مختلفين إِذا كان فيه وجهان أو أكثر، ويكتبون بين السطور (معًا). [أحوال نَقْط هاء التأنيث]: وأما النقط فتارة يجب عند خَوْف اللبس في مثل "هاء" التأنيث في نحو "مِائة"، فإِنها إذا لم تُنقط هاؤها ربما التبس في بعض التراكيب لفظها بـ"مَاء" مُضافًا للضمير. وتارة يجوز فيها الأمران إِذا لم يخف اللبس. وتارة يمتنع نقطها إِذا وقعت في سَجْع أو قافية على الهاء الساكنة، وإن كانوا لا يعدونها رَوِيًا، كما سبق ذلك مفصلًا في فصلها (٢). فهي إِذَنْ على ثلاثة أقسام. ومع كونها تُنقط وجوبًا أو جوازًا فقد عَدَّها الحريرى (٣) من المهمل في خطبة المقامة [٢٨] السَّمَرْقَنْدِيَّة (٤)، نظرًا لصورتها الخطية، تَبعًا للوقف عليها, لِمَا تقدَّم غير مرة أنَّ مَبْنى كتابة الحرف الأخير على تقدير الوقف (٥)، حتى إِنهم حسبوها في العدد بخمسة في أبيات التواريخ المعمولة بحروف

стр. 401

الجُمل. وجرى على هذا أستاذنا البَكْرِى (١) في (شرحه) لـ (الوَرْد السِّحْرِى) حيث قال: "إِن اسمه تعالى (قَوِىّ) عدده [١١٦] يوافق عدد (القَهْوة) " وكذلك الخير الرملى (٢) كتب في آخر (الفتاوى الخيرية) أنه سُئل عن الهاء المذكورة هل تُعُّد في عمل التاريخ المبنى على الجُمل "هاءً" بخمسة، أو "تاءً" بأربعمائة؟ فأجاب بمثل ما قلنا، وأطال القول فيها بجلب النصوص عن الحافظ السيوطي (٣) وعن أئمة القراآت وغيرهم، ثم قال آخرًا: "إِن هذا بحسب الاصطلاح، فلا مانع من العمل بكّلٍ" (٤). وقال في النُّقاية: "الهاء تُنقط إِلا عند الأدباء، ومنهم الحريرى" (٥) اهـ. [نقط الياء المتطرفة]: وبعكسها "الياء" المتطرفة قد عَدَّها الحريرى (٦) في المقامة [٤٧] "الحَلبيَّة" من المنقوط، مع أنها لا تُنقط (٧)، بل إِنه في المقامة [٢٦] "الرَّقْطاء" عَدَّ

стр. 402

"الياء" المصَّورة في الخط بدلًا عن الهمزة في نحو "نائِل" و"يُلائِم" و"حبائه" من المنقوط (١)، مع أنه لا يجوز نقطها وإبدالها ياءً محضة إِلا في حالتين على ما يأتى (٢). وكذا عَدَّ "الياء" المتطرفة أيضًا من المنقوط، مع أنهم عَدُّوها من الحروف التي لا تُنقط إِذا انفردت أو تطرفتْ، وهي أربعة: الفاء والقاف والنون والياء، يجمعها كلمة "يُنْفق". فالياء لا تُنقط، سواء كانت ياءً حقيقية، أو صُورة؛ بأن كانت بدلًا عن همزة (في نحو: "بَرِى" و"بارِى" و"يَسْتَهْزِى") أو بدلًا عن ألف مقصورة (في مثل: "رَمَى"، "الفتى"، و"لا يَخْشى" و"حَتَّى" و"عَلَى" و"إِلي" و"بَلَى"). وفي جميع ذلك تُعدُّ في الجُمل بعشرة، نظرًا لصورتها خَطًّا، وإن نطق بها همزة أو الفًا، سواء جاز نقطُها (كما في بعض صور المبْدَلة عن الهمز المتوسطة)، أو لم يجزْ (كما في البعض الآخر)، أو كانت ألفًا. ويدل لهذا قول شيخ مشايخنا العلامة الشَّرْقاوى (٣) في (شرحه) لـ (الوَرد) المتقدم (٤): "إِن اسمه تعالى "قَوِىّ" [١١٦] يوافق من كان اسمُه "مُوسى" أو "مُوَيْس". وإنما جاز إِهمال الحروف المذكورة من النَّقْط لأن النقط جُعِل لمنع اشتباه المتشاركين في صورة واحدة. وهذه الحروف الأربعة (٥) لا يشاركها غيرها إِذا انفردت أو تَطرَّفَتْ. [أحوال الياء بين النقط وعدمه]: وقد عُلِم من هذا ومما سبق في التنبيهات أن "الياء" عن حيث النقط وعدمه على ثلاثة أقسام كهاء التأنيث (٦):

стр. 403

ما يجب إِهمالها. وما يجب نقطها. وما يجوز فيها الأمران. ف القسم الأول: هى المتطرفة الواقعة بدلًا عن الألف، نحو "حَتَّى الفَتَى قَدْ وَفَى" وكذا "إِلى" و"عَلَى" و"مَتَى" و"بَلَى" و"عَسَى" و"لَدَى". وكذا المتوسطة المصوَّرة بدلًا عن همزة. ولا يجوز إِبدالها ياءً محضة، سواء كانت الهمزة: ١ - أصلية كـ"جَائِر" (اسم فاعل من جَأَر يَجْأَرُ جُؤَارًا، بمعنى: صَاح وتَضَرَّع) ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. ٢ - أو كانت منقلبة عن واو كـ "جَائِر" (اسم فاعل من جَار يَجُورُ جَوْرًا: إِذا مال عن طريق العدل والقَصْد) وكذا "قَائِل" (اسم فاعل من القَوْل) و"بَائِع" (من: مَدَّ الباعَ). ٣ - أو كانت منقلبة عن ياء، كـ"قَائِل" (اسم فاعل من: قَالَ يَقيلُ قَيْلُولَة)، وكـ"بَائع" (من البَيْع). ٤ - أو كانت الهمزة في جمع على "فَعَائِل" بدلًا عن مدٍّ زائدٍ في مفرده، ألفًا كانت أو ياءً، كـ"شَمَائِل" (جمع شِمال) وكـ"قلائِد" (جمع قِلادة) و"قَصَائِد" (جمع قَصِيدة) و"ظَعَائن" (جمع ظَعِيَنة). أو كانت (١) في جمع على "مَفَاعِل" وكانت العين همزة، كـ"مَسَائِل" (جمع مَسْئَلة)، بخلاف ما إِذا كانت العين ياءً مثل "مَسَايل" (جمع مَسيِل)، وكذا ما أَشْبَهَه من "مَعَايش" و"مَضَايق". ففى جميع ما تقدم لا تُنقط الياء المصوَّرة بدلًا عن الهمز كما صرح بذلك

стр. 404

الأشمونى (١) في باب الإِبدال، حيث قال: "التنبيه الثالث: يكتب نحو "قَائِل" و"بَائِع" بالياء على حُكْم التخفيف؛ لأن قياس الهمزة في ذلك أن تُسهَّل بين الهمزة والياء، فلذلك كُتبت ياءً. وأما إِبدال الهمزة في ذلك ياءً محضة فنصُّوا على أنه لَحْن .. ولو جاز تصحيح الياء في "بَائِع" لجاز تصحيح الواو في "قَائِل". ومن ثمَّ امتنع نقط الياء من "قَائِل" و"بائِع". قال المطرّزِى (٢): نقط الياء من "قَائِل" و"بَائِع" عامىّ قال: ومرَّ بي في بعض تصانيف أبى الفتح بن جِنّى أن أبا على الفارسي (٣) دخل على واحد من المتَسَمّين بالعِلْم، فإِذا بين يَدَيْه جزءٌ مكتوب فيه "قَائل" -بنُقْطتيْن من تحت- فقال أبو على لذلك الشيخ: هذا خَطُّ مَنْ؟! فقال: خَطِّى. فالتفت لصاحبه وقال: قد أضعنا خُطُواتِنا في زيارة مثله. وخرج من ساعته اهـ كلامه (٤). وسبقت الإِشارة لذلك في الفائدة الرابعة (٥). ومثله يُقال في كل جَمْع على "فَعَائِل"، نحو "شَعَائِر" و"عَشَائِر"، فنقْطُها خَطأ قبيح كما في (الأشمونى) أيضًا، فإِنه في شرح قول (الخلاصة): والمدُّ زِيَد ثَالثًا في الواحِدِ ... هَمْزًا يُرَى في مِثْل كَالقَلائِدِ قال: "وحُكْمُ هذه الهمزة في كتابتها ياءً وَمنْعُ النَّقْط كما سبق في "قَائِل" و"بائِع" (٦) اهـ. أي: فلا تُنقط، وإنما تُوضع القِطْعة الدالة على الهمز فوق الياء كما هو الكثير، أو تحتها، كما في (الكُلّيات) (٧).

стр. 405

إِلا أن الكفوى (١) سَهَا في أول صفحة [٣٣٢] حيث قال: ("قَائِل" يُكتب بالهمز، و"بائِع" بالياء، فَرْقًا بين الواوِى واليائى) اهـ. وقد قال في (المغنى): "الفقهاء يلحنون في قولهم "بايع" بالياء" اهـ (٢). وكذلك الفقراء الذين يذكرون ويقولون "يا دَايِم، يا دَايِم". نَعَمْ، إِذا كان اسم الفاعل من "فَعِلَ" صحت فيه الياء ولم تُعلّ يُكتب بالياء المحضة، مثل "عَيِن" -بكسر الياء- فهو "عَايِن" كما في (الأشمونى) (٣). قلت: وكذا إِذا كان الاسم الذي على وزن "فَاعِل" غير عَربِىّ مثل "دَايِش" (من أعلام النصارى) كما في (القاموس) (٤)، لأنه لا يُعرف أصله ولا اشتقاقه. القسم الثاني: ما يجب نقطها ولا يجوز همزها، وهي الواقعة في الجموع التي على وزن "مَفَاعِل" أو "أَفَاعِل" المعتلة العين، مثل "مَعَايِش" و"مَشَايِخ" و"مَخَايِل" و"مَضَايِق" و"مَنَايِر" و"مَسَايِل" (جمع مَسِيل) و"مَكَايِد" و"مَصَايِد" و"مصاير". إِلا "مَصَائِب"، فإِنه صح بالهمز سماعًا، وكان قياسه بالواو. ومما جاء على "أَفَاعِل": "أَطَايِب" و"أَخَايِر". فكل ما كان على هذين الوزنيْن يجب فيه التصريح بالياء ونقطها. ومثل ذلك الياآت التي في "المُفَاعَلة"، نحو (سَايَرَهُ مُسَايَرةً فهو مُسَايِر)، و (عَايَنَهُ يُعَايِنُه مُعَايَنةً، فهو مُعَايِن). وقد يُقال بمثله في (لأَمَه يُلائِمُه ملاءمة فهو مُلائِم، فقد نقل شارح

стр. 406

(القاموس) (١) في حديث أَبي ذَرٍّ (٢): "مَن لا يَمَكُمْ -أي وافقكم- من مَمْلُوكِيكُمْ فَأطْعِمُوه مما تَأْكُلُون" (٣)، هكذا يُروى بالياء منقلبة عن الهمزة، وهو جائز ثم نقل عن الَجْوهِرى (٤) ما يُستفاد منه تصحيح قول الملوى (٥) في (شرح السَّمْرقَنْدِيّة): "المُلَايمَة -بفتح الياء .. إِلخ" (٦)، وإنْ توقَّف فيه بعضُهم. و القسم الثالث: ما يجوز فيها الأمران، وهي المهموزة الواقعة بعد كسرة، سواء كانت هى ساكنة كـ"بِئْرٌ" و"ذِئْبٌ" أو مفتوحة مثل "فِئَةٌ" و"رِئَةٌ" و"مِائَةٌ"، فأنت بالخيار بين همزها ونَقْطها, لجواز قَلْبها، ياءً مَحْضَة كما قلبها ابن مالك (٧) في "الخلاصة" بقوله:

стр. 407

* أَحْرُف الإبْدَالِ هَدَأْتَ مَوطِيَا* (١) أقول: وقياس تجويزهم شكل الحرف المثلَّث بالحركات الثلاث أنه يجوز الجمع بين الهمز والنّقْط، نظرًا للوجهيْن: التحقيق والإِبدال. [كيفية كتابة الحروف الدخيلة في لغة العرب]: (فائدة): بين المشارقة والمغاربة مخالفة في نَقْط الفاء والقاف، فالمغاربة ينقطون "الفاء" بواحدة من تحت، و"القاف" واحدة من فوق. وبين العرب والعجم مخالفة في أربعة أحرف زادها العجم وهي: الباء والجيم والزاى والكاف. ينقطون "الباء" و"الجيم" بثلاث من تحتهما، لمخالفة مَخْرَجَيْهِمَا في لسان العجم لِمَخْرَجِيْهِمَا في لسان العرب، فالباء العربية يكون مخرجها بين "الباء" العربية و"الفاء" مثل "الشَّلَوْبِين" من علماء الأندلس (٢)، و"البولاد"، فتارة يقال بالباء العربية، وتارة بالفاء، لأنها بين مخرجيهما، ومن ذلك "بَسَا" (٣) التي منها أبو على الفارسي (٤)، فإِنهم يقولون: "أبو على البَسَوِى" وتارة "الفَسَوِى". والاعتذار عنهم -أي الكُتَّاب- لم يصطلحوا على طريقة في تصوير الحروف الدخيلة في لغة العرب من غير لغتهم. وقد جعل لذلك ابن

стр. 408

خلدون (١). طريقةً في "مقدمة" تاريخه للأسماء التي أدخلها فيه مثل " بُلُكِّين" (٢) بالكاف القريبة من القاف. والذي يستحسنه الفقير أن يُتّبع فيها ما يكتب عند أهلها بتعداد نَقْطها، تنبيهًا على أنها دخيلة، ويُلفظ بهَا كنطق أهلها. وأما "الزاى" فينطقونها بثلاث من فوق، لمغايرة مَخْرجها لمخرج العربية، فمن ذلك: "تَوّز" (٣) -اسم بلدة بالعجم، منها الإِمام التَّوَّزى اللُّغَوِى (٤) - تارة تجده في "المزْهِر" مكتوبًا بالزاى، وتارة بالجيم، فيقول: الإِمام التُّوَّجى لعدم وجود المخرج بين المخرجين في العربية (٥). وكذلك "الكاف" العجمية تنطق مثل "جيم" العَوَامّ بمصر، وهي مستعملة في لغة اليمن، يقولون "الجَعْبَة" في "الكَعْبة" كما في "المزْهِر". كما يُنطق بالكاف الفارسية في "الكُلَّنَار" الذي عَّربته العرب "بالجُلَّنَار"، وكالكاف في كلمة "الإِنِكِليز" و"الفَرَنك" و"الكلستان" و"الكُلَّاج" "الذي يقال فيه: "الجُلَّاش".

стр. 409

وليست هى "القاف المعقودة وإن ادعى مُحشِّى"القاموس" أنها هى (١). -كما يؤُخذ من كلام ابن خلدون (٢) - فإِن الذي يفهم من كلام الشيخ الأكبر (٣) أن "القاف" المعقودة هى "القاف" الحقيقية، وأن التي بَيْنَ بَيْنَ هى

стр. 410

غير المعقودة التي ذكرها الفقهاء في قولهم في شروط الفاتحة: "لو نطق بالقاف مترددة بين القاف والكاف أو الجيم .. إِلخ" وعبارة "الفتوحات المكية" في الصفحة "٧٥٢" من الباب "٢٩٥" من الجزء الثاني: "وأما القاف التي هى غير معقودة ما هى كافٌ خالصة، ولا قافٌ خالصة، ولهذا ينكرها أهل اللسان، فأما شيوخنا في القراءة فإِنهم لا يعقدون القاف، ويزعمون أنهم هكذا أخذوها عن شيوخهم، وشيوخهم عن شيوخهم في الأداء، إِلى أن وصلوا إِلى العرب أهل ذلك اللسان، وهم الصحابة إِلى النبي ﷺ ، كل ذلك أداء، وأما العرب الذين لقيناهم ممن بَقِىَ على لسانه ما تغير -كبنى فَهْم- فإِنى رأيتهم يَعْقِدون القاف، وهكذا جميع العرب. فما أدرى من أين دخل على أصحابنا ببلاد المغرب تركُ عَقْدِها في القرآن؟ " انتهى كلام الشيخ الأكبر في الفتوحات (١).

стр. 411

تتمة الكتاب [ترتيب الحروف الهجائية على الطريقة الأبجدية]: قولهم (الحروف الهجائية التي أولها الألف وأخرها الياء) فيه إيماءٌ إِلى اختيارهم ترتيبها على هذا الوضع، وترجيحه عن ترتيبها على طريقة "أَبَجَدْ" -بفتح الباء- ويقال "أَباجَاد" كصيغة الكُنْية كما في "حاشية القاموس" (١). ومنه قول الشاطبى (٢) جَعَلْتُ أَبا جَادٍ عَلَى كُلّ قَارِئٍ ... دَليلًا عَلَى المنظومِ أَوَّلَ أَوَّلا (٣) لِمَا نقله المحشِّى (٤) عن كتاب البَلَوِى الأندلسى (٥) المسمِّى (أَلِف با) من أنه "يُكره لمعلم الصبيان أن يعلمهم أَباجاد". قال: لأنها أسماء شياطين

стр. 412

أَلْقَوها على ألسنة العرب في الجاهلية، وصرح به سَحْنُون (١) وغيره من أصحابنا المالكية، وروى عن ابن عباس (٢) أنه سُئل عن قومٍ ينظرون في النجوم يكتبون "أَباجَاد" فقال: أولئك قومٌ لا خَلَاقَ لهم. . . إِلى أن قال: وعندى في ذلك نَظَرٌ، لأنه لم يَثْبُتْ عنه ﵇ من طريق صحيح أو حسن -بل ولا ضعيف- يعتدُّ به، وإنما قال سَحْنُون (٣): سمعت حَفْص بن غِيَاث (٤) يحدث أن "أَباجَاد" أسماء شياطين، وقال محمَّد: سمعت بعض أهل العِلْم يقول: إِنها أسماء ولد "سَابُور" مَلِك فارس؛ أَمَرَ مَن كان في طاعته من العرب أن يكتبوها، قال: فلا أرى لأحدٍ أن يكتبها، فإِنها حرام" اهـ (٥). قال المحشِّى: "وقد أورد بعض أحكامها شيخ شيوخنا العلامة البارع النحوى الجامع أبو بكر الشَّنَوانى (٦) في رسالته المعروفة بـ "حِلْيةُ أهل الكَمال بأمثلة

стр. 413

الجَلَال" (١)، ثم ذكر المحشِّى الرواية الموافقة لما في "القاموس" (٢) و"الخطط المقريزية" (٣): "أنهم كانوا ملوك مَدْيَن، وأن رئيسهم "كَلَمُن" وأنهم هَلكَوا يوم الظلة (٤)، وأنهم قوم شعيب ﵇" ثم قال: "وروى عن عبد الله ابن عمرو بن العاص (٥) وعروة بن الزبير (٦) أنهما قالا: أول من وضع الكتاب العربى قوم من الأوائل، نزلوا في عَدْنان بن أد بن أدد" أسماؤهم: "أَبْجَدْ، هَوَّز، حَطّى، كَلَمُن، صَعْفَضْ، قَرَسَت" فوضعوا الكتاب العربى على أسمائهم، ووجدوا حروفًا ستة ليست من أسمائهم -وهي "ثَخَذْ، ظَغَشْ" فسموها الروادف- ويذكر أن عمر بن الخطاب لقى أعرابيًا فقال له: "هل تُحسن أن تقرأ القرآن؟، فقال: نعم. قال: فاقرأ أُمَّ القرآن، فقال: والله ما أُحْسِنُ البنات فكيف الأُمَّ؟. فضربه، ثم أسلمه إِلى الكُتَّاب، فمكث فيه

стр. 414

حينًا، ثم هرب، وأنشأ يقول: أَتَيْتُ مُهاجِرينَ فَعلَّمُونى ... ثلاثةَ أَسْطُرٍ مُتَتَابِعَات كِتَاب الله في رَقٍ صَحيحٍ ... وآياتِ القرآنِ مُفصَّلاتِ فَخَطُّوا لى أَبا جَادٍ وقَالُوا ... تَعَلَّمْ صَعْفَضًا وقرِيساتِ وما أنا والكتابةَ والتَّهَجِى ... وما خطُّ البنينَ مِنَ البَنَاتِ انتهى ما نقلته مختصرًا مما نقله المحشِّى من كتاب "أَلِف با" (١). وهو قد يدل على أنهم كانوا أولًا يُعلِّمون الهجاء على ترتيب أَبجد، وكنت قرأت في بعض الكتب أن الحروف الأبجدية فرع عن السُّريانية، لأنها على ترتيبها، فلعل عدولهم عن تعليمها الصغار -مع كَوْن الجُمل على ترتيبها، والحاجة داعية إِليه في أمور كثيرة، منها الزيج- ليس إِلا لِشُبّهة قامت عندهم، أو للأحاديث الواردة الدالة على أن هذا الترتيب الجاري عليه التعليم هو المتلَقَّى عن صاحب الشريعة المطهرة ﵊. ثم إِن ما ذكره المحشِّى في ترتيب الأبجدية من الشعر وغيره إِنما هو على طريقة المغاربة دون ما عليه إِمام المشارقة الغزالي (٢) وغيره. وينبنى على اختلاف الطريقتين الاختلاف في أعدادها بالجُمل. والخلاف بينهما في أعداد ستة أحرف، وهي: السين والصاد (المهملتان)، والشين والضاد والظاء والغين (المعجمات). فالسين عندنا بستين، وعندهم بالثلاثمائة التي هى عدد الشين المعجمة

стр. 415

عندنا، وهي عندهم آخر الحروف بالأَلْف الذى هو عدد أَلْفَيْن عندنا، وهي عندهم بالتسعمائة التي هى عدد الظاء عندنا، وهي عندهم بالثمانمائة التي هى عدد الضاد عندنا، وهي عندهم بالتسعين الذى هو عدد الصاد عندنا، وهي عندهم بستين عدد السين التي أبتدأنا بها. ونسأل الله حسن الختام بجاه (١) سيد الكائنات عليه وعلى آله وصحابته وأتباعهم أتم الصلاة والسلام، آمين:

стр. 416

تقريظات للأفاضل الأزهرية على كتاب المطالع النصرية [تقريظ محمَّد مصطفى العروسى الشافعى (١)] هذه صورة التقريظ الذي كتبه مولانا الأستاذ الملاذ، الذي أوتى من تليد المجد وطارفه ما جذب القلوب إِلى اقتباس أسرار معارفه وعوارفه، حضرة السلالة العروسية أرباب المشيخة الأزهرية: حمدًا لمن رصَّع جواهر الكلمات بنظم لآلى الأحرف العاليات، وزيَّنها بحلية الرَّسْم، فجاءت آياتٌ بينات، ووفَّق من اختاره لإِبداع منهج رسومها واختراع طرق فنونها في ألطف المؤلَّفات. وصلاةً وسلامًا على سر أسرار البلاغة ومبدأ براعة البراءة، وعلى آله وصحبه، الحائزين قَصَبَ السَّبْق في الفصاحة، ومن تبعهم فجمع ما تشتَّت خشية الإِضاعة. وبعد: فقد اطلعتُ على هذه الرسالة الفائقة، فأَلْفَيْتُها لما حَوَتْه من الفنون السابقة، حيث جاءت بحمد الله مما تحارُ فيه العقول، جامعةً لشمل كل معقول ومنقول، كيف لا وهي نتيجة بَنَاتِ أَفْكارِ مَن هو الإِنسانُ، أَوْحدُ أهل العرفان، الأستاذ الكامل والجَهْبذ الفاضل، علَّامة زمانه وفَهَّامة أوانه، الجامعُ لما تشتَّت من الفنون، والمحقق لمحبِّيه فيه الظنون؛ مَن تحلَّى بحلية العلوم والمعارف، وتزيَّن بزينة الغرائب واللطائف، مَن اشْتُقَّ له

стр. 417

اسم من نُصْرة الدين، وانتسب من المدن إِلى "هُوريِن"، زاده الله توفيقًا وكمالًا ورفعةً وإجلالًا، آمين. وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين. كتبه الفقير مصطفى محمَّد العروسى الشافعى (١) عُفي عنه.

стр. 418

[تقريظ للشيخ إبراهيم السقا الأزهرى (١)] وهذا ما كتبه الإِمام المحقق محلِّى الدروس بجواهر لفظه، ومُحْى النفوس بأسرار وعظه، حضرة قدوة العلماء بالأزهر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله أجرى قلمه بجميع الحظوظ على لَوحه المحفوظ، جلَّ شأنه علَّم بالقلم، علَّم الإِنسانَ ما لم يعلم. والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد الذي لم يذهب إِلى معلِّم ولا كُتّاب، وكان له لكتابة الكِتابِ المنزَّل عليه كُتَّاب، وعلى آله وصحبه الذين ضبطوا الوحى بالكتابة، وجميع التابعين والقرابة. أما بعد: فقد اطَّلعتُ على ("المطالع النَّصْرية" للمطابع المصرية في الأصول الخطية)، فوجدته كتابًا جامعًا للفوائد، واسعًا في الفرائد، يحتاج إِليه العالمون، ويضطّر له المتعلمون، إذْ هو فريد في فَنِّه الفائق، وحيدٌ في جَمْعه للدقائق، فإِنه نَظمٌ شمل المتفرقات بعد التفرق والشتات، تتعين مطالعتُه على مَن يريد التحرِّى والضبط، إذْ لم يقع نظيره في علم الخط، فيا له من كتابٍ قد أَينعتْ أثماره، وسطعت أنواره، فهو حِرْز الأمانى، ورَوْضُ التهانى. كبيرُ النفع، عظيم الجمع، غزير التحقيق، كثير التدقيق، لم يَنْسِجْ ناسجٌ من المتقدمين على منواله، ولم يسمح ولا يسمح الدهر بمثاله. لله دَرُّ مُؤَلفٍ ... ومُفرِّقٍ للمشْتَبَهِ وَرَدَ الموارِدَ كلَّها ... متلطِّفًا في مَشْرَبهِ

стр. 419

إِيَّاك يا هذا تحل ... مُتَجنِّبًا عن مَذْهَبِهِ فَتَمسَّكَنَّ بغَرْزِهِ ... لِتكونَ أنت المنتبه نفعنا الله به وبعلومه، وأعاد علينا من أنوار وأسرار منطوقه ومفهومه بجاه نبيه النبي الأعظم أبى القاسم ﷺ (١) حقَّ قَدْرِه ومقدارِه، فهو الفاتح الخاتم. كتبه الفقير إِبراهيم السَّقَّا بالأزهر (٢) عفا الله عنه.

стр. 420

[تقريظ الأديب الشاعر أحمد عبد الرحيم الطهطاوى] وهذه صورة ما كتبه الأديب الأريب السيد أحمد عبد الرحيم الطهطاوى (١). عمدة مدرسى المدرسة السعيدية بالقلعة العامرة، دامت بدوام سلطانها زاهية زاهرة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله جاء نصره سبحانه بحمدِهْ، على رسم ما في الكتاب وحَدِّهْ. والصلاة والسلام على سر ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١ - ٢]، وعلى آله وصحبه، ناصرى السنة بِخَطيَّةِ اليراع والأَسِنَّة، ما بان هلال الطوالع من بين خلال المطالع. أما بعد: فالوقوف على معنى هذا الكتاب للكُتَّاب أشهى من وقوف المُعَنِّى على العتاب للعُتَّاب، وترويحٌ بِعُلا حلاه أَبْهى من تسريح الطَّرْف في ظُرف مَن تهواه، ولَعَمْرَى إِن موصول حروفه لدى الفريد أبهج من الوصل، ومفصولها في العميد أَلْهج من كلمة الفصل. ألا ترى همزاته والسين والميم والنون واللام، جاءت لمعَانٍ في الحاجب والفم والطُّرَّة (٢)

стр. 421

والعِذَار (١) والقوام، فإِذا حاولتْ الأَفكار منه الأبكار، وهاتيك الأسرار من وراء الأستار -لا كمحاولة عِنين هو على الغيب ظنين- ظهر لها دقيق معناه من خلف دقيق مبناه ظهور النّوْر في الربيع والأزهار، ونُور الشمس في رابعة النهار. ومُذ نزَّهتُ لُبّى فيه سفَّهْت قلبى إِذْ كان غير مُوافيه، فألفيته لا عَيْبَ فيه، سوى أنه تَطرُبُ من معانيه الطِّباع، وتشرب من سلاقة سلاسة مبانيه الأَسماع. طَرقَتْ بخيرٍ مَسْمَعَىَّ فقَرَّطَتْ ... أُذُنىَّ دُرًّا مِن حَباب الكأسِ وأنه مُغْرىً بشكوى الحسَّاد ... فقلتُ له إِنَّ ربَّك بالمِرْصاِد الله أكبر فمن المغتر ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، فيأيها الكتاب لا تخف ولا تحزن إِنك ازدريتَ كُلَّ مؤلف ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] وألَّف. إنْ عَابَهُ شانئُهُ فَمنْ حَسَدٍ ... كغادةٍ عابها ضَرائِرُها فما مِنَ البَدْرِ ذُمَّ ساطِعُه ... ولا من الشَّمسِ عِيبَ سافِرُها فالأديب من غاص لتمينه لا لاستسمانه فريسه، والأريب من يُذِلّ لإِنشاد ضالة العلم فيه نَفْسَه ونَفيسَه، وجَدَّ إِليه من كل جانب وإن زعموا أنهم على هذا الخير حاجب. وَيْحَ قوم جادوا ببذل نفوس ... ونفيس في المجد لا مُعْتَبِينا فتراهم من كل فجٍّ رجالًا ... وعلى كلِّ ضامرٍ يأتينا إِذْ من المعلوم أن حفظ العلوم بحفظ قواعده وفرائده وشواهده

стр. 422

وشوارده، فما فُضِّلَ الخط قط كل من خَطَّ وقط، بل من العالم أَغْلى بين العالم وأعلى، فكم لله جلت أفعاله من نعمة لا يحصر شكْرَها بابُ الكلام في كَلِمه. ولا ريب أن هذا المؤلف من الآلآء على كل مصنف، فاض العَذَارَى الحسان، ولاسيما من مخدّرات اللسان، جامع أشتاته ومرجع رفاته، لا زال فينا وهو نصر لدولة فرائده الجوهرية، ذابّ جموع المعنتين عنها بأقلامه السّمْهرية، بجاه المصطفى وآله الكرام عليهم أكمل الصلاة والسلام (١).

стр. 423

[تقريظ الشيخ حسن البردى الشافعى] وهذا ما كتبه البديع اللوذعى والبارع الألمعى، الفاضل الفهَّامة الشيخ البردى: سبحانك يا مُبِدئَ الإِنسان من مظهر الإِمكان، على أبدع إِتقان، وحمدًا لك حيث زيَّنتَ عرائس الأذهان بفرائد درر البيان في منصات التبيان. وصلاةً وسلامًا على إِنسان عين الوجود ومرآة سر الشهود، وعلى آله وأصحابه وسائر أحبابه. أما بعد: فياذا الفضائل المعترف بها نبهاء العصر، ويا جامع أشتات الفواضل التي جلت عن الحصر، ويا من زَهَتْ به رتب الكمال، وحامت على بحر علمه العذْب طيور الآمال، ويا من ثبت الفضل لديه وارتسم، وعنه افتر الزمان وابتسم، واستقر أمر البلاغة لديه استقرار الطرس في يديه، ويا من أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها واتساقها، وأوضح رسمها، وأثبت في جبين عصره وسمها، ويا بديع الخطاب ورب الخُطب ويا زُهْرى الرواية وشقيق العرب، ويا سَليِقى الإِعراب وطرف الأدب، ويا غزير الفنون وذكى الغريزة وأجل مناظر بصحيح النظر، المصون بجوامع كلماته الوجيزة -أرسلت إِلىَّ كتابك الكريم فأقررتُ بمعجزه وألقيتُ له عصا التسليم. ولما سرَّحتُ نظرى في دقائق مبانيه، وفرحت فكرى بالتأمل في عرائس معانيه قلتُ: عسى أن أصف من لطائف نكاته أو أبدى من يانع نضير تحقيقاته، فلله أنت من فصيح اقتطفت من ثمر فرائده باكورة البديع بحسن الصنيع، وتصيدت من همزات غصونه حمائم التسجيع بألحان التوقيع، وماذا أقول في تصنيفٍ كأنما هو سمر بين زهير ولبيد، وحبيب والوليد، وتدقيقات

стр. 424

لو تساجل بها عبد الحميد وتلاه ابن العميد لحكم الفاضل بأن الفضل راجع لصاحبه، وأن سواه لا يقدر على صوغ هاتيك التحقيقات ولا يصل إِلى مشاربه. ثم إِنك أيها الفاضل والإِنسان الكامل ألزمتنى أن أقرض عليه، وأنتظم بذلك في سلك ما انتسب إِليه، وذا لَعْمرِى من حسن ظنك الجميل في قريحة الخليل، ومن أين للذهن الكليل انتقاد كلام الألمعى، وكيف تقبل دعوى شرف التأصُّل من الدَّعِىّ؟ وأين جفاء البادى رفيق الظربان واليربوع من لطف الحاضر قرين الترفَّه المطبوع، لاسيما والأدب في الحقيقة خلافه، والطامع فيه إِن لم يكن طبع فيه مُعرَّض للآفة، كيف وقد سطَّرت هفوات عزات الإِنشا ومناته، وذكرت عن سرواتهم في مضمار البراعة عثراته، ورُبّ بليغ خط منثوره فأخطأ، ووقع في شَرَك زلّته يتخبط ولا يتخطى، فكيف بعد هذا تظننى فارس الكتيبة أو راسم منثور الكتابة، أو رفيق العصابة؟. فيا قويم المنطق، ويا ثمين القيمة ان كان الباعث ظنك العلم بأمثالى فإِن صورتى فيه ومثالى قول المهذّب: فإِنّى منه تُبْتُ تَوْبةَ نادم ... مُقِرّ بأنّى اليومَ أَجْهلُ جَاهِل لكن، أنت حرسك الله قد نظرتَ بعين صفائك، فوجدتَ حسن وصفك وجميل وفائك، والمؤمن مرآة أخيه، والإِناء ينضح بما فيه، لكنى أعوذ بلطف أدبك البارع، وكلامك الجامع المانع، واستشفع بوجه تواريك، وحلاوة محاولاتك، وأتعلق بأفنان افتنانك وأذيال مزاولاتك، واستعطف وأناديك بحرمة أياديك، أجرير المجامع، يا فرزدق المعامع، يا لسان السعد، يا عصام الدقة والنقد، يا صحيح السند وطائل اليد. ذان وصفاك: لطفٌ وأدب. هذان لقباك: ربُّ شعر وخطب.

стр. 425

هؤلاء أجنادك من أنشد وكتب. كلهم يغبطك بلاغةً وبراعة، جُلُّهم يلحظك أدبًا وطاعة، أنفسهم تودّك العزة مزاياك، أعينهم تتمتع بمآثر سجاياك. أَملى بذلك المقال ورجاءى فيك أيها المفضال أن لا تخجل وجه خليلك، ولا ترهق لُبَّ دخيلك، حسنُ الظن جرَّانى، ومزيد وثوقى ساقنى، فاجعل جائزتى قبول كتابتى لتتم سعادتى. كتبه ببنانه وقاله بلسانه حسن البردى الشافعى الليثى الأحمدى عُفى عنه.
следующие страницы →