← Язык

Язык · id 97799

المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية

نصر الهوريني

Полный текст (431 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الحذف بالبسملة (١)، ولعله تَبع (الدُّرَّة) (٢). نَعَمْ يُشترط لجواز حَذْفها كونه مُعرَّفًا بخلاف المنكَّر ولو مُضافًا مثل "رَحْمَانُ اليمامة"، وقولهم: "يا رَحْمَان الدُّنْيا والآخرة"، فإِنه صفة مشبهة مثل "نَدْمان". وتُحذف ألف "الحرث" المعرَّف، كقول الحريرى (٣): "حَكَى الحرث بنُ هَمَّام" (٤)، وكما في قولهم "بلحرث" مِن "بني الحرث بن كَعْب". بخلاف "حَارِث" المنكَّر، فلا تُحذف ألفه مَخافةَ التَّصْحيف بـ "حَرْب" كما وَقَع في "الحارِث" -عَمّه الأكبر ﵇ والد أبِي سفيان بن الحرث، فإِنه تُصحَّف في (مَعَاهد التنْصِيص) (٥) بأَبى سُفيان بن حَرْب الأُمَوى (٦). وتحذف من "السَّلام" إِذا كان مُعرفًا أيضًا كـ "عبد السلم". وكذا "السلم عَليْكم" آخر المكتوب في الرسائل دون المكتوب في صدر المخاطبة، فإِنه يكون

стр. 352

منكَّرًا على ما اختاره حَسْبَما قاله في (الدُّرة) (١) وإن كان ابنُ قتيبة (٢) جرى في تعريفه أَوَّلًا وآخِرًا (٣). فتَحصَّل أنَّ التعريف شرطٌ حذف الألف من أربع كلمات: "الإِلهُ" و"الرحمن" و"الحرث" و"السلم". [حذف الألف من الأعلام المشتهرة في الاستعمال]: وكذا كثيرًا ما يَحذِفُونها من الأَعْلام المشْتَهرة في الاستعمال، مثل "إِبْراهِيم" و"إسحق" و"إسْمعيل" و"هرون" و"سليمن" و"عثمن" و"سفين" و"معوية" و"النعمن" و"القسم". [إِثبات الألف في الاسم الذي حذف منه شىء أو يخاف التباسه]: ولا يَحذفُونها من اسم حُذف منه شىء، ولا من اسمٍ يُخاف التباسه نحو "إِسْراءِيل" و"عَبَّاس"، فإن الثاني يُلتبس بالفِعْل إِذا حُذفت ألفه، والأول حُذفت منه الهمزة التي كانت تُرسم ياءً بقاعدة (كلُّ همزةٍ بعدها حرف مَدّ كصُورتها. . . .) (٤)، فلا يجتمع عليه حذفان، كذا في (جَمْع الجوامع) (٥)

стр. 353

و (نظمه) (١). [ألف (صالح، خالد) بين الحذف والإِثبات]: وكذلك يَحذِفُون الألف من نحو "صالح" و"خَالِد" إِذا كانت أَعْلامًا، بخلاف ما إِذا كانت صِفات. ولعله للتخفيف في الأَعْلام لكثرة الاستعمال. [حذف ألف الجمع (المذكر أو المؤنث)]: وكذلك كانوا يَحذِفُونها من الجمْع، مذكَّرًا كان أو مُؤنثًا، نحو "الصالحين" و"الصالحات" و"القانتين" و"القانتات" و"الظالمين" و"الخاسرين" و"الكافرين" و"الشاكرين"، تَبعًا لحذفها من المصحف. [الحذف في (طه، الثلاثاء)]: ويحذف من "طه" أَلفان. وقيل: إِنه يكتب في غير المصحف بالألفين هكذا "طاها" كأسماء الحَروف. [شروط حذف الألف من (ثلاث)]: وتُحذف من "الثُّلاثاء": اسم اليوم. ومثله "ثَلاثَ" إِذا لم يلتبس بـ "الثُّلثُ": أحد الكسور؛ وذلك بوجود أحد أربعة أشياء: بأن يُركَّب مع "مِائَة"، فيُقال: "ثَلثُمِائة"، فتحذف الألف من "ثلاث" دون المزيدة التي في "مِائة". أو يُذكَّر المعدود، كأن يُقال: "ثَلاثُ نِسْوة". أو يُؤنَّث بالهاء؛ بأَن يُقال "ثَلاثَة". أو يُعطف عليه "ثَلاثُون" بالواو؛ فيقال: "ثَلاثٌ وثَلاثُون"، فتُحذف الألف منهما، لانعدام اللَّبْس بأسماء الكُسور.

стр. 354

[ألف (ثَمَان) بين الإِثبات والحذف]: ولا تُحذف من "ثَمَان" على الأَجْود، لئلَّا يجتمع عليه حذفُها وحذفُ الياء، فإِنَّ الأكثرين على أنه في حُكْم المنقوص الآتى في الفصل الرابع عَقِب هذا (١)، فيكون مثل "قاضٍ" و"يَمَان". نَعَمْ، يجوز حذف ألفه إِذا أُضيف إِلى "عَشْرة" أو "مِائة" كأن قيل "ثمنى عَشْرَة" أو "ثمنى مِائة" أو أضيف إِلى معدود مؤنث نحو "ثمنى ليالٍ" و"ثمنى نِسْوَة". ويجب حينئذٍ إِثبات الياء، ويجوز العكس؛ أي إِثبات الألف وحذف الياء، ويجعل الإِعراب ظاهرًا على النون كما في قول الشاعر: لها ثَنَايا أَرْبعٌ حِسَان ... وأَربعٌ فثَغْرُها ثَمَان (٢) [حذف الألف من (لكن) مشددة ومخففة]: وتُحذف من "لَكِن"، مشدَّدةً كانت أو مخَفَّفة، بل قد يمتنع إِثباتها عند خَوْف اللَّبْس بنفى "الِكنّ" -أي السِّتر (٣) - لو قيل "لا كِنَّ عنده"، وإن كان بعيد التَّوهُّم. [ثانيا: حذف الألف المتطرفة (ما الاستفهامية - أَمَا الحرفية)]: وأما الألف المتطرفة فتحذف من كلمتين: [حالات حذف ألف (ما) الاستفهامية غير المركبة مع (ذا)]: الأولى: "ما" الاستفهامية غير المركَّبة مع "ذَا"، تُحذف ألفها في حالتين:

стр. 355

الحاله الأولى: إِذا دخل عليها أحد حروف الجر المتقدمة، نحو قوله تعالى حكايةً عن موسى ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ [الصف: ٥]، ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١]، وقول الطُغْرَائى (١) أول (لامية العَجَم): فِيمَ الإِقَامةُ في الزَّوْرَاء لا سَكَنِ ... بها ولا نَاقَتِى فيها ولا جَمَلِى (٢) وقول الحريرى (٣) في المقامة الأخيرة: "إلامَ تَلْهُو وتَنِي. . . إِلخ (٤) " وقول الشاعر: * فقُلْتُ عَلَامَ تَنْتَحِبُ الفَتَاةُ (٥) * وقول الآخر: * فَحَتَّامَ حَتَّامَ العَنَاءُ المُطَوَّلُ (٦) * كما مَرَّ ذكرها في الكلام على الألف المتوسطة عارضًا. * والحالة الثانية مِن أحوال "مَا" الاستفهامية: أَن تُضاف إِلى اسم، نحو: "بِمُقْتَضَى مَ" أو "بِمُقْتَضَى مَهْ" أو "اقْتِضَاءَ مَه" (٧).

стр. 356

[ماذا- ما الموصولة]: وقولنا أولًا (غير المركبة) (١) للاحتراز عن "مَاذَا" نحو: "لِمَاذَا" أو "عَلَى مَاذَا"، فلا تُحذف ألفها، لأنها تَوَسطتْ بتركيبها مع "ذَا"، كما أنها لا تُحذف من "ما" الموصولة ولو دخل عليها الجار لتوسُّطها بالصلة، إِلا إِذا كان معها لفظ "شِئْت"، لورودها محذوفة معها في كثير من الكلام الخيرىّ حَمْلًا على "ما" الاستفهامية، يقولون: "اشْتَرِ بِمَ شِئْتَ". وقد ورد في الحديث: "سَلْ عَمَّ شِئْتَ" (٢)، ومن كلام سُراقة (٣) - كما في حديث الهجرة من (البخاري): يا رسول الله مُرْنىِ بِمَ شِئْتَ (٤). [إِثبات ألف (ما) الاستفهامية]: كما أنَّ بعكسها الاستفهامية قد ثَبتتْ ألفها في كثير من الأحاديث وكلام العرب، حَمْلًا لها على "ما" الموصولة، كقوله عليه أفضل التَّحايا مُسْتَفْهِمًا من سيدنا عَلىّ في الحج: "بِما أَهْلَلتَ"،

стр. 357

وكذا قاله لأبي موسى الأَشْعرى ﵄ (١). وكذا قول سيدنا عمر له ﵇ عند صُلْح الحدَيْبِية: "فَعَلَى مَا نُعْطِى الدَّنيَّةَ في دِيننا" (٢) وقول مُجَاشِع (٣) ﵁ قبل الصُّلح: "يا رسول الله عَلَى مَا تُبايِعُنا" (٤) وقول أُمِّ سَلَمة ﵂ (٥) له ﵇: "فِيما يُشْبِهُ الولَدُ

стр. 358

أَباهُ" (١). وقوله ﵇ في غزوة خَيْبر: "عَلَى مَا توقَد هذه النِّيرانُ" (٢) وغير هذه الأحاديث مما ورد في (الصحيحين). [حذف ألف (ما) الاستفهامية التي تُلحق بها هاء السكت]: وقد تُحذف ألف "ما" الاستفهامية في غير الحالتيْن المذكورتيْن مع إِلحاق هاء السَّكْت. قال في (المختار): "ويُقال: "ثُمَّ مَهْ"، يعني: "ثُمَّ ماذا"، وقد حُذفت ألفها ضرورةً في حالة الرفع من غير إِلحاق وبإِلحاقٍ في بيتٍ واحد، وهو قوله: أَلامَ تَقُولُ النَّاعِيَاتُ أَلامَهْ ... أَلا فَانْدُبا أَهْلَ النَّدَى والكَرَامَهْ (٣) ذكره الأشمونى (٤) في شرح قول (الخلاصة): وَمَا فِي الاسْتِفْهام إن جُرَّتْ حُذِف ... أَلِفْها وأَوْلِها الْهَا إن تَقفْ (٥) [حذف ألف (أَمَا) الحرفية (بمعنى حقًّا)]: والكلمة الثانية: "أَمَا" الحرفية المخفَّفة الميم بمعنى "حَقًّا".

стр. 359

قال في (الكليات): "وأكثر ما تُحذف ألفها إِذا وقع بعدها القَسَم، كقولهم: "أَم والله لأَفْعَلَنَّ" -أي كما ورد ذلك الحذف في أحاديث من (الصحيحين) - فتُحذف ألفها ليدل ذلك على شدة اتصال الثاني بالأول، لأن الكلمة إِذا بقيت على حرف لم تقم بنفسها، فيُعلم بحذف ألفها افتقارها إِلى الهمزة قبلها" انتهى كلامه (١) فليتأمل! [ثالثًا: مواضع حذف الألف المتوسطة عارضًا]: وأما الألف المتوسطة عارضًا فتُحذف من أربع كلمات وهي: "هاء" التنبيه، و"ذا" الإِشارية، و"أَنا" ضمير المتكلم، و"يا" في النداء. [(١) [ها] التي للتنبيه]: فأما "هاء" التنبيه فتحذف ألفها في ثلاث حالات: * الأولى: أن يأتى بعدها اسم إِشارة غير مبدوء بتاء ولا هاء، وليس بعده كاف، مثل: "هَذَا" و"هذهِ" و"هَذَانِ" و"هَؤلاء" و"هَكَذَا" و"أَيْهَذَا". بخلاف المبدوء بالتاء (مثل "هَاتَا" و"هَاتَان" و"هَاتَيْنِ") وبالهاء مثل: "هَاهُنا". وبخلاف ما بعده كاف، نحو "هَاذَاكَ": فلا تُحدف الألف منها: * الثانية: إِذا وقع بعدها اسم الجلالة في القَسَم؛ بأن قيل "هَا للهِ لأَفْعَلَنَّ كذا". قال في (الهمع): "فتُحذف الألف، لأن (ها) المستعملة من حروف القَسَم لا تُستعمل إِلا مع الاسم الكريم، فكأنه حرف واحد. قال في (التحرير) (وحواشيه): ومن حروف القسم الهمزة و (هَا) التنبيه لمن لم يُشْتَهروا، وتسميتُها في هذه الحالة (ها) التنبيه مجاز، لأنها حينئذٍ حرف جرٍ للقَسَم، ومثلها الهمزة نحو: (أَللهِ لأَفْعَلَنَّ) كأنها بدلها" اهـ. وقال في (الهمع) في مبحث التقاء الساكنين: "وشَذَّ إِثبات الألف في قولهم في القسم: "هَا اللهِ" و"إِى اللهِ" بإِثبات الألف والياء" (٢).

стр. 360

* والحالة الثالثة: إِذا جاء بعدها ضمير مبدوء بالهمز نحو "هَأنا" و"هَأَنْتُم"، بخلاف "هَا هُو" و"هَا هِىَ" و"هَا نَحْنُ"، وخَصَّ بعضهم هذا الحذف بالخط المتَّبع، لا المختَرع. [٢] [ذا] الإِشارية: وأما الكلمة الثانية التي هى اسم إِشارة، فتُحذف ألفها في حالين: الأولى: في الإِشارة إِلى اثنين كقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩]. الثانية: مع لام البُعْد المكسورة، مثل "ذَلِكَ" و"ذَلِكُما" و"ذَلِكُمْ" و"ذَلِكُنَّ". ومنه قوله تعالى حكايةً عن زَلِيخَا: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] كأنهم استكثروا حروف اللفظة بِتركُّبها من ثلث ممم كلمات. وتوسطت الألف بخلافها مع لام المِلْك المفتوحة، كأَن تقول "ذَا لَكَ" و"ذَا لَكُما" و"ذَا لَكُمْ" و"ذَا لكُنَّ"، لأن الألف لم تتوسط ولا تركيب. وأما الألف التي في "فَذَالِك" -الذى هو جمع "فَذْ لَكَة"- فليست من موضوع الكلام الذى هو "ذَا" الإِشارية؛ لأن الفاء فيه من بِنْية الكلمة، فلا يشتبه عليك، فَذَلك بفَذَالِك (١). [٣] [ضمير المتكلم (أَنَا)]: والكلمة الثالثة: "أَنا" ضمير المتكلم، فتُحذف ألفها في صورةٍ وجدتها في (مقدمة) ابن بَابِشَاذ (٢)، وهي ما إِذا وقع لفظ "أنَا" بين "ها" التنبيه و"ذا" الإشارية، وتَركَّبتْ اللفظة من ثلاث كلمات كما في قول الشاعر: إنَّ الفَتَى مَن يُقُول هَأَنَذَا ... لَيْسَ الفَتَى مَن يَقُولُ كَان أَبِى (٣)

стр. 361

فقد حُذف من "هَأَنَذاَ" أَلِفان: ألف "هاء" التنبيه، والألف الأخيرة مِن "أنا". وما ألفها الأولى فقد وُصِلت بالهاء. قلت: ولعل وَجْهَ حذفها من "أنا" أنها وقعت حَشْوًا، وإنما تُكتب في "أنا" المنفردة نظرًا لحالة الوقْف عليها، والواقعةُ حَشْوًا لا يُوقف عليها. [٤] [حرف النداء (يا)]: الكلمة الرابعة: "يا" في النداء، فتحُذف ألفها في حالتين: الأولى: إِذا كان بعدها "أَىْ" أو "أَهْل"، مثل "يأَيُّها النَّاسُ"، "يَأهْلَ الِكتَاب"، فإِن الألف من "أَىّ"ومن "أَهْل" اتصلت بالياء، فهي الهمزة، بدليل أنهم يكتبون الألف بالمِداد الأحمر بين الياء وبين الألف السوداء المهموزة المتصلة بالياء في المصحف نظير ما سبق في "هَأَنتُم" (١). وقد رأيتها محذوفة من "يا رسولَ الله"، وأكثر ما رأيتها هكذا: "يرسُولَ اللهِ" كثيرًا في نُسخة قديمةٍ من (تاريخ) الحافظ الذَّهَبىِ (٢). الثانية: إِذا كان بعدها اسم مبدوء بالهمزة من الأَعْلام التي لم يُحذف منها حرف، مثل "إِبراهيم" و"إِسماعيل" و"إسحاق" و"أَيُّوب"، بوصْل ألف الاسم التي في أوله بياء النداء نظير ما سبق (٣). بخلاف ما حذفت ألفه، نحو

стр. 362

"آزَر" و"آدمَ"، فلا تُحذف معه الألف من حرف النداء، لئلا يلتبس بالفعل، ولئلا يكون فيه إِحجافٌ بالاسم بحذف اثنتين من ثلاث، كذا في (جَمْع الجوامع) و (شرحه) (١) و (نظمه) (٢). وكنت أظن أنها لا تُحذف من أول الأسماء التي حُذفت الألف الحشْوية منها، مثل "إِبْراهِيم" وإسمعيل" و"إِسَحق" بمقتضى التعليل الثاني.

стр. 363

الفصل الرابع في حذف الياء من آخر الاسم المنقوص [تعريف المقصور والمنقوص]: اعلم أن الاسم إِما صحيح أو معتل. والمعتل ضربان: مَقْصور ومَنقُوص. فالمقصور: ما كان في آخره ألف، نحو "فَتَى" و"عَصَا". والمنقوص: ما كان آخره ياء حقيقية مكسور ما قبلها، سواء كانت ياؤه أصلية غير مُنقَلِبة كـ" الرَّامِى" و"القَاضِى"، أو منقلبة عن واو كـ "الغَازِى" و"العَافِى". [الوقوف على الألف في الاسم المقصور المنون]: وسبق في فصل الألف اللينة المبدلة من التنوين (١) أنهم اتفقوا على أن المقصور المنوَّن يُوقف عليه بالألف مُطلقًا، سواء كانت ألفه ياء كـ"فَتَى" أو عن واو كـ"قَفَا". وأنهم اختلفوا في كتابة اليائىّ منه على ثلاثة مذاهب. [المنقوص المنوَّن المنكَّر هل يوقف عليه ؟]: وأما المنقوص المنوَّن -بِأَن كان منكَّرًا نحو "هذا قَاضٍ" و"فِعْلُهُ ماضٍ"- فقد اختلفوا في الوقف عليه. [حذف الياء من المنقوص المنوَّن]: وينبنى على ذلك اختلافهم في كتابته على مذهبين، أصحهما -وهو مذهب سيبوَبه (٢) - حذف الياء خطًّا، لأن الأفصح الوقف على ما قبل الياء، لا عليها وهَو الشائع على ألسنة النحاة والمعْرِبين في قولهم: "هذا فِعْلٌ ماضٍ"، وكذا أكثر القُرَّاء يقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. بسُكُون اللام. ومثله ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]. وفي الحديث:

стр. 364

"إنَّما البَيْعُ عَن تَراضٍ" (١). [الوقوف على ياء المنقوص (لفظًا وخطًا) على خلاف الأفصح]: وقد يُوقف على الياء فيُكتب بها، وإن كان خلافَ الأفصح، كما وقف بعضهم على ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالي﴾ [الرعد:١١] بالياء. وكقول امرئِ القَيْس (٢): تَنَوَّرْتُها مِن أَذْرِعَات وَأَهْلُها ... بيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِها نَظَرٌ عَالِى (٣) وكقول ابن مالك (٤) "مُدْنِي" في قوله من (الخلاصة): والاسْمُ منْهُ مُعْرَبٌ ومَبْنِي ... لِشَبَهٍ مَن الحُرُوفِ مُدْنِي (٥) [حذف الياءَ من المنقوص المنادى المفرد]: ومثل المنوَّن في ذلك المنادى المفرد، نحو "يا قَاضْ"، فتُحذف منه الياء لفَظًا وخَطًّا، لأنه يُوقف عليه بسكون الضاد على الراجح كما في (الأشمونى) (٦). وهذا في المنكَّر الذي لم يكن منصوبًا, ولم يكن قبل آخره همزة. [المنقوص المهموز ما قبل الآخر]: أما المهموز ما قبل الآخر مثل "جَاىءٍ" و"رَاىءٍ" و"نَاىءٍ" و"مُنْىءٍ" و"مُرْىءٍ"، وكذا "مَرَاىءٍ" و"مَسَاىء" (٧)، فيكتبً بياء واحدة هى بدل

стр. 365

الهمزة على ما في (الأدب) (١). أي وتُحذف الياء الأخيرة التي تَثْبُت في المعرَّف، وتُحذف قبلها الياء المصوَّرة بدلًا عن الهمز. لكن في (الأشمونى) عند قول (الخلاصة): وَحَذْفُ يَا المنقُوصِ ذى التَّنْوِين -ما ... لَمْ يُنصَبْ- أَوْلَى مِن ثُبُوتٍ فاعْلَمَا وغيْرُ ذِى التَّنوِينَ بالعَكْسِ، وفي ... نَحْوِ مُرٍ لُزُومُ رَدِّ اليَا اقْتُفى ما نصه: "يعني إِذا كان المنقوص محذوفَ العين نحو "مُرى" -اسم فاعل من "أَرْأَى يُرْئِى"، أصله "مُرْئى" على وزن "مُفْعِل"- فأُعلَّ إِعْلال "قَاضٍ"، وحُذفت عينهُ، وهي الهمزة، بعد نقل حركتها، فإِذًا إِذا وقف عليه رد الياء، وإلَّا لَزِمَ بقاء الاسم على أصل واحد، وهو الراء، وذلك إِجحاف بالكلمة" انتهى (٢). وأقول: إِن أكثر النُّسَّاخ الآنَ لا يكتبون الياء المصوَّرة بدل الهمز، لا في المنكَّر ولا في المعرَّف، وربما أثبتها البعض في المعرَّف، وهو خلاف القياس من حذف كل همزة بعدها حرف مَدٍّ كصورتها. وأما إِذا نصب المنكَّر فتُردُّ إليه الياء، تقول: "كُن راضيًا ولا تكن قاضيًا". [المنقوص المعرَّف والمضاف]: وأما المعرَّف أو المضاف نحو "العَالِى" و"المتعَالِى" و"قَاضِى العَسْكر" فتثبت فيه الياء، لأنها إِنما حُذفت من المنكَّر لأجل التنوين حَذَرًا من التقاء الساكنْين، وقد زال المحذور بالإِضافة أو التعريف. ويجوز -على خلاف الأفصح- حذفها من المعرَّف، بناءً على جواز الوقف على ما قبلها مسكنًا وقد حُذفت في المصحف من "الكَبير المتعال" وعلى ما قبلها مُسكَّنًا، و"الدَّاعِ" و"الوَادِ" و"يومَ التَّناد" (٣).

стр. 366

أقول: ومقتضى القياس -الذى هو كتابة كل كلمة على انفرادها بتقدير الابتداء والوقف، بقطع النظر عما قبلها وما بعدها- أَنَّ حذفها في الخط من المضاف مثل "وَادِى مِصْر" و"قَاضِى الوِلاية" هو الموافق للقياس، نظرًا لحالة الوقف عليه مجردًا عن الإِضافة، وإليه ذهب بعضهم لكنْ قال الأشمونى: "إِنهم ضَعَّفوه" (١). [حذف الياء من الاسم المنقوص على أحد عشر مثالًا]: واعلم أن المنقوص يأتى على أَحَدَ عَشَرَ مثالًا مثل: "عَانٍ" و"مُعَانٍ" و"مُتَوانٍ" و"مُفْتٍ" و"مُسْتَفْتٍ" و"مُغْنٍ" و"مُهْتَدٍ" و"متعن" و"عم" و"تَمَنّ" و"تَوَانٍ". وهذان الأخيران من المصادر على وزن "التَّفَعُّل" و"التَّفَاعُل" كـ"التَّعَوُّذ" و"التَّعَاوُن"، قُلب حرف العلة الأخير، وكُسِر ما قبله لمناسبته، كـ"التَّرامِى" و"التَّجارِى" و"التَّحَرِى". [حذف الياء من الاسم المنقوص من الجموع الناقصة]: وقد يُلحق بها في حذف الياء خمسة من الجموع الناقصة مما كان على "فَوَاعِل" و"مَفَاعِل" و"أَفَاعِل" و"فَعَائِل" و"فَعَالِي"، نحو: "جَوَارٍ" و"مَعَانٍ" و"أَوَانٍ" و"تَرَاقٍ" و"صَحَارٍ"، فتجرى مجرى المنقوص تعريفًا وتنكيرًا. [ما يعامل معاملة المهموز]: وقولهم أَوَّلًا في تعريف المنقوص (ما آخره ياء حقيقية) (٢) للاحتراز عما آخره همزة مرسومة ياءً لوقوعها طرفًا إِثر كسرة (نحو "طَارِى" و"مُبْتَدِى" و"مُسْتَهْزِى"). أو ياء منقلبة عن همزة كانت تُرسم واوًا، لوقوعها بعد الضمة، كـ"التَّبرِّى" و"التَّجزِى"، فإِنه يُعامل معاملة المهموز. وقد يَجْرِى مجرى المعتل فتُحذف ياؤه، تقول: "هذا طارٍ"، "مُبْتَدٍ"

стр. 367

و "مُسْتَهْزٍ" كما قال في (المِصْباح) في "نَتَأَ" أنه يجوز إِبدال الهمزة ألفًا، وتُجعل في اسم الفاعل ياءً، وتحُذف فيُقال "نَاتٍ" (١). [حذف الياء من الاسم المنقوص الجموع المعرَّف]: وكل ما حُذف ياؤه في المفرد مُنكَّرًا تُحذف في الجمع ولو مُعرَّفًا، كـ"العَالِين" و"المُفْتِين" و"القَاضِين" و"المُعْتَدين". ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤] ومثله "المُبْتَدِينَ" أو "المُبْتَدُونَ": من المهموز المجرى مجرى المعتل. وقولهم (مكسور ما قبلها) (٢) احترازٌ عن الساكن صحيحًا كان (كـ"ظَبْى" و"رَمْى"). أو معتلًا (كـ"كَرَى" و"مَىّ": (اسم امراة) فلا يُسمى منقوصًا، بل هو كالصحيح. ومثله في ذلك ما كان على وزن "فعيل" مُكَبَّرًا (نحو "عَلِىّ" و"غَنِىّ") أو مُصغَّرًا، نحو"قُصَىّ" و"سُمَىّ". [ما يُحذف من الياءات في حالات الجزم والإِضافة]: وأما ما يُحذف من الياآت للجازم -نحو: "اتَّقِ اللَهَ" و"لا تَعْصِ مَوْلاكَ" و"اخْزِ الشَّيطانَ"، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]-فهذا مما يُحذف خَطًّا، تَبعًا لحذفه لفظًا، كما هو معلوم من المبادئ النحوية. وأما ما يُحذف من ياآت الإِضافة تخفيفًا في مثل ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] والأصل "ولى دينى" و ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [الأعراف: ١٥١] و [ص: ٣٥] ﴿وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ [غافر: ٣٨] فهذا كثير في رسم المصحف خاصة.

стр. 368

الفصل الخامس فيما يُحذف من الواوات المتكررة لفظًا فرارًا من اجتماع المثلين صورة، وإِن كانت إِحداهما همزة لفظًا، وما لا يحذف منها عند اللبس المختار عند أهل العلم أن يكتب "دَاوُد" و"طَاوُس" و"رُؤُس" و"فُؤُس" بواو واحدة، استخفافًا، لكثرة الاستعمال. وأما "هَاوُن" (١) و"راوُق" (٢) و"ناوُس" فمنهم من يكتبه بواوين. وأما "ذَوُو" -للجمع- فيُكتب بواوين خَوْفَ الاشتباه بالمفرد. كذا في (الدرة) قال: "وأما "سَؤُول" و"يَؤُوس" و"شُؤُون" و"مَوْءُودة" و"مَؤُونة" فالأحسن أن يُكتبن بواوين، ومنهم من اقتصر على واحدة" (٣). قلت: وكثيرًا ما يكتب "مَؤُنَة" بواو واحدة، وكذا "بَؤُنَة" اسم شهرِ القبط. وأما "الرَّاوُون" و"الغَاوُون" فبواويْن بلا شُبْهة، لأنه إِذا كان بين الواوين فاصل -ولو في التقدير- لا تُحذف واحدة منهما، سواء في الأسماء -كما مُثِّل- أو في الأفعال، نحو "اجْتَوَوْا" و"اكْتَوَوْا" و"يَسْتَوُون" و"يَلُوون"، وكقول قُطْب دائرة الوجود -نفعنا الله به- في (الحزب): "نَوَوْا فَلَوَوْا عما

стр. 369

نَوَوْا". وأصل المفرد "نَوَى"، فلما اتصل ضمير الجمع بالفعل حُذفت الألف التي كانت تُقلب ياءً عند الإِسناد لضمير المتكلم، وبقيت الفتحة على الواو لتدل على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الضمير الساكنة أَصالةً، وِإنْ تَحركت لعارضٍ في نحو "نَوَوُا السَّفَر". كما تُحرك من "آتَوُا الزَّكاةَ". ولا تَتَوهَّم من تحرُّك الواو العارض في "آتَوُا الزكاةَ" أو واو أُخرى بعد واو الضمير كما غَلَط فيه بعض الناس. وأما إِذا كان يُخاف اللَّبْس بحذف إِحدى الواويْن المتلاصقتين فلا تُحذف واحدة منهما نحو "قَؤُول" و"صَؤُول" (١)، فإِنه لو حُذفت واحدة التبس بقول "وُصُول". ولو كان على الواو قطعة الهمزة فإِنه يقال: "صَؤُل البعير" (٢) كما سبق في الهمزة. أقول: وقد يجتمع ثلاث واوات فتُحذف واحدة كما في حديث توجهه ﵇ إِلى الطائف رَجَاءَ أَن يُؤْوُه (٣)، فالأُولى هى المصوَّرة بدل الهمزة، والثانية هى واو الكلمة، والثالثة واو الضمير، فالمحذوفة هى المتوسطة، واللهُ الموفِّق.

стр. 370

الفصل السادس في حروف أخرى تحذف للإِدغام أو لاجتماع الأمثال وهي اللام والتاء والنون والميم والياء [١ - حذف اللام]: [الأسماء المبدوءة باللام والمعرفة بـ (أل)]: أما اللام فتُحذف من كل اسم أوله لام، وعُرِّف بـ"أل"، ودخلت عليه اللام المكسورة أو المفتوحة، كـ"اللَبَن" و"اللَحْم" و"اللفظ" و"اللَّهْو" و"اللَّعب" و"اللَّطِيف"، كقول بعض العقلاء: "إِنَّ الإِنسانَ لم يُخلق للَّعب ولا لِلَّهوِ". وكقوله ﵇: "لَلَّهُ أَرْحَمُ بالمؤْمِنِ مِن هَذِه بِوَلَدها" (١). وكقولهم: "لابُدَّ من مُطابقةِ المعنى لِلَّفْظ" فتُحذف واحدة من اللامات؛ لأن اجتماع الأمثال يُوجب حذف أحدها. واختُلف في أيهما المحذَوف، واختار شيخ الإِسلام في (شرح الشافية): "أنها لَام الكلمة، لا حرف التعريف، لأنه جِىء به لمعنى، فحَذْفُه يُخِلُّ بالمقصود" (٢) اهـ. وفيه تَأَمَّلْ! [الأسماء الموصولة التي تكتب بلاميْن]: ومثل ما ذُكر الموصولات التي تُكتب بلاميْن، وهي "اللَّذ" (بسكون الذال)، "اللُّذَيّا" و"اللُّتَيَّا" (تصغير الَّذى والَّتِى)، و"اللَّذانِ" و"اللَّتَانِ" و"اللّذين" و"اللَّتينَ" و"اللَّذُون" و "الَّلأُونَ" (بالواو فيهما)، و"الَّلاى" و"الَّلائِى" و"الَّلاتى" و"اللَّوَاتى"، فتُحذف إِحدى اللامات إِذا دخلت على هذه الكلمات لامٌ كما سبق بيان ذلك إِجمالًا في الباب الأول (٣).

стр. 371

[حذف اللام لفظًا وخطًّا]: وسبق أَنَّ اللام تُحذف لفظًا وخَطًّا من كلمتين (١): الأولى: لام "عَلَى" الداخلة على ما أَوَّلُه "أَل"، نحو "عَلْمَاءِ" أي: "عَلَى الماءِ". الثانية: لام "بَلْ" إِذا وقع بعدها راء عند الإلغاز، كما في قوله: عَافَت الماءَ في الشَّتَاء فَقُلنَا ... بَرّديه تُصَادفيه سَخِينَا (٢) [الألف واللام في (ذى النّون)]: ومن الغلط حذف "أَل" من اسم "ذِى النُّون" وكتابته "ذَنَّون" (بوزن "تَنُّور") كأنه كلمة واحدة، ففيه حذف ثلاثة أحرف خَطًّا جَهْلًا بأن الكتابة في غير العَروُض ليست على حسب ما يُتلفظ به. [اللام في (ويل لأمه)]: نَعَمْ، قولهم "وَيْلُمِّه" كتبوه كما يُنطق به شُذُوذًا كما في (شفاء الغليل) (٣)، والأصل: "وَيْلٌ لأُمّه"؛ فحذفوا إِحدى اللاميْن، ووصلوا الكلمتيْن، وكذا قال السُّجَاعى (٤) عَلى (الكافي) (٥). [لام (هَلْ - هلَّا - بل)]: ولا تُحذف لام "هَلْ" إِذا وقع بعدها كلمة "لَا"، كقول المستَفْتى "هل لا يَجُوزُ كذا"، سواء كانت "هَلْ" للاستفهام حرفًا، أو كانت فِعلًا، كما يُقال: "هَل لا تقع"، فهي في هذا فِعْلُ أَمْرٍ من "وَهَل"، بمعنى خاف أَوْ فَزع. وأما "هَلَّا" التي في حديث "هَلَّا بِكْرًا تُلاعِبُها" فهي التَّحْرِيضيَّة المستعملة للتنْدِيم كما قدمناه في أول باب (٦).

стр. 372

ولا تُحذف مِن "بَلْ" في: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧]. [٢ - حذف التاء]: وأما التاء فتُحذف من آخر الفعل المسنَد إِلى تاء الفاعل، سواء كان قبلها تاء أخرى (نحو "شَتَتَ" و"فَتَتَ") أو حرف غيرها صحيح (نحو "عَنَتَ" و"أَلَتَ" و"أَخْفَتَ) أو معتل (نحو "بَاتَ" و"فَاتَ"). فهذه التاء تُدغم في مثلها من ضمير فاعل متكلم أو مخاطَب أو مخاطَبة أو تاء خطاب قبل ميم الجمع أو نون النسوة، نحو "شَتَتُّ" و"أَمَتُّ" و"أَخْفَتُّ" و"عَنِتٌّ" و"بتُّ" و"أَلتُّه" -أي: نَقَصْتُه. ومن ذلك قوله جل وعلا في وصف رسوله الأكرم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي: عَنَتُكم ومشقَّتُكم، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]، أي: لَوَقَعْتُم في العَنَت والمشقة والتعب. [٣ - حذف النون في خمس مواضع من آخر الفعل]: وأما النون فتُحذف في خمس مواضع: أولها: من آخر الفعل المسنَد إِلى النون ضمير المتكلم ومعه غيره، أو المعظِّم نفسه، أو نون الإِناث، أو إِلى غيرهما مع نون الوقاية، سواء كان قبلها نون أخرى (نحو: "جَنَّ" و"ظَنَّ") أو حرف صحيح (نحو: "ظَعَنَ" و"لَعَنَ" و"سَكَنَ") أو معتل (مثل: "بَانَ" و"زَانَ"). فهذه النون تُحذف خَطًّا للإِدغام إِذا لاقت مثلها؛ سواء كانت نون جمع مذكر، أو مؤنثًا، أو نون وقاية، نحو: "إنَّا آمنَّا" و"تَعَاونَّا" و"النِّسوةُ جُنِنَّ" و"بِنَّ" و"ظَعَنَّ"، ونحو: "آمنِّى" و"أَعِنِّى" (فعل أمر من الأَمانة أو الأَمْن، والإِعانة)، و"هذا الشىءُ لم يُمْكِنّى". وقد تُحذف من آخر الحروف مع نون الوقاية تخفيفًا، نحو "إِنّى" و"لَكِنّى". [عدم حذف الكاف والهاء]: وليس مثلَ التاء والنون في هذا الحذف الكافُ العارضُ لها السكون في آخر

стр. 373

الفعل إِذا التقتْ مع كاف الضمير المفعول، كقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]. ولا الهاء التي يَعْرِض لها السكون للجازم إذا التقت بهاء الضمير المفردة، أو هاء الغَيْبة التي مع نون النسوة أو ضمير الاثنين، نحو "لا تُكْرِههَّا"، وقول الأعرابى "اجْبههُ"، أي: "اصْكُكْ جَبْهَتَه"، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]، وقوله ﵇: (مَن يُرد الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) (١)، وقول الشاعر: وملتثم بالشّعْرِ مِن فَوْق ثَغْرِه ... غَدًا قائِلًا شَبِّههُّما بحياتِى والفرق بين هذيْن وذَيْنِك من وجهيْن: أولهما: أن في الأوليْن شِدَّةُ اتصال الضمير الفاعل بالفعل، فكأنهما كلمة واحدة، بخلاف الأخيريْن، فإِن الضمير فيهما مفعول ليس شديد الاتصال بالفعل، إِذْ قد يستغنى الفعل عن ذكر مفعوله، بخلاف الفاعل، خصوصًا وهو ضمير. وثانيهما: أن الأوليْن يجب تسكين الحرف الذي قبلهما دائمًا. قال في (الكليات): "كل ماضٍ أُسند إِلى التاء أو النون فإِنه يُسكَّن آخره وجوبًا" (٢)، بخلاف الأخيريْن، فإِن السكون قبلهما عارض، يزول عند زوال الجازم، بل قُرِئ شاذًا: ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ بالرفع، على ما قاله مُحشِّى (الأزهرية).

стр. 374

[حذف نون (مِن، عَن)]: والموضع الثاني: "مِنْ" و"عَنْ"، فتُحذف نونهما باطِّراد إِذا دخلتا على "مَا" أو "مَن". وبغير اطِّراد إِذا دخلت "مِنْ" على ما أَوَّلُه "أَل" التعريفية، نحو "مِلكَذِب" و"مِلْعَصْرِ" وغيرهما مما سبق في أول باب (١). [حذف نون (بنين، بنون)]: والثالث: نون "بَنِين" أو "بَنُون" إِذا أُضيف إِلى ما أَوَّلهُ "أَل" القمرية، فيقتصر على الباء، وتُحذف النون لشبهها باللام، فكأنهما مثلان، نحو "بَلْعَنْبر"، "بَلحرِث" كما سبق أيضًا (٢). [حذف نون (إِنْ) الشرطية في حالتين (ما الزائدة - لا النافية)]: والرابع: نون "إِنْ" الشرطية، تُحذف في حالتين: الأُولى: إِذا وقع بعدها "مَا" الزائدة، كقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٣]، ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ الآية [الإسراء: ٢٨]. وقول الشاعر: أَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدَامَاىَ مِن نَجْرانَ أَن لا تَلاقِيا (٣) وقول الحريرى (٤) في المقامة [٣٢] الحَرْبِيَّة: واقْرِى المسَامِعَ إِمِّا نَطقـ ... تُ بَيَانًا يَقُودُ الحَرُونَ الشَّمُوسا. (٥)

стр. 375

ومن ذلك قولهم: "إِمَّا لا فَافْعَلْ هَذا". وإنما كانت "مَا" في هذه التراكيب زائدة لما قاله في (قواعد الإِعراب) أنه إِذا اجتمعت "إنْ" و"مَا": فإِن تَقدَّمتْ "إِن" على "مَا" فهي شرطية، و"مَا" زائدة. وإن تَقدَّمتْ "ما" كانت "ما" نافية، و"إِنْ" زائدة، نحو: "مَا إِنْ زَيْدٌ بِقائم" (١). والثانية: (٢) إِذا وقع بعدها "لا" النافية كما في قوله عَزَّ نَصْرُه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠]. وكقول عُمر بن عبد العزيز ﵁ (٣) أيام ولايته المدينة خِطابًا للفرزدق (٤): "تَلزم العفافَ وإلَّا فأاخرجْ من المدينة، فإِنها ليست بدارِ مَأْثَمة". وقول الأَحْوَص (٥): فَطلِّقْها فَلَسْتَ لها بِكُفْو ... وَإِلَّا يَعْلُ مِفْرَقَك الحُسَامُ (٦) وقول أبى الأسْوَدِ الدُّؤَلى (٧): دعَ الخَمْرَ تَشْربُها الغُوَاةُ فَإِنَّنى ... رَأَيْتُ أَخَاهَا مَجْزِيًّا بِمكانها

стр. 376

فإِلَّا يَكُنْها أَوْ تَكُنْهُ فَإنهُ ... أخوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلبَانِها (١) ومن الأمثال: (إِلَّا حَظِيَّةً فَلا أَلِيَّةً) (٢). وقول الفقهاء (وإلَّا فَلَا). ففى جميع تلك الكلمات تكتب بصورة "إلَّا" الاستثنائية، فيظنها الغِرُّ أنها هى، ولذا يغالط بها فيُقال له: هذا الاستثناء متصل أو منقطع، مع أن الاستثنائية لا يليها إِلا الاسم، ولو تأويلًا، والشرطية لا يليها إِلا الفعل ولو تقديرًا كما قالوه في: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٦]. [حَذف نون (أَنَّ) المصدرية في حالتين]: والموضع الخامس: (أَنَّ) المصدرية الناصبة، فتُحذف نونها في الحالتين اللتين تُحذف فيهما نون الشرطية. [إِذا وقع بعدها (ما)]: الأولى: إِذا وقع بعدها "ما" كما تقدم التمثيل له في باب الوصل بقول ابن مالك (٣): *أمَّا أَنتَ بَرًّا فاقْتَرِبْ* (٤) على مذهب الكوفيين في "أمَّا أنت مُنطلقًا انطلقتُ".

стр. 377

[إِذا وقع بعدها (لا) نافية أو للصلة]: الثانية: إِذا كان بعدها "لا"، سواء كانت: نافيةً، كقولك: "أَرْجُو ألا تَهْجُرنِى". أو صِلة: كقول موسى: ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: ٩٢، ٩٣]. وكقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحديد: ٢٩]. فإِن المراد -والله أعلم-: ليعلمَ أهل الكتاب. وكقول نبينا الأعظم -صلوات الله عليه وعليهم- لما استفهموه عن العَزْل فقال: "لا عَلَيْكُمْ أَلَّا تفعلوا" (١). وكقول الشاعر: وَمَا أَلُومُ البِيض أَلَّا تَسْخَرا ... إذا رَأَيْنَ الشَّمَطَ المنوَّرا (٢) وتقدم أن من ذلك قوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، أي: أَن تسجدَ؛ بدليل الآية الثانية. وكذلك: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: ٩٣]. والأصل -والله أعلم-: "أَن تَتَّبِعَنِى". "أن تَفْعَلُوا"، "أَن تَسْخَرا". فإِن لم تكن "أَنَّ" ناصبة لم تُحذف كما في آية: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩]، فالفعل مرفوع بثبوت النون. وهذا على ما اختاره ابن قتيبة (٣) وموافقوه كالحريرى (٤) في "الدرَّة" (٥) وصاحب

стр. 378

(الشافية) (١) وغيرهما من الجماهير. وأما أبو حَيَّان (٢) فاختار إِثبات النون مطلقًا؛ أي من غير المصحف، وإلا فهي محذوفة منه. وأقول: أرى أكثر النُّسَّاخِ لا يُفرِّق بين الناصبة وغيرها، وسبق هذا بزيادةٍ عما هنا في باب الوصل والفصل (٣)، ذكرناه هناك مُجاراةً لهم في تسميتهم حذف النون وَصْلًا، وإثباتها قَطْعًا، وذكرناه هنا لمناسبة باب الحذف. [ثبوت نون (إِنْ، أَنّ) إِذا وقع بعدهما (لن، لم)]: وأما غير "ما" و"لا" من الحروف -مثل "لَن" و"لَمْ"- فلا تُحذف معها نون "إِنْ" ولا "أَن"، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٣١]، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]. وكما يُقال في تصوير المسئلة: "بِأَن لم يكن كذا وكذا". وذلك لأن نصب الفعل بعد "أَلَّا" يُعيّن أنها المصدرية الناصبة، وكذلك جزمه بعد "أَلَّا" يعين أنها الشرطية، بخلاف الجزم بعد "إِن لَمْ"، فإِنه منسوب إِلى "لَمْ"، لقربها من الفعل كما في (إِعراب الآجُرُّومِيَّة) للكفراوى (٤) في "باب لا" (٥).

стр. 379

فلو حُذفت النون اشْتُبهت صورتها بصورة "أَلَمْ" الجازمة. [حذف نون (أن) مع (لن) في المصحف]: وأما حذفها في المصحف مع "لن" في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة:٣]. فلا يُقاس عليه كحذف نون "لَن" مع "ما" في قول الشاعر: * لَمَّا رَأَيْتُ أبا يزيد مُقاتِلَا. . . . (البيت) (١). فإِنه خاصُّ بالمعاياة كما مرَّ في باب الوصل (٢). [٤] [حذف الميم]: [حذف الميم من (نِعْم) المدغمة في (ما)]: وأما الميم فتُحذف من "نِعْمَ" لإِدغامها في "ما" من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، الأصل: "نِعْمَ ما هِىَ"؛ كُسرت العين وسُكِّنت الميم فأُدْغمت في "ما". [حذف الميم من (كم، ما)]: وقد تُحذف الميم من "كَمْ" الاستفهامية، ومن "أَمْ" إِذا وقع بعدهما "ما"، مثل: "كمَّا جِئْتَ به" و"هذا أحسن أَمَّا اشتريته" على ما قاله شيخ الإِسلام في (شرح الشافية) من جواز الوجهين: الوصل والفصل فيهما، قال: (كجوازهما في "مِن مَا" و"مِمَّا"، و"عَن مَا" و"عَمَّا") (٣). قلت: ولم أَرَ من يُجرِى العمل على الوصل في "أَمْ" و"كَمْ"، بل رأيت الجلال (٤) في (الهَمْع) مَنَعَ من ذلك وقال: "إِنَّ وصل "أَمْ" بـ "مَا" أو

стр. 380

بـ "مَنْ" وجعلهما ميمًا واحدة مُشدَّدة -في مثل قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]- خاصٌّ بالمصحف" اهـ (١). وقال شيخ الإِسلام على (الجزَرِيَّة): "كل ما في القرآن من ذكْر "أَمْ مَنْ" فهو بميم واحدة، إِلا أربعة مواضع فَبِمِيمَيْن، وهي: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]. و ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ﴾ [التوبة: ١٠٩].و ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصَّافَات: ١١]. ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ [فصلت: ٤٠] " اهـ (٢). [٥] [حذف الياء]: [حذف ياء المنقوص المضاف إِلى ياء المتكلم]: وأما حذفُ الياء من المنقوص المفرد والجمع فقد سبق في فصله (٣)، وأن محل ذلك إِذا لم يُضفْ، فإِنْ أُضيف لم تُحذف. وإنما الذي نذكره هنا حذفها منه إِذا كانت الإِضافة إِلى ياء المتكلم، لِمَا هو معلوم من القواعد الصرفية أنه إِذا التقى مِثْلان في كلمة -أو ما هو كالكلمة- وكان أولهما ساكنًا يجب إِدغام الساكن فيما بعده، ويصيرا في الخط حرفًا واحدًا مُشدَّدًا، مثل ياء المتكلم إِذا اجتمعت مع ياء المنقوص، مفردًا أو جمعًا سالمًا، نقول: "سهرت الليلة مع مُغَنِّىِّ هذا" و"مع مُغَنِّىِّ هؤلاء"، و"سافرت مع مُكارِىِّ هذا" و"مُكارِىّ هؤلاء"، و"هذه مَعَانِىِّ سرقها الشاعرُ الفلانى" و"هؤلاء مَوَالىِّ" و"بِعْتُ جَوَارىِّ": بتشديد الياء في جميع ما ذُكر. ويجوز تسكينها في "جَوَارِى" على لغة من يقول: "هؤلاء جوارٌ": بضم الراء مُنَوَّنة.

стр. 381

[المثنى والجمع المضافان إِلى ياء المتكلم]: وكذا إِذا أُضيف المثنَّى أو الجمع السالم -ولو غير منقوص- إِلى ياء المتكلم، سواء كان كل من المثنى والجمع مرفوعًا (كـ"مُسْلِمون" و"بَنُون" و"صَاحِبان")، أو منصوبًا أو مجرورًا (كـ"بَنِين" و"مُسْلِمين")، كأن تقول: "إِنَّ صاحبىَّ أَكْرَما والدَىَّ". وكقول إِسرائيل ﵇ (١): ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وفي الحديث: "أَوَ مُخرِجىَّ هُمْ" (٢) (والأصل: مُخْرجِونَ لي). ومثله: "هؤلاء مُسْلِمِىّ" و"رأيتُ مُسْلمِىّ" و"مررتُ بِمُسْلِمِىّ" -فيُكتفى في ذلك كله بياء واحدة، كما يُكتفىَ بها في "عَلَىّ" وإلىَّ" و"لَدَىَّ" و"فىَّ". ومثل ذلك قوله ﵇: "إنَّ لِكُلِّ نَبِىِّ حَوَارِىَّ، وحَوَارِىّ الزُّبَيْرُ" (٣). قال القَسْطلانى (٤) في صفحة [٥٥] من (الخامس): ("حَوَارِىّ" بإِضافته إِلى ياء المتكلم، فحذف الياء، وضبطه جماعة بفتح الياء، وآخرون بالكسر، وهو القياس، لكنهم لما استثقلوا ثلاث ياآتٍ حذفوا ياء المتكلم وأبدلوا من

стр. 382

الكسرة فتحة) اهـ (١). وتقول: "هذا الكِتابُ هل أنتَ مُعْطِيُّهُ" و"هل أنتم مُعْطِيُّهُ"، فيُقال فيه ما قيل في "حَوَارِىّ" المضاف للياء، واللهُ الموفّق.

стр. 383

تكملة الباب في نوع آخر من الحذف كرموز المحدِّثين في (الصحيحين) و (الجامع الصغير) (١) وغير ذلك من الشراح والحواشى، التي بعضها يُشبه النحت. * [رموز الكتَّاب إِلى أسماء الشيوخ وألقابهم] لَمَّا كان الخط نائبًا عن اللفظ -وهو قد يُحذف منه بعض الكلمة، اتّكالًا على فهم السامع أو تفهيم الموقف أي: المعلم، وقد ينحتون من الكلمتين كلمة، كالحَسْبَلة والحَوْلقَة (لا الحَوْقَلة) والحَيْعَلَة والبَسْمَلَة ونحوها- فكذلك للكُتَّاب رموز تُشبه ذلك؛ كأن يُؤخذ من اسم الشيخ أول حرف، ومن لقبه أو بلده حرف آخر؛ كما يرمزون بالميم والراء للإِمام الشيخ محمَّد الرَّمْلى (٢). و (ع ش) للشيخ على الشمَّبْرامَلِّسِى (٣). (ح ل) الحَلَبِى (٤). (ق ل) القَلْيُوبى (٥). (سم) ابن

стр. 384

قاسم العَبَّادِى (١). (س) لِسيبَوَيْه (٢). (ش) للشرح. (ص) للمصنَّف -بفتح النون- أي: المتن. وأما المصنِّف -بكسرها- فهكذا (المص). و (الشر) للشارح. (ض) ضعيف. (م) مُعْتَمد. وأما (ح) فإِن كانت في غير كُتُب الحديث وغير كتب الحنفية فهي بدل "حينئذٍ"، وعند الحنفية رمز للحَلَبِى. وإن كانت في (الصحيحين) -البخاري ومسلم- فهي في اصطلاح الحديث لتحويل السند. [رموز الصحيحين]: وأما رموز (الصحيحين) المشهورة فهي: "ثَنَا" و"ثَنِي" و"أَنا" و"نَا"، مُقْتَطعة من: "حَدَّثنا" و"حَدَّثنى" و"أَنبأَنا" و"أَخْبرنا". ولكل من علماء المذاهب الأربعة رموز معلومة عندهم. [بعض رموز العجم (غير العرب) في الكتب العربية]: كما أن للعجم في الكتب العربية رموزًا معروفة عندهم، مثل: (مم): ممنوع. (لايخ): لا يَخْفَى. (عـ م): ﵇. وكذا (صلعم) أو (ص م). لكن نَهَى العلماء عن تقليدهم في ترك كِتابة التَّصْلية (٣)؛ لأن فيه إِعْراضًا عن اكتساب الثواب العظيم الوارد في حديث: "مَن صلَّى عَلَىَّ في كتابٍ لم تَزلِ الملائكةُ تَسْتَغْفِرُ له ما دام اسْمِى في ذلك الكتاب" (٤).

стр. 385

بل قال العلماء: إِن جميع الحروف المفرَّقة لا يُنطق بتفريقها إِلا في الحروف المقطَّعة في كتب اللغة والصرف. وأما أسماء العلماء فلا يُنطق بأسماء حروف هجائها، بل يُنطق بالأسماء المتعارَفة. كما إِذا رأى اللام والخاء فلا يقول: "إِلخ"، بل يقول: "إِلى آخِرِه". وكنت أرى بعض العَجَم -كعبد الحكيم على (العقائد النسفية) (١) يكتب"اهـ" بدل "إِلخ"، مع أن "اهـ" عندنا علامةٌ على انتهاء الكلام، ولا مشاحة في الاصطلاح. [الرموز عن أسماء الشهور (التأريخ بالحروف والعبارة)]: وكذلك لكُتَّاب الدواوين اصطلاح في الرموز عن أسماء المشهور بحروف ثمانية مقتطعة من أسمائها، ثلاثة أشهر يأخذون الحروف من أواخرها، وهي: "الباء" لرجب، و"النون" لرمضان، و"اللام" لشوال. وما عداها يأخذون الحروف الأول من اسم الشهر، ويميزون الأول من الربِيعَيْن والجُمادَيْن والشهرين الأخيريْن بزيادة ألف على الراء والجيم والذال، للدلالة على أنه الأَوَّل. وكان العلماء أولًا يُؤرخِّون بالعبارة، لا بالأرقام الهندية، ويؤرخون في النصف الأول من الشهر بما مضى من لياليه، لأن أول الشهر عندهم من الليل، فيقولون: "لِعَشْرٍ خَلَوْنَ"، أو "لاثنتىْ عَشْرةَ خَلَتْ من كذا". وفي النصف الثاني بما بَقِىَ، فيقولون: "لِعَشْرٍ بَقَيْنَ"، أو "لخمسٍ بَقَيْنَ"، على اعتبار كمال الشهر، وإن كان في الواقع ناقصًا. كما قد أرَّخوا خروجه ﵇ من المدينة لحَجَّة الوداع بخمسٍ بَقَيْن من ذِى القِعْدة، فكان خروجه ﵇

стр. 386

يوم السبت الخامس والعشرين من الشهر، ثم تبين نقص الشهر، بدليل أن الوقوف بعرفة كان يوم جمعة (١). قال النووى (٢) على (مسلم): "يُؤخذ من ذلك عدم التشاؤم بالسفر في آخر الشهر" اهـ (٣). مع أنهم يقولون: الخامس والعشرون من الأيام السبعة المنحوسة من كل شهر المنقوطة من قول الشاعر: مُحِبُّكَ يَرْعَى هَواكَ فَهَلْ ... تَعُودُ ليالٍ بضدِّ الأَمَلْ (٤). واستمر التأريخ بالعبارة في المحاكم الشرعية ووثائقها حتى يقولون خَطَأً: "لأحد وعشرون شهر جُمادَى". واعترض عليهم من قال: إِنّ حادى عِشْرينَ شَهْر جُمادَى ... في كلامِ الشُّهُوِد لَحْنٌ قَبيحُ أَثْبتُوا الشَّهْرَ وهو مع رمضا ... نَ والرَّبِيعَيْن غَيْر ذِى لم يُبِيُحُوا وتَعدَّوا بحذْفِ واوٍ إثبا ... تٍ لنُونٍ، وعَكْسُ هذا الصَّحيحُ (٥) وكنت رأيت في تفسير (رُوح البيان) في آية سورة التوبة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]. تلحين التُّرْك في قولهم "شهر جَمادَىَ الأول" من أَوْجُهٍ عديدة: فتح الجيم والياء، وإعْجام الذال وكسرها، وِإضافة شهر إِلى اسم الشهر. ووُصِف جُمَادَى بالأَوَّل، مع أنه على وزن "حُبَارى" (مضموم الأول)،

стр. 387

وأَلِفُه تُكتب ياء، لانقلابها عند التثنية ياءً، فيقال: الجُمادِيَّان (١). وهذه البِنْية ألفها للتأنيث، فيجب مطابقة النعت لمنعوته تأنيثًا فيقال "الأُولى"، لا "الأَوَّل". نَعَمْ، إِذا جُعِل وصفًا للشهر صَحَّ وإن مَنَغُوا من ذِكْر الشهر، كما قال الأُجْهُورِى (٢): ولا تُضِفْ شَهْرًا إلى اسْمِ شَهْر ... إلَّا لِمَا أَوَّلُهُ الرَّا فادْر واسْتَثْنِ مِن ذَا رَجَبَا فيمتنعْ ... لأَنه فيما رَوَوْهُ مَا سُمِعْ واستثناء "رَجَب" غير مُسلَّم، فقد سُمِعَ، إِلا أنه قليل جِدًا.

стр. 388

الخاتمة في الشَّكْل والنَّقْط وبيان أول واضع للأول، وأول واضع للثاني في المصحف، وبيان ما يجب نقطه وما يمتنع من الياآت [تعريف الشكل لغةً واصطلاحًا]: يُطلق الشَّكْل في اللغة على مَعَانٍ ذكرها في (القاموس) (١): منها: صُورة الشىء وهيئتُه. ومنها: ما يُماثل الشىءَ صورةً أو طَبْعًا، ومنه قول البُسْتى (٢): وما غُرْبَةُ الإِنسان في شُقَّةِ النَّوَى ... وَلَكِنَّها وَاللهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ (٣) وأما الشَّكْل في اصطلاح الخَطِّ فهو "ما يُوضع فوق الحروف أو تحتها من العلامات الدالة على الحركة المخصوصة، أو السكون، أو الهمز، أو المدّ، أو التنوين، أو الشَّدّ. وينقسم إِلى قسمين: عام وخاص، على ما يأتى بيانه (٤).

стр. 389

[سبب التسمية]: وسُميت تلك العلامات بهذا الاسم قيل: لأن هيئة الكلمة وصورتها تختلف في التلفظ باختلافها. وقيل: شَكْلُ الكتاب مأخوذٌ من شكَال الدابة التي تُقَيَّد به (١)، فكأَنَّ شكل الكلمة يُقيدهَا عن الاختلاف فيها، ويُزيل عنها الإِبْهامَ؛ فإِن الخط إِذا لم يكن مَشْكُولًا يُقال له: خط غفل كما في فقه اللغة. ولذا يقال للحرف الذي لا يُنقَط "مُبْهَمٌ" و"مغفل". وقال أبو البقاء (٢) في (الكُلّيات): "هو من: أَشْكَل الكِتابَ، أي أَعْجمه، كأنه أَزال عنه الإِشْكالَ والالتباس" اهـ (٣). ولذا كانوا يُسمُّونه إِعجامًا ونَقْطًا. قلت: ولعله المراد من قول الجلال (٤) في (المزْهر): "أول من نَقَط المصحف أبو الأسود الدُّؤلى، كما أنه أول من وضع علم العربية بالبصرة" فيكون المراد بالنَّقْط في كلامه: الإِعْجام؛ بمعنى الشَّكْل، لا النَّقْط، أَزواجًا وأَفرادًا المميّز بين الحرف المعْجَم والمهْمَل. بل أقول: يُحتمل أيضًا أنه المراد من قولهم: "حروف المعجم"، أي: الخط المعجم، بمعنى المشْكُول؛ أي الذي شَأْنُه أن يُشكل كما قد يُومئ إِلى ذلك قولُ (القاموس): "أي: ما من شأنه الإِعجام"، كما سبق أول المقدمة (٥). وكما قد يُؤخذ من حكاية العَسْكرى الآتية قريبًا (٦). [قصة اختراع النَّقْط وأول من اخترعه]: وتكون هذه التسمية حدثْت له بعد ما اخترَع له أبو الأسود (٧) النَّقْط الذي

стр. 390

وضعه، "فإِنه لما أقام بالبصرة (١) مُستوطِنًا بعدما كان واليًا بها لابن عباس في خلافة سيدنا علىّ -رضوان الله عليهم- إِلى أن تولَّى زياد بن أبِيه (٢) إِمارة العِراقَيْن أيام معاوية (٣)، وكانت العرب قد خالطت الأعاجم وتغيّرت ألسنتهم، وكان الدُّؤلى (٤) لا يُخرِج إِلى أَحدٍ شيئًا مما أخذه من علم العربية عن الإِمام ﵁ وكَرَّم الله وجهه - حتى أمره زِياد بتعليم أولاده بالبصرة، ثم بعث إِليه أنِ اعمل شيئًا يكون إِمامًا تَنتفِع به الناس، وتعْرِب كتابَ الله. فاستعفاه من ذلك إِلى أن سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣].بكسر اللام، فقال: ما ظننتُ أن أَمْر الناسِ صار إِلى هذا. فرجع إلى زِياد وقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير، فليَبْغنى الأميرُ كاتبًا لَقنًا لَبِقًا (٥) يعقل ما أقول. فأتى بكاتب من عبد القَيْس، فلَم يَرْضَه، فأتى بآخر -قال أبو العباس: أحسبه منهم- فقال أبو الأسود: إِذا رأيتَنى قد فَتحتُ فَمِى بالحرف فانقط نُقطةً على أعلاه. وإن ضَمَمْتُ فمى فانقط نقطة بين يَدَى الحرف. وإنْ كسرتُ فمى فاجعل النقطة تحت الحرف. فإِن أَتبعتُ لك شيئًا من غنَّةٍ فاجعل مكان النقطة نقطتين. ففعل ذلك. فهذا نَقْط أبى الأسود" اهـ. هكذا نقلته من (شرح) المُطَّرِزِى (٦) على المقامة الأخيرة من (مقامات) الحريرى (٧) من عند قوله: "أنه أقام بالبصرة مُستوطنًا. . . إِلخ" (٨). ورأيت مثله في ترجمته في حرف الظاء من (ابن خَلِّكَان) (٩).
следующие страницы →