← Язык

Язык · id 97799

المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية

نصر الهوريني

Полный текст (431 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يهجو بني فَزَارةَ بِوَطْءِ القَلُوص (١)؛ أي البَكْرة من النُّوق: لَا تَأمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلى قَلُوصِكِ واكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ (٢) ويُقال: كتب السِّقَاء والمزَادة كَتْبًا إِذا خَرَزَهما فهو كاتب، أي خرَّاز. ومنه قول الحريرى في (المقامة) (٣): وكَاتِبينَ وما خَطَّتْ أَنامِلُهُمْ ... حَرْفًا ولا قَرؤُا ما خُطَّ في الكُتُبِ ويُستعار الكَتْب من هذا المعنى، ومنه قول البُوصِيرى (٤) في مدح الصحابة ﵃: والكاتِبُونَ بِسُمْرِ الخَطّ مَا تَرَكَتْ ... أَقْلَامُهُمْ حَرْفَ جِسْمٍ غَيْر مُنْعَجِمِ (٥) وشاع إِطلاق الكِتَابة عُرفًا على إِعمال القلم باليد في تصوير الحروف ونَقْشها، وعلى نفس الحروف المكتوبة:

стр. 37

[تعريف الكتابة اصطلاحًا]: فعلى الإِطلاق الأول تُعرَّف بما عُرّف به الخط في (الشافية) (١) و (جَمْع الجوامع) (٢) حيث قال: "الخطُّ تصويرُ اللفظ برسم حروف هجائِه بتقدير الابتداء به والوقف عليه". وعلى الإِطلاق الثاني تُعرَّف بأنها: "نقوش مخصوصة دالةٌ على الكلام دِلالة اللسان على ما في الجَنَان الدالّ على ما في خارج الأعيان". وقد اشتمل هذا التعريف على أقسام الوجود الأربعة المذكورة في قولهم: "لكل شىءٍ وجودات أربع: وجود في البَنَان بالكتابة، ووجود في اللسان بالعبارة، ووجود في الجنَان -أي العقل- بالتصُّور، ويُعبّر عن هذا أيضًا بوجود الأذهان، والرابع: هو الوجود في العيان؛ أي بالتحقق خارجًا عن الأذهان". وقد جمعها ناظم (جَمْع الجوامع) (٣) أول الخاتمة في بيت فقال: مراتُب الوجودِ أَرْبَع فقطْ ... حقيقةٌ تصورٌ لَفْظٌ فَخَطْ [الكتابة في اصطلاح الأدباء]: وتطلق الكتابةُ في الاصطلاح الخاص بالأدباء على صناعة الإِنشاء التي ربما كان القلم فيها بيدِ الكاتب أَمْضَى من الحُسام بيدِ الضارب، فيقولون: فلان شاعر، وذاك كاتب أي مُنشىء ناثر. وهذا المعنى هو الذي عناه الشاعر النَّابِغى بقوله:

стр. 38

وما كُلُّ مَن لاقَ اليَرَاع بكاتبٍ ... ولا كُلُّ مَن رَاشَ السِّهامَ بصَائِبِ (١) [معنى الكتابة عند الفقهاء]: وتُطلق الكتابةُ شَرْعًا -أي عند الفقهاء- على عَقْدٍ بين السَّيِّد وعَبْدِه على مالٍ يدفعه إِليه مُنَجَّمًا (٢)، فَيُعْتَق بأَدَائِه. وهذا المعنى إِسلامى لم يكن معروفًا للعرب في الجاهلية كما قاله البِرْمَاوِى على (ابن قاسم) (٣). والمناسبة بين هذا المعنى والمعنى اللُّغوى أن فيها -كما قاله صاحب (الدرر) من الحنفية (٤) - جَمَعَ حُريةَ الرَّقَبة مآلًا مع حُرية اليد حالًا، فإِن المُكاتَب مالكٌ

стр. 39

يدًا، ومملوكٌ رقبة. [إِطلاق لفظ "الكِتاب" على الخط]: ومثل الكِتابة في تلك المعانى لفظ "الكِتاب"- بدون هاء- فإِنه يطلق بمعنى الخط ومنه قوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [المائدة: ١١٠] (١). فإِن الكتاب فيها بمعنى الكِتابة، إِلا أنه شاع في العُرْف إِطلاقُه على الحروف والكلماتِ المجموعة خطًا، استعمالًا للمصدر بمعنى اسم المفعول على التوسُّع الشائع، كقولهم: "فِراش"، و"غِراس"، و"لِباس" بمعنى "مَفْروش" و"مغَرْوس" و"مَلَبُوس". ونظيرها: "بِساط" و"مِهاد" ثم أطلقوه على الصحيفة بما هو مكتوب فيها. [إِطلاق لفظ "الكتاب" على كتب مخصوصة]: وغلب إِطلاقُه في اصطلاح الأُصُوليين والفقهاء على الكِتاب العزيز الذى هو القرآن، وفي اصطلاح النحاة على (كِتَاب) سِيبَوَيْه (٢)، وفي اصطلاح المؤلّفين على جملةٍ من الألفاظ تشتمل غالبًا على أبوابٍ وفصول، وقد تشتمل على

стр. 40

كُتُبٍ، وقد لا يكون فيها شىء من ذلك أصلًا (١). وأما الكَتْب -بفتح الكاف- فهو المصدر المجرد الباقي على المصدرية بالمعانى المتقدم ذكرها. [الألفاظ المرادفة للكتابة]: وأما الألفاظ المرادفة للكِتابة في المعنى فمنها "الخَطّ" و"السَّطْر" و"السَّفْر (٢) و"الزَّبْر" (٣) (بالزاى، وكذا بالذال أيضًا، ومنه: الزَّبُور) ومنها "الرَّقْم" (٤) و"الرَّسْم" (بالسين المهملة، وكذا بالشين المعجمة أيضًا) (٥) وإن غلب الرسم في خط المصاحف ومنها "التحرير" وبه سُمِى قلم التحريرات بمصر الآن الذي كان في أيام الخلفاء يُعرف "بديوان الإِنشاء" (٦) أي إِنشاء الرسائل في المخاطبات بأفصح العبارات.

стр. 41

الفائدة الثانية في أصول الكتابات كلها [اختلاف اللغات]: من المعلوم أن بني آدم، أمم كثيرة مختلفة اللغات، واختلافُها حَدثَ بعد وفاة نُوح ﵇ بنحو ثلاثمائةٍ وعشرين سنة تقريبًا عند تَبَلبُل الأَلْسُنِ بأرض بَابِلَ في جزيرة "سورى" أو "سوريانة" (١) التىِ كان فيها نوح وقومه قبل الطُّوفان كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] على قول بعض المفسرين. فلما تَبَلبَلَتْ الألْسُن، واختلفت اللغاتُ بالأرضِ المذكورة في إِقليم العراق: سميت بذلك الاسم، وقسمت الأراضى بين الشعوب -أحفاد نوح- قسمة ثانية بعد قسمتها أيام نوح بين أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث، وكانوا إِذ ذاك اثنين وسبعين شَعْبًا، وصار لكل شَعْبٍ لغةٌ. لكن لا يلزم أن يكون لكل لغة كِتابةٌ خاصة بها، ألا ترى إِلى لغة العرب والعجم -والمراد بهم مُسلمو الفُرس والرُّوم والتُّرك- فإِن حروفَ الكُلِّ بصورة واحدة وإن وقع تَخَالُفٌ يسير في أربعة أحرف من حيث النَّقْط والمخارج، وهي: "الباء" و "الجيم" و "الزاى" و"الكاف" الفارسيات. [أصول الكتابات]: وإنما أصول الكتابات اثنا عشر على ما قاله ابْنُ خَلِّكان (٢)، وتَبِعه كثير من

стр. 42

المؤلفّين، كالدَّمِيرىِ (١) في (حياة الحيوان) (٢) والحَلَبى (٣) في (السيرة) (٤) وغيرهما. قال (٥): "إِن جميعَ كتاباتِ الأممِ من سكان المشرق والمغرب اثنتا عشرة كتابة؛ خَمْسٌ منها ذَهَبَ مَن يعرفها، وبَطُل استعمالها، وهي: الحِمْيَرِيَّة والقِبْطِيَّة والبَرْبِريّة والأَندَلُسِيَّة واليُونانية. وثلاثٌ منها فُقدِ من يَعْرفِها في بلاد الإِسلام، ومُستعملة في بلادها، وهي: الهِندية والصِّينية والرّومية. وأَرْبعٌ منها باقية مُستعملة في بلاد الإِسلام، وهي: السّريانية والفارسية والعِبْرانية والعَربية انتهى كلامه باختصار (٦) وفيه ما فيه مما لا يخفى على النبيه. قال: "والحِمْيَرِيَّة

стр. 43

هى خط أهل اليمن قومِ هود، وهم عَادٌ الأُولى، وهي عاد إِرَم، وكانت كتابتهم تسمى "الُمسْنَد الحِمْيَرِى" (١)، وكانت حروفُها كلُّها منفصلة، وكانوا يمنعون العامة من تَعلُّمها، فلا يتعاطاها أحد إِلا بإذْنهم، حتى جاءت دولة الإسلام وليس بجميع اليمن من يكتب ويقرأ" اهـ (٢). وقال المقريزى (٣) في (الخِطَط) آخر الصفحة [١٤٨]: "القلم المُسْنَد هو القلم الأول من أقلام حِمْيَر وملوك عَاد" اهـ (٤). فتأمل قوله: "القلم الأول". هذا، وليس في غير الحروف العربية فقط إِلا ما نَدُر، بخلاف العربية، فإِن الأكثر منها منقوط، فلهذا سُمّيت "بحروف المعجم" أي المنقوط، تغليبًا للأكثر، هكذا قالوا.

стр. 44

ويُحتمل عندي أن المراد بالإعْجام في ذلك نَقْطُ أبى الأَسْود الدُّؤَلى (١) المذكور في قولهم: (أول من نَقَط المصحف هو الدُّؤَلى)، وهو الشَّكْل، فإِنه أَوَّل مَن وضعه على ما يأتى إِن شاء الله تعالى في الخاتمة (٢) وربَّما يُومِئُى إِلى ذلك قولُ (القاموس): "وحروف المعْجَم -أي الإِعْجام- مصدر كالمُدخَل، أي ما من شأنه أن يُعجم" اهـ (٣). وعلى كُلٍ لا يُقال حروف المعجم على غير العربية. وأما الاسم المشترك بين العربية وغيرها من الكتابات الاثْنَتَىْ عَشْرةَ فهو "حروف الهجاء"، أو "أَلفْ باء"، لأنها في كل اللغات مبدوءة بها، ما عدا الحَبَشيَّة على ما قيل. ولقد أحسن الإِشارةَ إِلى الحِكْمة في ذلك يحيى بن زَبادة (٤) في معرضِ النصح حيث قال: أَلِفُ الكتابِة وَهْو بعضُ حُرُوفِها ... لمَّا اسْتَقَامَ على الجميع تقَدَّما (٥)

стр. 45

ورأيت الشيخ الأكبر (١) في الباب [٢٩٥] من (الفتوحات) أبدى لذلك سرًّا في صفحة [٧٥٢] من ثانى جزء (٢). وكذا أبو البقاء (٣) في (الكليات) قال: "لكونهما من أقصى الحلق، وهو مبدأ الخارج"، فانظره في أول فصل الألف (٤).

стр. 46

الفائدة الثالثة في في أَوَّلية الكتابة العربية أي: مَن وضعها أولًا على الصورة الكُوفية؟ ومِن أين وَصَلتْ إِلى الأمة الأُمِّيَّة؛ وهم العرب القُرشية قبل بناء الكوفة؟ ومَن نقلها عن صورتها الأُولى إِلى الصورة التي هى عليها الآن؟ وفي بيان معنى كونه ﵇ أُمِّيًّا، وحكاية أنه كتب اسمه واسم أبيه مرة على قول بعضهم. وفي بيان عِدّة كُتَّابه، وعدد المصاحف التي كُتِبتْ بأمر سيدنا عثمان وأرسلها إِلى الأَمْصار، وبيان أسماء كُتَّابها رضوان الله عليهم أجمعين. [اختلاف الروايات في تحديد أولية الكتابة (أول من كتب)]: أما أَوَّلِيَّةُ الكتابة من حيث هى فقد اختلفتْ الروايات فيهما كما قاله الحافظ السيوطي (١) في كتاب (الأوائل) (٢)، وكذا في (المُزْهِر) في النوع [٤٢]، فإِنه قال (٣): "يُروى أن آدم ﵇ أولُ مَن كَتَبَ الكتاب العربى والسِّريانى وسائر الكتب الإِثْنَىْ عَشَر وأن الكتابات كلَّها مِن وضعه كان قد كلتبها في طينٍ، وطبَخَه -يعني أحرقه- ودفنه قبل موته بثلاثمائة سنة. فبعد الطُّوفان وجد كلُّ قوم كتابًا فتعلموه بإِلهام إِلهى، ونقلوا صورته، واتخذوه أصل كتابتهم. وفي رواية أخرى: أن أول مَن خطَّ بالعربى إِسماعيل ﵇، وأن حروفه كلها كانت متصلة حتى الألف والراء بعكس الحِمْيرية، إِلى أن

стр. 47

فصلها من بعضها ولداه: قيدار (١) والهَمَيْسَع". وقال الحلبى في (السيرة): "الصحيح أن أول من كتب بالعربى من ولد إِسماعيل نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنان" (٢)، قال: وأما ما ورد "أول مَن خَطَّ إِدريس ﵇ فالمراد به خط الرَّمَل. وأما ما روى أن أول العرب كتب بالعربية حَرْب بن أُميَّة (٣) فالمراد من العرب فيه قريش، فهي أَوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّة" اهـ (٤). وفيه نظر، لأن الرواية: "أول من خط بالقلم إِدريس" كما في (الجلالين) (٥). وقال السيوطي في (المُزْهِر) (٦): "والمشهور عند أهل العلم ما رواه ابن

стр. 48

الكَلْبى (١) عن عَوَانة (٢) قال: أول من كتب بخطنا هذا -وهو الجزْم (٣) - مُرامِرُ ابن مُرَّة وأَسْلم بن سِدرة (٤) أي: وكذا عامر بن جَدَرة كما في (القاموس) (٥)، وهم من عرب طَىّ تعلموه من كاتب الوحى لسيدنا هود ﵇، ثم علَّموه أهلَ الأَنْبار (٦)، ومنهم انتشرت الكتابة في العراق الحيرة (٧) وغيرها،

стр. 49

فتعلمها بِشر بن عبد الملك أخو أُكَيْدِر بن عبد الملك صاحب دُومَةِ الجَنْدَل (١)، وكان له صُحْبة بحرب بن أُميَّة (٢) لتجارته عندهم في بلاد العراق، فتعلم حَرْب منه الكتابة، ثم سافر معه بِشْر إِلى مكة، فتزوج الصَّهْباء بنت حرب أخت أبى سفيان (٣)، فتعلم منه جماعة من أهل مكة. فبهذا كَثُر من يكتب بمكة من قريش قُبيْل الإِسلام، ولذلك قال رجل كِنْدِى من أهل دُومَة الجَنْدَل يَمُنُّ على قريش بذلك: لا تَجْحَدُوا نَعْماءَ بِشْرٍ عَلَيْكُمُو ... فَقَدْ كَانَ مَيْمُونَ النَّقِيبةِ أَزْهَرَا

стр. 50

أَتَاكُمْ بِخَطّ الجزمِ حَتَّى حفِظتُمُو ... مِنَ المالِ مَا قَدْ كَانَ شَتَّى مُبَعْثَرا وَأَتْقَنْتُمو مَا كَانَ بالمالٍ مُهْمَلا ... وطَامَنْتُموُ ما كان مِنْه مُبقَّرا فَأجْرَيْتُمُ الأَقْلامَ عَوْدًا وَبَدْأَةً ... وضَاهَيْتُمُ كِتَابَ كِسْرَى وَقَيْصَرا وأَغْنَيْتُمُ عَن مُسْنَدِ الحىّ حِمْيرا ... وَمَا زَبَرتْ في الصُّحفِ أَقْلامُ حِمْيَرَا (١) وإنما قال: "أتاكم بخط الجزم" (٢) - كما قال عَوَانة: "بخطنا هذا، وهو الجَزْم" لأن الخط الكوفى كان أولًا يُسمَّى الجَزْم قبل وجود الكوفة لكونه جُزم، أي اقْتطِع ووُلِّد من المسْنَدِ الحِمْيَرىِ (٣) كما في (الاقْتِضاب) شرح البَطليَوْسِى (٤) على (أدب الكاتب) (٥). وقد عَرفْتَ أن الذي اقتطعه "مُرامِر" وصاحباه على ما مَرَّ في (المزْهِر) (٦). قال السيوطي: "وقد قيل للمهاجرين من قريش: من أين لكم الكتابة؟ فقالوا: من الحِيرةِ. وقيل لأهل الحيرة: من أين لكم الكتابة؟ فقالوا: من

стр. 51

الأَنْبار" اهـ (١). وكذلك النّوَوِى (٢) في شرحه على (صحيح مسلم) (٣) نقل عن الفَرَّاء (٤) أنه قال: "إِنما كتبوا "الرِّبَا" في المصحف بالواو لأن أهل الحجاز تعلَّموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم "الرِّبَو"، فعلموهم صورة الخط على لغتهم" اهـ (٥) ولذا قال ابن خلدون (٦) في (المقدمة) صفحة [٢٠٤]:

стр. 52

"فالقول بأن أهل الحجاز إِنما لُقِّنُوها -يعني الكتابة- من الحيرة، ولُقِّنُها أهل الحيرة من التَّبَابِعة وحِمْيَر: هو أليق الأقوال" اهـ (١). [المشهورون بالكتابة من الصحابة]: هذا، وقد جاء الإِسلام وعمر بن الخطاب ممن يكتب ويقرأ المكتوب كما يدل لذلك قصة إِسلامه المذكورة في (السيرة الحلبية) (٢) و (شرح البخاري) في باب إِسلامه في صفحة [١٥٧] من سادس (القسطلانى) (٣)، مع أنه كان قبل إِسلامه مُبَرْطِسًا؛ أي: دلّالًا أو ساعيًا بين البائع والمشترى على ما في (القاموس) (٤).

стр. 53

قال في (المزْهِر) (١): "وكان ممن اشْتُهر بالكتابة من عظماء الصحابة عمر وعثمان وعلى وطلحة وأبو عبيدة من المهاجرين. وأُبّى بن كعب وزيد بن ثابت من الأنصار وغيرهم" اهـ. ولكنَّ معرفةَ شِرْذمةٍ (٢) قليلة من قريش للكتابة لا تنفى عن العرب الأُمّيَّة التي وصفهم الله بها في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] هذا ما يتعلق بوجود الكتابة بمكة. [كَتَبة الوحى]: وأما المدينة المنورة -على ساكنها وآله وأصحابه وأتباعهم أفضل التحايا- فلم تكثر الكتابة العربية فيها إلا بعد الهجرة بأكثر من سنة؛ وذلك أنه لما أَسرتِ الأنصارُ سبعين رجلًا من صَناديد قريش (٣) وغيرهم في غزوة بدر السنة الثانية من الهجرة: جعلوا على كل واحد من الأَسْرى فِداءً من المال، وعلى كل مَن عَجَزَ عن الافتداء بالمال أن يُعلِّم الكتابةَ لعشرةٍ من صبيان المدينة، فلا يُطلقونه إِلا بعد تَعْليمهم. فبذلك كثرت فيها الكتابة، وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإِسلام في حياته ﵇ وبعده كما في (السيرة) (٤) حتى بلغت عِدَّة كُتَّابه ﵇ ثلاثة وأربعين رجلًا. وقد ألف بعضهم (رسالة) في أسمائهم، كذا في (الشهاب) على (الشِّفا) (٥).

стр. 54

ولا ينافيه القُرطبى (١) في تفسير سورة العنكبوت على ستة وعشرين (٢)، ولا اقتصار الشَّبْرامَلِّسِى (٣) على أربعين، على ما نُقل عنه في كتاب القضاء من (حاشية المنهج) (٤).

стр. 55

لكن لم يكونوا كلهم كُتَّابَ وَحْىٍ، وإنما كان أكثرهم مداومةً على ذلك بعد الهجرة زيد بن ثابت (١)، ثم معاوية بن أبي سفيان (٢) ﵃ بعد فتح مكة (٣). وأول من كتب الوحى بمكة من قريش: عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرْح (٤)، لكنه ارتدَّ وهرب من المدينة إِلى مكة، ثم عاد إِلى الإِسلام يوم الفتح. وأول من كتبه بالمدينة: أُبّى بن كَعْب ﵁ (٥).

стр. 56

[النبي الأُّمِّى -وتفصيل القول في أُمِّيته ﷺ -]: وكان صلوات الله وسلامه عليه أُميًّا، لكن لا بالمعنى الشرعى، بل بمعناه اللغوى، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، كما في نص الآية الشريفة المتقدمة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وكما فى آية العنكبوت ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وكما في حديث البخاري (١) "نحن أُمَّة أُميَّةٌ لا نكْتب ولا نَحْسِب" (٢). وكان ذلك له معجزة وكمالًا في حقه، وإن كان نقصًا في حق غيره كما قال الْبُوصيرى (٣) ﵀ في (البُرْدة) (٤): كَفَاكَ بِالعِلم في الأُمِّىِّ مُعْجِزةً ... في الجاهِليِّةِ وَالتَأدِيبِ في اليُتُم

стр. 57

وأما ما رواه البخاري من أنه ﵇ في عُمْرة القَضِيّة التي يقال لها "غَزْوة الحدُيْبِيَة" أخذ الكتاب ليكتب، فكتب: فقد أولوه بأن المراد أنه أمر كاتبه يومئذٍ -وهو سيدنا على- أن يَمْحُوَ ما كتبه أولًا في صحيفة المصالحة والمشارطة بينه وبين أهل مكة من قوله فيها: "هذا ما قَاضَى عليه محمدٌ رسول الله"، لأنهم لما سمعوا هذه الكلمة لم يَرتَضَوْها، وقالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما منعناك من دخول مكة ولَتَابَعْنَاك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمَّد بن عبد الله. فقال لسيدنا على ﵁: "امْحُ رسولَ الله"، فقال على: والله لا أَمحوك أبدًا. وتعاصَتْ الصحابة -أنصارًا ومهاجرين- عن محوها، فقال ﷺ لعلى: "فأرِنيهِ"، فأراه إِياه، فمحاه بيده الكريمة، ثم امتثل أمره سيدنا على، وكتب كما أمره (١). فالمراد يكون الرسول "كتب" في لفظ الحديث: أنه أمر كاتبه. ونظيره قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١] أي: نأمر الكَتَبَةَ على بعض التفاسير. وقد ورد في الأحاديث أنه ﵇ كتب إِلى الملوك كِسرى وقَيْصر وغيرهم (٢)، وكذا قولهم "نَسَخَ عثمان المصاحف وأرسلها إِلى البلاد"، فالمعنى أمر بذلك. وقد صمَّم الإِمام أبو الوليد الباجِى الأندلسى (٣) على الأخذ بظاهر الحديث، وأن الله أطلق يده ﵇ بالكتابة في تلك الساعة معجزة له، فقام عليه

стр. 58

علماء عصره بالأندلس، وشنَّعوا عليه، وطلبوه عند أميرهم، فجمعهم وإياه، واحتجوا عليه بأنه قد خالف نص الآية الكريمة، وهي: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، فاستظهر عليهم بأن هذا النفى مُقيَّد بما قبل ورود القرآن، وأما بعد أن تحققتْ أُميَّتُه وتقررتْ بذلك معجزتُه فلا مانع أن يعرف الكتاب من غير مُعلِّم، ويكَون ذلك معجزة أخرى له، ولا يخرج بذلك عن كونه أُمّيًا .. إِلى آخر ما قاله مما هو مذكور في (المواهب) (١). لكن الأصح خلافه؛ إِذْ لو كان كما قال لنُقل وتواتر، لأن هذا مما تتوفر الدواعى على نقله، وإن وافقه على ذلك شيخه أبو ذر الهَرَوِى (٢) والنَّيْسَابُورى وجماعة من علماء إِفْرِيقيَّة (٣)، محتجين بما ورد أنه "ما مات رسول الله ﷺ

стр. 59

حتى كتب وقرأ" (١)، وقد روى عن جعفر الصادق (٢) ﵁ أنه قال: "كان يقرأ من الكتب وإن كان لا يكتب"، كذا رواه أبو البقاء الكَفَوِىّ في (الكليات) (٣). أقول: لعله أخذه من قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] فإِن كان مَأْخَذُه من هذا فقد أشار القاضى البَيْضَاوى (٤) إِلى الجواب عنه بقوله: "والرسول وإن كان أميًّا -لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالى لها" (٥). وذكر القاضى عياض (٦) في الفصل [٢٥]، من الباب [٤] من القسم الأول

стр. 60

من كتاب (الشِّفا) (١) أنه وردت آثارٌ تدل على معرفته ﵇ حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لمعاوية ﵁ (٢) أيام كتابته الوحى: "ألْقِ الدواةَ، وحَرِّفِ القَلَمَ، وفَرّق السّينَ، ولا تُعَوِّر الميم" (٣) إِلى غير ذلك. كما في رواية أخرى أنه قال له: "إِذا كتبتَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فبيّنِ السّين"، يعني: أوضحها وأظهر سننها، فهذا هو المراد من تفريقها كما فى (الشهاب) على (الشفا) و (شرح المنَاوى الكبير) على (الجامع الصغير) (٤).

стр. 61

أقول، والشىء بالشىء يُذكر: نَقَل الشّهاب (١) في كتابه (شفاء الغليل فيما في لغة العرب من الدخيل) عن بعض حواشى (الكَشَّاف) (٢): "أن سيدنا عمر ﵁ ضرب كاتبًا كتب بين يديه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يُبِّين السين يعني أنه كتبها من غير أسنان مثل كتابة بعض الأعاجم -فلما خرج الكاتب سُئِل عن سبب ضربه فقال: "في سين"، فصارت مثلًا يُضْرب في الأمر السهل يُعزَّر عليه الإِنسان" انتهى (٣). [كتابة المصاحف بالخط الكوفى (خط الجزْم)] هذا، وقد كانت الكتابة في المصاحف العثمانية وغيرها وكُتُبِ الحديث على صورة حروف الجزْم (٤) التي سُميت فيما بعد بالخط الكوفى، واستمرت على ذلك مدة تقرب من ثلاثة قرون، إِلى أن جاء ابن مُقْلة الوزير أبو على (٥)

стр. 62

أو أخوه (١) -على خلافٍ في ذلك- وحَوَّلها أواخر القرن الثالث كما في (ابن خلِّكان) (٢)، قال: "فهو أول من نقل الكتابة من الخط الكوفى إِلى هذه الطريقة، وأبرزها في هذه الصورة، ونال بذلك فضيلة السَّبْق. ثم جاء بعده علي بن هلال البواب (٣) الكاتب البغدادى، فهذَّب طريقته ونقَّحها، وكساها طلاوة وبهجة" (٤). قال ابن خلدون: "وهكذا شأن الصناعات تكون في أولها غير حسنة، ثم تتحسن شيئًا فشيئًا". [الكتابة بمعنى صناعة الإِنشاء]: وأما الكتابة التي اشتهر بها عبد الحميد آخر كُتَّاب الدولة الأموية (٥) فالمراد بها الكتابة الخاصة باصطلاح الأدباء، وهي صناعة الإِنشاء، لا صناعة الحروف

стр. 63

كما قالوا: بُدئَتْ الرسائل بعبد الحميد، وخُتمت بابن العميد (١). [كتابة القرآن في عهد النبي ﷺ -]: وكان الصحابة ومَن تبعهم قبل أن يكثر الكاغِد -أي الورق الذي كان يُجلب من الهند- يكتبون آيات القرآن وغيرها على عَسِيب السَّعَف (وهو الأصل العريض من جريد النخل) وعلى الألواح من أكتاف الغنم وغيرها من العظام الطاهرة والخِرق والأَدَم (أي الجلود مثل ورق الغزال)، فقد جُمع بعض آيات القرآن منها. وفي "البخاري" لما نزلت آية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] قال ﵇ للبراء بن مَعْرور (٢): "ادْعُ لي زيدًا, ولْيجىءَ باللَّوح والدَّواةِ والكَتِفِ .. إِلخ" (٣). ورُوِىَ أن عثمان بَعَثَ إِلى أُبىّ بن

стр. 64

كعب (١) بكتِف شاة مكتوب عليها بعض قرآن ليُصْلحَ بعض حروفه. وفي بعض روايات البخاري أن الرسول صلوات الله عليه قبل موته بأربعة أيام، وكان ذلك يوم الخميس، قال لهم: "ايتُونى بكَتِفٍ أكتبْ لكم كتابًا لا تضلوا بعدي" (٢). ويُروى أن إِمامنا الأعظم الشافعى رضوان الله عليه كان كثيرًا ما يكتب المسائل على العظام، لقلة الورق حتى ملأ منها خَبَايا (٣). ورأيت بعض مصاحف مكتوبة على رَقِّ غَزال (٤). نَعَم، المصاحفُ التي أمر سيدنا عثمان بنسخها وإرسالها إِلى أجناد الأمصار كانت على الكاغِد، ما عدا المصحف الذي كان عنده بالمدينة فإِنه على رَقّ الغزال كما شُوهد بمصر. [جمع القرآن وترتيبه في المصحف على عهد عثمان ﵁]: وكان السبب في ذلك على ما قاله ابن الأَثير (٥) في التاريخ

стр. 65

(الكامل) (١) أن في سنة ثلاثين من الهجرة "كان حذيفة بن اليمان (٢) مأمورًا بغزو الرَّىِّ (٣)، ثم صُرف عن ذلك إِلى غَزْو الباب (٤) مددًا لعبد الرحمن بن ربيعة (٥)، وخرج معه سعيد بن العاص (٦)، فبلغ معه

стр. 66

أَذْرَبَيْجَان (١)، فأقام حتى عاد إِليه حذيفة، وقال له: لقد رأيت في سَفْرتى هذه أمرًا لئِن تُرك الناسُ عليه ليَخْتَلِفُنَّ في القرآن، ثم لا يقومون عليه أبدًا. قال: ولم ذاك؟ قال: رأيت ناسًا من أهل حِمْص (٢) يزعمون أن قراءتَهم خيرٌ من قراءة غيرهم، وأنهم أخذوا القرآن عن المِقْداد (٣)، ورأيت أهل دمشق يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرأوا على ابن مسعود (٤)، وأهلُ البصرة يقولون مثله، وأنهم قرأوا

стр. 67

على أبى موسى (١)، ويسمون مصحفه "لُباب القلوب". فلما وصلوا إِلى الكوفة أخبر حذيفة (٢) الناس بذلك، وحذرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله ﷺ وكثير من التابعين، وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تُنكر؟، ألسنا نقرأ على قراءة ابن مسعود؟ فغضب حذيفة ومَن وافقه وقالوا: إِنما أنتم أعراب فاسكتوا فإِنكم على خطأ وقال حذيفة: واللهِ لئنِ عِشْتُ لآتينَّ أمير المؤمنين ولأُشِيرَنَّ عليه أن يَحُولَ بين الناس وبين ذلك فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد (٣)، وقام، وتفرق الناس، وغضب حذيفة، وسار إِلى عثمان بالمدينة وأخبره بالذى رأى، وقال: أنا النذير العريان يا أمير المؤمنين، أَدْرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلافَ اليهود والنصارى في التوراة والإِنجيل ففزع لذلك عثمان، فجمع الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعًا ما رأى حذيفة فأرسل عثمان إِلى حفصة بنت (٤) عمر

стр. 68

رضي الله عنهما أن أَرْسِلى إِلينا الصحف ننسخها ثم نردها إِليك. وكانت هذه الصحف هى التي كتبت أيام أبى بكر ﵁، فإِن القتل لما كثر في الصحابة يوم اليمامة (١) قال عمر لأبي بكر ﵄: إِن القتل قد استَحَرَّ -أي اشتد وكثر- بِقُرّاء القرآن يوم اليمامة، وإنى أخشى أن يَستَحِرَّ القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن. فأمر أبو بكر زيد بن ثابت (٢) فجمعه من الرقاع والعُسُب (٣) وصدور الرجال. وكانت الصحف عند أبى بكر، ثم عند عمر، فلما توفي عمر أخذتها حفصة (٤) فكانت عندها إِلى أن أرسل إِليها عثمان أخذها للنقل منها، وأحضر زيد بن ثابت وعبد الله ابن الزُّبيْر (٥) وسعيد بن العاصى (٦) وعبد الرحمن بن الحارث بن

стр. 69

هشام (١) وأمرهم أن ينسخوها في المصاحف، وجعل الرئيسَ عليهم زيدَ بن ثابت (٢) من الأنصار، وهم من قريش، فلهذا قال لهم عثمان: إِذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإِن القرآن (يعني: معظمه) أُنزل بلسانهم ففعلوا. [ولم يختلفوا إِلا في رسم "التَّابُوت" (٣) -كما في (المُزْهِر) - فالأنصار كتبوه بالهاء، وقريش بالتاء] (٤) فلما نسخوا الصحف ردها عثمان إِلى حفصة (٥) وأرسل إِلى كل أُفُق بمصحف مما نسخوا وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذى أَرسَل إِليهم به فذلك زمان حُرِّقت المصاحف بالنار، وكل الناس عرف فضل هذا الفعل إِلا ما كان من أهل الكوفة فإِن المصحف لما قدم عليهم من عند عثمان فرح به أصحاب النبي ﷺ دون أصحاب ابن مسعود (٦) ومَن وافقهم، فإِنهم امتنعوا من ذلك، وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود وقال: ولا كل ذلك والله قد سُبِقْتُم سَبْقًا فاربَعُوا على ظَلعِكُمْ (٧). ولمَّا قدم على ﵁ الكوفة قام إِليه رجل فعاب عثمان بجمع الناس على مصحف فصاح به وقال: "اسكت، فَعَن ملأ مِنَّا فَعَل ذلك، فلو وُلّيتُ منه ما وَلِى عثمان لسلكتُ سبيله". انتهى ما نقلته من (الكامل) (٨) مع

стр. 70

زيادة يسيرة من (المُزْهِر) (١). وهو مأخوذ من حديث البخاري في كتاب فضائل القرآن (٢) قال شارحه القسطلانى (٣) نقلًا عن محيى السنة (٤): "في هذا الحديث البيان الواضح أن الصحابة ﵃ جمعوا بين الدَّفتَيْن القرآن المنزَّلَ من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتفاقٍ منهم، من غير أن يُقدّموا شيئًا أو يُؤخّرِوه، بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل ﵇ على ذلك، وإعلامه عند نزول كُلِ آيةٍ بموضعها، وأين تكتب. وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمِى (٥): كانت قراءةُ أبى بكر وعمر وعثمان وزيد ابن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدةً، وهي التي قرأها ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قُبض فيه، وكان زيد قد شَهِد العَرْضَةَ الأخيرة وكان يُقرىء الناسَ بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصِّدّيق في جَمْعه وولاه عثمانُ كَتَبةَ المصاحف. قال السَّفَاقُسِى (٦): فكان جَمْعُ أبى بكر خَوْفَ ذَهَابِ شىء من القرآن بذَهَاب حَمَلَتِه، حيث إِنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، وجَمْعُ عثمان لما كَثر الاختلافُ في وجوه قراءته حين قرءوا بلغاتهم، حتى أَدّى ذلك

стр. 71

إِلى تَخْطِئَة بعضهم بعضًا، فنسخ تلك الصحفَ في مصحف واحد، مُقتصرًا من اللغات على لغة قريش، إِذْ هى أرجحها" اهـ (١). وفي كتاب (المصاحف) (٢) أنه كان مع زيد في كتابة المصاحف اثنا عشر رجلًا من قريش والأنصار، منهم أُبَىّ بن كعب (٣)، وسمَّى جماعةً ممن كَتَب أَوْ أَملى، منهم ابن عبّاس (٤) وأنس بن مالك (٥) وكثير ابن أفلح مولى أبى أيوب الأنصارى (٦)، ومالك بن أبي عامر (٧) جد الإِمام

стр. 72

مالك بن أنس (١). فلا تتوهم من قولهم: * مُخْلِف طه سِبْحتان ومُصْحفُ* (٢) أن القرآن كان مجموعًا في مصحف واحد على عهده ﷺ ، بل المراد به بعض آيات كما يُطلق اسم المصحف على ذلك. قال القَسْطلانى (٣) أول باب جَمع القرآن في الصُّحف (٤): "ثم جمع تلك الصحف في المصحف بعد النبي ﷺ ، وإنما ترك النبي ﷺ جَمْعَه في مصحف واحد لأن النَّسْخَ كان يرد على بعضه، فلو جمعه ثم رُفعت تلاوةُ بعضِه لأدَّى إِلى الاختلاف والاختلاط، فحفظه الله تعالى في القلوب إِلى انقضاء زمن النَّسْخ فكان التأليف في الزمن النبوى، والجمع في الصحف في زمن الصدِّيق، والنَّسْخُ في المصاحف في زمن عثمان. وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مُرتَّب السور" اهـ. [عدد مصاحف عثمان ﵁]: وأكثر العلماء على أن المصاحف التي نسخت بأمر الإِمام عثمان كانت أربعة؛ أرسل واحدًا للكوفة، وآخر للبصرة، وآخر للشام، وترك واحدًا عنده بالمدينة.

стр. 73

وقال أبو حاتم (١): كَتَب سبعة مصاحف أُرْسِلَتْ إِلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة، وحَبَس بالمدينة واحدًا. ونقل مُحشِّى (الجَزَرِيّة) (٢) عن السيوطي (٣) "أن الخَمْس المتفق عليها: مصحف مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام. واختُلف في ثلاثة: مصر واليمن والبحرين. وكذلك اختُلف في المصحف الإِمام، هل هو ما أبقاه بالمدينة أو آخر أمسكه تحت يده" اهـ (٤). والظاهر أن اسم الإِمام شامل لكل واحدٍ من المصاحف المذكورة، لا اسم لواحدٍ بخصوصه. ويقال: إِن الموجود بمصر الآن في قبة السلطان الغورى (٥) هو الذي عليه دمه

стр. 74

على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] جَلبه مَن جلبه إِلى السلاطين. فسبحان من يرِثُ الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

стр. 75

الفائدة الرابعة في مبادئ الفن الذي وضعت له هذه الرسالة وفيها تقسيم الخطوط إِلى ثلاثة كما ستراه. اعلم أنه ينبغى لكل من أراد الشروع في أىّ فنٍّ كان أن يتصورَه أولًا بمعرفة خمسة من مبادئهِ العشرة التي هى: اسْمُه وحَدُّة وموضوعُه وواضعه وفائدته .. إِلخ، المجموعة في قول الفاضل الأديب السيد عبد الهادى الأَبْيارِى (١): إنَّ المبادِىءَ في عَشْرٍ قَد انحَصَرتْ ... حَدٌّ وحُكْمٌ وموضوعٌ وَمَن وَضَعَا وَمأْخَذٌ نِسْبةٌ فَضْلٌ وفَائِدةٌ ... مَسَائل، وكذا اسْمُ الفّنِ فاسْتَمِعا فإِنْ عَرَفها كلَّها كان أعظم. [مبادىء علم الخط والكتابة]: [١ - اسمه]: فأما اسمُ هذا الفن فهو "الكتابة" و"الخط" و "الهجاء" وبهذا الأخير تَرْجَم ابن مالك (٢) في (التسهيل) (٣) وبالثانى ترجم في (الشَّافية) (٤) و (جَمْعَ
следующие страницы →