← Язык

Язык · id 97799

المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية

نصر الهوريني

Полный текст (431 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إِلى تَخْطِئَة بعضهم بعضًا، فنسخ تلك الصحفَ في مصحف واحد، مُقتصرًا من اللغات على لغة قريش، إِذْ هى أرجحها" اهـ (١). وفي كتاب (المصاحف) (٢) أنه كان مع زيد في كتابة المصاحف اثنا عشر رجلًا من قريش والأنصار، منهم أُبَىّ بن كعب (٣)، وسمَّى جماعةً ممن كَتَب أَوْ أَملى، منهم ابن عبّاس (٤) وأنس بن مالك (٥) وكثير ابن أفلح مولى أبى أيوب الأنصارى (٦)، ومالك بن أبي عامر (٧) جد الإِمام

стр. 72

مالك بن أنس (١). فلا تتوهم من قولهم: * مُخْلِف طه سِبْحتان ومُصْحفُ* (٢) أن القرآن كان مجموعًا في مصحف واحد على عهده ﷺ ، بل المراد به بعض آيات كما يُطلق اسم المصحف على ذلك. قال القَسْطلانى (٣) أول باب جَمع القرآن في الصُّحف (٤): "ثم جمع تلك الصحف في المصحف بعد النبي ﷺ ، وإنما ترك النبي ﷺ جَمْعَه في مصحف واحد لأن النَّسْخَ كان يرد على بعضه، فلو جمعه ثم رُفعت تلاوةُ بعضِه لأدَّى إِلى الاختلاف والاختلاط، فحفظه الله تعالى في القلوب إِلى انقضاء زمن النَّسْخ فكان التأليف في الزمن النبوى، والجمع في الصحف في زمن الصدِّيق، والنَّسْخُ في المصاحف في زمن عثمان. وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مُرتَّب السور" اهـ. [عدد مصاحف عثمان ﵁]: وأكثر العلماء على أن المصاحف التي نسخت بأمر الإِمام عثمان كانت أربعة؛ أرسل واحدًا للكوفة، وآخر للبصرة، وآخر للشام، وترك واحدًا عنده بالمدينة.

стр. 73

وقال أبو حاتم (١): كَتَب سبعة مصاحف أُرْسِلَتْ إِلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة، وحَبَس بالمدينة واحدًا. ونقل مُحشِّى (الجَزَرِيّة) (٢) عن السيوطي (٣) "أن الخَمْس المتفق عليها: مصحف مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام. واختُلف في ثلاثة: مصر واليمن والبحرين. وكذلك اختُلف في المصحف الإِمام، هل هو ما أبقاه بالمدينة أو آخر أمسكه تحت يده" اهـ (٤). والظاهر أن اسم الإِمام شامل لكل واحدٍ من المصاحف المذكورة، لا اسم لواحدٍ بخصوصه. ويقال: إِن الموجود بمصر الآن في قبة السلطان الغورى (٥) هو الذي عليه دمه

стр. 74

على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] جَلبه مَن جلبه إِلى السلاطين. فسبحان من يرِثُ الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

стр. 75

الفائدة الرابعة في مبادئ الفن الذي وضعت له هذه الرسالة وفيها تقسيم الخطوط إِلى ثلاثة كما ستراه. اعلم أنه ينبغى لكل من أراد الشروع في أىّ فنٍّ كان أن يتصورَه أولًا بمعرفة خمسة من مبادئهِ العشرة التي هى: اسْمُه وحَدُّة وموضوعُه وواضعه وفائدته .. إِلخ، المجموعة في قول الفاضل الأديب السيد عبد الهادى الأَبْيارِى (١): إنَّ المبادِىءَ في عَشْرٍ قَد انحَصَرتْ ... حَدٌّ وحُكْمٌ وموضوعٌ وَمَن وَضَعَا وَمأْخَذٌ نِسْبةٌ فَضْلٌ وفَائِدةٌ ... مَسَائل، وكذا اسْمُ الفّنِ فاسْتَمِعا فإِنْ عَرَفها كلَّها كان أعظم. [مبادىء علم الخط والكتابة]: [١ - اسمه]: فأما اسمُ هذا الفن فهو "الكتابة" و"الخط" و "الهجاء" وبهذا الأخير تَرْجَم ابن مالك (٢) في (التسهيل) (٣) وبالثانى ترجم في (الشَّافية) (٤) و (جَمْعَ

стр. 76

الجَوَامِع) (١) وقد يُسمَّى أيضًا "علم الرسم" وإِنْ غلب هذا في المصاحف. [٢ - حدُّه (تعريفه)]: وأما حدُّه (أي تعريفه) فهو: "عِلْمٌ بأصولٍ يُعْرف بها تأديةُ الكتابة على الصحة"، بناء على القول بأن عدمَ إِعطاءِ الكتابة حقَّها جهلٌ فتكون معرفةُ تأديتها على الوجه الصحيح علمًا، وإلا فنقول: "هو قانونٌ تَعْصِم مراعاته من الخطأ في الخط كما تَعْصِم مراعاةُ القوانين النَّحْوِية من الخطأ في اللفظ". [٣ - موضوعه ومسائله]: وأما موضوعُه فهو الكلماتُ التي يجب انفصالُها من بعضها، والتي يجب اتصالها ببعضها، والحروف التي تُبْدَل، والحروف التي تُزَاد، والحروف التي تُنقَص. فهو مُنحصِرٌ في هذه الأربعة لا غير، على ما يُفْهَم من (شرح النُّقاية) (٢) للجلال السيوطي (٣). فلهذا جعلنا أبواب هذه الرسالة أربعةً منطويةً تحت المقْصِد كما ستراه قريبًا. ولنذكر لك من أمثلة كل باب بعضًا، تعجيلًا للفائدة: فمثال الفصل والوصل: ("كُلّ ما" و"كُلَّمَا") و ("إنْ هُمْ" و"إِنَّهُمْ") و ("يَوْمَ هُمْ" و"يَوْمَهُمْ") و ("إِنَّ مَا" و"إِنَّمَا").

стр. 77

ومثال الإبدال: "سُؤَال" و "رِئَال". ومثال الزيادة: الألف في "مائة" والألف فى "كُلُوا" و"اشْربُوا"، والواو في "عمرو". ومثال النقص فقط: "ممَّا" و"عَمَّا" و "مِمَّ" و"عَمَّ". ومثال ما اجتمع فيه زيادة ونقص وإبدال: "أُولئِك"، على ما ستراه مُفصَّلًا في أبوابه إِن شاء الله. [٤ - فائدته وثمرته]: وأما فائدتُه وثمرتُه فهي: حِفْظ الإِنسان من الخطأ واللَّحْن كما عُلِمَ من التعريف السابق. وزيادة على ذلك: معرفة الأفصح في الكتابة؛ وذلك لأنها نائبة عن التكَلُّم، فالخطأ فيها يُعدُّ لحنًا كالخطأ فيه، بدليل ما رواه السيوطي (١) في (المُزْهر) أن سيدنا عمر ﵁ ورد إِليه كتابٌ من أبى موسى الأشعرى (٢)، إِذْ كان عاملًا له على البصرة، فأرسل إِليه أَنِ اضربْ كاتِبَك سَوْطًا، فإِنه لحن في كتابة كلمة كذا (٣). ونظير ذلك ما حكاه الإِمام ابن جِنّى (٤) عن شيخه أبى على الفارسي (٥)

стр. 78

إِمام النحاة في عصره أنه ذهب مع صاحب له ليزورَ عالمًا، فلما دخل عليه رأَى في يده جزءًا مكتوبًا فيه "قائل" -بنقطتين تحت الهمزة المصورة ياءً- فقال له: هذا خطُّ من؟ فقال: خَطِّى، فالتفت لصاحبه وقال: أَضَعْنا خُطواتنا في زيارة مثل هذا. وخرج لوقته" كما سيأتى نقله في الخاتمة (١) عن المُطِّرِزِى (٢) والأُشْمُونِي (٣) أيضًا. وكان الصديق ﵁ يقول: لأن أقرأَ فأُسقط أَحَبّ إِلىَّ منْ أَنْ أقرأَ فأَلْحن. وكما أنهم عَدُّوا في الألفاظ فصيحًا وأفصح فكذلك عَدُّوا في الكتابة مثله؛ فقد قالوا: في كتابة المقصور كذا، والأفصح في كتابة المنقوص كذا قال في (الشافية) و (شرحها): "ومن ثَمَّ (أي ومن أجل أَنَّ مَبْنى الكتابة على الوقْف والابتداء) كُتِبَ باب "قاضٍ" مما حُذِف ياؤُه للتنوين رفعًا وجرًا

стр. 79

بغير ياء، وكُتِب باب "القاضى" بالياء على الأفصح فيهما للوقف عليهما بذلك" اهـ (١). [٥ - حُكْمه]: وأما حُكْمه فهو الوجوب الكِفائى. لمَّا أن صَنْعَةَ الكتابة واجبة على الكِفاية كسائر الصناعات فَإِذنْ يكون علمها من قَبيل فرضِ الكفاية كسائر العلوم الوسائل. [٦ - فضْلُه]: وأما فضلُه فهو احتياج كُلّ علمٍ إِليه، ولا غنى له عنه، لأن تدوين العلوم بأسرها وحفظها متوقف على الكتابة. [٧، ٨ - نِسْبته ومَأْخذُه]: وأما نسبته إِلى البَنَان فهى كنسبة النحو للسان، والمنطق للجنان. وأما مأْخَذُه واستمدادُه فهو من القواعد النَّحْوية والأصول الصرفية كما سبق الإِيماء إِلى ذلك عن أبي حَيَّان (٢) ومن موافقة "الإِمام" الذي هو مصحف عثمان في بعض كلمات. [٩ - واضعه وتاريخُ وضعه]: وأما واضعه فهم علماء المِصْرَيْن العِراقِيَّين؛ أي البصرة والكوفة، فإِنهم هم الذين دَوَّنوا هذا الفن كما دَوَّنوا غيره من علم اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والعَرُوض، ولهم في جميع تلك العلوم مذاهب مختلفة، حتى هذا العلم لهم فيه اختلافاتٌ مَبْنيّةٌ على الاختلاف الواقع في لغات قبائل العرب بالوجوه التي عَقَدَ لها في (المُزْهِر) ترجمةً مستقلة (٣)، وذكر منها تحقيق الهمزة

стр. 80

وتخفيفها بالتسهيل أو الإبدال بأحد حروف العِلّة فالتحقيق لغةُ تميمٍ وقَيْس، وهو الأصل. والتخفيف لغة قُرَيْش وأكثر الحجازيين على ما قاله شيخ الإِسلام في (شرح الشافية) قال: "ومعلومٌ أن لغة قريش أفصح اللغات، فلذا كان الكَتْب على لغتهم أَوْلى، لاسِيَّما وقد جَرَى عليها رَسْم المصحف" اهـ. (١) ومثله في (الهَمْع) عن أبي حَيّان (٢) أي فيكون الكَتْبُ على لغة التخفيف أَوْلى لوجهين: كونها لغة قريش، واتِّباع المصحف. ولهذا كان أكثر الصحابة ومَن وافَقَهم من التابعين وأتباعهم يوافقون الرسم المُصْحفى في كل ما كتبوه ولو لم يكن قرآنًا ولا حديثًا، ويكرهون خلافَهُ، ويقولون: لا نخالف "الإِمام" يريدون بذلك المصحف الذي كُتِبَ بأمر الإِمام عثمان، فإِنهم كانوا يسمونه "الإِمام" من حيث اتباعه رَسْمًا وغيره. واستمر الأمر على ذلك إِلى أن ظهر علماء المِصْرَيْن (٣) وأسسوا لهذا الفن ضوابطَ وروابط بَنَوْهَا على أَقْيِسَتِهم النحوية وأصولهم الصرفية، وسموها: "علم الخط القياسى" أو "الاصطلاحى" المخترع، وسمُّوا رسم المصحف "بالخط المتَّبع"، وقالوا: إِن رسمه سُنَّة مُتَّبعة مقصورة عليه، فلا يُقاس، ولا يُقَاس عليه. ومثله من حيث عدم القياس: خطُّ العَرُوضِيّين، ولذا قيل: خَطَّان لا يُقاسان. فتحصَّل أن الخطوط ثلاثة:

стр. 81

[أنواع الخطوط]: [خط المصحف]: أولها: خط المصحف، فيُكْتب على ما رُسِم في مصاحف الإِمام وإن خالف القياس فقد حكى السيوطي (١) في كتابه (الإِتقان في علوم القرآن) عن مذهب الإِمام أحمد أنه "تَحْرُمُ مخالفةُ مُصْحفِ عثمان في رَسْم "ياء" أو "ألف" أو "واو" أو غير ذلك (٢) كالفَصْل والوَصْل، أي في نحو: ﴿وَلَاتَحِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] (٣) فإِن التاء التي من كلمة "لاتَ" موصولة فيه بـ "حِينَ" وكقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ٧٨] ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨]، فالهاء مفصولة من اللام في الآيتين، و"ما" مقطوعة عن "كُل" في الثالثة على خلاف القياس. وكالوصل والإِبدال والحذف في قوله تعالى حكايته عن قول هارون لأخيه ﵉: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ الآية [طه: ٩٤] (٣) وكذلك "الرّبَوا" رُسِم بواوٍ متصلة بالباء وألف بعدها (٤). وكزيادة ياء أخرى بعد الياء في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾

стр. 82

[الذاريات: ٤٧] قال مُحشّى الجلالين: "فهي زيادة ليس لها وجْه يُعرف" اهـ (١). أي: لكنها تُرسم فيه اتباعًا كما كَتَب السَّلَف. وكزيادة الياء فى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] ونحوه. وكنقص الواو في رسم "الموْءُودَة" بواوٍ فقط، وهي المتصلة بالميم (٢) كذلك ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر: ٩] (٣) بواوٍ واحدة وحذف الهمزة وواو الضمير كما في أول (الكليات) (٤). ففى ذلك كله تَحرُم المخالفة على مذهب الإِمام أحمد. وكذا نقل عن الإِمام مالك الحرمة أيضًا (٥). ولهذا أَلَّف كثير من العلماء رسائل في رسمه، كالشَّاطبى (٦) وابن الجَزَرِى (٧) وغيرهما

стр. 83

كالسيوطي (١) فإِن له في ذلك رسالة سماها: (كَبْتُ الأَقْران في كَتْبِ القرآن) كما قاله في (شرح النُّقاية) (٢). [خط العروضيين]: وثانيها: خط العَرُوضِيّين، وهو على حسب الملفوظ به. قال أبو حيان (٣): "وذلك لأن العَرُوضيين يكتبون ما يُسمع خاصة، إذ الذي يُعتَدُّ به في صَنْعةِ العَرُوض إِنما هو ما يُلفظ به، لأنهم يريدون به عَدَّ الحروف التي يقوم بها الوزن، متحركًا كان أو ساكنًا، فيكتبون التنوين نونًا، ولا يراعون حذفَها في الوَقْف، ويكتبون المدْغَم -أي المشدَّد- حرفين، ويكتبون الحروف بحسب أجزاء التفاعيل، فقد تنقطع الكلمة بحسب ما يقع من تَبْيِين الأجزاء، كقوله: يَاْدَارَمَىْ يَتَبِلْ عَلْيَا افَسْ سَنْدِىْ ... أقوت وَطَاْ لَعَلَىْ هَاْسَاْ لَفَل أَمَدِىْ لأن تقطيعه: (مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ) أربع مرات. وكتابة هذا البيت في الخط الذي ليس في علم العَرُوض هكذا:

стр. 84

يا دَارَمَيَّةَ بالعَلياءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ ... وطَالَ عَلَيْها سَالِفُ الأَمد (١) اهـ، من (الهَمْع) (٢). [الخط الاصطلاحى]: وثالثها: الخط الاصطلاحى في غير المصحف والعَرُوض، وهو الذي وضعنا له هذه الرسالة. قال شيخ الإسلام: "فإِنه ليس جاريًا على اللفظ كما يجرى العَرُوض لأنه قد يُحذفُ منه ما يَثْبُتُ في اللفظ، وقد يُزاد فيه ما لم يُتَلَفَّظ به، وقد يُكتب حرف بدلَ آخر؛ كأن يُكتب بالياء أو الواو ولفظُه بالألف "كالحُبْلَى" و"الصَّلوة" اهـ؛ أي: بناء على استحباب رسم "الصَّلاة" بالواو في غير المصحف اتباعًا لرسمه. وكأن يُكتب بالألف ولفظُه بالنون؛ مثل: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ و ﴿لِيَكُونَا﴾ و"إِذًا". أو يُكتب بالنون ولفظه بالميم؛ مثل: "يَنبُوع" و"ما يَنبَغِى" و "عَنبَر" و "مِنبَر". أو يُكتب بالواو ولفظه في الدَّرَج بالهمز مثل: "اؤْتُمِنَ" المبنى للمجهول. أو يُكتب بالياء ولفظه في الدّرَج والوصل بالهمز؛ مثل: "اِئْتَمن" للمعلوم أو فعل أمر (٣). أو يُكتب بالياء ولفظه في الدَّرج بالواو، كالأَمْر من "وَجَلَ" و "وَجَرَ" و"وَدَّ" وغير ذلك مما يأتى بيانه في أبوابه إِن شاء الله تعالى.

стр. 85

المقصد في موضوع الرسالة وتحته أربعة أبواب: الأول: في بيان ما يقطع وما يُوصل من الكلمتين فأكثر. الثاني: فيما يُكتب بغير ما يُلفظ به، نظرًا للتسهيل أو الإِبدال. الثالث: فيما يُزاد من الحروف غير ما يُلفظ به. الرابع: فيما يحذف من الحروف الملفوظة فلا يكتب فهذه الأربعة هى الموضوع كما أشرنا إِليه آنفًا

стр. 86

الباب الأول فيما يُقطع وجوبًا وما يوصل وجوبًا من الكلمتين فأكثر وفيه أربعة فصول:

стр. 87

الفصل الأول في بيان ابتداء الكلمة على تقدير الابتداء والوقف مع بيان مقتضيات الوصل الذي هو خلاف الأصل في الكلمات غير الحروف المفردات [تركيب الحروف]: لا يخفى أن الحروف الهجائية لها حالتان متضادتان: البساطة والتركيب؛ فالبسيطة هي الحروف المقطَّعة، أي: المتفرقة خطًّا مثل كتابة التمائم. والمركَّبة هي المجتمعة المتصلة ببعضها المستعملة في سائر الكُتُب. والتركيب مُمْكِن في جميع الحروف سوى ستة لا يمكن وصْلُها بعدها، جمعتُها في قولي: "زُرْ ذَا وُدٍّ". ولكن الأصل والقياس أنه لا يُوصل ويُجمع إِلا حروف كُلّ كلمة على انفرادها ما لم يُوجد مُقْتَضٍ لوصلِ كلمتين فأكثر من المقتضيات الأربعة الآتية عن (الهَمْع) (١). وأكثر ما يُوجد موصولًا ومجموعًا من حروف الكلمة الواحدة ستةُ أحرف أو سبعة، مثل: "مَنْجنِيق" و "عَلطَمِيس" (٢) و"عَفَنْجَجِيَّة" (وهي الحماقة المفرطة (٣) وهذا من النادر، لأن الغالب في الأسماء عدم زيادتها على ستة

стр. 88

أحرف قال في (الخلاصة): (١). ومنْتهى اسْمٍ خَمْسٌ إِن تَجرَّدَا ... وإن يُزَدْ فيه فما سَبْعًا عَدَا (٢) وقال في الفِعْل: ومُنتهاهُ أَرْبَعٌ إِن جُرِّدا ... وإن يُزَدْ فِيه فِما سِتًّا عَدَا (٣) [الكلمات التي يتصل بعضها ببعض وعدد حروفها]: وأَقَلُّ ما يُوجد موصولًا من كلمتين حرفان؛ مثل: "بِتُّ" و "مِتُّ" فإِن كل واحد من هذين اللفظين مُركَّب من فعل وفاعل، من البَيْتُوتة والمَوْت. ومثلهما "بِنَّ" مركَّب من فعل البينونة وفاعل هو النون ضمير النسوة. وأَقلُّ ما يُوجد مركّبًا موصولًا من ثلاث كلمات ثلاثة أحرف؛ نحو: "قُتُّهُ" من القُوت. و"فُتُّهُ"، من الفَوَات: بمعنى السَّبْق أو الترك. فكل واحد من هذين اللفظين مركب من فعل وفاعل ومفعول. فإِنْ أَدْخلتَ على أحد هذين الفعلين حرفًا مفردًا مثل فاء العطف أو لام الجواب صارت اللفظة أربع كلمات في أربعة أحرف. وأَقلُّ ما يُوجد موصولًا من خمس كلمات تسعة أحرف؛ نحو: "فَسَيَكْفِيكَهُم" فإِنه مركب من كلمتين في أوله، وهما: الفاء والسين، لأن

стр. 89

كلَّ واحدة منهما حرف جاء لمعنى، وهو كلمة من أقسام الكلام الثلاثة. ومن كلمتين (١) في آخره، وهما اسمان ضميران: "الكاف" ضمير المخاطب المفرد، و"هُم" ضمير الغائبين، والفعل متوسط بين الحرفين أولًا، والاسمين الضميرين آخرًا. ثم وجدنا عشرة أحرف متصلة من أربع كلمات في: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ". فإِن أَدْخلتَ على ذلك "فاء" الجواب كانت الحروف أحد عشر، والكلمات خمسًا. وقد وُجِد ست كلمات في تسعة أحرف موصولة، كأن تقول لمن سألك عن أمر: "فَلَنفْهِمنَّكَهُ". [مبنى الكتابة على الوقْف والابتداء]: واعلم أن ما ذكرناه أولًا من تركيب حروف الكلمة الواحدة ووصْلِها ببعضها ليس مما يُقصد للبحث عنه من موضوع هذا الفن، بل هو من الأمور التي تتقدم معرفتها في ابتداء التعليم، أوردناه تَشْحيذًا لذهن الطالب، وتمرينًا له، وتبيانًا للأساس. وإنما الذي من مقصدنا وَصْلُ الكلمتين فأكثر فنقول: الأصل والقياس في كل كلمتين اجتمعتا أن تُكتب كلُّ واحدة منهما مفصولة عن الأخرى، منظورًا في أول كلمة لحالة الابتداء بها، وملحوظًا في آخرها حالة الوَقْفِ عليها؛ لأن مَبْنى الكتابة على اعتبار الوقف والابتداء كما سبق في تعريفها أول المقدمة (٢).

стр. 90

[ما يوصل من الكلمات]: قال في (الهَمْع) (١): "الأصل فصل الكلمة من الكلمة، لأن كل كلمة تدل على معنى غير معنى الكلمة الأخرى، فكما أن المعنيين متميزان فكذلك اللفظ المعبَّر به عنهما يكون. وكذلك الخط النائب عن اللفظ يكون متميزًا بفَصْلِهِ. وخرج عن ذلك الأصل ما كانا كشيءٍ واحدٍ فلا تُفصل الكلمة من أختها، وذلك أربعة أشياء: الأول: المركب تركيب مَزْج، "كبَعْلَبَّك"، بخلاف غيره من المركَّبات، "كغلام زيد" و"خَمْسَةَ عَشَر". الثاني: أن تكون إِحدى الكلمتين لا يُبتدأ بها، لأن الفصل في الخط يدل على الفصل في اللفظ. فإِذا كان لا يمكن فصلُه في اللفظ فكذلك ينبغي أن يكون في الخط؛ وذلك نحو الضمائر البارزة المتصلة، ونون التوكيد، وعلامتا التأنيث، والتثنية، والجمع، وغير ذلك مما لا يمكن أن يُبتدأ به. الثالث: أن يكون إِحدى الكلمتين لا يُوقف عليها؛ وذلك نحو "باء" الجر و"لامه" و"كافه"، "وفاء" العطف والجزاء، و"لام" التوكيد، فإِن هذه الحروف لا يُوقف عليها. وخرج عن ذلك "واو" العطف، فإِنها لا تُوصل لعدم قبولها الوصل. والرابع: "ما يذكر من الألفاظ" (٢) اهـ. يعني الكلمات الثلاث الآتية في الفصول الثلاثة بعد هذا الفصل، وهي: "ما" و "من" و "لا"، على ما سيأتى بيانها في فصولها.

стр. 91

ومعلوم من الأصول المقررة في لغة العرب أنه لا يُبدأ بساكن، ولا يُوقف على متحرك في غير الضرورة، ولا على التنوين بأقسامه الأربعة المعروفة دون البقية. قال في أول (الخَزْرَجِيَّة): *وأَوَّلُ نُطقِ المرءِ حَرْفٌ مُحَرَّكٌ (١) * وقال في (الجَزَرِية): وَحَاذِرِ الوَقْفَ بكُلّ الحَرَكَةْ ... إِلا إِذَا رُمْتَ فَبعْضُ حَركَهْ (٢) فلا يُوقف على ما يُبدأ بها، لأنه لازمُ التحرك، والتحرك غير سائغٍ عند الوقف. [الكلمة التي على حرف واحد وِإلحاق هاء السكت]: ومِن ثمَّ لم يكن من أصولهم في الكلمة التي على حرف واحد -وضعًا أو عارضًا- أن تُكتب مقطوعةً عما يَتَّصل بها قَبْلُ أو بَعد. فإِن لم يُوجد ما يَتَّصل بها أُلْحِقَتْ بها هاءُ السَّكْت وجوبًا، كما إِذا قيل لك: كيف تنطق بفعل الأمر من اللفيف المفروق مثل: "وَفَى" أو "وَقَى" أو "وَعَى" أو "وَشَى" أو "وَنَى"؟، فتقول من الأول: "فِهْ"، بإِلحاق هاء السكت الساكنة لفظًا وخطًّا وجوبًا، وتركُها يُعَدُّ من الخطأ كما صَرَّح به شخ الإِسلام في مُبْطِلات الصلاة

стр. 92

من (المنهج) (١). وكذا يُقال في نظيره من البقية. وأما إِذا اتَّصلتْ به كلمةٌ أخرى -كأن يُقال: "قِه زَيْدًا"- فيكتب بهاء السكت متصلة به، نظرًا لحالة الوقف عليه بها, ولكنها تَسْقُط في اللفظ كما سيأتى تمام ذلك في الفصل الثالث من باب الزيادات إِن شاء الله تعالى (٢). [مُسمَّى الحرف]: وكذا إِذا قيل لك: ما مُسمَّى الجيم من "جَعْفَر"؟ "جَهْ". أو ما مُسمَّى العين من "عُمَر"؟ فنقول: "عُهْ" بضم العين وزيادة الهاء لبيان الحركة وعدم الوقوف على المتحرك. وقيل: ما مُسَمَّى الراء من هذين الاسمين؟ فتقول: "ارْ" بكسر الهمزة. قال سيدي علىّ الأُجْهُورِى (٣) في (شرح منظومته): "واعلم أن مُسَمَّى الحرف إِن كان ساكنًا أدخل عليه همزة الوصل ونُطق به. وإن كان متحركًا زيد فيه هاء السَّكْت، مع الإِتيان به مُحرّكًا بحركته. قال المبّرد (٤) في (المقْتَضَب):

стр. 93

قال سِيبَوَيْه: (١) خرج الخليل (٢) يومًا على أصحابه فقال: كيف تلفظون بالباء من "اضْرِبْ"، والدال من "قَدْ" وما أشبه ذلك من السواكن؟ فقالوا: باء، دال فقال: إنما لفظتم باسم الحرف ولم تلفظوا به. فرجعوا في ذلك إِليه، فقال: إِذا أردتُ التلفظ به أَزِيدُ ألفَ الوصل فأقول: "ابْ"، "ادْ"، لأن العرب إِذا أرادت الابتداء بالساكن زادت ألفَ وصلٍ. وقال: كيف تلفظون بالباء من "ضَرَبَ"، والضاد من "ضُحَى"؟ فأجابوا بنحو جوابهم السابق، فقال: أرى أنه إِذا لُفِظ بالتحرك يُزاد هاء لبيان الحركة، كما قالوا: "ارْ"، "مَهْ"، فأقول: "بَهْ"، "ضُهْ". وهذا ما لا يجوز في القياس غيره انتهى كلام الأُجْهُورِى (٣). [كيفية نطق الحروف المقطعة في كتب اللغة والصرف]: أقول: وأما الحروف المقطَّعة في كتب اللغة والصرف كما يُقال مثلًا: أصل مادة "الاستعمار" (ع م ر) فكذلك لا يُنطق بأسمائها، بل بمسمَّياتها، لأنه يُشار بها إِلى المادة بقطع النظر عن كونها فعلًا أو اسمًا، وعن تعيين حركتها

стр. 94

كما نَصَّ عليه الشَّنَوَانِي (١) في (تعليقه) على (الشافية وشرحها) لشيخ الإِسلام (٢). فينطق في مثل الحروف المتقدمة بالعين مفتوحة، لأن الفتح أخف الحركات. وكذا بالميم والراء مفتوحتين من غير إِلحاق هاءٍ لتقوّى الحروف ببعضها. أو بسكون الراء، فلا تُنطق بالضم ولا بالكسر ولا بالسكون مسبوقًا بهمزة وصل مكسورة، لا في الأول ولا غيره؛ لأن ذلك إِنما يكون عند إِرادة بيان مَخْرج الحرف. [الكتابة على اعتبار الابتداء]: الواو المبدلة من همزة (اؤْتُمِن) المبنى للمجهول: وحيث تَقرَّر لك أن الكتابة مبنية على اعتبار الابتداء والوقْف فتُكتب "اؤْتُمِن" في المبنى للمجهول بالأف والواو كما في آية: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وكما في حديث علامة المنافق: "إِذَا اؤتُمِنَ خَانَ" (٣). وإنما نَبَّهتُ على هذا لأنه مما غَلط فيه كثيرون فكتبوه بالألف والياء المصوَّرة بدلًا في الابتداء عن الهمز في الوصل والدَّرَج، وهو إِنما يُكتب بذلك إِذا كان

стр. 95

فعل أمرٍ أو ماضيًا مبنيًا للمعلوم؛ وذلك لأنك إِذا ابتدأتَ بالمجهول تنطِق بالهمزة مضمومةً وتمدُّها فيتولَّد من المِدّ واوٌ هى الُمْبدَلَة من الهمزة الساكنة؛ إِذْ أَصْلُه "أُوْتُمِن" بهمزتين، أُولاهما مضمومة، والثانية ساكنة. وتُرسم واوًا لأنها -أي الهمزة الساكنة- تُبْدل مَدًّا من جنس حركة ما قبلها، عملًا بقول (الخلاصة) (١): وَمَدًّا ابْدِلْ ثَانِيَ الهَمْزَيْن مِنْ ... كلمةٍ إِنْ يَسْكُنْ كآثِرْ وائْتُمِنْ (٢) [الياء المبدلة من همزة في (ايتونى) المبنى للمعلوم]: وأما إِذا نطقت بالمعلوم وقلتَ: "قد ائْتَمنتُ زَيْدًا" فتكتبه بألف وياء كما في حديث: "إِيتُونىِ بكَتِفٍ أَكْتُبْ لكُم .. إِلخ" (٣)، وذلك لأنك تبدأ بهمزة الوصل مكسورة، وتبدل الهمزة الثانية ياءً من جنس حركة ما قبلها، عملًا بقول (الخلاصة) المذكور. فهذه الواو المُبْدلَة من همزة في الأول، والياء المبدلة من همزة في الثاني يُنطق بكل واحدة منهما همزة ساكنة في حال الوصل والدَّرَج. وإذا أُريد الشكل فتُوضع القطعة والجزْمة عليها، لا على ألف الوصل التي قبلها، لأن الشكل تابعٌ للوصل، لا للابتداء والوقْف. ولذلك يُشكل المنوَّن بعلامة التنوين وإن كان يُوقف عليه بالسكون في غير المنصوب وبإِبدال التنوين في المنصوب ألفًا. [اُوبُر، اِيبر (فعل أمر)]: وتقول في فعل الأمر من تأبير النخل (بمعنى تلقيحه وإصلاحه): "أُوبُر النخل" بضم همزة الوصل على لغة من يضم الباء من مضارعه (٤). وتقول:

стр. 96

"ايبر النخل" بكسرها، على لغة من يكسر الباء من مضارعه لأن حركة همزة الوصل تابعة لثالث حرف في غير الفتح، فلذا ضُمَّت الهمزة المذكورة على اللغة الأولى، وكُسِرتْ على اللغة الثانية للقاعدة التي ذكرها ابن الجَزَرِى (١) في قوله: وَابْدَأْ بَهْمزِ الوَصْلِ مِن فِعْل بِضَم ... إِن كَانَ ثَالِثٌ مِنَ الفِعْلِ يُضَمْ وَاكْسَرْهُ حَالَ الكَسْر وَالفَتْح وَفى ... الأَسْمَاءِ غَيْر اللامِ كَسْرُها، وَفِي (٢) [اِيجِل، اُيجُل]، [اُيدُد]: وبما تقرر يتبين وَجْهُ قولِ العِزِّى (٣) في فصل المعتل: "والأمر من وَجِل يَوْجِل: "ايجل" أصله: "اِوْجل"، قلبت الواو ياءً، لسكونها وانكسار ما قبلها فإِن انضم ما قبلها عادت الواو فتقول: "يا زيدُ اُيجُل"، تُلفظ بالواو وتُكتب بالياء" (٤). ثم قال: "وحكم "وَدَّ يَوَدّ" كحكم "عَضَّ يَعَضّ". وتقول في الأمر: "اُيدُد" كاعْضُضْ" اهـ (٥). أي أنك تقول في غير الابتداء: "يا صاحب اُيدُد" بالواو: وإن كنت تكتبه بالياء. [مجئ الفاء أو الواو قبل (الهمزة من المهموز) أو (الواو من المعتل)]: [فأْتُوا- وأْتُوا] [فأتَزر] هذا إِذا لم يسبق الهمزة من المهموز أو الواو من المعتل فاءٌ ولا واو. فإِن تقدم عليها أحدهما حُذفت ألف الوصل خطًا من المهموز دون المعتل، وصارت

стр. 97

الهمزة الساكنة متوسطة تنزيلًا، فحينئذ تُكتب ألفًا، لا ياءً ولا واوًا؛ نحو: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ [القصص: ٤٩] ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]. ومثله "فأتْزَر" (١) فتنطق بالهمزة ساكنةً في الفعل الماضي أو الأمر، وتكتبها الفًا مهموزةً بدون ياء، ولا تُدْغَم الهمزة في التاء كما نص عليه (القاموس) (٢) و (الأشمونى) (٣). [مجئ "ثمَّ- حتّى" قبل (الهمزة من المهموز) أو (الواو من المعتل)]: وأما إِذا تقدَّمها غير هذين الحرفين مما هو بمنزلة كلمةٍ مستقلة على حرفين فأكثر نحو: "ثُمّ" و "حَتّى": فكما لو لم يتقدمها شىء، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] و"حَتّى ائْتَزَر" و"ثمَّ اؤتُمِنَ"، فتكتب بحركةِ ما قبلها عند الابتداء. والفرق بينهما أن الفاء والواو كجزءِ من الكلمة من حيث إِنه لا يصح الوقف عليهما، ولهذا وُصلت الفاء بما بعدها خطًّا، ولولا المانع الطبيعى من وَصْل الواو بما بعدها لوُصِلت، ولذا يُستَقْبح وضعها في آخر السطر. ومن ثَمَّ وُصلت واو الضمير وألفه بما قبلهما في "رَضُوا" و"رَضِيَا".

стр. 98

[دخول الفاء على همزة الوصل]: وهذا في همزة غير الوصل. أما هى (١) فلا تُحذف عند دخول الفاء عليها نحو: "فاضْرِب"، "فاسْم الله" كما لم تُحذف مع الباء في "باسْمِ الله"، وإنما حُذفت معها في البسملة الشريفة فقط على خلاف القياس لكَثرة الاستعمال على ما يأتى في فصول الحذف إِن شاء الله تعالى (٢). [الكتابة باعتبار الوقف]: وأما النظر لاعتبار الوقف ففى كل منقوص مُنَوَّن الأفصح كتابتُه بحذف يائِه، "كقَاضٍ" و"مَاضٍ" و"دَاعٍ" و "سَاعٍ"، لأن الأفصح حذفُها حالَ الوقْفِ لفظًا، وتسكين ما قبلها كما مر عن (الشافية) (٣). وتُكتب "بَدْءُ العَيْش" و"رِدءُ (٤) الجيْش" و "مِلءُ الخَيْش" (٥) بحذف الهمزة خطًّا على المذهب الجارى على لغة التخفيف التي هى الفصحى، لأن الهمزة المتطرفة إِذا سُكّن ما قبلها تَسْقُط لفظًا، فكذا خطًّا ويُسَكِّن ما قبلها، أي يبقى على سكونه أو يُشدَّد، أو تُنقل إِليه حركتها الإِعرابية التي تكون في الوصل والدَّرَج إِن أمكن، كما سيأتى تمامه إِن شاء الله في الحذف (٦). [اتصال الضمير بالمهموز الآخر]: فإِن اتصل بالكلمة المهموزة الآخر ما لا يُبدأ به -وهو الضمير المتصل-

стр. 99

صارت الهمزة متوسطة، فتُبْدل بحرفٍ من جنس حركتها الإِعرابية؛ فتُكتب واوًا في الرفع، نحو: "هذا جُزْؤُه" و "ذاك رِدْؤُه". وياءً (١) في الجر، نحو: "خُذْه بمَلْئِه". وألفًا في النصب نحو: "عرفتُ بَدْأَه". [ألف (ابن) في حال الابتداء والوصل]: وتُكتب "أنا ابْنُ فلان" بإِثبات ألف "ابن" نظرًا للابتداء، وإن كانت تسقط لفظًا في الوصل والدَّرَج. وبإِبقاء ألف "أنا" المزيدة لإِشباع النون وبيان حركتها نظرًا للوقف مع أنها ساقطة في الوصل، كقول ابن الفارض (٢): كل مَن في حِمَاكَ يَهْوَاكَ لَكِن ... أنا وَحْدِى بِكُلّ مَن في حِمَاكَا (٣) [المنصوب المنون والتاء التي يوقف عليها]: ولأجل الوقف أيضًا كتبوا المنصوب المنوَّن بالألف، مثل: "رأيتُ زيدًا

стр. 100

قاضيًا". وكتبوا التاء التي يُوقف عليها بالهاء هاءً، نحو "نِعْمة" و"رَحْمة" حتى لا يجوز نقطها إِذا وقعت في شعر أو سجع ولو كان ذلك في حديث كما قاله النووى (١) في (شرح مسلم) (٢). ونَقْطُها في غير ذلك إِنما هو بالنظر للوصل. كما أن شكل المنصوب المنوّن بعلامة التنوين نظرًا لذلك (٣)، وكتابةَ الألف بعده نظرًا للوقف. فمثال ما وقع في صورة الشعر ما تمثل به ﵊ من قول شاعره ابن رَوَاحَة (٤) ﵁ كما في (البخاري): لا هُمَّ إِنّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِره ... فأَصْلح الأَنصَارَ والمهاجِرَهْ (٥) [قاعدة جامعة في الفصل والوصل]: والحاصل أن كل كلمة لا يصح الوقْفُ عليها تُوصل بما بعدها، وكل كلمة

стр. 101

لا يصح الابتداء بها تُوصل بما قبلها. فمن فروع الكلمة الأولى: المركَّبات المزْجيَّة كما مرَّ وسيأتى أيضًا (١). [وصل الكلمة التي على حرف واحد وضعًا أو عَروضًا]: [١ - الكلمة التي على حرف واحد وضعًا]: ومنها كل كلمة كانت على حرفٍ واحد وَضْعًا أو عَرُوضًا، مثل "الباء" و"التاء" في القسم، أو الداخلة على المضارع، و "السين"، و"الفاء" و "الكاف" و "اللام" المكسورة أو المفتوحة للابتداء أو الاستغاثة أو التعجب أو المُوَطّئَة للقسم، نحو: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤] وكحديث: "لَلهُ أَرْحَمُ بِالمؤْمِنِ مِن هَذِهِ بِوَلَدِها" (٢)، وكقوله ﵇ لأبي مسعود (٣) لما ضَرَب مملوكه: "لَلَهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلَيْه" (٤) كما رواه صاحب (الهَمْع) في اسم التفضيل (٥) وكقولهم: "يا للمهاجرين" و "يا للأنصار"، و"يا لَطىّ"، كما في (يائيّة)

стр. 102

ابن الفارض (١). [دخول اللام على ما أوله لام (لِلّه- لِلَّهو)]: وفي كلمة "لِلَه" ونحوه من كل اسم أوله لام -"كاللَّهو"، و"اللَّعب" و "اللَّفظ"- إذا دخلت عليه اللام: تُوصل اللام باللام، وتُحذف ألف "أَل"، ويُحذف معها إِحدى اللامات كما يأتى في باب الحذف إِن شاء الله (٢). وبه يُلغز فيقال: ما اسم رباعىُّ الحروف دخلتْ عليه لامٌ فُحذِف منه لأجلها حرفان، فإِذا أُسقطت اللام رجعا؟ وقد اتصل في نحو: "لِلَّهو" ثلاث كلمات. وقد تتصل خمس في لفظة كما سبق ذلك في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ (٣). وهذا بخلاف "الباء" و"الفاء" و"الكاف" ونحوها إِذا دخلت على ما أوله "أن"، فلا تُحذف الألف، بل تُوصل بالحرف قبلها نحو: "فالأَرْضُ بِالبَدْرِ كَالسَّماء". هذا، وما سبق من الحروف أمثلة لما كان على حرفٍ واحد وَضْعًا. [٢ - الكلمة التي على حرف واحد عرضًا]: [دخول (مِنْ) على ما أوله (أل) أو (أم) الحميرية]: ومثال ما صارت الكلمة فيه على حرف واحد عرضًا: كلمة "مِن" إِذا دخلت على ما أوله "أَل" أو "أَم" على لغة حِمْيَر، فإِن النون تُحذف تخفيضًا، وتُوصل الميم خَطًّا باللام أو الميم الحِمْيَرِيَّة، كقوله:

стр. 103

*وما أَبْقَت الأَيَّامُ مِلمَالِ عِنَدنَا (١) * أصله: "مِنَ المال". وكقوله: * أَشْهَدُ أَنَّ أُمَّكَ مِلْبَغَايا (٢) * أي: مِن البغايا، وهن الزوانى. وكقول الزين العراقى (٣) في (ألفية غريب القرآن) (٤) في تفسير الأصيل: "مِلعَصْر لِلمغْرِب". وكقوله ﵇ فيما كتبه للِحْميَرِييَن على لغتهم كما في (المواهب): "وَمَن زَنَى مِمْبِكْرِ فَاصْقَعوهُ مِائَةً، واسْتَوفضُوهُ عامًا. وَمَن زَنَى مِمْثَيّبِ فَضَرِّجُوهُ بالأضَامِيم" (٥)، يعني: من البكر، ومن الثيب، فقد وَصَل الميم الجارة بعد حَذْفِ نونها بالميم التعريفية على لغتهم: ولهذا لم يُنوَّن مدخولها. وكقول الشاعر:

стр. 104

* لأَنَّهما مِلآنِ لَمْ يَتغَيَّرا (١) * أي: "مِن الآن"، كما في رسالة (مُوقِد الأَذْهان) (٢)، وكذلك (الهَمْع) (٣)، ذكره في فصل التقاء الساكنين. [دخول (مِن- عَن) على (ما- مِن)]: وكذا إِذا دخلت "مِن" أو "عَن" على كلمة "ما" أو "مِن" فتكتب: "مِمَّا" و "عَمَّا"، و"مِمَّن" و"عَمَّن" متصلات، لحذف النون خطًّا ولفظًا بالإِدغام. فإِن كانت "ما" استفهامية حُذفت ألفها أيضًا، وصار كلٌّ من الكلمتين على حرفٍ واحدٍ عروضًا. دخول (على) على (أل): ومثلهما "عَلَى" إِذا دخلت على "الـ"، كقوله: *غدَاةَ طَغَتْ عَلمَاءِ بَكْرُ بُنُ وَائِلِ (٤) * أي: على الماء.

стр. 105

[إِضافة (بنون) إِلى ما أوله (أل) بلْعنبر- بَلْحارث]: ومثلهما مِن الأسماء "بَنون" جمع "ابْن" إِذا أضيف إِلى ما أَوَّلُه "الـ"، كقولهم في بني العَنْبر وبنى الحارِث وبنى الجَعْراء وبنى القَيْن: "بَلْعَنْبَر" و"بَلحَرِث" و"بَلجَعْرا" و"بَلقَيْن" كما ذكرناه في (رسالتنا) التي وضعناها لمعرفة اصطلاحات (القاموس)، فقد اقتصروا على الباء المفتوحة من الكلمة الأولى من المتضايفين، وحذفوا ما بعدها شُذُوذًا، تخفيفًا لطول الكلام. وأما ما قاله السَّخَاوى (١) وقلَّده الأمير (٢) في (حاشية الشُّذُور) (٣) من قوله: حَقُّ "بَلْحَارِث" أن يُكتب بألف قبل اللام كما فَعَل مِثْلَ ذلك الزَّمَخْشَرِىّ (٤) في قوله:

стр. 106

*طَفَتْ عَلماء ِغرلة خالد (١) * أي: على الماء" اهـ. (٢): فهو مردود بَخْوف الالتباس بالباء الجارّة إِذا دخلت على "الحارث"، فلهذا لا تراه ولا نظائره في خطّ أحدٍ من المؤلفين (كالقاموس) وشُرَّاح (الحماسة) ودواوين الأدب وغيرها- مكتوبًا بألف أصلًا، ولَوْ لاحَظَ الدَّاعِى لحذْفِ النونِ لم يَدَّعِ أَن حقَّه إِثباتُ الألف. فصل الموصول ووصل المفصول للإلغاز والتعمية: هذا، وقد تكون الأُولى على حرفٍ واحد وَضْعًا وتُكتب مفصولة لقصد الإِلغاز. كقوله: * جَاءَك سَلمانَ أبو هَاشِما* فإِن اللفظ "كسلمانَ" لكنه قُطع للتعمية كما في (موقِد الأذهان) (٣). كما أن بعكس ذلك كلمة "بَلْ" إِذا دخلت على ما أَوَّلُه راء وقُصِد الإِلغاز

стр. 107

تُحذف لامها، لإِدغامها في الراء، وتُوصل الباء بالراء، كما في قوله: عَافَتِ الماءَ فى الشِّتاءِ فقُلنا ... بَرّدِيِه تُصادِفِيهِ سَخِينًا (١) قال في (المزْهر) (٢): "وهذا البيت من أبيات المعانى، والأصل: "بَلْ ردِيه"، فِعُل أمر من "الوُرود"، وليس من التَّبْرِيد". ومثله قول الشاعر: لَن - مارأَيْتُ أَبا يزيد مُقَاتِلا ... أَدَعَ القِتَالَ وأَشْهَدَ الهَيْجاءَ (٣) فإِن الأصل والمعنى: لن أدعَ القتالَ وشهودَ الهيجاءِ مُدَّةَ رؤيتى أبا يزيد يقاتل. فإِنه عند قَصْد التعمية يُكتب: "لَمّا رأيت" بوصْلِ "ما" باللام، وحَذْفِ النون للإِدغام في الميم لتقاربهما مَخْرجًا. ويُقال: أين جواب "لَمَّا"؟ وبِمَ انتصب "أَدَعَ"؟ فالفصل في البيت الأول، والوصل في الآخرين على خلاف القياس في كل منهما. لكن سوَّغه قصد التعمية، فهذا مقصور على تلك الحالة، لا يجوز في غيرها. [الأمر من اللفيف المفروق (فِهْ- قِهْ- عِهْ)]: وقد تصير الكلمة الأولى على حرف، ولا يقتضى ذلك جواز وصل ما

стр. 108

بعدها بها إِذا لم يُوجد مُسَوّغ لوصله، وذلك في الأمر من اللفيف المفروق، مثل: "فِه" و"عِه" و"قِه" و"لِه" خطًّا بالمذكَّر، من: "الوَفَاء" و"الوَعْى" و"الوِقَاية" و"الوَلْى"، فلا يُوصل هذا الفعل بمفعول الظاهر، نحو "فِهْ الكوزَ شرابًا"، و"قِهْ نفسَك"، و"عِهْ الكِتابَ"، و"لِهْ الأَمْر". ولكن لمَّا لم يكن من أصولهم في الكلمة التي على حرفٍ واحد وَضْعًا أو عَروُضًا أن تُكتب مفصولة عما يَتَّصل بها: زادوا "هاء السكت" خطًّا، نظرًا لحالة الوقْف عليها، لأنه لا يُوقف على متحرك، مع أن تحريكه واجبٌ لكونه مبدوءًا به، ولا يُوقف على مثل ذلك فتُكتب الهاء لابتناء الكتابة على تقدير الوقف والابتداء، وإن كانت تَسْقُط وَصْلًا. ومن ذلك قوله كما في (الأشمونى) (١): فِهْ بالعقُودِ وَبِالأَيْمانِ لاسِيَمَا ... عَقْدٌ وَفَاءٌ بِهِ مِنْ أَعْظَمِ القُرَبِ (٢) "قال الدمامينى (٣) والشُّمُنِّى (٤): فهذه الهاء التي في قوله: "فِه" ينطق بها

стр. 109

وقفًا، وتكتب ولا ينطق بها وصلًا (١). قال الصَّبَّان (٢): وهلا جاز النطق بها وصلًا إِجراءً للوصل مجرى الوقف" (٣). [وصل أمر اللفيف بالضمير ونون التوكيد]: فإِن كان هناك مُسّوغٌ لوصل ما بعد هذا الحرف به؛ بأن كانت الكلمة الثانية ضميرًا، أو نون توكيد: وُصِلَت بهذا الفعل الذي على حرفٍ كما تُوصل بالذي على أكثر، من حيث إِنه لا يصح الابتداء بالضمير المتصل، سواء كان على حرف، نحو: "قِهِ" و"عهِ" و"له" و"ضَرَبَه"، أو على أكثر، نحو قوله تعالى: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]، ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: ٩]. يقول الفقير: لعل النحاة لاحظوا ذلك عند تسميتهم له بالضمير المتصل وتعريفهم له بأنه: "ما لا يصح الابتداء به"، وتعريفهم للمنفصل بأنه: "ما يصح الابتداء به" ولذلك لا يُوصل المنفصل بفعله في الخط أصلًا، بل يجب فصله.

стр. 110

[ما يتصل بالفعل من الضمائر]: وقد يتصل بالفعل ضميران؛ أحدهما على حرف، والثاني كذلك، أو على أكثر مثل: "قُتُّه" و "قُتُّهم" (من القُوت) و"ضَرَبْتُه" و"ضَرَبْتُهم" فقد اتصل في المثال الأول ثلاث كلمات في ثلاثة أحرف كما سبق (١). وقد يتصل به ثلاث ضمائر، مثل "عَرَّفْتُكَها"، و "قد أَلْزَمْتُكَها"، فيكون المتصل في ذلك أربع كلمات. وقد يكون المتصل خطًّا خمس كلمات كما سبق في "فَسَيَكْفِيكَهم" (٢). وقد يتصل سِتُّ كلماتٍ في تسعة أحرف أو عشرة، كأن تقول: "فَلَنُفْهِمَنَّكَهُ"، أوَ تقول لمستحق النار: "فَلَيُصْلِيَنَّكَهَا". [اتصال (أل) بما بعدها]: ويُلحق بما هو على حرف واحد "أل" أو بدلها "أَم"، سواء كانت "أل" مُعَرِّفة "كالرَّجُل". أو موصولة "كالأَعْلى". أو زائدة كالتي في قوله: * رَأَيْتُ الوَلِيْدَ بْنَ اليزِيدِ مُبَاركًا (٣) * فتُوصل بما قبلها من الحروف المفردة كالباء والكاف واللام. ولكن لا تسقط ألفها إِلا مع اللام. [اتصال (أل) بالفعل]: ويُوصل بها ما بعدها، سواء كان اسمًا كالأمثلة المتقدمة، أو فعلًا وإن كان
следующие страницы →