← Сияса и кади

Сияса и кади · id 977

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت الأفغاني

الصدر الشهيد

Полный текст (650 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في هذا خلافًا، وذكر الطحاوي فيه اختلافًا (١) فقال: عند أبي حنيفة وأبي يوسف [رحمة الله عليهما] لا يجيب القريب أيضًا، وعند محمد يجيبه؛ وهذا إذا لم يكن خصمًا، فإما إذا كان القريب خصمًا فلا ينبغي أن يجيبه، لمكان التهمة. (فلو كان الأجنبي ممن كان يدعوه قبل القضاء فلا بأس بإجابة دعوته الخاصة) لأن ذلك لا يكون مضافًا إلى القضاء، وقد قال أصحابنا إن قبول الهدية على هذا أيضًا، والخصاف لم يذكره، وقد ذكره الطحاوي في مختصره فقال (٢): ولا تقبل الهدية إلّا من قريب أو ممن كان يهدي له قبل القضاء؛ ولم يذكر الطحاوي هاهنا خلافًا، وذكر في الفصل الأول. (ثم إذا كان (٣) المهدي ممن كان يهدي له قبل القضاء ينبغي أن ينظر في هديته له بعد القضاء، فإن كانت مثلها قبل القضاء أو أقل قبلها، وإن كانت أكثر لم يقبل الزيادة) لأن تلك الزيادة تكون مضافة إلى القضاء فيصير آكلًا بقضائه؛ فعلى هذا في الدعوة ينبغي أن يكون التفصيل كذلك: إذا كان الداعي ممن كان يدعوه قبل القضاء ينظر، فإن كانت دعوته بعد القضاء مثلها قبله أو دونها أجابه، وإلّا فلا والله أعلم بالصواب. باب القاضي يجلس معه غيره ذكر (عن عبد الرحمن بن أبي سعيد (٤) قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁

стр. 72

[جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان قال لهذا: ادع عليًّا! وقال لهذا: ادع طلحة والزبير] ونفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ! فإذا جاؤوا فجلسوا قال لهما [يعني للخصمين] تكلّما! فإذا تكلّما أقبل عليهم فيقول: ماذا تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق قوله أمضاه عليهما (١) ولا ينظر هو (٢) بعد، فيقومان وقد سلما) أفاد الحديث فوائد، منها أنه لم يكن بين علي وعثمان إلّا جميل وخير خلافًا لما قاله بعض أهل الأهواء والبدع، ومنها أنه لا بأس بالقضاء في المسجد على ما مر قبل هذا، أو منها أنه لا بأس للقاضي بالاستفتاء من العلماء كما فعله عثمان ﵁ (٣) ومنها أنه لا بأس بالمشورة، ألا تراه كيف كان يشاورهم (٤)! وقوله "أمضاه عليهما" (٥) لأنه صار إجماعًا منهم، والإجماع حجة ماضية، وقوله "ولا ينظر هو بعد" لأنه ظهر الحق ولاح العدل فلا يجوز تأخيره (٦)، وقوله "فيقومان وقد سلما أي استسلما وانقادا للحق (٧). ثم ذكر (عن إسماعيل بن أبي خالد (٨) قال: رأيت شريحًا جالسًا على القضاء في المسجد متعممًا بعمامة بيضاء قد ألقى طرفها بين كتفيه، عليه مطرف خز، ورأيت ناسًا من العلماء يجالسونه على القضاء منهم أبو عمر والشيباني والشعبي) أفاد الحديث فوائد، منها جلوس القاضي في المسجد على ما مر، ومنها أن السنّة للقاضي التعمم كما فعله شريح، وفي بعض المواضع جرت عادة القضاة بالتقلنس بقلنسوة كبيرة على هيئة مخصوصة، وكل ذلك لا بأس به (٩).

стр. 73

ذكر (عن الأعمش قال [قال لي القاسم بن عبد الرحمن: لو أنك جئت فجلست إليّ] يعني في مجلس القضاء! قال: فجلست إليه، فاختصم إليه خصمان قال) الراوي (فأخذ الأعمش عليَّ (١) فيه فقال: لأن قلت ذاك (٢) لقد قال عبد الله ﵁: إذا علم أحدكم فليقض وإلّا فليقر ولا يستحي) أفاد الحديث فوائد، منها أن القاضي إذا أراد أن يجلس معه الفقهاء فينبغي أن يسألهم ذلك من غير جبر عليه، ومنها أن الفقيه إذا جلس إلى القاضي فزلت قدمه فينبغي أن يقوّمه كما فعله الأعمش، لكنه جاهره بالرد لعلمه أن القاسم يغتنم ذلك منه ولا يكرهه، أما في زماننا هذا فلا ينبغي أن يجاهر القاضي بالرد عليه لأن ذلك يؤدي إلى الاستخفاف به والافتراء عليه وأن يزدري بين الخصوم، وقوله "لأن قلت ذلك لقد قال عبد الله" يحتمل أن يكون هذا قول الأعمش بأنه خاف (٣) أن يخجل القاسم (٤) من الرد عليه، وأنه لم يكن عالمًا فقال له "لا ينبغي أن يستحي" فقد قال عبد الله فيمن لم يعلم فليقر ولا يستحي، ويحتمل أن يكون ذلك قول القاسم للأعمش حين رد عليه (٤) فيكون كأنه ظن أن الأعمش يراه قد يستحي عن ذلك فقال له القاسم هذه المقالة ليعرفه أني لم أستح من ردك لأني لا أعلم فأقر ولا أستحي (٥) كما قال عبد الله، وهو الصحيح عندنا والله أعلم. ذكر (عن إدريس (٦) قال: رأيت محارب بن دثار [يقضي] والحكم وحماد أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ينظر إلى حماد مرة وإلى الحكم مرة والخصوم بين يديه) هذا الحديث يفيد ما أفاده ما تقدم ذكره من الأحاديث. وذكر (عن معمر قال: كانوا يرون للأمير ما ليس للقاضي، الأمير يدني منه ويباعد منه، والقاضي ليس له ذلك - الحديث) يعني يسوي بين الناس في مجلسه وإنما كان كذلك لأن الأمير يحضره الناس للزيارة فله أن يُنزل الناس منازلهم ويوفي كل ذي فضل فضله، وأما

стр. 74

القاضي فالحضور عنده لأجل الخصومة، والتسوية بين الخصوم واجبة، فإذًا الحكم لا يدور على الإمارة والقضاء بل على المعنى الذي أشرنا إليه، حتى لو جلس الأمير لفصل الخصومات فعل ما يفعله القاضي، ولو جلس القاضي للزيارة يفعل ما يفعله (١) الأمير (٢). ثم ذكر (عن ابن سيرين حديثًا مثل ذلك). وذكر (عن علي ﵁ أنه نزل به ضيف فسأله علي [عن شيء قال]: ألك خصم؟ قال: نعم! قال: فتحوّل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تضيفوا الخصم إلا مع الخصم") وهذا لأنه يتهم لأجل ذلك، والتحرز عن مواقف التهمة واجب. (قال أبو حنيفة ﵁: لا بأس أن يجلس القاضي معه من يثق بدينه وأمانته وفقهه) (٣) أما التدين والأمانة فليؤمن معه وقوع الفساد، لأن مجلس القاضي يحضره النساء فمتى لم يكن الجليس أمينًا متدينًا لا يؤمن وقوع الفساد، وأما الفقه فليفد (٤) جلوسه إلى القاضي (٥) (ويكون قريبًا من القاضي بحيث يسمع كلامه وكلام من يحضره) فرق بين هذا وبين أعوان القاضي فإنهم يكونون على بُعد منه، وقد تقدم (٦). (ولا ينبغي له أن يشاورهم) يعني الفقهاء (بحضرة الخصوم في شيء مما يتقدم فيه) كيلا يعلم الخصم ما يدور بين القاضي وبين من يشاوره وما يعزم عليه رأيه (٧) وقد ذكر قبل هذا عن عثمان ﵁ أنه شاور عليًا وطلحة والزبير ﵃ بمحضر من الخصوم (٨)، وإنما كان كذلك لأن عثمان ﵁ كان يقضي في الصدر الأول الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية ووصفهم بالأمانة، (٩) فكان تقدمهم إلى القاضي لاشتباه

стр. 75

الأمر عليهم فإذا ظهر ذلك انقادوا له، أما في زماننا فقد فسد الزمان وخان الناس فلا يؤمن أن اتفقوا على ما يريد القاضي أن يقضي به فيحتالون لدفعه، فلذلك لا يشاور الفقهاء بحضرة الخصوم، ولكنه إذا أراد مشاورتهم ومناظرتهم فعل ذلك بعد ذهاب الخصوم من بين يديه لأنه أحوط. (فإن كره القاضي أن يجلس معه غيره خوفًا من حصر يلحقه أو لأجل خصومتهم أو غير ذلك [لم يُجلس أحدًا] (١)، جلس وحده إذا كان عالمًا بالقضاء) لأنهم قد يشغلونه عن القضاء، فله أن يجلس وحده (وإن لم يكن عالمًا به فالأولى له (٢) مناظرة الفقهاء في أمره وما يرد عليه) لأنه أقرب إلى الصواب، قال (وإن يُجلس معه قومًا من أهل العفة أحب إلي) (٣) لأنّه أبعد عن التهمة (٤) والله أعلم. باب القاضي يشاور ذكر (عن أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله ﷺ أكثر مشاورة لأصحابه منه) يعني من [عمر ﵁ هذا لأنّ] (١) رسول الله ﷺ كان يشاورهم حتى في طعام أهله وإدامهم) وإنما فعل ذلك تبركًا بالمشورة لما فيها من امتثال أمر الله فإنه قال ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٥). ثم ذكر (عن الحسن يقول في هذه الآية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ قال: إنه والله ما تشاور قوم قط إلا وفقهم الله لأفضل ما بحضرتهم) (٦) يريد بذلك لأفضل ما يطلبونه فإنهم بالمشورة يطلبون شيئًا وهو الصواب، فالله يوفقهم لذلك. (ثم ذكر عن الحسن حديثًا هذا معناه).

стр. 76

ذكر (عن زياد أنه قال: الرجال ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء؛ فالرجل الذي به (١) رأي لا يحتاج إلى رأي غيره، ونصف رجل الذي لا رأي له وإذا حزّ به أمر شاور ذا الرأي، ولا شيء الذي لا رأي له ولا يشاور) [وهذا من جملة الحِكَم، وزياد كان ممن يتكلم بالحكمة وإنما قال ذلك تحريضًا على المشاورة] (٢). فصل قال صاحب الكتاب (وإذا ورد على القاضي شيء نزل به الكتاب أو جاءت به السنة فلا حاجة إلى المشاورة، وإن كان لم ينزل به الكتاب ولم تجئ به السنّة احتاج فيه إلى مشاورة أهل العلم، فلا يعجل فيه بحكم حتى يشاور من يثق برأيه وعلمه ودينه، فإذا اتفقوا على شيء أمضاه) وهذا على ما تقدم. (وإن شاور رجلًا واحدًا في ذلك أجزاه) (٣) وهذا لا يخلو إما أن يكون عالمًا أو غير عالم (فإن كان عالمًا فله القضاء برأي نفسه من غير مشورة أصلًا فإذا شاور واحدًا أولى (٤) وإن كان غير عالم فهو بمنزلة العامي) والعامي متى استفتى واحدًا أجزاه، كذلك هاهنا (فإن شاور اثنين فهو أولى) لأن القاضي إذا كان عالمًا فالأولى له مشاورة واحد ليضم رأيه إلى رأيه، فإذا كان غير عالم فالاثنان في حقه كالواحد في حق العالم (وإن شاور جماعة فهو أولى) لأن رأي الجماعة أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ، لا يكاد هذا يخفى والله أعلم. باب الحكمة وفصل الخطاب ذكر (عن الحسن في قول الله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: العلم بالقضاء) قال بعضهم: هو الشهود والأيمان، وقال بعضهم: هو كلمة "أما بعد" [وقال بعضهم: هو المعرفة بوجوه القضاء] (٥) وقال بعضهم: هو الخصوم وهو أضعف التأويلات، ووجه تصحيحه أن يكون المراد منه الفصل بين الخصوم.

стр. 77

ذكر (عن أبي عبد الرحمن السلمي أن داود صلوات الله عليه لما أمر بالقضاء قطع به، فأمر أن يسألهم الشهود، قال: وأمرهم (*) أن يحلفوا باسمي، أو أبي (١) وهذا كان بعد ارتفاع السلسلة، وقصة السلسلة معروفة فيما قيل: إن سلسلة تدلت (٢) من السماء فكان الخصمان إذا حضرا عند داود صلوات الله عليه مدّ كل واحد منهما يده إليها، فمن نالها فهو المحق، ثم إن رجلًا أودع عند شيخ ذهبًا فنقر عصاه وجعل الذهب في جوفها، فلما جاء المودع جحده، فارتفعا إلى داود صلوات الله عليه، فمد المدّعي يده فنال السلسلة، ثم إن الشيخ دفع العصا التي فيها الوديعة إلى المدّعي كأنه يأمره بإمساكها حتى يمد يده ثم مد يده فنال السلسلة لأنه في تلك الحالة كان محقًا لأنه سلم الوديعة إلى صاحبها، [فتحير داود ﵊ في ذلك، فنزل جبريل صلوات الله عليه وقص عليه القصة، ورفعت السلسلة، فتحيّر داود في أمر القضاء فأمره الله بطلب الشهود وبأن يحلفهم باسمه ] (٣) (عن مجاهد في قوله ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: ليست النبوة، ولكن (٤) العلم والقرآن والفقه) وقال بعضهم: الحكمة تلاوة القرآن، وقال بعضهم: بل حفظه (٥)، وقال بعضهم: الحكمة معرفة الأحكام الشرعية (٦). ذكر (عن عمر بن عبد العزيز قال: خمس إذا أخْطَأ القاضي منهن خصلة كانت فيه وصمة: أن يكون فهمًا (٧)، وأن يكون حليمًا، وأن يكون عفيفًا، وأن يكون صلبًا (٨)، وأن يكون عالمًا سؤولًا عن العلم) الوصمة العيب، وفيه ثلاث لغات "وصمة" و"فصمة" و"قصمة"، والثانية أشد من الأولى، والثالثة أشد من الثانية في كونها عيبًا؛ نحو "القبص" و"القبض" و"الأخذ" فالأول بالأنامل، والثاني بالأصابع، والثالث بالكف؛ والخصال التي ذكرها قد ذكرناها فيما تقدم وزادها هنا قوله "سؤولًا عن العلم" (٩) لأن الله لم يؤت

стр. 78

أحدًا كل أنواع العلوم فيسأل غيره عما لم يعلمه ليفيد به علمًا والله أعلم. باب القاضي يقضي وهو غضبان (١) ذكر (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة (٢) عن أبيه ﵁ (عن رسول الله ﷺ قال: "لا يحكم الحاكم بين خصمين وهو غضبان") وذكر في هذا الباب أحاديث (٣) كلها تدل على المنع من القضاء حالة الغضب، وقد تقدم طرف من ذلك قبل هذا. وذكر (عن شريح ما شددت على لهوات خصم ولا لقنته حجته) تروى بالشين المعجمة ثلاث من فوقها، وروي بالسين، فإن كانت الرواية بالشين فمعناه: ما قويته قال الله ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ خبرًا عن موسى صلوات الله عليه، أي أقوي به (٤) ظهري، ثم قوله (ولا لقنته حجته) [تكون تفسير التقوية، لأن التقوية من القاضي تكون بطرق شتى فهو بين أحدها] (٥) وإن كانت الرواية [بالسين] (٦) فمعناه ما منعته عن إظهار حجته والإبانة عن غرضه أي لم أجعل على فمه سدًا يمنعه من الكلام، قال صاحب الكتاب (ولا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو غضبان، لما جاء في ذلك) ولأنه لا يأمن من الغلط وقد مر هذا. باب ما جاء في القاضي إذا جاع ذكر (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقضي القاضي إلّا وهو شعبان ريان") فلم يرد به الامتلاء حتى يصير كظيظًا، لأن ذلك يفوت الاعتدال، كالجوع المفرط والعطش المفرط يفوت الاعتدال، والقاضي وقت القضاء يجب أن يكون على أعدل أحواله، ولهذا قال أصحابنا: لا ينبغي للقاضي أن يصوم تطوعًا يوم جلوسه للقضاء لأنه ربما يلحقه جوع يمنعه عن بعض ما يجب عليه فعله (٧).

стр. 79

ذكر (عن ميمون بن مهران قال: بعثني عمر بن عبد العزيز" يعني القضاء (١) (وقال: لا تقض على غضب ولا ضجر، وليكن من رأيك الحلم عن الخصوم، واعلم أنه لا خير في قضاء إلّا بفهم، ولا خير في فهم إلّا بحكم، ولا خير في حكم إلّا بفصل، ولا خير في فصل إلّا بعدل) وهذا لأن القضاء بغير فهم قضاء بالجهل وهو غير جائز، ولا خير في فهم إلّا بحكم لأن العلم متى لم يوصل الحق إلى المستحق فلا فائدة فيه، ولا خير في حكم إلّا بفصل وهو التسليم إلى المستحق لأنه متى حكم له يجب التسليم إليه، ولا خير في فصل إلّا بعدل لأنّ العدل مطلوب في جميع الأحوال (٢) والله أعلم بالصواب. باب القاضي يأخذ الرزق ذكر (عن نافع أن عمر ﵁ كتب (٣) إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام أن: انظروا رجالًا من أهل العلم من الصالحين ممن (٤) قبلكم فاستعملوهم على القضاء ووسعوا عليهم (٥) من الرزق) وهذا لأن القاضي محبوس بحق المسلمين فيجب كفايته في مال المسلمين، وذلك من بيت المال لأن الحبس سبب استحقاق الكفاية (٦) كحبس المرأة بحق

стр. 80

الزوج، والمضارب إذا سافر في مال المضاربة يستحق النفقة لهذا المعنى، لكن شرط الأجر (١) لا يجوز، لأن القضاء طاعة، وأخذ الأجر على الطاعة حرام. وذكر (عن زيد ﵁ أنه كان (٢) يأخذ على القضاء أجرًا) ولم يرد به الأجر حقيقة، لأنا قد ذكرنا أنه لا يجوز، إنما أراد به الكفاية، لكن سماه أجرًا لتصوره بصورة الأجر [لأن "الأجر" مال يستحقه الأجير عوضًا عن عمله وصورة ذلك موجودة في رزق القاضي فسماه أجرًا لهذا] (٣). ثم ذكر (عن ابن أبي ليلى (٤) قال: بلغني أن عليًا ﵁ رزق شريحًا خمسمائة درهم) يعني في كل شهر، لأنه كان كثير العيال فلا يكفيه أقل من ذلك. ثم ذكر (عن الزهري قال: رزق رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد ﵁ حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة، قال إسحاق بن الربيع قاضي المدائن (٥): لا أدري ذهبًا أو فضة) قال ﵀ فإن كان ذهبًا فهو مال كثير، لأنّ الأوقية أربعون مثقالًا، وإنما رزقه (٦) هذا القدر لأنّه استعمله واليًا وقاضيًا فكثر أعوانه وزادت مؤنته فلذلك زاد رزقه (٦). ثم تكلّموا في أنه من أي مال رزق عتاب بن أسيد؟ ولم يكن في زمن رسول الله ﷺ بيت مال إنما حدث ذلك ووضعت الأموال في زمن عمر ﵁ (٧)! قال بعضهم: رزقه من الفيء، (٨)، وقال بعضهم: من مال أخذه من نصارى بني نجران، [وقال بعضهم: من مجوس هجر، وقال بعضهم: من يهود زهر، ويجوز رزق القاضي من الأخرجة والجزا] (٩).

стр. 81

وذكر (عن ابن سيرين أن عمر ﵁ (١) رزق أبا موسى ﵁ ستة آلاف في السنة وهو على البصرة (٢)، وأعطى عثمان بن أبي العاص أرضًا بالمدينة في عمالته) ويجوز عندنا للقاضي والإمام أن يقطعا (٣) أراضي بيت المال لبعض العمال عوضًا عن عمله، يزرعها وينتفع بها، فإذا ترك العمل ردها (٤). وذكر (عن الشعبي عن مسروق أنه كان على القضاء ولا يأخذ رزقًا، وكان شريحًا يأخذ). وذكر (عن القاسم عن عمر ﵁ (٥) قال: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا ولا صاحب مغنمهم) (٦) أما القاضي فلأن القضاء طاعة، وأخذ الأجر على الطاعة لا يجوز، وأما صاحب المغنم فهو الوالي ولا يجوز له أخذ الأجر على عمله بمنزلة القاضي لكنه يأخذ مما تحت يده وبقدر كفايته (٧)، كالقاضي يطلب من الوالي كفايته لأن كل واحد منهما عامل لكافة (٨) المسلمين. ثم ذكر (عن هشام عن محمد أنه كان لا يرى بأسًا أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت مال المسلمين) (٩) وهذا لما ذكرناه من المعنى، وينبغي أن يأخذ ما يكفيه لنفسه ولعياله وأعوانه، لأنه لو لم يفعل ذلك ربما تشره (١٠) نفسه إلى أموال الناس فيرتشي.

стр. 82

قال (١) صاحب الكتاب أبو بكر أحمد بن عمرو الخصاف (ولا بأس أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال لأنه عامل من عمال (٢) المسلمين في مصالحهم) وقد جعل الله لعامل الصدقة سهمًا لعاملية (٣) أثبت له الرزق وشبهه بعامل الصدقات لأنّ كل واحد منهما يقوم بما يعود نفعه على المسلمين. قال صاحب الكتاب (ولما جاء عن النبي ﷺ أنه قال "من استعملناه منكم على عمل فمن لم يكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادمًا، ومن لم يكن له مسكن فليتخذ مسكنًا) كل هذا جائز فعله للقاضي من المال الذي تحت يده ليحصل له كفاية عن غيره فإذا عزل ردّ المسكن والخادم لأنه كان له بحكم عمله فإذا ترك العمل رده (٤) قال صاحب الكتاب (وقد رأينا (٥) أبا بكر وعمر ﵄ فرضا لأنفسهما من بيت المال ما يغنيهما، (٦) وعلى هذا أمر الأمة والناس) (٧) قيل إن أبا بكر فرض لنفسه ثلاثة دراهم في كل يوم، وقيل درهمين وثلثي درهم، وعمر فرض لنفسه ما يكفيه، وأما عثمان فكان ذا ثروة لا يحتاج إلى مال بيت المال والله أعلم بالصواب (٨). باب الرشوة في الحكم ذكر (عن أبي هريرة ﵁ قال لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم) هكذا رواه أبو هريرة مقيدًا بالحكم، وقد روى مطلقًا أنه لعن الراشي والمرتشي، وفي روايةً لُعن الراشي والمرتشي والرائش" وهو الذي يسوي الأمر بينهما (٩). قال: والرشوة

стр. 83

مأخوذة من الرشا وهو الحبل الذي يستقى به كان الناضح (١) لا يصل إلى الماء إلا بالرشا كذا الراشي يتوصل بالرشوة إلى مقصوده الحرام. ثم الرشوة على أربعة أوجه: يأخذها لتكف عن الظلم، ورشوة لإصلاح أمره عند السلطان، ورشوة ليقلّده قضاء، ورشوة ليقضي له بقضاء بحق أو بغير حق: ففي الوجه الأول الأخذ حرام لأنه أخذ على أمرٍ واجب عليه قبل الأخذ فإن الكف عن الظلم واجب، وأما للدفع فحلال إن كان فيه وقاية لنفسه وعرضه فإن الأموال لذلك تراد (٢)، وأما في الوجه الثاني فالأخذ حرام لأنه وقع على أمرٍ واجب عليه قبل الأخذ فإن إعانة المسلمين بقدر الإمكان واجبة على كل مسلم، والحيلة لحل الأخذ هنا أن يستأجر الراشي المرتشي يومًا ليقوم بعمله بأجرة معلومة ثم يصرف منافعه إلى أي عمل شاء فأما الدفع في هذا الوجه مع هذه الحيلة لا يشكل حله، وأما بدون هذه الحيلة اختلف المشايخ منهم من قال حرام لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ وسنذكره بعد هذا، ولأنّه تمكين الحرام تسبيب له فيكون حرامًا، والصحيح أن الدفع حلال هنا، وإن كان الأخذ حرامًا كما في الوجه الأول لاجتماعهما في الداعي إلى الحل وهو وقاية نفسه وإقامة مصلحته، وهذا إذا أخذ الرشوة قبل أن يصلح أمره عند السلطان فإذا أصلح أمره فدفع إليه مالًا فالدفع حلال بلا إشكال، لأنه أحسن إليه فله أن يجازيه بمثله (٣)، فأما الأخذ هل يحل؟ قال بعضهم: لا يحل لأنه قام بأمر واجب عليه وهو إعانة المسلم والصحيح أنه يحل (٤) وقد أشار إليه في (٥) كتاب الصلاة فإنه قال "لا ينبغي للإمام ولا المؤذن أن يأخذ أجرًا عليه فإن فرغا فجمع لهما شيء من المال فما أحسن هذا" اجعله

стр. 84

أحسن مطلقًا دل على حل الأخذ، وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو محمد عبد العريز بن أحمد الحلواني ﵀ حكاية عن أستاذه القاضي الإمام: هذا على تفصيل إن كان ذلك الذي أمره به عملًا يقبل الإستئجار، فإذا قام به ثم أعطاه شيئًا من المال حل أخذه، نحو إن عمله رسالة إلى السلطان لأنه أمكن أن يجعل إجارة، وما عدا ذلك فلا يحل فيه الأخذ. وأما الوجه الثالث من الرشوة فالدفع فيه حرام والأخذ حرام أما الأخذ فلأنه رشوة وأما الدفع فلأنه ارتكاب تسبيب إلى الحرام من غير ضرورة فإنه يتوصل إلى القضاء بدون الرشوة. وأما الوجه الرابع وهو الرشوة ليقضي له بقضاء فحرام فيه الدفع والأخذ جميعًا سواء كان القضاء بحق أو بغير حق، نص عليه الخصاف في آخر هذا الباب؛ أما إذا كان القضاء بغير حق فالأخذ حرام لوجهين: أحدهما أنه رشوة، والثاني أنه تسبيب لفعل الحرام وهو الظلم، وإن كان القضاء بحق فالحرمة للوجه الأول لا غير، والدفع حرام فيهما لأنه تمكين من الحرام من غير ضرورة. ثم قضاء القاضي فيما ارتشى فيه وسجله فيه باطل، سواء كان بحق أو بغير حق، نص عليه في آخر الباب، وسنذكر هذا في آخر الباب إن شاء الله تعالى. (أما قضاؤه في غير تلك الحادثة) هل ينفذ؟ اختلفوا فيه، والأصح عندنا قال (إنه ينفذ) (١) لأنه بالارتشاء لا ينعزل، لكن يستحق العزل، وقد مضى طرف من هذا في أول الكتاب، وسيأتي تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى. وذكر عن الحسن بن عثمان الزهري (٢) قال: كنت مع عمي أبي سلمة بن عبد الرحمن بالإسكندرية عند عبد العزيز بن مروان، فدخل عليه فعرف له فضله وشرفه، وكان البواب بعد ذلك مسيئًا إليه، فقال: يا ابن أخي إن منزلتي من صاحبي لحسنة وإني لأرى هذا يسيء لي، قال فقلت له: لو أعطيته شيئًا! قال: كيف أعطيه وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي أو قال: الراشي والمرتشي في النار! [لا أدري أي ذلك قال] (٣) جعل إعطاء البواب شيئًا من المال رشوة، وعن هذا قال أصحابنا: لا ينبغي للقاضي (٤) أن يتخذ بوابًا يمنع الناس من دخول

стр. 85

المسجد إلّا بقطعة ذهب يأخذها، لأن دخول المسجد مندوب إليه فلا يجوز المنع منه، ومتى حرّم المنع حرّم الأخذ لتركه، لكن إن احتسب رجل في ذلك وجعل نفسه بوابًا ليرتب الناس مراتبهم ويأذن لهم على حسب منازلهم فلا بأس به، فإن لم يجد من يحتسب بذلك فكفاية البواب من بيت المال، كما أنّ كفاية القاضي منه. ذكر (عن علقمة ومسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنهما سألاه عن "السحت" فقال: الرشوة! قالا: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر) (١) وتأويل قوله "ذاك الكفر" من وجهين عندنا: أحدهما أنه تهديد ووعيد لا تحقيق، والثاني: تحقيق لكن بالاستحلال (٢). وعن (٣) عبد الله بن مسعود ﵁ أيضًا (قال: الرشوة في الحكم كفر إنما السحت أن يهدي الرجل إلى الرجل هدية كما يعينه على حاجته عند السلطان) وهذا يؤكد قول أولئك المشايخ الذين قالوا في الوجه الثاني من وجوه الرشوة أن الدفع حرام، لكن تأويل ذلك عندنا إذا كان ذلك على أمر لا يحل بحال (٤) كالظلم لغيره ونحوه. ثم الهدايا على ثلاثة أوجه: هدية يحل دفعها ولا يحل أخذها، وهدية يحل فيها الدفع والأخذ جميعًا، وهدية يحرم فيها الدفع والأخذ جميعًا؛ أما الوجه الأول: فإذا هدده بظلم فخافه فأهدى إليه هدية ليكف عنه فالدفع حلال وقاية لنفسه والأخذ حرام على ما تقدم، والثاني الهدية للتودد والتحبب قال رسول الله ﷺ : "تهادوا تحابوا"، والثالث ما ذكره عبد الله بن مسعود ﵁ وهو أن يهدي له هدية حتى يصلح أمره عند السلطان (٥) لكن على التأويل الذي ذكرناه وهو أن يطلب منه إصلاح أمر لا يحل بحال والله أعلم. ذكر (عن مسروق قال: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أخذ السحت (٦)، وإذا أخذ الرشوة

стр. 86

بلغت (١) به الكفر) قد ذكرنا قبل هذا في الباب الرابع عشر حكم الهدية وأنه ممن يقبلها وعلى أي صفة يقبلها فلا نعيده هاهنا (٢)، وقوله في الرشوة "بلغت به الكفر" تأويله من الوجهين الذين ذكرناهما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁. ذكر عن معاذ بن العلاء عن أبيه عن جده (٣) قال: خطب علي ﵁ وبيده قارورة قال: ما أصبت بها منذ دخلتها إلا هذه القارورة أهداها دهقان) أشار بذلك إلى أنه ينبغي للوالي أن يتحرز كل التحرز عن ذلك حيث بين أنه لم يقبل إلّا الشيء القليل النزر، وهكذا ينبغي أن يكون سبيل كل والٍ (٤). ذكر (عن يوسف قال: أهدى الأصبهيد (٥) إلى عبد الحميد أربعين ألفًا أو أقل فكتب إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: إن كان يهدي إليك (٦) وأنت بالجزيرة فاقبلها منه، وإلّا فاحسبها له من خراجه) (٧) يريد بذلك أنك إن عزلت فرجعت إلى أهلك بالجزيرة فأهدى إليك فاقبله، وإن كان يهدي إليك حالة عملك فلا تقبلها، فإن قبلتها فاحسبها له من خراجه؛ فعلى هذا القاضي بعد العزل يقبل الهدية لأنها حينئذٍ تكون للتودد والتحبب لا لأجل العمل.

стр. 87

ذكر (رجاء بن أبي سلمة (١) قال: قال الحسن بن رستم لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! ما لك لا تقبل الهدية وقد كان رسول الله ﷺ يقبلها؟ قال عمر: إنها كانت على عهد رسول الله ﵌ هدية، وإنها اليوم رشوة) ولكلامه هذا وجهان: أحدهما أن المهدي في زمن رسول الله ﷺ ما كان يلتمس ما لا يحل له من المهدى إليه ولا كان يقصد بهديته سوى التودد والتحبب، فأما في زماننا فقد فسد الناس حتى صار المهدي يطلب ما لا يحل لأجل الهدية فصارت رشوة، والوجه الثاني سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى (٢). ذكر بعد هذا (عن خيثمة (٣) قال قال عمر ﵁: بابان من السحت يأكلهما الناس، الرشا ومهر الزانية) أما الرشا فلما ذكرنا، وأما مهر الزانية فلما روي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن مهر البغي وهي الزانية، من البغا وهو الزنا، ولأن الزنا حرام، فأخذ العوض عنه يكون حرامًا. ذكر بعد هذا (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: هدايا الأمراء غلول) ووجهه أن عِزة الأمراء بقوة الجنود وبقوة المسلمين، فما يصل إليها من الأموال يكون مشتركًا بين الكل، فإذا خص الأمير نفسه كان ذلك خيانة وغلولًا، بخلاف هدايا رسول الله ﷺ فإنها على خلاف هذا لأن تعزز رسول الله ﷺ ما كان بقوة الجنود والناس، إنما كان بقوة نفسه، فلم يكن ذلك غلولًا، وهذا هو الوجه الثاني لكلام عمر بن عبد العزيز على ما تقدم (٤). ذكر (عن يحيى بن سعيد قال: لما بعث رسول الله ﷺ ابن رواحة إلى أهل خيبر أهدوا

стр. 88

إليه فرده فقال: هي سحت) (١) لم يذكر تمام الحديث هاهنا، وقد ذكره محمد في المزارعة وبين كيفية ذلك، وهذا لما ذكرنا أن ما كان هدية على عهد رسول الله ﷺ صار رشوة لفساد الناس (٢). ذكر (عن يحيى بن سعيد أيضًا قال: كتب عمر إلى أهل العراق: إن لنا هدايا دهاقيننا) الدهاقين هم رؤوس العجم (٣) من أهل الذمة ممن كان عليهم الخراج والجِزا (٤) وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتوسعون في قبول هَداياهم لأنهم كانوا يهدون للتودد والتحبب لا لطلب أمر حرام واعتادوا ذلك، وكانوا يستوحشون برد هداياهم فلذلك توسع الصحابة رضوان الله عليهم في قبول هداياهم، ثم هم مختلفون [أعني الصحابة] منهم من كان يقبل هداياهم ولا يحسبها لهم من الخراج، وعمر وعلي ﵄ كذلك فعلا، ومنهم من كان يقبلها ويحسبها لهم من الخراج وعمر بن عبد العزيز كان يفعل ذلك، وكان الأصل في تسويغ الخراج هذا فإنه لا أصل له سواه (٥). ثم ذكر (٦) (أنه قدم معاذ بن جبل ﵁ من اليمن برقيق في زمن أبي بكر الصديق ﵁ قال له عمر: ادفعهم إلى أبي بكر! فقال له معاذ: ولم أدفعهم إليه رقيقي؟ فانصرف إلى منزله ولم يدفعهم، فنام ليلته، ثم أصبح من الغد فدفعهم إلى أبي بكر، فقال له عمر ما بدا لك؟ فقال: رأيتني فيما يرى النائم كأني أرى نارًا أهوي فيها فأخذت بحجزتي فمنعتني من دخولها فظننت أنهم الرقيق؛ فقال له أبو بكر: هم لك! فلما

стр. 89

انصرف إلى أهله قام يصلي فرآهم يصلون خلفه، فقال: لمن تصلون؟ فقالوا لله! قال: فاذهبوا (١) فأنتم لله) اشتمل الحديث على أشياء، منها أن عمر ومعاذًا كل واحد منهما قال ما قاله عن تأويل، أما عمر فإنه يقول: إن قوتك وعزتك إنما كانت بقوة أبي بكر وهو الإمام وبقوةِ المسلمين، فما أصبت من الأموال يكون لبيت مال المسلمين، ومعاذ يقول: هذه هدية أهديت إليّ فأنا الذي أصبت هذا المال فيكون لي، فكل منهما اعتمد تأويلًا وبنى على دليل (٢) ومنها قول أبي بكر "هم لك" خص معاذًا بذلك لمكانة فضله، وللإمام أن يخص بعض أهل العلم بشيء من بيت المال لمكانة فضله وعلمه. [ومنها أن معاذًا رآهم يصلون فأحسن إليهم بالإعتاق، لأن رسول الله ﷺ أوصى بالإحسان إلى المصلين] (٣) ومنها أنه حررهم بقوله "فأنتم لله" ولم يذكر محمد هذا اللفظ في كتاب العتاق (٤)، وذكر في النوادر أن على قول أبي حنيفة ﵁ لا يقع به الحرية لأنه يحتمل أشياء (٥) وعند أبي يوسف ومحمد يقع، فكان الحديث حجة لهما على أبي حنيفة والله أعلم (٦). ذكر بعد هذا (عن أبي جميل الساعدي ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما رجع (٧) قال: هذا لكم، وهذا لي أهدي إلي، فقام رسول الله ﷺ وخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال رجال نوليهم أمورًا مما ولانا الله فيجيء أحدهم فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليّ! أفلا يجلس (٨) في بيت أبيه وأمه حتى يأتيه هديته إن كان صادقًا - وفي رواية أخرى: هلا يجلس عند حفش أمه لينظر أهدي إليه أم لا") أفاد الحديث أنه لا ينبغي للوالي أن يقبل الهدية لما ذكرنا، فإن قبلها فهي لبيت المال، لأن تعززه وقوته إنما كانت بالمسلمين والجنود، فما أصابه يكون لهم (٩)، وأفاد أن رسول الله ﷺ كان إذا ساءه أمر، من بعض أصحابه لا يجاهره

стр. 90

بالرد [ولا يشافهه بالإنكار] (١) بل يقول له في الخطبة على وجه الإجمال، فيحصل ما هو المقصود (٢). وذكر (عن علي بن ربيعة (٣) أن عليًا ﵁ استعمل رجلًا من بني أسد يقال له ضبيعة بن زهير، فلما جاء قال: يا أمير المؤمنين! أهدي إليّ في عملي سمن فأتيتك به، فإن كان حلالًا أكلته وإلّا فقد أتيتك به (٤)! فقبضها علي وقال: لو حبستها كانت غلولًا) (٥) وهذا يفيد ما أفاده الأول. وذكر (عن رجاء بن أبي المقدام (٦) قال: نزل عمر بن عبد العزيز منزلًا بالشام، فأهدي له تفاح، فأمر برده، فقال له عمرو بن قيس: يا أمير المؤمنين! أما علمت أن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية؟ قال ويحك يا عمرو! إن الهدية كانت لرسول الله ﷺ هدية، وإنها اليوم لنا رشوة؛ قال فقام رجل من أهل بيته يقال له هشام وكان يعرفه عمر بصلاح فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت به يقوم (٧) فأعطيتهم ثمنه وأكلته! فأمر به يقوم (٧) فأعطاهم ثمنه) أما قول عمر كانت لرسول الله ﷺ هدية وهي لنا اليوم رشوةً فقد مر تأويله، أما قول هشام لعمر ما قال يحتمل وجهين، أحدهما أنه قال ذلك لأنه أقرب إلى إحسان العشيرة (٨) وإجمال المعاملة، لأنّ المهدي يتأذى برد هديته، والثاني يحتمل أنه عرف اشتهاء عمر بن عبد العزيز للتفاح لكنه (٩) لم يأكله تحرزًا عن الشبهة، فإذا أعطاهم ثمنه وأكله حصل المقصود واندفع معنى الرشوة. ذكر (أن عبد الله بن مسعود ﵁ أخذ في أرض الحبشة فرشاهم حتى خلوا سبيله) دل الحديث على أنه كان من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ودل على أنه إذا خاف

стр. 91

الظلم فجائز أن يرشو من يخافه دفعا لظلمه كما فعله عبد الله ﵁ (١). وذكر (عن أيوب (٢) قال: أخذ سارق بمكة فرشاهم طاوس دينارًا حتى خلوا سبيله) وله تأويلان: أحدهما أنه أخذ بتهمة السرقة لا بحقيقة السرقة [لأنه لو كان حقيقة السرقة لما حل لأحد تخليصه بوجه ما لكنه أخذ بتهمة السرقة] (٣) فطاوس خاف أن يقطع فدفع الظلم عنه وصان الآخذين عن الظلم أيضًا والثاني يحتمل أنه أخذ بخصومة أخرى غير السرقة وكان مظلومًا فيها فطاوس دفع الظلم عنه بالرشوة، وذكر اسم السارق كان لتعريف المأخوذ لا لمكان أن الأخذ كان بسبب السرقة. وذكر (عن عطاء والشعبي وإبراهيم (٤) قالوا: لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم). وذكر (عن جابر بن زيد (٥) والشعبي وعطاء قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم) أفاد أنه إذا خاف الظلم في المستقبل فله أن يرشو من يخافه ليأمن عن ظلمه وإن كان لم يهدّده للحال ولم يخوفه (٦)، وكما يجوز ذلك لصيانة نفسه كذلك يجوز لصيانة ماله، حتى لو طمع ظالم في جميع ماله فصانعه على طائفة دفعها إليه ليكف عن الباقي فهو جائز. وذكر (عن جابر بن زيد قال: لم نجد في زمان عبد الله بن زياد أنفع لنا من الرشا، وفي بعض الروايات: لم نجد في ذلك الزمان، وفي بعضها: في زمان بني أمية) أفاد أنه إذا خاف الظلم جاز له دفع الرشوة. (٧) وذكر (عن مجاهد قال: اجعل مالك جنة دون دينك، ولا تجعل دينك جنة دون مالك) [في الحديث، دليل على أنه لا بأس بالرشوة لدفع الظلم عن نفسه إذا خاف الظلم على

стр. 92

نفسه أو على دينه، وكان رسول الله ﷺ يعطي المال من كان يخاف من لسانه وكان يعطي الشعراء، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة تدل الكل على أن الإنسان إذا بذل مالًا لرجل يخاف من ظلمه أو لسانه أو لشاعر فلا بأس به] (١) والله أعلم. ذكر (عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بعثني عمر ﵁ في حاجة إلى بعض ولده أن أدعوه له (٢) ونهاني أن أخبره لأي شيء يدعوه، فدعوته، فسألني عما يدعوه لأجله، فأبيت أن أخبره فقال: أخبرني على أن أرشوك هذه الدجاجة وهذا الديك! فقلت: على أن لا تخبر عمر! فقال: نعم، فرشاني، فأخبرته، فلما رجعت إلى عمر قال: أخبرته؟ فوالله ما استطعت أن أقول: لا، فقلت نعم! ففال: أرشاك؟ فقلت نعم، قال: ما رشاك؟ قلت: ديكًا ودجاجة هنديين! قال: فأخذ بيساره يدي وأخذ الدِرّة بيمينه، قال: فجعل يضربني، وجعلت أنزوي حتى أوجعني ضربًا وجعل يقول لي: إنك لجربُز إنك لجُربُز) (٣) أفاد الحديث أن أخذ الرشوة حرام، وإنما ضربه عمر لوجهين: أحدهما أنه أساء أدبه حيث أخبر بما نهاه عن الإخبار به (٤)، والثاني أخذه الرشوة وهو حرام، وقوله: "لجربز" يروى هكذا، ويروى "إنك لجريء" أي اجترأت على الله بفعل الحرام وهو أخذ الرشوة وأما قوله "لجربز) فهو معرب "عن كَرُبز" وهو شديد الحيلة وهو كان كذلك حيث كان ينزوي ليدفع ألم الضرب (٥). ذكر (عن الشعبي قال: لأن أعطي درهمًا في النائبة أحب إليّ من أن أعطي خمسة دراهم يعني في الصدقة) لأن النائبة إدراك فكاك الأسير، وهو أفضل من الصدقة لأنه استبقاء من أشرف على الهلاك (٦).

стр. 93

(قال أبو بكر) صاحب الكتاب (ولو أن رجلًا ابتلى بسلطان جار (١) عليه في نفسه أو في ولده أو في أحد من أهله أو ماله فصانعه بشيءُ ورشاه على أن يدفع ذلك الجور رجونا أن يكون آثمًا في ذلك) أما جواز دفع الرشوة لدفع الظلم فقد تقدم ذكره، وأما قول صاحب الكتاب "رجونا" إنما علقه بالرجاء (٢) لأن الدفع له جهتان: جهة التمكن من الحرام، وجهة قصد دفع الظلم، وهو جائز باعتبار إحداهما غير جائز باعتبار الأخرى، فلذلك علّقه بالرجاء. (ولو ارتشى القاضي والحكم الذي ارتشي فيه حق واجب للراشي أو غير واجب فالأخذ والدفع حرام فيهما) (٣) فرق بين الدفع هاهنا وبينه: إذا كان لدفع الظلم فإنه يجوز، والفرق (٤) أن هناك حصل المقصود من الرشوة وهو اندفاع الظلم، لأنه يكف عنه متى أخذ الرشوة، وأما في القضاء لم يحصل المقصود لأن القاضي إذا حكم له بذلك فحكمه باطل لا يحل لمن عرفه من القضاة، وثبت عنده ذلك أن ينفذه، والأصل في الرشوة الحرمة لأنها تمكين من الحرام، لكن سقط اعتبار الحرمة حال حصول المقصود الذي لا يحصل إلّا بها وهو اندفاع الظلم، ففي موضع لم يحصل المقصود بقي على أصل الحرمة، وإنما قلنا: إن القضاء فيما ارتشي فيه باطل لا ينفذ، لأنه يصير مستأجرًا على القضاء فيكون ما أتى به من القضاء غير داخل تحت ولايته، لأن الداخل تحت ولايته قضاء لا أجر عليه، (٥) فإذا أتى بقضاء أخذ عليه أجرًا كان قضاءً لا عن ولاية فلا ينفذ، ولأنه يجب أن يكون نائبًا عن الله في القضاء، فإذا أخذ على ذلك أجرًا كان نائبًا من المستأجر لا عن الله فلم يكن آتيًا بما يؤمر إليه من هذا الوجه أيضًا.

стр. 94

هذا إذا رشا القاضي (فإن رشا ولد القاضي أو كاتبه (١) أو أحدًا في ناحية (٢) القاضي على أن عمل له في إنفاذ الحكم وما يطالب به حق والقاضي لا يعلم بذلك فالإعطاء والأخذ حرام) لما ذكرنا (لكن القضاء جائز نافذ) لا يرد لأنّ القاضي لم يعلم فلم يكن آتيًا بغير ما فوّض إليه، فإن علم القاضي بذلك فهو بمنزلة ما لو ارتشى القاضي لنفسه (٣). ذكر بعد هذا "الهدية للقاضي" وقد تقدم ذلك (٤) والله أعلم. باب القاضي يسلم على الخصوم (٥) ذكر (عن محمد بن سيرين أن شريحًا كان يسلم على الخصوم إذا جاؤوا) هذا (٦) لأن السلام سنة فلا تمتنع عليه إقامتها بتقلد القضاء، كالصلاة على الجنازة وعيادة المرضى. (قال أحمد بن عمرو) صاحب الكتاب (وإذا دخل القاضي المسجد فلا بأس بأن يسلم على الخصوم) يريد به سلامًا عامًا، قال ﵀ وهذا فصل اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: إن لم يسلم عليهم وسعه ذلك (٧) لأنه أحفظ لمهابته وأقرب إلى حشمته، وعن هذا جرى الرسم أن الولاة والأمراء إذا دخلوا على الرعية لا يسلمون عليهم (٨) لأنه أهيب وأعظم، (٩) وإلى هذا القول مال صاحب الكتاب فإنه قال "لا بأس بأن يسلم على الخصوم" ولفظة "لا بأس" إنما يستعمل فيما الأولى تركه أو فيما ليس الأولى فعله، وقال بعضهم: لا

стр. 95

يسعه ترك (١) السلام، كما لا يسع غيره، وهو في حقه سنّة على الوجه الذي هو في حق غيره، وكذلك الأمير والوالي لأنّه سنّة على الإطلاق فلا يتغير بتقلد أمر من الأمور. (فلو أن القاضي جلس مجلس الحكم فدخل عليه الخصوم (٢) لا يسلم عليهم) لأنه جلس لفصل الخصومات لا للزيارة؛ وعلى هذا المذكر، له أن لا يسلم على القوم لأنه لم يجلس للزيارة، فإن سلما فلا بأس (وكذلك القوم لا يسلمون على القاضي) لأنّهم جاؤوا طالبين فصل الخصومات لا للزيارة. قال ﵀: وعلى (٣) هذا قال بعض أصحابنا: جرى الرسم أن الرعية متى دخلوا على الأمير والوالي لا يسلمون؛ ألا إن هذا ظن خطأ، والصحيح هو الفرق بين القاضي والأمير، وأنهم يسلمون على الأمير دون القاضي، لأن القاضي لم يجلس للزيارة، ولهذا لا تمييز في الداخلين عليه ويجب عليه التسوية بينهم لأنه جلس لفصل الخصومات، وليس كذلك الأمير فإنه جلس للزيارة ولهذا جاز تمييز الداخليين عليه، فافترقا (٤). (فلو أنهم سلّموا عليه مع أنه لا ينبغي لهم ذلك هل يرد عليهم قال بعضهم يرد عليهم) لأن جواب الفرض فرض (وقال بعضهم له أن لا يرد عليهم وهو اختيار صاحب الكتاب فأنه قال (فلا بأس بأن يرد عليهم) وقد ذكرنا لفظة لا بأس لا يستعمل في واجب ولا مندوب وقال (٥) بعضهم لأن جواب السلام إنما يستحق إذا كان في أوانه وهذا ليس في أوانه فلا يستحق جوابه كالمسلم على المصلي لا يستحق الجواب قال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل وعن هذا قالوا المدرس إذا كان مشغولًا بالتدريس فدخل إنسان فسلّم عليه فله أن لا يرد عليه لأنه جلس للتعليم لا للزيارة والتسليم وإن ردّ فلا بأس به (٦) على ما ذكره صاحب الكتاب (قال ولا ينبغي للقاضي أن يكلم أحد الخصمين بشيء إلا بشيء مما هو فيه ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر) فإن في ذلك مكسرة لخصمه فربما يذهب فيضيع حقه

стр. 96

ويكون ذلك مضافًا إلى فعل القاضي وهو ناظر للمسلمين والتضييع لا يليق بحال الناظر (١) والله أعلم. باب القاضي يولى القضاء فيأتيه رجل من غير عمله (٢) فيقر عنده في غير عمله (٢) (قال ولو أن رجلًا ولي القضاء على مصر فلم يخرج من الموضع الذي فيه الخليفة أو خرج فصار إلى مصر غير الذي وليه فجاءه رجل (٣) فقال إن لي حقوقًا قبل أناس في المصر الذي وليته وقد وكلت هذا الرجل بطلب حقوقي في ذلك البلد [وقبضها] (٤) والخصومة فيها والقاضي يعرف الوكيل والموكل ففي قول أبي حنيفة ﵁ لا يسمع منه فإن حضر في بلد ولايته أمره بإحضار البينة على الوكالة (٥) وقال أبو يوسف ومحمد ﵄ ينفذ ذلك إذا حضره ويجعله خصمًا في حقوق الموكل) (٦) وهذا لأن العلم الحاصل للقاضي بعد التقليد قبل أن يصير إلى عمله بمنزلة العلم الحاصل قبل التقليد لأنه في الحالين واحد من الرعايا ثم الاختلاف في ذلك الفصل على ما ذكرنا فكذلك في الحاصل بعد التقليد قبل وصول عمله وهاهنا ثلاث مسائلٍ من هذا الجنس الأولى إذا علم قبل القضاء ثم صار قاضيًا والثانية إذا علم بعد التقليد قبل المصير إلى عمله والثالثة إذا علم بعد القضاء (٧) ثم عزل ثم ولي ثانيًا ففي هذه الفصول الثلاثة عند أبي حنيفة ﵁ لا يقضي وقول محمد ﵀ أولًا مثل قول أبي يوسف ثم رجع وقال لا يقضي بعلمه أصلًا سواء علم قبل القضاء أو بعده ذكر ذلك ابن كاس النخعي في أدب القاضي له ورأيته في مختصر من شرح الجصاص لأدب القاضي للخصاف (٨) وعندهما يقضي بالفصل الثاني والثالث بناءً على الأول أما الفصل الثاني فقد بيّنا وجه البناء فيه وأما الثالث فلأن العلم الذي حصل له في حالة

стр. 97

القضاء بطل بالعزل لأنه صار بمنزلة واحد من الرعايا فصار الكلام يجري في الفصل الأول لا غير (١) والحجج في جميع ذلك مذكورة في أدب القاضي لمحمد ﵀ (٢) وعلى هذا الاختلاف إذا حضر رجل عند رجل فأقر بحق لرجل والقاضي يسمع ذلك قبل أن يصير إلى عمله أو عاين القاضي سبب الحق أو أوصى رجل إلى رجل وكل ذلك قبل مصيره إلى عمله ثم صار إليه فإن أبا حنيفة ﵁ قال لا يحكم بذلك العلم في شيء من هذا وعندهما يحكم (٣) ثم عندهما الحقوق كلها سواء في الوجوه أجمع إلّا حقًا خالصًا لله نحو حد الزنا والسرقة وشرب الخمر فإنه لا يقضي في شيء منها بعلم لأنهما يلحقان العلم في هذه الفصول بالعلم الحاصل بعد القضاء ثم هناك لا يقضي في هذه الحدود كذا هاهنا فأما العقوبات الخالصة للعباد كالقصاص والمركبة بين حق الله وحق العبد نحو حد القذف فإنه يقضي فيها بعلمه لأنه يقضي فيها بالعلم الحاصل بعد القضاء كذلك الحاصل قبل القضاء (٤). فصل (قال وكل أمر أراد رجل أن يثبته عند هذا القاضي ببينة يقيمها (٥) وذلك قبل أن يصل إلى عمله فأنه لا يسمع ذلك في غير عمله ولا يقبله) لأنّه قبل أن يصير إلى عمله بمنزلة واحد من الرعية عندهم جميعًا والواحد من الرعية (٦) ليس له أن يسمع البيّنة ليقضي بها إذا

стр. 98

صار قاضيًا كذلك هاهنا (١) أما الواحد من الرعية إذا علم شيئًا قبل القضاء ثم صار قاضيًا هل يقضي بذلك العلم أم لا عندهما يقضي وعنده لا والله أعلم. باب القاضي ينظر في القصص (٢) ذكر (عن فرات بن أحنف عن أبيه (٣) أن رجلًا رفع إلى شريح قصة فقال إنّا لا نقرأ الكتب) وهذا فصل مختلف فيه بين العلماء منهم من قال لا ينبغي للقاضي أن ينظر في القصص (٤) لأنه يكسر قلب خصمه ويضعفه لأن القصة يبالغ فيها ويذكر ما لم يكن وكل ما كان سببًا لضعف قلب أحد الخصمين لا ينبغي للقاضي أن يفعله وشريح ممن كان يرى هذا القول وقال بعضهم لا بأس للقاضي أن ينظر في القصص وهو مذهبنا لكن في غير مجلس القضاء بأن كان في داره أو في موضع آخر غير مجلس القضاء فأما إذا كان جالسًا مجلس القضاء فلا ينبغي أن يفعل ذلك لأنه يشغله عما جلس لأجله وإنما قلنا ذلك لأن الخلفاء الراشدين والأمراء المهديين كانوا ينظرون في القصص وهذا لأنه قد يكون المرء أعجميًا لا يعرف القاضي لسانه وقد يكون حييًا لا يقدر على بيان مقصوده وهكذا كان المذهب لشريح وما روي عنه كان محمولًا على أنه كان جالسًا مجلس القضاء وهكذا المذهب عندنا على ما ذكرناه (٥) ذكر (عن ابن سيرين قال كان شريح إذا سئل كيف أصبحت يقول أصبحت وشطر

стр. 99

الناس علي غضبان وفي رواية غضاب) (١) وأراد بالناس الخصوم وبالشطر القريب من الشطر لا حقيقة الشطر وهو النصف لأن من الخصوم من يميل إلى الصلح فيقومان شاكرين راضيين ومنهم من يكون متدينًا ورعًا إن قضى عليه ينقاد ويستسلم ولا يغضب لكن الغالب ممن يقضى (٢) عليه أنه يغضب على القاضي (٣) ذكر (عن الشعبي وابن سيرين أن شريحًا كان يجيز الاعتراف في القصص وفي رواية أخرى إنه كان لا يجيز الاعتراف في القصص) وهذا فصل مختلف فيه (٤) فمذهب شريح أنه يكون اعتراف الخصم في القصة اعترافًا فكان إذا رفعت إليه قصة قال لرافعها هذه قصتك فإذا قال نعم قال أنت كتبتها فإذا قال نعم قال والأمر على ما فيها فإذا قال نعم نظر فإن كان فيها اعترافًا (٥) أجازه حتى لو أنكر الخصم بعد ذلك لا يسمع إنكاره ولكن المذهب عندنا أنه لا يكون اعترافًا حتى لو أقر في القصة ثم أنكر قبل إنكاره لجواز أن الكاتب كتبه والخصم لا يعلم به ولجواز أن الخصم كتبه سهوًا أو غفلة من غير تأمل ولجواز أنه كتبه لكن القاضي يقرأ القصة عليه ويعرفه ما فيها ويسأله عن ذلك فإن قال هو كذلك كان هذا إقرارًا منه حينئذٍ كسائرِ الأقارير وإلّا فلا ثم قد ذكرنا أن المروي عن شريح في ذلك روايتان فعلى الرواية الثانية أنه كان لا يجيز الاعتراف في القصص من ذهب إلى أن شريحًا كان يأخذ القصص وتأوّل الحديث الأول فحمله على أنه كان في مجلس القضاء لا يحتاج إلى تأويل الحديث الثالث لأنه يقول كان يأخذ القصص ولا يرى الاعتراف فيها كما هو مذهبنا على ما حكينا وإن كانت الرواية عن شريح هي الأولى وهي أنه كان يجيز الاعتراف فى القصص وهي الأصح عنه فمن أَجْرى الحديث الأول على ظاهره وقد كان لا يرى أخذ القصص فإنه يحتاج إلى التلفيق بين ذلك الحديث وبين هذة الرواية لأنه إذا كان لا يأخذ القصص فكيف يرى الاعتراف فيها وتأويله أنه كان لا يأخذ القصص إلّا من شخص خاص وهو من علم حياؤه وعجزه عن بيان مقصوده بين يديه وإذا أخذ القصة من هذا الوجه رأى اعترافه فيها اعترافًا وهذا مذهبه على هذا القول ما قاله أصحابنا ﵏ أن التوكيل بغير رضا الخصم لا يجوز على قول أبي حنيفة ﵁ وعلى قول صاحبيه يجوز قالوا فإن كان القاضي يتهم الموكل بالتدليس والتلبيس ينبغي أن يأخذ بمذهب أبي حنيفة ﵁ وإن كان الموكل

стр. 100

رجلا حييًا أو ذا حشمة يتضع قدره بالحضور للخصومة فينبغي أن يأخذ بمذهب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله نظرًا للناس بقدر الإمكان والله أعلم. باب القاضي يقوم على رأسه الجلواز ذكر (عن أم داود الواشية (١) قالت رأيت على رأس شريح شرطيًا بيده سوط المراد من الشرطي هاهنا هو الذي تسميه الناس صاحب المجلس ويقال له العريف (٢) والجلواز والجلوزة هي المنع والجلواز هو المانع وهكذا نقول (٣) ينبغي للقاضي أن يتخذ رجلًا يقوم بين يديه يؤدب الخصوم ويمنعهم عن إساءة الأدب حفظًا لمهابته وإبقاء لحرمته والأصل في هذا ما روي أن ابن عمر ﵄ كان إذا سافر استصحب رجلًا سفيهًا فقيل له في ذلك فقال أو ما علمت أن الشر يدفع بالشر وفي حديث شريح أنَّه كان بيده سوط لأنه يحتاج إليه للتأديب (٤) وذكر (عن عمرو بنُ قيس (٥) قال رأيت رجلًا يقوم على رأس شريح فكان إذا تقدم إليه الخصمان قال أيكما المدعي فليتكلم) وهذا فصل اختلف فيه العلماء أن القاضي هل يستنطق المدعي أم لا وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب ومن مذهب شريح أنَّه كان يستنطقه لكنه لم يتول ذلك بنفسه وولاه رجلًا لإبقاء حرمته ومهابته وذكر (عن خالد الحذاء قال حين استقضى أناس فجلس في مجلس الفصل فنكس رأسه فجعل يبكي (٦) والخصوم ناحية ثم دعا بهم اثنين اثنين قال ففصل بين سبعين بلا شاهد إنما هو إقرار) أما بكاء أناس فله وجهان أحدهما يحتمل أنَّه بكى ندمًا على ما فعل من تقلد القضاء فإنه كان من صالحي التابعين وزهادهم ويحتمل أنَّه بكي خوفًا من الوقوع في القضاء بظلم وجور (٧) أما إقرار الخصوم

стр. 101

حتَّى استغنى عن الشهادة فله احتمالان أحدهما أنَّه كان ببركة نيته وصلاحه والثاني يحتمل أنه كان لصلاح أهل ذلك الزمان لأنهم كانوا في زمان وصف الرسول ﷺ أهله بالخيرية وشهد لهم بالعدالة (١) (قال أَبو بكر أحمد بنُ عمرو الخصاف ﵀ وينبغي للقاضي أن يتخير (٢) رجلًا يقوم بين يديه ويكون مأمونًا يدعو بالرقاع) وقد بينا هذا فيما مر (قال ولا ينبغي للذي يقوم بين يدي القاضي أن يسار (٣) أحد الخصمين في مجلس الحكم) لأنه نائب عن القاضي في مراعاة التسوية بينهم وليس للقاضي ذلك فلا يكون لنائبه ولأن فيه تهمة بالقاضي وكسرًا لقلب الخصم الآخر (٤) فلا يفعله (وان رأى القاضي إذا تقدم الخصمان أن يأمر هذا القيم أن يصير ناحية حتَّى لا يسمع ما يدور بين الخصوم فعل) (٥) لأنه لو سمع ما يجري بينهم ربما يلقن أحدهما الحجة (٦) (قال فإن كان مأمونًا فتركه فلا بأس ويعمل القاضي في ذلك بما هو الأحوط) (٧) لأنه ناظر محتاط والله أعلم. باب التسوية بين الخصوم (٨) ذكر (عن [عبد الله بن المبارك عن] (٩) مصعب بن ثابت (١٠) أن عبدِ الله بنُ الزُّبَير

стр. 102

-﵄ خاصمه عمر بنُ الزُّبَير إلى سعيد بنُ العاص ﵁ وهو على السرير فأجلس عمر بنُ الزُّبَير على السرير فلما جاء عبد الله وسع له سعيد من شقه الآخر فقال هاهنا فقال عبد الله الأرض قضاء رسول الله أو قال سنَّة رسول الله ﷺ إن الخصمين يقعدان بين يدي الإمام) أفاد الحديث أن الخصوم ينبغي أن يجثوا بين يدي القاضي أمامه (١) لأن فيه تحقيق التسوية فأنهما لو جلسا إلى جنبه لم يخل إما أن يجلسا من جانب واحد أو من جانبين إن جلسا من جانب واحد كان أحدهما أقرب إلى القاضي ضرورة فتفوت التسوية وإن جلسا من جانبين عن اليمين وعن الشمال فصاحب اليمين له فضل على صاحب الشمال لأن لليمين فضلًا على الشمال كان (٢) لأبي بكر ﵁ يمين رسول الله ﷺ ولعمر ﵁ يساره وكان الفضل لأبي بكر وكان (٣) تحقيق التسوية في جلوسهم أمامه. ذكر (عن الشعبي قال كان حائط (٤) بين عمر وأبي بن كعب ﵄ فكانا جميعًا يدعيانه فتقاضيا إلى زيد بنُ ثابت ﵁ فأتياه فضربا الباب فسمع زيد صوت عمر فاستقبله فقال: ألا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين فقال في بيته يؤتى الحكم فلما ألقى له وسادة فقال هاهنا في الرحب) ويروي الرحب بفتح الراء (يا أمير المؤمنين قال هذا أول جورك فجلسا بين يدي زيد فقال أبي حائطي فقال زيد بيتك (٥)، وإن رأيت أن تعفي أمير المؤمنين عن اليمين فاعفه فقال عمرو أيضًا فقال أبي لا بل نعفيه ونصدقه فقال عمر لا بل تقضي عليّ باليمين ثم لا أحلف) أفاد الحديث فوائد منها أن التحكيم جائز كما فعله ﵁ ومنها أن الإمام متى وقعت له خصومة مع بعض الناس فلا ينبغي أن يتولى فصلها بنفسه بل يأمر غيره بذلك ثم إذا أمر غيره بذلك صار ذلك المأمور بمنزلة القاضي المولى النافذ الحكم في تلك الحادثة ومنها أنَّه إذا أمر الإمام أحدًا بفصل خصومته فلا ينبغي أن يدعوه إلى منزله بل يحضر عنده تعظيمًا له كما فعله عمر ﵁ وهكذا المُتعلِّم يحضر منزل المعلم تعظيمًا له ومنها أن

стр. 103

الخصومة (١) كانت تجري بين صغار الصحابة وكبارهم ولكن خصومتهم لم تكن مكابرة ومعاندة للحق بل لالتباس المحق منهم بالمبطل فإذا عرفهم القاضي ذلك انقادوا له ولهذا كان القاضي في زمانهم مفتيًا وفي زماننا هو سلطان وقول عمر ﵁ هذا أول جورك يعني تركت التسوية بين الخصوم وهو جور وظلم وقوله بعد ذلك وأيضًا يعني وهذا جور أيضًا لأن القاضي لا ينبغي له أن يشفع لأحد الخصمين فإن ذلك ظلم وقول عمر ﵁ لا بل تقضي علي باليمين ثم لا أحلف فيه تأويلان قال بعضهم معناه لا أريد الإعفاء بل تقضي علي باليمين ثم أنكل عنها ولا أحلف وهو دليل جواز القضاء بالنكول وقال بعضهم معناه لا أريد الإعفاء عن اليمين ثم ابتدأ الكلام على وجه التعجب والاستبعاد فقال تقضي علي باليمين ثم لا أحلف [يعني أني أحلف] (٢) إذا قضيت علي باليمين (٣) فالتأويل الأول يدل على أن التوقي من اليمين الصادقة مطلوب كما فعله عمر ﵁ والثاني يدل على جواز الإقدام على اليمين الصادقة وقد كان رسول الله ﷺ يقسم فيما نقل عنه (٤) والله أعلم. ذكر (عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ (٥) قال: إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو بينهم في المجلس والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر) أفاد الحديث وجوب التسوية بين الخصوم (٦) على ما تقدم. ذكر (عن ابن عبَّاس ﵄ في قول اللُه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال هو الرجلان يجلسان عند القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر) ولي القاضي هو أن يلوي عنقه عن أحدهما بعد أن أقبل عليهما وذلك حرام (٧) لما فيه من ترك التسوية (قال أَبو بكر

стр. 104

أحمد بنُ عمرو وينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصوم) إلى آخر ما ذكر وقد تقدم ذكر ذلك (١) في الباب السابع من هذا الكتاب والله أعلم. باب القاضي يؤتى في منزله ذكر (عن الشعبي قال سمعت النعمان بنُ بشير ﵄ يخطب على منبر الكوفة فيقول تدرون ما مثلي ومثلكم يا أهل الكوفة مثل ضبع وثعلب اختصما إلى ضب في حجره فأتياه فقالا يا أبا الحسل قال سمعنا دعوتما قالا أتيناك لتقضي بيننا قال في بيته يؤتى الحكم قالت الضبع إني فتشت عيبتي قال فعل النساء فعلت قالت وإني وجدت فيها ثعالة (٢) قال خبيث مخبث قالت وإني لطمته قال كريم انتصر قالت وإنه لطمني قال البادي أظلم قالت احكم بيننا قال حدث امرأة حديثين فإن أبت فأربع). النعمان بنُ بشير كان من صالحي التابعين (٣) وزهادهم (٣) وكان واليًا على الكوفة في زمن عمر ﵁ وكان بينه وبين أهل الكوفة سر فخانوه فيه وأفشوا سره عند عدوه فتمثل بما ذكرنا قيل وجمع بين الثلاثة المذكورة لأن الضبع أخبث الدواب والثعلب معروف بالمكر والدَّهاء والضب يقال أحمق الدواب ثم ذكر قول الضب في بيته يؤتى الحكم فهو إذا كان مع حماقته يعرف أن القاضي ينبغي أن يؤتى في منزله فغيره أولى قال فأتياه فقال يا أبا الحسل (٤) هو ولد الضب فكنيا الضب وما سمياه تعظيمًا له ثم قال فتشت عيبتي أي سري وسماه عيبة لأن العيبة اسم لوعاء يجعل فيه الأداة يواري به عن أعين الناظرين كالسر المستور عن الغير قوله فعل النساء فعلت يدل على أن إفشاء السر فعل النساء فلا ينبغي للرجال أن يفعلوه والثعالة أنثى الثعالب والذكر منها الثعلبان كالعقربان لذكر العقارب وقيل الثعالة دابة منتنة تقاتل بيديها جميعًا ومعنى كلامه وجدت من نفسي رائحة كرهة (٥) لإفشائي السر قوله وإني لطمته أي جازيته وعاقبته على إفشاء السر وقوله كريم انتصر يعني عاقب من جنى عليه (٦) وقوله إنه لطمني أي فعل بي مثل ذلك من العقوبة قوله البادي أظلم أي إنك الظالم فإنك ابتدأت

стр. 105

بإفشاء سرّك إليه ثم هو أفشى [سرك إلى غيرك فإن عاقبته على إفشاء سرّك إلى غيرك فأنت أحق بالعقوبة حيث أفشيت سرك إليه وما ينبغي أن يفشى] (١) السر إلى غير أمين قوله حدث امرأة حديثين فإن أبت فأربع أي انصح (٢) مرتين فإن لم تقبل منك فاسكت وأعرض عنه وتكلموا في أنَّه قال ذلك على وجه التحقيق أم على وجه التمثيل قال بعضهم على وجه التحقيق لأن الله قادر على إنطاق هذه الحيوانات بهذه الكلمات وقال بعضهم إنما قاله علي سبيل التمثيل وهو الصحيح. ذكر (عن ابن المبارك (٣) عن رجل قال أتيت يحيي بنُ يعمر (٤) في منزله فقال القاضي لا يؤتى في منزله) وقد ذكرنا هذا في باب القاضي يقضي في المسجد الجامع (٥) (قال أَبو بكر أحمد بنُ عمرو والذي يكره في هذا (٦) أن يأذن لأحد الخصمين يدخل منزله فإن في ذلك مكسرة لخصمه وتهمة للقاضي) هذا إذا كان له خصومة فإن لم يكن له خصومة فلا بأس بذلك للسلام أو لحاجة تعرض غير الخصومة (٧) والله أعلم. باب اليمين ذكر عن ابن عبَّاس ﵂ قال قضي رسول الله ﷺ باليمين علي المدّعي عليه) معناه شرعها في حقه وهذا منه ﵁ إشارة إلى أحد شيئين إما إلى الحديث المشهور وهو ما رواه ابن عبَّاس ﵄، وعبد الله بنُ عمرو بنُ العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال البينة على المدعي واليمين على من أنكر أو يكون إشارة إلى القصة المعروفة وهو ما روي أن كنديًا خاصم حضرميًا إلى رسول الله ﷺ فقال [الكندي (٨) بينتك

стр. 106

أو يحلف فكان قول ابن عباس ﵄ قضى رسول الله ﷺ بذلك إشارة إلى أحد هذين (١). ذكر (عن عبد الله بنُ مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من حلف على يمين [وهو فيها فاجر] (٢) يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تعالى تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية) هذه اليمين تسمى غموسًا وتسمى يمين صبر وتسمى فاجرة وسميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في [المأثم] (٣) والنار وسميت يمين صبر من أحد معنيين أحدهما أن الصبر هو المنع فكأنها منعت صاحبها عن دخول الجنَّةَ والثاني أن الصبر هو الحبس فكأنها حبست صاحبها على العذاب ومنها المصبورة للهدف وسميت فاجرة لأن الحالف بسببها يصير فاجرًا وإلَّا فاليمين نفسها لا تكون فاجرة وأما الآية فالصحيح عندنا أنَّها نزلت في حق اليهود والمنافقين الذين كانوا يستحلون أموال المسلمين بالإيمان والآية لا تتناول المسلم لأن من مات على الإيمان من أهل الكبائر فالله يعذبه على ذنبه ثم يدخله الجنَّةَ بإيمانه إن شاء وإن شاء عفا عنه والدليل على هذا ما روي عن الأشعث بنُ قيس ﵁ فإنه لما سمع حديث ابن مسعود (٤) قال في والله نزلت كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ ألك بينة فقلت لا فقال لليهودي احلف قال قلت يا رسول الله إذا يحلف فيذهب بمالي فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية (٥). وذكر بعد ذلك (عن الأشعث بنُ قيس) وكان كنديًا (قال (٦) كان بين رجل منا وبين رجل من الحضرميين يقال له الخفشيش (٧) خصومة في أرض فاختصما إلى النبي ﷺ فقال ﵊ بيّنتك أو تحلف قال إن شان أرضي أعظم من ذاك أن لا يحلف عليها فقال النبي ﷺ إن يمين المسلم من وراء ما هو أعظم من ذلك فلما ذهب يحلف قال رسول الله ﷺ من حلف كاذبًا أدخله الله النار قال فقال الرجل أصلح بيني وبينه) قوله يمين المسلم من

стр. 107

وراء ما هو أعظم من ذلك يعني أن ما يلحقه من الإثم ويصيبه من الوبال بالحلف كاذبًا أعظم من فوت المدعي حقيرًا كان أو خطيرًا وأفاد الحديث إنه ينبغي للقاضي عند تحليف الخصم أن يذكر الوعيد في اليمين الكاذبة ربما يخاف الخصم فلا يحلف ألا تراه كيف امتنع عن اليمين حين سمع الوعيد من رسول الله ﷺ ذكر (عن كردوس (١) الثعلبي عن الأشعث بنُ قيس ﵁ قال اختصم رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي يا رسول الله أرضي في يد هذا اغتصبها أَبوه فقال [الكندي] (٢) أرضي في يدي ورثتها عن أبي فقال رسول الله ﷺ ألك بينة يا أخا حضرموت فقال لا يا رسول الله ولكن خذ لي يمينه ما يعلم إنها أرضي اغتصبها أَبوه فتهيأ الكندي ليحلف فقال رسول الله ﷺ من اقتطع مالًا بيمينه لقي الله تعالى وهو أجذم فلما سمع الكندي كف عن اليمين وأعطاه الأرض) قوله اجذم فيه قولان أحدهما قال بعضهم مقطوع اليد لأن الأجذم في اللغة هو مقطوع اليد وقال بعضهم وهو الأصح معناه مقطوع الحجة في الإقدام على اليمين الباطلة وهذا مثل الخبر الآخر عنه ﷺ من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم أي مقطوع الحجة في الترك بعد الحفظ (٣) وقد أفاد الحديث أنَّه ينبغي للقاضي أن يذكر الوعيد عند التحليف ليخافه المدّعى عليه فيمتنع عن اليمين ذكر (عن طلحة بنُ عبد الله بنُ عوف (٤) قال أمر النبي ﷺ مناديًا فنادى (٥) حتَّى بلغ الثنية لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين وإن اليمين على المدعي عليه) الثنية اسم موضع يبعد من عمرانات المدينة فكان المنادي رفع صوته حتَّى بلغ إلى ذلك الموضع وفيه أن شهادة الخصم لا تقبل لأنه متهم فإن الخصم يتهم على خصمه بالكذب والظنين بالظاء وهو المتهم وبيان حقيقة التهمة وموضعها قد مرّ [شرحه في كتاب عمر إلى موسى الأشعري ﵄] (٦) في الباب الخامس من هذا الكتاب وقوله وإن اليمين

стр. 108

على المدعى عليه أفاد أن جنس كل الإيمان حجة المدعى عليهم لأن الألف واللام لاستغراق الجنس فصار الحديث حجة لنا على الشَّافعي رحمه الله تعالى في مسألة القضاء بشاهد ويمين. ذكر (الأعمَش عن الحسان أبي الأشرس (١) عن شريح أنَّه أتاه رجل فقال إن هذا باعني جارية ملتوية العنق فقال شريح بينتك أنَّه باعك بهذه وإلّا فيمينه بالله ما باعك داء) أفاد الحديث أن العيب كان قائمًا عند الدعوى حتَّى سمع شريح دعوى المشتري لأنه لو لم يكن قائمًا لا يسمع دعواه وأفاد الحديث القول فيما يحدث مثله من العيوب قول البائع لأنه منكر حقيقة وأفاد أنَّه يستحلف البائع لأنه تقرر في الشرع أن كل من كان القول قوله كان ذلك مع يمينه على ما عرف في غير موضع وقوله ما باعك داء أي مبيعًا فيه داء لأن نفس الداء لا يباع (٢) كما يكتب في الصكوك بيع المسلم من المسلم أي البيع الذي يعتاده المسلم من المسلم لا غش فيه ولا خيانة. [ذكر (عن عمران بنُ حصين ﵄ أنه قال أمر رسول الله ﷺ بشاهدين على المدعي واليمين على المدعى عليه) ولم يرد به أن الشاهد واليمين على المدعى عليه وإنَّما المراد به تقسيم الحجة يعني البينة في جانب المدعي واليمين في جانب المدعى عليه ما ورد به الحديث المعروف مفسرًا (٣) (قال أحمد بنُ عمرو الخصاف إذا تقدم الرجلان إلى القاضي فينبغي للقاضي أن يقبل على المدعي) وهو صاحب الرقعة (فيسأله عن دعواه وقد ذكرنا أن هذا فصل مختلف (٤) فيه بين المشايخ إنه هل يبتدئ القاضي بالسؤال أم لا وقد مر ذلك في الباب السابع من هذا الكتاب واختيار صاحب هذا الكتاب أن القاضي يسأله (ثم) هل (يسأل المدعى عليه) فيقول ماذا يقول فهو على الاختلاف واختيار صاحب هذا الكتاب أن القاضي يسأله عن الجواب (فإن أقر (٥) يثبت ذلك في رقعته ويجعله في ديوانه) لأنه ربما يحتاج إليه في أثناء القضاء (إن أنكر) هل (يقبل على المدعي فيقول له قد أنكر ما ادّعيت) هذا أيضًا على الاختلاف المتقدم واختيار صاحب

стр. 109

الكتاب أنَّه يقبل عليه ويسأله (فإن قال المدّعي استحلفه فيبغي للقاضي (١) أن يسأله فيقول ألك بيّنة فإن قال نعم لي بينة حاضرة [قال أَبو حنيفة ﵁ لا أحلفه وقال أَبو يوسف ومحمد رحمهما الله] (٢) يحلفه) فكانت المسألة على الاختلاف فالقاضي بعد ذلك بالخيار إن شاء مال إلى قول أبي حنيفة ﵁ وإن شاء مال إلى قولهما فخلفه كما في التوكيل بغير رضى الخصم (٣) عند أبي حنيفة ﵀ لا يلزم وعندهما يلزم فالقاضي بالخيار إن شاء مال إلى قول أبي حنيفة ﵁ فأخذ به وإن شاء مال إلى قولهما فأخذ به (قال وإن قال لا بيّنة لي (٤) أصلًا أو قال لا بيّنة لي حاضرة أو رأى القاضي تحليفه مع قول المدّعي لي بينة قال له إن المدعي يريد يمينك فإذا قال أنا أحلف قال له قل والله (٥) الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ما لفلان ابن فلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا ولا شيء منه) قال ﵀ إذا أراد القاضي تحليف المدعى عليه غلظ عليه في اليمين إن شاء وإن شاء لم يغلظ فإن اختار التغليظ ينبغي أن ينظر للمدعي عليه حتَّى لا يتكرر يمينه لأنه إذا قال والله الرحمن الرحيم كان حالفًا يمينًا واحدة وإذا قال والله والرحمن الرحيم كان حالفًا ثلاثة أيمان والمستحق عليه يمين واحدة فلا يجوز أخذه بزيادة على ما يستحق عليه ثم الكلام في أصل التغليظ وفي وصفه أما أصل التغليظ فيعرف بمعرفة أصل اليمين فمتى عرفت أصل اليمين فما زاد على ذلك فهو تغليظ وأصل اليمين قوله والله ما له علي ما يدعيه وهو كذا ولا شيء منه فما زاد على هذا (٦) من ذكر أوصاف الله فهو تغليظ وأما صفة التغليظ فما ذكره صاحب الكتاب من الألفاظ التي حكيناها والقضاة في صفة التغليظ بالخيار يزيدون ما

стр. 110

شاؤوا وينقصون ما شاؤوا وأما أصل التغليظ فقد اختلف المشائخ قال بعضهم القاضي مخير فيه إن شاء أتى به وإن شاء لم يأت به أي شيء كان المدعي من كان المدعى عليه (١) وقال بعضهم ينظر إلى المدّعى عليه فإن كان صالحًا عفيفًا فالقاضي بالخيار إن شاء غلظ وإن شاء لم يغلظ وإن كان فاسقًا فإنه يغلظ من غير خيار وقال بعضهم ينظر المدعي (٢) فإن كان خطيرًا يغلظ وإن كان حقيرًا لا يغلظ لا بسبب التفاوت في الحقر والخطر (٣) بل لأنه متى كان خطيرًا يحتاج إلى التغليظ ومتى كان حقيرًا لا يحتاج لأنه قل ما تقدم على اليمين الكاذبة لأجل شيء حقير. فصل (ثم قال في اليمين ما له عليك ولا قبلك هذا المال الذي يدَّعيه ولا شيء منه) جمعًا بين البعض وبين الجميع (٤) نظرًا واحتياطًا لأنه ربما يكون المدعي قد استوفى البعض ولا يمكنه الإقرار به لأن المدعى عليه ينكر أصل الحق فيأمر القاضي المدعي برد ما أقر باستيفائه وتحليف المدعى عليه في هذه الحال على الكل لا يفيد لأنه تناول في ذلك أن الكل ليس بمستحق علي وهو صادق لأن المدعي قد استوفى البعض واليمين إنما شرعت لفائدة النكول فمتى كان له طريق تسوغ الأقدام على الحلف لا يمتنع عن اليمين لأنه إنما يمتنع عن اليمين الكاذبة فإذا كانت يمينه صادقة لم ينكل فلا يحصل المقصود من شرع اليمين فلا جرم كان الاحتياط في الجمع بين البعض والكل في اليمين (٥). فصل (ولا يحلفه ما استقرضت منه هذا المال ولا غصبته ولا أودعك ولكن يحلفه في الوديعة ما له هذا المال الذي ادعى في يديك وديعة ولا شيء منه ولا له قبلك حق منه) يجمع في اليمين هاهنا بين البعض والكل وبين قوله في يديك وبين قوله قبلك أما الجمع بين البعض والكل فلما ذكرناه وأما الجمع بين قوله في يديك فلإنه لا يتناول إلَّا ما كان قائمًا عينًا في يدي
следующие страницы →