← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم جامعة الملك عبد العزيز كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الشريعة والدراسات الإسلامية أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة بحث مقدم لاستكمال متطلبات درجة الدكتوراه في الشريعة والدراسات الإسلامية تخصص عقيدة ودعوة إعداد الطالب: إبراهيم بن حسن الحضريتي إشراف الدكتور: موفق بن عبد الله بن علي كدسة أستاذ العقيدة المشارك بقسم الدراسات الإسلامية والشريعة العام الجامعي: ١٤٤١/ ٢٠٢٠ م

стр. 2

مستخلص الرسالة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي ﷺ . أما بعد، فهذه الدراسة بعنوان (أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة)، من إعداد الطالب: ابراهيم بن حسن الحضريتي، وهي دراسة مقدمة لجامعة الملك عبد العزيز قسم الشريعة والدراسات الإسلامية تخصص عقيدة ودعوة لإكمال متطلبات درجة الدكتوراه، وهي دراسة مهمة لأنها تتكلم عن قضية مهمة تتعلق بأثر عمل القلب على الداعية في نفسه وعلى دعوته، والدراسة تشتمل على مقدمة وتمهيد وأربعة أبواب، ذكرت في المقدمة مشكلة البحث، وأهدافه، وأهميته، والدراسات السابقة، وذكرت في الباب الأول: أعمال القلوب ومكانتها، وإثبات أثرها وتأثرها من خلال نصوص الكتاب والسنة، ونبذة موجزة عن عقيدة السلف في عمل القلب والمخالفين لهم، وفيه ثلاثة فصول، وذكرت في الباب الثاني: نماذج من أعمال القلوب المؤثرة على الداعية ودعوته، مع ذكر أمثلة تطبيقية من حياة دعاة السلف يظهر فيها أثر عمل القلب عليهم في حياتهم ودعوتهم، وفيه فصلان، وذكرت في الباب الثالث: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه، وفي دعوته، وفيه فصلان، في الفصل الأول: ذكرت أثني عشر مبحثاً تبين آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه، وفي الفصل الثاني: ذكرت أحد عشر مبحثاً تبين آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في دعوته، وذكرت في الباب الرابع: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه وعلى دعوته، وفيه فصلان، الفصل الأول: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه، وفيه خمسة عشر مبحثاً، والفصل الثاني: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على دعوته، وفيه خمسة مباحث، ثم ختمت البحث بأهم النتائج والتوصيات، ومن أهم النتائج التي ظهرت للباحث أن نجاح الداعية في دعوته أو فشله في ذلك يرجع لأسباب على رأسها اهتمام الداعية بصلاح قلبه وسلامته، أو حصول المرض في القلب وفساده، وذكرت توصيات عملية في هذا المجال، والله الموفق والمعين.

стр. 3

إهداء محمل بالجميل والثناء العاطر إلى والدي الكريمين فقد كان لهما بعد الله أعظم الأثر وأبلغه في تشجيعي على طلب العلم فجزاهم الله عني خير الجزاء وأوفاه، ثم أثني بأسرتي الكريمة وجهدها الكبير في مساندتي على تحمل أعباء البحث وصبرهم على ذلك، وأهدي ثناء عاطراً لكل من قدم لي توجيهاً وأرشاداً يخدم البحث من قريب أو بعيد. وإليك أخي الداعية الموفق الذي يسعى في تعليم الناس الخير ودلالتهم عليه، هذا جهد من أخ ناصح يريد لنفسه ولك الفلاح والفوز في طريق الدعوة طريق الأنبياء. وإلى لكل قاريْ محب للخير أهدي هذا الجهد المتواضع، وأسأل الله التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل.

стр. 4

شكر وتقدير الحمدُ لله الذي بنعمته تتم الصالحات، هداني لهذا وفتح عليّ ووفقني، فله الحمدُ والفضلُ والمنةُ والثناءُ الحسن. وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. ثم الشكر والتقدير لكل من تعاون معي، وأخص منهم الأستاذ الدكتور أحمد ال سرور الغامدي مرشدي والذي أشرف على البحث فترة من الزمن واستفدت منه كثيراً فجزاه الله خيراً، وكذلك الأستاذ الدكتور ياسر الأحمدي الذي شجعني على البحث في هذا الموضوع فجزاه الله خيراً. والشكر موصول لفضيلة مشرفي الحالي: الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والدعوة، فضيلة الشيخ الدكتور موفق بن عبد الله كدسة الغامدي، فلقد وقف معي مواقفَ عظيمةً لا أستطيع أن أرد جميلَه، ولكني أحيله على الكريم العظيم فجزاه الله عني خير الجزاء وأوفاه، كما أشكر أصحابَ الفضيلة أساتذتي الفضلاء في قسم العقيدة والدعوة لما لمسته منهم من حرص على الطلاب، وتشجيعٍ كبير لهم فجزاهم الله خيراً. كما أتقدم بوافر الشكر وأتمهِ وأكملهِ لصاحبي الفضيلة أعضاء لجنة المناقشة الموقرة: فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ: أبو زيد محمد مكي، أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى، وفضيلة الشيخ الدكتور: محمد بن سعيد آل مدشة الغامدي، أستاذ العقيدة بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعة ورئيس قسم العقيدة والدعوة، أشكرهما على تفضلهما بقبول مناقشتي في هذه الرسالة وعلى ما بذلاه من جهد كبير في مطالعتها من أجل إسداء الملاحظات والتصويبات والتوصيات التي ترقى بهذا البحث إلى المستوى المأمول، فجزاهما الله خيراً، وبارك في علمهما وعملهما. وأقدم الشكر الوافر لجامعة الملك عبد العزيز بجدة على ما تيسره لطلاب العلم من إمكانات عظيمة. وأختم هذه الكلمة سائلاً الله أن يتقبل مني هذا العملَ وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

стр. 5

المقدمة إن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضْلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن الاهتمام بأعمال القلوب، وبيان أثرها على الداعية والدعوة، والكتابة فيها من الأهمية بمكان؛ لأن من أعظم أسباب نجاح الدعاة إلى الله تعالى اهتمامَهم بأعمال القلوب وتحقيقَهم لها في أنفسهم، وفي دعوتهم، وما يظهر اليوم من ضعف في أثر الدعوة وتأخرها في ميادين كثيرة من أعظم أسبابه ضعف أعمال القلوب عند الدعاة في أنفسهم، وضعف الاهتمام بها في دعوتهم، ولا ريب أن تتبع هذه الأسباب وبيان آثارها على الداعية ودعوته من الأولويات؛ لأن أمر الدعوة شأنها عظيم، كيف لا وهي رسالة رسل رب العالمين كلهم عليهم الصلاة والسلام! ولهذا

стр. 6

آثرتُ أن يكون موضوع دراستي في مرحلة الدكتوراه يتعلق بأثر أعمال القلوب على الداعية في نفسه وعلى دعوته، وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. مشكلة البحث: تدور هذه الدراسة في مجملها حول أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة، وفق الأسئلة الآتية: س ١ - ما مكانة أعمال القلوب؟ س ٢ - ما الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات أثر أعمال القلوب؟ س ٣ - ما الأسباب الجالبة لصلاح أعمال القلوب؟ س ٤ - اذكر أمثلة من أعمال القلوب لها أثر على الداعية ودعوته. س ٥ - اذكر أمثلة من حياة السلف يظهر عليها أثر عمل القلب في أنفسهم وفي دعوتهم. س ٦ - ما الآثار المترتبة على تحقيق أعمال القلوب على الداعية والدعوة؟ س ٧ - ما الآثار السلبية لإهمال أعمال القلوب على الداعية والدعوة؟ أهداف البحث: ١. بيان أهمية أعمال القلوب ومكانتها. ٢. بيان الآثار العظيمة والثمرات المباركة لتحقيق أعمال القلوب على الداعية والدعوة. ٣. بيان الآثار السلبية لإهمال أعمال القلوب على الداعية والدعوة. ٤. بيان الأسباب الجالبة لصلاح أعمال القلوب. ٥. ذكر أمثلة تطبيقية من حياة علماء السلف، تبين أثر عمل القلب عليهم وعلى دعوتهم.

стр. 7

٦. ذكر نماذج من أعمال القلوب لها تأثير في نجاح الداعية في دعوته. أهمية البحث: وتظهر من خلال الآتي: ١ - القلوب وأعمالها هي محل نظر الرب ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (١). ٢ - صلاح الجوارح مرتبط بصلاح القلب، وهذا له أثره الكبير على الداعية والدعوة، قال ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (٢). ٣ - إن الاهتمام بأعمال القلوب سبب رئيس من أسباب نجاح الداعية في دعوته. ٤ - إن التقصير في العناية بصلاح أعمال القلوب سبب رئيس من أسباب فشل الداعية في دعوته، أو انحرافه عن المنهج الصحيح. الدراسات السابقة: لم أعثر -خلال بحثي في المكتبات وعبر الشبكة العنكبوتية- على دراسة علمية اعتنت بأثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة بطريقة تفصيلية، وهناك بحوث ودراسات كثيرة عن أعمال القلوب، ويمكن تقسيمها إلى عدة أقسام، على النحو التالي: القسم الأول: دراسات في أعمال القلوب، وربطها بالإيمان، وبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ذكر الفرق المخالفة والرد عليها، ومن الأمثلة على

стр. 8

هذا القسم: أولًا: أعمال القلوب وأثرها في الإيمان، رسالة دكتوراه. للباحث: محمد دوكوري بن محمد، إشراف: الدكتور أحمد عطية الغامدي، الجامعة الإسلامية، عام ١٤١٧ هـ. تحدث الباحث عن الأعمال القلبية المحضة، ومما فصل القول فيه الإخلاص والمراقبة، والمحبة والرجاء، والخوف والتقوى .. ثم فصل القول في الأعمال المشتركة بين القلوب وسائر الجوارح من مثل: الصبر والرضا، والشكر والذكر، والحلم والتواضع والحياء. ثانيًا: أعمال القلوب حقيقتها وأحكامها عند أهل السنة والجماعة وعند مخالفيهم، رسالة دكتوراه. للباحث: سهل بن رفاع العتيبي، إشراف: الشيخ الدكتور عبد الرحمن البراك، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام ١٤٢٣ هـ، وقد طبعت الرسالة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٢٦ هـ وتقع في (١٠٤٦) صفحة. ذكر الباحث فيها أعمال القلوب: حقيقتها، ومنزلتها من الإيمان، وأهميتها، وأقسامها، وأمراضها، وتحدث عن أحكام أعمال القلوب فذكر فيها: عبودية القلب، والتلازم بين أعمال القلوب، وتفاضلها، وأسبابه … وذكر مذاهب المخالفين في أعمال القلوب والرد عليهم، وفصل القول فيها بذكر مذهب المتكلمين والرد عليهم، ومذهب مرجئة الفقهاء والرد عليهم، ومذهب الصوفية والرد عليهم. ثالثًا: أعمال القلوب عند الإمام ابن القيم جمعًا ودراسة، رسالة ماجستير. للباحثة: وفاء بنت زيد العزيري، إشراف: الدكتور محمد بن عبد الله الوهيبي، جامعة الملك سعود، عام ١٤٢٥ هـ. تحدثت الباحثة -مستشهدة بكلام ابن القيم في قضايا البحث- عن حقيقة أعمال القلوب، ومنزلتها، وأنواعها، والعلاقة بينها وبين الجوارح، ثم تحدثت عن

стр. 9

تفاضل أعمال القلوب، وأسبابه، ودرجات الناس فيها، ثم ذكرت أحكام عبودية القلب، وقسمتها إلى أعمال واجبة ومستحبة ومباحة، وإلى أعمال محرمة ومكروهة، ثم ذكرت موقف ابن القيم من أبرز المخالفين في هذا الباب، وقسمته إلى موقفه من الصوفية، وموقفه من المرجئة. رابعًا: أعمال القلوب بين المتكلمين والصوفية وموقف أهل السنة منهم، رسالة دكتوراه. للباحث: مطر سالم بن حميد العازمي، إشراف: أ. د. محمد السيد الجليند، جامعة القاهرة، عام ٢٠١٠ م. طبعت الرسالة في (٣٦٧) صفحة. تحدث الباحث في رسالته عن الأعمال القلبية المحضة من مثل: النية والإخلاص والمراقبة، والمحبة والخوف والرجاء، واليقين والتوكل، وذكر الأعمال المشتركة بين القلوب وسائر الجوارح، ومثل لذلك بالصبر والرضا، والشكر والذكر، والزهد والتوبة. وطريقته في عرض الأعمال: أنه يقرن بين كل عملين أو ثلاثة -كما سبق في الوصف- ثم يعرضها وفق منهج أهل الكلام، وكذلك وفق منهج أهل التصوف، ثم يرد على ذلك، فما وافق الكتاب والسنة أقره، وما خالف بيّن بطلانه، وذلك وفق منهج أهل السنة والجماعة. خامسًا: أعمال القلوب عند شيخ الإسلام ابن تيمية جمعًا ودراسة، رسالة ماجستير. للباحث: غزمند مهمتي بن عمر، إشراف: الدكتور محمد بن خليفة التميمي، الجامعة الإسلامية، عام ١٤٣٢ هـ. والرسالة في (١٠٣٤) صفحة، تحدث فيها الباحث عن مفهوم أعمال القلوب، وأنواعها، ومنزلتها من الإيمان عند شيخ الإسلام، وفصّل القول في دراسة مستفيضة للأعمال القلبية، وذكر أمثلة ونماذج على ذلك، وبيّن تفاضل الناس ودرجاتهم فيها، ثم

стр. 10

ختم البحث بالكلام عن المخالفين لأهل السنة والجماعة في أعمال القلوب، والرد عليهم من كلام شيخ الإسلام. سادسًا: أعمال القلوب عند الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ جمعًا ودراسة، رسالة ماجستير. للباحث: عبد الله بن عبد الرحمن بن ناجي الرحيلي، إشراف: الدكتور ذياب بن مدحل دخيل العلوي، الجامعة الإسلامية، عام ١٤٣٤ هـ. تحدث الباحث -مستشهدًا بكلام السعدي في قضايا البحث- عن حقيقة القلب، وأقسامه، وأمراضه، ثم بين منزلة أعمال القلوب من الإيمان، وتفاضلها، وأسبابه، ودرجات الناس فيها، ثم فصل القول بدراسة لأعمال القلوب، وذكر تسعة عشر عملًا، ومن ذلك: الإخلاص، المحبة، الخوف والخشية، الرجاء والصدق، التوكل، الصبر، الرضا، اليقين … ويظهر للمتأمل في هذا القسم الأول أن هذه الرسائل العلمية تتفق -في الغالب- في ثلاث قضايا: الأولى: حقيقة أعمال القلوب، وأقسامها، وتفاضل أهلها فيها، وعلاقتها بالإيمان. الثانية: نماذج لأعمال القلوب. الثالثة: منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أعمال القلوب، وذكر المخالفين والرد عليهم. ولا شك أنه -إن شاء الله تعالى- ستتم الإفادة من بعض هذه القضايا المحورية في بحثي؛ ولكن يضيف بحثي إضافة أرى أنها جوهرية، وجديرة بالبحث والتفصيل، وهي ربط هذه القضايا بأثرها على الداعية والدعوة. القسم الثاني: من اقتصر في دراسته على عمل من أعمال القلوب أو أكثر،

стр. 11

ومن أمثلته: أولًا: الخوف والرجاء في الكتاب والسنة، رسالة ماجستير. للباحث: عبد الرحمن سليمان علي الشمسان، إشراف: الدكتور عبد المحسن بن حمد العباد، الجامعة الإسلامية، عام ١٤١١ هـ. ذكر الباحث الخوف وعرّف به، وذكر أقسامه وأسبابه، ونماذج من الأمور المخوفة. وتكلم عن الرجاء وعرّف به، وذكر درجاته وأسبابه، ثم بيّن الآثار الطيبة لوجود الخوف والرجاء، والآثار السيئة لفقدانهما، ثم عرّج على مسالك الناس في الخوف والرجاء، فذكر منهج أهل السنة والجماعة في ذلك، وقول الخوارج والمرجئة والصوفية. ثانيًا: الإخلاص حقيقته ونواقضه، رسالة ماجستير. للباحث: عبد الله بن عيسى الأحمدي، إشراف: أ. د. محمد حسان كسبة، جامعة أم القرى، عام ١٤٢٤ هـ. وقد طبعت الرسالة في (٦٣٠) صفحة. تكلم الباحث عن الإخلاص حقيقته وثماره، وعن نواقض الإخلاص. ثالثًا: اليقين في الاعتقاد حقيقته ونواقضه، رسالة ماجستير. للباحث: عبد الله بن علي بن عبد الله الرشيد، إشراف: أ. د. سعود بن عبد العزيز العريفي، جامعة أم القرى. وتقع الرسالة في (٦١٠) صفحة. تكلم فيها الباحث عن حقيقة اليقين وأنواعه، وأسبابه وثمراته، ونواقضه ومنقصاته، ومفهوم اليقين عند المخالفين. وعند التأمل في هذا القسم لم أر أنه تعرض لربط أعمال القلوب بالداعية والدعوة، ولذا أرى أن الحاجة ملحة للكتابة في هذا الموضوع، وربط أعمال

стр. 12

القلوب بالداعية والدعوة؛ وبيان آثار ذلك لحاجة الدعاة الماسة للتفصيل في هذه الآثار. القسم الثالث: من اقتصر في دراسته على تزكية النفس، وتعرض من خلال دراسته لبعض أعمال القلوب وأثرها على تزكية النفس، ومن الأمثلة على هذا القسم: - منهج الإسلام في تزكية النفس وأثره في الدعوة إلى الله تعالى، رسالة دكتوراه. للباحث: أنس أحمد كرزون، إشراف: الدكتور أحمد أبو السعادات، جامعة أم القرى، عام ١٤١٥ هـ. طبعت الرسالة في (٩٢٨) صفحة في مجلدين. تكلم الباحث عن النفس الإنسانية من ناحية صفاتها وأحوالها، وعرّج على المناهج المختلفة فيها، ثم ذكر الأسس العقدية لتزكية النفس والجوانب العلمية في ذلك، ثم تحدث عن أمراض النفس ومعوقات تزكيتها وجوانب من الانحراف في المفاهيم المتعلقة بتزكيتها، مع بيان الصواب في ذلك، ثم ختم بذكر ثمرات تزكية النفس في المنهج الإسلامي. في أصل الرسالة كان عنوان البحث: "منهج الإسلام في تزكية النفس وأثره في الدعوة إلى الله"، وعند طباعته للرسالة حذف عبارة: "وأثره في الدعوة إلى الله"؛ لأنه يرى التقارب بين التزكية والدعوة، وفي نظري أن التزكية من أهم مقاصد الدعوة، ولم أر أنه تعرض لأثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة، وعليه فأرى لزامًا أن تسد هذه الثغرة العظيمة بالكتابة فيها، ولا أراني مبالغًا لو قلت: إنها تحتاج لأكثر من دراسة لأهميتها وتعدد جوانبها. وقد استفدت من هذه الدراسة في وضع جوانب من هيكلة البحث -فجزى الله الجميع خيرًا- والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 13

والمقصود أن هذه الدراسة تركز على مسألة آثار أعمال القلوب على الداعية والدعوة، ويمكن إجمال الفروق في الأمور التالية: ١ - جمع ما تفرق في مسألة أعمال القلوب وأثرها على الداعية والدعوة. ٢ - ربط أعمال القلوب بالداعية والدعوة. ٣ - أثر تحقيق أعمال القلوب على الداعية والدعوة. ٤ - الآثار المترتبة على إهمال أعمال القلوب على الداعية والدعوة. منهج البحث: ستكون الدراسة -إن شاء الله تعالى- قائمة على المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك باستقراء نصوص الكتاب والسنة وأقوال علماء السلف المتعلقة بأعمال القلوب، وتحليلها، وربطها بالداعية والدعوة، وبيان آثارها إيجابًا أو سلبًا. حدود البحث: سيكون البحث -بعون الله وتوفيقه- في أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة، وذلك في حدود هيكل البحث المذكور في العنصر التالي. هيكل البحث: يشتمل البحث على: مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة، وذلك على النحو الآتي: المقدمة: تحتوي على مشكلة البحث، وأهدافه، وأهميته، والدراسات السابقة، ومنهج البحث، وحدوده، وهيكله. التمهيد ويشمل التعريف بمصطلحات عنوان البحث وما يتعلق به، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: التعريف بمصطلحات العنوان.

стр. 14

المسألة الثانية: فضائل الدعوة. المسألة الثالثة: فضائل الداعية. الباب الأول: أعمال القلوب مكانتها، تأثرها وأثرها من خلال نصوص الكتاب والسنة، وموقف السلف والمخالفين منها، وأسباب صلاحها، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: أعمال القلوب: مكانتها، تأثرها وأثرها، وفيه مبحثان: المبحث الأول: مكانة أعمال القلوب في الكتاب والسنة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: نصوص القرآن الكريم في بيان مكانة أعمال القلوب، وفيه فرعان: الفرع الأول: مكانة أعمال القلوب التي يحبها الله. الفرع الثاني: خطر أعمال القلوب التي يبغضها الله. المطلب الثاني: نصوص السنة النبوية في بيان مكانة أعمال القلوب. المبحث الثاني: النصوص من الكتاب والسنة في بيان أثر عمل القلب وتأثره، وفيه مطلبان: المطلب الأول: من نصوص القرآن الكريم في إثبات أثر عمل القلب وتأثره. المطلب الثاني: من نصوص السنة في إثبات أثر عمل القلب. الفصل الثاني: أعمال القلوب بين السلف والمخالفين لهم، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مجمل معتقد أهل السنة والجماعة في أعمال القلوب. المبحث الثاني: مجمل قول المخالفين لأهل السنة والجماعة في أعمال القلوب. المبحث الثالث: مجمل الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة في أعمال القلوب. الفصل الثالث: أسباب صلاح القلب، وفيه مبحثان:

стр. 15

المبحث الأول: الأسس العقدية لصلاح أعمال القلوب، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التوحيد. المطلب الثاني: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل. المطلب الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر. المطلب الرابع: الإيمان باليوم الآخر. المبحث الثاني: الأسس التعبدية لصلاح أعمال القلوب، وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: التقرب إلى الله بالفرائض، وعلى رأسها الصلاة الخاشعة، وأثرها على القلب. المطلب الثاني: الزكاة، وأثرها على القلب. المطلب الثالث: الصيام، وأثره على القلب. المطلب الرابع: الحج، وأثره على القلب. المطلب الخامس: الدعاء، وأثره على القلب. المطلب السادس: التقرب إلى الله بالنوافل. الباب الثاني: نماذج من أعمال القلوب المؤثرة على الداعية ودعوته، مع ذكر أمثلة تطبيقية من حياة دعاة السلف، وفيه فصلان: الفصل الأول: نماذج من أعمال القلوب التي لها أثر على الداعية ودعوته، وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: الإخلاص. المبحث الثاني: اليقين. المبحث الثالث: الصبر.

стр. 16

المبحث الرابع: الرضا المبحث الخامس: المحبة. المبحث السادس: الخوف والخشية. المبحث السابع: الرجاء. المبحث الثامن: التوكل. المبحث التاسع: التقوى. المبحث العاشر: الورع. الفصل الثاني: أمثلة وتطبيقات على بعض دعاة علماء السلف وأثر عمل القلب عليهم وعلى دعوتهم، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مواقف من حياة الإمام أحمد عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس، وفيه فرعان: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم. الفرع الثاني: تعليمه العلم للناس وبذله لطالبه، وما تركه للأمة من مؤلفات. المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته، وفيه فرعان: الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة. الفرع الثاني: تعلق القلب بالله وكثرة الذكر والعبادة. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام أحمد على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وعفوه عمن آذوه.

стр. 17

المبحث الثاني: مواقف من حياة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس، وفيه فرعان: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم. الفرع الثاني: تعليمه العلم للناس وبذله لطالبه، وما تركه للأمة من مؤلفات. المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته، وفيه فرعان: الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة. الفرع الثاني: تعلق القلب بالله وكثرة الذكر والعبادة. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام ابن تيمية على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وعفوه عمن آذوه. المطلب الخامس: أثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. المبحث الثالث: مواقف من حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله، يظهر فيها أثر أعمال القلوب عليه وعلى دعوته، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أثر عمل القلب على طلبه للعلم، وتعليمه للناس، وفيه فرعان: الفرع الأول: أثر عمل القلب في طلبه للعلم. الفرع الثاني: أثر عمل القلب على تعليمه للناس الخير وعلى رأس ذلك التوحيد، وإنكاره للشرك أينما حل، وما تركه للأمة من مؤلفات. المطلب الثاني: أثر عمل القلب على ثبات الإمام محمد بن عبد الوهاب على

стр. 18

عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في سبيل دعوته. المطلب الثالث: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وسلامة قلبه، وعفوه عمن آذوه. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. الباب الثالث: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه، وفي دعوته، وفيه فصلان: الفصل الأول: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه، وفيه اثنا عشر مبحثًا: المبحث الأول: سلامة المقصد وخلوصه لله وحده. المبحث الثاني: الشعور بمعية الله ورعايته له. المبحث الثالث: الشعور بتوفيق الله وإعانته له. المبحث الرابع: اليقين بنصر الله تعالى لدينه. المبحث الخامس: التفاؤل وعدم اليأس. المبحث السادس: تعلق القلب بالله تعالى. المبحث السابع: الزهد في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة. المبحث الثامن: طمأنينة القلب وقوته. المبحث التاسع: الرضا بما يلقاه في ذات الله تعالى. المبحث العاشر: المسارعة في فعل القربات. المبحث الحادي عشر: الثبات.

стр. 19

المبحث الثاني عشر: الفوز والنجاة في الآخرة. الفصل الثاني: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في دعوته، وفيه أحد عشر مبحثاً: المبحث الأول: الإخلاص لله في الدعوة، والتجرد من حظوظ النفس. المبحث الثاني: الاهتمام العظيم بعقيدة التوحيد. المبحث الثالث: الدعوة إلى الله على بصيرة. المبحث الرابع: الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة. المبحث الخامس: الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة. المبحث السادس: المجادلة بالتي هي أحسن. المبحث السابع: الحرص على هداية الناس. المبحث الثامن: الرحمة والشفقة بالمدعوين. المبحث التاسع: إقبال الناس على دعوته. المبحث العاشر: نبذ أسباب التفرق والاختلاف. المبحث الحادي عشر: التأييد والتمكين في الأرض. الباب الرابع: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه وعلى دعوته، وفيه فصلان: الفصل الأول: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه، وفيه خمسة عشر مبحثاً: المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها. المبحث الثاني: قسوة القلب وتسلط الشيطان.

стр. 20

المبحث الثالث: اتباع الهوى، والوقوع في فتنة الشبهات والشهوات. المبحث الرابع: التطلع إلى الرياسة للمكاسب الدنيوية. المبحث الخامس: الركون إلى الكفار والظلمة. المبحث السادس: الهزيمة النفسية. المبحث السابع: لبس الحق بالباطل وكتمانه. المبحث الثامن: العُجْب، والرياء والسمعة، والكبر. المبحث التاسع: الاستعجال. المبحث العاشر: الضيق والتبرم من النصيحة، وعدم حب الناصحين. المبحث الحادي عشر: تتبع العثرات، وتصيد الهفوات، والفرح بزلات الآخرين. المبحث الثاني عشر: البخل والشح والعجز والكسل والجبن والهم والحزن. المبحث الثالث عشر: الخذلان وقلة التوفيق. المبحث الرابع عشر: الغفلة عن الآخرة. المبحث الخامس عشر: الخسارة في الآخرة. الفصل الثاني: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على دعوته، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: التفرق والاختلاف والتنازع وذهاب الريح. المبحث الثاني: تسلط الأعداء على الأمة. المبحث الثالث: تسلط أعداء الأمة على الدعاة، وتنفير الناس من دعوتهم. المبحث الرابع: نفور الناس من الدعاة، وتفرقهم عنهم. المبحث الخامس: تأخر النصر.

стр. 21

الخاتمة، وفيها أهم النتائج والتوصيات. أبرز عناصر منهجية البحث التي سرت عليها: ١ - قمت بعزو الآيات إلى سورها عقبها، مع ذكر رقمها، والالتزام بالرسم العثماني. ٢ - خرّجت الأحاديث من مصادرها الأصلية بذكر المصدر والكتاب والباب والجزء والصفحة ورقم الحديث، وقمت بذكر أقوال العلماء في الحكم عليها؛ إذا كان الحديث في غير الصحيحين أو أحدهما. ٣ - وذكرت تخريج الحديث عند أول وروده، وإذا تكرر فإني لا أحيل إلى ما سبق حتى لا أثقل الحواشي. ٤ - وضبطت بالشكل ما يحتاج إلى ضبط من الأحاديث، ومما تشكل قراءته. ٥ - ذكرت بيانات المصدر عند أول وروده. ٦ - ترجمت للأعلام باختصار عند ورود أول ذكر للعلم، واستثنيت ترجمة الأنبياء والصحابة، إلا ما تدعو الحاجة إليه ممن لا يعرف من الصحابة على الأقل للباحث. ٧ - التعريف بالأماكن، واستثنيت الدول وعواصمها لشهرتها. ٨ - رجعت في التوثيق إلى المصادر الأصلية، إلا أن تدعو الحاجة للأخذ من المصادر المتأخرة كالرسائل الجامعية. ٩ - عرفت بالفرق والمذاهب عند أول ورد لها في البحث. ١٠ - ختمت بذكر الفهارس العلمية، وهي على نحو الآتي: • فهرس الآيات. • فهرس الأحاديث.

стр. 22

• فهرس الآثار. • فهرس الأعلام المترجم لهم. • فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة. • فهرس الفرق والمذاهب المعرّف بها. • فهرس المصادر. • فهرس الموضوعات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 23

التمهيد التعريف بمصطلحات عنوان البحث وما يتعلق به المسألة الأولى: التعريف بمصطلحات العنوان. المسألة الثانية: فضائل الدعوة. المسألة الثالثة: فضائل الداعية.

стр. 24

توطئة: لا ريبَ أن الدعوةَ إلى الله تعالى هي وظيفةُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وكانت المهمة العظيمة للرسل عليهم الصلاة والسلام الدعوة إلى توحيد الله، وتحذير الناس من عبادة غير الله، كما قال تعالى عن جميع الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وختم الله هذه الرسالات برسالة النبي ﷺ إلى الناس كافة، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، فجاء ﷺ بأعظم الرسالات وأتمها وأكملها، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فبلَّغ ﷺ الرسالةَ، وأدى الأمانة، ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا، حتى أظهره الله على الدين كله، ثم قامت أمته بمهمة الدعوة إلى هذا الدين، حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وقال ﵎ عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١).

стр. 25

ولا شك أن المتأمل في سير الأنبياء، والمصلحين الذين ساروا على دربهم، سيتضح له أحد أعظم أسرار تميزهم، وهو وجود أمرٍ عظيم حرّك تلك الهمم لحمل الرسالة وإيصالها إلى العالمين، في حركة دؤوبة في الليل والنهار والسر والجهار. قال تعالى في وصف نبيه نوح ﵇ في دعوته لقومه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٥ - ٩]. وذلك الأمر الذي أنتج هذه الهمة العظيمة عند أولئك الدعاة إلى الله تعالى الذين اقتفوا أثر الأنبياء ﵈ هو صلاح عمل القلب وسلامته من الآفات، وهذا -ولله الحمد والمنة- هو محور دراستي، حول أثر عمل القلب على الداعية والدعوة، ورأيت من المناسب أن أمهد لهذه الدراسة بالمسائل الآتية: المسألة الأولى: التعريف بمصطلحات العنوان. المسألة الثانية: فضائل الدعوة. المسألة الثالثة: فضائل الداعية. المسألة الأولى: التعريف بمصطلحات العنوان: وعنوان الدراسة هو: (أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة)، وعليه فتكون المصطلحات المراد تعريفها هي: (الأثر، العمل، القلب، الداعية، الدعوة). أولًا: تعريف الأَثَر في اللغة والاصطلاح: الأثر في اللغة يطلق على معان، منها: أَثَر الشيء أي: حصول ما يدل على وجوده. وبقية الشيء، فتقول: أَثَارَةٌ من علم أي: بقية منه. وعلى الأجل، والخبر، والعلامة. وجاء في أَثَره أي: في عقبه.

стр. 26

ويطلق أيضًا على ما خلَّفه السابقون، وعلى لمعان السيف، ومن معانيه: سنن النبي ﷺ (١). وعُرِّف الأثر في الاصطلاح بعدة تعريفات (٢)، ويعود هذا إلى أن أصحاب كل فن (٣) يعرفونه على حسب ما يخدم فنَّهم، ولعل أقربها إلى مقصود الدراسة ما ذكره صاحب التعريفات (٤) ضمن تعريفه للأثر، بقوله: "بمعنى: النتيجة، وهو الحاصل من الشيء" (٥). فيكون المعنى على هذا: ما يحصل من أعمال القلوب من أثر على الداعية ودعوته.

стр. 27

ثانيًا: تعريف العَمَل في اللغة والاصطلاح: العَمَل في اللغة: له عدة معان، منها: الفعل بقصد، إعمال الذهن في التفكير والتدبر والاستنباط، فيقال: أعمل فلان ذهنه في كذا وكذا إذا تدبَّره وفكر فيه، العَمَل أي: المهنة والفعل (١). العمل في الاصطلاح: يكون معناه بحسب استعماله، ففي التقسيم الإداري ما يكون تحت حكمه ويضاف إليه، فيقال: قرية فلان من أعمال مركز كذا. وعند أصحاب الاقتصاد: مجهود يبذله الإنسان مقابل تحصيل منفعة (٢). وقال الراغب (٣) ﵀ عن ورود لفظ العمل في القرآن الكريم: "والعمل يستعمل في الأعمال الصالحة والسيئة، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٤]، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: ١١]، وأشباه ذلك. ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] " (٤).

стр. 28

ويطلق العمل على أفعال القلوب والجوارح، ولهذا يقال: النية عمل القلب (١)، وهو المقصود من الدراسة. ثالثًا: تعريف القلب في اللغة والاصطلاح: القلب في اللغة: يطلق على عدة معان، منها: المضغة (٢) أي: العضو الموجود في داخل الصدر، العقل، ويسمى لب الشيء وخالصه قلبًا، والقلب تحويلك الشيء عن وجهه. وسمي القلب بهذا الاسم لكثرة تقلبه، وقال الشاعر (٣): مَا سمِّيَ القلبُ إلَّا من تقلُّبِه (٤) والقلب في الاصطلاح: يطلق على معنيين (٥):

стр. 29

١ - العضو الذي في الجهة اليسرى من الصدر، ويضخُّ الدم إلى سائر أجزاء الجسم. ٢ - لطيفة (١) ربانية لها تعلق وثيق بالقلب، وهي التي تحتوي على مشاعر الإنسان وإحساسه وحقيقته، وبها تحصل أعمال القلوب من الحب والخوف والرجاء والإخلاص والصدق واليقين ونحوه، أو ضد ذلك من آفات القلوب من الكبر والحسد والعجب والرياء واتباع الهوى … وهذه اللطيفة المتعلقة بالقلب من أمور الغيب التي لا تدركها العقول، وإنما يرجع فيها إلى الوحي، وهنا يحسن الكلام عن مسألة: هل العقل في القلب أم في الدماغ؟ ومجمل الأقوال في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن العقل في القلب، وهو قول عمر وعلي وأبي هريرة ﵃ (٢)، وهو قول الجمهور، قال به الشافعية والمالكية، وهو الراجح من قولي العلماء عند الإمام أحمد، وقال به جماهير المتكلمين (٣).

стр. 30

القول الثاني: في الدماغ، ونسب إلى الأحناف (١)، والرواية الثانية عند الإمام أحمد، وهي المنصوص عليها عنه (٢)، وهو قول الأطباء (٣). أدلة أصحاب القول الأول: يقول أصحاب القول الأول: جاءت النصوص الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في النص صراحة على أن العقل في القلب، وأُسِندَ إلى القلب العمى، والفقه، والإيمان، ومرض النفاق، وغير ذلك من الأمور التي أخبر بها ، وأسندها إلى القلب ولم يسندها إلى الدماغ، فدل ذلك على أن العقل في القلب، وهذه بعض الأدلة على إثبات ذلك: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦].

стр. 31

استدلَّ أهل العلم بهذه الآية على أن العقل محله القلب، وفيها دلالة صريحة على ذلك؛ حيث إنه أسند العقل إلى القلب لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن، ودونَك طرفًا من أقوالهم في تفسيرهم لهذه الآية: قال القرطبي (١) ﵀: "أضاف العقل إلى القلب لأنه محله" (٢). وقال السمعاني (٣) ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "أي: يعلمون بها، ويقال: إن العقل علم غريزي (٤)، واستدل من قال: إن محله القلب بهذه الآية" (٥).

стр. 32

وقال الشنقيطي (١) ﵀: "والتحقيق: أن العقل في القلب كما دل عليه الوحي" (٢). وقال أيضًا: "والآية تدل على أن محل العقل في القلب، ومحل السمع في الأذن" (٣). الدليل الثاني على أنه في القلب: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ومن ضمن ما قال الرازي (٤) ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " .. هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟ الجواب: نعم؛ لأن المقصود من قوله: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ العلم، وقوله: ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ كالدلالة على

стр. 33

أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلًّا للتعقّل، ويسمَّى الجهل بالعمى؛ لأن الجاهل لكونه متحيرًا يشبه الأعمى" (١). وقد أشار الشنقيطي ﵀ إلى أن هذه الآية تدلّ على أن العقل محله القلب (٢). الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. قال القرطبي ﵀ عن المراد بالقلب هنا: "أي: عقل؛ لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين" (٣). الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال الشنقيطي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "وقوله: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ الفقه في لغة العرب معناه: الفهم والإدراك، أي: لا يفهمون بهذه القلوب عن الله؛ لأن الله لم ينفعهم بها … كما قال: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦]، ونفيه الفقه عن القلوب يدل كما ذكرنا مرارًا على أن مركز العقل هو القلب، لا الدماغ كما يقوله الإفرنج (٤)، ومما يؤسفنا أن عامة المسلمين لا يكاد في الوقت الحاضر -لجهلهم- يختلف من عامتهم اثنان في أن العقل في الدماغ ..

стр. 34

والله يصرح بأن العقل في القلب، ولا شكَّ أن الذي خلق نور العقل وجعله في العبد ونوَّره به هو أعلم بالموضع الذي وضعه فيه … فالذي يقول: ليس الفقه في القلوب كالذي يقول: ليس الإبصار بالعيون، وليس السماع بالآذان؛ لأن الله قال: ﴿قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ﴿أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ﴿آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، فدلَّ على أن الإبصار بالعين، والسماع بالأذن، والفقه بالقلب. وهذا أمر معروف لا تكاد تحصَى الآيات الدالة عليه في القرآن" (١). الدليل الخامس والسادس: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. و ﴿كَتَبَ﴾ أي: ثبّت الإيمان في قلوبهم وغرسه غرسًا، لا تؤثر فيه الشبه والشكوك، وذكر القلوب لأنها موضع الإيمان (٢). وذكر الشنقيطي ﵀ في تعليقه على الآيتين السابقتين كلامًا مؤداه: أن الآيتين صريحتان في أن الموضع الذي يدخله الإيمان من المؤمن وينتفي دخوله فيه من الكافر هو القلب لا الدماغ؛ لأن أساس الإيمان إيمان القلب، والجوارح تبع له، كما قال ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ

стр. 35

فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (١). فظهر لك دلالة الآيتين المذكورتين على أن المصدر الأول للإيمان القلب، فإذا آمن القلب آمنت الجوارح بفعل المأمورات وترك المنهيات، وذلك لأن القلب أمير البدن، وذلك يدل دلالة واضحة على أن القلب ما كان كذلك إلا لأنه محل العقل الذي به الإدراك والفهم كما ترى (٢). الدليل السابع والثامن: قول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. وفي هاتين الآيتين ذكر الله أنه عاقب أصحاب القلوب التي كفرت بالطبع عليها، فلا تنتفع بالمواعظ، ولا تهتدي إلى الإيمان، ولا ينفذ فيها، وعاقب القلوب التي زاغت (٣) أن أزاغها الله عن الهدى والاستقامة، وأوقعها في الشك والحيرة والخذلان بسبب من أهلها (٤). والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 36

ومن هاتين الآيتين يتضح اتصال العقل بالقلب، وأن محله في القلب، فكم من صاحب عقل عظيم وقدرات عقلية كبيرة، لكنه لما طُمِس على قلبه بسبب ضلاله لم ينفعه عقله الكبير -نسأل الله العافية من الخذلان-، تجده يعبد الأوثان من البقر والحجر المنحوت على شكل إنسان أو غيره، أو يدعو صاحب قبر ويطلب منه ما لا يُطلَبُ إلا من الله، ولديه أعلى الشهادات العلمية، والكثير من براءات الاختراع، لكن هذا العقل الكبير الذي طمس على قلب صاحبه لم ينتفع به فيترك عبادة المخلوق، ويتوجه إلى عبادة الخالق المستحق للعبادة ، وقال تعالى عنهم وعن أمثالهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، وهؤلاء ما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم؛ ببعدهم عن الحق واتباع شياطين الإنس والجن، فصار علمهم الواسع في الدنيا، وأما الآخرة فقد غفلوا عنها، كما قال تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. الدليل التاسع: قوله ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». قال المازري (١) ﵀ في بيان وجه الاستدلال بهذا الحديث على أن العقل في

стр. 37

القلب: "واحتجوا أيضًا بهذا الحديث (١)، وقد جعل النبي ﷺ صلاح الجسد كلّه وفساده كلّه تابعًا للقلب، والدّماغُ من جملة الجسد، فاقتضى ظاهر الحديث كون فساده وصلاحه تبعًا للقلب، وهذا يدل على أنه ليس بمحلّ للعقل" (٢). الدليل العاشر من الأثر: قول علي ﵁: "إن العقل في القلب" (٣). أما أدلة أصحاب القول الثاني: فيستدل من يقول: إن العقل في الدماغ بأدلة عقلية وحسية، ولا يُعلم لهم دليل من الكتاب أو السنة (٤)، والله أعلم. ومن أدلتهم أنه إذا فسد الدماغ مع سلامة القلب فسد العقل، فلو كان موطن العقل القلب لما حصل له خلل، ويقولون: يحصل للقلب خلل فلا يتأثر العقل. وأجيب: بأن هناك ارتباطًا بين العقل والقلب، والنصوص دلَّت على أنه في القلب، وأنه لا يمنع أن يكون هناك ارتباط بين القلب والدماغ (٥)، لا يعلمه إلا الله ، والله أعلم. وهنا قول يتفرَّع عن القول الأوَّل، وهو أن العقلَ في القلب وله اتصال وثيق بالدماغ، وهذا القول أقرب الأقوال؛ لأن فيه جمعًا بين القولين مع الإقرار بأن العقل في القلب كما جاء في الكتاب والسنة. والعقل الذي في القلب له اتصال بالدماغ، والدليل الحسي يدل دلالة قوية على الترابط بين العقل والدماغ، والعلم عند الله تعالى.

стр. 38

والذي ظهر من كلام شيخ الإسلام (١) أنه يميل إلى ذلك حيث يقول ﵀: "والتحقيق (٢) أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا (٣)، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب" (٤). وهو الذي يرجحه ابن القيم (٥) حيث يقول ﵀: "والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب، ونهايته ومستقره في الرأس، وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء: هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد، والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ" (٦).

стр. 39

وقال الشيخ ابن عثيمين (١) ﵀: "فالعقل في القلب، والقلب في الصدر، لكن الدماغ يستقبل ويتصور، ثم يرسل هذا التصور إلى القلب لينظر أوامره، ثم ترجع الأوامر من القلب إلى الدماغ، ثم ينفذ الدماغ. إذن الدماغ بمنزلة (السكرتير) (٢) ينظم المعاملات ويرتبها، ثم يرسلها إلى القلب، إلى المسؤول الذي فوقه، هذا القلب يوقِّع يمضي أو يرد، ثم يدفع المعاملة إلى الدماغ، والدماغ يأمر الأعصاب وتتمشى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الموافق للواقع" (٣). وقال الشيخ الشنقيطي ﵀: "وجمع بعض العلماء بين قول أهل السنة وقول الفلاسفة بأن قال: إن أصل العقل في القلب كما في الكتاب والسنة، إلا أن نوره يتصل شعاعه بالدماغ" (٤).

стр. 40

وقال أيضًا عن هذا القول: "ومَنْ جمع بين القولين فقوله جائز عقلًا، ولا تكذيب فيه للقرآن ولا للسنة، ولكنه يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، ولا دليل عليه من النقل، فإن قام عليه دليل من عقل أو استقراء محتج به فلا مانع من قبوله، والعلم عند الله تعالى" (١). والذي يظهر أنه قد قام الدليل من السنة والعقل والحس على الترابط بين أجزاء الجسد، وتأثير القلب فيها جميعًا، كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ الذي سبق (٢)، ويدل على الترابط بين أجزاء الجسد أيضًا قوله ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (٣). فالقلب إذن الذي هو محل العقل مرتبطٌ بالدماغ الذي يقوم بمهمة تحريك الأعضاء وتنفيذ الأوامر الصادرة من العقل الذي في القلب، والله أعلم. رابعًا: تعريف الداعية في اللغة والاصطلاح: الداعية في اللغة: يطلق على معان، منها: الذي يَمِيلُ الشيء إليه بصوت وكلام منه، طلب إحضار الشيء، الذي يحث على فعل شيء (٤).
следующие страницы →