ومن هاتين الآيتين يتضح اتصال العقل بالقلب، وأن محله في القلب، فكم من صاحب عقل عظيم وقدرات عقلية كبيرة، لكنه لما طُمِس على قلبه بسبب ضلاله لم ينفعه عقله الكبير -نسأل الله العافية من الخذلان-، تجده يعبد الأوثان من البقر والحجر المنحوت على شكل إنسان أو غيره، أو يدعو صاحب قبر ويطلب منه ما لا يُطلَبُ إلا من الله، ولديه أعلى الشهادات العلمية، والكثير من براءات الاختراع، لكن هذا العقل الكبير الذي طمس على قلب صاحبه لم ينتفع به فيترك عبادة المخلوق، ويتوجه إلى عبادة الخالق المستحق للعبادة ، وقال تعالى عنهم وعن أمثالهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، وهؤلاء ما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم؛ ببعدهم عن الحق واتباع شياطين الإنس والجن، فصار علمهم الواسع في الدنيا، وأما الآخرة فقد غفلوا عنها، كما قال تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
الدليل التاسع: قوله ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
قال المازري (١) ﵀ في بيان وجه الاستدلال بهذا الحديث على أن العقل في
стр. 37
القلب: "واحتجوا أيضًا بهذا الحديث (١)، وقد جعل النبي ﷺ صلاح الجسد كلّه وفساده كلّه تابعًا للقلب، والدّماغُ من جملة الجسد، فاقتضى ظاهر الحديث كون فساده وصلاحه تبعًا للقلب، وهذا يدل على أنه ليس بمحلّ للعقل" (٢).
الدليل العاشر من الأثر: قول علي ﵁: "إن العقل في القلب" (٣).
أما أدلة أصحاب القول الثاني: فيستدل من يقول: إن العقل في الدماغ بأدلة عقلية وحسية، ولا يُعلم لهم دليل من الكتاب أو السنة (٤)، والله أعلم.
ومن أدلتهم أنه إذا فسد الدماغ مع سلامة القلب فسد العقل، فلو كان موطن العقل القلب لما حصل له خلل، ويقولون: يحصل للقلب خلل فلا يتأثر العقل.
وأجيب: بأن هناك ارتباطًا بين العقل والقلب، والنصوص دلَّت على أنه في القلب، وأنه لا يمنع أن يكون هناك ارتباط بين القلب والدماغ (٥)، لا يعلمه إلا الله ، والله أعلم.
وهنا قول يتفرَّع عن القول الأوَّل، وهو أن العقلَ في القلب وله اتصال وثيق بالدماغ، وهذا القول أقرب الأقوال؛ لأن فيه جمعًا بين القولين مع الإقرار بأن العقل في القلب كما جاء في الكتاب والسنة.
والعقل الذي في القلب له اتصال بالدماغ، والدليل الحسي يدل دلالة قوية على الترابط بين العقل والدماغ، والعلم عند الله تعالى.
стр. 38
والذي ظهر من كلام شيخ الإسلام (١) أنه يميل إلى ذلك حيث يقول ﵀: "والتحقيق (٢) أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا (٣)، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب" (٤).
وهو الذي يرجحه ابن القيم (٥) حيث يقول ﵀: "والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب، ونهايته ومستقره في الرأس، وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء: هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد، والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ" (٦).
стр. 39
وقال الشيخ ابن عثيمين (١) ﵀: "فالعقل في القلب، والقلب في الصدر، لكن الدماغ يستقبل ويتصور، ثم يرسل هذا التصور إلى القلب لينظر أوامره، ثم ترجع الأوامر من القلب إلى الدماغ، ثم ينفذ الدماغ.
إذن الدماغ بمنزلة (السكرتير) (٢) ينظم المعاملات ويرتبها، ثم يرسلها إلى القلب، إلى المسؤول الذي فوقه، هذا القلب يوقِّع يمضي أو يرد، ثم يدفع المعاملة إلى الدماغ، والدماغ يأمر الأعصاب وتتمشى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الموافق للواقع" (٣).
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀: "وجمع بعض العلماء بين قول أهل السنة وقول الفلاسفة بأن قال: إن أصل العقل في القلب كما في الكتاب والسنة، إلا أن نوره يتصل شعاعه بالدماغ" (٤).
стр. 40
وقال أيضًا عن هذا القول: "ومَنْ جمع بين القولين فقوله جائز عقلًا، ولا تكذيب فيه للقرآن ولا للسنة، ولكنه يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، ولا دليل عليه من النقل، فإن قام عليه دليل من عقل أو استقراء محتج به فلا مانع من قبوله، والعلم عند الله تعالى" (١).
والذي يظهر أنه قد قام الدليل من السنة والعقل والحس على الترابط بين أجزاء الجسد، وتأثير القلب فيها جميعًا، كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ الذي سبق (٢)، ويدل على الترابط بين أجزاء الجسد أيضًا قوله ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (٣).
فالقلب إذن الذي هو محل العقل مرتبطٌ بالدماغ الذي يقوم بمهمة تحريك الأعضاء وتنفيذ الأوامر الصادرة من العقل الذي في القلب، والله أعلم.
رابعًا: تعريف الداعية في اللغة والاصطلاح:
الداعية في اللغة: يطلق على معان، منها:
الذي يَمِيلُ الشيء إليه بصوت وكلام منه، طلب إحضار الشيء، الذي يحث على فعل شيء (٤).
стр. 41
وعُرِّفَ الداعية في الاصطلاح بعدة تعريفات (١)، ومن أجمعها -فيما يتعلق بمقصود البحث- التعاريف الآتية:
التعريف الأول: عرف الإمام ابن القيم ﵀ الدعاة بقوله: "جمع دَاع؛ كقاض قُضَاة، ورام ورماة، وإضافتهم إليه للاختصاص، أَي: الدعاة المخصوصون بِهِ الَّذين يدعونَ إلى دينه وعبادته ومعرفته ومحبته" (٢).
التعريف الثاني: عرفه بعض الباحثين المعاصرين (٣) بقوله: "المبلّغ للإسلام، والمعلّم له، والساعي إلى تطبيقه" (٤).
التعريف الثالث: ومن التعاريف الشاملة أن الداعية هو: "كل من تتوفر فيه عوامل التأهيل والتكليف الشرعي، والقائم على إيصال دين الإسلام إلى الناس كافة … وفق منهج الدعوة القويم" (٥).
والذي يظهر أن التعريف الثالث هو أدق التعاريف؛ لأنه في التعريف الأول والثاني أغفل تأهيل الداعية، ولأنه لا ينبغي أن يتصدى للدعوة إلى الله تعالى إلا من كان مؤهلًا لهذه المهمة العظيمة، وهذا ما نص عليه في التعريف الثالث، وأضاف في التعريف إضافة مهمة، وهي أن يكون الداعية يسير وفق منهج الدعوة القويم، الذي سار عليه الأنبياء ﵈.
خامسًا: تعريف الدعوة في اللغة والاصطلاح:
الدعوة لغة: تطلق على عدة معان، سبق ذكر بعضها عند تعريف الداعية في
стр. 42
اللغة (١)، وقال ابن منظور (٢) ﵀: "ودعا الرجلَ دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم: الدعوة، ودعوت فلانًا أي: صحت به واستدعيته" (٣).
وعُرِّفت الدعوة اصطلاحًا بعدة تعريفات (٤)، وذلك يرجع إلى أن كل من كتب في الدعوة نظر لها من جانب معين، فعرّفها بناء على رؤيته، واهتمامه بهذا الجانب، ولذا -في الغالب- تكون التعاريف من باب التنوع لا التضاد، وهذه جملة منها:
التعريف الأول: إنها "الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه" (٥).
التعريف الثاني: "إيصال دين الإسلام إلى الناس كافة، وفق المنهج القويم، وبما يتناسب مع أصناف المدعوين، ويلائم أحوال وظروف المخاطبين في كل زمان ومكان" (٦).
التعريف الثالث: قيام من له أهلية من المسلمين فردًا أو جماعة بتبليغ دين
стр. 43
الإسلام إلى الناس كافة أفرادًا أو جماعات، في كل زمان ومكان، بالقول أو الفعل، مقتفين في ذلك أثر رسول الله ﷺ ، متأسّين به، سالكين لذلك طرقًا مشروعة مخصوصة (١).
والمتأمل في هذه التعريفات: يجد أن التعريف الأول ركز على محتوى الدعوة بشيء من التفصيل، والتعريف الثاني والثالث تطرقا إلى محتوى الدعوة بإجمال، وكذلك من يقوم بالدعوة وفق المنهج القويم؛ لأن الدعوة منظومة متكاملة تقوم على تبليغ دين الإسلام إلى الناس كافة، ومن يقوم بهذه المهمة العظيمة من الدعاة المؤهلين، وذلك وفق المنهج القويم؛ ولذا أرى أن هذه التعاريف من أشمل ما عُرِّفت به الدعوة في الاصطلاح، والله أعلم.
ومما سبق ذكره يمكن أن يقال: إن مقصود الدراسة (بيان الأثر الحاصل من تحقيق الداعية لأعمال القلوب في نفسه وعلى دعوته، وكذلك ما يحصل من آثار سلبية لإهمال أعمال القلوب على الداعية والدعوة).
المسألة الثانية: فضائل الدعوة:
وللدعوة فضائل كثيرة أذكر منها على سبيل المثال:
• الدعوة إلى الله هي الغاية من إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام:
إنَّ المتتبع لقصص الرسل عليهم الصلاة والسلام التي ذكرها الله في كتابه يجد أنهم كلهم دعوا أقوامهم إلى عبادة الله وحده دون سواه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]،
стр. 44
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].
قال ابن القيم ﵀ في بيان الغاية من إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام: "فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم، والله قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من أمته، لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم لهم. وقد أمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه ولو آية (١)، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثًا (٢)، وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم.
جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه" (٣).
• الدعوة إلى الله تعالى من أسباب خيرية الأمة وفلاحها:
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 45
وفي الآيتين ذكر الله أن خيرية الأمة وفلاحها مرتبط بتحقيق الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
• الدعوة إلى الله من أسباب السلامة من الخسران في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر].
وفي هذه السورة حدد الله أسباب النجاة من خسارة الدنيا والآخرة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك.
• الدعوة من أعظم الأعمال وأحبها إلى الله تعالى:
عن سهل بن سعد ﵁: قال ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ (١): «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيٌّ؟»، فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَبَصَقَ (٢) فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ (٣) حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ
стр. 46
عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (١).
وهذا الحديث يدل على فضيلة الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ جعل هداية رجل واحد بدعوته إلى الإسلام والتوبة من الآثام خير من حمر النعم التي هي الإبل النفيسة، كما قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث: "هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه" (٢).
المسألة الثالثة: فضائل الداعية:
ونصت الآيات والأحاديث على فضل الداعية إلى الله تعالى، ومن ذلك:
• أن الداعية إلى الله تعالى العامل بعلمه لا أحد أحسن قولًا منه (٣):
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فُصِّلَت: ٣٣].
стр. 47
وهذه الآية تدل على المكانة العظيمة للداعية إلى الله عند ربه .
• مكانة الداعية إلى الله تعالى على بصيرة:
قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
يقول السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ للناس: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي: طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، المتضمنة للعلم بالحق والعمل به وإيثاره، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أحث الخلق والعباد إلى الوصول إلى ربهم، وأرغبهم في ذلك وأرهبهم مما يبعدهم عنه.
ومع هذا فأنا ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ من ديني، أي: على علم ويقين من غير شك ولا امتراء ولا مرية.
﴿و أَنَا﴾ كذلك ﴿مَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يدعو إلى الله كما أدعو على بصيرة من أمره.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ عما نسب إليه مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في جميع أموري، بل أعبد الله مخلصًا له الدين" (١).
ولا شك أن اقتفاء منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الله مع حصول بصيرة الداعية من أسباب فلاحه ونجاحه في دعوته، وتمكنه من تعليم الناس الخير، ومعرفته بأسباب التأثير في المدعوين، وسيأتي مزيد بيان لذلك (٢).
стр. 48
• الداعية إلى الله تعالى ينال من الأجور بقدر من انتفع بدعوته:
عن أبي هريرة ﵁: قال ﷺ : «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (١).
• أن من أعظم ما يدل على فضل الداعية إلى الله تعالى ما يحصل له من ثناء الله تعالى عليه، ودعاء غيره من المخلوقات له:
فعن أبي أمامة الباهلي ﵁: قال ﷺ : «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (٢).
وصلاة الله: ثناء على عبده في الملأ الأعلى، وصلاة غيره: دعاء واستغفار (٣).
يقول ابن القيم ﵀: "لما كان تعليمه للناس الخير سببًا لنجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم جازاه الله من جنس عمله، بأن جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته وأهل الأرض ما يكون سببًا لنجاته وسعادته وفلاحه، وأيضًا فإن معلم الناس الخير لما كان مظهرًا لدين الرب وأحكامه، ومعرفًا لهم بأسمائه وصفاته، جعل الله من صلاته وصلاة أهل سمواته وأرضه عليه ما يكون تنويهًا به وتشريفًا له، وإظهارًا للثناء عليه بين
стр. 49
أهل السماء والأرض" (١).
• دعا النبي ﷺ لمن يبلغ الناس حديثه بالنضرة والجمال والبهاء، والداعي إلى الله يناله نصيب من ذلك:
عن زيد بن ثابت ﵁: قال ﷺ : «نَضَّرَ اللَّهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» (٢).
قال الخطابي (٣) ﵀ في شرحه للحديث: "قوله: (نضر الله) معناه: الدعاء له بالنضارة، وهي النعمة والبهجة" (٤).
وقال المناوي (٥) ﵀ في شرح الحديث: "ومعناه: ألبسه النضرة وخلوص اللون، يعني: جمّله الله وزيّنه، أو معناه: أوصله الله إلى نضرة الجنة وهي نعيمها، قال تعالى:
стр. 50
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطفِّفين: ٢٤]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] " (١).
• المكانة العالية للعلماء الدعاة؛ لأنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
فعن أبي الدرداء ﵁: قال ﷺ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه للحديث السابق: "العلماء هم ورثة الأنبياء، ورِثوا العلمَ من الأنبياء، وورَّثوا العمل كما يعمل الأنبياء، وورثوا الدعوة إلى الله
стр. 51
- ، وورثوا هداية الخلق ودلالتهم على شريعة الله" (١).
стр. 52
الباب الأول:
أعمال القلوب: مكانتها، تأثرها وأثرها
من خلال نصوص الكتاب والسنة،
وموقف السلف والمخالفين منها، وأسباب صلاحها.
الفصل الأول: أعمال القلوب: مكانتها، تأثرها وأثرها.
الفصل الثاني: أعمال القلوب بين السلف والمخالفين لهم.
الفصل الثالث: أسباب صلاح القلب.
стр. 53
الفصل الأول:
أعمال القلوب: مكانتها، تأثرها وأثرها
المبحث الأول: مكانة أعمال القلوب في الكتاب والسنة.
المبحث الثاني: النصوص من الكتاب والسنة في بيان تأثر عمل القلب بما يعمل صاحبه، وإثبات أثر عمله.
стр. 54
المبحث الأول:
مكانة أعمال القلوب في الكتاب والسنة
المطلب الأول: نصوص القرآن الكريم في بيان مكانة أعمال القلوب:
الفرع الأول: مكانة أعمال القلوب التي يحبها الله.
الفرع الثاني: خطر أعمال القلوب التي يبغضها الله.
المطلب الثاني: نصوص السنة النبوية في بيان مكانة أعمال القلوب.
стр. 55
المبحث الأول:
مكانة أعمال القلوب في الكتاب والسنة
توطئة:
لأعمال القلوب مكانة عظيمة وأهمية عالية، تحدث عنها ابن القيم، فقال ﵀: "فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح … ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان" (١).
وأعمال القلوب هي الأصل، وهي فرض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان، من تركها بالكلية فهو إما كافر أو منافق، وأعمال الجوارح تابعة ومتممة لأعمال القلوب، فلا تتم إلا بها (٢).
وسيتضح من خلال هذا المبحث مكانة أعمال القلوب من خلال اهتمام الكتاب والسنة بها، والتفصيل في ذكر أحوال القلوب (٣).
стр. 56
وإن مما ينبغي التنبيه عليه أن الكثير من هذه الأعمال القلبية التي ستذكر في هذا المبحث سترد -إن شاء الله- في أثناء البحث بشيء من التفصيل.
وإن مما يدل على مكانة أعمال القلوب وأهميتها العظيمة عند الله تعالى إعتناء القرآن الكريم بالحديث عنها في كثير من آياته، وذلك بالثناء على المتصفين بأعمال القلوب التي يحبها الله، وبيان ما رتب على ذلك من جزيل الثواب وعظيم العطايا في الدنيا والآخرة، وفي المقابل جاء التحذير من أعمال القلوب التي لا يحب الله من عبده أن يتصف بها، وذكر ما رتب على ذلك من عقوبات إنذارًا وتحذيرًا، وهذا أوان الشروع في ذلك.
المطلب الأول: نصوص القرآن الكريم في بيان مكانة أعمال القلوب:
الفرع الأول: مكانة أعمال القلوب التي يحبها الله:
مما يدل على مكانة أعمال القلوب التي يحبها الله وأهميتها العظيمة عنده أنه أثنى في كتابه على المؤمنين المتصفين بها، وجعل لهم المنازل العظيمة، وسعادة الدنيا والآخرة، ودونك طرفًا من ذلك:
١ - القلب السليم هو الذي ينفع صاحبَه يوم القيامة، حين لا ينفع مال ولا بنون:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. قال السعدي ﵀: "والقلب السليم معناه: الذي سلم من الشرك والشك ومحبة الشر، والإصرار على البدعة والذنوب، ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين، ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله، وهواه تابعًا لما جاء عن الله" (١).
стр. 57
٢ - ومما يدل على مكانة عمل القلب: أن تعظيم شعائر الله دليل على تقوى القلوب:
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
فتعظيم شعائر الله دليل على تقوى القلوب، وأضاف التقوى في الآية إلى القلب لأن حقيقة التقوى فيه، كما قال ﷺ : «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّات. والمعظم لشعائر الله يبرهن على تقواه وصدق إيمانه (١)، وهذا يدل على أهمية عمل القلوب وأثرها على حياة العبد، فإذا حقق العبد التقوى ظهر عليه تعظيمه لشعائر الله تعالى في سره وجهره.
٣ - ومما يدل كذلك على مكانة عمل القلب وأهميته: أن الإيمان مرتبط به، بل إن عمل القلب هو الأصل:
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه؛ ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب
стр. 58
ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق (١) وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل" (٢).
٤ - ولما كان لعمل القلب عظيم المكانة عند الله جعله على رأس صفات عباده الصالحين في أكثر من موضع في كتابه، ومن ذلك:
أ) قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
فجعل الله على رأس صفات المؤمنين في أول سورة الأنفال وجلَ قلوبهم عند ذكره تعالى.
ووجل القلوب هو خوفها من الله العظيم ؛ لأنها تعرفه حق المعرفة، وتؤمن بجلاله وعظمته، فإذا ذُكِر الله أو ذُكّرت به خافت منه، فأحدث لها ذلك خشية الله والانكفاف عن المعاصي، والمسارعة إلى الطاعات، وهذا من أعظم العلامات الدالة على الإيمان الحق، وخوف العبد من ربه (٣)، وتظهر هذه المقامات العظيمة أهمية عمل القلب، وأثره على إيمان العبد.
стр. 59
ب) قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
فجعل الله على رأس صفات المؤمنين في أول سورة المؤمنون الخشوع في صلاتهم.
نقل الطبري ﵀ عن الحسن (١) في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، قال: "كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح" (٢).
أي: جعلوا أبصارهم في موضع سجودهم، واستحضروا عظمة الوقوف بين يدي الله، فخفضوا الجناح له من هيبته في قلوبهم (٣).
وقال ابن كثير (٤) ﵀:
стр. 60
"والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين (١) " (٢).
٥ - ومما يدل على مكانة عمل القلب: أن الله جعل للمؤمنين جنة معجلة في الدنيا قبل جنة الآخرة، وهي ما يجدونه من طمأنينة القلوب التي هي من آثار ذكر الله وتلاوة كتابه وتدبره والعمل به.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
ومن العلامات الدالة على الإيمان أن القلوب تأنس بذكر الله وتلاوة كتابه، وتسعد وتفرح وتتلذذ بذلك، فيزول عنها قلقها واضطرابها (٣)، ولا يجد ذلك إلا من أقبل على إصلاح قلبه وطهّره من أسباب فساده.
стр. 61
٦ - من آثار صدق الإيمان في القلوب: زيادة الهدى والصبر والثبات:
قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٣، ١٤].
وهذا يدل على أهمية عمل القلب عند الشدائد، فإن الله بفضله ورحمته يزيد العبد -الصادق في إيمانه- هدى، ويربط على قلبه، فيثبته على الحق والصدع به، ولا يجعل قلبه يلتفت إلى زينة الحياة الدنيا وزخرفها، فيثبت على الحق، ويصبر على ما يلقاه في ذات الله.
٧ - بشارة الله للمخبتين (١) بخير الدنيا والآخرة (٢)، والإخبات ذلك العمل القلبي الذي يثمر وجل القلب عند ذكر الله، والصبر، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزق الله:
قال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
стр. 62
وسيأتي مزيد بيان في المبحث الآتي (١).
٨ - لقد نال أهلُ بيعة الرضوان تلك المنزلةَ العظيمة والمكانة العالية عند الله؛ لأنه اطَّلَعَ على قلوبهم، فعلم ما فيها من الصدق والإيمان والوفاء والبذل والتضحية:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
قال ابن كثير الحافظ ﵀: "وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ وهي: الطمأنينة، ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو: ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة" (٢).
٩ - من أعمال القلوب العظيمة: خشية الله تعالى، ومما يدل على أهمية هذا العمل القلبي وروده في القرآن الكريم في مواضع متعددة، منها:
أ) قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. فجعلها الله من أبرز صفات العلماء.
стр. 63
قال ابن كثير ﵀: "أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر" (١).
قال السعدي ﵀: "فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] " (٢).
ب) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]. فأعد الله لمن يخشونه بالغيب -وبالأخص حينما لا يطلع عليهم أحد من الخلق- مغفرة وأجرًا كبيرًا.
قال السعدي ﵀: "أي: في جميع أحوالهم، حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا الله، فلا يقدمون على معاصيه، ولا يقصرون فيما أمر به. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، وإذا غفر الله ذنوبهم وقاهم شرها، ووقاهم عذاب الجحيم، ولهم أجر كبير وهو ما أعده لهم في الجنة من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات المتواصلات، والمشتهيات، والقصور والمنازل العاليات، والحور الحسان، والخدم والولدان، وأعظم من ذلك وأكبر رضا الرحمن الذي يحله الله على أهل الجنان" (٣).
стр. 64
ج) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]. فمن صفات من يخشون الله بالغيب إشفاقهم من الساعة، وذلك بخوف قلوبهم ووجلها.
قال السعدي ﵀: "فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخشونه في حال غيبتهم، وعدم مشاهدة الناس لهم، فمع المشاهدة أولى، فيتورعون عما حرم، ويقومون بما ألزم، ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون وجلون؛ لكمال معرفتهم بربهم، فجمعوا بين الإحسان والخوف" (١).
ولهذا كانت العقوبة عظيمة تنخلع منها القلوب لمن ضعف في قلبه خشية الله بالغيب، فقال ﷺ : «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (٢).
وإن مما يجعل القلب يخشى الله بالغيب: استحضار مراقبة الله له، واطلاعه عليه، وأن الله يسمعه ويراه، عليم بسره ونجواه، يقول تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، وقال : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
стр. 65
سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].
د) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
فيتأثر من يخشون الله عند تلاوة القرآن الكريم أو سماعه، بقشعريرة الجلود، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
وهذه صفة أصحاب القلوب التي تخشى الله، فإذا تلوا كتاب الله أو سمعوا آياته أصابهم من خشيتهم لله ما تقشعر منه الجلود وتضطرب من الخوف من الله عند آيات الوعيد والتذكير بعظمة الله، فيخشع القلب وتدمع العين، ثم تلين وتسكن وترق عند آيات الرحمة، وكما قال تعالى عنهم عند سماع آيات القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] (١).
وعن قتادة ﵀ عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: "هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان (٢) " (٣).
стр. 66
١٠ - ويدل على أهمية عمل القلب وعظيم مكانته عند الله: أنه ذكر في اثنتي عشرةَ آية أنه عليم بذات الصدور وهي القلوب (١)، وهذا يجعل المؤمن على خوف وحذر من أعمال القلوب التي لا يحبها الله؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء منها، وقد أحاط بها علمًا.
ودونَك بعض هذه الآيات التي تبين هذه الحقيقة العظيمة، التي متى ما رسخت في القلب أثمرت الخوف من الله، وخشيته في السر والعلن:
قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩].
وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦].
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].
стр. 67
قال الطبري ﵀: "والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر وإيمان وكفر، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها وعلانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم" (١).
١١ - طهارة القلب وصلاحه من أسباب النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة:
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].
ومما يدل على أهمية عمل القلب ما يستنبط من الآية الكريمة أن طهارة القلوب سبب للسلامة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة (٢)، قال السعدي ﵀: "ودل على أن طهارة القلب سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد" (٣).
١٢ - ولمكانة خشوع القلب لذكر الله تعالى وما نزل من الحق، فقد عاتب المؤمنين على عدم ذلك، وحذرهم من قسوة القلب:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
стр. 68
قال ابن مسعود ﵁: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلا أربع سنين" (١).
وقال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "أي: ألم يجئ الوقت الذي تلين به قلوبهم وتخشع لذكر الله الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق الذي جاء به محمد ﷺ ؟! وهذا فيه الحث على الاجتهاد على خشوع القلب لله تعالى، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ الإلهية والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك، ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ أي: ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب الموجب لخشوع القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولا ثبتوا، بل طال عليهم الزمان واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، فالقلوب تحتاج في كل وقت إلى أن تذكر بما أنزله الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي الغفلة عن ذلك؛ فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين" (٢).
الفرع الثاني: خطر أعمال القلوب التي يبغضها الله:
يدل على خطورة أعمال القلوب الفاسدة ما يترتب على آثارها من العقوبات الربانية، فقد جعل ما يحصل في القلوب من فساد وآفات وخلل سببًا لتلك العقوبات الربانية، وفي ذلك تحذير لأهل الإيمان؛ لأجل أن يتفقدوا قلوبهم، ويحرصوا على سلامتها من هذه الآفات، ودونك شيئًا من ذلك:
١ - ختم الله على قلوب الكافرين وطبع عليها بسبب كفرهم؛ عقوبةً لهم:
стр. 69
قال تعالى عن الكافرين: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
وذكر الله في أكثر من آية أنه طبع على القلوب بسبب الذنوب عقوبةً لأصحابها، ومن ذلك:
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
وفي هذه الآيات ذكر الله أنه طبع على القلوب بسبب نقض الميثاق مع الله، والكفر، وقتل الأنبياء، والكبر والتجبر، وما ذلك إلا عقوبة لهم على ذنوبهم، وهذا يدل على خطورة هذه الأمراض والآفات على القلوب.
٢ - ومما يدل على خطورة أمراض القلوب: أن الله جعلها عقوبات لمن أعرض عنه، وتنكب طريق الحق، وهذه أمثلة على ذلك:
• فقد عاقب الله المنافقين على مرض قلوبهم أن زادهم الله مرضًا، فاستولى مرض النفاق على قلوبهم، فقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
• وعاقب الله الذين ينقضون الميثاق بعدة عقوبات، ومن ضمنها جَعَلَ قلوبهم قاسية، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣].
стр. 70
قال السعدي ﵀: " ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر، فلا يرغبهم تشويق، ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد، أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى، والخير إلا شرًّا" (١).
• وعاقب الله من أعرض عن القرآن بأن لا يفهمه، ولا يصل إلى قلبه، ولا ينتفع بهداه:
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٥، ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧].
• وعاقب الله الكافرين بسبب زيغهم أن أزاغ قلوبهم:
стр. 71
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
• وعاقب الله من أخلف وعده معه وكذب بمرض النفاق في قلبه:
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
• وعاقب الله من أراد الدنيا بعمله الصالح أن يحبط عمله، ويرده عليه، ولا يقبله في الآخرة، وجعل له النار.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
٣ - ومما يدل على عظم خطورة الانحراف في عمل القلب على الأمة ما حدث ويحدث من فتن عظيمة بسبب زيغ القلوب التي تتَّبع المتشابه وتترك المحكم، فقال تعالى عنهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 72
وقد حذَّر ﷺ منهم أمته، فعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (١).
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: "ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم" (٢).
وقال السعدي ﵀ في تفسيره لآية آل عمران: "وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين، الذي لا يشتبه بغيره، ومنه آيات متشابهات، تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها، حتى تضم إلى المحكم، فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف -لسوء قصدهم- يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة وآرائهم الزائفة، طلبًا للفتنة، وتحريفًا لكتابه، وتأويلًا له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضِلوا ويُضِلوا.
стр. 73
وأما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأن كله حق، محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف.
فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابه إلى المحكم، فيعود كله محكمًا، ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ للأمور النافعة والعلوم الصائبة، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أهل العقول الرزينة. ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة والعقول الواهية والقصود السيئة" (١).
٤ - ومما يدل على خطر آفات القلوب أن مما صد القوم عن التوحيد وجعل قلوبهم تستنكره عدم إيمانهم بالآخرة، ووجود آفة الكبر في قلوبهم:
قال تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢].
قال ابن جرير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ذكره: معبودكم الذي يستحق عليكم العبادة وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء معبود واحد؛ لأنه لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا معه شريكًا سواه، ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]، يقول تعالى ذكره: فالذين لا يصدقون بوعد الله ووعيده ولا يقرون بالمعاد إليه بعد الممات ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]، يقول تعالى ذكره: مستنكرة لما نقص عليهم من
стр. 74
قدرة الله وعظمته وجميل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلا له، والألوهة ليست لشيء غيره، يقول: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن إفراد الله بالألوهة، والإقرار له بالوحدانية، اتباعًا منهم لما مضى عليه من الشرك بالله أسلافهم" (١).
٥ - ومن خطر أمراض القلوب: أن الشيطان يتسلط بالفتنة على أصحابها، قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣].
المطلب الثاني: نصوص السنة النبوية في بيان مكانة أعمال القلوب:
إن مما يدل على المكانة العظيمة لأعمال القلوب كثرة ورودها في السنة بالحديث عن القلب وما يتعلق به من أعمال قلبية يحبها الله أو يبغضها، ونظرًا لكثرة الأحاديث في ذلك فإني أكتفي بذكر طرف منها، مع الإشارة إلى بيان الأهمية، والله الموفق والمعين: …
١ - إن من الدلائل العظيمة على مكانة عمل القلب أن صلاح الجوارح أو فسادها مرتبطٌ بصلاح القلب أو فساده:
يقول ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
٢ - ويكفي في الدلالة على أهمية عمل القلوب أنها موطن نظر الرب :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (٢).
٣ - إكثار النبي ﷺ من الدعاء بتثبيت القلوب على الدين يدل على كثرة
стр. 75
تقلبها بسبب كثرة أمراضها، وهذا يجعل المؤمن مهتمًّا بالإكثار من هذا الدعاء؛ لخوفه على قلبه من التقلب، فعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١).
٤ - ومما يدل على أهمية عمل القلب أن أحد شرطي (٢) قبول العمل إخلاص العبد لله رب العالمين: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (٣).