إهداء
إلى العظيم .. الكريم .. إلى الحبيب الأعظم
إلى خالقي ومنعمي .. إليك ربي ..
إلى صاحب الفضل .. إلى فارس البشرية .. إلى معلّم الحب الأصيل ..
إليك سيدي رسول الله عبقاً من أنوارك وعبيراً من أزهارك.
إلى الجيل الواعد ... جيل المستقبل ..
إليكم أهدي باقات من عطر الماضي المجيد والحاضر المشرق علّها تعيد للقلب نبضه، وللحياة معناها، وللأمل أفقاً جديداً في روضة الحبيب المصطفى ﷺ ، وللأرض المجدبة إحياءً وبعثاً ..
стр. 5
المقدمة
قصرٌ عظيم .. مهيب الجانب .. ممتد الأطراف .. شامخ الطول .. إن دخلته أمنت نفسك .. وإن أوغلت فيه تسللت الطمأنينة والسكينة في أعماقك .. وإن أمعنت فيه دَاخَل الحب والسعادة قلبك وروحك. فإذا نسجت من طعامه خلايا فكرك وروحك سلم قلبك من كل سوء، وحافظت على سلامته فكنت ممن فازوا بالقلب السليم الذي هو شرط الفوز بالحياة الآخرة.
ذاك القصر ليس محجوباً عن أحد .. فالدعوة عامة .. من غير قيد أو شرط إلا أن تكون مسلماً. ولك أن تمكث فيه ماشئت فالإقامة فيه بالمجان، بل ويكافئك كلما أحببته وأقمت فيه.
طبعاً قصرٌ بهذه المواصفات ضربٌ من الخيال في هذه الحياة الدنيا .. لكنه ليس كذلك، إنه واقع حقيقي.
إنه قصر رسول الله ﷺ من أحاديث وأذكار .. كلما أمعنت نظرك، وفتحت قلبك وعقلك تفكّراً أخذ بشغاف قلبك ولبّك من شدة عظمته وكثرة نفعه.
стр. 6
وإني أتقدّم بتواضع وخجل وحياء شديدين أن تخط يدي خطرات، وتسطر تجربة ضئيلة مع أذكار رسول الله ﷺ في المواقف الحياتية. إنما دفعني لذلك روعة ما رأيت، وجمال وبهاء هذه الكنوز وارتباطها بحال قلب المسلم الصحيح في كل موقف.
وإن تتبع هذا الرابط بين كلمات الذكر ومناسبتها للحال القلبي السليم الذي ينبغي للمسلم أن يكون عليه في الموقف، هو الذي شجعني لتسطير هذه الإضاءات.
وكأنه ﷺ يأخذ بيدك في كل موقف حياتي ليدلّك على الحال الذي يجب أن يكون عليه قلبك كي تكون ممن (إلا من أتى الله بقلب سليم) (١)، ولكي تكون في حرز وأمن وأمان من الشيطان ومن أهواء النفس اللذين يأخذاك بعيداً عن هدفك.
إنّ هذه الأذكار لتبرمج المسلم وهو يرددها وتغيّر من حاله وترتقي به، شرط أن يحافظ على تردادها ويتفكّر في معانيها ويحاول التمثّل بها.
стр. 7
إنها حصنٌ للمسلم وأمان له في هذه الدنيا التي كثرت ملهياتها ومغرياتها حتى غدت الغفلة مرض هذا العصر المزمن.
كما أنها ترفع الإنسان من الجو الأرضي لتحلّق به في أجواء السماء الرحماني، وتلحقه في مصاف الذاكرين وتبعده عن وهدة الغافلين.
يقول الله تعالى: (واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون). (١)
ويقول تعالى (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً). (٢)
هذا الرابط المتين بين معاني الأذكار وتوافقها مع الحال السليم لقلب صاحبها، يمثل الجواب الكافي والبلسم الشافي إن سأل سائل نفسه تُرى ماذا علي أن أتصرف في هذا الموقف دون أن أتعرض لسخط الله؟ وما هو الحال الذي ينبغي لقلبي أن يكون عليه حتى يسلك السلوك الصحيح والرد السليم فأنجح في هذا الامتحان عند رب السماء؟
стр. 8
فتأتي الرحمة المحمدية والرعاية الربانية في تسريب الجواب ضمن معاني الذكر الذي علمنا إياه حبيب الرحمن، ومعلم الناس الخير، وهادي البشرية للصراط المستقيم.
إلا أن كل هذه النفحات والفيوضات الربانية والآثار الإيجابية للأذكار لا يمكن أن يبلغها المرء إلا بتحقق شرطين: الأول التعمق في معنى الأذكار وإحياء هذه المعاني في القلب عندما يرددها اللسان والثاني المواظبة عليها وتكرارها عند حدوث الموقف.
عندئذٍ فقط يحصل المراد من هدف هذه الأذكار التي طالبنا بها الحبيب ﷺ أن نرددها. فيظل القلب سليماً والسلوك منضبطاً وفق الصراط المستقيم، فيصبح الإنسان أهلاً يوم القيامة أن يكون من الفائزين، والذين هم فقط أصحاب القلوب السليمة كما قال الحق ﷻ في كتابه العزيز (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله يقلب سليم) (١).
стр. 9
وإني أرجو من الله أن يتقبّل هذا العمل المتواضع بخير ... ما تقبّل به عمل عبد من عباده الصالحين، ويجعل فيه إحياءً لأذكار رسول الله ﷺ وتجديداً لعبق الحب الأصيل للحبيب الحقيقي الذي لا يموت ولا يفنى.
وأتوجه إلى الحبيب المصطفى ﷺ بخجلٍ وحياء، علّه يكون عربون حب، ويد ولاء تمس يده الشريفة مبايعة محبة، عليّ أجد دفأها عند أول لقاء معه ﷺ في الدار الآخرة.
وصلى الله على سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم ومن تابعه إلى يوم الدين.
المؤلفة
١٥/ ٦ / ٢٠١٢
٢٥/ رجب/١٤٣٣
стр. 10
الأذكار الشريفة بين القديم والحديث
(برمجة العقل وتعديل السلوك)
كثر في هذا الزمان أهمية علم النفس، وذاع صيت البرمجة العصبية التي تناولت مواضيع النفس وتعديل سلوكها من خلال تعديل القناعات الشخصية.
ولعل مثل هذه الأبحاث ليست جديدة في علم النفس وتعديل السلوك، إلا أن طرحها لغير المختصين وبطريقة مبسطة وضمن خطوات وإطارات جديدة هو الذي جعل منها حديث الألسن.
ويقصد بمفهوم تعديل السلوك في علم النفس: تغيير السلوك من خلال تغيير ظروف البيئة المحيطة.
واختلفت نظريات تعديل السلوك وفق اتجاه المدارس في علم النفس. فالمدرسة السلوكية تركّز على الجانب الذي تستحق من أجله إجراء التغيير، وهي البيئة بمثيراتها المختلفة مثل التعزيز الإيجابي .. أما أصحاب النظرية المعرفية فمركز اهتمامهم الرئيسي هو تغيير إدراك
стр. 11
الفرد للمواقف التي يسلك فيها سلوكاً ما، والاهتمام هنا منصب على تعديل قناعات الفرد وافتراضاته التي قد تكون غير صحيحة نحو الأشياء أو الآخرين أو الحياة. أما أصحاب النظريات الإنسانية فيركّزون على تغيير إدراك الفرد لذاته، فهي تفترض أن مفهوم الفرد لذاته هو العامل الرئيسي وراء أنماط سلوكه المختلفة.
وهذه النظريات تستخدم أساليب كثيرة في تعديل السلوك من تعزيز وعقاب، أو أسلوب الإطفاء (الإمحاء) وهو الذي يستند إلى أن السلوك الذي يعزّز يقوى ويستمر، والذي لا يُعزّز يضعف وقد يتوقف نهائياً.
وإن المتصفح لهذه العلوم ليجد جلّ تركيزها يتجه نحو توجيه الفرد نحو قناعات وتكرارها حتى تصبح جزءاً من بنائه المعرفي وطريقة تفكيره.
ولعل ما دعاني أن أتحدث عن هذا الموضوع هو تشابه عمل الأذكار اليومية في حياتنا لكثرة تكرارها، وعمق معانيها، وطريقة معالجتها الصحيحة للقناعات ووجهة التفكير في كل ظرف وفق الحاجة، مع نظريات تعديل السلوك الحديثة، مما يجعلها أول من استخدم طريقة
стр. 12
البرمجة وعلم النفس الحديث من أجل بناء التفكير السليم وتعزيز السلوك الصحيح في الفرد.
هذا هو الجانب المعرفي الحديث للأذكار، أما الجانب الروحي فقد عرفه الأولون وتمسكوا به ففازوا ونجوا من الأمراض النفسية التي يعاني منها الكثيرون في عصر باتت فيه العيادات النفسية كثيرة وأساسية في حياة الناس سيما في الغرب .. ولم يضر الأولين عدم معرفتهم بأصول هذا العلم، إذ عملوا به فأخذوا الوقاية قبل العلاج، فعاشوا سعداء وبنوا حضارة ما عرف التاريخ أزهى وأبهى منها.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه (الوابل الصيب من الكلم الطيب) تسعاً وسبعين فائدة لذكر الله. وقد روي عن النبي ﷺ أن معاذاً سأل النبي ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلى اللهِ ؟ قال: " أَنْ تَمُوْتَ وَلِسَانَكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ " (١). وعنه أيضاً ﵁ مرفوعاً للنبي ﷺ " لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الجَْنَّةِ إِلا عَلَىْ سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوْا اللهَ فِيْهَا" (٢).
стр. 13
وعن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول:
" لِكُلِّ شَيْءٍ صِقَالَةً، وإِنَّ صِقَالَةَ الْقُلُوْبِ ذِكْرُ اللهِ . وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَىْ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ " قالوا: وَلا الْجِهَادَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ؟ قال:" وَلا الْجِهَادَ إِلا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّىْ يَنْقَطِعَ" (١). ويذكر ابن القيم أن في القلب قسوة لايذيبها إلا ذكر الله تعالى، فقد ذكر حماد بن زيد عن المعلى بن زياد أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي. قال: أذبه بالذكر.
والذكر أصل موالاة الله ورأسها، والغفلة أصل معاداته ورأسها، فإن العبد لايزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه. (٢)
فكأن العلم الشرعي قديماً كان يركّز على تقديم العمل عن التفكّر في فوائده وآثاره، وذلك لكثرة التصاقهم بالحبيب المصطفى ﷺ وحبهم الشديد للاقتداء به، أما في عصرنا الحديث فقد قست القلوب وشردت عن الحبيب الحقيقي، وثقلت بالارتباط الأرضي المادي عن السباحة في الملكوت العلوي والاتصال بالمصدر الأصيل للسعادة
стр. 14
والحبور. فما وجدنا الصحابة يعدّدون فوائد العبادة والأذكار، فهو شيء بديهي لأن الآمر هو الله الخالق العليم الحكيم، كان جل اهتمامهم أن تقع قدمهم فوق قدم الحبيب المصطفى ﷺ ، وتلامس أرواحهم ملكوت السموات والأرض وتلتقي هناك مع المصطفى ﷺ ، فحصدوا الثمار الطيبة من غير عنت. أما نحن فقد ألهتنا الجواذب الأرضية فانشغلنا في النظر بالشكل والهيئة عن الجوهر والمضمون، وبالعلم العقلي عن تذوق هذا العلم والعمل به، فجاء علمنا ناقصاً لا فائدة منه سوى تسطير السطور وقراءة الحروف من غير طعم أو رائحة، إلا من رحم ربي. والبون شاسع بين الأولين والآخرين! إلا أن نعود إلى تذوقه كما ذاقه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وننهل من نفس النبع قبل أن يصيبه الكدر وتشوبه المشارب الأخرى.
стр. 15
ما يقول إذا أوى إلى فراشه وإذا استيقظ من نومه
عن حذيفة بن اليمان كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال:
((باسمك اللهم أحيا وأموت))
وإذا استيقظ قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)) (١)
(باسمك اللهم) منتهى الخضوع والاستسلام والبرء من حول الإنسان وقوته .. إنها ردّ النّعم إلى المنعم ... ورؤية الحق عن رؤية النفس.
(أحيا وأموت) تمثل تذكّر الآخرة وقصر الحياة الدنيا وقرب الأجل.
صور عديدة تجول في النفس, لو تفكر الإنسان عندما يذكر دعاء النبي ﷺ وهو يضع رأسه على وسادته كل يوم لغيّر كثيراً من سلوكه وربما اتخذ قرارات مغايرة لليوم الثاني.
стр. 16
صور تقفز إلى المخيلة .... الحساب قريب والأجل يدنو ولا يملك الإنسان حياته أو مماته.
إذن ما فائدة المشاحنة مع فلان اليوم؟ وما ضرورة قطع الصلة بآخر؟ ولماذا أقترف ذنباً إذا كنت لا أعلم أسيشرق فجر جديد علي أم لا؟
بهذا الحال يستحيل على أي إنسان بعد ذلك أن يفكر بخاطر سوء أو يبات على غير طاعة .... لابد أن لسانه سيلهج ببعض السور والمعوذات، وستجول بقلبه أفكار رحمانية تسأل الله الغفران والقبول.
بهذا الدعاء الذي لا يجاوز الأربع كلمات يرشدنا الرسول ﷺ إلى الحال الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في هذا الوقت .. عندما يستعد للنوم.
دعاء صغير لكنه يحمل معانيَ جليلة وتطالب المسلم بأحوال معينة .... كل يوم .... الدعاء نفسه .... وكأنه نوع من البرمجة للنفس الإنسانية حتى يصبح تذكّر الموت وقصر الأجل حالاً حاضراً، فيكون المسلم قد بلغ ((عرفت فالزم)). ألم يصل سيدنا معاذ إلى هذه الحالة عندما سأله الرسول الكريم ﷺ كيف أصبحت يامعاذ؟ فكان جواب سيدنا معاذ: مؤمناً حقاً، فكان الدليل على صدق المقام الذي وصل
стр. 17
إليه أحوال الإحساس بالآخرة وقرب الأجل (ما أصبحت إلا ظننت أني لا أمسي وما أمسيت إلا ظننت أني لا أصبح) فما كان جواب رسول الله ﷺ إلا أن صدّق قوله وحاله، وأنهما مؤشران صادقان أنه مؤمن. (عرفت فالزم) فالزم أي هكذا ليكن ديدنك ... استمر على هذا الحال.
عن أنس بن مالك، أن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه دخل على رسول الله ﷺ فقال:"كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا مُعَاذُ؟ "قال: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنَاً بِاللهِ تَعَالَىْ، قال:"إِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ مِصْدَاقَاً، وَلِكُلِّ حَقٍّ حَقِيْقَةً، فَمَا مِصْدَاقُ مَا تَقُوْلُ؟ " قال: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا أَصْبَحْتُ صَبَاحَاً قَطُّ إِلا ظَنَنْتُ أَنِّيْ لا أُمْسِيْ، وَمَا أَمْسَيْتُ مَسَاءً قَطُّ إِلا ظَنَنْتُ أَنِّيْ لا أُصْبِحُ، وَلا خَطَوْتُ خُطْوَةً إِلا ظَنَنْتُ أَنِّيْ لا أُتْبِعُهَا أُخْرَىْ، وَكَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَىْ كَلِّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٍ تُدْعَىْ إِلَىْ كِتَابِهَا مَعَهَا نَبِيُّهَا وَأَوْثَانُهَا الَّتِيْ كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ، وَكَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَىْ عُقُوْبَةِ أَهْلِ النَّارِ وَثَوَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قال: " عَرَفْتَ فَالْزَمْ". (١)
стр. 18
إنّ الرسول العظيم والمربي الكبير يعلمنا ويأخذ بأيدينا ففي كل أمر نقوم به يعلّمنا ذكراً أو دعاءً، هذا الدعاء هو صمام أمان لنا إن قمنا بذكره منفعلين به متذكرين لمعانيه، وإن استمرار هذا التفكّر والتذكر لا بد أنه سيؤثر يوماً ما حتى يصبح هذا الدعاء حالاً، واستمرار هذا الحال سيورثنا مقاماً ... مقام المؤمن، وإن استمرار ذلك المقام سينقلنا إلى مقام الإحسان، فمن غدا عنده ذكر الله في كل لحظة حالاً دائماً لابد وأن يلحظ المنعم في كل لمحة محيطاً به، ناظراً إليه.
(وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير) (١)
فيستحق بذلك مرتبة الإحسان (أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (٢).
كلمات أربع سحرية ... السر فيها تذوق عباراتها ... ثم الاستمرار عليها كل يوم، هذه الكلمات الأربع ستحلّق بك في عالم الروح بعيداً عن ثقل الجسد، إنها منافذ السماء للأرض ومدارج الروح لبارئها لو تمسك بها المسلم لتغيّر وجه الأرض.
стр. 19
وصدق رسول الله ﷺ : " مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِيْ عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِيْ فَلَهُ أَجْرُ مَائةِ شَهِيْدٍ " (١).
ولأجل ذلك كان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما النهجين اللذين يجب على المسلم عدم الحياد عنهما وإن تمسك بهما أفلح وإن تركهما تنكب عن الطريق.
أما دعاء الاستيقاظ (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور).
فالابتداء بالحمد ... ما السبب؟
إن تكرار عملية النوم والاستيقاظ تجعلنا معتادين عليهما، وهذا ينسينا الحقيقة التي لا نشعر بها رغم صحتها، هذه الحقيقة أن الروح ترتفع وتقبض عند النوم وعندما نستيقظ تكون قد عادت إلينا.
إن تذكّر هذه الحقيقة صباح كل يوم جديد تبعث في النفس إحساساً له صلة بدعاء النوم ... له علاقة (ما أمسيت إلا ظننت أني لا أصبح) إنه الحال نفسه الذي على المسلم أن يستشعره كل يوم ويتذكره كل
стр. 20
مساء، وهو يبعث في النفس القوة والشعور بالأمان لأن الذي يحيي ويميت هو الله فليس بمقدور أحد أن يُنهي حياة أحد إلا إذا كتب الله وشاءت قدرته العلية ذلك.
هذه القوة قد يحتاجها المسلم عندما يبدأ صباحه بغيب لا يعلمه، إنه يحتاج ذلك الشعور ليبدأ يومه الجديد مستظلاً برب السموات والأرض ومستمداً منه قوته.
(وإليه النشور) ... يوم الحساب ... وما أشد حاجة المسلم وهو يمارس حياته اليومية ويلاقي أذى من هذا أو كذباً من ذاك أن يتذكر أن العودة إلى الله .. والمآل إليه ... وأن اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل، فتتهذب أخلاقه ويلتزم الصدق والوفاء بالوعد لأن الحساب قريب والديّان لا يموت، حتى إذا ضعفت نفسه أحياناً وعاد إلى بيته وأرسل رأسه نحو فراشه، وأخذ يتلو دعاء النوم تذكّر الحساب والآخرة، فمرّ شريط حياته اليومي، فتذكّر ذنبه، فاستغفر وعزم على إصلاحه في اليوم الثاني.
إن من كان هذا حاله فلا بد أنه يوماً بعد يوم سيتخلص من عيوب كثيرة وستزدان شخصيته بأخلاق رفيعة وستسمو روحه إلى المستوى
стр. 21
الذي أراده رسول الله ﷺ على من بدأ بالحمد وتذكّر البعث وأتم يومه بذكر الموت والحياة وذكر المنعم الخالق.
إنه حال الخوف من يوم الحساب, يتقلّب فيه العبد في أول يومه وآخره حتى يكون حال الخوف محرّضاً للأعمال الصالحة، حاجزاً عن الخواطر الشيطانية, ومسرّعاً لخطوات السير إلى الله.
وصدق الله العظيم (كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) (١).
جوامع الكلم هي فعلاً أحاديث رسول الله ﷺ معانٍ كثيرة وأحوال رفيعة في كلمات معدودات، لو أبصرها العاقل لسعد ولو استمر عليها لملك الدنيا والآخرة.
стр. 22
ما يقول إذا لبس ثوباً
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا لبس ثوباً أو قميصاً أو رداءً أو عمامة يقول:
((اللهم إني أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما هو له)).
وروى معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ قال: من لبس ثوباً جديداً فقال:
((الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)).
حالان ومعنيان مختلفان في هذين الدعاءين. وصورتان متناقضتان يمكن أن تمرا في الخيال .. الصورة الأولى صورة فتاة بثوب جميل فتّان تسير بزهو وافتخار، والصورة الثانية لفتاة ترتدي من اللباس الجميل تعلوها السكينة والوقار.
стр. 23
هاتان الصورتان شديدتا الصلة بالدعاء الأول فهو تذكير بغاية اللباس للإنسان, فهو كساء لستر العورة هو (لباس التقوى) هذا هدفه.
لذا فهو يسأل الله الخير من هذا اللباس، لا لأجل عرض الأزياء ولا لكسب مزيد من الإعجاب وجمع ألسنة الثناء على هيئته ولونه و (موديله) .... إنه تذكير بالهدف الأساسي من اللباس.
(يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) (١).
أما التعوّذ من شره فهو يذكّر المسلم أن اللباس قد يكون شراً للإنسان .... كيف ذلك؟
عندما يتجاوز هدفه الخيّر في الستر إلى التأنق والتفاخر بين الناس ... يقول ﷺ :" مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
وقد يتعدى الشر إلى لبس لباس غير محتشم وإثارة الفتنة بين الناس فيكون سبباً في تحريض الغرائز وبداية للرذائل والعياذ بالله ...
стр. 24
تخيل فتاة تدخل محل ألبسة تجول بين بضائعه المتنوعة من ألبسة الكاسيات العاريات إلى ألبسة محتشمة، أيهما تختار؟ وهي في حيرتها هذه همست إحدى صديقاتها .. البسي على الموضة، انظري ما أجمل هذا الثوب جربيه سيكون جميلاً عليك ... وبين تردد النفس ووسوسة شياطين الإنس اندفعت تلك الفتاة إلى غرفة القياس لتجربه .. وعندما لبسته تذكرت دعاء النبي ﷺ ، كيف سيكون قرارها إن ذاقت معاني هذا الدعاء؟
إن دعاء النبي ﷺ صمام أمان للمسلم الحريص على دينه المتبع لهديه، فهو يعصمه من الزلل قبل أن يقع فيه، لذا زوّده بهذه الكنوز .... في كل موقف دعاء يمثل الحالة الإيمانية التي يجب أن يكون عليها ليكون ممن (أتى الله بلقب سليم) (١).
إن من يعيش مع أدعية رسول الله ﷺ تكون له بوصلة لما يجب أن يكون حاله مع الله في حياته ولو في أصغر تفاصيلها، وكل ذلك حتى لا يشذ عن الطريق قيد أنملة ولا تكون الدنيا بملهياتها حاجباً عن الله.
стр. 25
تُرى ما هي الصورة التالية التي ستتخيلون بها الفتاة لو تذكرت هذه المعاني؟
صورة شراء هذا اللباس أم البحث عن آخر يحقق شرط الدعاء؟
ثم لننتقل إلى صورة أخرى وموقف آخر .. صورة فتاة تلبس لباساً يحقق الشرط وجميل ... فتلبسه معجبة به تتبختر كالعروس ثم تتذكر الدعاء فيلفظه لسانها فإذا بلون وجهها يشحب وببسمتها تتلاشى .. ماذا حصل؟ لقد خشيت من (من شره). أليس الله يقول بكتابه العزيز أن أغلب وسائل الغفلة عن الله هما حب التكاثر والتفاخر؟ تكاثر في الأموال والأولاد، وكل هذا وذاك يعني الانشغال بالنعمة في الحياة الدنيا ونسيان المنعم. وماذا يعني هذا؟ إنه يعني البعد عن الله والانقياد وراء الشهوات والغفلة عن حقيقة الدنيا على الوصول إلى المقابر دون زاد.
(ألهاكم التكاثر (١) حتى زرتم المقابر) (١).
(اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم
стр. 26
يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (١).
صحيح أن الدعاء قد غيّر من تعابير وجه تلك الفتاة، لكن هذا الحزن الذي دام للحظات قد حجبها عن الحزن يوم القيامة، عندما لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إذ إنه قد أعانها ومنعها من التردي في مهالك (ألهاكم التكاثر).
إنّ هذه الصمامات معينة للإنسان المسلم على هذه الحياة وملهياتها فهي تحجزه عن الغلو والذنوب والتنكّب عن الطريق وتحذّره قبل الوقوع ... إنها رحمة نبوية وهدي شريف كريم ... رحيم بالمسلم.
هذا سر أن لكل عمل نقوم به دعاء شريف، إنه مفتاح الخير للمسلم ومغلق الشر قبل أن يقع, شرط أن تتبع سنة النبي ﷺ وتفتح عقلك وقلبك عندما يلهج لسانك بذكر دعاء النبي ﷺ . أما الدعاء الثاني فإن ثوابه وأجره غفران من الله لذنبه .... إنه ثواب عظيم. لماذا يستحقه المسلم يا ترى إن ألزم لسانه بقوله؟
(الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة)
стр. 27
إنه الحمد .. على ماذا؟ على الكساء من غير كسب مني ..... لكن الإنسان هو الذي كدّ وتعب حتى جمع المال الذي اشترى به هذا الثوب فكيف يقول (من غير حول مني ولا قوة).
ولماذا عليه أن يردد ذلك عند لباسه؟
من الذي أعطانا القوة حتى عملنا بعمل كسبنا منه المال والثروة؟ أليس الله؟ ومن الذي أعطانا العقل لنتعلّم العلم الذي عملنا به فأخذنا الدنانير والدراهم؟ أليس الرزاق؟!
(إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (١).
إنه ردّ النعمة للمنعم الحقيقي وللرزاق الأصيل.
وماذا يحصل للمسلم إن تذكّر أن المنعم الحقيقي هو الله؟ إن من يتذكر أن صاحب النعمة الحقيقي هو الله هل يغتر بهذا المال؟ هل يلهيه كسب المال وتكاثره عن الآخرة والعمل لها؟
هل تفتنه الدنيا والمال وتجعله يلهث طوال حياته وراءها متناسياً حقوق الله وحقيقة الحياة الدنيا بفنائها وحقيقة دار الخلود؟ هل يقع في (ألهاكم التكاثر (١) حتى زرتم المقابر) (٢)
стр. 28
ألم يقل الرسول الكريم ﷺ أنه لا يخشى على أمته أن تعود إلى الكفر بل يخشى عليها فتنة الدنيا أو الدنيا أن تنافسوها؟
فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ:" صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ, ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ:" إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ, وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ, وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا, وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا". (١)
ألم يقل الله (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنةٌ وأن الله عنده أجرٌ عظيمٌ) (٢).
ما صمام الأمان من هذه الفتنة؟ وهذا الشر؟
(يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) (٣).
تذكّر المنعم، وتذكّر أنها نعمة من الله ... وسيلة وليست غاية.
فمن تذكّر بداية يومه يوم الحشر ثم تذكّر المنعم وفضله، هل يلبس
стр. 29
لباساً يعصيه فيه أم لباس التقوى؟ وهل يختار من الثياب أحشمه وأقربه رضى لله أم أقربه رضى للناس؟ ولو لليلة واحدة ليلة العرس .. أو حفلة عرس. هل يطيق أن يسخط الله عليه ويُعرِض عنه هذه الليلة؟
ما أرحمك يا الله وما أرأفك يا رسول الله بالمسلم أعطيته صمامات أمان ليواجه الدنيا دون أن يخشى أن تهلكه .. إذا اعتصم بالسنة. وروي عن النبي ﷺ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيْبُهُ) (١)
لذا فقد أعطانا مفاتيح الخير ومغاليق الشر لئلا نصيب الذنب فيضيّق علينا الرزق.
وبعد هذه المعاني كلها والأحوال التي سيمر بها المسلم إن تلّفظ دعاء النبي ﷺ بلسانه وانشغل بها قلبه وانفعلت الجوارح وفقها ... أليس يستحق (غفر الله ذنبه)! إنه عطاء فوق عطاء مع أن المعطي الحقيقي هو من أعطاه مفتاح الخير الذي يحجبه عن الخطأ والنسيان والغفلة فهو عطاء من الله ورسوله لا نستحقه وثواب على عطاء الخالق المنعم الرزاق. سبحانه هو المتفضل فوق فضله والمنعم الذي يجب ألا يغفل عنه كل ذي لبّ.
стр. 30
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سترُ ما بين أعين الجن وعورات بني آدم أن يقول الرجل المسلم إذا أراد أن يطرح ثيابه: بسم الله الذي لا إله إلا هو).
ما يقول إذا خلع ثوبه
إننا مع شعاع نور جديد من الأنوار المحمدية.
إنه أدب رفيع فهو يطلب منا أن نتأدب مع عالم لا نشاهده، إنه عالم الجن فكيف بعالم البشر! فإذاً من البداهة ألا نخلع أمام أحد من البشر، أما عالم الجن فعلّمنا كلمات عند قولهن نُستر أمام أعين الجن:
(بسم الله الذي لا إله إلا هو)
"بسم الله" كي نتذكر أننا نخلع ثيابنا بقدرة الله لا قدرتنا، وبعون الله لا بقوتنا، فلا اغترار بالقدرة ولا القوة. وقد يخطر في بال أحدنا وما هي هذه القوة التي نحتاجها في رفع الثياب لخلعها! ألم ترَ مريضاً لايقوى على ذلك؟ أو كبيراً في السن يطلب تلك المساعدة! إنه ﷺ يذكرنا بالحقيقة التي إن نسيناها هلكنا وإن تذكرناها
стр. 31
أفلحنا؛ أن قوتنا مصدرها من الله ولسنا مصدراً لها، بل نحن مجرد مستفيدين ومستعملين لها.
هذه الحقيقة على بديهيتها إلا أنها أول حقيقة ينساها الإنسان، ونسيانه هذا هو سبب شقائه وتجبّره على العباد. ولو كان الإنسان لايتجاهلها أو يتناساها لما وجدتَ جباراً يتجبّر في الأرض أو طاغية يضحك ملء شدقيه أن انتصر على ضحيته.
حقيقةٌ تختفي معها الخصومات ابتداءً من خلافات الأخ مع أخيه، والزوج مع الزوجة، والحماة مع زوجة الابن! والمدير مع موظفيه .... ووصولاً إلى الخلافات بين الشعوب والأمم.
" لا إله إلا هو "
حقيقة شديدة الصلة بالحقيقة السابقة، فلا إله غير الله، لا قوي ولا ناصر ولا معز ولا قادر إلا الله ﷻ .
وعندما يطلب منا ﵊ أن لا نخلع ثيابنا إلا ونذكر قدرة الله وعظمته فإنه يُبعدنا عن وسوسة الشياطين ويحفظنا من الجن، ذاك العالم غير المرئي الذي لا ندركه والذي قد يخاف منه
стр. 32
الكثيرون ... إن قدرة الله فوق كل شيء .. فالدعاء حرز أمين.
كما أنه قد يرسم صورةً لطبيعة علاقاتنا مع هذا العالم " عالم الجن" إذ يجب أن يكون هناك ستر عن أعين الجن، لا أن تكون هناك علاقة بيننا وبينهم، يرون عوراتنا ... وكأن كشف العورات يجعل المكان مرتعاً للجن ومبعداً للملائكة.
وبعد هذا الأدب الرفيع هل يستطيع أحد أن يظل كاشفاً للعورة في بيته وإن كان وحيداً؟ إنه يطلب منك أن تقول هذه الجملة عند خلعك الثياب ولو للحظة واحدة، لئلا يطّلع أهل الجن على عورتك فهل من المروءة والأدب النبوي أن تظل يومك كاشفاً للعورة بعدما سمعت حديث رسول الله ﷺ ؟ وإن كنت وحيداً؟
إيحاء نبوي لطيف لمنع كشف العورات ولو كنت خالياً بنفسك، أو مع الزوج والزوجة .. كانت عائشة ﵂ تقول: كنا لا نرى منه ولا يرى منا. صورة أنيقة طاهرة في أشد لحظات الشهوة، تُذكر بهدف الزواج وتُبعده عن صورة الشهوة الحيوانية .. صورةٌ تليق ببني آدم الذي كرّمه الله بسجود الملائكة الطاهرة.
وكم نحن بحاجة إلى ذاك التوازن بين الشهوة والهدف، لإعادة تشكيل
стр. 33
هذه الحياة التي نعيشها بعد أن أنهكتها المادية المتكالبة والشهوة الحيوانية التي انطلقت كالحصان الجامح لايملك أحد السيطرة عليه ولا الانتفاع منه، إلا إذا حظي بفارس يروّضه ويرشّد ملكاته.
إنه الذوق المحمدي ... أدب النبوة ... يرتفع بنا إلى مستوى يليق بقائل لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.
عصمة أخرى يعصمنا الله بها من آثار كشف العورات التي هي مجلبة للجن ومهيجة للشهوات، وكل هذا يُبعد الإنسان المسلم عن ربه.
إنه ﷺ يصنع للمسلم بيئته وأجواء بيته التي تساعده في نشر الأجواء الرحمانية الملائكية والتي بدورها تسهّل عليه الطاعات وتبعده عن المعاصي فيكون بذلك قريباً من هدفه لا يحيد عنه قيد أنملة.
صدق رسول الله ﷺ إذ قال:" مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِيْ عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِيْ فَلَهُ أَجْرُ مِائةِ شَهِيْدٍ". (١) وقال ﵊:"مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِيْ وَثَبَتَ نَجَا، وَمَنْ أَفْرَطَ مَرَقَ، وَمَنْ خَالَفَ هَلَكَ". (٢)
стр. 34
ما يقول إذا نظر في المرآة
عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا نظر إلى المرآة قال:
الحمد لله، اللهم كما حسَّنت خَلقي فحسّن خُلقي.
حبّة يجب معالجتها .. تجعدٌ يلزمه دهون ومسوح كي يحافظ على نقاء البشرة .. حاجب يحتاج لتعديلٍ في رسمه .. أنفٌ آهٍ لو استطعت تقصيره .. وأهداب عينٍ يجب تمديدها أو إعادة تشكيلها ..
نحن أمام خواطر من يقف أمام مرآة ليتأمل جماله أو يتفقد أناقته .. ماحال من يخطر في باله مثل هذه الخواطر؟
وهل هذه الخواطر والأحوال هي الأحوال الصحيحة للقلب السليم الذي اختار الله ربه ومحمد نبيه والإسلام دينه؟
الجواب حتماً لا .. لأن من كانت هذه خواطره كان جلّ اهتمامه (أناقتك سيدتي) أو (جمالك سيدي) ولألفيت شاباً ذا شعر وكأنه لم يغتسل منذ شهور، ولكن حذار إنه ليس كذلك فهو دهون
стр. 35
يدعونه (جِلْ)! أجلّك الله. ولوجدت شابة استغنت عن الحاجب الطبيعي برسم من قلم رصاصي!
إن مثل هذا وتلك يمضي عامة يومه أمام المرآة ليتفقد حسنه وجماله، فماذا ستكون بقية أعماله في النهار؟ ذكراً وتلاوة وأعمالاً صالحة!
إنها خواطر شيطانية تُبعد الإنسان عن ربه وعن جادة الطريق السليم. فما هو صمام الأمان كيلا ينزلق الشاب والفتاة؟
(الحمد لله) الرضا بما خلق الله.
إن عدم الرضا سيفتح سلسلة من العمليات التجميلية، وإعراضاً وبعداً عن الله ، لأنه ببساطة يعترض على ما أهداه الله له من غير ثمن أو أجر. وكل هذه المشاعر لا تفيض على القلب حباً وتقرباً إلى الله، بل ستكسوه تبغضاً وبُعداً.
فإذا تلمّس معاني حمد الله في قلبه ذهب عنه الغمّ. وأيّ غمّ سخيف مهما كان يستحق أن يبعد الإنسان عن خالقه وعن سعادته؟ وهل يستحق هذا الأمر كل هذا العناء؟ هل يستحق انحناء حاجب اعتراضاً على خالقٍ أهدى كل هذه النّعم بلا مقابل؟
стр. 36
(اللهم كما حسَّنت خَلقي فحسّن خُلقي)
ليس الجمال هو الجمال الخارجي فهو يبلى مع الزمن. أرأيت ملكة جمال بعد ثلاثين عاماً كيف أصبحت ذميمة؟ سيما بعد استخدام أطنان من المساحيق طوال هذه الأعوام!
الجمال هو جمال الأخلاق وهذا هو الباقي. باقٍ في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
كم من زوج ظل يبحث عن عروس خارقة الجمال لتكون أنيسه وولفه، وبعد أن حصل على ما أمّل، أصابه غمّ وهمّ! فصاحبة الجمال مغترة بجمالها، مبهورة بأناقتها ... لا يهمها أحدٌ سواها .. فيجب أن تكون دائماً محط الأنظار أينما حلّت، وهي محور الأحداث!
أين هي من دفء الأسرة وتربية الأولاد؟ وكيف تتخيل سلوكها وأخلاقها؟ لقد ذهب الجمال الظاهري قبل أن يبلوه الزمن أمام قبيح الأخلاق والمعاملة.
ما أحوج الإنسان إلى تذكّر الهدف الأسمى والغاية النبيلة .. فالمهم هو الأخلاق لأنها لا تبلى، بل تظل في ذاكرة الناس وفي ثواب الآخرة
стр. 37
أفضل الجزاء.
ألم يقل ﵊:"إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقَاً" (١).
لكننا يجب أن ننتبه إلى أن ذلك لا يعني ألا نرتب شعرنا، بل إنه من السنة ترجيل الشعر وإكرامه، لكن المذموم أن يكون شغلنا الشاغل.
فقد ورد عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَنَعْلِهِ وَتَرَجُّلِهِ. (ترجّله أي تمشيط الشعر) (٢)
صلى الله على معلم البشرية فن الحياة بقلبٍ سليم.
стр. 38
ما يقول إذا خرج من بيته
عن أم سلمة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال:
بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلّ أو أَزِل أو أُزَل أو أَظلِم أو أُظلَم أو أجهل أو يُجَهل علي. حديث صحيح
وروي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قال يعني إذا خرج من بيته:
(بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، يُقال له هُديت وكُفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان. حديث حسن
إشراقة جديدة وحصن جديد للمسلم وهو يغادر بيته منطلقاً إلى أعمال الدنيا التي قد يرى فيها مايحرّضه على طاعة الله وما قد يفتنه، لذا لا بد وأن يزوده رسول الله ﷺ بحصنٍ وحرزٍ أمين ومعانٍ رحمانية تكون له ردءاً وأمناً يبدأ (بسم الله) ... إنه يدخل قلعة حصينة يحميها ملك عظيم قوي قادر ومن دخل في قلعة هذا العظيم عُصم من كل
стр. 39
الشرور ومن توكل على الله فهو حسبه .. أي كافيه لا أحد يقدر عليه ما دام هو في حصنه ... وكيف يكون في حصنه؟ عندما يكون في طاعة الله، ذاكراً لله. ومتى يخرج من هذا الحصن المكين؟ عندما يعصي أوامر الملك القدوس، فإن الشيطان يفرّ من بني آدم ما دام ذاكراً لله فإن غفل عنه التقم قلبه ووسوس له.
عن أنس، أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَىْ قَلْبِ اِبْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذَا نَسِيَ اِلْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ) (١)
وإن من معاني التوكل التبرؤ من حول الإنسان وقدرته والابتعاد عن الغرور بالقوة أو السلطة أو القدرة سواءً أكانت قدرة عقلية أم جسمية أو اجتماعية ولا يخفى على كل ذي لبّ أن الاغترار بالنفس مصدر كل شر.
لماذا يحتاج الإنسان هذا التذكير عند الخروج من المنزل؟ لأن في خروجه من المنزل تعامل مع الناس واحتكاك بهم .... فإن ابتعد عن الاغترار بنفسه كان لهم ناصحاً ورحيماً، أما إن غفل عن ذلك
стр. 40
وأصابه العجب فإنه سينظر إلى الناس من علو ... وإن الصور التالية التي يمكن تخيلها من سلوك قد يسلكه هذا المغتر لتدور في ذهن كل إنسان صادف في حياته الكثير منها. وما يتلوها من شواهد تكسر القلوب وتوقع البغضاء والشحناء وربما العداء.
فالتوكل على الله ... فيه إعلان تصريحي بردّ القوة والسلطة إلى مالكها الحقيقي وعدم الانخداع بقوة لا تملك لنفسها دفعاً ولا قوة إذا قال المالك الحقيقي كن فيكون ... إنها قوة تستمد قوتها من خالقها ولا تملكها بذاتها. ولو تذكر الإنسان هذه الحقيقة في تعامله مع أنداده ومن إخوته الأصغر سناً لما تجبر وأرعد وأوعد ولسار معهم من غير ضعف، سير من تخلّق بأخلاق مولاه فرحمهم وأكرمهم وتجاوز عن هفواتهم من غير تضييع للحقوق والواجبات. ولعل التحام هذه المعاني في عقل وقلب ذاكر هذا الدعاء كفيل بأن يبتعد عنه الشيطان فقد اعتصم بعظيم وردّ القوة إلى بارئها.
أما الدعاء الأول (اللهم إني أعوذ بك من أن أَضل أو أُضل ..... ) فهو صورة واقعية لما يحتويه الواقع من أمور متشابهات وامتحانات في كل لحظة .... تختبر تقواه .... ثباته على المبدأ ... إيمانه ... إحسانه