(اللهم كما حسَّنت خَلقي فحسّن خُلقي)
ليس الجمال هو الجمال الخارجي فهو يبلى مع الزمن. أرأيت ملكة جمال بعد ثلاثين عاماً كيف أصبحت ذميمة؟ سيما بعد استخدام أطنان من المساحيق طوال هذه الأعوام!
الجمال هو جمال الأخلاق وهذا هو الباقي. باقٍ في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
كم من زوج ظل يبحث عن عروس خارقة الجمال لتكون أنيسه وولفه، وبعد أن حصل على ما أمّل، أصابه غمّ وهمّ! فصاحبة الجمال مغترة بجمالها، مبهورة بأناقتها ... لا يهمها أحدٌ سواها .. فيجب أن تكون دائماً محط الأنظار أينما حلّت، وهي محور الأحداث!
أين هي من دفء الأسرة وتربية الأولاد؟ وكيف تتخيل سلوكها وأخلاقها؟ لقد ذهب الجمال الظاهري قبل أن يبلوه الزمن أمام قبيح الأخلاق والمعاملة.
ما أحوج الإنسان إلى تذكّر الهدف الأسمى والغاية النبيلة .. فالمهم هو الأخلاق لأنها لا تبلى، بل تظل في ذاكرة الناس وفي ثواب الآخرة
стр. 37
أفضل الجزاء.
ألم يقل ﵊:"إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقَاً" (١).
لكننا يجب أن ننتبه إلى أن ذلك لا يعني ألا نرتب شعرنا، بل إنه من السنة ترجيل الشعر وإكرامه، لكن المذموم أن يكون شغلنا الشاغل.
فقد ورد عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَنَعْلِهِ وَتَرَجُّلِهِ. (ترجّله أي تمشيط الشعر) (٢)
صلى الله على معلم البشرية فن الحياة بقلبٍ سليم.
стр. 38
ما يقول إذا خرج من بيته
عن أم سلمة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال:
بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلّ أو أَزِل أو أُزَل أو أَظلِم أو أُظلَم أو أجهل أو يُجَهل علي. حديث صحيح
وروي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قال يعني إذا خرج من بيته:
(بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، يُقال له هُديت وكُفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان. حديث حسن
إشراقة جديدة وحصن جديد للمسلم وهو يغادر بيته منطلقاً إلى أعمال الدنيا التي قد يرى فيها مايحرّضه على طاعة الله وما قد يفتنه، لذا لا بد وأن يزوده رسول الله ﷺ بحصنٍ وحرزٍ أمين ومعانٍ رحمانية تكون له ردءاً وأمناً يبدأ (بسم الله) ... إنه يدخل قلعة حصينة يحميها ملك عظيم قوي قادر ومن دخل في قلعة هذا العظيم عُصم من كل
стр. 39
الشرور ومن توكل على الله فهو حسبه .. أي كافيه لا أحد يقدر عليه ما دام هو في حصنه ... وكيف يكون في حصنه؟ عندما يكون في طاعة الله، ذاكراً لله. ومتى يخرج من هذا الحصن المكين؟ عندما يعصي أوامر الملك القدوس، فإن الشيطان يفرّ من بني آدم ما دام ذاكراً لله فإن غفل عنه التقم قلبه ووسوس له.
عن أنس، أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَىْ قَلْبِ اِبْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذَا نَسِيَ اِلْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ) (١)
وإن من معاني التوكل التبرؤ من حول الإنسان وقدرته والابتعاد عن الغرور بالقوة أو السلطة أو القدرة سواءً أكانت قدرة عقلية أم جسمية أو اجتماعية ولا يخفى على كل ذي لبّ أن الاغترار بالنفس مصدر كل شر.
لماذا يحتاج الإنسان هذا التذكير عند الخروج من المنزل؟ لأن في خروجه من المنزل تعامل مع الناس واحتكاك بهم .... فإن ابتعد عن الاغترار بنفسه كان لهم ناصحاً ورحيماً، أما إن غفل عن ذلك
стр. 40
وأصابه العجب فإنه سينظر إلى الناس من علو ... وإن الصور التالية التي يمكن تخيلها من سلوك قد يسلكه هذا المغتر لتدور في ذهن كل إنسان صادف في حياته الكثير منها. وما يتلوها من شواهد تكسر القلوب وتوقع البغضاء والشحناء وربما العداء.
فالتوكل على الله ... فيه إعلان تصريحي بردّ القوة والسلطة إلى مالكها الحقيقي وعدم الانخداع بقوة لا تملك لنفسها دفعاً ولا قوة إذا قال المالك الحقيقي كن فيكون ... إنها قوة تستمد قوتها من خالقها ولا تملكها بذاتها. ولو تذكر الإنسان هذه الحقيقة في تعامله مع أنداده ومن إخوته الأصغر سناً لما تجبر وأرعد وأوعد ولسار معهم من غير ضعف، سير من تخلّق بأخلاق مولاه فرحمهم وأكرمهم وتجاوز عن هفواتهم من غير تضييع للحقوق والواجبات. ولعل التحام هذه المعاني في عقل وقلب ذاكر هذا الدعاء كفيل بأن يبتعد عنه الشيطان فقد اعتصم بعظيم وردّ القوة إلى بارئها.
أما الدعاء الأول (اللهم إني أعوذ بك من أن أَضل أو أُضل ..... ) فهو صورة واقعية لما يحتويه الواقع من أمور متشابهات وامتحانات في كل لحظة .... تختبر تقواه .... ثباته على المبدأ ... إيمانه ... إحسانه
стр. 41
كلٌّ حسب مرحلته الإيمانية ووفق مقياس عمره وبما يتلاءم مع تجاربه الإيمانية، لكننا جميعاً ممتحنون ومعرضون للزلل، وإن تَذكُّر ذلك يوقظ النفس النائمة وينبه الأعصاب الباردة إلى المعركة التي سيُقبل عليها عند خروجه ... ففي كل نظرة يرد خاطر، إما خاطراً رحمانياً أو شيطانياً، والمعصوم من عصمه الله بأن ردد هذا الذكر بقلب يقظ ودخل إلى حصن الحصين عند ملك لا يغفل.
إن معاني (أو أَزل أو أُزل أو أَظلم أو أُظلم أو أَجهل أو يُجهل علي) لترسم سلوكاً وتحدد معالماً لصور سلوكيات من دعا هذا الدعاء المحمدي. صورة لا يمكن لذاكرها أن يظلم شخصاً أو يفتري عليه أو يضيق الطريق عليه أو يصرخ في وجهه عند قيادته للسيارة واستعجاله في الوصول لموعد ما ولا يسب أو يشتم ذلك ولا يغتب أحداً، فهذا كله ظلم والظلم ظلمات يوم القيامة، وكل تلك السلوكيات قد تفضي إلى إفلاسه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَاتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا
стр. 42
وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. (١)
أدب نبوي رفيع لا يُلهَمه إلا كل ذي ذوق رفيع تذوق هذه المعاني وعاش في أجوائها وتنفس صفاءها وما عادت نفسه تطيق ذاك الانحدار الأدبي في التعامل مع الناس.
إن الدين هو التعامل إذ إن ترداد الأذكار يجب أن يبرمج فكراً ينجم عنه سلوك واضح معبّر عن هذا الفكر والمبدأ والعقيدة. وكأن الحال السليم الذي يجب أن يكون عليه المسلم وهو يخرج من منزله أن يستشعر عجزه ويلوذ بخالقه ليعصمه من الزلل، هذا هو حال القلب السليم عند خروجه إلى الجهاد الأكبر وتعامله مع العباد.
إنه فعلاً زاد صغير يحمل معاني جليلة لكل ذي لبّ وكأنه يستنجد باسم (الهادي) لتكون الهداية عنواناً لبداية يومه.
стр. 43
ما يقول إذا ركب دابة أو سيارة
عن علي بن ربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب ﵁ أُتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الرّكاب قال بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال:
(الحمد لله) ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ ، فعل مثل ما فعلت ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري. ... حديث حسن
شاب ثريّ .... يلبس ثياباً فاخرة ويركب سيارة فارهة طويلة الجانب سوداء اللون ... لامعة الأطراف إذا رأيتها أحببتها وإن مرت بجانبك
стр. 44
هِبتها.
فكيف تحسب قيادته لتلك الفارهة؟ رقيقة أنيقة فيها ذوق وأخلاق؟ إنها ستكون كذلك لو كان ممن يقتدي بسنة الحبيب المصطفى ﷺ ويذكر أذكاره الشريفة، فليست المشكلة في ركوب سيارة فاخرة أو تكون ممن أعطاهم الله من نعمه فشكر وأدى حقها، إن المشكلة أن تُنسيك النعمة المنعم فتتكبر في الأرض وتنظر إلى الناس من برج عاجي.
كيف ولماذا يمكن أن يتكبّر الإنسان أو يُصيبه العُجب وينسى المنعم؟
قد يُعجب الإنسان بأي شيء يقوم به لظنه أن ذلك بقدرته وبقوته وبسببه، أو لأنه أهلٌ لنعمة الله ولجريان النِّعم عليه. وكلاهما خطأ وجهل بجود الله وكرمه على عباده. فموجد النعمة هو الله وإنما هي عاريةٌ بيدنا إن شاء استردها متى أراد، فما نحن سوى مستخدمين لنعمه، ممتحنين بما نصنع بها، فإن وفقنا الله للخير أفلحنا، وإن استعملناها في غير ما يريد معطيها وصاحبها هلكنا. وإن فرحنا أننا محل عطاء الله ومجرى لنعمائه، فليس لأننا نستحق ذلك بسبب طاعتنا وعبادتنا له ﷻ . فهدايته هي محض أفضاله وكرمه، فهو الهادي والموفق والمسدد للخطى، وهو صاحب النعمة ومجريها على عباده
стр. 45
تكرّماً وتفضلاً، فمهما تقرّب العبد من ربه بالطاعات فلن يوفيه حقه من الشكر.
كما إن إمساك نعمه عن عباده أو إرسالها هي نعمة أخرى من نعم الله وفضله. فهو الحكيم ﷻ الذي يمسك النعمة عن عبده لأنه يعلم أن في إمساكها عنه خير له في دينه وآخرته. ويرسل وهو العليم الخبير إن كان في إرسال النعمة خيرٌ للعبد في دينه وآخرته. فهو الولي الحميد الذي يرعى مصلحة عبده، فيحميه من بعض أمور الدنيا التي قد تؤثر على آخرته .. سبحانه إنه اللطيف الخبير.
وإن الإنسان رغم معرفته بتلك الحقيقة أحياناً إلا أنها قد تخفى عليه وتبعده عن مقام الرضا بقضاء الله، وذلك لضيق المنع وقساوته على النفس، وعدم قدرة الإنسان على معرفة الحكمة ورؤية العبرة .. وكل ذلك لحكمة يريدها الله من امتحانٍ للعبد في الرضا والتسليم. ومفتاح النجاح في ذلك كله يكمن في هذا الدعاء الذي يردّ المسلم إلى معاني قدرة الله وملكية الله للأشياء وتسخيرها بقدرته وفضله لذلك الإنسان. فإن تذكر ذلك الإنسان عند ترديده لهذا الدعاء هذه المعاني الجليلة، نجا وأفلح.
стр. 46
فالله هو المجري (مايفتح اللهُ للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم) (١).
وتأتي كلمة (سخّر) لتبث رسالة قوية للإنسان أن أدوات الركوب حيواناً كانت أم آلة مسخرة له، لا بقوته وبراعته، وليس هو مسخرها، بل سُخرت له من قبل الله . فلو لم يعط الله الإنسان عقلاً هل كان بمقدوره أن يُسخّر الحديد ويكتشف القوانين الميكانيكية ليبدع مثل هذه السيارة؟
(وما كنا له بمقرنين) جاءت لتثبّت حقيقة التبرؤ من حول الإنسان وقوته وتعيد سطوع حقيقة المنعم والمالك والمتصرف الحقيقي بالأشياء. حتى إذا كانت تحت تصرف من سُخرت لأجله لم يستخدمها بسوء أو يركبها بغرور وزهو. بل سيحمد الخالق المسخِّر والمتفضل.
ثم من كانت نهايته إلى الله ولا يعلم متى سيستدعيه ربه هل ينطلق في الشوارع يرعب هذا بروعنة قيادته أو يذعر ذاك بتكبره وغطرسته؟ لا إنه سيكون مثل عباد الرحمن الذين يمشون في الأرض
стр. 47
هوناً، أي بشكل لطيف لا يزعج الآخرين ولا يريد علواً في الأرض ولا فساداً .. فلا يركب سيارته تفاخراً أو ليكون محطاً للأنظار أو تباهياً أمام الأصحاب ... إنها مسخرة لقضاء الحاجات وخلافة الله في الأرض ... فلا بد من حمد الله على هذه النعمة ولا بد من التذكر أن الله أكبر مهما علا سلطانك أو ارتفعت منزلتك الاجتماعية، فإن غدا التفاخر في ثمن السيارة مباراة وسجالاً بين الأقارب والخلان فتذكر الله أعلى وأكبر، وتذكر أن هدف الدابة أو آلة الركوب تسهيل إنجاز الأعمال وإعمار الكون بطاعته وخلافته في أرضه وليس العلو والافتخار.
وإن عجب ربنا جل وعلا من عبده حين يستغفره وهو يعلم أنه لايغفر الذنوب غيره، فإني أعجب من العبد الذي زوّده ربه ومولاه بكل هذه الأذكار في كل موقف كي لايغفل عنه فتطاله يد الشيطان، ثم يضيّع هذه المفاتيح الثمينة التي تفتح له أبواب الخير وتسدّ عنه أبواب الشر، أو يصرّ على التغاضي عنها والولوج في مستنقع الشر ومهالك النفس.
стр. 48
ما يقول إذا أراد سفراً
في سنن أبي داوود عن قزعة: قال: قال لي ابن عمر ﵄: تعال أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ : ((أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)) حديث حسن.
قال الإمام الخطابي: الأمانة هنا: أهله ومن يخلّفه وماله الذي عند يد أمينة، قال: وذكر الدين هنا لأن السفر مظنة المشقة فربما كان سبباً لإهمال بعض أمور الدين.
أيدٍ تلوح ... ودموع تنسكب ... ويصعب الفراق لأحبة لهم في القلب مستودع ومكان.
نحن مع مشهد الفراق .... غياب من نحب .... البطل هنا هو المودَّع فكيف نذكِّره بالحال السليمة الواجب أن يكون عليها خلال سفره؟ السفر قطعة من العذاب كما يقول الحبيب المصطفى ﷺ ففيه من المشقات وإن كثرت وسائل المواصلات وتطورت لكنه يبقى كما
стр. 49
قال الحبيب قطعة من العذاب، فإن لم يكن فيه شيء فحسب فراق من نحب أن يكون مؤلماً ومعذباً للإنسان.
(أستودع) في اللغة اسْتَوْدَعْتُهُ وَديعَةً، إذا استحفظته إيَّاها (١).
أستودع فلاناً وديعة: أستحفظه إياها.
والمكان الذي تحفظ فيه الأشياء الزائدة يدعى مستودعات. (٢)
(أستودع) عند من؟ عند الخازن الأمين الله جل وعلا، مالك السموات والأرض، وهو معكم أينما كنتم ...
(إنني معكما أسمع وأرى) (٣)
إنه هو ﷻ القادر القوي الذي لا يموت ... الأول والآخر، ومن كان الله وكيله فهو حسبه.
ماذا نستودع عنده؟ ماهي الوديعة؟ نسأله أن يحفظ علينا ديننا وأهلنا وأواخر أعمالنا.
يحفظها من ماذا؟ من كل سوء أو شرّ يطالها فينقص ديننا أو ننسى ربنا أو ينقص عملنا الصالح. أن يحفظ أهلنا في غيابنا فهو الحاضر في كل مكان ... القائم على كل العباد ... الرحيم بخلقه.
стр. 50
لماذا هذا الدعاء بالذات؟
إن أخوف ما يخاف رب العائلة وهو يفارق أهله أن يحدث مكروه لأهله أو يحتاجون إلى شيء فلا يطالونه، فمن سيكون الأمين والحفيظ عليهم؟
إنها كلمات تسكب في قلب ربّ العائلة أمناً وسكينة وطمأنينة يحتاجها في سفره كي لا يزداد عناء فوق عناء، ولكي ترفعه إلى مقام التوكل على الله والثقة به (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (١)
أما الشطر الثاني من الدعاء فهو تذكير للمسافر بعدم التغافل عن واجبه اتجاه ربه وعدم إهمال واجباته تجاه دينه فإن من حفظ الله بسره حفظه في أهله وماله .... (ومن يتق الله يُكفِّر عنه سيئاته ويُعظم له أجراً) (٢).
أدب نبوي رفيع وزاد الطريق يحمل الأمن والأمان والسكينة والسلام في حقيبة كل مسافر. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر
стр. 51
كبّر ثلاثاً ثم قال: "سُبْحَانَ الَّذِيْ سَخَّرَ لَنْاَ هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِيْنَ وَإِنَّا إِلَىْ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُوْنَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِيْ سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَىْ وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَىْ، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاِطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِيْ السَّفَرِ وَالْخَلِيْفَةُ فِيْ الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوْءِ الْمُنْقَلَبِ فِيْ الْمَالِ وَالأَهْلِ." وإذا رجع قالهن وزاد فيهن:"آيبُوْنَ تَائِبُوْنَ عَابِدُوْنَ لِرَبِّنَا حَامِدُوْنَ" (١).
إنها أنوار محمدية تذكّر كل مسلم بالبرّ والتقوى في سفره، إنها تحجز من لم يُختم على قلبه بعد، ومن دَاخَل قلبه ذرة من إيمان.
سلسلة عظيمة من الأذكار لو تعاهدها المسلم لارتقى وكان في كل أحواله مع الله سليم الصدر، نقي القلب، محفوظاً في حلّه وترحاله.
стр. 52
ما يقول إذا رأى مبتلى بمرض أو غيره
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
من رأى منكم مُبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، لم يصبه ذلك البلاء.
وقال العلماء: وينبغي أن يقول هذا الذكر سراً بحيث يُسمع نفسه ولا يُسمع المبتلى لئلا يتألم قلبه بذلك.
يُقال إن الذنب شؤم على غير صاحبه، إن عيّره ابتلي به، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه.
نحن مع موقف ابتلاء لشخص، ابتلاء مرض أو ذنب أو تقصير .. والسؤال ما حال من يرى هذا الشخص؟ وكيف يمكن تفادي تبادل المواقع بين المبتلى والشخص الذي يراه؟
لقد تفشت في مجتمعاتنا بكل أسف أمراض اجتماعية خطيرة مثل الغيبة والنميمة ولغو الحديث والشماتة بالآخرين، وغدت الرحمة عصيّاً وجودها، نادراً رؤيتها. فهذا ينقد ويغتب ثم لا يلبث أن يقوم
стр. 53
بمثل صنيعته! لماذا؟ لسبب بسيط أنه عاب على أخيه المسلم فابتلاه الله بالعيب ذاته! لماذا؟ كي يتعظ ولا يعود لمثل فعلته من نقد وتجريح وفضيحة أو مذمة.
صورٌ كثيرة تمر في خاطرنا لأنها مشاهد متكررة في الواقع. مئات المواقف تدمع لها العيون وتأنف النفس من معاينتها، وكأن الرحمة قد نُزعت من قلوب العباد. وغدا كل شخص يتحيّن الفرص لتتبع عورات الناس والتلذذ بنشرها أمام العباد، وكأنه حكيم زمانه، الكامل صفاته.
لقد علّمنا رسول الله ﷺ الحال الواجب التلّبس به عند مشاهدة ابتلاء بمرض أو ذنب .. إنه حال الإحساس بالافتقار إلى الله والخوف من أن يمَسَّك هذا البلاء .. إنه شعور الفضل لله أن عافاك .. إنه الحمد والثناء على الله. فعافيتك ليست جزءاً من جميل خصالك أو حسن أخلاقك أو بقدرتك. إنه فضل من الله وحسب. ولو شاء الله لكنت مكان هذا المبتلى. إنه شعور الخوف من أن يصيبك ما أصابه، والجزع إلى الله مع الحمد والامتنان لمنته وفضله في العافية. ومن ثمّ فإن من يعلم ذلك ويستشعره لا يمكن أن تنقدح في نفسه شماتة أو يلجأ لنشر هذا
стр. 54
البلاء، ولن يلوك في سيرة هذا المبتلى ويجتّر أمام الناس مصيبته، وينصّب نفسه أستاذاً فطناً، فهو لو كان مكانه لما قام بكذا وكذا .. إنه لن يجرؤ على فعل ذلك. بل سيلتزم الأدب النبوي الرفيع والحال الصحيح معه، وبالتالي سيحميه الله ويجنبه الوقوع في هذا الذنب أو التقصير أو البلاء.
ما أحوج مجتمعاتنا اليوم لهذا الأدب النبوي الأصيل .. رفيع الذوق. عظيم الخير. إذ لو التزم به العباد لخلص المجتمع من ٩٩% من آفاته ومنازعاته وعسارته.
وفي اللغة يُقال: بَلَوْتُهُ بَلْواً: جَرَّبْتُهُ واختبرته والبَلاءُ: الاختبارُ؛ ويكون بالخير والشر. (١)
فالابتلاء يحمل بهذا المعنى الاختبار، ونتيجة الاختبار قد تكون نجاحاً يُحمد لفاعله، وتُرفع بها منزلته، فيكون البلاء بذلك رفعة وعلواً لصاحب الابتلاء، وذلاً وصغاراً لمن عاب عليه.
стр. 55
وقد يكون الابتلاء بالسراء والضراء. أما الابتلاء بالضراء فهذا الذي يوجب لرائيه الحمد أن عُوفي منه. وأما الابتلاء بالسراء فهذا يخفى على كثير من الناس، إذ جاء على هيئة نعمة وسرور، لكنه قد يحمل في طيه امتحان للدين أو ثبات على مبدأ، وهو امتحان قد يكون أصعب من سابقه، لأن الممتحن قد لا يشعر أنه في امتحان، فلا يأخذ أهبة الاستعداد، وقد تلهيه المسرات عن حمد الله والثناء عليه والقيام بحق الشكر والامتنان. فيأتي هذا الدعاء الجليل تذكرةً للغافل وشحذاً لهمة الذاكر في الإمعان بالحمد والاجتهاد بالشكر.
وإنّ من صفات الله " الغفار " فهو يغفر الذنب ويستره ويُنسي العبد ذنبه مادام قد تاب توبة نصوحاً. وإن من حظ العبد من اسم الله "الغفار" أن يستر عيوب إخوانه، فيُبرز الفعال الحسنة ويستر القبيحة، وينصح أخاه في السرّ ولا يفضحه أمام الخلق.
إنّ المؤمن عبدٌ تخلّق بأخلاق مولاه، وكلما ازدادت صلة العبد بربه اكتسب من صفات مولاه، ورحم العباد كما يرحم رب العباد عباده، فلن يتصيّد الأخطاء والعيوب من أخلاق المؤمنين.
يُروى أن سيدنا عيسى ﵇ مرّ بجيفة كلب، فقال الحواريون:
стр. 56
ما أنتن ريحها! فقال ﵇: بل قولوا ما أشدّ بياض أسنانها!
إنها رؤية الإيجابيات والسلبيات معاً. ولن يكون الإنسان ناجحاً في أسرته أو عمله ومع زملائه وأقاربه إذا كان لا يجيد معرفة إيجابياتهم وسلبياتهم، وتطوير الإيجابيات وتثمينها، لتقليل السلبيات واجتثاثها. وهذا هو طريق الإصلاح الذي لا يمكن لآمرٍ بالمعروف وداعٍ إلى الله أن ينشر الخير ويُحدث تغيّراً في مجتمعه نحو الكمال والخير إلا إذا كان هذا الطريق ديدنه.
стр. 57
ما يقول إذا دخل السوق
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
من دخل السوق فقال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير: كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة.
وعن بريدة قال: كان رسول الله (إذا دخل السوق قال:
بسم الله، اللهم إني أسألك خير هذا السوق وخير ... ما فيها، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يميناً فاجرة أو صفقة خاسرة.
أصواتٌ متعالية .. لافتاتٌ متضاربة .. أضواءٌ ملفتة .. مئات البضائع المتباينة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين .. أشخاص تروح وتجيء .. تتمختر أو تسرع .. وربما تحدّق في الأشخاص أو تسترق
стр. 58
النظرات ...
وذاك يحلف بالإيمان لينفق سلعته بحلال أو حرام .. وآخر يضرب يداً على يد للحال الذي آل إليه الناس من الكذب أو الخديعة!
كيف يمكن تفادي مساوئ السوق من غمز ولمز، ونظرات وهمسات، وغبنٍ في الأسعار أو شراء مالا يلزم وإسرافٍ فيما لا يحتاج؟
ما هو الدعاء المحمدي لذلك الموقف الحياتي المتكرر؟
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد)
إنه إقرار بالعبودية لله وتذكير بقدرته ثم تملّكه جل وعلا للناس والأشياء، فهو المالك الحقيقي الذي يستحق المدح والحمد والثناء.
وفي اللغة: ألَهَ بالفتح إِلاهَةً، أي عَبَدَ عِبَادَةً. والتَاليهُ: التعبيد. والتَأَلُّهُ: التَّنَسُّكُ والتَعَبُّدُ. وتقول: أَلِهَ يَالَهُ أَلَهاً، أي تَحَيَّرَ؛ وأصله وَلِهَ يَؤْلَهُ وَلَهاً. وقد ألِهْتُ على فلانٍ، أي اشتدَّ جزعي عليه، مثل ولِهْتُ. (١)
وقيل الإله هو المستحق للعبادة وقيل هو القادر على ما تَحِقُّ به العبادةُ (٢). فهو ﷻ المستحق للعبودية الذي تتحيّر العقول بعظيم
стр. 59
صفاته، والركن الأمين الذي يجزع إليه كل مضطر وتحن إليه القلوب وتُولَه به لروعة خصاله. وهو المالك الحقيقي لكل شيء، فلا تخرج عن سيطرته ذرة تراب أو ذرة هواء، فهو المتصرف في كل شيء، القادر على التحكم به، فالجميع خاضعٌ لحكمه، فلا خوف من أن يُظلم أحدٌ فلا يقتص الله له أو ينصره، ولا نفاذ لخزائنه فلا يقتّر الرزق على أحد من خلقه. فله الحمد الذي أعطاك هذه النّعم ابتداءًَ من قدرة على الروح إلى السوق، مروراً بنعمة المال الذي يمكنك شراء ما تريد، وقدرته جل وعلا على النصرة والمنعة من الظلم وإنزال الرزق.
(يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير)
لماذا يذكّر الدعاء بالموت والحياة؟
إنّ تذكّر قصر الحياة الدنيا وقدرة الله عليه يعصم من الشهوات وخيانة الأعين والإسراف فيما لا ينبغي والحلف بالكذب.
فهو رادعٌ للشهوات وملزم لكثير من الآداب كغض البصر وحفظ اللسان والحلف بغير حق لإنفاق سلعة، أو مانع لشجار وخصام وجدال مرير حول الثمن أو خفضٍ لصوت امرأة أو كبت لضحكة طائشة.
стр. 60
ولأن السوق مرتعٌ لكثير من الشرور والغفلة، كان تذكّر الله والحياة الآخرة والموت وسط الهرج والمرج له من الأجر الكبير (كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة)
إنها مثوبة وأجر عظيم جداً لكلمات قليلة، لكنها تحمل في طياتها معانٍ عميقة.
إن تذكّر الله والموت وسط هذا الزحام بطولة يستحق القائم بها هذا الأجر العظيم، إذ بها سينجو بدينه ويحافظ على قلبه سليماً ومتصلاً بالله، ووقاية للآخرين من أن يصل إليهم شيء من شروره إن نسي مولاه.
فهي حرز أمين وسور مكين، من تعاهده لن يستطيع أعداء قلبه تسوّر محرابه وسيظل في مأمن أمين.
стр. 61
ما يقول عند الطعام وبعده
عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ كان يقول في الطعام إذا قُرِّب إليه:
اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، بسم الله.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال:
الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين.
وعن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، غفر له ما تقدّم من ذنبه.
مائدة عليها أطايب الطعام وأنفسه .. من مالح وحامض وحلو .. ومن خضار ولحوم .. نعمٌ أخرى من نعم الله على عباده. نوّع لهم الأطعمة حتى لا يملوا، وتغيّرت الألوان وتمايزت حتى يستمعوا بالحلال من الطعام.
стр. 62
فما حال المؤمن عند إقبال الدنيا وشهوات الطعام؟
الدعاء بالبركة والامتنان للواهب والرازق، الذي أكرم عباده وسخر لهم ما يحتاجونه ويساعدهم على ألا يتجاوزوا الحلال إلى الحرام، عندها يأتي الوعيد (وقنا عذاب النار).
صورة نار جهنم تلتهب في مشاعر المؤمن وهو ينظر إلى المشهيّات من الأطعمة. لماذا يحتاج هذه الصورة الحسيّة القوية الوقع عندما توضع أمامه مائدة الطعام؟
حتى لا يأكل منها إلا ما حلّ له، فلا يقترب من الحرام شراباً أو طعاماً، ويتذكر أيضاً بألا يسرف لأن الله لا يحب المسرفين.
إنّ لذة الطعام أحياناً وطريقة تنسيقه وتقديمه قد يحتاج فيها لمثل هذا المشهد القوي كي يحجمه عن أكل الحرام وشربه.
وهذا هو الزاد المحمدي الذي يقوي إرادة المسلم وعزيمته لاتباع الحق والسير على الصراط المستقيم.
(بسم الله) حصن حصين .. ومأمن من الشيطان كي لا يقرب هذا الطعام، فيكون الطعام للتقوي على طاعة الله والاستزادة من الأعمال
стр. 63
الصالحة لا حظّ للشيطان فيه.
أما عند الفراغ من الطعام فحاله يجب أن يكون حال الحمد والامتنان للخالق الرازق من غير حساب، وتذكير بأعظم منة ونعمة ألا وهي الإسلام ومعرفة الله والاهتداء إلى جادة الحق والصواب. ولا يخفى أن كل ما نهى عنه الشرع فيه الخير للإنسان في الدنيا قبل الآخرة، ألا ترى آلاف الحوادث نتيجة شرب الخمر والإدمان عليها، بل إن أغلب المشاكل الزوجية في الغرب نتيجة إدمان أحد الزوجين على شرب الخمر .. آلاف الأمثلة تشهد على أضرار الخمر وشرب الحرام ..
فليست هناك نعمة بعد نعمة الإيمان ومعرفة الحق واتباعه، وكل نعيم بعده نار فهو جحيم، وكل تعب مهما عظم بعده جنة فليس بضنك، بل هو نعيم مقيم. أجارنا الله من النار وجعلنا من أهل الجنة.
آمين.
كما يذكرنا الله جل وعلا بأنه الرازق الحقيقي، وإن كان مظهر الرزق سعي العباد. هذه الحقيقة على بداهتها قد ننساها أمام الاغترار والزهو بالمنصب والإنجازات وتصفيق الناس ومديح الأحباب، وقبل
стр. 64
ذلك شعور رب الأسرة بالتعب والضنك في سبيل الحصول على الرزق. فبعد طول عناء اليوم الطويل يجب ألا ينس الإنسان أن عليه الكدّ والسعي فقط أما الرزق فمن الله. هذه الحقيقة قد يظنها الشخص الناجح قدحاً في قدراته ونشاطه، لكنها تعطيه الشعور بالأمان والطمأنينة فلا قدرة لأحد على سلبه رزق قد كتبه الله له، وما كان الله ليضيع عمل أحد اتقاه وآمن به واتكل عليه بعد السعي واتخاذ الأسباب.
إنها تحميه من كثير من الأمراض النفسية التي قد يعاني منها الكثيرون في عصرنا الحالي. أما المؤمن فهو يعيش مع بحبوحة من فيض عطاء خالقه، مطمئن لكرمه وجوده، إذ ما عليه إلا أن يسعى والباقي على الكريم القدير الذي بيده خزائن السموات والأرض.
إن هذه الحقيقة من الأهمية بمكان إذ أن تذكرها يحمي الإنسان من كثير من أمراض القلق نحو مستقبل مجهول أو تجاه قوة لا يعلمها، وتحميه وتحمي من حوله من غرور القوة والسلطة، وتعيد لنفسه أبعادها الصحيحة فلا تتطاول وتتكبر فيصيبها الغرور ولا تتضاءل فينتابها ضعف في الشخصية فتصبح شخصية ضعيفة لا تقدر على
стр. 65
فعل شيء.
إن تكرار هذه الحقائق على النفس من أجل برمجتها وإعادتها إلى الحجم المناسب الذي ينتفع بها صاحبها ومجتمعها. إنه بناء للشخصية المتوازنة والقلب السليم الذي ينشر الخير أينما حل.
стр. 66
ما يقول إذا صعب عليه أمر
عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
((اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً))
أرأيت طالباً في امتحان وقد نسي معلومات كان يحفظها وبينما هو في غمٍ وهمّ ينظر حوله .... يحس بضيق شديد، تتنازعه رغبتان ويصارع أمرين ضدين فيما بينهما يتلفت حوله فيرى من ينظر إلى ورقة زميله فتنفرج أساريره ويُقبل على ورقته ليكتب ما فازت به عيناه من أحرف طائشة وكلمات مبعثرة.
ثم ينظر إلى آخر فيجد عينيه تنظران نحو السماء ويتمتم بكلمات ثم ما هي إلا دقائق حتى ينشرح صدره وتسطر يده ما أعانه الله عليه في تذكّر ما نسيه .... تُرى أيّ سلوك يقوم به؟
إنه لا يقوى أن يقوم بهما معاً ... وإن استطاع ذلك فلن تأتي المعونة الإلهية لأنه ببساطة يكون قد سقط في امتحان الله فقد خرج من
стр. 67
(منا) خرج من صفات المسلمين (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) (١) وكيف ستهبط رحمات الله على من خان الله بعينه وظن أن لن يراه؟
ثم ما وزن امتحان دنيوي أمام خسران الآخرة وفقد صفة (الأمانة) وكتابة اسمه في الخائنين؟
سبحانه (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) (٢)
أين عقل من وثق بعقل شخص لا يعلم إن كان في علمه صواباً! ولم يثق بالعليم الكريم القادر على تذكيره بما نسيه وإلهامه كتابة ما يُنجيه! أم كيف خان من بيده القلوب والملكوت ومن بيده السعادة والشقاء، من بيده الأمر كله؟
" يَا غُلامُ إِنِّيْ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، اِحْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، اِحْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاِسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اِسْتَعَنْتَ فَاِسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاِعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اِجْتَمَعَتْ عَلَىْ أَنْ يَنْفَعُوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوْكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اِجْتَمَعُوْا عَلَىْ أَنْ يَضُرُّوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ
стр. 68
يَضُرُّوْكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) (١).
وما هي الفتوى التي أفتاها إمام الأبالسة وشيخ الشياطين في جواز الغش في الامتحان بحجة قيام الكثيرين به؟
أما من كانت سنة النبي ﷺ إمامه وهداه فهو في حرز وحصن حصين وحاله حال العبودية والافتقار إلى الله والبراء من حوله وقوته .. من ذاكرته ... من ذكائه ...
هذا الحال هو الحال السليم لهذا الموقف وهو الحال الذي يحصنه من الضعف أمام خيانة من حوله ... فالله هو القادر، فإن شاء الله أن يُنجحه فسيُذكّره بما يحقق نجاحه إن كان في نجاحه خير، أما إن كان في رسوبه خير قد لا يُدركه الآن فقد يُنسيه .... إنه قدر الله الحكيم العليم يعلم ما يصلح للعبد فييسره له.
أما إن اختار فتوى شيخ الأبالسة فإن قُدّر له الرسوب فسينقل من ورقة زميله الجواب الخاطئ ... فقدر الله مكتوب له، نجاح أو رسوب في هذه المادة، لكنه قد يفوز بالنجاح بطرق الحلال أو الحرام.
وعند قدر الله يستسلم الإنسان ولا يملك من أمره شيئاً ولكن الواضح
стр. 69
البيّن أنه لم يكن امتحاناً في مادة كذا بل امتحان في تقوى الله والأمانة، فإما أن يرسب أو ينجح فيه، وصمام الأمان والحصن الحصين دعاء سيد الخلق ﷺ .
ولا يقتصر هذا الدعاء للطالب إلا أن تكرار مشهد الضعفاء في هذه الحياة الذين يكررون الخيانة مادة تلو المادة جعلت من هذا الدعاء رابطاً لذلك الواقع المعاش بكل أسف.
وهناك صور عديدة نجاتها هذا الدعاء، فصورة إنسان مجتهد قد أعياه الذهاب من دائرة حكومية إلى أخرى، وكلما مرّ الوقت ازداد وزن الأوراق التي يحملها من غير جدوى، حتى إذا أحس بالإحباط مال شخص إلى أذنه وهمس فيها:" أأنت غشيم! ضع قليلاً من الدراهم! فالدراهم مراهم". فإن تذكر هذا الإنسان دعاء النبي ﷺ : " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً ". عندئذٍ يحسم قراره ويتوكل على ربّ العباد ويرفض أن يكون من زمرة الراشي. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي". (١)
صلى الله عليك يا نبي الرحمة .. ففي دعائك جواب كل مسألة،
стр. 70
ومفتاح للأبواب المغلقة.
وصدق الله العظيم (والعاقبة للمتقين) ... (١)
وفي اللغة الحَزْنُ المكانُ الغليظ وهو الخَشِنُ والحُزونةُ الخُشونة (٢). فيأتي الحزن عكس السهل. فكل أمر صعب على النفس، غليظ الوقع، إنما يسهله مالك الأمر القادر على كل شيء، الذي أمره كن فيكون.
стр. 71
ما يقول إذا عسر أمر معيشته
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:
((ما يمنع أحدكم إذا عسر عليه أمر معيشته أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله على نفسي ومالي وديني اللهم رضني بقضائك، وبارك لي فيما قُدّر لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت))
رجل مغموم، مشغول البال، مطرق الرأس، يضرب أديم الأرض طلباً للرزق فكأنها صخرٌ، ويحفر التراب بكلتا يديه فكأنما جمادٌ، يذهب يميناً تيمناً لطلب العيش فكأن الرزق يفرّ منه يساراً، حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وكاد اليأس يتسلل إلى داخله تذكر دعاء النبي ﷺ (بسم الله).
كل عمل لا يبدأ باسم الله فهو أبتر، لأنه بُتر عن مصدر القوة الحقيقية، وكأن الذي بدأ باسم الله يستفتح حصناً باسم العظيم،
стр. 72
فمثلاً لو أن مصنعاً كان مغلقاً فجاء أحدهم وقال لصاحبه افتح هذا المصنع باسم الحاكم أي بأمر الحاكم هل يستطيع أحد أن يمنع هذا الأمر؟
ولله المثل الأعلى، إن اسم الله يفتح كل باب ويفرّج كل عسير، إنه استفتاح بعظيم السموات والأرض وخالقها ... إنه استغاثة بخازن السموات والأرض ومن فيهن، بمن عنده مفاتيح الغيب.
ثم يأتي الدرس الأول للحال الواجب أن يكون المسلم عليه في هذا الموقف الشديد على النفس، إنه درس الرضا والتسليم حتى لا يُحب تعجيل ما أمسكه الله لحكمة بالغة هو وحده يعلمها، ولا يطلب تأخير أمر قد عجّله الله وقضاه، ولو كان الخير في تعجيله لعجّله ﷻ . هذا هو المفتاح الذي بإذن الله سيفتح مغاليق أبواب الرزق.
فالشطر الأول من الدعاء استغاثة واستفتاح باسم الله على نفسه وماله ودينه ... هذا الاستفتاح يحمل في طياته أن يكون ذا علاقة ودودة مع خالقه، أي أنه بعيد عن الذنوب، قصيٌ عن المعاصي. لأنه يستفتح باسم الله " إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيْبُهُ، وَلا يُرَدُّ الْقَدَرُ إِلا بِالدُّعَاءِ، وَلا يَزِيْدُ فِيْ الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ" (١) فهذا التذكير بالتوبة
стр. 73
يفتح باب الرزق، والثقة بقدرة الله والبرء من حول الإنسان وقوته، لأنه يستفتح عمله باسم الله، لا بقدراته ولا بحسبه ولا بعمله.
أما الشطر الثاني فهو الرضا الذي يمنع الحسد، (الحسد: هو تمني زوال النعمة عن الآخرين) ويُذهب الحسرة في استعجال ما لم يقّدره الله أو دفع ما قضاه الله. وإن الرضا مفتاح القبول، فكأن باب الرزق يُفتح بالتوبة والرضا. وإن الرضا والتسليم يمنعان ظهور كثير من الآفات الاجتماعية التي قد نراها اليوم من تنافس غير شريف بين الأنداد وأصحاب المصلحة الواحدة أو المهنة ذاتها. ومردّ ذلك يعود إلى نقص في الإيمان بقضاء الله وحكمته، فيتغلغل الحسد في القلب، وتنقدح العقول في المكر والخديعة، وتشتعل الشرور لنيل ما قدّر الله لكل منهم من رزق مكتوب، فتكون النهاية خسران السرور.
إن الله يعلم ضعف البشر فهو خالقهم وموجدهم .. وقد خُلق الإنسان عجولاً (ويدعُ الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً) (١) إذا مسه الخير منوعاً، وإذا مسه الشر جزوعاً .. إلا من رحم ربي .. وهؤلاء من استظلوا بحمى الرحمن وأناخوا عند أعتابه راضين
стр. 74
مسلمين، مقيمين للصلاة، متصلين بأسباب السماء، عندها فقط تتفجر ينابيع الرزق وتزول الغمّة التي إما قد تكون امتحاناً في الرضا أو عقوبة لذنب كي يؤوب إلى خالقه ورازقه ... فإن رضي وتاب تُرفع الغمّة وينفرج الكرب. (مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً). (١)
يقول الله تعالى: (إنّ الإنسان خلق هلوعاً (١٩) إذا مسّه الشرّ جزوعاً (٢٠) وإذا مسّه الخير منوعاً (٢١) إلا المصلين (٢٢) الذين هم على صلاتهم دائمون (٢٣) والذين في أموالهم حقٌ معلوم (٢٤) للسائل والمحروم (٢٥) والذين يصدّقون بيوم الدين (٢٦) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (٢٧)) (٢)
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ثم فسّره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ أي: إذا أصابه الضرّ فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.
стр. 75
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها.
وعن أبي هُرَيرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "شر ما في رجل شُحٌ هالع، وجبن خالع".
ثم قال: ﴿إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله ووفقه، وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه، وهم المصلون ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قيل: معناه يحافظون على أوقاتهم وواجباتهم. قاله ابن مسعود، ومسروق، وإبراهيم النخعي. وقيل: المراد بالدوام هاهنا السكون والخشوع. وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملاً داوموا عليه وأثبتوه. (١)
إن هذه الأدعية وتلك الصلة بالخالق في أضيق اللحظات التي قد يصاب بها الإنسان البعيد عن تلك المعاني بما يسميه هذا العصر بمرض الاكتئاب الذي يكون علاجه عند أهل الطب دواء كيماوياً، إنّ هذه الأدعية هي البلسم الشافي ولو كان غير ذلك لأمرنا جل وعلا بالتداوي. أنا لا أطعن بالطب والعلم الحديث ولا أشكك بطبيعة الدماغ التي يمكن أن تؤثر فيه الأدوية الكيماوية. إنما أتعجب