← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97804

نسيمات من عبق الروضة

أمل طعمة

Полный текст (102 стр.). Показаны 71–102 · переход к 76.

стр. 71

ما يقول إذا عسر أمر معيشته عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يمنع أحدكم إذا عسر عليه أمر معيشته أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله على نفسي ومالي وديني اللهم رضني بقضائك، وبارك لي فيما قُدّر لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت)) رجل مغموم، مشغول البال، مطرق الرأس، يضرب أديم الأرض طلباً للرزق فكأنها صخرٌ، ويحفر التراب بكلتا يديه فكأنما جمادٌ، يذهب يميناً تيمناً لطلب العيش فكأن الرزق يفرّ منه يساراً، حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وكاد اليأس يتسلل إلى داخله تذكر دعاء النبي ﷺ (بسم الله). كل عمل لا يبدأ باسم الله فهو أبتر، لأنه بُتر عن مصدر القوة الحقيقية، وكأن الذي بدأ باسم الله يستفتح حصناً باسم العظيم،

стр. 72

فمثلاً لو أن مصنعاً كان مغلقاً فجاء أحدهم وقال لصاحبه افتح هذا المصنع باسم الحاكم أي بأمر الحاكم هل يستطيع أحد أن يمنع هذا الأمر؟ ولله المثل الأعلى، إن اسم الله يفتح كل باب ويفرّج كل عسير، إنه استفتاح بعظيم السموات والأرض وخالقها ... إنه استغاثة بخازن السموات والأرض ومن فيهن، بمن عنده مفاتيح الغيب. ثم يأتي الدرس الأول للحال الواجب أن يكون المسلم عليه في هذا الموقف الشديد على النفس، إنه درس الرضا والتسليم حتى لا يُحب تعجيل ما أمسكه الله لحكمة بالغة هو وحده يعلمها، ولا يطلب تأخير أمر قد عجّله الله وقضاه، ولو كان الخير في تعجيله لعجّله ﷻ . هذا هو المفتاح الذي بإذن الله سيفتح مغاليق أبواب الرزق. فالشطر الأول من الدعاء استغاثة واستفتاح باسم الله على نفسه وماله ودينه ... هذا الاستفتاح يحمل في طياته أن يكون ذا علاقة ودودة مع خالقه، أي أنه بعيد عن الذنوب، قصيٌ عن المعاصي. لأنه يستفتح باسم الله " إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيْبُهُ، وَلا يُرَدُّ الْقَدَرُ إِلا بِالدُّعَاءِ، وَلا يَزِيْدُ فِيْ الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ" (١) فهذا التذكير بالتوبة

стр. 73

يفتح باب الرزق، والثقة بقدرة الله والبرء من حول الإنسان وقوته، لأنه يستفتح عمله باسم الله، لا بقدراته ولا بحسبه ولا بعمله. أما الشطر الثاني فهو الرضا الذي يمنع الحسد، (الحسد: هو تمني زوال النعمة عن الآخرين) ويُذهب الحسرة في استعجال ما لم يقّدره الله أو دفع ما قضاه الله. وإن الرضا مفتاح القبول، فكأن باب الرزق يُفتح بالتوبة والرضا. وإن الرضا والتسليم يمنعان ظهور كثير من الآفات الاجتماعية التي قد نراها اليوم من تنافس غير شريف بين الأنداد وأصحاب المصلحة الواحدة أو المهنة ذاتها. ومردّ ذلك يعود إلى نقص في الإيمان بقضاء الله وحكمته، فيتغلغل الحسد في القلب، وتنقدح العقول في المكر والخديعة، وتشتعل الشرور لنيل ما قدّر الله لكل منهم من رزق مكتوب، فتكون النهاية خسران السرور. إن الله يعلم ضعف البشر فهو خالقهم وموجدهم .. وقد خُلق الإنسان عجولاً (ويدعُ الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً) (١) إذا مسه الخير منوعاً، وإذا مسه الشر جزوعاً .. إلا من رحم ربي .. وهؤلاء من استظلوا بحمى الرحمن وأناخوا عند أعتابه راضين

стр. 74

مسلمين، مقيمين للصلاة، متصلين بأسباب السماء، عندها فقط تتفجر ينابيع الرزق وتزول الغمّة التي إما قد تكون امتحاناً في الرضا أو عقوبة لذنب كي يؤوب إلى خالقه ورازقه ... فإن رضي وتاب تُرفع الغمّة وينفرج الكرب. (مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً). (١) يقول الله تعالى: (إنّ الإنسان خلق هلوعاً (١٩) إذا مسّه الشرّ جزوعاً (٢٠) وإذا مسّه الخير منوعاً (٢١) إلا المصلين (٢٢) الذين هم على صلاتهم دائمون (٢٣) والذين في أموالهم حقٌ معلوم (٢٤) للسائل والمحروم (٢٥) والذين يصدّقون بيوم الدين (٢٦) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (٢٧)) (٢) يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ثم فسّره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ أي: إذا أصابه الضرّ فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.

стр. 75

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها. وعن أبي هُرَيرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "شر ما في رجل شُحٌ هالع، وجبن خالع". ثم قال: ﴿إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله ووفقه، وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه، وهم المصلون ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قيل: معناه يحافظون على أوقاتهم وواجباتهم. قاله ابن مسعود، ومسروق، وإبراهيم النخعي. وقيل: المراد بالدوام هاهنا السكون والخشوع. وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملاً داوموا عليه وأثبتوه. (١) إن هذه الأدعية وتلك الصلة بالخالق في أضيق اللحظات التي قد يصاب بها الإنسان البعيد عن تلك المعاني بما يسميه هذا العصر بمرض الاكتئاب الذي يكون علاجه عند أهل الطب دواء كيماوياً، إنّ هذه الأدعية هي البلسم الشافي ولو كان غير ذلك لأمرنا جل وعلا بالتداوي. أنا لا أطعن بالطب والعلم الحديث ولا أشكك بطبيعة الدماغ التي يمكن أن تؤثر فيه الأدوية الكيماوية. إنما أتعجب

стр. 76

من الدواء السحري الشافي الذي زوّده الله عباده بالمجان وليس له مضارٍ جانبية تؤثر فيما بعد على الجهاز العصبي، ويزهد العباد بدواء رب العباد وخالقهم ويلجأ أحدهم لدواء من صنع عبد مثله لا يدرك أبعاد الروح. (ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم العلم إلا قليلاً) (١). إن أي ضيق أو غمّ إنما هو ابتلاء من الله وامتحان ولا يكون الخروج من هذا الابتلاء إلا بعد الإجابة الصحيحة للامتحان الذي أصدره ربّ العباد والمخصص لهذا العبد. والجواب الصحيح هو في جنبات هذا الدعاء الشريف. رحمن رحيم ﷻ ، أعطى الأسئلة ومعها أجوبتها، والمغبون من حاول استراق النظر من غير مصدرها، عندها لا أضمن له النتائج!

стр. 77

ما يقول عند ورود نعمة أو إذا رأى ما يحب أو يكره عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أنعم الله على عبد نعمة في أهلٍ ومالٍ وولدٍ فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيها آفة دون الموت)). عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره)) وروي عن سهل بن حنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليُبَرك عليه فإن العين حق)). وعن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحب ّقال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال.

стр. 78

كنا في حال العسر فكُشفت الغُمّة وانتقلنا إلى صورة مشرقة .. صورة إقبال نعمة تحبها. فما هو الحال السليم للقلب السليم؟ هل الإعجاب بها ونسبها لقدرتك وذكائك وعملك؟ أم الزهو بها والتفاخر بين الناس والعلو عليهم؟ أم ردّ النعمة إلى المنعم؟ إنه لا شك رؤية المنعم والفرح بنعمة أهداها إليك حبيبك ومنعمك وخالقك. هذه هي الفرحة الحقيقية، لأنها واردة من حبيبك وخالقك والمتفضل عليك، من المالك الأصلي لا الوكيل عليها. فما هي العبارة الشافية والواقية التي ستُلبسك ثوب الحال المناسب لذلك؟ إنه التبرؤ من حولك وقوتك وردّ المشيئة إلى خالقها وردّ النعمة إلى موجدها والمنعم بها تفضلاً وإحساناً. فما آثار هذا الدعاء العظيم؟ انظر جيداً هناك صورة طالب متفوق استطاع أن يحصل على العلامات التامة في فحص الثالث الثانوي وهو الأول على بلده، عشرات الكاميرات والألوف تصفق والتلفاز ينجز مقابلة معه.

стр. 79

والسؤال الأول البديهي: كيف حصلت على ذلك؟ والجواب الذي غالباً ما يطرق آذاننا بتنظيم الوقت والاجتهاد وقد أعانني والداي وما إلى ذلك .... ماذا لو قال بفضل الله ونعمته فله أحمده ثم والديّ اللذين .. ؟ ما التغيرات في داخله وما هو حاله وحال قلبه مع الله في كلا الموقفين؟ وما هي البذرة التي زُرعت في الموقف الأول وفي الموقف الثاني؟ البون شاسع .... في الموقف الأول زُرعت بذرة الإعجاب بالنفس وعدم رؤية المنعم الحقيقي .... فمن الذي أعطانا العقل لننظم أمورنا؟ ومن الذي وهبنا الذكاء والقدرات؟ ومن يسّر لنا الظروف الملائمة للدراسة والتفوق؟ ثم أعاننا في الامتحان لتذكّر ما تم حفظه. إن نقطة دم واحدة كفيلة بأن تُلغي ذلك العقل العظيم الذي أتقن حفظ معلوماته، وطرفة عين واحدة يمكن أن تغيّر الأحداث، أما الموقف الثاني فهي مثال الإنسان الصالح النافع لأمته لا يتعالى على غيره، ويردّ الفضل لأولي الفضل، ويرى المنعم وعظمة إمداده ونعمائه فيذوب قلبه حباً له وتنطلق جوارحه في نفع عباده ليفوز بالقرب والرضى من خالقه ومولاه.

стр. 80

فأي إنسان سيكون لمجتمعه أفضل، صاحب الموقف الأول أم الثاني؟ إن الحال الصحيح للقلب السليم هو تذكّر المنعم الحقيقي وحمده وشكره على الخير الذي أهداه والعطاء الذي قدّمه. وهو بذلك يرسم معالماً لمجتمع صالح نافع يقود العالم بقوة الله وتوفيقه وعونه. وقد وردت في سورة الكهف قصة ذاك العبد الذي غرّته النّعم فنسي المنعم وظن أن هذه النّعم هو مسببها وموجدها، بحوله وقوته، فهلكت نعمته وفني بستانه: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ماشاء الله لاقوة إلا بالله. إن ترنِ أنا أقل منك مالاً وولداً (٣٩) فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً (٤٠) أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً (٤١) وأحيط بثمره فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً (٤٢) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وماكان منتصراً (٤٣)) (١) تلك هي آثار أذكار رسول الله ﷺ التي تبرمج المسلم المؤمن سليم القلب، فتزوده بالآلات النافعة والتعليمات النفيسة ليعمّر الكون بقوة

стр. 81

الله وذكره، فتعمّ السعادة جميع الناس، لأنه ببساطة يبني مثالاً للمواطن الصالح الذي يسعد مجتمعه به ويفخر به قبل أن ينال ثواب الآخرة وأجرها.

стр. 82

ما يقول من مات له ميت عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا آجر الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله تعالى لي خيراً منه رسول الله ﷺ . (صحيح مسلم) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفِّيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. نحن الآن مع صورة جديدة فيها من الشدة والجزع والبكاء والألم، فقدان الأحبة من أصعب شدائد الدنيا، فما حال المسلم في ذاك الموقف العصيب؟ انهيار عصبي؟ أم صراخ وعويل؟ أم إعراض عن متابعة الحياة؟

стр. 83

إن ترداد (إنا لله وإنا إليه راجعون) تذكّره بحقيقة يعرفها جيداً لكنه الآن في أمسّ الحاجة إليها، البداية من الله والنهاية إليه، فنحن ملك لله، عارية يستردها متى شاء. هبّ أنك استعرت من جارك شيئاً لمدة طويلة ثم جاء يطلبه، ألك حقٌّ أن تصرخ في وجهه وتمنعه من أخذها؟ وهل من اللائق أن تبكي وتنزعج لفقدانك لها وهي ليست لك؟ إنك إن فعلت أياً من ذلك فسيحكم عليك من يراك إما بنقص في عقلك أو لؤم في طبعك. عن أسامة بن زيد ﵄ قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُوْلُ إِحْدَىْ بَنَاتِهِ، يَدْعُوْهُ إِلِىْ اِبْنِهَا فِيْ الْمَوْتِ، فَقَالَ النَبِيُّ ﷺ : " اِرْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَىْ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّىً، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ" (١) إن تذكّر هذه الحقيقة على بداهتها ومعرفة كل إنسان لها لازمة في هذا الموضع لأنها تُعيد العقل إلى رشده أمام هول المُصاب، أما الدعاء (اللهم أجرني في مصيبتي ..... ) ففيه من ملاطفة النفس وتمنيتها بالخير ما يفتح باب المؤانسة، ويخفف من عبء وثقل المصيبة فحال

стр. 84

من وقعت مصيبة الموت على أحد من أحبابه هو حال الرضا والتسليم لأمر الله، ولا يعين على ذلك إلا تذكّر هذه الحقيقة، ثم إن الجزاء على الرضا والحمد والتسليم كفيل بتهدئة النفس رجاء المثوبة (الجنة) وكل هذا وذاك هي أدوية مطيبة ومهدئة للنفس من عند طبيب القلوب وخالقها ... وما أظن أن دواءً من صنع بشر يمكنه أن يمسح عناء المصيبة إلا دواء بارئ النفس وخالقها فهو العليم الخبير، الرحيم الودود، الكريم القدير ﷻ . ولمزيد من رحمة الله بعباده عند نزول البلاء أنه حثّ الناس بتعزية بعضهم بعضاً، فعن عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّيْ أَخَاهُ بِمُصِيْبَةٍ، إِلا كَسَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (١). ومما يروى في لطيف التعزية والتخفيف عن المصاب, عن الحسن البصري ﵀، أن رجلاً جزع على ولده وشكا ذلك إليه فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائباً، فإنه لم يغب عنك غيبة الأجر لك فيها

стр. 85

أعظم من هذه. فقال: يا أبا سعيد هوّنت عني وجدي على ابني. (١) وعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اِشْتَكَىْ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَىْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَعُوْدُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بنِ أَبِيْ وَقَّاصَ وَعَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ, فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِيْ غَشِيَّةٍ فَقَالَ: أَقَدْ قَضَىْ؟ قَالُوْا: لا يَا رَسُوْلَ اللهِ, فَبَكَىْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ , فَلَمَّا رَأَىْ الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ بَكُوْا, فَقَالَ: أَلا تَسْمَعُوْنَ إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وِلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَىْ لِسَانِهِ -أَوْ يَرْحَمُ. (٢) وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم ﵁ وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وَأَنْتَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ فَقَالَ: يَا بنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَىْ فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يحْزَنُ، وَلا نَقُوْلُ إِلا مَا يُرْضِيْ رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيْمُ لَمَحْزُونُوْنَ. (٣)

стр. 86

ما يقول إذا رأى الهلال عن ابن عمر ﵄: قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: الله أكبر اللهم أهلِّهُ علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تُحبّ وترضى ربنا وربك الله. إنه تجديد بالعهد كل شهر وتطمين للنفس بالأمن والسلام من عند السلام المهيمن، تجديد بالعمل لما يرضي الله ويحبه .. وتفكّر بمخلوقات الله وعظمة كونه وقدرته ﷻ . لفتة نبوية لا يمكن أن يفوتها ﷺ لتذكير الغافل وتحفيز النفوس، فإن ران على القلب شيء فكان التقاعس سلوكه تكون هذه اللفتة العظيمة مسحاً للماضي وتحفيزاً للمستقبل. وما أحوج الإنسان إلى مثل ذلك في هذه الحياة الدنيا المليئة بالمغريات والمشتتات والملهيات. إنه الله ﷺ يطرق على قلب المسلم بلطف لئلا يدعه لنفسه وشيطانه فالمعصوم من عاش مع ذكر الله وأذكار رسول الله الله ﷺ قلباً وقالباً ذكراً باللسان والقلب.

стр. 87

وعن قتادة أنه بلغه أن نبي الله الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: " هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِيْ خَلَقَكَ " ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ يَقُوْلُ: " الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا، وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا " (١) إن عبارة (هلال خيرٍ ورشد) تبعث في النفس معنيين أولهما تطمين للنفس وترويح لها بأن يكون هلالاً جديداً فيه الخير ... فإن كان الشهر الذي قُضي فيه من العسر والشدة، فهذا تفاؤل بانقضاء الضراء وانحسار الشدة فهو يفتح باب التفاؤل للمعسر والطمع بالخير القادم. وهذا له أثر كبير على النفس لتفتح صفحة جديدة مع شهر جديد وأيام قادمة، ولا يخفى على من له اطلاع بعلم النفس البشرية آثار هذا التفاؤل في شخذ الهمم وإيقاظ الأمل .... الأمل بالله وبخير فجر الشهر الجديد. أما كلمة (رشدٍ) فهي صفحة جديدة أخرى للمتقاعس والغافل والمذنب الذي حاد عن الطريق قليلاً كي يعود إلى طريق الرشد ... إنه فتح لباب التوبة الذي لا يقفل أبداً.

стр. 88

عن أبي موسى، عن النبي الله ﷺ ، قال "إِنَّ الله يَبْسُطُ يَدَهُ بِالليْلِ لِيَتُوْبَ مُسِيْءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوْبَ مُسِيْءُ الليْلِ، حَتَّىْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". (١) فسبحانه ﷻ من تجلى على عباده بأسماء وصفات الجمال فأقبلت القلوب إليه محبة مشتاقة، ومن تجلى على عباده بأسماء الجلال فأقبلت إليه منكسرة مخبتة، وهو في كل الأحوال متعرّف وناظر ومحيط بعباده يفرح بتوبتهم ويقبل على من أقبل محباً عاشقاً، يمد يد العون للغافل والمتقاعس والمذنب والمدبر فكيف بمن أقبل عليه يرجو وجهه الكريم!

стр. 89

الاستخارة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدُره لي ويسرّه لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه واقدُر لي الخير حيث كان ثم رضّني به. قال: ويسميّ حاجته. مطرق الرأس، شارد الذهن، متعب البال، عينٌ ذابلة، رأس ثقيل، أفكار مزدحمة ..

стр. 90

هذا حال الحائر في اتخاذ قراره حول أمر ما، إنه محتار في قبول هذا الأمر أم لا، أو في اختيار البديل أو ذاك، وبينما هو في زحمة أفكاره يتذكر دعاء الاستخارة الذي كان رسول الله الله ﷺ يعلّمه لأصحابه كما علمهم سورة الفاتحة، وذلك لأهميتها وحاجتها للمسلم في حياته. فما هو الحال السليم في هذا الموقف العصيب؟ تذكّر لاسم الله العليم الذي فاق علمه كل شيء، للأول والآخر، للظاهر والباطن، للعليم الخبير الذي يعلم ما تخفي الأنفس والصدور .. يعلم ما كان وما قد يكن وما هو كائن .. محيط بكل شيء .. حفي خبير. إن تذكّر صفاته العظيمة ﷻ لكفيل بإضفاء شعور الأمن والأمان والسكينة والهدوء .. فهو يعلم إن استخرته وأنخت عند أعتابه، وأعلنت افتقارك إليه، والتبرؤ من حولك وقوتك إلى قوته ﷻ وعلمه الواسع، إنه يعلم ما يصلح لك، فكيف لا تهدأ سريرتك بعد ذلك؟ وكيف لا تقر عينك إن علمت ذلك علم اليقين؟

стр. 91

(اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدُره لي ويسرّه لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري) وكأنه ﷺ يسرّب لنا معلومة عظيمة حول المعيار الذي يجب أن يكون نصب أعيننا عندما نوازن بين البدائل. فليس معيار اختيار البديل الأول عن الثاني معيار أيهما أحب إليّ أو أفضلهما منزلة ومكانة ووجاهةً في الدنيا .. ليست كل هذه المعايير الدنيوية ذات الأفق المحدود. بل معيار الخيرية في الدين والمعاش في الدنيا، ثم عاقبة ونتائج الأمر القريبة منها والبعيدة. إنه ﷺ يقول لك انتبه إلى نتائج البدائل القريبة والبعيدة، وليكن معيار التفضيل لديك في أيّ البدائل نتائجه بالنسبة لدينك ومعاشك (أي حياتك المعاشة التي تحتاجها، وليست للتفاخر والتباهي بل التي تحتاجها فيما يُقيم عودك ويعيّشك بخير) أفضل؟ إنه درس في مهارات اتخاذ القرار .. فقد حدد الله ﷺ الهدف الذي ينبغي أن يتوفر فيه البديل المناسب، ثم جعل مهارة اعتبار النتائج القريبة وبعيدة المدى أساساً في تحديد البديل المناسب. وجعل من معيار الدين

стр. 92

وصلاح المعيشة المعيارين الأساسيين في اختيار القرار الملائم. وإن أهم مهارة في اتخاذ القرار هي مهارة اعتبار النتائج القريبة والبعيدة مع اعتبار مهارة معالجة الأفكار أي دراستها سلبياً وإيجابياً. صلى الله على معلم البشرية الذي لم يدرس في المدارس والجامعات ليتعلم مهارات اتخاذ القرار، إنما علّمها ربه عز وعلا، الذي أحاط بكل شيء علماً، وعنده علم الأول والآخر، والظاهر والباطن .. .

стр. 93

التهنئة بالمولود عن الحسين ﵁ أنه علّم إنساناً التهنئة فقال: قل: بارك الله في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورُزقت برّه. يقول الله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً) (١). ويقول جل وعلا: (ألهاكم التكاثر (١) حتى زرتم المقابر (٢)) (٢). متى يكون الولد فتنة تلهي الإنسان حتى لا يفطن لنفسه إلا في المقبرة؟ إن صمام الأمان حتى لايكون الولد فتنة لوالديه، أن يتذكر الواهب

стр. 94

لهذه الهدية العظيمة. وعندما يتذكر أن ابنه أو ابنته هي هبة من الله، يشكر ربه على هذه النعمة، ويرضى بها ذكراً كانت أم أنثى، ويسعى في تربيته (رُزقت برّه): فلن يكون الولد صالحاً حتى يحسن الوالد والوالدة تربيته ويعلماه القرآن، فهذا حق الولد على والده. عندئذٍ تصبح هذه النعمة نعمة حقيقية، تقرّ عين الوالدين في حياتهما، ويكون لهما ذخراً بعد وفاتهما، لأنه (عمل صالح). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ. (١) فالشطر الأول من الدعاء (بارك الله في الموهوب لك، وشكرت الواهب) تذكير للوالدين بأنه نعمة وهبة من الله فلا ينسون الواهب أو يغفلون عن حقه وواجباته، فإنهم إن غفلوا عن ذلك لن تقر عينهما ببرّه، ولن ينتفعا بصحبته عند كبرهما. (وبلغ أشده، ورُزقت برّه) فالشطر الأول يذكّر بالمنعم، فإن أديا حقه وبلغا رسالته، رسالة العبودية وأحسنا تربية ولدهما، يتحقق

стр. 95

الشطر الثاني من الدعاء (رزقت برّه). رسالة سريعة .. تذكير بالأمانة والخلافة في الأرض عند ولادة مولود، ليكون خليفة الله في أرضه، مقيماً لشرعه، ولتختفي أمامها جميع المظاهر الاجتماعية التي تتناقض مع عظمة هذه الرسالة، فيبرز الهدف والغاية ليشكلا حياة المولود الجديد من ثياب وألعاب وأنشطة ونظام حياة متناسب مع رقي الهدف وسمو الرسالة. عندئذٍ لن تجد أماً تعوّد ابنتها لبس ثيابٍ غير محتشمة في مختلف المناسبات، كي لا ينفصل التطبيق عن المبدأ والهدف، ولا يضيع الهدف والغاية وسط زحمة مغريات الدنيا ومفاتنها. ولن تجد أماً أو أباً يضع ابنه في مدارس للتبشير، ليضمن سلامة وطلاقة اللغة الإنكليزية! وستختفي صور المال غير الحلال عند أبٍ يتلو هذا الدعاء، لأن ما نبت من السحت فالنار أولى به. وستتلاشى صور الاختلاط واللهو الفاحش الذي لاتكاد تميّز فيه الذكر من الأنثى!

стр. 96

فهذا الدعاء رغم أنه يُقال عند الولادة، لكنه يرسم للأب والأم منهاجاً تربوياً متكاملاً، ومؤشراً لما يجب فعله أو عدم فعله كي يرزقان برّ ولدهما. وصدق الرسول الله ﷺ " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشْرِكَانِهِ ". (١)

стр. 97

كفارة المجالس عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله الله ﷺ : من جلس مجلساَ فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كفّر الله له ما كان في مجلسه ذلك. وعن أبي هريرة عن النبي الله ﷺ : ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة. مأثرة من مآثر الرسول ﷺ ، وفضل من الله عظيم ... فما أكثر هذه المجالس في عصرنا الحاضر! إنه إرشاد نبوي أبوي، رحيم وعليم بضعف النفوس ورعوناتها.

стр. 98

ففيها نلمس توجيه النبي ﵊ إلى أن المجالس التي لا وزر فيها هي فقط التي يذكر فيها الله، وما يقرّب إليه من قول أو فعل أو علم. وكل مجلس لا يذكر فيه اسم الله يكثر خطؤه، ويكون حسرة وندامة على حاضريه إلا رجلاً دعا واستغفر كما علّمه الحبيب الله ﷺ . إن المجلس الذي لايذكر اسم الله تعالى كأن فيه جيفة حمار. تشبيه بليغ، وصورة مقززة، هدفها كهدف الآية الكريمة في تشبيه ذم الغيبة وفعلها في المجتمع (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً)! .. هدفه أن يجتنب المسلم ذلك الفعل ولا يقربه. بل يفرّ منه ومن رائحته العفنة. فكم دقيقة من الممكن أن يتحمّل المرء في غرفة أو مجلس فيه رائحة جيفة حمار! فكذلك الجلسة التي تخلو من ذكر الله وما يقرّب إليه من قول أو علم أو فعل يجب أن لا تستمر أكثر من الدقائق التي تستطيع نفسك أن تصبر على الرائحة الكريهة للجيفة العفنة. أدب رفيع، يرسم معالم المجتمع الراقي الذي ليس فيه مجال للنميمة والغيبة وإضاعة الوقت دون جدوى .. فكم تجرّ النميمة والغيبة وإضاعة الوقت على المجتمع من ويلات وخسائر نفسية واجتماعية

стр. 99

ومادية أيضاً! وفي نفس الوقت تدع الباب موارباً لمن أخطأ، وهذا الذي عوّدنا إياه المولى الكريم .. فهو ﷻ يشير إلى الطريق القويم وينبه إلى مخارجه وعقباته، بوضوح جلي، ثم يفتح الباب على مصراعيه لمن أراد أن يتدارك خطأه أو يُصلح ما أفسد، في تنبيه لطيف، وإشارات قوية الأثر، عميقة المعنى. فله الحمد والفضل، ونستغفره من جميع الذنوب .. وحق لله علينا أن نذكره في كل الوقت، وهو الذي لم ينس ضعفنا، وكثرة نسياننا، فألهم الرسول الكريم تعليمنا هذه الأذكار لتكون لنا حصناً حصيناً من الغفلة والذنوب، وركناً منيعاً للمضي قدماً في درب سعادة الدارين. جعلنا الله ممن فازوا برضاه وكتبنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات وصلى الله على خير البرية، ومعلّم البشرية، سيد المرسلين وإمام المربين.

стр. 100

ما يقول من ضيع شيئاً ما عن عمر بن كثير بن أفلح قال: كان ابن عمر يقول للرجل إذا أضل شيئاَ: قل اللهم ربّ الضالة، هادي الضالة، تهدي من الضلالة، ردّ عليّ ضالتي بقدرتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك. وفي وجه آخر سئل ابن عمر ﵁ عن الضالة فقال: يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يتشهد ثم يقول: اللهم رادّ الضالة، هادي الضلالة، تهدي من الضلال، ردّ علي ضالتي بعزتك وسلطانك، فإنها من فضلك وعطائك. قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن. دم فائر، ضربات قلب متسارعة، من كثرة الذهاب والإياب، عبارات بأصوات مرتفعة تنادي: من حرّك ... ؟ من رأى؟ ... أوداج حمراء، عيون زائغة، ممزوجة بشيء من الغضب أو الحزن إلا من

стр. 101

كانت ثقته بالله عظيمة، وإيمانه برحمته وقدرته كبيرة. هذا حال من ضيّع شيئاً عزيزاً عليه أو هو في أمس الحاجة إليه. وقد تكون هذه الضرورة قصوى مثل حال الذي فقد ناقته في الصحراء وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها قال من شدة فرحه: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، كما جاء في الحديث الصحيح. فحال القلب السليم الذي يبحث عن شيء ضيّعه يجب أن يكون متذكراً لقدرة الله وعلمه الذي أحاط بكل شيء، فلا يعتريه اليأس أو الغضب، ويعلم تمام اليقين أنه إنما حجب عنه لحكمة أرادها الله، فلا ينطلق في شتم هذا، أو توجيه توبيخٍ لذاك لأنه السبب في ضياعها. فالحال السليم الذي ينبغي أن يكون عليه قلب ذاك الذي فقد شيئاً هو التلبس بالعبودية لله، والاعتراف بقدرته جل وعلا، ثم التذكّر بأن هذه النعمة التي فقدها الآن ليست من كسبه وبعمله أو جهده، إنما هي من نعم الله عليه، فهو الصاحب الحقيقي لها، والمتفضل بإعطائها، فإن أراد مالكها حجبها عمن استدانها منه لفترة محددة ولحكمة يعلمها، فليس من الأدب أن يغضب إن أراد مالكها الحقيقي ذلك.

стр. 102

إن هذه المعاني التي تنبعث في أجواء هذا الذكر لتحرّك القلب نحو الاتجاه الصحيح الذي ينبغي أن يسير وفقه في هذا الموقف، عندئذٍ تُردّ عاريته إليه، إذ آب القلب إلى السكة أو الطريق القويم وسط زحمة الحياة وفتنها. (مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً) (١).