← Акыда

Акыда · id 97806

عقيدة السلف - مقدمة أبي زيد القيرواني لكتابه الرسالة

ابن أبي زيد القيرواني

Полный текст (66 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عقيدة السلف "مقدمة ابن أبي زيد القيرواني لكتابه الرسالة" تُوفِّيَ سنة ٣٨٦هـ -رحمه الله تعالى- لأحمد بن مُشَرَّف الأحسائي المالكي المتوفى سنة ١٢٩٨هـ -رحمه الله تعالى- تقديم بكر بن عبد الله أبو زيد عن ابن أبي زيد, ورسالته, وعبث بعض المعاصرين بها

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ابن أبي زيد, عبد الله بن عبد الرحمن, ت ٣٨٦هـ. عقيدة السلف/ لابن أبي زيد القيرواني؛ مراجعة بكر بن عبد الله أبو زيد. -ط١. -الرياض: دار العاصمة, ١٤١٤هـ/١٩٩٤م. ٧٢ص؛ ١٢×١٧سم. ردمك: × - ١٠ - ٧٤٩ - ٩٩٦٠ ١ - العقيدة الإسلامية. ٢ - التوحيد. أ- أبو زيد, بكر بن عبد الله, مراجع ب- العنوان. رقم الإداع: ٠٩٠١/ ١٤

стр. 3

عقيدة السلف "مقدمة ابن أبي زيد القيرواني لكتابه الرسالة"

стр. 4

المُقَدِّمَةُ الحَمْدُ للهِ عَلَى نِعْمَةِ التَّوحِيد، والصَّلاة والسَّلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأَصحابه، ومن تبعهم بإِحسان إِلى يوم الدين. أَمَّا بعد: فإِن العلاَّمة أَبا محمد ابن أَبي زيد القيرواني (١): عبد الله بن أَبي زيد عبد الرحمن النَّفْزِي - بالزاي المعجمة- وقيل: النَّفْزَاوي، نسبة إلى قبيلة من قبائل إِفريقية البربرية.

стр. 5

وقيل: بل إِلى "نَفْزَة" من بلاد الأَندلس، القيرواني المالكي، المولود سنة ٣١٠ هـ، والمتوفى بها سنة ٣٨٦ هـ على الصحيح عن "٧٦" عاماً - رحمه الله تعالى- كان من وجوه أَهل العلم ورفعائهم، مَعْنِيّاً بلزوم السنة والأَثر، والرد على أَهل الأَهواء والبدع، وبخاصة العبيديين، والطرقية؛ ولهذا، ولعلمه، وصرعه، ونبوغه في المذهب المالكي لا سيما في كتابه العُجاب: "النَّوادر والزيادات"، والذي هو الآن قيد التحقيق في "تونس" - كان يُلَقَّبُ بمالك الصغير. وهو وطبقته آخر المتقدمين، وأَول المتأَخرين منهم. وكان - رحمه الله تعالى- عالماً، فقيهاً، ورعاً، كريماً، مُمَدَّحاً، ثرياً، عالي الهمة، سَرِيَّا. وحصلت له إِمامة المالكية بل أَهل السنة كافة في المغرب في زمانه. وكان عالي الإِسناد، معنياً بلقاء الشيوخ والأَخذ عنهم واستجازتهم غرباً، وشرقاً، لا سيما في رحلته الحجازية لأَداء فريضة حج بيت الله الحرام، ولهذا احْتَوَشَهُ الطلاب، وكثر عنه الآخذون، وصار طلب العلم وتعليمه: صنعته،

стр. 6

وتدريسه: حرفته، فشهد درسه الكبار، وتخرج به الأَقران، وأَلحق الأَحفاد بالأَجداد. وكان له في التأْليف رِيَادَةٌ، وفي صنعته عناية، وعلى عبارته حلاوة وطلاوة. وقد بلغت مؤلفاته نحو أَربعين مؤلفاً، في التفسير، والحديث، والفقه، والرد على المخالفين. وكان أَول مؤلفاته: "الرسالة" ولهذا قالوا: "هي باكورة السَّعْدِ، وزبدة المذهب"، وقد كتبها استجابة لرغبة بَلَدِيِّهِ، مُؤَدِّبِ الصِّبْيَةِ، ومعلمهم القرآن الكريم: أَبي محفوظ مُحْرَز بن خلف البكري التونسي المالكي، المولود سنة ٣٤٠ هـ. والمتوفى سنة ٤١٣ هـ. وقيل: بل إِن الذي طلب منه تأْليفها هو: السَّبَائي: إِبراهيم بن محمد، فالله أَعلم. وهي أَول مختصر في مذهب المالكية. وهي أَيضاً: أَول كتاب طبع لابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- ولها طبعات كثيرة في: فاس، والقاهرة، وتونس،

стр. 7

ولندن، وباريس، إِذ ترجمت إِلى اللغتين: الِإنكليزية، والفرنسية. وهي تنتظم أَبواب الشريعة في: التوحيد، والفقه، والآداب، وقد حوت نحو أَربعة آلاف مسأَلة. وقد اعتمدها المالكية شرقاً وغرباً، وعكفوا عليها: دراسة، وتدريساً، وتلقيناً، وحفظاً، وشرحاً، ونظماً؛ حتى بلغت شروحها نحو ثلاثين، بل قال زَرُّوق، المتوفى سنة ٨٩٩ هـ - رحمه الله تعالى- في شرحه لها: (١/ ٣): "حتى لَقَدْ ذُكر أَنها منذ وجدت حتى الآن، يَخْرج لها في كل سنة شرح وتبيان". فتكون شروحها والبيانات عنها بالمئات حتى أَن علي ابن محمد بن خلف المُنُوفي المتوفى سنة ٩٣٩ هـ له ستة شروح على الرسالة. ولشدة الحفاوة بها كتبت بالذهب، وبيعت أَول نسخة منها في حلقة شيخه بالِإجازة، شيخ المالكية ببغداد: أَبي بكر محمد بن عبد الله التميمي الأَبهَري، المُتوفَّى سنة

стр. 8

٣٧٥ هـ -رحمه الله تعالى- بيعت بعشرين ديناراً ذهباً. ولشدة الحفاوة بها أَيضاً، كان أَخذ التلاميذ لها عن الأَشياخ بالِإسناد والاجازة إلى مؤلفها، وأَسانيدُها مثبتة في الأَثبات، والمشيخات، والفهارس حتى عصرنا. وكان أَول شروحها لتلميذه: أَبي بكر محمد بن مَوْهَب المقبري، المتوفى سنة ٤٠٦ هـ -رحمه الله تعالى-. وقيل: بل أَول شارح لها هو: القاضي عبد الوَهَّاب بن نصر المالكي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ رحمه الله تعالى-. وقد بيعت أَول نسخة من شرحه لها بمائة مثقال ذهبا. وهذان الشرحان يلتقيان مع ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- على طريقة السلف كما يفيده نقل ابن القيم عنهما في: "اجتماع الجيوش الِإسلامية". وأمَّا جُل الشُّروح المطبوعة كشرح زَوُّوق، والعدوي، وابن ناجي، وابن غنيم، وغيرهم فهي على طريقة الخلف في شرح المقدمة، والله المستعان. وَلاَ يُسْتَنكَرُ هذا؛ فإِن المذهب ينتسب إِليه طوائف

стр. 9

مخالفون لصاحب المذهب في كثير من مسائل الاعتقاد، كما حصل في المنتسبين إِلى الأَئمة الأَربعة، ومن أَمثلة ذلك كتاب "الفقه الأَكبر" المنسوب إِلى أَبي حنيفة - رحمه الله تعالى- فقد شرحه أَبو منصور الماتريدي، وغيره فمشوا فيه على التأْويل. والله المستعان (١). وتناولها علماء آخرون بالنظم، منها نظم في تسعين بيتاً لمقدمة الرسالة في: "الاعتقاد" للشيخ أَحمد بن مشرف المالكي الأَحسائي، المتوفى سنة ١٢٨٥هـ - رحمه الله تعالى-. طبعته جامعة الِإمام محمد بن سعود الِإسلامية عام ١٣٩٦ هـ. ومن قَبْلُ أَفرد المقدمة الخَفَّافُ المالكي وغيره- رحم الله الجميع-. ومقدمة هذه الرسالة على وجازتها، حاوية لأَصول الاعتقاد في الإِسلام على طريقة سلف هذه الأُمة، وخيارها

стр. 10

من الصحابة ﵃ فمن بعدهم: في بيان حقيقة الِإيمان وأَركانه الستة، وتقرير توحيد الله -سبحانه- في أَسمائه، وصفاته، كالاستواء، وإثباتها على حقيقتها، وتفويض كيفيتها، إِثباتاً من غير تفويض للحقيقة، ولا تشبيه، ولاتمثيل، ولا تعطيل. فرحم الله هذا الحبر رحمة واسعة، آمين. وقد رأَيتها في مطلع هذا العام ١٤١٤ هـ. منشورة مفردة باسم: "العقيدة الِإسلامية التي يُنَشَّاُ عليها الصِّغار" للِإمام ابن أَبي زيد القيرواني. وُلد سنة ٣١٠ هـ، وتُوفي سنة ٣٨٦ - رحمه الله تعالى - اعتنى به: عبد الفتاح أَبو غدة. الناشر: مكتب المطبوعات الِإسلامية بحلب". فرأَيت هذا "المُعْتَنِي بِهَا" قد تناولها بقلم غير قلم ابن أَبي زيد، وبعقيدة تخالف عقيدته، فَوَظَّفَ التحريف بما سَوَّلَتْ له نَفْسُهُ في نَصِّ هذه العقيدة ومعناها فَفَتَح فيها ثُلَما، وَغَشَّاها من عقيدة التفويض والتحريف مَا غَشَّى، تفريطاً في الحق وهو بين يديه، وتعدياً على الخلق وهو بين

стр. 11

أَيديهم، فصار واجباً عَلَى مَنْ عَلِمَ: كشف تلك الدسائس. ودفع هذا التعدي البائس، نصرة لعقيدة أَهل السنة وأَهلها، وحماية لعقائدهم من دخولات المخالفين لها؛ وليحذر المسلمون من تسليم أَولادهم لمن يتمسح بمعتقدهم، وحقيقته استدراجهم إِلى فاسد مشربه، وفتح باب الأَهواء، والمُشَاقَّةِ في صُفُوفِهم، نعوذ بالله من الهوى وأَهله. وإليك البيان:

стр. 12

• توظيفه التحريف لنص مقدمة الرسالة: * رأَيت في إِخراجه للنص تصرفات في ذات النص بالحذف في موضعين: (ص ٢٠، ٢٣)، والتصرف بإِبدال كلمة بأُخرى في موضع واحد: (ص ٢٥)، والزيادة من كيسه على النَّص في ستة مواضع: (ص ٣٣، ٣٨، ٤١، ٤١،٤١). تُعْلَمُ هذا بالمقابلة بين نص المقدمة الذي نقله وبين نَصِّ المقدمة في "الرسالة" ومع شروحها المطبوعة. وقد قابلت النص الذي طبعه: على نُسخ الرسالة مفردة، ومع شروحها المطبوعة الآتية، وهي: ١ - الرسالة الفقهية مع "غُرر المقالة" للمغراوي (ص/ ٧١ - ٨٠). المحققة عام ١٤٠٦ هـ طبع دار الغرب. ٢ - رسالة القيرواني. طبع مكتبة الحلبي بمصر عام ١٣٦٨ هـ: (ص/ ٢ - ٤). ٣ - متن الرسالة. طبع مكتبة القاهرة: (ص ٣ - ١٢). ٤ - رسالة ابن أَبي زيد. طبع نيجريا: (ص ٢ - ٩).

стр. 13

٥ - ، ٦ - شرح زروق ومعه شرح ابن ناجي: (١/ ٤ - ٧١). طبع مصر، عام ١٣٣٢ هـ. ٧ - ، ٨ - شرح العدوي مع شرح المنوفي: (١/ ٧ - ١١٠). طبع دار الفكر. ٩ - الفواكه الدواني. لابن غنيم: (١/ ٢ - ١٢٩). ١٠ - الثمر الدواني. لصالح بن عبد السميع الأَزهري: (ص ٣ - ٢٠). ١١ - تنوير المقالة للتتائي. (١/ ٣١ - ٣٨٠). طبع عام ١٤٠٩ هـ. ١٢ - كفاية الطالب الرباني. للمنوفي: (١/ ١٣ - ٢٣٤). طُبع مفرداً عام ١٤٠٧ هـ. بالمقابلة على متن مقدمة الرسالة في جميع هذه النُّسخ، وَجَدْتُ أَن جميع ما أَشرف إِلى مواضعه من تحريفاته بالحذف، أَو التغيير، أَو الزيادة، كلها تحريفات من عنده، وجميعها بالجملة تحمل نَفَساً مذهبياً، وعصبية خَلْفية. نَعَمْ تَوَرَّع في مقدمة الطبع فذكر أنه سيزيد ألفاظا؟؟

стр. 14

فَحَوَّل هذه العقيدة من انتظامها العقدي لفرائض الاعتقاد إِلى مذكرة فقهية في قالب اصطلاح مذهبه الفقهي، بإِقحامه ستة أَلفاظ في ستة مواضع من كلام ابن أَبي زيد في مقدمته، فهذه ست كذبات كذبها على ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- منها ألفاظ: "فرض وواجب ومطلوب"؟؟ وأُمور الاعتقاد تجري على سياق واحد بأَنها أَصل الدين وقاعدته. والفرض والواجب لا فرق بينهما عند جمهور الفقهاء منهم مالك - رحمه الله تعالى-، وابن أَبي زيد مالكي المذهب. والتفريق بينهما من مفردات مذهب الحنفية؛ إِذ الفرض عند الحنفية لما ثبت بدليل قطعي، والواجب لما ثبت بدليل ظني، و"المطلوب" ما تردد بينهما، فلماذا هذا؟ وعندئذٍ تعرف السِّرَّ في حذفه قول ابن أَبي زيد في فاتحة المقدمة: "فإِنك سأَلتني أَن أَكتب لك جملة مختصرة من واجب الديانة مما تنطق به الأَلسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن

стр. 15

من مؤكدها ونوافلها ورغائبها، وشيء من الآداب منها. وَجُمَل من أُصول الفقه وفنونه على مذهب الإِمام مالك ابن أَنس ﵀ وطريقته ما سهل سبيل ما أَشكل من ذلك من تصير الراسخين، وبيان المتفقهين". فقد حذف ما تحته خط، وهو كلام ينتظم جميع ما سيذكره من أُمور الاعتقاد، والآداب، والأَحكام من أَنها على مذهب مالك وطريقته، وتفسير الراسخين، وبيان المتفقهين. وأَما التغيير فعند قول ابن أَبي زيد -رحمه الله تعالى-: "ولا يتفكرون في ماهية ذاتها": (ص ٢٥)، بعد أَن حذف هذا الحلبي كلمة: "ماهية"- وفي بعض النسخ: "مائية"- وأَبدلها بكلمة: "حقيقة"- قال في التعليق: "أَي لا يعلم أَحد حقيقة ذات الله ﵎ ... ". فهذا ليس بياناً مُلاَقياً؛ فإِن مرتبة التفكير تسبق مرتبة العلم، فنفي "التفكير" في ذات الله، أَبلغ من نفي العلم فتأَمل.

стр. 16

فانظر إِلى هذا المكر: حَذْفٌ، وَزِيَادَة، وَتَغْيِيرٌ، وَتَدْلِيسٌ، وَفِرَارٌ مِن طَريقة السلف، وتلفيقٌ مرفوض شرعاًَ وَمَسْلَكاَ. ولا أَحب أَن أُطيل ببيان ذلك؛ لأَن سطوه هذا بالتحريف كافٍ في إِدانته، وسحب الثقة منه، يؤيده ما بعده: * ورأَيت أَن طَبْعَهُ النَّزَّاع إِلى التحريف، قَدْ أَعْمَلَهُ فيما نقله في تعليقاته: ففي التعليقة رقم/٢ (١)، (ص/٢٨ - ٣٠) نقل عن القرطبي في تفسيره: (٧/ ١) فزاد، ونقص، وَلَفَّق، وَتَصَرَّف بعبارات أُخر، كما يُعلم بالمقابلة. وفي التعليقة رقم/ ١، (ص/ ٣١ - ٣٢) عن زَرُّوق: تلفيق ظاهر، كما يعلم بالمقابلة.

стр. 17

• توظيفه التحريف لمعانيها بصرفها عن طريقة السلف: * ورأَيته في تعليقاته على هذه المقدمة في التوحيد قد قلبها من عقيدة السَّلف إِلى عقيدة خلفية، تحمل: الِإرجاء، والتفويض، والتأْويل، وَحَمْلَ نصوص الصفات على المتشابه: فَحَوَّلَ الِإيمان، من حقيقته الشرعية: قول، واعتقاد، وعمل، إِلى عقيدة "الِإرجاء"؛ إِذ أَخرج "الأَعمال" عن حقيقة الِإيمان، ومسماه، وَلبَّس في العبارة كما في تعليقته رقم/٢، (ص/٢٤). وقد بينت ما في هذا القول الفاسد من الجناية على الإِسلام، وعلى المسلمين، وذلك في كتاب: "تحريف النصوص من مآخذ أَهل الأَهواء في الاستدلال". * وَحَوَّلَ ما قرره ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- من أَن الله -سبحانه- فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه، خلق الِإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه ... على العرش استوى، وعلى الملك احتوى ... ، حَوَّلَّهُ إِلى

стр. 18

عقيدة التفويض بثلاث تعليقات: التعليقة الأَولى: رقم/ ٢، (ص/ ٢٦)، والتعليقة الثانية: رقم/ ١، (ص ٢٧)، والتعليقة الثالثة: رقم/١، (ص/٣١)، كلها تعليقات تدور على نفي ما نطق به الوحيان الشريفان من استواء الله -سبحانه- على عرشه، استواء حقيقياً يليق بجلاله من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل. وإِليك البيان: ١ - قال في التعليقة الأَولى: رقم/ ٢، (ص/ ٢٦): لفظة: "بذاته" لم ترد في الكتاب والسنة ولا في كلام الصحابة ﵃ قال الحافظ الذهبي في كتاب: "العلو": (ص/ ١٧٢) عند ذكرها في كلام ابن أَبي زيد هنا: (وقد نقموا على ابن أَبي زيد في قوله: "بذاته" فليته تركها). إِلى آخر ما نقله عن الذهبي -رحمه الله تعالى- في ذلك من كتابه: "سير أَعلام النبلاء" في موضعين منه. وهنا ينبغي أَن يقف المسلم على الحقائق الآتية:

стр. 19

* الحقيقة الأُولى: أَنه مازال أَمر المسلمين جارياً على الإِسلام والسنة من لدن الصحابة من المهاجرين والأَنصار ﵃ إِلى من بعدهم من التابعين لهم بإحسان ما تتابعوا، يؤمنون بصفات الله -تعالى- التي نَطَقَ بها الوحيان الشريفان، فَتُمَرُّ كما جاءت وتثبت على ظاهرها بأَلفاظها، وتثبت دلالة أَلفاظها على حقائقها، ومعانيها، وتعيين المراد منها على ما يليق باللهِ ﵎ وذلك كالقول في الذات سواء، مع تفويض الكيفية، ونفي الشبيه والمثال، والتنزيه عن التعطيل. وهذا مُوجَبُ النصوص، والعقول، وفِطَر الخلائق السليمة. وكانت الحال كذلك في صدر الأُمة في أُمور التوحيد كافة لا يشوبهم في ذلك شائبة. ولهذا لا ترى في هذه الحقبة الزمنية المباركة تآليف في تقرير التوحيد.

стр. 20

* الحقيقة الثانية: أَنه لما وقعت في الأُمة بذور البدع في الِإرجاء، والقدر، والتشيع، والتأْويل، والتفويض ... قابلها السلف عن قوس واحدة بالرد، والِإنكار، وصاحوا بهم من جميع الأَقطار، فتميزت جماعة المسلمين المنابذين لهذه الأَهواء باسم: السلف، وأَهل السنة، وأَهل السنة والجماعة، وأَهل الحديث. وانحازت الأَهواء في رؤوس أَصحابها يُعْرَفُونَ بأَلقابهم التي تفصلهم عن جماعة المسلمين: شيعة، رافضة، قدرية، مرجئة، مؤولة، مفوضة، جهمية، معتزلة، ماتريدية، أَشعرية ... * الحقيقة الثالثة: أَن القيام بهذا الواجب الِإيماني العظيم من أَهل السنة والجماعة في الرد على أَهل الأَهواء كِفَاحاً، أَوْجَدَ كذلك الرَّدَّ كتابة على كل مَن مَدَّ لسانه بباطل في مقامات التوحيد وأَصل الملة، فكتبوا الردود ودونوها، وأَبطلوا شبه المخالفين وزيفوها، وأَن نهاية صدورها من المخالفين، إِنما هو عن

стр. 21

هوى وتلاعب بالدين. فَرَدَّ عَلَى القدرية في القرن الثاني الأَئمة: مالك المتوفا سنة ١٧٩ هـ، وابن المبارك المتوفا سنة ١٨١ هـ، وغيرهما- رحم الله الجميع-. وهكذا عَلَى بقية الفرق، ومؤلفاتهم فيها مشهورة، ومنها جملة مطبوعة. ولهذا فيكاد يكون أَول الكتب المؤلفة في التوحيد، هي في مجال الرد على المخالفين فحسب. * الحقيقة الرابعة: أَن أَهل السنة والجماعة حين يكتبون في بيان أَمر التوحيد، وتقريره، ابتداءً؛ لتلقين المسلمين المعتقد الحق، ودفع تلقينهم عقائد المخالفين- فإِنهم في تآليفهم هذه يقتصرون على أَلفاظ نصوص الوحيين الشريفين كما سَلَكَهُ شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- في "العقيدة الواسطية" وغيرها. وقد يأْتي بعضهم ببعض هذه الأَلفاظ مثل "بائن من خلقه"، "بذاته"، "غير مخلوق" لزيادة البيان؛ ولما يشاهده

стр. 22

في عصره من ظهور المخالفين وانتشار مذاهبهم، فهو تقرير وَرَدٌّ على تلكم التوجهات العقدية المرفوضة بمقياس الشرع المطهر، يوضحه ما بعده: * الحقيقة الخامسة: أَن وجود الأَقوال الشنيعة من المخالفين في حق الله- ﵎ المُعْلَنَةِ في مذاهبهم الباطلة: التأْويل، التفويض، التعطيل ... المخالفة لما نطق به الوحيان الشريفان في أُمور التوحيد والسنة، اضطرت علماء السلف الذين واجهوا هذه المذاهب، والأَقاويل الباطلة بِالرَّدِّ والِإبطال- إِلى البيان بأَلفاظ تفسيرية محدودة، هي من دلالة أَلفاظ نصوص الصفات على حقائقها ومعانيها لا تخرج عنها؛ هؤلاء المخالفين لما تجرؤا على الله فتفوهوا بالباطل وجب على أَهل الإِسلام الحق الجهر بالحق، والرد على الباطل جهرة بنصوص الوحيين، لفظاً ومعنى ودلالة بِتَعَابِيرَ عن حقائقها ومعانيها الحَقَّة لا تخرج عنها البتة، وانتشر ذلك بينهم دون أَن ينكره منهم أَحد.

стр. 23

وكان منها- مثلاً- أَلفاظ خمسة: "بذاتها"، "بائن من خلقه"، "حقيقة"، "في كل مكان بعلمه"، "غير مخلوق". فأَهل السنة يُثبتون: استواء الله على عرشه المجيد، كما أَثبته الله لنفسه. فلما نفى المخالفون "استواء الله على عرشه المجيد" وَلَجَأُوا إِلى أَضيق المسالك، فأَوَّلَهُ بَعْضٌ بالاستيلاء، وبعض بالتفويض، وبعض بالحلول، رد عليهم أَهل السنة بإِثبات استواء الله سبحانه على عرشه المجيد بذاته، وأَنه -سبحانه- بائن من خلقه، وأَنه استواء حقيقة. فأَي خروج عن مقتضى النص في هذه الأَلفاظ. بل نقول لهم بالِإلزام: أَين لفظ "الاستيلاء" في نصوص الوحيين؟ وقد بينت بعضاً من ذلك في حرف الباء من: "معجم المناهي اللفظية" استطراداً فيما لا ينهى عنه. وهذه الأَلفاظ انتشرف بين المسلمين: أَهل السنة والجماعة، ولم ينكرها منهم أَحد، وإليك البيان:

стр. 24

"١"- لفظ: "بذاته": أَما لفظ: "بذاته" فقال أَبو منصور السجزي المتوفى سنة ٤٤٤ هـ رحمه الله تعالى (١): "أَئمتنا كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد ابن زيد، والفضيل، وأَحمد، وإِسحاق متفقون على أَن الله فوق العرش بذاته، وأَن علمه بكل مكان" انتهى. وأَبو إِسماعيل الهروي المتوفى سنة ٤٨١ هـ - رحمه الله تعالى- لما صرح في كتبه بلفظ "الذات" قال (٢): "ولم تزل أَئمة السَّلف تُصرِّح بذلك" انتهى. فهذان نقلان يفيدان إِطلاق هذا اللفظ لدى السلف من غير نكير. ومن أَفرادهم كما في "اجتماع الجيوش الِإسلامية"، و"مختصر العلو":

стр. 25

١ - ابن أَبي شيبة: أَبو جعفر محمد بن عثمان العبسي الكوفي المتوفى سنة ٢٩٧ هـ. ٢ - أَبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٠ هـ: "المختصر": (رقم ٢٧٩). ٣ - أَبو الحسن الأَشعري، ت ٣٢٤ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨١). ٤ - أَبو سليمان الخطابي، ت ٣٨٨ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨١). ٥ - ابن أَبي زيد القيرواني المالكي، ت ٣٨٦ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٥٠)، "المختصر" (رقم ٢٧٩). ٦ - أَبو عمرو الطلمنكي، ت ٣٩٩ هـ: "اجتماع": (ص/١٤٢، ١٤٧، ٢٨١). ٧ - أَبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، ت ٤٠٣ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨٠، ٢٨١). ٨ - محمد بن الحسن بن فورك، ت ٤٠٦ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨١).

стр. 26

٩ - محمد بن موهب تلميذ ابن أَبي زيد، ت ٤٠٦ هـ: "اجتماع": (ص / ١٨٧، ١٨٨)، "المختصر": (رقم ٢٨٢). ١٠ - يحيى بن عمار السجزي، ت ٤٢٢ هـ: "اجتماع": (٢٧٩)، "المختصر": (رقم ٣١٩). ١١ - عبد الوهاب بن نصر المالكي، ت ٤٢٢ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٦٤، ١٨٩، ٢٨٠، ٢٨١)، "المختصر": (رقم ٢٧٩). ١٢ - سعد بن علي الزنجاني الشافعي، ت ٤٧١ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٩٧). ١٣ - أَبو إِسماعيل عبد الله الأَنصاري الهروي، ت ٤٨١ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٧٩)، قال: "بذاته". وفي: "المختصر": (رقم ٢٥٥)، قال: "على العرش بنفسه". ١٤ - إِسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي، ت ٥٣٥ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٨٠، ١٨٣).

стр. 27

١٥ - عبد القادر الجيلاني، ت ٥٦١ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٧٦، ٢٧٧). ١٦ - محمد بن فرج القرطبي، ت ٦٧١ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨٥). "٢" - لفظ: "بائن من خلقه": وأَما لفظ: "بائن من خلقه" فقد عزاه أَبو نعيم الأَصبهاني المتوفى ٤٣٠ هـ إِلى السلف فقال كما في: "مختصر العلو": (ص/ ٢٦١): "طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة واِجماع الأُمة ومما اعتقدوه أَن الله لم يزل كاملاً بجميع صفاته القديمة ... - إِلى أَن قال-: وأَن الأَحاديث التي ثبتت في العرش، واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف، ولا تمثيل، وأَن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أَرضه" انتهى مختصراً. قال الذهبي بعده: "فقد نقل هذا الِإمام الِإجماع على

стр. 28

هذا القول، ولله الحمد ... ". ونقله- أَيضاً- الِإمامان أَبو زرعة، وابن أَبي حاتم، قالا كما في: "اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص/ ٢٣٣)، و"مختصر العلوم": (ص / ٢٠٤، رقم / ٢٥٣)، واللفظ عن "اجتماع الجيوش الِإسلامية": "أَدركنا العلماء في جميع الأَمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم الِإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق ... - إِلى أَن قال-: وأَن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، أَحاط بكل شيء علماً، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ... " انتهى مختصراً. وقال القرطبي محمد بن فرج المتوفى ٦٧١ هـ كما في: "اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص/ ٢٨١): "وقال جميع الفضلاء الأَخيار: إِن الله فوق عرشه كما أَخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من جميع

стр. 29

خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات" انتهى. وحكاه البوشنجي المتوفى ٢٤٢ هـ عن أَهل الأَمصار كما في "مختصر العلو": (ص / ٢٢٥)، فقال: "هذا ما رأَينا عليه أَهل الأَمصار، وما دلَّت عليه مذاهبهم فيه، وإِيضاح منهاج العلماء وصفة السنة وأَهلها، أَن الله فوق السماء على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وسلطانه وقدرته بكل مكان" انتهى. ومن أَعلامهم كما في: "اجتماع الجيوش الِإسلامية"، و"مختصر العلو": ١ - عبد الله بن المبارك، ت ١٨١ هـ: "اجتماع": (ص / ١٣٤، ٢١٤)، "المختصر": (رقم ٦٧). ٢ - هشام بن عبد الله الرازي، ت ٢٢١ هـ: " المختصر": (رقم ٥٣). ٣ - سُنيد بن داود، ت ٢٢٦ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٣٥) "المختصر": (رقم ٥٦).

стр. 30

٤ - حماد بن هناد البوشنجي، ت ٢٣٠ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٤٢)، "المختصر": (رقم ١٠٨). ٥ - إِسحاق بن راهويه، ت ٢٣٨ هـ: "المختصر": (رقم ٦٧). ٦ - أَحمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٠٠، ٢٠١)، "المختصر": (رقم ٦٦). ٧ - يحيى بن معاذ الرازي، ت ٢٥٨ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٧٠)، "المختصر": (رقم ٧٩). ٨ - أَبو زرعة الرازي، ت ٢٦٤ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٣٣)، "المختصر": (رقم ٧٧). ٩ - المزني صاحب الشافعي، ت ٢٦٤ هـ: "اجتماع": (ص / ١٦٨)، "المختصر": (رقم ٧٤). ١٠ - أَبو حاتم الرازي، ت ٢٧٧ هـ: "اجتماع": "المختصر": (رقم ٧٧، ٧٨). ٠ ٧ (ص/ ٢٣٣)، ١١ - عثمان بن سعيد الدارمي، ت ٢٨٠ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٣١).

стр. 31

١٢ - أَبو جعفر ابن أَبي شيبة، ت ٢٩٧ هـ: "المختصر": (رقم ١٠٣). ١٣ - عبد الله بن أَبي جعفر الرازي، مات بعد المائتين: "اجتماع": (ص / ٢٢١)، "المختصر": (رقم ٤٥). ١٤ - إِمام الأَئمة ابن خزيمة، ت ٣١١ هـ: "اجتماع": (ص / ١٩٤)، "المختصر": (رقم ١٠٩). ١٥ - أَبو القاسم الطبراني، ت ٣٦٠ هـ: "المختصر": (رقم ١٢٥). ١٦ - ابن بطة، ت ٣٨٧ هـ: "المختصر": (رقم ١٣٣). ١٧ - محمد بن موهب، ت ٤٠٦ هـ: "اجتماع": (ص / ١٨٨)، "المختصر": (رقم ١٦٤). ١٨ - معمر الأَصبهاني، ت ٤٢٨ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٢٦)، "المختصر": (رقم ١٤٢). ١٩ - أبو نعيم الأصبهاني ت ٤٣٠ هـ: "اجتماع": (٢٧٩)، "المختصر": (رقم ١٤١). ٢٠ - شيخ الإِسلام أَبو عثمان الصابوني، ت ٤٤٩ هـ:

стр. 32

"اجتماع": (رقم ٢٤٧). ٢١ - أَبو إِسماعيل الأَنصاري الهروي، ت ٤٨١ هـ: "اجتماع": (ص ٤٨١)، "المختصر": (ص ١٥٨). ٢٢ - نصر المقدسي، ت ٤٩٠ هـ: "المختصر": (رقم ١٥٥). ٢٣ - إِسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي، ت ٥٣٥ هـ: "اجتماع": (ص / ١٨٠). "٣"- لفظ: "حقيقة": وأَما لفظ: "حقيقة" فإِطلاق علماء السلف لها عند ذكر إِثبات كل صفة من صفات الله تعالى- وصف بها نفسه، أَو وصفه بها رسوله ﷺ : أَكثر من أَن يحصر؛ وذلك لَمَّا تَفَوَّهَ أَهْلُ الأَهواء بمواقفهم المخالفة في الصفات بنفي حقائقها ومعانيها بين التفويض تارة، والتأْويل تارة، والتعطيل تارة، والتشبيه تارة، وقد قالت الجهمية والمعتزلة (١):

стр. 33

"لا يجوز أَن يسمى الله بهذه الأَسماء على الحقيقة" حينئذٍ كَثُرَ على لسان السلف إِثبات صفات الله تعالى على الحقيقة، أَي: بالِإقرار والِإمرار بلا تأْويل ولا تفويض للمعنى ولا تكييف، ولا تشبيه مع التفويض للكيفية". ومجىء هذا اللفظ على لسان السلف أَكثر من أَن يحصر، ولينظر على سبيل المثال: "مختصر العلو": (ص / ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٨، ٢٨٦)، و"اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص / ١٤٢، ١٨٩، ٢٦٣، ٢٨٠) وفيها قال القرطبي: "ولم ينكر أَحد من السلف الصالح أَنه استوى على العرش حقيقة" انتهى. "٤"- لفظ: "في كل مكان بعلمه": وأَما قولهم: "في كل مكان بعلمه" فقد قال الِإمام مالك - رحمه الله تعالى- (١): "الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان".

стр. 34

وهو تعبير جارٍ لدى أَئمة جماعة المسلمين في كتبهم كافة، وبخاصة عند إِثبات استواء الله- تعالى- على عرشه المجيد، وعند إِثبات معية العلم، ولم يخالفهم في ذلك أَحد يحتج به كما قال ابن عبد البر - رحمه الله تعالى- (١): "وعلماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأْويل، قالوا في تأْويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٤]: أَنه على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أَحد يحتج به" انتهى. "٥" - لفظ: "غير مخلوق": * والمسلمون: أَهل السنة، يعتقدون ويثبتون أَن القرآن كلام الله ﵎ لا يزيدون على ذلك. فلما واجهت الجهمية الأُمةَ ببدعة القول بخلق القرآن وشايعهم المعتزلة على هذه المقولة الكفرية فقالوا عن القرآن:

стр. 35

"مخلوق". رد عليهم علماء السلف بالنفي والِإنكار فقالوا: "القرآن كلام الله غير مخلوق". وإِلى هذه الحقيقة أَشار الِإمام أَحمد - رحمه الله تعالى - كما في "مسائله" رواية أَبي داود عنه: (ص / ٢٦٣ - ٢٦٤)، إِذ سُئل عن الواقفة الذين لا يقولون في القرآن إِنه مخلوق أَو غير مخلوق، هل لهم رخصة أَن يقول الرجل: "كلام الله" ثم يسكت؟ قال: وَلمَ يسكت؟! لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأَي شيء لا يتكلمون (١). * الحقيقة السادسة: هذه خمسة أَلفاظ تداولها علماء السَّلف من غير نكير من بعضهم على بعض، وأَطلقوها في مواجهة أَهل الأَهواء لما نطقوا بالباطل. وقد ساق منها ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- ثلاثة أَلفاظ:

стр. 36

"بذاته"، "وهو في كل مكان بعلمه"، "القرآن كلام الله ليس بمخلوق" فاستنكر عليه الذهبي - رحمه الله تعالى- لفظة "بذاته". ونقل المعلق برقم / ٢، (ص / ٢٦)، استنكار الذهبي لها على ابن أَبي زيد المالكي، وعلى ابن الزاغوني الحنبلي المتوفى ٥٢٧ هـ. ونريد في هذه الحقيقة بيان الفرق بين استنكار الذهبي لها وبين سياق المعلق لهذا الاستنكار، لنعلم أَن الفرق بين الاستنكارين كالفرق بين الرجلين. فالذهبي - رحمه الله تعالى- جارِ في الاعتقاد على طريقة أَهل السنة والجماعة، لا يشك في ذلك أَحد؛ ولهذا كان كتابه "العلو للعلي الغفار" شجى في حلوق المبتدعة من المؤولة، والمفوضة، والمعطلة، وغيرهم. فاستنكاره - رحمه الله تعالى- لِإطلاق بعض هذه الأَلفاظ لا يعني التأْثير بأَي وجه على سلامة معتقده في الِإثبات بلا تشبيه ولا تكييف، وإِنما يعني استنكار إِطلاقها في مقام التقرير، أَو لما يحصل لها من أَثر على بعض

стр. 37

النفوس، والقصد هداية الخلق إِلى الحق، والأَصل الوقوف عند لفظ النص. أَما سياق المعلق المذكور بقرينة تعاليقه الخلفية على هذه المقدمة، فهو يعني إِنكار "استواء الذات" والذي من لازمه أَن الله -تعالى- في كل مكان، فيؤول الأَمر إِلى ما فاهت به الجهمية والمعتزلة من قولهم: "إِن الله في كل مكان بذاته" تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وهذه الحيدة في هذا التعليق عن مذهب السلف، هي نظير الحيدة في تعليقته الثانية: رقم / ١، (ص / ٢٧) على قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-: "وهو في كل مكان بعلمه" إِذ قال المعلق: "يعني أَن عِلْمَ الله -تعالى- محيط بكل مكان لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء". فهذا كلام حق، والله -تعالى- يقول: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. لكن تعليقه من خَلَفِىّ على هذا الموضع، له معنى لدى الأَشعرية يعود

стр. 38

بالِإبطال على إِثبات استواء الله على عرشه بذاته، وأَنه في كل مكان بعلمه. وتعليقته هذه هي عين ما جرى عليه الأَشعرية في "شرح الرسالة"، كما في: "شرح زروق": (١/ ٢٩)، والتتائي في: "تنوير المقالة": (١/ ١٨٦ - ١٨٧) وفيه: " ... قول من قال: إِن الباري -تعالى- بكل مكان بعلمه: باطل؛ لأَن من يعلم مكاناً لا يصح أَن يقال: هو في ذلك المكان بالعلم، وإِنما يقال: إِنه محيط بكل شيء قدرة، وعلماً، وأَن ما أَتى به المؤلف، هو مذهب المعتزلة ... " انتهى. وهذه مغالطة. فالمعتزلة يقولون: إِن الله تعالى في كل مكان بذاته، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. فانظر:- رعاك الله- خفاء مسالك المبتدعة، في صرف الحق وأَن لهم عبارات، وأَلفاظاً، وحيلاً، يُقََلِّبون فيها الأُمور. وأَن هذا المعلق أَتى بهذا التعليق على مشربه، فأَفسد

стр. 39

العقيدة من مكان بعيد. نعوذ باللهِ من الخذلان. وأَما تعليقته الثالثة: رقم / ١، (ص / ٣١) على قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-: "على العرش استوى" فإِنه نقل كلام زروق في "شرح الرسالة": (١/ ٢٤، ٣١)، وكلام زروق- تجاوز الله عنا وعنه - فيه تأْويل من بعد تفويض؛ إِذ فوض معنى الاستواء وَأَوَّلَ قول مالك - رحمه الله تعالى- المشهور عنه وعن غيره من السلف: "الاستواء معلوم ... " على أَن آيات الصفات من المتشابه الذي يُنزه عن المحال ولا يُتعرض لمعناه. وهذا حمل لكلام مالك على غير المراد منه، والناس كافة على خلافه، وشرح هذا يطول. وَهُنَا غَلِطَ زروق في قوله: "جاء ذكر الاستواء على العرش في ستة مواضع من كتاب الله تعالى"، وصوابه في: "سبعة مواضع ... " من سورة: الأَعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد.

стр. 40

والمعلق لم ينقل أَيضاً كلامه بتمامه، بل بتر، وَلَفَّق، وَيَعلم هذا مَنْ قَابَل بين النقل والكتاب المنقول منه. والقول بالتفويض شَرٌّ من التأْويل، ومن نَسب التفويض إِلى أَنه قول السلف، وفي مقدمتهم الصحابة- ﵃ فقد جَهِلَ مذهبهم، وَجَهَّلَهم، وكذب عليهم. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- (١): "إِن قول أَهل التفويض الذين يزعمون أَنهم متبعون للسنة والسلف مِن شَرِّ أَقوال أَهل البدع والِإلحاد" انتهى. وقال السفاريني - رحمه الله تعالى- مشيراً إِلى قبح مقالة التفويض (٢): "فهذا الظن الفاسد، أَوجب تلك المقالة التي مضمونها، نبذ الإِسلام وراء الظهر، وقد كذبوا وأَفكوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف،
следующие страницы →