مَقَاصِدُ المُكَلفينَ فيمَا يُتعَبَّدُ به لِرَبِّ العَالمين
أو
«النيات في العبادات»
«إنما الأعمَال بالنِّيَّات»
الدكتور عمر سليمان الأشقر
رسَالة دكتورَاه في الفقهِ المقَارن
من كلية الشريعة بجامعَة الأزهر
مكتبة الفلاح
الكويت
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
مكتبة الفلاح - الكويت - ص. ب ٤٨٤٨
أمَل
"وددت أنّه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلّم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيّات ليس إلا، فإنَّه ما أتى على كثير من الناس إلاّ من تضييع ذلك".
عبد الله بن أبي جمرة
***
стр. 5
كلمة الافتتاح
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمد عبده ورسوله، وبعد: فإنَّ مقاصد العباد ونياتهم محلُّ نظر الباري جلَّ وعلا، فالعبادة ما لم تقم على المقاصد الشرعية فإنها تعدُّ في ميزان الله هباء تذروه الرياح، وسرابًا إذا جاء صاحبه في اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده، فوفَّاه حسابه، والله سريع الحساب.
ومقاصد العباد تحتاج إلى تقويم وتشذيب ورعاية وعناية، ذلك أن النيات تقع موقع الأرواح من الأعمال، وتقوم مقام جذور الشجرة من السوق والفروع والأغصان، فكيف يكون حال الأجساد إذا نزعت منها الأرواح؟ وكيف يكون حال شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؟
ومن يطالع الكتاب الكريم، وسنة المصطفى المختار بتدبر وتأمل يعلم أنَّ الدّين الإسلامي عني بإصلاح مقاصد المكلفين ونياتهم عناية تفوق اهتمامه بأي مسألة أخرى، ذلك أن الأعمال تصبح مظاهر جوفاء، وصورًا صمّاء إذا خلت من المقاصد الصادقة الحقة.
وقد حمدت الله كثيرًا على أن وفقني جل وعلا إلى اختيار هذا الموضوع: "مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين" كي يكون مجال بحثي في الرسالة التي أعدّها لنيل 'جازة (الدكتوراه) في الفقه المقارن من كلية الشريعة بجامعة الأزهر.
وقد ألزمت نفسي في بداية الأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة متدبرًا متأملاً، حتى إذا وقفت على النصوص التي تتصل بالموضوع عدت إلى ما تركه السلف الصالح من
стр. 6
كنوز خيرة تتحدث عن هذا الموضوع وتجليه.
لم أشكُّ، والحمد لله من قلَّة المادة العلمية، فمباحث النيات من أوائل المسائل التي يتناولها العلماء والباحثون بالبسط والإيضاح، لأهميتها، ولأنَّ الترتيب الفقهي المنطقي يحتّم كون النيات في طليعة المسائل الفقهية. ومن الملاحظ أنَّ علماءنا الأوائل كانوا يفصِّلون في المباحث الأولى التي يتناولونها تفصيلا، لأنَّ عزائمهم في البدايات تكون قويَّة، وهممهم لا تزال تتطلع إلى تجلية الحقائق واستقصاء المسائل.
إلا أن الذي عانيت منه كثيرًا تضارب الآراء واختلافها، وقد أحوجني ذلك إلى كثرة ترديد النظر في الحجج والبراهين التي يوردها المتنازعون، وقد أكثرت من الاستشهاد بنصوص الأدلَّة القرآنية والحديثية، كي أصل إلى النتيجة السليمة التي يطمئن لها القلب وترضى بها النفس، وهذا منهج أحرص عليه دائمًا، فهدي المسلمين الذي علمناه أن يقتفي التابعون نهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين ولا يُخْرَج عن أقوالهم بحالٍ من الأحوال.
لم أكتف وأنا أقلِّب الكتب بالمطبوع منها، بل بذلت جهدي في الحصول على المخطوطات التي لم تر النور بعد، وصورت ونسخت ما تيسر لي منها، وبقيت مخطوطة (١) حرصت حرصًا شديدًا على الحصول عليها، وطال التطلاب لها ولم أعثر على مكانها إلا مد فترة وجيزة، فقد اطلعت على فهارس المكتبة العامة في المغرب الأقصى، فوجدتها ضمن خزانتها العامرة، فبادرت بطلبها ولم تصلني بعد.
لقد نظرت في موضوع البحث فهديت إلى أنَّ البحث ينبغي أن يكون في مقدّمة وبابين:
أما المقدمة فتعدُّ مدخلاً لا بدَّ منه للبحث، وقد عقدت لها ثلاثة مباحث، حدَّدت في الأول منها موضوع الرسالة من خلال تعريفي لمكونات عنوان الرسالة، فقد عرفت القصد والنية بإلقاء الضوء على معناهما اللغوي والاصطلاحي، وعرفت التكليف
стр. 7
والمكلفين، وبينت مفهوم العبادة وحدودها وأصلها ومعناها، واصطلاح الفقهاء فيها.
وقد خلصت إلى أنَّ موضوع الرسالة جزء من إرادات المكلفين، هو تلك الإِرادة الجازمة التي تتجه نحو أعمال شرعية معينة، هي العبادات دون غيرها لتحقيقها وإيجادها. وفي المبحث الثاني أوردت الأدلة النقلية والعقلية التي لا تبقي مجالاً للشك والارتياب في أنَّ القصود معتبرة في العبادات والتصرفات، وقد أوردت في هذا المبحث الاعتراضات على تلك الأدلة ودحضتها بالحجَّة والبرهان.
أمّا المبحث الثالث من المقدمة فقد حوى فضائل المقاصد وعظيم أجرها. والناظر فيه ببصيرة سيعلم خطر هذا الموضوع وسيمضي -إن شاء الله تعالى- في العناية بمقاصده بجدّ وعزيمة وقادة يرنو من وراء ذلك إلى تحصيل ذلك الفضل العظيم الذي يحققه المصلحون لمقاصدهم.
وقد عنونت للباب الأوّل بعنوان "النيّات"، ذلك أنَّ النيَّة هي المصطلح الذي ارتضاه الفقهاء، واستعملوه في مباحثهم، وقد مهدت للباب بإيضاح السبب الذي انقسم البحث -من أجله- إلى بابين: ذلك أنَّ المقاصد تتوجه إلى أمرين دائمًا، الأول: الفعل الذي تريد تحقيقه وإحرازه، وهذا خصصنا لمباحثه الباب الأول.
والثاني: الغاية البعيدة التي يريدها القاصد من وراء عمله، فالإنسان لا ينطلق إلى العمل ما لم يلمح فيه ما يدعوه إلى فعله، وقد يطلق العلماء على هذا اسم الدافع أو الغاية، والمتأمل في نصوص الكتاب والسنَّة يعلم أنَّ خير ما يعنون له به اسم "الإِخلاص"، ومن أجل ذلك ارتضيناه على سواه.
والباب الأوّل انتظم بعد التمهيد في ستة فصول:
في الفصل الأول حققت القول في أنَّ مكان النيَّة القلب، وفاقا لأهل السنة، لا الدماغ كما تقوله العزلة ومن تابعهم من الفقهاء، وعرضت لمفهوم القلب، ورجحت أن المراد به تلك اللطيفة الربانية المتعلقة بالقلب الجِسْماني، وليس هو القلب الجسماني نفسه كما فهمه بعض العلماء.
стр. 8
وبحثت في هذا الفصل عدة مسائل تدور حول التلفظ بالنية:
الأولى: حكم التلفظ بالنية دون مواطأة القلب.
الثانية: مخالفة اللسان لما نواه المرء في قلبه.
الثالثة: حكم الجهر بالنية.
الرابعة: حكم التلفظ بها همسًا.
وقد بينت في كل مسألة منها آراء الفقهاء وأدلتهم والمناقشات التي وردت عليها، وأبرزت الرأي الراجح، والأدلة التي اقتضت رجحانه.
وعقدت في الفصل الأوّل مبحثًا هامًّا للقصد المجرد الذي لم يتحقق في واقع الأمر، ذلك أنّه قد شاع عند كثير من العلماء أنَّ القصد المجرد لا عقوبة عليه، وإن بلغ مرتبة العزم الجازم.
وخصصت الفصل الثاني بالمباحث التي تتعلق بوقت النيّة في كلِّ عبادة من العبادات، وقد طال البحث في وقت نيّة الصيام بسبب الخلاف الذي دار حول جواز الصيام بنيّة متأخرة من الليل.
والفصل الثالث يتحدث عن صفة النيّة في كلِّ عادة من العبادات، وفيه أيضا ردٌّ على الذين يقولون بوجوب الاستحضار التفصيلي لأركان الصلاة حين الإحرام، وعلى من قال بوجوب استحضار قضايا الاعتقاد، وقد سبب القول بذلك إشكالات لا نزال نرى آثارها عندما ندخل بيوت الله لدى بعض المسلمين.
وتناولت في الفصل الرابع شروط النية الثمانية، وضممت لكلَّ شرط من الشروط المسائل التي تتعلق به، وهي مسائل كثيرة، حاجة الناس إليها شديدة لكثرة وقوعها ودورانها.
وتعرضت بالبحث والبيان لحكم العبادات التي فقدت هذه الشروط وبهذا نكون قد استغنينا عن عقد فصل مستقلٍّ لبيان مبطلات النيَّة ومفسداتها، وسنجد في الفصل الخامس عرضًا لمذاهب العلماء وآرائهم والراجح منها في مسألة النيابة في النية.
стр. 9
وفي هذا الفصل مسألة أخرى شديدة الارتباط بموضوع الفصل وهي إهداء ثواب العبادة للأموات، وقد ثار حول هذه المسألة جدل شديد في الماضي ولا يزال.
وفي الفصل الأخير فصَّلت القول في العبادات التي تفتقر إلى النيَّة، والعبادات التي لا تفتقر إليها، وقد طال البحث والتقصي في لزوم النية لطهارتي الغسل والوضوء، ولعلي أكون قد وفرت على الباحث في هذا جهدًا ليس بالقليل إن شاء الله تعالى.
وفي ختام الفصل مبحث متواضع عقدته لبيان حكم النيَّة في العبادات، أهي ركن أم شرط.
وقد انتظمت مباحث الباب الثاني في أربعة فصول يسبقها تمهيد.
التمهيد قصدت به بيان عظم الغاية وأهميتها، وبينت هنا أنَّ الغاية التي يتصورها الِإنسان هي المحرِّك له دائمًا إلى الفعل، ولذلك كانت الغايات التي تستقر في القلوب والنفوس ذات تأثير شديد في حياة الأفراد والجماعات.
وفي التمهيد تفريق بين المقاصد الطبعية والشرعية.
والفصل الأول مخصص لبحث الغاية التي يريد الإسلام إقرارها في النفوس، وهي الغاية التي ينبغي أن ترتسم في ذهن كل إنسان لتصلح الحياة والأحياء، وإذا ضلَّت عنها البشرية وقعت في مستنقع آسن، لا تغني عنها بعد ذلك حياة الترف، ولا نعيم الدنيا.
وقد وضحت الأسباب المنطقية والعقلية والشرعية التي تجعل هذه الغاية هي الأمر الحتمي الذي لا غنى عنه.
وكان لزامًا علَّي في الفصل الثاني أن أبين الزيف الذي أحاط بالغاية الإِسلامية التي أقرها الشارع ودعانا إليها، وذلك ببيان المفهومات الخاطئة التي كانت تشوه الغاية وتطمس معالمها.
وعقدت الفصل الثالث لبيان المقاصد السيئة التي تزاحم الإخلاص وتضاده، وقد تناولت أربعة منها وهي: الهوى، والرياء، وقصد الاطلاع على العوالم المغيبة، والهروب من العبادة.
стр. 10
ولم أغفل حين بحثت هذه المقاصد أن أسلِّط الضوء على العلاج الذي يشفي متعاطيه من هذه الأدواء.
وفي ختام الفصل وضحت الأمر الضابط لمقاصد المكلفين.
وفي الفصل الرابع والأخير تحدثت عن مدى تأثير المقاصد في المباحات والمحرمات والمبتدعات، وتحدثت عما يسمى بالنية الحسنة التي يظن كثير من الناس أنها تجعل العمل السيء عملا مشروعا مقبولا.
وقد ختمت الرسالة بملحق قصدت فيه إيراد إيضاحات مهمة تتعلق بالحديث الذي يكثر دورانه لدى الباحثين في المقاصد وفي كتاباتهم، وهو حديث "إِنمّا الأعْمَالُ بِالنيَّاتِ".
وبعد: فإنني لا أدعي أنني بلغت الغاية التي ينبغي أن يصل البحث إليها، ولكنني أقول لقد بذلت ما في وسعي، وأعطيت البحث الكثير من وقتي وفكري، ولم يكن دوري دور الجامع المدون لآراء الفقهاء، ولم أكن حاطب ليل يسير على غير هدى، لقد كنت حريصا على أن أعرف أبعاد القضايا التي أتناولها، وكنت أجتهد في معرفة آراء الفقهاء بأدلتها، كما كنت أبذل الجهد في التعرف على مأخذهم من الأدلة، وأناقش الأدلة التِى أرى أن الاستدلال بها غير سديد، لضعف الدليل أو لعدم صلاحيته للاستدلال على تلك المسألة. وفي كثير من الأحيان حررت محلّ النزاع، كما كنت معنيًّا بترجيح الأقوال، حتى لا أترك القارىء حائرًا لا يدري ما يأخذ وما يدع.
وإذا كان في هذه المباحث زلة جاءت من قصور في البحث، أو من غفلة القلب، أو من حيرة الفكر، فأنا عائد إلى الحق عندما يتبدى لي -بحول الله وقوته- أسرع من رجع الصدى، فالحقُّ قديم، والرجوع إليه خير من التمادي في الباطل، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذها.
وفي الختام أوجه الشكر إلى كلِّ من قدَّم لي عونًا، أو أسدى إليَّ يدًا وأخصُّ منهم فضيلة الشيخ عبد الغني محمد عبد الخالق الذي كان له فضل السبق في
стр. 11
الإشراف على هذه الرسالة، وفضيلة الشيخ عبد الجليل سعد القرنشاوي الذي ارتضى الإشراف عليها بعد أن حولت إليه، فجزاهما الله عني خير الجزاء عمّا قدماه لي من توجيه وتقويم ونصح وإرشاد، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عمر سليمان الأشقر
مدينة نصر القاهرة
١٥ من ربيع الأول ١٤٠٠ هـ ٢ من فبراير ١٩٨٠م
стр. 12
المقدمة
المبحث الأول: تحديد موضوع المبحث.
المبحث الثاني: الأدلة على أنَّ المقاصد معتبرة في العبادات والتصرفات.
المبحث الثالث: فضل المقاصد.
стр. 13
المبحث الأول
تحديدُ مَوضُوع البَحث
١ - تعريف القصد والنيّة، وبيان حقيقتهما
٢ - التكليف والمكلفون
٣ - العبادة وحدودها
стр. 14
تعريف القصد
يستعمل العلماء القصد والنيَّة بمعنى واحد.
وفي هذا المبحث سنلقي ضوءًا على المعنى اللغوي والاصطلاحي لهاتين الكلمتين.
أصل "ق ص د" ومواقعها في لغة العرب: "الاعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء على اعتدال كان ذلك أو جور.
والقصد استقامة الطريق، والقصد الاعتماد والأمّ" (١).
فالقصد على ذلك نوع من الإرادة تبلغ في قوتها درجة الاعتزام، والإرادة لا تكون عزمًا ما لم تكن جازمة، والمتأمل في كلام العلماء يلحظ أنَّهم يذهبون إلى أنَّ القصد أعلى درجة من العزم، فالعزم عندهم قد يكون على فعل في المستقبل، وهذا العزم قد يضعف أو يحول، أما القصد عندهم فلا يكون إلا إذا كانت الإرادة جازمة مقارنة للفعل أو قريبة من المقارنة، ولذا فإنَّ العلماء يقولون: لا فرق بين النيّة والقصد، وكثير من العلماء يرى أنَّ النية لا بدّ أن تقارن المنوي (٢).
стр. 15
تعريف النيّة
ّلمّا كانت النيّة والقصد متقاربين في المعنى، وكانت النيَّة هي اللفظة التي كثر استعمالها لدى الفقهاء للدلالة على القصد خصصناها بمزيد من المبحث والنظر.
الاشتقاق اللغوي:
النيّة مصدر نوى الشيء ينويه نيّة ونواه، وأصلها نِوْية بكسر النون وسكون الواو، ووزنها فِعْلة، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء.
فالنيَّة على ذلك واوية العين يائية الفاء، قال الشاعر: (١)
صَرَمَتْ أمَيْمةُ خُلَّتيِ وَصِلَاتيِ ... وَنَوَتْ وِّلمَا تَنْتَوي كَنَواتيِ
والنيّة مؤنث النوي، فالنيّة والنوي معناهما واحد (٢).
وذهب الماوردي (٣) إلى أنَّ النيَّة مصدر نأى ينأى، بمعنى بعد، لاختصاصها بأنأى أعضاء الجسد، وهو القلب (٤)، وما ذهب إليه بعيد عن الصواب، لأنَّ عين نأى
стр. 16
همز، وعلى ذلك فمصدرها النأي، وإجماع أهل اللغة على أنَّ عين (نيّة) واو (١)، ثم إننا لا نقول: نأيت كذا بمعنى نويته.
والنِيَة بالتخفيف لغة في النيّة (٢)، قال صاحب اللسان: "النيَّة بالتشديد هي النِيَة مخففة" (٣).
ويبدو أنَّ لام الكلمة حذفت على هذه اللغة، وقد أبعد بعض شراح الحديث عندما ذهب إلى أنَّ "النِيَة" بالتخفيف مصدر "ونى، يني"، إذا أبطأ وتأخر، وعلّلوا ذلك بأنَّ النيّة تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخير (٤).
ولم يرتض المحققون من الشرّاح هذا القول وردّوه، يقول العيني: (٥) "هذا بعيد، لأنَّ مصدر ونى يني ونيًا، قال الجوهري: يقال ونيت في الأمر أني ونيًا، أي ضعفت، فأنا وان" (٦).
وفي اللسان: "ونى يني ونيا وونيّا، وونى فهو وان" (٧).
والنيَّة وإن كانت مصدرًا، فإنهَّا تجمع على نيَّات باعتبار تنوعها، فقد تكون النيَّة فعلية موجودة، أو حكمية معدومة. أو باعتبار مقاصد الناوي؛ يقول الطيبي مبينا ما يمكن أن ينويه من أراد أن يفعل شيئًا: "فنيّة العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفضل؛ ونيَّة الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونيَّة أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونيَّة العلماء إقامة الطاعات .. " (٨).
стр. 17
مدلول "النيّة" في لغة العرب:
الذي ينظر في استعمال العرب لهذه الكلمة يجد أنهَّا تدور في تصاريفها على القصد.
فنجدهم يقولون: "نوى الشيء ينويه نيَّة ونِيَة .. وانتواه: قصده ونوى المنزل، وانتواه كذلك".
ويقولون: "نواك الله بالخير قصدك به، وأوصلك إليه، وقال أعرابي من بني سليم لابن له سمّاه "إبراهيم": ناويت به إبراهيم، أي قصدت قصده، فتبركت باسمه".
ويقولون: "فلان ينوي وجه كذا، أي يقصده من سفر أو عمل، وفي حديث عروة بن الزبير (١) في المرأة البدوية يتوفى عنها زوجها أنَّها تنتوي حيث انتوى أهلها".
وقد يريدون بالنيّة الشيء المقصود إليه: "والنيَّة الوجه الذي يذهب فيه"، وقد يراد بها الشيء الذي يصاحبه القصد أو يسبقه.
"والنوى: التحول من مكان إلى مكان، أو من دار إلى غيرها، كما تنتوي الأعراب في باديتها" (٢).
وقد يراد بالنيّة في اللغة: العزم، يقول صاحب المصباح المنير: "خُصَّت النيّة في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور" (٣).
ويقول صاحب اللسان: "نويت نيّة ونواة، أي عزمت، وانتويت مثله" (٤).
стр. 18
النيَّة في الاصطلاح
١ - تعريف النية بالعزم والقصد:
ذهب جمع من العلماء إلى تعريف النيّة بمدلولها اللغوي، فمن هؤلاء النووي (١) ﵀، قال: "النيّة هي القصد إلى الشيء، والعزيمة على فعله، ومنه قول الجاهلية: نواك الله بحفظه، أي قصدك به" (٢).
стр. 19
ومنهم القرافي (١) ﵀ قال: "هي قصد الِإنسان بقلبه ما يريده بفعله" (٢).
وقال الخطابي (٣) ﵀: "النيَّة قصدك الشيء بقلبك، وتحري الطلب منك له، وقيل: عزيمة القلب" (٤).
وتعريف النية بالقصد والعزم مذهب قوي يدلّ عليه أنّه مدلول الكلمة في لغة العرب، فالقصد والعزم على ذلك قسمان للنية، وقد خصَّ إمام الحرمين العزم بالفعل المستقبل، والقصد بالفعل الحاضر المتحقق، يقول في ذلك: "النية إن تعلقت بفعل مستقبل فهي عزم، وإن تعلقت بفعل حاضر سميت قصدا تحقيقيا" (٥).
ويرى ابن قيم الجوزية (٦) -رحمه الله تعالى- أنَّ النية هي القصد بعينه، إلاّ أنَّ بينها وبين القصد فرقين:
أحدهما: أنَّ القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره، والنية لا تتعلق إلاّ بفعل نفسه، فلا يتصور أن ينوي الرجل فعل غيره، ويتصور أن يقصده ويريده.
ومن هذه الزاوية يكون القصد أعمَّ من النيّة.
стр. 20
الثاني: أنَّ القصد لا يكون إلاّ بفعل مقدور يقصده الفاعل، وأمّا النيّة فينوي الإِنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه، ولهذا في حديث أبي كبشة الأنماري (١)، الذي رواه أحمد (٢) في مسنده، والترمذي (٣) في سننه، وغيرهما، عن النبيّ ﷺ قال "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي في ماله ربَّه، ويصل رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل عند الله.
وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وأجرهما سواء.
وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علمًا، يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه فذلك بشر منزلة عند الله.
وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أنَّ لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيَّته، وهما في الوزن سواء" (٤).
يقول ابن القيم معقبا على الحديث: "فالنيّة تتعلق بالمقدور عليه، والمعجوز عنه، بخلاف القصد والإِرادة، فإنهَّما لا يتعلقان بالمعجوز عنه لا من فعله ولا من فعل غيره" (٥).
فالنيَّة بناء على هذا أعمّ من القصد.
стр. 21
وفريق آخر من العلماء لا يمانع في تعريف النية بالقصد والعزم إلاّ أنّه لا يرى أنَّ القصد والعزم قسمان للنيّة، بل قسيمان (١) لها، وتعريفها بهما من باب "التوسع في الاستعمال، فإنَّ النية والعزم والقصد متقاربة المعاني" (٢).
وقد جعل القرافي النية والقصد والعزم والمشيئة ... من أقسام الإرادة (٣)، وممن قال بذلك النووي فهو يقول: "الِإرادة والنية والعزم متقاربة، فيقام بعضها مقام بعض مجازا" (٤).
وقد رفض الكرماني (٥) ﵀ تعريف النية بالعزم، فقد نقل في شرحه لصحيح البخاري تعريف الِإمام النووي للنية: "والنية هي القصد وعزيمة االقلب"، ثم قال: "أقول ليس هو عزيمة للقلب"، وحجته ما قرره المتكلمون من أنَّ "القصد إلى الفعل هو ما نجده في أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه، ويقبل الشدَّة والضعف، بخلاف القصد" (٦). والذي دعا الكرماني إلى رفض تعريف النية بالعزم أمران كما هو واضح من كلامه:
الأول: أنَّ النيَّة يجب أن تقارن الفعل، ولا يجوز أن تتقدم عليه، والعزم قد يكون مقارنا، وقد يتقدم على الفعل.
الثاني: أنَّ عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد.
стр. 22
وما ذهب إليه من أنَّ النية يجب أن تقارن الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه، ليس له دليل عليه، فالعرب تطلق النيَّة على الفعل الحاضر المتحقق، كما تطلقها على الفعل المراد إتيانه مستقبلا، وقد سقنا فيما مضى قول إمام الحرمين (١) الذي يجعل النية شاملة للأمرين، وممن ذهب هذا المذهب الزركشي (٢) في قواعده، فقد عدّ النيَّة مطلق القصد، يقول: "النية ربط القصد بمقصود معين، والمشهور أنَّها مطلق القصد إلى الفعل" (٣).
ولعل الذي حدا بالكرماني إلى القول بأن النية لا بد أن تكون مقترنة بالفعل ولا يجوز تقدّمها هو ما تقرر لديه من وجوب مقارنة النيّة لأول العبادة، وهذه مسألة ليست اتفاقية كما سيأتي تحقيقها (٤)، فغاية ما يمكن أن يقال: إنَّ اشتراط اقتران النية بالفعل اصطلاح خاص لطائفة من العلماء، وليس لهم أن يلزموا غيرهم بقولهم هذا. ويردُّ ما فرق به ثانيًا من أنَّ العزم يقبل القوة والضعف، فهو أمر زائد على أصل النية- أن مدلول العزم والنيّة في اللغة متقارب، وقد نبَّه إلى ذلك العيني ﵀، فقد نقل تعقيب الكرماني على النووي، وخطأه في رفضه تفسير النيّة بالعزم، ثم قال: "العزم هو إرادة الفعل والقطع عليه، والمراد من النيّة هنا هذا المعنى، فلذلك فسَّر النووي القصد الذي هو النيّة بالعزم فافهم".
стр. 23
ونقل عن "الحافظ أبي الحسن علي بن فضل المقدسي (١) أنه جعل النيَّة في أربعينه والِإرادة والقصد بمعنى" (٢).
٢ - تعريف النية بأنَّها الإرادة:
عرف بعض السابقين النيّة بالِإرادة، وهذا غير صحيح لأنَّ الإرادة أعمّ من النيّة من ناحيتين:
الأولى: من ناحية معناها، فالإِرادة تشمل النية وغيرها، وقد عدَّ القرافي أقسام الِإرادة فكانت ثمانية، والنيَّة واحدة منها، فالإرادة إذا اطلقت تشمل النية وغيرها، فتعريف النية بالإرادة على ذلك تعريف غير مانع.
الثانية: أن النية لا تتعلق إلاَّ بفعل الناوي، والِإرادة تتعلق بفعله وفعل غيره، كما نريد معونة الله تعالى وإحسانه، وليست فعلنا (٣).
ويوجد فرق ثالث بينهما -أشرت إليه فيما مضى- إذ النيَّة تتعلق بالمقدور عليه والمعجوز عنه، ولا تتعلق الِإرادة إلاَّ بالمقدور عليه، وهذا يجعل النية أعمّ من الإرادة من هذه الحيثية.
وإذا كانت الِإرادة أعمّ من النيَّة فإنَّه يجوز تعريف النيَّة بها إذا قيدت بما يخصصها بها دون غيرها، وهذا ما قاله ابن عابدين: "النيّة: العزم، والعزم هو الِإرادة الجازمة القاطعة، والإرادة صفة توجب تخصيص المفعول بوقت وحال دون غيرهما، أي ترجح أحد المستويين، وتخصصه بوقت وحال، أي كيفية وحالة
стр. 24
مخصوصة، وبه علم أنَّ النية ليست مطلق الإرادة بل هي الإِرادة الجازمة" (١).
ولا تثريب على من سلك هذا المسلك في تعريف النيَّة، كما فعل الجرجاني حيث يقول: "العزم جزم الإرادة بلا تردد" (٢).
وعرفها دراز (٣) بقوله: "هي حركة تنزع بها الِإرادة نحو شيء معين لتحقيقه أو إحرازه" (٤).
٣ - تعريف النيّة بالإِخلاص:
يأبى بعض العلماء أن يعرف النيّة بالإخلاص، ويعدُّ "الإخلاص أمرا زائدا على النيّة، لا يحصل بدونها، وقد تحصل بدونه" (٥)، وهؤلاء يجعلون الإخلاص صفة في النية، فالإِخلاص هو تلك النيّة المتجهة لله وحده دون سواه، والنية قد تكون كذلك وقد لا تكون.
ويرى آخرون أنَّ النيَّة هي تلك الإرادة التي تقصد الفعل، أمّا الإِخلاص فهو تلك التي تقصد الوجه بالفعل إلى الله، يقول الشيخ عماد الدين الإسنوي (٦) ﵀: "الفرق بين النية والإخلاص هو أن النيَّة تتعلق بفعل العبادة، وأمّا إخلاص النية في العبادة فيتعلق بإضافة العبادة إلى الله تعالى" (٧).
والحق الذي تدل عليه الأدلة أن النية تطلق ويراد بها قصد العبادة، ويراد بها
стр. 25
قصد المعبود، بل دلالة النيّة على المعنى الثاني أوضح وأظهر كما في الحديث "إنّما الأعمال بالنيات" (١)، وبذلك يصح قول من قال:"وإخلاص الدين هو النية" (٢)، وتخصيص النيّة بالِإرادة المتوجهة إلى العبادة لا يعدو أن يكون اصطلاحا خاصًّا لبعض العلماء، أما لغة العرب ونصوص السنة فلا تدلان على تخصيصها بذلك.
٤ - تعريف النية بأنَّها عمل القلب ووجهته:
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "النية عمل القلب" (٣) وعرفها التيمي (٤) بأنَّها "وجهة القلب" (٥).
وتعريفها بذلك ليس مباينًا لتعريفها بالقصد والعزم، إذ القصد والعزم عملان من أعمال القلوب، إلا أن تعريفها بهما تعريف غير مانع، لأن وجهة القلب وعمله قد لا يكون إرادة، فقد تكون وجهة القلب وعمله رغبة، أو رهبة، أو حبا، أو كراهية، وما أشبه ذلك، وقد تكون إرادة، والإرادة قد لا تكون نيّة كالهمّ، والشهوة، والمشيئة، وقد تكون نيَّة: قصدا أو عزما. فتعريف النية بأنَّها عمل القلب أعم من المعرف.
стр. 26
فإذا قيد التعريف بما يميزه عما عداه فلا غبار على التعريف به، وهذا ما فعله القاضي البيضاوي (١) عندما عرَّف النية بقوله: "النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرّ حالا أو مالا" (٢).
стр. 27
النيّة شرعًا
هل نقل الشارع النية من معناها اللغوي إلى معنى شرعي يخصها؟ يجيب جماهير العلماء بالإيجاب.
فالقاضي البيضاوي ﵀ يعرِّف النية لغة، ثم يقول: "والشرع خصّها بالِإرادة والتوجه نحو الفعل ابتغاء لوجه الله -تعالى- وامتثالا لحكمه"، ثمَّ يقول: "والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي".
وهذا الذي ذهب إليه القاضي البيضاوي تابعه عليه أكثر العلماء من بعده ناقلين ومقررين له (١).
ومن حق الباحث أن يسأل عن المعنى الذي نقل إليه اللفظ.
وأستطيع أن أقرر بعد التأمل في التعريفات التي أوردوها أنَّ لهم في هذا مذهبين:
الأول: يقول "إنَّ المصطلح الشرعي للنية "قصد الشيء مقترنا بفعله" (٢)، فهؤلاء يرون أنَّ النية في اللغة تطلق على القصد المقارن للفعل المتحقق، وعلى قصد الفعل الذي سيكون مستقبلا، فجاء الشارع وخصَّ النيَّة بالقصد المقترن بالفعل. وقد سبق أن بينت أنَّ الذين قالوا بهذا القول ليس لهم دليل يعضد
стр. 28
مذهبهم، ويبدو أنَّ الذي ألجأهم إلى القول بذلك ما قام في نفوسهم من وجوب اقتران النيَّة بالعمل، وهو مذهب بعض العلماء في الصلاة والزكاة والحج ... ، فلما تقرَّر ذلك عندهم مذهبا وطريقا عمموا ذلك، وقالوا: لا بدَّ للنيّة -في اصطلاح الشرع- من أن تقترن بالفعل وإلا لم تكن نيَّة. وسيأتي تحقيق القول في هذه المسألة، وحسبنا أن نعلم هنا أن ما قرروه ليس أمرا اتفاقيا بل مختلف فيه.
الثاني: أنَّ النيَّة في اللغة شاملة لقصد الفعل ابتغاء وجه الله، أو لمنفعة دنيوية وعرض زائل، فخصصها الشارع بالتوجه نحو الفعل ابتغاء مرضاة الله، وهذا يشعر به كلام القاضي البيضاوي ومن تابعه.
وما ذهبوا إليه هنا يحتاج إلى نظر وتأمل، فالنية كما قرروا فعل من أفعال القلوب، وأفعال القلوب كأفعال الجوارح لم ينقل الشارع مسمّاها عن الاسم اللغوي إذا قصد بها وجه الله تعالى. لم ينقل الشارع حركة البدن بالسجود لله عن مسمّاها بالسجود للصنم، بل الكلّ سجود.
ولم ينقل حركته بالطواف لله عن مسمّاه بالطواف للصنم، بل الكلّ باق على مسماه اللغوي.
كل ما يمكن أن نقوله: السجود والطواف لله مأمور بهما، والسجود لغير الله والطواف بصنم منهيّ عنهما، وكذلك بالنسبة للنية التي هي حركة القلب وانبعاثه فإنها باقية على مسمّاها اللغوي لم ينقلها الشرع ولا خصصها، بل بين أن ما كان منها لله فهي المطلوبة المحبوبة، وما كان منها رياء وسمعة فهي مكروهة ممقوتة، وقد تنبَّه إلى هذا الصنعاني (١) ورجحه (٢). ومما يؤيد هذا القول أن الذين قالوا بأنَّ
стр. 29
للنية معنى شرعيا غير المعنى اللغوي -عندما فسّروا لفظ "النية" التي وردت في الأحاديث- لم يستطيعوا أن يحملوها على المعني الشرعي الذي افترضوه، بل حملوها على المعنى اللغوي، يقول القاضي البيضاوي عند تفسيره لحديث "إنَّما الأعمال بالنيّات" (١): "والنيَّة في الحديث محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده" (٢).
وهذا متحتم في كل الأحاديث التي ورد فيها لفظ النية (٣)، كحديث "إنَّما يبعث المقتولون على نيّاتهم" (٤).
وحديث: "ربَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيَّته" (٥).
وحديث: "من غزا ولا ينوي إلاَّ عقالا فله نيته" (٦).
ولا يمكن حمل هذه الأحاديث على المعنى الشرعي الذي فرضوه، بل إنَّ هؤلاء أنفسهم حملوها على المعنى اللغوي، فالصواب -إن شاء الله تعالى- أنَّ الشارع استعمل "النيَّة" في معناها اللغوي، ولم يضع لها معنى اصطلاحيا خاصا.
وقد نص على هذا التحقيق الذي قررناه هنا أحمد الحسيني (٧) من المتأخرين قال: "قول الفقهاء في تعريف النية: هي القصد، وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله، ليس المراد منه أنَّ هذا المعنى "القصد" خاص باللغة، وليس مستعملا في
стр. 30
الشرع، بل هو مستعمل فيه، فكثيرا ما يستعمل لفظ النيّة في لسان الشرع مرادا منه القصد، كقولهم: تجب نيّة الصوم، فالنيّة فيه بمعنى قصد الصيام قبل دخول وقته الذي أوله طلوع الفجر، وهو العزم الذي هو أحد نوعي القصد الذي هو بمعنى النيَّة، فهذا المعنى شرعيّ أيضا" (١).
ثم بين أن المعنى الشرعي هو المعنى اللغوي وليس مختصا بالشرع، قال: "قولهم: وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله؛ ليس المراد منه أنَّ هذا المعنى غير لغوي، كيف وهو أحد نوعي القصد المتقدم، وكثيرا ما تستعمل العرب لفظ النيّة مرادا به المعنى المذكور" (٢).
ثم يقرر بوضوح لا لبس فيه ما توصلنا إليه في ما سلف فيقول: "فهو "أي المعنى الشرعي"، لغوي وليس معنى جديدا مخترعا شرعا، وإنَّما نسبته إلى الشرع من حيث إنه معتبر في جميع أنواع العبادات ما عدا الصيام ... " (٣).
стр. 31
موقع النية من العلم والعمل (١)
القصد حالة وصفة للقلب يكتنفها أمران: علم وعمل، العلم يَقْدُمه، لأنّه أصله وركنه، والعمل يتبعه، لأنَّه ثمرته وفرعه.
فالقصد حالة لا بدَّ منها لإيجاد الفعل، والقصد له متعلقان:
الأول: الفعل المراد تحقيقه، فالقصد يجعله اختياريا كالهويّ إلى السجود مثلا، فإنه تارة يكون بقصد، وتارة يسقط الِإنسان على وجهه بصرعة أو صدمة.
الثاني: المعنى الذي كان من أجله الفعل، والقصد يكون بمعنى العلّة التي وجد الفعل من أجلها، فيكون القصد هنا الانبعاث لإجابة الداعي والباعث، فالذي يقوم مختارا قد يكون قصده القيام احتراما لإنسان قادم، وقد يقصد الوقوف تعظيما لله في الصلاة، وقد يقصد تناول شيء ما، فالقيام لا يخلو عن باعث يدعو إلى تحقيقه، فالقصد هنا إجابة ذلك الداعي المحرك إلى الفعل.
والعلم لا بد منه كي يتحقق القصد بمعنييه، فالقصد إلى الفعل لا يكون ما لم يكن الفعل المراد معلوما، فالذي لا يعلم أنَّ في الصلاة وقوفا وركوعا وسجودا كيف يتأتى منه أن يقصد ذلك؟
والقصد بمعنى الباعث يستدعي العلم أيضا، فإنَّ الغرض إنما يكون باعثا في حقِّ من علم الغرض، فمن لا يعلم معنى الاحترام والتعظيم لا يمكنه أن يقوم لغيره على نيَّة الاحترام والتعظيم.
стр. 32
وقد بيَّن الغزالي افتقار القصد إلى العلم فقال: "يحتاج الِإنسان إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ودفع الضار المنافي عن نفسه، فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع حتى يجلب هذا، ويهرب من هذا، فإنَّ من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن يتناول، ومن لا يبصر النّار لا يمكنه الهرب منها، فخلق الله الهداية والمعرفة، وجعل لها أسبابا وهي الحواس الظاهرة والباطنة ... " (١).
стр. 33
جنس النيّة في الموجودات
هل النيّة من جنس العلوم والاعتقادات؟ أو من جنس الِإرادات والعزوم؟ أو حقيقة مركبة منهما؟
ذهب بعض الشيعة (١) إلى أنَّ النيَّة من جنس العلوم، وخالف بعضهم، أمّا أهل السنة فيكادون يجمعون على أنَّ النية من جنس الِإرادات والعزوم، يدلّ على ذلك ما سقناه من قبل في تعريف النية حيث فسروها بأنها القصد أو العزم أو الِإرادة، وممن نص على ذلك صراحة القرافي ﵀ قال: "والنيَّة من باب العزوم والِإرادات، لا من باب العلوم والاعتقادات" (٢)، ويقول ابن تيمية: (٣) "والنية من جنس القصد والِإرادة" (٤) ويقول الطيبي من الأحناف: "النية معنى وراء العلم فهي نوع إرادة كالقصد" (٥)، وقد فسر صاحب الهداية النية قائلا: "النيَّة هي الإرادة والشرط أن يعلم بقلبه أيّ صلاة يصلّي" (٦)، فلم يرق هذا لبعض الشراح بحجة أن اشتراط العلم "ينزع إلى تفسير النية بالعلم وهو غير صحيح" (٧).
стр. 34
ولا أرى مأخذا على ما ذهب إليه صاحب الهداية فقد نصَّ على أنَّ النيَّة هي الِإرادة، وكون الناوي لا بد أن يعلم ما سينويه صحيح، لأنَّ النية وإن كانت إرادة وقصدا إلاّ أنها لا يمكن أن تحصل أو تقع مع الجهل، فالنية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة، وإذا جهل الأمر فكيف ينويه؟
أمّا القول بأنَّ مطلق العلم بالشيء نية فهو خطأ بيِّن، وإلّا لزم من علم الكفر أن يكون كافرا، مع أنَّ الذي ينوي الكفر كافر (١).
هل للإِنسان سلطان على نيّته وقصده
هل يمكن للِإنسان أن يوجّه نيته الوجهة التي يريد، إذا شاء أن يكون مخلصا؟ وهل يتحقق ذلك تلقائيا؟
يقول الغزالي: (٢) "اعلم أن الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصيّة بتحسين النيّة وتكثيرها مع قوله ﷺ : "إنَّمَا الأعْمَالُ بالنيّاتِ" فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله: نويت أن أدرس لله، أو آكل لله. ويظنّ أنَّ ذلك نيّة، وهيهات! فذلك حديث نفس، وحديث لسان وفكر أو انتقال من خاطر إلى خاطر، والنية بمعزل من جميع ذلك، وإنما النيَّة انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ما ظهر لها أنَّ فيه غرضها إمّا عاجلا وإمّا آجلا، والميل لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة، بل ذلك كقول الشبعان: نويت أن أشتهي الطعام، وأميل إليه، أو قول الفارغ: نويت أن أعشق فلانا وأحبه وأعظمه بقلبي، فذلك محال" (٣).
стр. 35
وممن نصَّ على هذه الحقيقة وأدركها العلامة ابن خلدون (١)، قال: "الأعمال الظاهرة كلُّها في زمام الاختيار، وتحت طوع القدرة البشرية، وأعمال الباطن في الأكثر خارجة عن الاختيار متعاصية على الحكم البشري، إذ لا سلطان له على الباطن" (٢)(٣).
فإذا كان العبد ليس له سلطان على نيته، فكيف يؤمر بأن يوجهها توجيها معينا؟! كيف يأمرنا الشارع بالِإخلاص ويجعله أعظم التكاليف الشرعية؟!
ونحن نعلم أنَّ شرط التكليف أو سببه قدرة المكلف على المكلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا، وإن جاز عقلا!!
стр. 36
أجاب الشاطبي (١) عن هذه القضية ووضحها قائلا: "إذا ظهر من الشارع في بادىء الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة العبد فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه، فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وقوله في الحديث: "كُنْ عَبْد الله المَقْتولَ، ولاَ تكُنْ عَبْدَ الله القَاتِلَ" (٣)، وقوله: "لا تَمُتْ وأنْتَ ظَالِم"، وما كان نحو ذلك، ليس المطلوب منه إلا ما يدخل تحت القدرة، وهو الإسلام وترك الظلم والكفّ عن القتل والتسليم لأمر الله تعالى، وكذلك سائر ما كان من هذا القبيل" (٤).
وعلى ذلك فيكون التكليف بتوجيه العبد نيتة إلى الإِخلاص وقصد الله دون سواه باكتساب الأسباب التي تؤدي إلى ذلك، بأن يتعرف على الله، ويتملى في بديع صنعه، وعظيم نعمه، ويتعرّف إلى صفاته، وينظر في عظيم ثواب الطائع، وعظيم عقوبة العاصي، وينظر في الفوائد التي تعود عليه من الطاعات في الدنيا والآخرة، فعند ذلك تنبعث النفس إلى العمل بطاعة الله صادقة مخلصة. وإذا كان الغالب على العبد أمر الدين، وامتلأ قلبه بحب الله وخوفه ورجائه سهل عليه استحضار النيَّة، لأن قلبه مائل إلى الخير باستمرار، أما الذي يميل قلبه إلى الدنيا دائما فإنّه يصعب عليه الإخلاص.
стр. 37
التكليف
المكلفون جمع مكلف، والتكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة أي مشقة، يقول صاحب القاموس المحيط: "التكليف الأمر بما يشقّ، وتكلفه: تجشمه.
وقال: ألزمه إياه فالتزمه".
قالت الخنساء (١) في أخيها صخر:
يُكَلِّفه القَوْمُ مَا نَابَهُمْ ... وإنْ كان أَصغرَهُمْ مَوْلِدًا
والمكلفون من المخلوقات ثلاثة أصناف: الملائكة والِإنس والجنُّ. ومرادنا هنا: البحث في مقصاد المكلفين من الإنس دون غيرهم. وليس كلُّ الإنس مكلفين، فالمكلفون منهم هم البالغون العقلاء الذين بلغتهم الدعوة.
وقد ذكر الآمدي (٢) اتفاق العقلاء على أنَّ شرط التكليف أن يكون عاقلا فاهما، لأنَّ التكليف خطاب، وخطاب من لا يعقل ولا يفهم محال، كالجماد والبهيمة (٣).
وشبيه بالجماد والبهيمة: المجنون والصغير الذي لا يميز، فهذان وإن وجد لهما أصل الفهم لأصل الخطاب، فليس عندهما فهم لتفاصيل الخطاب: من كونه أمرا أو نهيا، ومقتضيا للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنّه واجب الطاعة.
стр. 38
فلما تعذر ذلك من المجنون والصغير استحال تكليفهما.
أما الصبي المميز -وإن كان له فهم- فإنَّ فهمه غيركامل، ومن رحمة الله أنّه لم يكلفه حتى يكتمل عقله.
ولما كان العقل والفهم خفيين، ولا يظهران دفعة واحدة، بل يبدوان على التدريج، فقد جعل الشارع ضابط العقل: البلوغ، وفي الحديث: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ المَجْنُونِ المَغْلُوب عَلَى عقْلِهِ حتى يَبْرأَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبَيِّ حَتَّى يَحْتَلِم" (١).
ولما كان النائم والناسي والغافل لا يتأتى منهم الفهم كانوا غير مكلفين حال اتصافهم بذلك، لأن القصد لا يتأتى منهم في هذه الأحوال.
"ووجوب الزكاة والغرامات في مال الصبي والمجنون ليس تكليفا لهما، وإنما معناه أنَّ الإِتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سب لخطاب الولي بالأداء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن" (٢).
والكفار مكلفون مخاطبون بفروع الشريعة على الصحيح، ولكنّ العبادات لا تصح منهم حال كفرهم.
стр. 39
مفهوم العبادة وحدودها
هذا الكون الذي نعيش فيه معبد رحب، تتجاوب جنباته بالتسبيح لخالقه ومنشئه.
فالأرض والسماء وما فيهما وما بينهما كل ذلك مستسلم خاضع لله المبدع الموجد، قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا في السَموَاتِ واْلأرْض كلٌّ لَه قَانِتُون﴾ (١) وقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِين الله يَبْغونَ وَلَهُ أَسْلَمَ منْ فِي السموَاتِ والَأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا وإلَيْهِ يرْجَعُونَ﴾ (٢). وهم -مع استسلامهم لربهم- يسجدون: ﴿ولله يَسْجُدُ مَنْ في السَمواتِ وَاْلأرْضِ طَوْعًا وكَرهًا وظِلاَلُهُمْ بِالْغُدو واْلآصَالِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السموَاتِ ومَنْ فِي الأرْضِ، والشمْسُ وَالقَمَر والنجُوم وَالْجبَال، والشَّجَرُ والدوَاب، وَكَثير مِنَ الناس، وَكَثِير حَق عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ (٤).
ومع الاستسلام والسجود تسبيح وتقديس: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّ الله يُسَبِّحُ لَه مَنْ فِي السمَوَاتِ والأرْض، والطيْر صَافَاتٍ كلٌّ قدْ عَلِمَ صَلَاتَه وتَسْبيحَهُ﴾ (٥). ولكننا نجهل كيف تسبح هذه العوالم ﴿تُسِّبح لَهُ السمَوَات السبْعُ والأَرْضُ وَمَنْ فِيْهنَّ، وإنْ مِنْ شَيْءٍ إلَا يُسَبحُ بحَمْدِهِ، وَلَكِنْ لَا تفقهونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٦) والإنسان في هذا
стр. 40
الكون عالَمٌ من هذه العوالم التي أوجدها الله سبحانه لتعبده وتتوجه إليه، قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجن والإنْس إلاّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ منْ رِزْقٍ، وَمَا أرِيد أَنْ يطْعِمُونِ، إن الله هُوَ الرزّاق ذُو القُوةِ الْمَتِينُ﴾ (١).
فالعبادة هي غاية الوجود الإنساني (٢)، بل الكون كله ما وجد إلاّ لذلك، فحريٌّ بنا أن نبذل وسعنا في التعرف على مفهوم هذه العبادة التي من أجلها خلقنا.
ونحن عندما نحاول الكشف عن حقيقة العبادة يجب عينا أن نتوجه إلى كتاب ربِّنا وسنة نبينا، كي نتعرف من خلالهما على مفهوم العبادة، فما أنزل الله الكتب، ولا أرسل الرسل، إلاّ ليعرف الناس بالغاية التي خلقوا من أجلها، والسبيل الذي يحققون به تلك الغاية.
والناظر في نصوص الكتاب والسنة يجد أن مدلول العبادة فيهما شامل لا يقتصر على الفرائض، فالحياة في منهج الله وِحْدَة، كل ما فيها لله، والإسلام لا يفصل بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، ولا يفرق بين الفرائض والسلوك، ويجعل كل حركة في حياة المسلم وثيقة الصلة بعقيدته، كي يتوجه بها إلى ربه، منفذا أمره، ومحققا رسالته، قال تعالى: ﴿قل إنَّ صَلاتِي وَنسُكي وَمَحيايَ وَمَمَاتِي لله رب العَالَمِيْنَ، لا شَرِيْكَ لَهُ وَبذَلِك أمِرْت، وأَنَا أولُ الْمسلِمينَ﴾ (٣).
والذي حققه ابن تيمية "أن العبادة: اسم جامع لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" (٤).
ويزيد الأمر وضوحا بيان أنواع العبادات: "فالصلاة والزكاة والصيام والحجّ، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر