أجاب الشاطبي (١) عن هذه القضية ووضحها قائلا: "إذا ظهر من الشارع في بادىء الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة العبد فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه، فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وقوله في الحديث: "كُنْ عَبْد الله المَقْتولَ، ولاَ تكُنْ عَبْدَ الله القَاتِلَ" (٣)، وقوله: "لا تَمُتْ وأنْتَ ظَالِم"، وما كان نحو ذلك، ليس المطلوب منه إلا ما يدخل تحت القدرة، وهو الإسلام وترك الظلم والكفّ عن القتل والتسليم لأمر الله تعالى، وكذلك سائر ما كان من هذا القبيل" (٤).
وعلى ذلك فيكون التكليف بتوجيه العبد نيتة إلى الإِخلاص وقصد الله دون سواه باكتساب الأسباب التي تؤدي إلى ذلك، بأن يتعرف على الله، ويتملى في بديع صنعه، وعظيم نعمه، ويتعرّف إلى صفاته، وينظر في عظيم ثواب الطائع، وعظيم عقوبة العاصي، وينظر في الفوائد التي تعود عليه من الطاعات في الدنيا والآخرة، فعند ذلك تنبعث النفس إلى العمل بطاعة الله صادقة مخلصة. وإذا كان الغالب على العبد أمر الدين، وامتلأ قلبه بحب الله وخوفه ورجائه سهل عليه استحضار النيَّة، لأن قلبه مائل إلى الخير باستمرار، أما الذي يميل قلبه إلى الدنيا دائما فإنّه يصعب عليه الإخلاص.
стр. 37
التكليف
المكلفون جمع مكلف، والتكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة أي مشقة، يقول صاحب القاموس المحيط: "التكليف الأمر بما يشقّ، وتكلفه: تجشمه.
وقال: ألزمه إياه فالتزمه".
قالت الخنساء (١) في أخيها صخر:
يُكَلِّفه القَوْمُ مَا نَابَهُمْ ... وإنْ كان أَصغرَهُمْ مَوْلِدًا
والمكلفون من المخلوقات ثلاثة أصناف: الملائكة والِإنس والجنُّ. ومرادنا هنا: البحث في مقصاد المكلفين من الإنس دون غيرهم. وليس كلُّ الإنس مكلفين، فالمكلفون منهم هم البالغون العقلاء الذين بلغتهم الدعوة.
وقد ذكر الآمدي (٢) اتفاق العقلاء على أنَّ شرط التكليف أن يكون عاقلا فاهما، لأنَّ التكليف خطاب، وخطاب من لا يعقل ولا يفهم محال، كالجماد والبهيمة (٣).
وشبيه بالجماد والبهيمة: المجنون والصغير الذي لا يميز، فهذان وإن وجد لهما أصل الفهم لأصل الخطاب، فليس عندهما فهم لتفاصيل الخطاب: من كونه أمرا أو نهيا، ومقتضيا للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنّه واجب الطاعة.
стр. 38
فلما تعذر ذلك من المجنون والصغير استحال تكليفهما.
أما الصبي المميز -وإن كان له فهم- فإنَّ فهمه غيركامل، ومن رحمة الله أنّه لم يكلفه حتى يكتمل عقله.
ولما كان العقل والفهم خفيين، ولا يظهران دفعة واحدة، بل يبدوان على التدريج، فقد جعل الشارع ضابط العقل: البلوغ، وفي الحديث: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ المَجْنُونِ المَغْلُوب عَلَى عقْلِهِ حتى يَبْرأَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبَيِّ حَتَّى يَحْتَلِم" (١).
ولما كان النائم والناسي والغافل لا يتأتى منهم الفهم كانوا غير مكلفين حال اتصافهم بذلك، لأن القصد لا يتأتى منهم في هذه الأحوال.
"ووجوب الزكاة والغرامات في مال الصبي والمجنون ليس تكليفا لهما، وإنما معناه أنَّ الإِتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سب لخطاب الولي بالأداء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن" (٢).
والكفار مكلفون مخاطبون بفروع الشريعة على الصحيح، ولكنّ العبادات لا تصح منهم حال كفرهم.
стр. 39
مفهوم العبادة وحدودها
هذا الكون الذي نعيش فيه معبد رحب، تتجاوب جنباته بالتسبيح لخالقه ومنشئه.
فالأرض والسماء وما فيهما وما بينهما كل ذلك مستسلم خاضع لله المبدع الموجد، قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا في السَموَاتِ واْلأرْض كلٌّ لَه قَانِتُون﴾ (١) وقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِين الله يَبْغونَ وَلَهُ أَسْلَمَ منْ فِي السموَاتِ والَأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا وإلَيْهِ يرْجَعُونَ﴾ (٢). وهم -مع استسلامهم لربهم- يسجدون: ﴿ولله يَسْجُدُ مَنْ في السَمواتِ وَاْلأرْضِ طَوْعًا وكَرهًا وظِلاَلُهُمْ بِالْغُدو واْلآصَالِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السموَاتِ ومَنْ فِي الأرْضِ، والشمْسُ وَالقَمَر والنجُوم وَالْجبَال، والشَّجَرُ والدوَاب، وَكَثير مِنَ الناس، وَكَثِير حَق عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ (٤).
ومع الاستسلام والسجود تسبيح وتقديس: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّ الله يُسَبِّحُ لَه مَنْ فِي السمَوَاتِ والأرْض، والطيْر صَافَاتٍ كلٌّ قدْ عَلِمَ صَلَاتَه وتَسْبيحَهُ﴾ (٥). ولكننا نجهل كيف تسبح هذه العوالم ﴿تُسِّبح لَهُ السمَوَات السبْعُ والأَرْضُ وَمَنْ فِيْهنَّ، وإنْ مِنْ شَيْءٍ إلَا يُسَبحُ بحَمْدِهِ، وَلَكِنْ لَا تفقهونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٦) والإنسان في هذا
стр. 40
الكون عالَمٌ من هذه العوالم التي أوجدها الله سبحانه لتعبده وتتوجه إليه، قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجن والإنْس إلاّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ منْ رِزْقٍ، وَمَا أرِيد أَنْ يطْعِمُونِ، إن الله هُوَ الرزّاق ذُو القُوةِ الْمَتِينُ﴾ (١).
فالعبادة هي غاية الوجود الإنساني (٢)، بل الكون كله ما وجد إلاّ لذلك، فحريٌّ بنا أن نبذل وسعنا في التعرف على مفهوم هذه العبادة التي من أجلها خلقنا.
ونحن عندما نحاول الكشف عن حقيقة العبادة يجب عينا أن نتوجه إلى كتاب ربِّنا وسنة نبينا، كي نتعرف من خلالهما على مفهوم العبادة، فما أنزل الله الكتب، ولا أرسل الرسل، إلاّ ليعرف الناس بالغاية التي خلقوا من أجلها، والسبيل الذي يحققون به تلك الغاية.
والناظر في نصوص الكتاب والسنة يجد أن مدلول العبادة فيهما شامل لا يقتصر على الفرائض، فالحياة في منهج الله وِحْدَة، كل ما فيها لله، والإسلام لا يفصل بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، ولا يفرق بين الفرائض والسلوك، ويجعل كل حركة في حياة المسلم وثيقة الصلة بعقيدته، كي يتوجه بها إلى ربه، منفذا أمره، ومحققا رسالته، قال تعالى: ﴿قل إنَّ صَلاتِي وَنسُكي وَمَحيايَ وَمَمَاتِي لله رب العَالَمِيْنَ، لا شَرِيْكَ لَهُ وَبذَلِك أمِرْت، وأَنَا أولُ الْمسلِمينَ﴾ (٣).
والذي حققه ابن تيمية "أن العبادة: اسم جامع لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" (٤).
ويزيد الأمر وضوحا بيان أنواع العبادات: "فالصلاة والزكاة والصيام والحجّ، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر
стр. 41
بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والِإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة" (١).
ويعدّ من العبادة أيضا: "حب الله ورسوله، وخشية الله والِإنابة إليه، وإخلاص الدّين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك" (٢).
ويتوسع في معنى العبادة فيعد منها كل ما أمر الله به عباده من الأسباب، واستدلّ على ذلك بأن القرآن يقرن العبادة بالتوكل: ﴿فَاعبدْهُ وَتَوَكَلْ عَلَيْهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هًوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلاَّ هوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٤)(٥).
فالدين -على ذلك- كله داخل في العبادة.
والدّين منهج الله جاء ليسع الحياة كلَّها، وينظم جميع أمورها: من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة، وسياسة الحكم، وسياسة المال، وشؤون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب، ولهذا نجد كتاب الله الكريم يخاطب عباده المؤمنين بأوامر تكليفية، وأحكام شرعية تتناول جواب شتى من الحياة، وفي سورة واحدة هي سورة البقرة نجد مجموعة من التكاليف كلّها جاءت بصيغة واحدة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكمْ﴾، ولنقرأ هذه الآيات الكريمة: قال تعالى ﴿يَا أيُهَا الَّذِينَ آمُنوا كتِبَ عَلَيْكمُ القِصَاصُ في القَتلَى﴾ (٦).
стр. 42
وقال: ﴿كتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ الْمَوْتُ إنْ تَرَك خَيْرا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ والأقربينَ﴾ (١).
وقال: (يَا أيها الَّذِينَ آمنوا كتبَ عَليْكم الصِّيام﴾ (٢).
قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم القِتَالُ وَهُوَ كره لَكمْ﴾ (٣).
فهذه الأمور كلها: من القصاص، والوصية، والصيام، والقتال - مكتوبة من الله على عباده، أي مفروضة عليهم، فعليهم أن يعبدوا الله بالتزامها والانقياد لها.
وبهذا البيان تتضح لنا حقيقة مهمة، لا زال كثير من المسلمين يجهلها، فبعض الناس لا يفهم من كلمة العبادة إذا ذكرت إلا الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك من الأدعية والأذكار، ولا يحسب أنَّ لها علاقة بالأخلاق والآداب، أو النظم، أو القوانين، أو العادات، والتقاليد (٤).
إنَّ عبادة الله ليست محصورة في الشعائر التعبدية كما يفهم بعض الناس، والذين يقومون بهذه الشعائر فحسب لم يفوا العبادة حقها، ولم يقوموا بواجبهم كاملاً (٤).
إنَّ الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وزكاة .. لها أهميتها ومكانتها، ولكنها ليست العبادة كلها، بل هي جزء من العبادة التي يريدها الله تعالى.
إنَّ مقتضى العبادة المطالب بها الإنسان، أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرفاته وسلوكه وعلاقاته مع النّاس وفق المناهج والأوضاع التي جاءت بها الشريعة الإِسلامية، يفعل ذلك طاعة لله واستسلاما لأمره. وشعار المسلم ما أرشد الله إليه في قوله: ﴿إنمَا كان قَوْل الْمُؤْمِنينَ إذَا دُعُوا إلَى الله وَرَسولِهِ ليِحْكُمَ بَيْنَهمْ
стр. 43
أنْ يَقولُوا سَمِعْنَا وأطَعْنَا، وأولئِك همُ المُفْلِحُونَ﴾ (١). ذلك أنَ العبد ليس له خيار إذا قضى مولاه قضاء، أو وجهه وجهة معينة: ﴿وَمَا كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إذَا قضَى الله وَرَسُوله أَمرًا أنْ يَكُونَ لَهُم الخِيَرَة مَنْ أمرِهِمْ﴾ (٢).
والاحتكام إلى شرع الله، والانقياد إلى أحكامه من العبادة، ففد أخبر القرآن أنّ أهل الكتاب: ﴿اتخَذُوا أَحبارَهمْ وَرُهْبَانَهُم أَرْبَابا مِنْ دُونِ الله والْمَسِيِح ابنَ مَرْيَمٍ، وَمَا أُمرُوا إلاّ ليَعبدُوا إلَهًا واحِدًا، لا إلَهَ إلاَ هُوَ، سبحَانه عَما يشْرِكونَ﴾ (٣).
وقد فسَّر الرسول ﷺ الاتخاذ هنا بمتابعة الأحبار والرهبان في تحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال.
روى الِإمام أحمد والترمذي وابن جرير (٤) -من طرق- عن عدي بن حاتم (٥) ﵁ أنه لما بلغته دعوة الرسول ﷺ فرَّ إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، وأسرت اخته وجماعة من قومه، ثم مَنَّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، فرغبته في الِإسلام، وفي القدوم على الرسول ﷺ ، فقدم عدي المدينة
стр. 44
-وكان رئيسًا في قومه، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم- فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة- وهو يقرأ هذه الأية: ﴿اتخَذوا أحْبَارَهُمْ وَرهابنَهمْ أَرْبَابَا مِنْ دونِ الله﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم! فقال: "بَلَى، إنهمْ حَرَّمُوا عَليْهِمُ الحَلاَلَ وأَحَلوا لَهم الحَرَامَ، فَاتبَعوهم، فتِلْكَ عِبَادَتهمْ إياهمْ" (١).
стр. 45
أصل العبادة ومبناها
"أصل العبودية: الحضوع والذل.
وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ (١)، أي في حزبي، والتعبيد: التذليل، وطريق معبَّد: مذلل. وأعبده: اتخذه عبدا، وأعبدني فلان فلانا: ملكني إيّاه.
والتعبيد: الاستعباد، وهو أن تتخذه عبدا، وكذلك الاعتباد. وتعبدني: اتخذني عبدا.
والعبادة: الطاعة، وهي أبلغ من العبودية، لأنَّها غاية التذلل لا يستحقها إلاّ من له غاية الأفضال، وهو الله تعالى" (٢).
هذا الذي ذكره الفيروز آبادي (٣) خلاصة ما قاله أصحاب المعاجم في تفسير العبادة، فالعبادة أصلها الخضوع والتذلل، يقول ابن سيده (٤) في المخصص: "أصل العبادة في اللغة: التذليل .. ، والعبادة والخضوع والتذليل والاستكانة قرائب في المعنى، ... وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكلّ طاعة لله على جهة الخضوع والتذليل فهي عبادة" (٥).
стр. 46
ولم يصب الِإمام محمد عبده (١) -رحمه الله تعالى- عندما ذهب إلى أنَّ الذي يميز العبادة من غيرها من ألوان الخضوع والتذلل والانقياد ليس هو درجة الخضوع والطاعة، كما يقول اللغويون الذين يرون العبادة هي الطاعة والخضوع، وإنما الذي يميزها -في نظره- هو منشأ هذا الخضوع والانقياد، فإن كان منشؤه وسببه أمرا ظاهرا كالملك والقوة ونحوهما، فلا يسمى عبادة، وإن كان منشؤه الاعتقاد بأنَّ للمعبود عظمة وقدرة فوق الِإدراك والحس فهذا هو العبادة (٢).
ومما يدلنا على خطئه فيما ذهب إليه، أنَّ القرآن عدَّ الذين يطيعون الحكام الظالمين، ويأتمرون بأمرهم، وينتهون عما نهوهم عنه ويتبعون نهجهم- عدَّهم عابدين لهم وهذا بين من مفهوم قوله تعالى: ﴿أن يعبدوها﴾ في قوله تعالى: ﴿والذِينَ اجْتَنبوا الطَّاغوتَ أنْ يَعْبُدوها وَأَنَابُوا إلَى الله لهُمُ الْبُشرَى﴾ (٣).
والطاغوت قد يكون شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان إذا عند من دون الله (٤).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكمْ يَا بنَِي آدَمَ ألاَّ تعْبُدوا الشَيْطَانَ، إنَه لَكمْ عَدُو مبين﴾ (٥). وما عبادة الشيطان إن لم تكن إطاعة أمره، واتباع حكمه، والسير في الطرق التي اختطها!
стр. 47
ومن أوضح ما ينفي هذا القول قوله تعالى: ﴿اتَّخَذوا أحْبَارَهم وَرُهْبَانَهمْ أَرْبَابًا مِنْ دونِ الله وَالْمسيحَ ابْنَ مَريَمَ﴾ (١)، وقد سقنا فيما سبق تفسير الرسول ﷺ للآية، وأن المراد بعبادتهم إياهم اتباعهم في التحليل والتحريم بعيدا عن شرع الله.
واسمع إلى مقولة فرعون وملئه عندما طالبهم موسى وهارون بالإيمان. (فَقَالوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثلْنِا وَقَوْمهما لَنَا عَابِدُونَ﴾ (٢).
يقول الطبري في تفسير هذه الآية: "لنا عابدون: يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له" (٣).
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمنوا كلُوا مِنْ طيباتِ مَا رَزَقْنَاكمْ، واشْكروا لله إنْ كنتُمْ إياه تَعْبدونَ﴾ (٤).
قال: "إنْ كنتم إيّاه تعبدون: يقول: إن كنتم منقادين لأمره، سامعين مطيعين، فكلوا مما أباح لكم أكله، وحلله وطيبه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان" (٥).
وهذا الذي سقناه يردّ على ابن تيمية في قوله: "ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له" (٦).
стр. 48
فقد جعل القرآن طاعة الشيطان عبادة للشيطان، وجعل خضوع بنى إسرائيل لفرعون عبادة له، مع كونهم غير راضين بذلك، فقد قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿أوذِينَا مَنْ قَبْلِ أَنْ تَأتينا، ومَنْ بَعْد مَا جِئْتَنَا﴾ (١). وهذا الإيذاء ذكر لنا القرآن صورا منه: ﴿وإذْ نَجيناكْم مِنْ آل فِرْعَوْنَ يسُومونَكمْ سوءَ الْعَذَاب، يُذَبحونَ أبْنَاءَكمْ، وَيَستحْيونَ نِسَاءَكمْ، وَفِي ذَلِكُم بلَاء منْ رَبكُمْ عَظِيم﴾ (٢)، فمع هذا الإيذاء لا يمكن أن تصحب مذلة بنى إسرائيل وطاعتهم وانقيادهم لفرعون محبة أبدا. صحيح أن العبادة المأمور بها شرعا لا يمكن أن تتحقق إلا بأمرين كما يقول ابن تيمية:
الأول: الخضوع والذلة لله ، وعنوان هذا الخضوع هو الاستسلام لأمره، واتباع نهجه، والانقياد لشرعه، فمن رفض ذلك كلَّه فليس بخاضع، ولا مطيع.
الثاني: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يحب الله تعالى، فليس في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يحب.
"فالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له" (٣).
يقول ابن كثير (٤) رحمه الله تعالى: "العبادة في الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف" (٥).
стр. 49
العبادة في مصطلح الفقهاء
أتينا على مفهوم العبادة وحدودها، ثم بينا أصلها ومبناها، وأوضحنا مدى شمول العادة التي خلق الله الِإنسان من أجلها، وعلمنا أنَّ العادة المرضية لله هي التي تجمع كمال المحبة والخضوع.
ولكن العادة إذا أطلقت اليوم لا يكاد يفقه السامع منها إلاّ تلك الشعائر التعبدية التي شرعها الله لعباده، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعمرة، والذكر ونحو ذلك.
وقد فسر صاحب الذخيرة المرضية العادة: "بأنها ما يثاب على فعله، ويتوقف على نيته، كالوضوء، والغسل، والصلاة، والصوم ... " (١).
ولم يعدَّ الذكر والتسبيح والوقف والعتق والصدقة ونحوها من باب العادات بل من باب القربة، وحدُّ القربة عنده: "ما يثاب عليه بعد معرفة من يتقرب إليه، وإن لم يتوقف على نيّته" (٢).
وعدَّ الطاعة: "ما يثاب عليه وإن لم توقف على نيّته، ولا عرف من يفعله لأجله، كالنظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى" (٣).
وعموم الفقهاء يقسِّمون الأحكام الشرعية إلى عبادات ومعاملات، وقد لاحظ الفقهاء فروقا عدة جعلتهم يذهبون هذا المذهب (٤):
стр. 50
الأول: العبادات عند الفقهاء تعبدية محضة، بينما المعاملات معقولة المعنى.
الثاني: العبادات أنشأها الشارع وأمر بها وليس للعباد فيها إلا التلقي والتنفيذ، أما المعاملات فقد تكون موجودة قبل الشرع فيقرّ الصالح منها، ويلغي السَّيىء، ويهذب ما احتاج إلى تهذيب.
الثالث: يشترط في التكليف بالعبادات العلم بأنّه مأمور بها من الله تعالى، إذ لابد للمكلف من نية التقرب بالعبادة إلى الله تعالى، وهذه النية لا تكون إلا بعد معرفة أنَّ العبادة المتقرب بها إليه أمر منه جلَّ وعلا، وأمّا المعاملات فلا يشترط في صحة فعلها نية التقرب، ولكن لا أجر له فيها إلا بنية التقرب إلى الله تعالى، كرد الأمانة، والمغصوب، وقضاء الديون، والإنفاق على الزوجة، فمتى فعل شيئًا من هذه خوفا من عقوبة السلطان ففعله صحيح دون النية، وتسقط المطالبة به، فلا يلزمه الحقّ في الآخرة بدعوى أنَّ قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب، بل القضاء صحيح، والمطالبة ساقطة على كلِّ حال، ولكن لا أجر له إلاّ بنيّة التقرب.
فهذا التقسيم تقسيم اصطلاحي للتيسير والتبويب، كان مراد الفقهاء من سلفنا الصالح منه مرادا طيّبا، وهم مثابون على ذلك إن شاء الله تعالى.
"إلا أنَّ هذا التقسيم الاصطلاحي الفنّي الذي هو طابع التأليف العلمي؛ أنشأ فيما بعد -كما ذكر بعض المعاصرين- آثارا سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الِإسلامية كلِّها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس: أن صفة "العبادة" إنَّما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات"، بينما أخذت الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله فقه المعاملات.
إن ذلك التقسيم -مع مرور الزمن- جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدَّوا نشاط "العبادات" وفق أحكام الإسلام، بينما هم
стр. 51
يزاولون "المعاملات" وفق منهج آخر، لا يتلقونه من الله، ولكن من إله آخر! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة ما لم يأذن به الله (١).
وهذا وهم كبير فالإسلام وحدة لا تنفصم، وكل من يفصمه إلى شطرين -على هذا النحو- فإنّما يخرج من هذه الوحدة" (٢).
"ولا ريب أنَّ هذا الانحراف الذي وقع في تصور كثير من المسلمين لحقيقة الِإسلام، وحقيقة العبادة فيه، لم يكن مقصودا للفقهاء، ولا هم مسؤولون عنه، فإن ما صنعوه من التقسيم هو مقتضى التقسيم العلمي، ولم يستطع من ألَّف في الفقه في عصرنا أن يستغني عن هذا التقسيم" (٣).
وأنا لا أستطيع في هذه الرسالة إلاّ أن أمضي على النهج الذي اختطه فقهاؤنا، فأنا أعني بالعبادة ما عناه سلفنا الصالح، ومع هذا فإنَّ الجهود يجب أن تتجه لمحاربة الآثار السيئة التي نتجت عن سوء فهم بعض المسلمين لهذا التقسيم، أمَّا التقسيم نفسه فلا غبار عليه.
стр. 52
" موضوع الرسالة "
بعد تعريف مفردات عنوان الرسالة نستطيع أن نقول: إن هذه الرسالة تبحث في جزء من إرادات المكلفين، هو تلك الإِرادة الجازمة التي تتجه نحو أفعال شرعية معينة هي العبادات دون غيرها، لتحقيقها وإيجادها.
فلا نعنى في رسالتنا هذه بالإرادات التي هي أدنى من القصد مرتبة، كما لا نعنى بمباحث القصود المتجهة إلى غير العبادات؛ إلاّ بالمقدار الضروري الذي لا بد منه لتوضيح قصود العبادات.
ولا نعنى -أيضا- بأفعال غير المكلفين، وهي تلك التي تصدر من أصحابها حال كونهم غير داخلين تحت الأمر والنهي لفقدانهم العقل أو لعدم اكتمال عقولهم، أو لغفلتهم.
стр. 53
المبحث الثاني
الأدلّة على أنّ المقاصدَ مُعتبرة في العبادات والتصرفات
стр. 54
الأدلة على اعتبار القصود في العبادات والتصرفات
الأدلة على ذلك كثيرة منها:
أولاً: الأدلة القرآنية:
عندما يتناول الباحث معجم ألفاظ القرآن ويبحث عن لفظ "قصد"، و"نية" فإنه لا يعثر للكلمة الثانية على وجود في كتاب الله، وما يجده من كلمات للفظة الأولى قليل، وبالرجوع إلى الآيات التي ورد فيها "قصد" ومشتقاتها في القرآن ندرك أن القرآن لم يستعمل هذه الكلمات في المعنى الذي نبحثه هنا. (١)
وقد يظن الباحث الذي لم يعش مع كتاب الله أن القرآن لم يتحدث عن المقاصد، ولم يعن بالنيات من أجل ذلك، وهذا قصور نظر، فالقرآن فضل القول في هذه المسألة تفصيلا، لأنها أصل الدين وأساس الاعتقاد، إلا أن القرآن له في هذا المجال تعبيرات تخصه أطلقها على المعنى الذي نعنيه من القصد والنية.
وبالتأمل في آيات الكتاب نجد أن الآيات التي تتحدث عن القصد والنية هي تلك الآيات التي تتحدث عن الإرادة والإخلاص، وقد يعبر القرآن عن النية والقصد بلفظ "الابتغاء".
стр. 55
فمن النصوص القرآنية التي تتحدث عن القصد والنية بلفظ الإرادة قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَن يُرِيدُ الدُنْيَا، ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخرة﴾ (١)، وقوله: ﴿واصبر نفسك مع الّذِينَ يَدْعُونَ ربَّهُمْ بالْغَدَاةِ واْلعَشيّ يُرِيدُونَ وجهه﴾ (٢)، والمتأمل في هذين النصين يدرك أن المراد بالِإرادة هنا القصد والنية، والنصوص في ذلك كثيرة.
والآيات القرآنية الآمرة بالاخلاص والحاثّة عليه كثيرة أيضا كقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ الله مخلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، (٣) ﴿وَمَا أمِرُوا إلاّ لِيَعبدُوا الله مُخْلصِين لَهُ الدِّينَ﴾ (٤).
وقد استدل العلماء بهاتين الآيتين وأمثالهما على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى. (٥)
ويرى فريق من العلماء أنَّ الأحاديث التي حث الرسول ﷺ فيها على إصلاح النية وتصفيتها استقاها ﷺ من مثل قول الله تعالى ﴿وَمَا أُمِروا إلاَّ لِيعبَدُوا الله مخْلِصِينَ لَهُ الدَينَ﴾ (٦).
وقد فسر جملة من أهل العلم الشاكلة في قوله تعالى: ﴿قلْ كُل يَعْمَلُ عَلىَ شَاكِلَتِهِ﴾ بالنية. (٧)
والآيات الناهية عن الشرك تدلُّ دلالة أكيدة على وجوب تصفية النية وإصلاحها،
стр. 56
كقوله تعالى: ﴿فمَنْ كَانَ يَرْجو لِقَاءَ رَبِّه فَلْيعْمَلْ عَملاً صالحًا، وَلاَ يشْركْ بعبادَةِ رَبِّه أَحَدًا﴾. (١)
وعبر القرآن عن النية والقصد بلفظ "الابتغاء"، كما في قواله تعالى: ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدة مِن نِعمَةٍ تُجْزَى، إلا ابْتِغَاء وجْه ربَه اْلأعْلىِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمثلُ الَّذِينَ يُنْفِقونَ أمْوالَهُمْ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَتَثْبيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... ﴾. (٣)
ودلالة الآيتين على المراد واضحة، فالممدوح في الآية إنما يفعل ما يفعل من خيرات وإسداء للمعروف طلبا لرضوان ربه، لا يجازى جميلا أسدى إليه، ولا معروفا صنع له.
وفي الآية الثانية مديح للذين يبذلون أموالهم طالبين رضوان الله تعالى، فالإنفاق كما أمر الله يطفىء غضب الرب كما يطفىء الماء النار، ويجلب رضوان الله تعالى.
ثانيًا: الأحاديث النبوية:
وعمدة الأحاديث النبوية الحديث الذي يرويه أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب (٤) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". (٥)
стр. 57
وهذا الحديث يدل على أن الأعمال لا تصح شرعا ولا تعتبر إلا بالنية، وأن النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح، وكلمة (إنما) وضعت للحصر، فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه، فدلالتها: أن العبادة إذا صحبتها النية صحت، وإذا لم تصحبها لم تصح، ومقتضى حق العموم فيها يوجب ألا يصح عمل من الأعمال الدينية: أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها؛ إلا بنية.
وظاهر الحديث ينفي وجود ذوات الأعمال التي تخلو من النية، وبما أن أعيان الأفعال الخالية من النيَّة موجودة في واقع الأمر فقد قرر كثير من الفقهاء (١) أن هذا الظاهر غير مراد، وأوجبوا تقدير محذوف، كي يستقيم الكلام، ثم إن بعض هؤلاء قدروا المحذوف: "صحة الأعمال"، وبعضهم قدره: (كمال الأعمال)، ذلك لأنهم رأوا أن بعض الأعمال لا تشترط في صحتها النيات كقضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعواري والديون، فإن مؤديها تبرأ ذمته منها، وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية، بل تبرأ ذمته عنها من غير فعل منه.
وحجة الذين ذهبوا إلى تقدير الصحة أن نفي الصحة يشبه نفي الشيء نفسه، ولأن اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات، وبالتبع على نفي جميع الصفات، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقي دلالته على نفي جميع الصفات. (٢)
والذي يظهر لي أن الحديث لا يحتاج إلى تقدير، لأن المراد بالأعمال: الأعمال الشرعية، لأن الرسول ﷺ بعث لبيان الشرع، فالحديث يدل على أن الأعمال الشرعية توجد وتكون بالنيات، فإذا انتفت النيات من الأعمال انتفت الأعمال الشرعية، وهذا رأي نسبه صاحب دليل الفالحين إلى بعض المحققين،
стр. 58
وارتضاه، قال: "والأقرب -كما قال بعض المحققين، وقال: إنه التحقيق- أنَّه لا حاجة لتقدير في الخبر، وليس فيه دلالة اقتضاء، بل اللفظ باق على مدلوله من انتفاء الأعمال بانتفاء النية، لكن شرعا، إذ الكلام فيه، والتقدير إنما وجودها كائن بالنية فإذا انتفت انتفى العمل ونفي الحقيقة إنما ينتفي بانتفاء شرطها أو ركنها، فيفيد مذهبنا وجوبها في كلّ عمل إلا ما قام الدليل على خروجه، والعام المخصوص حجة" (١).
وهذا الذي قاله صاحب دليل الفالحين في غاية الجودة والتحقيق. وليس هذا هو الحديث الوحيد الذي ورد في هذا الموضوع، بل وردت عشرات الأحاديث مما يدل على اعتناء الرسول ﷺ بتقرير هذا الأصل وإيضاحه. (٢)
ثالثا: القصد إلى الفعل أمر ضروري:
ومما يدل على اعتبار القصود في العبادات والتصرفات أن الأفعال الاختيارية لا تصدر من الإنسان إلا بقصد وإرادة، وقد أخبر الرسول ﷺ أن "أصدق الأسماء حارث وهمام"، (٣) لأنهما يصدقان على كل إنسان حي، فكل إنسان حارث أي كاسب عامل، وكل إنسان همام، أي دائم الهم والإرادة لما يفعله. (٤)
стр. 59
وقد نص ابن الهمام على أن "الفعل الاختياري لا بد في تحقيقه من القصد إليه" (١)، وعدَّ ابن تيمية "القصد إلى الفعل أمرا ضروريا في النفس" (٢)، "ولو كلف العباد أن يعملوا عملا بغير نيّة كلفوا ما لا يستطيعون" (٣).
رابعًا: عدم اعتبار الشارع للأفعال التي وقعت من غير قصد:
الأعمال الصادرة من المجنون والمعتوه والمخطىء والساهي والغافل والنائم لا يُعتدُّ بها إن كانت طاعات، ولا يعاقب عليها إن كانت معاصي، فالذي يستمع القرآن بغير قصد الاستماع لا يثاب على استماعه، والسامع للمحرَّم من الكلام من غير قصد لا عقوبة عليه.
ومن جامع امرأة يظنها زوجته ثم تبين أنها ليست هي لا عقوبة عليه، ومن تزوج امرأة ثم بان أنها أخته من الرضاع فإنه يلزمه فراقها، ولا عقاب عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ومن أكل أو شرب ناسيا وهو صائم فصومه صحيح.
ومن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ولا تثريب عليه في تأخيرها، لأنه معذور في ذلك.
والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة متوافرة منها:
١ - قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلَفُ الله نَفْسًا إلاّ وُسعَهَا، لَهَا مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْهَا مَا اكتَسَبَت، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إن نَسِينَا أوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٤).
стр. 60
وعندما نزلت هذه الآية من آخر سورة البقرة دعا الصحابة بها ﴿رَبَّنا لا تُؤَاخِذنَا إن نسِيْنَا أَوْ أَخْطأْنَا﴾ قال الله: "نعم" أو: "قد فعلت". (١)
٢ - وقد نصّ الرسول ﷺ على عدم مؤاخذة من ليس له قصد، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٢).
стр. 61
٣ - وأخبر الرسول ﷺ أنه: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" (١).
٤ - حديث أنس بن مالك (٢) يرفعه إلى رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: "اللهمَّ أنت عبدي، وأنا ربّك، أخطأ من شدة الفرح" (٣).
فلو كان هذا الواجد لناقته قاصدا لقولته هذه لكان كافرا كفرا مخرجا من الملة، ولكن لما سبق لسانه إلى خلاف ما بقصده لشدة فرحه لم يؤاخذه الله بقولته.
٥ - والناطق بكلمة الكفر مكرها، وقلبه مطمئن بالِإيمان، لا يؤاخذه الله: ﴿إلاّ مَنْ أكْرهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيَمانِ﴾ (٤). والنصوص في هذا كثيرة جدا، والأمر أوضح من أن نطيل في الاستدلال عليه.
خامسًا: النيّة سر العبودية وروحها:
وقد وضحنا هذه المسألة وبيناها في "فضل النّية"، فكيف يعتد بعبادة لا روح لها! يقول ابن حزم (٥) في هذا "النية هي سر العبودية وروحها، ومحلها من العمل محل
стр. 62
الروح من الجسد، ومحال أن يعتبر في العبودية عمل لا روح له معه، بل هو بمنزلة الجسد الخراب" (١).
والحق الذي يشهد له الكتاب والسنة أن المأمور بالتكاليف الشرعة هو النفس الإنسانية، وما الجسد إلاّ آلة لها، فإذا كانت فاقدة للعمل الذي أمرت به -وهو الإخلاص والنية- كان العمل الذي يقوم به البدن ضربًا من العبث والضلال.
سادسًا: القصود تميّز العبادات عن العادات، كما تميز رتب العبادات:
فمن تمييزها العبادات عن العادات: (٢)
١ - الغسل: فإنه مردد بين ما يفعل قربة إلى الله، كالغسل من الأحداث، وما يفعل لأغراض العباد: من التبرد، والتنظيف، والاستحمام، والمداواة، وإزالة الأوضار والأقذار، فلماّ تردّد بين هذه المقاصد وجب تمييز ما يفعل لرب الأرباب، عما يفعل لأغراض العباد.
٢ - دفع الأموال مردّد بين أن يفعل هبة، أو هديّة، أو عطيّة، وبين أن يفعل قربة إلى الله، كالزكاة، والصدقات، والكفارات.
فلما تردّد بين هذه الأغراض وجب أن تميز نية ما يفعل لله عما يفعل لغير الله.
٣ - الإمساك عن المفطرات: تارة يفعل لغرض الإمساك عن المفطرات، وتارة يفعل قربة إلى رب الأرض والسموات، فوجب فيه النية، لتصرفه عن أغراض العباد إلى التقرب إلى المعبود.
٤ - حضور المساجد: قد يكون للراحات، أو الصلوات، والقربة بالحضور فيها زيارة للرب . لما تردد بين هذه الجهات وجب أن يميز الحضور في المسجد زيارة للرب عما يفعل لغير ذلك من الأغراض.
стр. 63
٥ - الضحايا والهدايا: لما كان ذبح الذبائح في الغالب لغير الله، من ضيافة الضيفان، وتغذية الأبدان، ونادر أحواله أن يفعل تقربا إلى الملك الديان -شرطت فيه النية، تمييزا لذبح القربة عن الذبح للاقتيات والضيافات، لأن تطهير الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالمياه من الأحداث، تارة يكون لله، وتارة يكون لغير الله، فالنية واجبة كي يتميز الذي لله عما عداه.
٦ - الحج: لما كانت أفعاله مردّدة بين العبادات والعادات وجب فيه النية تمييزا للعبادات عن العادات. فالعبادات لا تتميز عن العادات في الأمثلة التي ذكرناها إلا بالنية، لأن الصورة واحدة، فإذا عدمت النية كان العمل عاديا لا عباديا، والعادات لا يتقرب بها إلى بارىء البريات، وفاطر المخلوقات، فإذا عريَ العمل عن النية كان كالأكل والشرب والنوم البهيمي الحيواني، الذهب لا يكون عبادة بوجه، فضلا عن أن يؤمر به، ويرتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم، وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع المتقرب به إلى الرب ﵎.
ومن تمييزها رتب العبادات: (١)
١ - الصلاة: فالصلاة تنقسم إلى فرض ونفل. والنفل ينقسم إلى: راتب، وغير راتب.
والفرض ينقسم إلى منذور وغير منذور. وغير المنذور ينقسم إلى: ظهر وعصر، ومغرب وعشاء، وصبح، وإلى قضاء وأداء.
فيجب في النفل أن يميز الراتب عن غيره بالنية وكذلك تميز صلاة الاستسقاء عن صلاة العيد، وكذلك في الفرض تميز الظهر عن العصر، والمنذورة عن المفروضة بأصل الشرع.
٢ - وفي العبادة المالية تميز الصدقة الواجبة عن النافلة، والزكاة عن المنذورة والنافلة.
стр. 64
٣ - وفي الصوم تميز صوم النذر عن صوم النفل، وصوم الكفارة عنهما، وصوم رمضان عما سواه.
٤ - وفي الحج تميز الحج عن العمرة، والحج المفروض عن المنذور والنافلة.
سابعًا: تأثير النية فى الأعمال:
النية تؤثر في الفعل، فيصير تارة حراما، وتارة حلالا، وصورته واحدة، كالذبح مثلا، فإنه يحل الحيوان إذا ذبح لأجل الله، ويحرمه إذا ذبح لغير الله، والصورة واحدة.
وكذلك القرض في الذمة، وبيع النقد بمثله إلى أجل، صورتهما واحدة، والأول قربة صحيحة، والثاني معصية باطلة.
والرجل يشتري الجارية لموكله فتحرم عليه، ولنفسه فتحل له، وصورة العقد واحدة، وقال ابن القيم في كتاب الروح: "الشيء الواحد تكون صورته واحدة، وهو ينقسم إلى محمود ومذموم، فمن ذلك التوكل والعجز، والرجا والتمني، والحب لله والحب مع الله، والنصح والتأديب، وحب الدعوة إلى الله وحب الرياسة، وعلو أمر الله والعلو في الأرض، والعفو والذل، والتواضع والمهانة، والموجدة والحقد، والاحتراز وسوء الظن، والهدية والرشوة، والإخبار بالحال والشكوى، والتحدث بالنعم شكرا والفخر بها. فإن الأول من كل ما ذكر محمود، وقرينه مذموم، والصورة واحدة، ولا فارق بينهما إلا القصد" (١).
стр. 65
اعتراضات
أورد الشاطبي بعض الأدلة التي تدلّ على أنَّ المقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات.
ثم أورد على نفسه دليلين يدلان على أنَّ المقاصد وإن اعتبرت على الجملة فليست معتبرة بإطلاق، وفي كلّ حال، ثم أجاب عما أورده.
الأول: الأعمال التي يجب الِإكراه عليها شرعا، فإن المُكْرَه على الفعل يعطي ظاهره أنَّه لا يقصد فيما أكره عليه امتثال أمر الشارع، إذ لم يحصل الإكراه إلاّ لأجله، فإذا فعله وهو قاصد لدفع العذاب عن نفسه فهو غير قاصد لفعل ما أمر به، لأنَّ الفرض أن العمل لا يصح إلَّا بالنية المشروعة فيه، وهو لم ينو ذلك، فيلزم ألا يصحّ، وإذا لم يصحّ كان وجوده وعدمه سواء، فكان يلزم أن يطالب بالعمل ثانيا، ويلزم في الثاني ما لزم في الأول، ويتسلسل، أو يكون الِإكراه عبثا، وكلاهما محال، أو يصحّ العمل بلا نيّة، وهو المطلوب (١).
وقد نصّ الفقهاء في أمور عدّة على ما قرّره الشاطبي هنا، فقد نص الشافعي (٢) على أن للوالي أن يأخذ الزكاة من أهلها، ولو لم يكن لهم نيّة في دفعها إليه، يقول الشافعي في هذا الصدد: "وإذا أخذ الوالي من رجل زكاة بلا نيّة من الرجل في دفعها إليه أو بنيّته طائعا كان الرجل أو كارها، ولا نيّة للوالي الآخذ لها في أخذها من صاحب الزكاة أو له نية فهي تجزىء عنه" (٣).
стр. 66
وهذا الذي قرره يقول به جماهير العلماء، يقول المرداوي (١) من الحنابلة: "لا يجوز إخراج الزكاة إلَّا بنيَّة، إلاّ أن يأخذها الإمام قهرا، فإنَّها تجزىء عن ربها على الصحيح من المذهب. وقال المجد (٢): هو ظاهر كلام الامام أحمد والخرقي لمن تأمله" (٣).
ثانيا: الاعتراض الثاني الذي أورده الشاطبي مما يستدل به على أن المقاصد لا تعتبر في كل فعل: أن الأعمال ضربان: عادات وعبادات، فأما العادات فقد قال الفقهاء: إنّها لا تحتاج في الامتثال بها إلى نيّة، بل مجرد وقوعها كاف، كرد الودائع والغصوب والنفقة على الزوجات والعيال وغيرها.
وأما العبادات فليست النية بمشروطة فيها بإطلاق أيضا، بل فيها تفصيل وخلاف بين أهل العلم في بعض صورها.
فقد قال جماعة من العلماء بعدم اشتراط النية في الوضوء، وكذلك الصوم والزكاة، وهي عبادات، وألزموا الهازل العتق والنذر، كما ألزموه النكاح والطلاق والرجعة.
وذكر أن في مذهب مالك فمن رفض النية في الصوم أثناء اليوم ولم يفطر أن صومه صحيح.
ومما أورده أيضا أن من الأعمال ما لا يمكن فيه الامتثال عقلا، وهو النظر الأول المفضي إلى العلم بوجود الصانع، والعلم بما لا يتم الإيمان إلاّ به؛ فإن قصد الامتثال فيه محال حسب ما قرره العلماء (٤).
وقد أجاب الشاطبي عن هذين الاعتراضين بوجهين:
стр. 67
الوجه الأول: إجمالي بيّن عموم القاعدة، وعدم جواز تخلفها بحال.
والثاني: إجابة تفصيلية عن آحاد المسائل التي وردت في الاعتراض.
والوجه الأول بين فيه أنَّ المقاصد ضربان:
ضرب هو من ضرورة كلِّ فاعل مختار من حيث هو مختار، وهنا يصحّ أن يقال: إنَّ كلَّ عمل معتبر بنيّته شرعا، قصد به امتثال أمر الشارع أو لا، وتتعلق إذ ذاك الأحكام التكليفية به، وعليه يدلّ ما تقدم من الأدلة، فإن كلّ فاعل عاقل مختار إنما يقصد بعمله غرضا من الأغراض حسنا كان أو قبيحا، مطلوب الفعل أو مطلوب الترك، أو غير مطلوب شرعا، فلو فرضنا العمل مع عدم الاختيار كالملجأ والنائم والمجنون وما أشبه ذلك فهؤلاء غير مكلفين، فلا يتعلق بأفعالهم مقتضى الأدلة السابقة، فليس هذا النمط بمقصود للشارع، فبقي ما كان مفعولا بالاختيار لا بد فيه من القصد، وإذ ذاك تعلقت به الأحكام، ولا يتخلف عن هذه الكلية عمل البتة.
وعلى هذا فكلّ ما أورده الشاطبي في الاعتراضات لا يعدو هذين القسمين: فإنه إما مقصود لما قصد له من رفع مقتضى الإكراه أو الهزل أو طلب الدليل، أو غير ذلك، فينزل على ذلك الحكم الشرعي بالاعتبار وعدمه. وإمّا غير مقصود فلا يتعلق به حكم على حال، وإن تعلق به حكم فمن باب خطاب الوضع لا التكليف، فالممسك عن المفطرات لنوم أو غفلة وإن صححنا صومه فمن جهة خطاب الوضع (١)، كان الشارع جعل نفس الإمساك سببا في إسقاط القضاء أو في صحة الصوم شرعا، لا بمعنى أنه مخاطب به وجوبا.
ثم تحدث الشاطبي عن الضرب الثاني: والضرب الثاني المقاصد التي هي من
стр. 68
ضرورة التعبديات، من حيث هي تعبديات، فإن الأعمال كلّها الداخلة تحت الاختيار لا تصير تعبدية إلا بالقصد إلى ذلك.
وهذا في الأمور التعبدية واضح، وفي العاديات لا تكون تعبديات إلاّ بالنيات.
ثم بيَّن أنَّه لا يتخلف عن ذلك من الأعمال شيء إلاّ النظر الأوّل، لعدم إمكانه، لكنّه- في الحقيقة- راجع إلى أنَّ قصد التعبد فيه غير متوجه عليه، فلا يتعلق به الحكم التكليفي كلية بناء على منع التكليف بما لا يطاق، لأن المكلف به قادر عليه متمكن من تحصيله، بخلاف قصد التعبد بالعمل فإنَّه محال، فصار في عداد ما لا قدرة عليه، فلم تتضمنه الأدلة الدالة على طلب هذا القصد أو اعتباره شرعا (١).
ثم أخذ الشاطبي يتكلم عن الوجه الثاني، وهو الوجه الذي يجيب فيه إجابة تفصيلية عن الاعتراضات التى أوردها.
وأهمّ هذه الاعتراضات أنَّ الحاكم ملزم شرعا بإكراه الناس، فكيف يجزىء عن المكره الفعل مع أنّه لا قصد له؟
وفي الجواب نحبُّ أن نفرق بين أمرين:
الأول: أنَّ العبادات من حيث هي أفعال صادرة من المكلفين لا تجزىء عنهم ما لم يؤدوها بقصد نابع من ذوات أنفسهم، فإن لم يؤدوها كذلك فلا تجزىء عنهم بحال.
وقد نقل ابن تيمية الِإجماع على أنَّ الذي يؤدي العبادة خوفا من الضرب أو من السلطان، أو تقليدا للآباء والأجداد لا تقبل منه (٢).
стр. 69
وقد قال تعالى: ﴿ومَا منعهُمْ أنْ تقبل مِنْهمْ نَفَقَاتهُم إلا أنَّهُمْ كفَروا بالله وَبِرَسُوله، وَلاَ يَأتُونَ الصَّلاةَ إلاّ وَهُمْ كُسَالَى، وَلاَ ينْفِقُونَ إلاَّ وَهم كَارِهونَ﴾ (١).
فقد نصَّ في هذه الآية على عدم قبول الصدقة من الكاره.
وقد نصَّ فقهاء الأحناف أنَّ المعتمد في المذهب عدم إجزاء أخذ الإمام الزكاة كرها، وإذا أخذت كرها لا يقع عن الزكاة، لكونها بلا اختيار (٢).
ويقول الشاطبي: وما افتقر منها إلى نيّة التعبد فلا يجزىء فعلها بالنسبة إلى المُكْرَه في خاصة نفسه، حتى ينوي القربة (٣).
الثاني: أن من واجب الدولة الِإسلامية أن تقيم شريعة الله، فإذا امتنع بعض الرّعية عن أداء الواجبات التي كلَّفهم الله بها، كالصلاة، والزكاة، والصوم، فمن واجبها إجبارهم على أدائها بالقوة، قال تعالى: ﴿الّذِينَ إنْ مَكنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ، وآتَوا الزَّكَاةَ، وأَمَروا بالْمَعْرُوف، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر .. ﴾ (٤)، وقد أمر الله رسوله ﷺ بذلك: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكَيهِمْ بِهَا﴾ (٥).
وأخبر الرسول ﷺ بأنَّه أمر بقتال الناس حتى يؤدوا هذه التكاليف: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله" (٦).
وواضح من النصّ أن عدم إقامتهم الصلاة وإيتائهم الزكاة يبيح سفك دمائهم من قبل الحاكم.
стр. 70
ومن هنا همَّ الرسول ﷺ بتحريق بيوت الذين لا يشهدون الجمع والجماعات، والهمّ لا يكون إلا لتركهم واجبا.
هذا واجب الدولة الِإسلامة أن تجبر بالقوة هؤلاء الذين يتهربون من أداء الواجبات، شاؤوا أم أبوا، وهذا يكفينا منهم، إذ لنا ظواهر الأمور، ولا نطالبهم بأكثر من هذا في الدنيا، أما في الآخرة فلا خلاق لهم ما لم يؤدوها بنفس رضيّة إيمانا واحتسابا. يقول الشاطبي في هذا الموضوع: "لكن المطالبة تسقط عنه في ظاهر الحكم، فلا يطالبه الحاكم بإعادتها، لأنَّ باطن الأمور غير معلوم للعباد، فلم يطالوا بالشقِّ عن القلوب" (١).
ويشكل على هذا ما ذهب إليه الشافعي من أن المكرَه على أداء الزكاة من قبل الحاكم تجزىء الزكاة عنه، ولو أمكننا أن نفهم عنه أن هذا الإجزاء في ظاهر الأمر في الدنيا لما كان هناك إشكال (٢)، لكنَّه في موضع آخر يبيّن أنَّ الإجزاء الذي يريده في الدنيا والآخرة، لأنه فرق بين الصلاة والزكاة في هذا الجانب، يقول في الأمِّ: "وإنما منعني أن أجعل النيّة في الزكاة كالنية في الصلاة لافتراق الصلاة والزكاة في بعض حالهما، ألا ترى أنّه يجزىء أن يؤدي الزكاة قبل وقتها، ويجزيه أن يأخذها الوالي منه بلا طيب نفسه، فتجزىء عنه، وهذا لا يجزىء في الصلاة" (٣).
وقد حاول بعض أهل العلم توجيه قول الشافعي هذا زاعما أنَّ الشافعي يرى عدم وجوب النيّة في الزكاة، لأنها شبيهة بالغرامات المالية.
وهذا زعم مرفوض، وادعاء لا يقوم على دليل، فالشافعي ينص صراحة على وجوب النيّة في الزكاة، فهو يقول: "لما كان في الصدقة فرض وتطوع، لم يجز -الله أعلم- أن يجزىء عن رجل زكاة يتولى قسمها إلاّ بنية أنه فرض" (٤).
стр. 71
وقد علَّل ابن حجر (١) سبب الإجزاء الذي يدلُّ عليه كلام الشافعي أنَّ السلطان قائم مقام صاحب المال (٢).
والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ الشافعيّ لا يرى أنَّ المكره الذي يمتنع من أداء الزكاة أصلا- يجزىء ذلك عنه، وإنِّما مراده به هنا ذلك الرجل الذي يريد الزكاة، ولكنَّه لا يريد أداءها إلى الحاكم بسبب ظلمه، أو لأنه يريد توزيعها بنفسه، فيكرهه السلطان على أدائها إليه هو، فهذا هو الذي تجزيه.
وقد تكلَّم الفقهاء في الزكاة التي يأخذها الخوارج هل تجزىء عن أربابها؟ ثالث الأقوال، أنَّها إن أخذت على وجه القهر والغلبة أجزأت عمَّن أخذت منه، وبه قال مالك (٣)، وقد ادعى ابن بطال (٤) الإجماع على أن أحذ الِإمام الظالم الزكاة مجزىء عمن أخذت منه (٥).
وممن قال بعدم إجزاء الزكاة ممن أخذت مه قهرا فقهاء الأحناف، وجمع من الحنابلة منهم ابن عقيل (٦)، والشيخ تقي الدين (٧)، وقال: هذا هو الصواب (٨).
стр. 72
أما الجزئيات التي أوردها الشاطبي في الاعتراض الثاني فالجواب عنها من وجوه:
الأول: ليس معنى أن يخالف بعض العلماء في هذه الأمور أن تنخرم القاعدة بقولهم هذا، فقد حققنا في مبحث "الأفعال التي تفتقر إلى النية" ضعف حجة الذين قالوا بعدم وجوب النية في الوضوء والغسل، وشذوذ الذين قالوا بعدم وجوبها في الزكاة والصوم.
الثاني: أنّ بعض الذين قالوا بعدم وجوب النية في بعض الأفعال عدّوا هذه الأفعال من العاديات التي لا تلزمها النيّات، كأداء الديون ورد الغصوب، والودائع، فالعبد يبرأ بمجرد الردّ.
والأحناف جعلوا الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر مفتاحا للصلاة بمثابة اللباس واستقبال القبلة وبقية الشروط، وهي بذلك ليست عبادة، وقد نصوا على أنّها لا تكون عبادة إلاّ بالنيّة.
الثالث: أنّ من قال: إن الهازل يلزمه مقتضى قوله، ليس من باب عدم الاعتداد بالقصد والنيّة، ولكن عقوبة له بسبب هزله في هذه الأمور الخطيرة التي لا تصلح مجالا للهزل، وكثير من الفقهاء يرى أنَّ هذا من باب خطاب الوضع، فالتفريق بين الزوجين (سببه) لفظ الطلاق، فليس في الأمر (على هذا القول) عقوبة أصلا.
стр. 73
المبحث الثالث
فَضل المقَاصد وعظيم خَطرهَا
стр. 74
فضَل المقاصد وَعظيم خَطرهَا
١ - يبلغ المرء بنيّته ما لا يبلغه بعمله:
لو أراد أحدنا أن يحصي ما يستطيع تحقيقه من الإِرادات التي تثور في قلبه، لوجد أن الذي يتحقق منها نسبة ضئيلة بجانب ما لا يستطيع تحقيقه.
ولا نريد بالنيّات التي تدخل في الِإحصاء تلك الخواطر العابرة، وأحاديث النفس المارة، بل نريد تلك النيّات التي بلغت مرتبة العزم والتصميم.
والسبب في قلة الإِرادة التي نستطيع تحقيقها: أنَّ الأعمال التي نروم تحقيقها لا تتوقف على مجرد إرادتنا لها، فهناك حوائل ذاتية وخارجية تمنعنا من تحقيق ما نعزم على فعله، فالأجساد قد تضعف عن تحقيق المراد بسبب عظم المراد كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
وقد يمنع المرء من تحقيق مراده مرض مسهد، أو هرم مقعد، أو فقر مجهد، أو عدو قاطع للطريق، أو ظالم يحبسه في داره.
هذه الموانع والحوائل الذاتية والخارجية التي تمنعنا من كثير من الأفعال الخيّرة التي تقربنا إلى ربنا وترفع منزلتنا عنده، لا تمنع النية من التحقق والوجود، إذ النيّة طليقة من القيود التي تكبل الأجساد.
النية عمل القلب، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه:
إنْ يسْلُب الْقَوْمُ العِدَا مُْلـ ... كِي وَتسْلِمُنِي الجْمُوع
فَالْقلْبُ بَيْنَ ضُلو ... عِهِ لَمْ تُسْلِمِ القَلَبَ الضُّلُوع
стр. 75
فمهما ضعفت الأجساد، ومهما اشتدَّ ظلم الظالمين فقلب الِإنسان يبقى حرا طليقا، يتوجه إلى الله في السراء والضراء راغبا راهبا، يريده بالخير، ويقصده بالطاعة.
ولكن ما قيمة النيّة التي لا نستطيع تحقيقها في واقع الأمر؟ هل يثيبنا أصحاب الأعمال الدنيوية إذا نحن قصدنا أن نحقق أعمالهم، ولكننا لم نستطع أن نفعل ذلك في الواقع بسبب حوائل قاهرة؟
نخطىء خطأ فادحا إذا سوينا بين المقاصد التي نتجه بها إلى ربِّ البرية، والمقاصد التي نقصد بها العباد، فالنيّة التي نريد بها أعمال النّاس ولا نستطيع تحقيقها لا يعترف الغالبية العظمى من النّاس بها، ولا يجزون عليها، ولا يعترفون إلاّ بما تحقق منها في واقع الأمر، وإن كان بعض الذين نبل معدنهم، وسمت نفوسهم يقدِّرون ذلك، ويعظمونه، كما قال الشاعر:
لأشْكُرنَّكَ مَعْرُوفًا هَمَمْتَ بِه ... إنَّ اهْتِمَامَكَ بِالْمَعَروفِ مَعْروف أما النيّة التي نريد بها العمل الصالح الذي فرضه الله علينا ابتغاء رضوان الله فلها قيمة كبيرة عند الله، بل هي محلّ نظر الله -سبحانه- كما قال تعالى مبيّنا أهمية العمل الباطن: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لَحُوُمها وَلاَ دِمَاؤُها، وَلَكنْ يَنَالُهُ التقْوَى منْكُمْ﴾ (١).
فالله ينظر إلى حقيقة العمل الذي في القلب لا إلى صورته.
ولذا فإنَّ العبد الذي ينوي نيَّة صادقة ولا يستطيع تنفيذها في الواقع ينال ثواب الناوي الفاعل لما نوى، ففي الحديث: "من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٢).