← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد علَّل ابن حجر (١) سبب الإجزاء الذي يدلُّ عليه كلام الشافعي أنَّ السلطان قائم مقام صاحب المال (٢). والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ الشافعيّ لا يرى أنَّ المكره الذي يمتنع من أداء الزكاة أصلا- يجزىء ذلك عنه، وإنِّما مراده به هنا ذلك الرجل الذي يريد الزكاة، ولكنَّه لا يريد أداءها إلى الحاكم بسبب ظلمه، أو لأنه يريد توزيعها بنفسه، فيكرهه السلطان على أدائها إليه هو، فهذا هو الذي تجزيه. وقد تكلَّم الفقهاء في الزكاة التي يأخذها الخوارج هل تجزىء عن أربابها؟ ثالث الأقوال، أنَّها إن أخذت على وجه القهر والغلبة أجزأت عمَّن أخذت منه، وبه قال مالك (٣)، وقد ادعى ابن بطال (٤) الإجماع على أن أحذ الِإمام الظالم الزكاة مجزىء عمن أخذت منه (٥). وممن قال بعدم إجزاء الزكاة ممن أخذت مه قهرا فقهاء الأحناف، وجمع من الحنابلة منهم ابن عقيل (٦)، والشيخ تقي الدين (٧)، وقال: هذا هو الصواب (٨).

стр. 72

أما الجزئيات التي أوردها الشاطبي في الاعتراض الثاني فالجواب عنها من وجوه: الأول: ليس معنى أن يخالف بعض العلماء في هذه الأمور أن تنخرم القاعدة بقولهم هذا، فقد حققنا في مبحث "الأفعال التي تفتقر إلى النية" ضعف حجة الذين قالوا بعدم وجوب النية في الوضوء والغسل، وشذوذ الذين قالوا بعدم وجوبها في الزكاة والصوم. الثاني: أنّ بعض الذين قالوا بعدم وجوب النية في بعض الأفعال عدّوا هذه الأفعال من العاديات التي لا تلزمها النيّات، كأداء الديون ورد الغصوب، والودائع، فالعبد يبرأ بمجرد الردّ. والأحناف جعلوا الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر مفتاحا للصلاة بمثابة اللباس واستقبال القبلة وبقية الشروط، وهي بذلك ليست عبادة، وقد نصوا على أنّها لا تكون عبادة إلاّ بالنيّة. الثالث: أنّ من قال: إن الهازل يلزمه مقتضى قوله، ليس من باب عدم الاعتداد بالقصد والنيّة، ولكن عقوبة له بسبب هزله في هذه الأمور الخطيرة التي لا تصلح مجالا للهزل، وكثير من الفقهاء يرى أنَّ هذا من باب خطاب الوضع، فالتفريق بين الزوجين (سببه) لفظ الطلاق، فليس في الأمر (على هذا القول) عقوبة أصلا.

стр. 73

المبحث الثالث فَضل المقَاصد وعظيم خَطرهَا

стр. 74

فضَل المقاصد وَعظيم خَطرهَا ١ - يبلغ المرء بنيّته ما لا يبلغه بعمله: لو أراد أحدنا أن يحصي ما يستطيع تحقيقه من الإِرادات التي تثور في قلبه، لوجد أن الذي يتحقق منها نسبة ضئيلة بجانب ما لا يستطيع تحقيقه. ولا نريد بالنيّات التي تدخل في الِإحصاء تلك الخواطر العابرة، وأحاديث النفس المارة، بل نريد تلك النيّات التي بلغت مرتبة العزم والتصميم. والسبب في قلة الإِرادة التي نستطيع تحقيقها: أنَّ الأعمال التي نروم تحقيقها لا تتوقف على مجرد إرادتنا لها، فهناك حوائل ذاتية وخارجية تمنعنا من تحقيق ما نعزم على فعله، فالأجساد قد تضعف عن تحقيق المراد بسبب عظم المراد كما قال الشاعر: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام وقد يمنع المرء من تحقيق مراده مرض مسهد، أو هرم مقعد، أو فقر مجهد، أو عدو قاطع للطريق، أو ظالم يحبسه في داره. هذه الموانع والحوائل الذاتية والخارجية التي تمنعنا من كثير من الأفعال الخيّرة التي تقربنا إلى ربنا وترفع منزلتنا عنده، لا تمنع النية من التحقق والوجود، إذ النيّة طليقة من القيود التي تكبل الأجساد. النية عمل القلب، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه: إنْ يسْلُب الْقَوْمُ العِدَا مُْلـ ... كِي وَتسْلِمُنِي الجْمُوع فَالْقلْبُ بَيْنَ ضُلو ... عِهِ لَمْ تُسْلِمِ القَلَبَ الضُّلُوع

стр. 75

فمهما ضعفت الأجساد، ومهما اشتدَّ ظلم الظالمين فقلب الِإنسان يبقى حرا طليقا، يتوجه إلى الله في السراء والضراء راغبا راهبا، يريده بالخير، ويقصده بالطاعة. ولكن ما قيمة النيّة التي لا نستطيع تحقيقها في واقع الأمر؟ هل يثيبنا أصحاب الأعمال الدنيوية إذا نحن قصدنا أن نحقق أعمالهم، ولكننا لم نستطع أن نفعل ذلك في الواقع بسبب حوائل قاهرة؟ نخطىء خطأ فادحا إذا سوينا بين المقاصد التي نتجه بها إلى ربِّ البرية، والمقاصد التي نقصد بها العباد، فالنيّة التي نريد بها أعمال النّاس ولا نستطيع تحقيقها لا يعترف الغالبية العظمى من النّاس بها، ولا يجزون عليها، ولا يعترفون إلاّ بما تحقق منها في واقع الأمر، وإن كان بعض الذين نبل معدنهم، وسمت نفوسهم يقدِّرون ذلك، ويعظمونه، كما قال الشاعر: لأشْكُرنَّكَ مَعْرُوفًا هَمَمْتَ بِه ... إنَّ اهْتِمَامَكَ بِالْمَعَروفِ مَعْروف أما النيّة التي نريد بها العمل الصالح الذي فرضه الله علينا ابتغاء رضوان الله فلها قيمة كبيرة عند الله، بل هي محلّ نظر الله -سبحانه- كما قال تعالى مبيّنا أهمية العمل الباطن: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لَحُوُمها وَلاَ دِمَاؤُها، وَلَكنْ يَنَالُهُ التقْوَى منْكُمْ﴾ (١). فالله ينظر إلى حقيقة العمل الذي في القلب لا إلى صورته. ولذا فإنَّ العبد الذي ينوي نيَّة صادقة ولا يستطيع تنفيذها في الواقع ينال ثواب الناوي الفاعل لما نوى، ففي الحديث: "من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٢).

стр. 76

وتوفي أحد الصحابة في عهد الرسول ﷺ وكان قد تجهَّز للخروج للحرب وقتال الكفار، فقالت ابنته متحسِّرة: "إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا، قد كنت قضيت جهازك". فقال الرسول ﷺ : "قد أوقع الله أجره على قدر نيته" (١). وتخلف رجال في غزوة تبوك، كانوا يتحرَّقون شوقا إلى صحبة الرسول ﷺ في تلك المعركة، ولكن حبسهم العذر، بعضهم لم يكن عنده الزاد والراحلة، ولم يجد الرسول ﷺ ما يحملهم عليه، وبعضهم لعلَّه كان مريضا، ومنهم من تخلف عن الرسول ﷺ ليَليَ شؤون المدينة، ويقوم على حمايتها، فأخبر الرسول ﷺ أصحابه الذين كانوا معه في تلك الغزوة أن أولئك المتخلفين المعذورين يشاركونهم في الأجر، ونصّ كلامه ﷺ فيهم: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" (٢). وقد أشار القرآن إلى مساواة أصحاب الأعذار للمجاهدين إذا منعهم الضرر من المسير والحرب والطعان، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ، وَالْمُجَاهِدونَ فِي سبِيل الله بأَمْوالِهمْ وَأنفُسهِمْ﴾ (٣). وقد نزلت هذه الآية كما يقول ابن كثير أولا بدون "أُولي الضَّرَرِ" وكان عند الله ابن أمّ مكتوم قريبا من الرسول ﷺ فقال: أَنا ضرير، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فنزلت: ﴿غيْرُ أولي الضَّرَر﴾ (٤)، فالآية كما يقول ابن كثير، ويرويه عن ابن عباس (٥): تدلُّ على أنَّ "أولي الضرر" يساوون

стр. 77

المجاهدين، ما دام الضَّرر قاهرا، والنية مستقرة في القلوب (١). فإذا صدقت النيّات من العباد، وحالت دون القيام بالعمل المراد الحوائل. فإن صاحب النية يعدّ في عداد العاملين، وما أحسن قول القائل: (٢) يَا رَاحليِنَ إلى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لَقَدْ ... سِرْتُمْ جُسوماً وَسِرنَا نَحْنُ أَرْواحا إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْر وَعَنْ قَدَرٍ ... وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذرٍ فَقَدْ رَاحَا وقد مضى ذكر الحديث الذي يخبر فيه الرسول ﷺ "أنَّ الدنيا لأربعة نفر"، وفيه أن الذي لا يملك المال ثم يتمنى أن يكون كفلان الغني كي ينفق ويتصدّق مثله فإنّه يستوي مع الغني المنفق في الأجر والثواب، قال فيه الرسول ﷺ : "فهما في الأجر سواء"، وقال في الفقير الذي يريد مثل مال الغني الجائر الظالم الذي ينفق المال في الذنوب والمعاصي، ليفعل مثل فعله- قال فيه: "هما في الوزر سواء" (٣). والعبد الذي ينوي استدامة عبادة من العبادات كصلاة الليل، أو صيام أيام من كل شهر أو من كل أسبوع، ثم يغلبه على هذه العبادة أمر ما، كأن يغلبه النوم، أو يشغله السفر أو المرض، يكتب له ما كان يعمله، فعن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من امرىء تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلاّ كتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه" (٤).

стр. 78

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له بمثل ما كان يعمل مقيما صحيحا" (٢). وروى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا، حتى أطلقه، أو أكفته إليّ" (٣). وعن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا ابتلي المسلم ببلاء في جسده، قيل للملك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه" (٤). من أجل ذلك كان عمل الرسول ﷺ ديمة، ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها، وإن قل" (٥). ٢ - الخلود في الجنّة أو النّار بالنيّات: هناك شبهة تقول: لِمَ يعذّب الله الكافر بالخلود في النّار مددا لا نهاية لها مع أنَّ العدل يقتضي أن يعذبه بمقدار المدّة التي كفرها.

стр. 79

ولم يخلد المؤمن في الجنّة، مع أنّه لم يؤمن ولم يطع إلاّ مدة معلومة محددة من الزمان. قالوا: السبب في ذلك أنَّ المؤمن يخلد في الجنَّة، لأنَّه ينوي أن يطيع الله أبدا، ولذلك جوزي بالخلود في الجنة. والكافر كان -في الدنيا- عازما على الكفر أبد الآبدين، وإن لم يعص الله إلاّ مدَّة حياته (١)، ومما يدلّ على تصميم الكافر على الكفر أبدا، قوله تعالى في الكفرة الذين يطلبون العودة إلى الدنيا كي يؤمنوا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نهُوا عنه وإنّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢). وهذا أمر عظيم يدلّ على عظيم خطر النية وأهميتها. ٣ - الأعمال البدنية قد تتوقف بخلاف النية: قد تتوقف بعض الأعمال البدنية المطلوبة شرعا كالهجرة، وذلك عندما ينتشر الِإسلام، وتصبح كلمة الله هي العليا، وكصلة الأرحام إذا لم يكن للمرء رحم يصله، ولكن نية العمل الخير باقية دائمة لا تتوقف أبدا، يقول الرسول ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة" (٣). وذكر الغزالي عن أحد الذين كانوا يعنون بفعل الخير، أنه كان يطوف على العلماء يقول: "من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى، فإني لا أحب أن يأتي عليَّ ساعة من ليل أو نهار إلاّ وأنا عامل من عمال الله، فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت أو تركته فهمَّ بعمله، فإنَّ الهامّ بعمله كعامله" (٤).

стр. 80

٤ - قاصد الفعل الخير يثاب وإن لم يصب المراد: إذا قصد العبد القيام بفعل خير شرعه الله، إلاّ أنَّ هذا الفعل لم يقع الموقع المناسب فإنّ صاحبه يثاب بقصده ونيّته. يروي البخاري (١) في صحيحه عن معن بن يزيد (٢)، قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إيّاك أردت، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن" (٣). فالأب لم يقصد توجيه المال الذي أخرجه إلى ابنه، ولكنَّ الله أثابه بنيّته الصالحة، وكتب له الأجر، وإن عاد المال إليه. وأوضح من هذا ما حدّثنا عنه الرسول ﷺ عن رجل صالح من الأمم الماضية، قال ﷺ : "قال رجل لأتصدَّقنَّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدَّثون: تصدق الليلة على زانية، قال: اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدَّثون: تصدّق على غني، قال: اللهَم لك الحمد على غني! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فقال: اللهمّ لك الحمد: على زانية، وعلى غني، وعلى سارق!

стр. 81

فأُتي، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أمّا الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعلَّ الغني يعتبر، فينفق ممّا أعطاه الله، ولعلَّ السارق يستعف بها عن سرقته" (١). ٥ - اهتمام العلماء بأمر النيّات: ومما يدلّ على فضل النيّات اهتمام العلماء على اختلاف تخصصاتهم بأمرها، فالنيّات تشكل مباحث هامّة في علم: الأخلاق، والفقه، والأصول، والتوحيد، واعتنى بها شراح الحديث ومفسّرو القرآن. ومما يدلّ على تعظيمهم لأمرها اعتناؤهم بالحديث الذي يعتبر الأصل في موضوع النيّات: حديث "إنَّما الأعمال بالنيّات" (٢)، وقد تواتر النقل عن الأئمة الأعلام بعموم نفعه وعظم موقعه، قال أبو عبيد: "ليس في الأحاديث أجمع ولا أغنى ولا أنفع ولا أكثر فائدة منه". عَدْوه ربع العلم أو ثلثه أو نصفه: واتفق العلماء أمثال الشافعي وأحمد وابن المديني (٣) وأبي داود (٤) والدارقطني (٥) والبيهقي (٦) وغيرهم على عدّه ربع الِإسلام أو ثلثه أو نصفه.

стр. 82

فهذا أبو داود صاحب السنن يقول: "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب "يعني كتاب السنن" جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الِإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله ﷺ : "إنّما الأعمال بالنيّات" (١). والثاني: قوله ﷺ "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢). ْوالثالث: قوله ﷺ : "لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا يرضى لأخيه إلاّ ما يرضى لنفسه" (٣). والرابع: قوله ﷺ : "الحلال بيّن والحرام بيّن" (٤). وفي رواية أخرى عن أبي داود قال: أصول السنن في أربعة أحاديث: وذكرها إلاّ أنّه جعل حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس يحبك النّاس" (٥) أحد هذه الأصول. وقد وافق الدارقطني أبا داود في روايته الأخيرة فعدّها أربعة وهي نفس الأحاديث التي أوردها أبو داود (٦). وعدّها ابن المديني وابن مهدي (٧) أربعة أيضا (٨)، ولكن خالفوا في ذكر بعض الأحاديث، فهم يرون أن أصول الأحاديث الأربعة هي حديث: "إنما الأعمال"،

стр. 83

وحديث: "لا يحلُّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث" (١)، وحديث: "بني الإسلام على خمس" (٢)، وحديث "البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر" (٣). وواضح أن مرادهم من كون حديث "إنما الأعمال" ربع الإسلام: أنَّه أحد أربعة أحاديث عليها مدار الإسلام. والِإمام أحمد يرى أن حديث "إنَّما الأعمال" أحد قواعد الِإسلام ولكنَّه عدَّ الأحاديث التي هي قواعد الِإسلام ثلاثة، حديث:"إنّما الأعمال". وحديث: "الحلال بيّن والحرام بيّن" (٤)، وحديث "مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٥). ووجه ما قاله الإِمام أحمد أنَّ الدين فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، فحديث "الحلال بيّن، والحرام بيّن" فيه بيان ما نهى الله عنه. والذي أمر به نوعان: أحدهما: العمل الظاهر، وهو ما كان واجبا أو مستحبا. الثاني: العمل الباطن، وهو إخلاص الدّين لله. فقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب. وقوله: "إنّما الأعمال بالنيّات" يبين العمل الباطن، وأنَّ التقرب إنّما يكون بالِإخلاص في الدّين لله" (٦).

стр. 84

ووجّه البيهقي كون حديث "إنما الأعمال" ثلث العلم بأنَّ كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، لأنَّها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها محتاج إليها (١). وقد يقال إنَّ القول مندرج في العمل الظاهر، وبذا يكون الحديث نصف العلم لا ثلثه، وهذا منقول عن الإِمام الشافعي ﵀، قال: "يدخل فيه نصف العلم" ووجه ما قاله: "أن للدّين ظاهرا وباطنا، والنيّة متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، والنيّة عبودية القلب والعمل عبودية الجوارح" (٢). والذي يلفت النظر أنَّ العلماء وإن اختلفوا في تحديد الأحاديث التي هي قواعد الإسلام ومدار الدين، وفي تعليل كونها كذلك، إلاّ أنّهم اتفقوا جميعا على أن حديث "إنما الأعمال" أحد قواعد الإسلام، وأصل من أصوله (٣). بل هو كما يقول النووي: "أعظم هذه الأحاديث" (٤). هذا الحديث من جوامع الكلم: وهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو يدخل في غالب مسائل الفقه وأبوابه، فابن مهدي يرى أنه يدخل في ثلاثين بابا من العلم، أما الشافعي فإنّه يرى أن "حديث النية يدخل في سبعين بابا من الفقه، وما ترك لمبطل، ولا مضار، ولا محتال حجّة إلى لقاء الله تعالى" (٥). وقد أخطأ الذين ظنوا أنَّ الشافعي أراد المبالغة عندما قال: إنَّ هذا الحديث يدخل في سبعين بابا (٦)، ولا أدل على خطئهم من الإِحصاء الذي قام به

стр. 85

السيوطي (١)، وفعل مثله المناوي (٢)، فقد عَدَّا مسائل الفقه التي للنيّة فيها مدخل فنافت على السبعين (٣). وقد قال النووي بحق: "لم يرد الشافعي -رحمه الله تعالى- أنحصار أبوابه في هذا العدد، فإنَّها أكثر من ذلك" (٤). وقال السيوطي في آخر قاعدة الأمور بمقاصدها: "اشتملت هذه القاعدة على عدة قواعد كما تبين ذلك مشروحا، وقد أتينا على عيون مسائلها، وإلا فمسائلها لا تحصى، وفروعها لا تستقصى" (٥). وبين ابن دقيق العيد (٦) السبب في دخول حديث "إنَّما الأعمال" في مسائل كثيرة، فقال: "كل مسألة خلافية حصلت فيها نيّة فلك أن تستدلَّ بهذا على حصول المنوي، وكل مسألة خلافية لم تحصل فيها نية فلك أن تستدل بهذا على عدم حصول ما وقع فيه النزاع" (٧). البداءة به في المهمات: ومن تعظيم العلماء لهذا الحديث أن رغبوا في البداءة به في خطب الدفاتر والمنابر، وفي مجالس الدروس والوعظ. يقول أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي ﵀: "لو صنفت كتابا بدأت في

стр. 86

أول كلّ باب منه بحديث "إنما الأعمال" (١)، وأوصى ﵀ بذلك، فقال: "مَنْ أراد أن يصنّف كتابا فليبدأ بهذا الحديث" (٢). وقد تناقل العلماء وصية هذا العالم الجليل مقرين لها، وآخذين بها، وداعين إخوانهم إلى تطبيقها والالتزام بها. ومما يشهد لذلك أنَّ عمر بن الخطاب خطب بهذا الحديث على المنبر في المدينة (٣)، وذكر المناوي: أن الخلفاء الأربعة خطوا به على المنابر (٤)، فلما صلح أن يخطبوا به على المنابر، صلح أن يجعل في خطب الدفاتر. وقد ذكر العيني (٥) أن الرسول ﷺ خطب بهذا الحديث بعد هجرته وقدومه المدينة، أما أن الرسول ﷺ خطب به فيومىء إليه إحدى روايات الحديث سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا أيها الناس: "إنما الأعمال بالنية" (٦)، ففي هذه إشارة إلى أنَّه كان حال الخطبة. أما أنَّ الحديث كان عند قدومه المدينة فلا يوجد ما يدلّ عليه كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني (٧). إلاّ أن السيوطي ذكر أنه وقع على رواية مصرحة بأن الرسول ﷺ قاله عقب وصوله المدينة، أوردها الزبير بن بكار في أخبار المدينة (٨).

стр. 87

ومناسبة الخطبة لهذا الحديث أول قدوم الرسول ﷺ المدينة، كما يقول السيوطي: "أن الأحكام، وغالب العبادات إنّما شرعت بعد الهجرة، وكلُّها متوقفة على النيّة، والنيّة محلّها أول كلّ عمل، فبدأ ﷺ ببيان النيّة للإشارة إلى وجوب تقديمها على كل عمل من الأعمال، وأنها أول الأركان" (١). وممن عمل بوصية ابن مهدي الِإمام البخاري رحمه الله تعالى، فإنَّه بدأ جامعه الصحيح الذي هو أصح كتاب في الحديث، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله - بحديث "إنما الأعمال بالنيات". ومنهم تقي الدين عند الغني المقدسي الجماعيلي (٢) في كتابه (عمدة الأحكام) وقد شرح هذا الكتاب ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام". وابتدأ به السيوطي جامعه الصغير مع أنه ليس على وفق ترتيبه. والنووي ابتدأ كتابه "المجموع" به، قال: "وإنما بدأت به تأسيا بأئمتنا ومتقدمي أسلافنا" (٣). وقام السيوطي بشرح هذا الحديث في كتاب كامل (٤) وألف في النيّات جماعة من العلماء (٥).

стр. 88

وكل هذا يدل على مدى اعتناء العلماء بها، حتى أن عبد الله بن أبي جمرة (١) لعظم معرفته بشأن النيّات تمنى على العلماء أن يتخصص بعضهم في هذا الأمر كي يعلم الناس ويرشدهم، يقول: "وددت أنه لوكان من الفقهاء من ليس له شغل إلاّ أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيّات ليس إلاّ، فإنّه ما أتي على كثير من النَّاس إلاّ من تضيع ذلك" (٢). وقال الثوري (٣) ﵀: "كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل" وقال بعض العلماء: "اطلب النية للعمل قبل العمل، وما دمت تنوي الخير فأنت بخير" (٤). ٦ - شرفت النيات بموجدها: إذا حق للأبناء أن يفخروا بالآباء الكرام، وأن يشرف الفرع بأصله الطيّب على حدّ قول الشاعر: وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيَ إلاّ وشِيجُهُ ... وَتَنبُتُ إلاَّ في مغارِسِه النَخْلُ فيحقّ للنيّات أن تشرف بموجدها وباعثها وهو القلب. فالقلب سيد الأعضاء ومليكها، وهو محل العقل والبصيرة، ومناط التكليف، وهو يقوم بأخطر الأعمال من إيمان وكفر، وحب وبغض، وما الأعمال الخارجة إلا صورة ظاهرة لما استقر في الضمائر الخفية الباطنة. والقلب هو الآمر الناهي، والأعضاء تطيعه طاعة الجند لقائدها، لا تعصي له أمرا، ولا تخرج عن حكمه، فهو منها بمكان الراعي من الرعّية، والقائد من

стр. 89

الأتباع، والحاكم من المحكومين، فإذا صلح القلب صلح بقيّة الحسد، وإذا فسد فسدت، يقول الرسول ﷺ مقرِّرا هذه الحقيقة: "ألا وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب" (١). والجسد الِإنساني كالوعاء، فإذا طاب ما في أسفل الِإناء طاب أعلاه، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه، يقول الرسول ﷺ : "إنَّما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه وإذا فسد أسفله فسد أعلاه" (٢). فإذا كان هذا شأن القلب فالنية وهي عمل قلبي لها فضل على الأعمال الظاهرة، وفضلها عليها كفضل القلب على الأعضاء الظاهرة. يقول علي قاري (٣) في هذا: "قال سهل: "ما خلق الله تعالى مكانا أعز وأشرف عنده من قلب عبده المؤمن، وما أعطى كرامة للخلق أعز عنده من معرفته، فجعل الأعزّ في الأعزّ، فما نشأ من أعزّ الأمكنة يكون أعز مما نشأ من غيره ... " (٤). ٧ - العمل بغير نية كالجثة الهامدة التي لا روح فيها: لا يقبل العمل الذي يتقرب به إلى الله إلاّ بأمرين: الأول: أن تبعث على العمل نيّة صالحة صادقة. الثاني: أن تكون صورة العمل الظاهر مشروعة، غير مبتدعة. وفي هذا يقول ابن مسعود (٥): "لا ينفع قول إلاّ بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلاّ

стр. 90

بنيّة، ولا ينفع قول وعمل ونيّة إلا بما يوافق السنة" (١). والأمر الثاني لا قيمة له إذا فقد الأمر الأول. وبذلك يتبيّن مدى حاجة الأعمال الظاهرة إلى النيات، فالعبادات التي تخلو من النية لا قيمة لها أبدا (٢)، كالعبادات التي يؤديها المرء نسيانا أو سهوا، أو وهو نائم، أو غافل. والعبادات التي تنبعث بنيّة غير صادقة لا تعتبر باطلة فحسب، بل يعذَّب صاحبها بسبب قصده الفاسد. فالعبادات التي يقوم بها المراؤون والمنافقون وعباد الدينار والدرهم وزرها عظيم، وحسابها شديد، وصدق الله إذ يقول: في، ﴿وَقَدمنْا إِلى ما عَمِلُوا منْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هباءً منثورا﴾ (٣). وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٤). فالكفرة والمراؤون والمنافقون لا تنفعهم عبادتهم شيئًا لأن نياتهم فاسدة. ولذلك رتَّب الرسول ﷺ الثواب والمغفرة في أكثر من عمل على القيام بالأعمال بنيّة صالحة. يقول الرسول ﷺ : "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه" (٥)، فالصوم الذي تغفر به الذنوب هو الذّي يقوم به العبد استجابة لأمر الله الذي فرض عليه الصيام، وطلبا للأجر والثواب.

стр. 91

وفي الحديث الآخر: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدَّم من ذنبه" (١). وفي الصلاة يقول الرسول ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة ... " (٢) الحديث. وفي اتباع الجنازة يقول: "من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معها حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين" (٣). وفي المساهمة في الحرب يقول: "من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، كان شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" (٤). ولو أردنا أن نستقصي النصوص في هذا الموضوع لطال المبحث، والذي يعنينا هنا أن نعلم أنَّ النيَّة الصالحة روح العمل ولبّه، والعمل بدونها كالجثة الهامدة التي لا روح فيها. ومما يدلّ على ذلك صراحة قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلٍّ امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٥). وفي يوم القيامة تكون النية هي المقياس الذي يحاسب العباد على أساسه ففي الحديث "أن جيشًا يغزو الكعبة، فيخسف الله بأولهم وآخرهم"، فقالت عائشة: يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم المكره .... ؟ فقال: "يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نيّاتهم" (٦).

стр. 92

٨ - النيّات تميز الأعمال: (١) في كثير من الأحيان تتفق الأعمال في الصورة والمظهر، ويتميز بعضها عن بعض بالنيات، فقد يكون الفعل الواحد من أعظم الطاعات إذا نوى به صاحبه نيّة صالحة، ويكون أعظم الذنوب إذا نوى به نية سيئة، كالناطق بالشهادتين يريد الإسلام حقًّا فهذا بأفضل المنازل، فإذا نطق بهما نفاقا بريد إحراز ماله ودمه كان بشر المنازل. والساجد لله فعله من أعظم القربات، والساجد لغير الله فعله من أعظم الذنوب، وذبح البهائم صورته واحدة، فالذي يذبحه لغير الله فقد أذنب وعصى، والذي يذبحه لله فقد بر وأطاع. والنيات تميز رتب العبادات: فالنية هي التي تميز راتبة الفجر عن فرض الفجر إذا صلاهما المصلي منفردا، وبها يتميز القضاء عن الأداء، والصدقة المستحبة عن الصدقة الواجبة، وحج الفريضة عن حج النافلة، وتميز بين النوافل: فهذه نافلة العشاء، وهذه نافلة الفجر، وتلك قيام ليل ... وهكذا. وتميز بين العبادات والعادات: فالإمساك عن الطعام والشراب والنكاح قد يكون عبادة وطاعة، وقد يكون حمية وعلاجا. وغسل أعضاء الوضوء قد يكون قربة، وقد يكون عادة وتنظفا. ٩ - المحوِّل العجيب: كثيرا ما راود بعض الناس في الماضي حلم لذيذ، وهو إيجاد محول يستطيع أن يحول المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، وقد شغلت هذه الفكرة الناس في بعض العصور، وأخذت قسطا وافرا من تفكيرهم وجهدهم.

стр. 93

ولم يفطن كثير من الناس إلى أنَّ النيّة هي المحول العجيب، إلاّ أنَّها لا تحول الجماد إلى نوع آخر من الجماد، ولكنَّها تحول الأعمال العادية التي تضمحل وتزول بمجرد الانتهاء منها إلى أعمال باقية خالدة، فالطعام والشراب والنكاح .. كل ذلك زائل ذاهب فإذا قصد العبد به نيّة صالحة، كأن ينوي التقوي بالطعام والشراب على طاعة الله، وكأن يعفَّ نفسه عن الزنى بالنكاح، ويطلب الولد الصالح الذي يعبد الله ويجاهد في سبيله -فإنَّ هذه الأعمال تتحول إلى أعمال باقية صالحة، يقول الرسول ﷺ : "إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة" (١)، فالإنفاق بنيّة الاحتساب يتحول إلى صدقة يدّخر لصاحبها أجرها وثوابها. ١٠ - النيّة عمل السر وعمل السر أفضل من عمل العلانية: النية خفية غير ظاهرة، فلا يستطيع العبد أن يرائي بنيته، لأنَّ النّاس لا اطلاع لهم على المستتر في القلوب، بخلاف الأعمال الظاهرة البينة فقد يداخلها الرياء، وكثير من الآفات التي تعرض للعمل الظاهر تأتي من هذا المرض الخطير والآفة الماحقة، فالرياء يبطل الأعمال ويفسدها، ويخبث النفوس ويدسِّيها. ١١ - تربية على اليقظة: الغفلة داء موبق للنفس، يوردها موارد التهلكة، فالحيوان يسير في حياته وفق ما فطر عليه لا يحيد، ولا ينحرف، وقد ميز الِإنسان بإرادته ووعيه، فإذا غفل، وتداعى، وعطل قصده ونيته، وعاش أسير أهوائه وشهواته، هبط دون مستوى الحيوان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢). وفي النيّة علاج لهذه الغفلة، وتربية على اليقظة والِإرادة الواعية التي تخلص

стр. 94

العمل لله، فالنية عزم وتصميم وجمع للهمة، وتركيز للِإرادة، وإعمال للفكر، بحيث يدخل العبد في العبادة مرهف الحس محدّد الإِرادة والاتجاه، يقظا واعيا مخلصا في اتجاهه إلى الله. قال رجل للرسول ﷺ "إنيّ أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه حتى نزلت. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) (٢) " فاعتبر إفساد النية إفسادا للعمل وإشراكا بالله، وهذا يجعل العبد يقظا دائما يسائل نفسه كلما أقدم على العبادة: لم أعبد؟ لم أصلي؟ لم أصوم؟ لم أتصدق؟. وقد قرر علماء التربية أن الفعل الواعي المبصر هو ميزة الإِنسان الذي يسعون إلى تكوينه، فالإِنسان ليس آلة صمّاء تؤدي أعمالاً بغير وعي وفهم وحضور قلب. النية أفضل من العمل: وخلاصة القول أنَّ النية أفضل من العمل، وفي الحديث: "نِيَّة المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نِيّته". وفي الحديث الآخر "نيّة المؤمن أبلَغ من عمله" (٣).

стр. 95

وأفضلية النيّة على العمل قد تبينت مما مضى والله أعلم (١).

стр. 96

الباب الأول النيات وما يتعلق بها من أحكام تمهيد: السبب في انقسام المبحث إلى بابين. الفصل الأول: محل النية. الفصل الثاني: وقت النية. الفصل الثالث: صفة النية. الفصل الرابع: شروط النية ومبطلاتها. الفصل الخامس: النيابة في النية. الفصل السادس: ما يفتقر إلى النية وما لا يفتقر إليها.

стр. 97

تمهيد لماذا انقسم المبحث إلى بابين

стр. 98

تمهيد السبب في انقسام المبحث إلى بابين انقسم هذا البحث إلى بابين لأن المقاصد الصادرة من المكلفين تهدف إلى أمرين دائما: الأول: الفعل الذي تريد تحقيقه وإحرازه، وهي في ذلك تتجه إلى تحديده وتمييزه عما عداه. الثاني: الهدف الذي تريد الوصول إليه من وراء هذا الفعل. فالذي يدفع من ماله للآخرين، يوجه قصده إلى هذا الفعل، ولو لم يقصده لمَا كان، وهو إذ يخرج المال الحبيب إلى نفسه لا بدَّ أنه يرمي إلى تحقيق هدف معين، فبعض الناس يريد ما عند الله، وآخرون يريدون مديح الناس وثناءهم. والقصود التي تتجه إلى العبادة لفعلها وتمييزها وتحديدها هي موضوع الباب الأول. وهذا النوع من القصد عني بمباحثه الفقهاء، فنرى كلامهم في القصد يدور حوله. وقد عنونا له "بالنيّات"، لأنه الاصطلاح الذي يدور على ألسنة الفقهاء وفي كتبهم كثيرا، وهم يطلقون ذلك بدون تقييد. وبعض الباحثين يحلو له أن يسمي هذا النوع من المقاصد بالنية المباشرة، أو النية الأولى، تمييزا له عن مباحث القسم الثاني حيث أسموه: النية غير المباشرة، أو النية الثانية.

стр. 99

أما القصود التي تتجه إلى تحقيق أهداف معيّنة من وراء الفعل فهذه خصصنا لها الباب الثاني. وقد عني بهذه المباحث علماء التوحيد والسلوك والأخلاق، ولم يهملها الفقهاء. وقد عنونا لهذا الباب "بالِإخلاص" لأنَّه الاصطلاح الذي استعمله القرآن، والسنة النبويّة، ولأنَّ مدلوله واضح عند من له صلة بعلوم الشريعة. وبعض الباحثين يطلق على مباحث الباب الثاني: الدوافع والبواعث، أو الأهداف والغايات، أو النيّة غير المباشرة، أو النية الثانية. والباحثون في هذا المجال أدركوا أنَّ مباحث المقاصد تقسم إلى هذين القسمين، فالحارث المحاسبي (١) يصرح بهذا وهو يعرف النية، فيقول: "النية هي إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى، فتلك الإرادة نيّة، إمّا لله ، وإما لغيره، يقول النبي ﷺ : "وإنَّما لامرىء ما نوى"، لأنَّها نيّة لمعنيين: نية أن يعمل العمل، ونيّة أن يعمله لمعنى من المعاني دنيا أو آخرة" (٢). فكلام الحارث هنا صريح في صحة التقسيم الذي ذهبنا إليه ومن أجله جعلنا الموضوع منقسما إلى بابين، إلا أنَّه سمّى القسم الثاني "بالنية لمعنى من المعاني"، وهو الذي أسماه بعضهم بالهدف، وأسميناه بالإخلاص. وممن تعرض لهذا التقسيم ابن تيمية في الفتاوى، يقول في هذا الأمر:

стр. 100

"النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين: على قصد العبادة، وقصد المعبود" (١). ويقول: "قصد العبادة بها تتميز أنواع العبادات وأجناس الشرائع ... ، وقصد المعبود هو الأصل الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)، وبه يتميز من يعبد الله مخلصا له الدين ممن يعبد الطاغوت، وهو الدين الخالص الذي تشترك فيه جميع الشرائع (٣) (٤). لماذا بدأنا بقصد العبادة في قصد المعبود؟ لا يتقدم المرء إلى الفعل إلاّ إذا وضح الهدف الذي يجعله يقدم على القيام به، ولذلك كان حريا بنا أن نبدأ بمباحث (الإخلاص)، لأنها تمثل الهدف والغاية، إلا أن العامل وإن كان الهدف البعيد هو الذي يحركه- أول ما يبدأ به من الناحية الفعلية العمل، وهذا معنى قولهم: "أول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل"، يقول ابن خلدون: "فلا يتمّ فعل الإنسان في الخارج إلا بالفكر في هذه المرتبات لتوقف بعضها على بعض، ثم يشرع في فعلها، وأول هذا الفكر هو المسبب الأخير، وهو آخرها في العمل، وأولها في العمل هو المسبب الأول، وهو آخرها في الفكر، ولأجل الحصول على هذا الترتيب يحصل الانتظام في أفعال البشر". وكان قد ضرب مثلاً من قبل كلامه هذا يوضح الأمر بشيء محسوس، فقال: "لو فكّر في إيجاد سقف يكنّه انتقل بذهنه إلى الحائط الذي يدعمه، ثم إلى الأساس الذي يقف عليه الحائط، فهو آخر الفكر، ثم يبدأ في العمل بالأساس ثم بالحائط ثم بالسقف وهو آخر العمل، وهذا معنى قولهم: أول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل" (٥).

стр. 101

الفصل الأول مَحَلّ النِّية

стр. 102

مَحَلّ النِّيَّة بالتأمل في تعريفات العلماء للنية يظهر لنا أنَّ محل النية عندهم القلب، فقد عرَّفها بعضهم بأنَّها "عزيمة القلب"، أو "وجهة القلب"، أو "قصده"، أو "انبعاثه" (١). وقد نقل ابن تيمية اتفاق علماء الشريعة على أنَّ القلب محل النية (٢)، وحكى السيوطي أنَّ الشافعية قد أطبقوا على أن النيّة محلها القلب وهو قول مالك ﵀ (٣). والذي جعلهم يذهبون هذا المذهب أنهم وجدوا كتاب الله ينسب العقل والفقه والإِيمان والزيغ ونحو ذلك إلى القلب. كما قال تعالى: ﴿أَفلمْ يسيِرُوا في الَأرْض، فتكُون لهُمْ قُلُوب يعْقلونَ بِهَا﴾ (٤)، وقال: ﴿وطُبع علَى قُلُوبهمْ فهُمْ لا يَفقَهُون﴾ (٥)، وقال: (أولئك كتب في قُلُوبِهِمُ الإيمَان﴾ (٦)، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أزاغَ الله قُلُوبهُمْ﴾ (٧). والقلب الذي عناه الله تعالى في هذه الآيات محله الصدر، وقد نصّ الله -تعالى- على ذلك: ﴿وَلكِن تَعْمى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصدُورِ﴾ (٨).

стр. 103

وقد فهم القرطبي (١) هذه النصوص على ظاهرها، فالقلب الذي عناه الله هو "بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلا، للعلم، فيحصي به العبد ما لا يسع في الأسفار، يكتبه تعالى بالخط الإلهي، ويضبطه بالحفظ الرّباني، حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئًا" (٢). ويذكر القرطبي أيضا: "أن القلب في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته، وقلبت الإِناء رددته على وجهه، ثم نقل هذا اللفظ فسمى به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر إليه، ولتردّدها عليه كما قيل: ما سُمِّي الْقَلْبُ قَلْبًا إلاّ مِن تقلبه ... فَاحْذرْ على الْقَلبِ منْ قلْبٍ وَتَحْويلِ" (٣) إلاّ أنَّ كثيرا من العلماء يرى أنَّ القلب المعني في الآيات القرآنية هو: "لطيفة ربانية، لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلّق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الِإنسان، ويسميها الحكيم النفس الناطقة، والروح الباطنة" (٤). وعلى هذا فالقلب هو الروح أو النفس، ويشهد لهذا أن البحوث التي أجريت على القلوب من الباحثين في العصر الحديث دلت على أن القلب الجسماني ليس إلاّ مضغة من اللحم، ونحن نصدق ربّا في أن القلب محلّ العقل والفقه، إلاّ أن المراد به تلك اللطيفة المتعلقة بالقلب. والله أعلم. وقد ذهب غالبية الفلاسفة إلى أن الدماغ محلّ العقل، ويلزم على قولهم هذا

стр. 104

أن يكون الدماغ محل النيّة والعلوم والاعتقادات، لأن هذه الأعراض أعراض النفس والعقل، فحيث وجدت النفس وجد الجميع، فالعقل سجية النفس، والعلوم والإرادات صفاتها (١). وحجتهم على مدعاهم، أن من أصيب دماغه فسد عقله، وبطلت العلوم والفكر وأحوال النفس. ولا نريد أن نخوض فيما خاض فيه الأوائل والأواخر في هذا الموضوع، فقد اختلف الناس في تحديد معنى العقل ومكانه، وكيفية العقل ... الخ، وحسبنا هنا أن نقرر في هذا ما قرره القرآن من أنَّ محل العقل والفقه والإِيمان والزيغ هو القلب، ومكان القلب الصدر.

стр. 105

حكم التلفظ بالنية دون مواطأة القلب لم يخالف أحد من العلماء في أن التلفظ بالنيّة لا يجزىء العابد إن لم تحصل النيّة في القلب إلاّ القفال (١) من الشافعية، فقد قال بإجزائها في الزكاة، ونقل الصيدلاني والغزالي وإمام الحرمين عن الشافعي أنه يقول بذلك (٢). مناقشة القفال: والتلفظ بالنيّة له مع نيّة القلب ثلاث صور: الأولى: أن يتلفظ بلسانه مع كونه قاصدا لذلك في قلبه، وهذه الحالة لا خلاف عند العلماء في إجزائها، وإن حصل خلاف حول استحباب التلفظ، أو عدم استحبابه، أو كراهيته، كما سيأتي بيانه. الثانية: أنَّ يتلفظ بلسانه مع كونه لا يريد ذلك في قلبه، وإنما يخرج الزكاة خوفا من الحاكم أو غيره أو طلبا لأمر دنيوي كنيل رضوان الناس وحسن الثناء منهم، وهذا لا خلاف في عدم إجزائه، لأنَّ اللفظ إذا خالف ما في القلب فالعبرة بما في القلب. الثالثة: أن يتلفظ بلسانه ولا تحصل النية في قلبه، وهذه هي المسألة التي نازع القفال في إجزائها، ولا يتصور حصولها إلا في حالة الغافل والساهي، وتصور وقوع ذلك في الزكاة بيد، إذ يصعب أن يخرج المرء مالاً يضعه في مصارف الزكاة التي حدّدها الشارع، ويتلفط لذلك بلسانه -كل هذا- وهو غافل لا يدري ما

стр. 106

يفعل وما يقول؛ خاصة والنفوس في الأموال شحيحة، وهي عليه جدّ حريصة. أما وقوع التلفظ باللّسان وعدم حصول ذلك بالقلب من واع مدرك لما يفعل وما يقول فهو أمر لا يتصور حصوله، لأنَّ المرء متى علم بوجوب فعل أمر عليه، ثم توجّه إلى الفعل فإنَّه لا بد أن ينويه، فكيف يتصور منه أن يتلفظ به، ولا ينويه بقلبه! هذا محال. إذا وضح هذا اتضح أن ما ذهب إليه القفال غير صحيح، لأنه لا يمكن حصوله، وما استدل به لا ينهض للاحتجاج على المدعى. فقد احتج بأنَّ الزكاة تخرج من مال المرتد ولا تصحّ نيته، فالتلفظ من غير نيّة جائز من باب أولى، والجواب: أن إخراج الزكاة من مال المرتد من غير نية أمر ممكن الحصول، وهذا غير ممكن، وكون ذلك يجزىء المرتد مسألة خلافية. وأمّا استدلاله بجواز النيابة في أداء الزكاة، ولو كانت نيّة القلب متعينة لوجب على المكلف بها مباشرتها، لأن النيات سر العبادات والإِخلاص فيها، فإنه منقوض بالحج والعمرة، فالنيابة فيهما جائزة، ولا تصحان إلاّ بالنية باتفاق. وأما أنَّ القول بذلك هو مذهب الشافعي فعندي فيه نظر، وسأنقل نصّ عبارة الشافعيّ في الأم، ثم أبين مأخذهم منها، وما تبين لي فيها. يقول الشافعي ﵀: "وإنما قلت: لا تجزىء الزكاة إلاّ بنية؛ لأنَّ له أن يعطي ما له فرضا ونافلة، فلم يجز أن يكون ما أعطى فرضا إلا بنية. وسواء نوى في نفسه أو تكلم بأن ما أعطى فرض". ثم (قال الشافعي ﵀: "وإنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنيّة الصلاة لافتراق الزكاة والصلاة في بعض حالهما، ألا ترى أنه يجزىء أن يؤدي الزكاة قبل

стр. 107

وقتها، ويجزيه أن يأخذها الوالي منه بلا طيب نفسه، فتجزىء عنه، وهذا لا يجزىء في الصلاة" (١). فقد فهموا أنَّ الاكتفاء باللفظ فحسب مذهب للشافعي في قوله: "وسواء نوى في نفسه أو تكلم"، ومن قوله: "وإنما منعني أن أجعل النيَّة في الزكاة كنيّة الصلاة لافتراق حالهما" (٢). وعندي أن كلام الشافعي هذا ليس نصا في الدلالة على الاكتفاء باللفظ، لاحتمال أن يكون مراد الشافعي لفظ اللسان مع نيّة القلب، وهذا ما فهمه صاحب التقريب من الشافعية من عبارة الشافعي هذه (٣)، ويدلّ على أنَّ هذا هو مقصوده نصّه قبل ذلك على أن الزكاة لا تقبل في أكثر من مسألة، لأنه لم يخلص القصد للفرضية. فمن ذلك قوله: "ولو أخرج عشرة دراهم فقال: إن كان مالي الغائب سالما فهده العشرة من زكاته أو نافلة، وإن في يكن سالما فهو نافلة. فكان ماله الغائب سالما لم تجزىء عنه (٤) "، ثم علَّل عدم الِإجزاء بقوله: "لأنه لم يقصد بالنية فيها قصد فرض خالصا" (٥)، ومعلوم أنَّ القصد هو النية، ومحله القلب. وأما أنّه فرق بين نيّة الصلاة والزكاة فقد وضّح نفسه ﵀ أنّ الفرق منحصر في جواز إخراج الزكاة قبل وقتها، وفي إجزائها إذا أخذها الِإمام من المالك بغير طيب نفس منه. ولذا كان القول الأشهر والأصح في مذهب الشافعية أنه لا بد من تعيين نيَّة القلب، ولا يكفي التلفظ باللسان، بل نصّ إمام الحرمين على أنَّ المذهب هو تعيين نية القلب (٦).

стр. 108

وإذا اتضح لنا بعد العرض السابق أنّ التلفظ بالنية من غير وجود لها في القلب أمر مستحيل حال اليقظة والعلم، تبيّن لنا ما في قول بعض الحنفية: "من لا يقدر أن يحضر قلبه لينوي بقلبه، أو يشك في النية، يكفيه التكلم بلسانه" (١) من مجافاة للصواب، فإنَّ هذا أخطأ إذ زعم أنَّ استحضار النيَّة في القلب غير مقدور، كما أخطأ في زعمه أنَّ المتكلم بالنيّة من غير استحضار لها في القلب يجزىء والرد عليه علم مما مضى. والخلاصة: أن القول بإجزاء التلفظ بالنيَّة من غير قصد قلبي قول ضعيف كما قال السيوطي (٢)، بل هو شاذ كما نصَّ على ذلك العيني (٣). وبذلك صحَّ قول ابن تيمية: "ولو تكلم بلسانه، ولم تحصل النية في قلبه، لم يجزىء ذلك باتفاق أئمة المسلمين" (٤).

стр. 109

مخالفة اللسان لما نواه في قلبه ليس بين العلماء نزاع في أن العابد إذا تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى في قلبه، ذلك لأنَّ النيَّة عمل القلب كما سبق أن بيناه، فإذا قال بلسانه: نويت التبرد (أي في الوضوء)، ونوى بقلبه رفع الحديث، أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف. ومثله ما قاله الشافعي في الحجّ: لو نوى بقلبه حجّا، وجري على لسانه عمرة أو عكسه، انعقد ما في قلبه دون لسانه (١). وما ذكره ابن نجيم (٢): أنَّ من سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد انعقدت الكفارة به، وكذا من قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره (٣) - غير صحيح ولا تنعقد الكفارة به، وليس مستثنى من القاعدة. كيف وقد نص القرآن على أن الله لا يؤاخذنا باللغو في أيماننا، واللغو ما صدر من المرء بدون قصد اليمين، وأخبر أنَّ المؤاخذة إنما تكون على اليمين المقصودة المرادة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكمُ بمَا كَسبتْ قُلُوبكُم﴾ (٤). ﴿وَلكِن يُؤاخذُكُمْ بمَا عَقّدْتمُ الأيْمَان﴾ (٥)، لذا كان السيوطي محقّا عندما جزم "بأنَّ من سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد فلا تنعقد، ولا يتعلق به كفارة، أو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره" (٦).

стр. 110

الجهر بالنيّة الجهر بالنيّة لا يجب ولا يستحب باتفاق علماء المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة، وإذا فعل ذلك معتقدا أنَّه من الشرع فهو جاهل ضال، يستحق التعزير وإلا فالعقوبة على ذلك، إذا أصرَّ عليه بعد التعريف والبيان له، لا سيما إذا آذى من إلى جنبه برفع صوته، أو كرّر ذلك مرة بعد مرة. وقد أفتى غير واحد من علماء المسلمين بذلك، فمنهم قاضي القضاة جمال الدين أبو الربيع سليمان بن عمر (١) الشافعي قال "الجهر بالنية وبالقراءة خلف الإِمام ليس من السنة، بل مكروه. فإن حصل به تشويش على الصلين فحرام، ومن قال بأنَّ الجهر بلفظ النية من السنة فهو مخطىء، ولا يحلّ له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم". ومنهم أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي، قال: "النيّة من أعمال القلوب فالجهر بها بدعة مع ما في ذلك من التشويش على النّاس". ومنهم الشيخ علاء الدين بن العطار عفا الله عنه قال: "ورفع الصوت بالنية مع التشويش على المصلين حرام إجماعًا، ومع عدمه بدعة قبيحة، فإن قصد به الرياء كان حراما من وجهين كبيرة من الكبائر، والمُنكر على من قال بأن ذلك من السنة مصيب، ومصوّبه مخطىء. ونسبته إلى دين الله اعتقادا كفر، وغير اعتقاد معصية. ويجب على كل مؤمن تمكَّن من زجره زجره، ومنعه وردعه، ولم ينقل هذا النقل
следующие страницы →