← Сира

Сира · id 9780

شرح بهجة المحافل وبغية الأماثل

الأشخر اليمني

Полный текст (880 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ولذلك كان ﵌ يقول في تلبيته لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق ولا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة وكذلك العمرة وقال قوم يجب في كل خمسة أعوام مرة لحديث إن عبدا وسعت عليه في الرزق لم يفد الىّ في كل خمسة أعوام لمحروم وهو حديث لا يصح ويرده الاجماع أيضا. واعلم ان وجوبه بعد الاستطاعة على التراخى وقال بعض المالكية على الفور وقال بعضهم ان أخره بعد ستين فسق وردت شهادته لقوله ﵌ اعمار أمتى ما بين الستين الى السبعين فكأنه في هذه العشر قد تضايق عليه الخطاب قلت وهذا قول حسن ويؤيده قوله تعالى أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قال علي وابن عباس هو ستون سنة (لبيك حقا حقا تعبدا ورقا) رواه ابن الصلاح وغيره في علوم الحديث بصيغة تمريض فقال وروي عن محمد بن سيرين عن أخيه يحيي عن أخيه أنس عن أنس بن مالك ان رسول الله ﷺ قال لبيك حقا حقا تعبدا ورقا انتهى وفي الحديث لطيفة وهو ان فيه ثلاثة اخوة يروى بعضهم عن بعض وروي النسائى عن أبي هريرة قال كان في تلبية رسول الله ﷺ (لبيك اله الحق) ومعنى لبيك أي أنا مقيم على طاعتك اقامة بعد اقامة مأخوذ من قولهم ألب بالمكان اذا قام به وقيل معناها اتجاهي وقصدي اليك من قولهم داري تلب دارك أى تواجهها وقيل محبتي لك مأخوذ من قولهم امرأة لبة اذا كانت محبة ولدها عاطفة عليه وقيل معناها اخلاصى لك من قولهم حسب لباب أى خالص محض ومنه لب الطعام ولبابه قال القاضى قيل هذه الاجابة لقوله تعالى لابراهيم وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ واختلفوا في لبيك هل هو مثنى أم مفرد والصحيح تثنيته أى اجابة لك بعد اجابة (ولا يجب الحج في العمر الامرة) لخبر مسلم والنسائي السابق (وكذا العمرة) بضم العين مع ضم الميم واسكانها وبفتح العين واسكان الميم وهي لغة الزيارة وقيل القصد الي مكان عامر وشرعا زيارة البيت للنسك المعلوم أي لا تجب في العمر الا مرة وللعلماء في وجوب العمرة خلاف وللشافعي قولان أظهرهما وجوبها لقوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ولخبر ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن عائشة قالت قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة وأما خبر الترمذي عن جابر سئل النبى ﷺ عن العمرة أواجبة هي قال لاوان تعتمروا فهو أفضل وفي رواية وان تعتمر فهو خير لك ضعيف باتفاق الحفاظ قال النووى ولا يغتر بقول الترمذى فيه حديث حسن صحيح قال وقال أصحابنا ولو صح لم يلزم منه عدم وجوبها مطلقا لاحتمال ان المراد ليست واجبة على السائل لعدم استطاعته (ان عبدا وسعت عليه الرزق الى آخره) أخرجه ابن حبان في صحيحه (علي التراخي) لان الحج وجب سنة خمس أوست على الصحيح كما مر وأخره ﷺ الى سنة عشر بلا مانع وقيس به العمرة وقد يجبان فورا لعارض نذرأ وخوف غضب أو قضاء (وقال بعض المالكية) بل قاله مالك وأبو حنيفة وأحمد وآخرون كما نقله النووي في شرح مسلم (أعمار أمتي ما بين الستين الى السبعين) وأقلهم من يجوز ذلك أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة وأخرجه أبو يعلي من حديث أنس (قال على وابن عباس هو ستون سنة) وقيل البلوغ وقيل ثماني عشرة سنة وقيل أربعون

стр. 282

وروينا في صحيح البخاري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﵌ اعذر الله الى امريء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة. وأحسن مما قالوا أن يقال انه بعد الستين يتضيق عليه الأمر ويتوجه عليه اللوم ولا يبقى حاله فيما بعدها كما قبلها من غير تعد الى الفسق والجرح لأنّ جرح من صحت عدالته عسير والله أعلم قال العلماء رحمهم الله تعالى لوجوبه خمسة شروط الاسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة اما الكافر والمجنون فلا يجب عليهما ولا يصح منهما واما العبد والصبي فلا يجب عليهما ويصح منهما تطوعا ولا يسقط به فرض الاسلام (اعذر الله الى امريء) أى بلغه سنا لا يكون له عند الله عذران لم يعمل بطاعته قال أهل اللغة يقال اعذر في الامر اذا بالغ فيه أى اعذر غاية الاعذار الذى لا اعذار بعده (لوجوبه) أى الحج وكذا العمرة (خمسة شروط) الاول الاسلام فلا تجبان على كافر اصلى وجوب مطالبة نعم المقرر انه مخاطب بالفروع فيعذب على تركهما في الآخرة زيادة على عذاب الكفر (و) الثاني (البلوغ) فلا تجبان على صبى كسائر الفروض (و) الثالث (العقل) فلا تجبان على مجنون كذلك (و) الرابعة (الحرية) فلا تجبان على من فيه رق لان منافعه مستحقة للسيد فليس مستطيعا (و) الخامس (الاستطاعة) فلا تجبان على غير المستطيع لمفهوم الآية (ولا يصح منهما) اما الكافر فمطلقا لافتقار النسك الى النية وليس من أهلها وأما المجنون فلا يصح منه المباشرة كسائر العبادات ومثله الصبى الذي لا يميز ويجوز لولي مالهما الاحرام عنهما والنيابة في ذلك وكذا لسيد العبد غير المميز ويقع تطوعا في مسلم وأبى داود عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ لقى ركبا بالروحاء ففزعت امرأة فاخذت بعضد صبي صغير فاخرجته من محفتها فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر وجه الدلالة ان الصبي الذي يحمل بعضده ويخرج من المحفة لا يكون مميزا وقيس به المجنون ولا دلالة له في الحديث على ان الام تحرم عن الولد اذ لا تصريح فيه بذلك وقوله ولك أجر لعله أراد به أجر الحمل والنفقة وبتقدير احرامها عنه فلعلها كانت وصية أو مأذونة للولى (وأما العبد والصبي) المميزان فالولى مخير ان شاء أذن لهما فباشرا الاحرام فيصح منهما المباشرة كسائر العبادات وان شاء أحرم عنهما على الاصح في أصل الروضة وما في شرح مسلم عن الاصحاب انه لا يجوز غير معتمد وان نقل مقتضاه في المجموع عن الشافعى والاصحاب (لا يسقط به فرض الاسلام) لخبر ايما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى رواه البيهقى باسناد جيد كما قاله في المجموع ورواه الخطيب والضياء عن ابن عباس وزاد وأيما اعرابي حج ثم هاجر فعليه ان يحج حجة اخري وهذا يحتاج الي تأويل ولان النسك لا يجب في العمر الامرة فاعتبر لوقوعه حال الكمال فلو تكلفه غير مستطيع وقع عن فرضه لكمال حاله بخلاف غير المكلف ومن فيه رق نعم لو وقف الصبى أو المجنون أو القن كاملا أجزأه عن فرض الاسلام فان كان سعي بعد طواف القدوم قبل كماله وجب عليه اعادة السعي

стр. 283

وغير المستطيع لا يجب عليه ويصح منه ويجزيه عن الفرض. والمستطيع نوعان مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره فالمستطيع بنفسه من قدر على الذهاب ووجد مؤنته ذهابا وإيابا فاضلة عمن تلزمه نفقتهم وعن دينه والمستطيع بغيره أن يكون عاجزا لكبر أو مرض لا يرجي برؤه وله مال فيلزمه أن يستأجر من يؤدي عنه فرضه ولو لم يكن له مال ووجد من يطيعه لزمه أن يأمره. وأركان الحج خمسة الاحرام والوقوف وطواف الافاضة (وغير المستطيع لا يجب عليه) لما مر (ويصح منه) لانه من أهل العبادة (ويجزيه عن الفرض) لكمال حاله كما مر (من قدر على الذهاب) والاياب (ووجد مؤنته) زادا وراحلة (فاضلة عمن تلزمه نفقتهم) وكسوتهم اللائقة به (وعن دينه) ولو مؤجلا أو أمهل به ولو الى الاياب وعن مسكن وخادم يحتاجهما لكن محل اعتبار الراحلة لمن على مرحلتين من مكة أو دونهما وهو ضعيف وإلا وجب عليه المشى اذ لا ضرر عليه بخلاف القادر عليه بزحف أوحبو ويعتبر لمن يتضرر بالراحلة ان يجد شق محمل بشراء أو اجارة وشريكا ليداوله ولو باجرة فان تضرر بالمحمل فكنيسة وهي أعواد مرتفعة بجوانب المحمل عليها ستر يدفع الحر والبرد ويجب صرف رأس مال تجارة وثمن ضيعة ذلك ونفيس عبد ودار لا يليقان به ان كفاه الزائد على اللائق ومن كان يكسب في يوم كفاية أيام لزمه النسك ان قصر سفر والدين الحال على ملئ مقرا أو عليه بينة كالحاصل والمال الموجود بعد خروج القافلة كالعدم وبقى للاستطاعة شروط أخر مستوفاة في كتب الفقه (والمستطيع بغيره ان يكون عاجزا) عن النسك (لكبر أو مرض لا يرجي برؤه) وأيس من قدرته على الحج والعمرة (وله مال فيلزمه ان يستأجر من يؤدي عنه فرضه) لحديث ابن عباس في الصحيحين ان امرأة من خثعم قالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع ان يثبت على الراحلة أفاجج عنه قال نعم (ولو لم يكن له مال ووجد من يطيعه لزمه ان يأمره) ان كان قد سقط عنه فرض الاسلام ويلزمه ان يلتمس ذلك منه ان توسم فيه الطاعة وسوي الاجنبى والبعض الا اذا كان البعض فقيرا وماشيا وهو على مرحلتين من مكة فلا يجب على المغصوب القبول منه (وأركان الحج خمسة) الاول (الاحرام) وهو الدخول في النسك بالنية ويسن التلفظ والتلبية سمى بذلك لاقتضائه دخول الحرم أو لاقتضائه تحريم الاشياء المحرمة على المحرم (و) الثانى (الوقوف) بعرفة لقوله ﷺ الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج أيام مني ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه رواه أحمد وأصحاب السنن الاربعة والحاكم والبيهقي في السنن عن عبد الرحمن بن يعمر ويكفي الحضور باى جزء منها لقوله ﷺ وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف رواه مسلم وحدودها معروفة ويكفى المرور بها في طلب نحو آبق وان لم يعلم انها هى ووقته ما بين زوال عرفة بالاتفاق الى فجر النحر لما مر في الحديث ولو غلط الجم الغفير فوقفوا العاشر جاز لما في وجوب القضاء من المشقة (و) الثالث (طواف الافاضة) قال تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ

стр. 284

والسعي والحلق وواجباته ستة الاحرام من الميقات والجمع بين الليل والنهار بعرفات والمبيت بمزدلفة ليلة النحر والمبيت ليالى مني المرمي والرمي وطواف الوداع. ويسقط عن الحائض والنفساء فمن ترك ركنا لم يصح حجه ولا يحل من احرامه حتى يأتى به. وثلاثة منها لا تفوت مادام حيا وهي الطواف والسعي والحلق. واما الواجبات فمن ترك منها شيئا صح حجه وعليه دم. وواجبات الطواف وسننه مستوفاة في كتب الفقه (و) الرابع (السعي) بين الصفا والمروة لحديث الصحيحين عن ابن عمر انه ﷺ طاف بين الصفا والمروة سبعا وقال ﷺ خذوا عني مناسككم ولحديث الدار قطنى والبيهقي باسناد حسن كما في المجموع يا أيها الناس اسعوا فان السعي قد كتب عليكم وهو مستوفي ثم أيضا (و) الخامس (الحلق) أى ازالة شعر الرأس به أو بنتف أو افراق أو قص أو تقصير وبقى ركن سادس وهو ترتيب المعظم فيجب تأخر الوقوف عن الاحرام وتأخر طواف وحلق عنه وتأخر سعي عن طواف افاضة ان لم يكن سعى بعد طواف القدوم (وواجباته ستة) الاول (الاحرام من الميقات) للاتباع (و) الثانى (الجمع بين الليل والنهار بعرفات) بان لا يفيض حتى تغرب الشمس والاظهر ان ذلك سنة (و) الثالث (المبيت بمزدلفة) وهي ما بين وادي محسر ومأزم عرفة للاتباع المعلوم من الاحاديث الصحيحة وانما يجب مبيت جزء بعد مضي النصف لان الدفع بعد نصف الليل جائز للحديث الصحيح وهم لا يصلون مزدلفة غالبا الا بعد مضى ربع الليل ويسقط المبيت بعذر (و) الرابع (المبيت ليالى) بالنصب على الظرف (منى) للاتباع ويحصل ذلك بمبيت معظم الليل ويسقط بعذر أيضا لحديث ابن عباس في سقاية العباس وحديث عدى ابن عاصم في رعاة الابل روى الاول الشيخان والثاني أصحاب السنن الاربعة وصححه الترمذي (و) الخامس (الرمي) أي رمي يوم النحر والرمي أيام التشريق وواجباته وسننه مستوفاة ثم أيضا (و) السادس وليس من خصائص الحج ولا من المناسك (طواف الوداع) للاتباع ولا يجب الا على من أراد سفر مرحلتين من مكة فاكثر (ويسقط عن الحائض والنفساء) لانه ﷺ أمر صفية حين حاضت ان تنقل؟؟؟ بلا وداع كما في الصحيحين وغيرهما وفيهما عن ابن عباس أمر الناس ان يكون آخر عهدهم بالبيت الا انه خفف عن الحائض وقيس بها النفساء (ولا يحل من احرامه حتى يأتي به) ان كان المتروك الحلق مع الطواف والسعى أو أحدهما أو الرمي مع الطواف والسعى أو أحدهما فان كان المتروك الحلق فقط أو الطواف أو السعي فقط حل التحلل الاول وبقي التحلل الثاني فلا يحل له الجماع ولا مقدماته ولا عقد النكاح على ما حكاه في العزيز عن الاكثرين وجري عليه في الروضة والمنهاج خلافا لما في الشرح الصغير والمحرر من جواز المقدمات وعقد النكاح قبل التحلل الثانى (وأما الواجبات فمن ترك منها شيئا لزمه دم) كدم التمتع وهو ذبح شاة جذعة ضأن أو ثنية معز وتفرق لحمها على مساكين الحرم فان عجز صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع الي وطنه (تنبيه) لم يذكر

стр. 285

واما سننه وتفاصيل أعماله ومحظوراته فهي واسعة ليس هذا موضع بسطها وستأتي جمل من ذلك في حجة النبي ﵌ حجة الوداع والله أعلم [مطلب في قدوم ضمام بن ثعلبة أخي بني سعد بن بكر وإسلامه] ومن حوادث هذه السنة قدوم ضمام بن ثعلبة أخى بني سعد بن بكر أهل رضاع النبي ﵌ وقيل كان فدومه سنة سبع أو تسع وقد روينا حديثه في الصحيحين بألفاظ ومعان مختلفة وحملنى ذلك على ان آتي بكل منهما على حدته اما رواية البخارى فقال حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث عن سعيد المقبرى عن شريك بن عبد الله بن ابي نمر انه سمع أنس بن مالك يقول بينما نحن جلوس مع النبى ﵌ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم أيكم محمد والنبى ﷺ متكيء بين ظهرانيهم فقلنا هذا الرجل المتكيء الأبيض فقال له الرجل يابن عبد المطلب فقال له النبي ﵌ قد اجبتك فقال الرجل للنبي ﷺ انى المصنف أركان العمرة وهى ما عدا الوقوف من أركان الحج (محظوراته) بالظاء المعجمة أى ممنوعاته من الحظر وهو المنع ومن قوله تعالى وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي ممنوعا (موضع) بكسر الضاد وبالفتح خبر ليس (حجة الوداع) بالكسر بدل من الاول ومن حوادث هذه السنة (ضمام) بكسر المعجمة وتخفيف الميم (أهل رضاع) بالكسر بدل من بنى (أو تسع) وهو الصواب كما جزم به ابن اسحاق وأبو عبيدة وغيرهما (وقد روينا حديثه في الصحيحين) وسنن أبي داود والترمذي والنسائي كلهم عن أنس ورواه النسائي عن أبي هريرة أيضا (على حدته) أى على انفراده كما مر أوّل الكتاب (عبد الله بن يوسف) هو أبو محمد الدمشقى السيسى الكلاعي الحافظ قال ابن معين ما بقى في الموطأ أوثق منه توفي سنة سبع عشرة ومائتين (عن سعيد) هو ابن أبى سعيد كيسان قال أحمد ليس به بأس توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (المقبرى) بضم الباء وفتحها كان ينزل المقبرة فنسب اليها (شريك) بالمعجمة والراء مكبر (ابن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم المدنى قال ابن معين لا بأس به وقال النسائي ليس بالقوي وأبو نمر جده صحابى لا يعرف اسمه (فأناخه) أي بركه في المسجد فيه جواز ادخال البهائم المساجد ان لم يفض الى تنجيسها (متكئ) بالهمز أى مرتفق على احدي يديه (بين ظهرانيهم) بفتح المعجمة والراء والنون واسكان الهاء والالف والمثناة أي بينهم قال في التوشيح وزيد فيه الف ونون ليدل على ان ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه وهو محفوف بهم من جانبيه والالف والنون فيه للتأكيد قاله صاحب الفائق وقال غيره هو مما أريد به بلفظ التثنية معنى الجمع (الابيض المتكئ) للنسائى من رواية أبي هريرة هذا الامغر المرتفق والامغر بالمعجم الابيض المشرب بحمرة (يابن عبد المطلب) في أكثر نسخ الصحيح بحذف حرف النداء مع فتح الهمزة ولم ينسبه الى أبيه لما سيأتي عنه الكلام على قوله

стр. 286

سائلك فمشدد عليك في المسئلة فلا تجد علي في نفسك فقال سل عما بدالك فقال أسألك بربك ورب من قبلك الله ارسلك الى الناس كلهم فقال اللهم نعم فقال أنشدك بالله آلله امرك ان تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة قال اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله امرك ان تصوم هذا الشهر من السنة قال اللهم نعم قال انشدك بالله الله امرك ان تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا فقال النبي ﷺ اللهم نعم فقال الرجل آمنت بما جئت به وانا رسول من ورائى من قومي وانا ضمام بن ثعلبة اخو بني سعد بن بكر واما رواية مسلم فقال ﵀ حدثنى عمرو بن محمد بن بكير الناقد حدثنا هاشم بن القاسم بن النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن انس بن مالك قال نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا ان يجيئ الرجل من اهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من اهل البادية فقال يا محمد اتانا رسولك فزعم لنا انك تزعم ان الله ارسلك قال صدق قال فمن خلق السماء قال الله قال فمن خلق الارض قال الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله قال فبالذى خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال آلله ارسلك قال نعم قال وزعم رسولك ان علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذى ارسلك آلله امرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك بأن علينا زكاة في ﷺ أنا ابن عبد المطلب (فلا تجد) أي لا تغضب قال في التوشيح ومادة وجد متخدة في الماضي والمضارع مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني فيقال في الغضب موجدة وفي المطلوب وجودا وفي الضالة وجدانا وفي الحب وجدا وفي المال وجدا بالضم وفي الغنى جدا بالكسر وتخفيف الدال المفتوحة وقالوا في المكتوب وجادة وهي مولدة انتهى (آلله) بالهمز على الاستفهام (اللهم نعم) حرف عدة وتصديق وجواب للاستفهام قال بعض العلماء ذكر الله تعالى ليكون أبلغ وأوقع في نفس السائل وأنجع وليعلم انه على يقين من إيراده وتصبره في اثباته قد جعل نفسه في معرض من أقبل على الله ليجيب عما سأله ولا شك ان من كان هذا حاله لا يتكلم الا بصدق ويقين وحق مبين (أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألك (ان تصلى) روي بالتاء فيه وفيما بعده وبالنون وهو أوجه قاله عياض (البادية) ما عدا الحاضرة (آمنت بالذي جئت به) قيل خبر وقيل إنشاء (رسول من ورائي) بفتح من واضافة رسول اليه (عمرو بن محمد بن بكير) بالتصغير (الناقد) بالنون والقاف والمهملة هو أبو عثمان البغدادي الحافظ نزيل الرقة توفي في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين (هاشم بن القاسم) هو الحافظ يلقب بقيصر ثقة ثبت صاحب سنة عاش ثلاثا وسبعين سنة مات سنة سبع وعشرين ومائة (سليمان بن المغيرة) هو أبو سعيد بصرى جليل قال شعبة هو سيد أهل البصرة وقال أحمد ثبت ثبت توفي سنة خمس عشرة ومائة (ان علينا خمس)

стр. 287

أموالنا قال صدق قال فبالذى ارسلك آلله امرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك ان علينا صوم شهر رمضان في سنتنا قال صدق قال فبالذى ارسلك آلله امرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك ان علينا حج البيت من استطاع اليه سبيلا قال صدق قال ثم ولى وهو يقول والذى بعثك بالحق نبيا لا ازيد عليهن ولا انقص منهن فقال النبي ﷺ لئن صدق ليدخلن الجنة* [تتمة فى الكلام على فوائد حديث ضمام] فمن فوائد هذا الحديث حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقته وترتيبه فانه سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو ثم أقسم عليه به ان يصدقه في كونه رسولا للصانع ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله وهذا ترتيب يفتقر الى عقل رصين قاله صاحب التحرير قال ابن الصلاح وفيه دلالة على صحة ما ذهب اليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون وانه يكفى منهم مجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة وذلك انه ﵌ قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ومجرد اخباره إياه بذلك ولم ينكر عليه ذلك ولا قال يجب عليك معرفة ربك بالنظر في المعجزات والاستدلال بالادلة القطعية قال أبو عبد الله البخاري واحتج بعضهم بالقراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة قال للنبي ﵌ آلله أمرك أن تصلى الصلوات قال نعم قال فهذه قراءة عن النبي ﷺ أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه وفيه بالنصب اسم ان وكذا ما بعده (لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن) في رواية البخاري في الصيام لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا (لئن صدق ليدخلن الجنة) في رواية لهم من طريق طلحة ابن عبيد الله أفلح ان صدق ولمسلم وأبي داود أفلح وأبيه فان قيل اما فلاحه اذا لم ينقص فواضح واما بان لا يزيد فكيف يصح اجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لانه أتي بما عليه وليس فيه انه اذا أتى بزائد لا يكون مفلحا وحلفه ﷺ بابيه مع نهيه عنه بقوله ان الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم إما لكون هذا صدر قبل النهي أو لكونه ليس حلفا وانما هى كلمة جرت عادة العرب بادخالها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف كقولهم تربت يداه وثكلته أمه وويل له وقاتله الله (وترتيبه) بالجر (ان يصدقه) بفتح أوله وضم ثالثه (الى عقل رصين) بالراء والمهملة أى قوي ثابت (ابن الصلاح) هو عثمان ابن عبد الرحمن بن عثمان (القطعية) بفتح القاف واسكان المهملة وتشديد التحتية أي التي يقطع بصحتها (قال أبو عبد الله البخاري) في باب القراءة والعرض على المحدث (واحتج بعضهم) هو أبو سعيد الجرار أخرجه البيهقى في المعرفة والحميدي كما قاله ابن حجر (أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه) بالزاى أي قبلوه منه وليس في الحديث الذي ساقه البخاري ان ضماما أخبر قومه بذلك وانما وقع ذلك من

стр. 288

الا كتفاء بخبر الواحد وفيه غير ذلك والله أعلم. [مطلب في تزويج الله تعالى نبيه ﷺ زينب بنت جحش الأسدية وخبر ذلك] وفي هذه السنة أو في الثالثة زوج الله نبيه ﷺ زينب بنت جحش الاسدية وهي أبنة عمته أميمة بنت عبد المطلب نطق بذلك التنزيل وكان لزواجها شأن جليل. روى المفسرون أن رسول الله ﵌ كان خطبها أو لا لمولاه زيد بن حارثة الكلبي وكان النبي ﵌ أعتقه وتبناه فكرهته زينب وترفعت عليه بنسبها وجمالها وتبعها أخوها عبد الله بن جحش على ذلك فأنزل الله فيهما وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فلما سمعا ذلك رضيا وجعلا الأمر الى رسول الله ﵌ فانكحها رسول الله زيدا وأعطاها عشرة دنانير وستين درهما وحمارا ودرعا وازارا وملحفة وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر فمكثت عند زيد حينا ثم جاء الى النبي ﷺ يشكوها ويستشيره في طلاقها فقال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وكان النبى ﵌ قد أخبره ربه ﵎ قبل ذلك انها ستكون من أزواجه ففى ذلك نزل قوله تعالى وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أى بالاسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أى بالعتق أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ واخفى في نفسه طريق أخرى عن ابن عباس عند أحمد وأبي داود وغيرهما قال ابن عباس ما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام وفي هذه السنة أي الخامسة (أميمة) بالتصغير (شأن) أمر (جليل) عظيم (خطبها أولا لمولاه) زاد البغوي فلما خطبها رضيت وظنت انه يخطبها لنفسه (أعتقه وتبناه) بمكة وهو صغير وذلك انه دخل به المسجد فقال يا معشر قريش اشهدوا ان زيدا ابني خمسا ذكره ابن عبد البر وغيره بعد ان قدم أبوه يلتمسه من رسول الله ﷺ فدعاه وخيره بينه وبين أبيه فاختاره ﷺ فقال ما أنا براجعه لكم بعد ان اختارني قال في التوشيح فأسلم أبوه يومئذ ولم يذكر ابن عبد البر اسلامه (وترفعت عليه بنسبها وجمالها) فقالت انا ابنة عمك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي وكانت بيضاء جميلة فيها حدة (ما كان) ينبغي (لمؤمن) يعني عبد الله بن جحش (ولا مؤمنة) يعنى زينب (اذا قضى الله ورسوله أمرا) وهو نكاح زيد لها (ان يكون) بالتحتية لاهل الكوفة وبالفوقية للباقين (لهم الخيرة من أمرهم) الاختيار أي ما كان لهم ان يريدوا غير ما أراد الله ورسوله (وأعطاها عشرة دنانير الى آخره) هذا لفظ البغوي في التفسير بحروفه (خمارا) بكسر المعجمة هو ما تجعله المرأة على رأسها (ودرعا) أى قميصا (وملحفة) بكسر الميم أي ثوبا يلتحف به (حينا) هو القطعة من الزمان يطلق على الطويل والقصير منه ولم أرى التصريح بقدره هنا (يشكوها) فقال انها تتعظم على بشرفها وتؤذينى بلسانها (ويستشيره في طلاقها) فقال يا رسول الله إني أريد أن أفارق صاحبتى فقال مالك أرابك منها شئ قال والله يا رسول الله ما رأيت منها الا خيرا (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) يعني زينب (وَاتَّقِ اللَّهَ) في أمرها ولا تفارقها

стр. 289

ما كان الله اعلمه به من انها ستكون زوجته فعتب الله عليه يقول لم قلت امسك عليك زوجك وقد علمت أنها ستكون من أزواجك هذا معنى ما روى عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضى الله عنهم وهو أسد الاقاويل وأليقها بحال الانبياء وأكثرها مطابقة لظاهر التنزيل لأن الله قال وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ولم يبد غير تزويجها منه فقال زوجناكها وانما أخفاه ﵌ استحياء من زيد وخشية أن يجد اليهود والمنافقون بذلك سبيلا الى التشنيع على المسلمين حيث يقولون تزوج محمد زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الابناء فعاتبه الله على ذلك ونزهه عن الالتفات اليهم فيما أحله له كما عاتبه على مراعاة رضى أزواجه في قوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ» فهذا معنى قوله «وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ» وقد قال ﵌ أنا أخشاكم لله واتقاكم له. وقد خطأ القشيري (ستكون زوجته) بالنصب خبر كان والاسم مضمر (هذا ما روي عن زين العابدين) قال البغوي روى سفيان ابن عيينة عن على بن زيد بن جدعان قال سألني على بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قول الله تعالى وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ قلت يقول لما جاء زيد الى النبي ﷺ فقال يا نبي الله اني أريد ان أطلق زوجتى أعجبه ذلك فقال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ فقال على بن الحسين ليس كذلك ثم ذكر كلامه (أسد الاقاويل) بالمهملة أى أصوبها (مطابقة) موافقة (ولم يبد) بضم أوله بلا همز (الى التشنيع) بفوقية مفتوحة فمعجمة ساكنة فنون مكسورة فتحتية ساكنة فمهملة النسبة الى الشناعة وهى القبيح (أنا أخشاكم لله وأتقاكم له) رواه الشيخان والنسائي عن أنس قال جاء ثلاثة رهط الى بيوت أزواج النبي ﷺ يسئلون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها قالوا أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم اما أنا فاصلى الليل أبدا وقال الآخر وأنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر وأنا اعتزل النساء ولا أتزوج أبدا فجاء رسول الله ﷺ اليهم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله اني لاخشاكم لله وأتقاكم له ولكنى اصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى وهؤلاء الثلاثة قال ابن حجرهم ابن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن مظعون وقيل هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلى بن أبي طالب وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب ان منهم عليا وعبد الله بن عمرو بن العاص انتهى قلت يشبه ان الاول وهم فان أبا هريرة لم يدرك عثمان بن مظعون لانه مات في أوّل قدوم النبي ﷺ المدينة وأبو هريرة كان اسلامه بعد خيبر كما سيأتى (وقد خطأ) بتشديد الطاء نسب الى الخطأ (القشيري) هو الشيخ الامام الاوحد العارف بالسنة العالم الرباني المحقق ناصر السنة وقامع البدعة أبو

стр. 290

والقاضي عياض وغيرهما من روى من المفسرين ان النبي ﷺ لما رآها أعجبته ووقع في قلبه حبها واحب طلاق زيد لها قال القشيرى وهذا اقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي ﵌ وبفضله وكيف يقال يراها فأعجبته وهي ابنة عمته ولم يزل يراها منذ ولدت ولا كان النساء يحتجبن منه ﷺ وهو الذى زوجها لزيد قال القاضي عياض ولو كان ذلك لكان فيه أعظم الجرح ومالا يليق به من مد عينيه الى ما نهى عنه من زهرة الحياة الدنيا ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذى لا يرضاه الله ولا يتسم به الاتقياء فكيف سيد الانبياء ولما طلقها زيد وانقضت عدتها منه بعثه النبي ﵌ ليخطبها له قال زيد فلما رأيتها عظمت في صدرى حتى ما استطيع ان أنظر اليها حين علمت أن رسول الله ﵌ ذكرها فوليتها ظهرى ونكصت على عقبى فقلت يا زينب أرسل رسول الله ﵌ يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيأ حتى أوامر ربى فقامت القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري نسبة الى قشير بالتصغير ابن كعب صحب أبا على الدقاق وكان شيخه في طريق القوم وجمع علوما شتى وله على مذهب الامام الاشعري كلام في غاية البلاغة وتفقه في مذهب الشافعي على الاستاذ أبي اسحاق الاسفراينى وفي الحديث على أبي بكر بن فورك توفي سنة خمس وستين وأربعمائة ودفن بنيسابور بجنب شيخه أبي على الدقاق (والقاضى عياض) في الشفاء (وغيرهما) كالسبكي وصاحب الانوار (ولكان هذا نفس) بالفتح خبر كان (يتسم) بتشديد الفوقية يقال اتسم بالشى اذا جعله سمة أي علامة (تنبيه) ما قاله القشيرى والقاضى وغيرهما من تنزيهه ﷺ عن ما ذكر لاشك انه في غاية الحسن لكن قال البغوى وغيره القول الآخر وهو انه اخفاء محبتها أو نكاحها لو طلقها زيد لا يقدح في حال الانبياء لان العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الاشياء ما لم يقصد فيه المأثم لان الود وميل النفس من طبع البشر وقوله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ أمر بالمعروف وهو حسنة لا إثم فيه انتهى قال الغزالى ولعل الحكمة فيه من جانب الزوج امتحان ايمانه بتكليفه النزول عن أهله ومن جانبه ﷺ الابتلاء ببلية البشرية يعنى ميل القلب الى تزوج المرأة عند وقوع بصره الشريف عليها وبالمنع من الاضمار المخالف للاظهار ﷺ ليخطبها له) فيه انه لا بأس ان يبعث الرجل لخطبة المرأة من كان زوجا لها اذا علم عدم كراهيته لذلك كما كان حال زيد مع رسول الله ﷺ (عظمت في صدري الى آخره) أى هيبتها وعظمتها من أجل (ان رسول الله ﷺ ذكرها) وأن بفتح الهمزة (ونكصت) أي رجعت (على عقبى) بالتثنية وذلك انه جاء ليخطبها وهو ينظر اليها وكان ذلك قبل نزول الحجاب فغلب عليه الاجلال فولاها ظهره لئلا يسبقه النظر هذا معنى كلام النووى (حتي أوامر) أي استخير (ربى) فيه استحباب صلاة الاستخارة وهو موافق لما في البخارى عن جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 291

الى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله ﵌ ودخل عليها بغير اذن رواه مسلم قال أنس كانت زينب تفتخر على أزواج النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم تقول زوجكنّ أهاليكن وزوجنى الله من فوق سبع سموات وقال الشعبي كانت زينب تقول للنبي ﵌ اني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن جدي وجدك واحد وهو عبد المطلب وانكحنيك الله من فوق سبع سموات وان السفير جبريل ﵇. ومن مناقبها أيضا قوله ﵌ لازواجه أسرعكن لحوقا بى أطو لكن يدا يعني الصدقة فكانت أولهن موتا بعده. وقال أنس ما أولم رسول الله ﵌ على امرأة من نسائه أكثر وأفضل مما أولم على زينب فقال له ثابت البناني بم أولم قال أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه رواه مسلم* [مطلب في الكلام على مشروعية الحجاب وسببه] اما شأن الحجاب فروينا في صحيح البخاري يعلمنا الاستخارة في الامور كلها الى آخره قال النووى ولعلها استخارت لخوفها من التقصير في حقه ﷺ (الى مسجدها) أي موضع صلاتها من بينها (ونزل القرآن) يعنى قوله تعالى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها (فدخل عليها بغير اذن) قال النووى لان الله زوجه اياها بهذه الآية (رواه مسلم) والنسائي عن أنس وللبخاري والترمذي بمعناه (أهاليكن) جمع أهل على غير قياس (لأدل) بضم الهمزة وكسر الدال المهملة (جدي) أبوامي (وجدك واحد) وهو عبد المطلب (وانكحنيك الله) بقوله زَوَّجْناكَها وفي تفسير ابن اسحاق ان الذي أنكحه اياها أخوها أبو أحمد بن جحش وهو مردود بما في الصحيحين (في السماء) هو على مقتضى قوله تعالى أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ وقوله ﷺ للجارية أين الله قالت في السماء تعالى الله عن الجهة والمكان (وان السفير) أي بفتح المهملة وكسر الفاء أى الرسول (اسرعكن بي لحوقا) تمييز (أطولكن زيدا) رواه الشيخان والحاكم عن عائشة وتتمته فكن يتطاولن أيهن أطول فكانت أطولنا يدا زينب لانها كانت تعمل بيدها وتتصدق معنى الحديث انهن فهمن انه يريد باليد الجارحة فكن يذر عن أيديهن بقصبة كما في رواية الحاكم فكنا اذا اجتمعنا في بيت احدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فكانت سودة أطولهن جارحة وكانت زينب أطولهن يدا في الصدقة وفعل الخيرات يقال فلان طويل اليد والباع اذا كان سمحا جوادا وضده قصير اليد والباع وجعد الانامل ووقع في البخاري في باب الزكاة ما يوهم ان أسرعهن لحوقا سودة وهو وهم باطل اجماعا (فكانت أولهن موتا بعده ﷺ ماتت في خلافة عمر وماتت سودة في شوال سنة أربع وخمسين (أكبر وأفضل مما أولم على زينب) يحتمل ان سببه الشكر لنعمة الله في تزويجه اياها بالوحي لا بولي ولا شهود بخلاف غيرها قاله النووي (البناني) بضم الموحدة وتخفيف النون (رواه) البخاري (ومسلم) وأبو داود وفي رواية أولم بشاة (في صحيح البخاري) ورواه بمعناه أيضا مسلم والترمذي وابن ماجه

стр. 292

عن أنس انه كان ابن عشر سنين مقدم النبي ﵌ المدينة قال فكان أمهاتي يواظبنني على خدمته فخدمته عشر سنين وتوفي وأنا ابن عشرين سنة فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أوّل ما أنزل في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش أصبح رسول الله ﷺ عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقى رهط عند النبي ﵌ فأطالوا المكث فقام النبي ﵌ فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي ﷺ ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه حتى اذا دخل على زينب فاذاهم جلوس لم يقوموا فرجع النبي ﷺ ورجعت معه حتى اذا بلغ عتبة حجرة عائشة فظن انهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فاذا هم قد خرجوا فضرب رسول الله ﵌ بيني وبينه الستر وأنزل الحجاب قال أبو عثمان عن انس فدخل يعنى النبي ﵌ البيت وأرخى الستر وانى لفي الحجرة وهو يقول «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ» الى قوله «وَاللَّهُ (فكان امهاتي) يريد أمه وخالته (فخدمته عشر سنين) في رواية في مسلم تسع سنين قال النووي فمعناه أنها تسع سنين وأشهر فانه ﷺ أقام بالمدينة عشر سنين تحديدا وخدمه أنس اثناء السنة الاولي ففى رواية التسع لم يحسب الكسر وفي رواية العشر حسبه سنة عاشرة قال ابن النحوى قال المهلب فيه جواز استخدام اليتيم الحر الصغير الذي لا يجوز أمره وفيه وجوب خدمة العالم والامام على المسلمين وان ذلك شرف لمن خدمهما لما يرجي من بركة ذلك (توفي وأنا ابن عشرين سنة) وتوفي أنس سنة تسع وثمانين عن مائة سنة الا سنة وقيل سنة احدا أو اثنين أو ثلاث أو سبع أو تسع وقيل سنة مائة قال ابن عبد البر واصح ما قيل فيه الاول وكان موته في قصره بالطف على فرسخين من البصرة قال أبو اليقظان وصلى عليه قطن بن مدرك الكلابي ودفن هناك (في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب) أي دخوله عليها (عروسا) بفتح العين يطلق على الذكر والانثي (رهط) جماعة لا واحد له من لفظه (عتبة) على وزن خشبة لفظا ومعنى (أبو عثمان) هذا اسمه الجعد بن دينار أبى عثمان النهدى عبد الرحمن ابن مل مثلث الميم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) الا ان تدعوا (إِلى طَعامٍ) فيؤذن لكم فتأكلوه (غَيْرَ ناظِرِينَ) أى غير منتظرين (إِناهُ) ادراكه ووقت نضجه وعن ابن عباس أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام النبي ﷺ فيدخلون عليه قبل الطعام الى ان يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون وكان ﷺ يتأذي منهم فنزلت الآية

стр. 293

لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ» وعن أنس قال صنعت أمي ام سليم حيسا فجعلته في تور فقالت يا أنس اذهب بهذا الى رسول الله ﵌ وقل بعثت بهذا اليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول ان هذا لك منا قليل يا رسول الله قال فذهبت بها الى رسول الله ﷺ فقلت ان أمي تقرئك السلام وتقول ان هذا لك منا قليل يا رسول الله فقال ضعه ثم قال اذهب فادع لي فلانا وفلانا وفلانا وفلانا ومن لقيت وسمى قال فدعوت من سمى ومن لقيت فقلت لانس عددكم كانوا قال كانوا زهاء ثلثمائة وقال لي رسول الله ﵌ يا أنس هات التور قال فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله ﵌ ليتحلق عشرة بعشرة وليأكل كل انسان مما يليه قال فأكلوا حتى شبعوا قال فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم فقال لي يا أنس ارفع قال فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه (صنعت) أي (أم سليم) بالتصغير واختلف في اسمها على ثمانية أقوال كما مر (حيسا) بفتح المهملتين بينهما تحتية ساكنة وهو الاقط والسمن والتمر يخلط ويعجن (تور) بفتح الفوقية هواناء نحو القدح يصنع من الحجر (اذهب بهذا الى رسول الله ﷺ فيه استحباب بعث الطعام الى المتزوج معاونة له في وليمته (وهى تقرئك السلام) فيه ندب ارسال السلام ولو من امرأة لرجل اما اذا كان بينهما محرمية كما نقل النووي الاتفاق عليه في أم سليم وأختها بالنسبة اليه ﷺ فظاهر وأما مع عدم المحرمية فلأ من الفتنة (تنبيه) قال السبكي ما نقله النووى من الاتفاق على ان أم حرام وأم سليم كانتا محرما له ﷺ ليس بصحيح قال ومن أحاط علما بنسب النبي ﷺ وبنسب أم حرام وأم سليم علم انه لا محرمية بينهما قال وقد بين ذلك شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي في جزء قرأته عليه (ان هذا لك منا قليل) فيه ندب الاعتذار الى المبعوث اليه وتحقير الهدية ما أمكن فان ذلك من مكارم الاخلاق (فادع لى فلانا وفلانا وفلانا وفلانا) لعلهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ولم أقف على من قاله وفيه جواز الاذن للرسول في ناس معينين وفي مبهمين لقوله (ومن لقيت) من أردت (عدد) بالفتح خبر كان مقدم (كم) فى موضع جر بالاضافة (زهاء) بالفتح خبر كانوا مضمر وهو بضم الزاي وفتح الهاء والمد أي نحو (هات) بكسر التاء قال النووى للأمر كما يكسر الطاء من اعط (الصفة) بضم المهملة وتشديد الفاء الظلة قدام البيت (ليتحلق) مجزوم بلام الأمر أي ليستدر (عشرة عشرة) أى كل عشرة على حدة (وليأكل كل انسان مما يليه) فيه ان ذلك سنة في غير نحو الرطب وهو مشهور في حديث عمر بن أبي سلمة (حين رفعت) بفتح الراء والفاء واسكان العين أي أنا وبضم الراء وكسر الفاء وفتح العين مبنى للمفعول وكذا (حين رفعت) وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ بتكثير الطعام (طوائف) لا ينصرف

стр. 294

وآله وسلم ورسول الله ﷺ جالس وزوجته مولية وجهها الى الحائط وساق حديث الحجاب متفق عليه واللفظ لمسلم وفي احدى رواياته ان ذلك كان في زواج زينب وقد سبق انه أولم عليها بشاة قال القاضي عياض هو وهم من بعض الرواة وتركيب قصة على أخرى وقال غيره بل يصح فلعله اجتمع فيها الامران. [مطلب في شرح الفوائد التى تضمنت خير زواج السيدة زينب] قال المؤلف غفر الله ذلته: واقال عثرته وفي هذه الجملة السابقة من شأن زواج زينب ﵂ جمل من الفوائد منها التنويه بقدر المصطفى والابانة عن عظيم مكانته عند ربه تعالى وانه يحب ما أحب ويكره ما كره وقد قالت لهم عائشة عند نزول قوله تعالى «تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ» ما أرا ربك الا يسارع في هواك وفيه عظيم حيائه ﷺ حيث دخل وخرج ارادة أن يخرجوا وأبى أن يواجههم بما يكرهون حتى نطق الحق عنه بالحق وحرم على الخلق اذاه وأوجب عليهم تعزيزه وتوقيره وإيثاره فيما يحبه ويهواه وسيأتى انشاء الله تعالى في قسم الخصائص ما ذكره علماؤنا انه ﷺ متي رغب في نكاح امرأة فان كانت متزوجة وجب على زوجها مفارقتها له وان كانت خلية وجب عليها الاجابة وفيه مناقب جمة لزينب بنت جحش وفضيلة لاخيها أيضا وفيه منقبة ظاهرة لزيد بن حارثة ﵁ حيث ذكره الله في كلامه القديم مرتين مرة بالاشارة التي تنوب (وزوجته) كذا في جميع نسخ مسلم بالتاء وهى لغة قليلة والمشهور حذفها (متفق عليه) أي رواه الشيخان ورواه أيضا الترمذى وابن ماجه (واللفظ لمسلم) في غيره فجعلته في برمة بدل التنور وفيه فوضع يده فيه وتكلم بما شاء الله (وقد سبق انه أولم عليها بشاة) لم يذكره المصنف وهو مذكور في الصحيح كما مر (التنويه) الصيت والذكر الجميل كما مر (والابانة) مصدر بابن يبين ابانة (ما أرى) بفتح الهمزة (ربك الا يسارع في هواك) أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى عن عروة عن عائشة قالت كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ فقالت عائشة أما تستحي المرأة أن تهب نفسها لرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن وتؤوى اليك من تشاء قلت يا رسول الله ما أرى ربك الا يسارع في هواك أى في رضاك وقال النووى معناه يخفف عنك ويوسع عليك الامور فلهذا خيرك وهذا القول برز من الدلال والغيرة والا فلا يجوز اضافة الهوى اليه ﷺ لكن الغيرة يغتفر لاجلها اطلاق مثل ذلك قاله القرطبي (تعزيزه) عونه ونصرته (وتوقيره) تعظيمه وتفخيمه (قسم) بالكسر اسم كما مر (وجب على زوجها مفارقتها) لقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (مناقب جمة) أى كثيرة أعظمها ان الله سماها مؤمنة مع مامر في طى القصة (وفضيلة لاخيها أيضا) لان الله سماه مؤمنا (مرة بالاشارة) وهو قوله وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 295

مناب التصريح ومرة بالتصريح باسمه العلم وجعله قرآنا يتلي في المحاريب على تداول القرون ولم يكن هذا لغيره من الصحابة ﵃ ومنها ان الأدب لباعث الهدية ان يعتذر ويحقرها عند المبعوث اليه ومنها تأكيد سنة الوليمة وان لا تهمل وان دقت ووجوب اجابة داعيها ومنها نزول الحجاب وفيه مصالح جليلة وعوائد في الاسلام جميلة ولم يكن لاحد بعده النظر الى أجنبية بشهوة أو بغير شهوة وعفى عن الفجاءة والله أعلم* [مطلب في الكلام على غزوة دومة الجندل] ومن حوادث هذه السنة ان النبي ﵌ ركب فرسا الى الغابة فسقط عنه فجحش فخذه الايمن وأقام في البيت أياما يصلي قاعدا وعاده أصحابه فصلوا خلفه قعودا ثم نسخ ذلك ففي مرض موته ﷺ صلى قاعدا والناس خلفه قياما وفيها غزا رسول الله ﵌ غزوة دومة الجندل واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ورجع ﷺ من الطريق قبل أن يصل اليها وفيها غزوة بنى لحيان بن هذيل بن مدركة بعد بنى وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (باسمه العلم) وهو قوله فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ (ويحقرها) بفتح أوله واسكان ثانيه مخفف وبضم اوله وفتح ثانيه مشدد (مصالح) لا تنصرف (الفجاء) بضم الفاء وفتح الجيم والمد البغتة ومن حوادث هذه السنة (الغابة) بالمعجمة والموحدة موضع من عوالى المدينة (فجحش) بضم الجيم ثم حاء مهملة مكسورة أي خدش (فخذه الايمن) في رواية للبخارى فجحشت ساقه أي كتفه وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أنس فجحش شقه الايمن وللاسماعيلى انفكت قدمه (فاقام في البيت) للبخاري وغيره وآلى من نسائه شهرا واعتزل في مشربة بفتح الميم وسكون المعجمة وضم الواو ويجوز فتحها وهي الغرفة المرتفعة (فصلوا خلفه قعودا) أي بعد ان صلاه وراءه قوم قياما فلما قضى الصلاة قال انما جعل الامام ليؤتم به فاذا كبر كبروا واذا ركع فاركعوا واذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد وفي رواية ولك واذا صلى قائما فصلوا قياما واذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى عن أبى هريرة وأخرجه الشيخان عن أنس أيضا وسمى ممن صلى وراءه قائما أبو بكر وعمر وجابر وأنس (ثم نسخ ذلك في مرض موته) لما خرج وأبو بكر يصلي بالناس جاء فجلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس (جالسا) وأبو بكر (والناس) يصلون خلفه (قياما) كما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة هذا هو الصواب انه ﷺ كان هو الامام كما هو صريح الحديث الذى سقته وهو لفظ مسلم عن أبي بكر بن أبى شيبة باسناده عن عائشة وقال أحمد والاوزاعي بظاهر الحديث الاول ومالك لا يجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائما ولا قاعدا وفيها غزاة (دومة الجندل) بضم الدال المهملة وفتحها وفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة ولام مدينة من الشام مما يلى العراق وكان دليله اليها رجل من عذرة يقال له مذكور ذكره أبو الشيخ اليعمرى وغيره (سباع) بكسر المهملة وتخفيف الموحدة وآخره عين مهملة (عرفطة) بضم المهملة والفاء بينهما راء ساكنة وبعد الفاء طاء مهملة وفيها غزوة (بني لحيان) بكسر اللام كما مر (هذيل) بضم الهاء وفتح

стр. 296

قريظة بثلاثة أشهر وكانت لطلب الثأر بخبيب بن عدى وأصحابه وخرج ﵌ فيها موريا بطريق الشام فلما بلغ البتراء صفق ذات اليسار فلما بلغ منازلهم وجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤس الجبال فأخذ راجعا* [الكلام على مشروعية الاستسقاء وصلاة الكسوف وشرح ذلك] السنة السادسة وتواريخها مما ذكر فيها الاستسقاء والكسوف وقد ثبتت مشروعيتهما وكونهما سنة بالاحاديث الصحيحة الصريحة اما الاستسقاء فثبت في الصحيحين عن عبد الله بن زيد بن عاصم الانصارى المازنى قال خرج رسول الله ﵌ يستسقى واستقبل القبلة وقلب رداءه ثم صلي ركعتين زاد البخاري جهر فيهما بالقراءة زاد أبو داود باسناد حسن وقلب رداءه المعجمة (الثأر) بالمثلثة والهمز (موريا) من التورية وهى الستر كانه لخروجه لغير الجهة التى يريدها ستر ما يريد (البتراء) بفتح الموحدة واسكان الفوقية والمد موضع بقربه مسجد لرسول الله ﷺ بطريق تبوك (صفق) بالتشديد أي رجع (حذروا) بكسر المعجمة (وتمنعوا) بالنون* السنة السادسة (الاستسقاء) لغة طلب السقيا وشرعا طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم اليها يقال سقاه وأسقاه بمعنى ثلاثي ورباعي قال تعالى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً وقال تعالى لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً وقد جمعهما لبيد في قوله سقى قومي بنى مجد وأسقى ... نمير او القبائل من هلال ويقال سقاه ناوله الشرب وأسقاه جعل له سقيا ويقال سقاه لنفسه وأسقاه لما شيته وأرضه وقيل سقاه لسقيه وأسقاه دله على الماء (والكسوف) لغة التغير الى السواد يقال كسف وجهه وكسفت الشمس اسودت وذهب شعاعها (وكونهما سنة) أما الكسوف فاجماعا وأما الاستسقاء فكذلك ما عدا الصلاة لها فان أبا حنيفة يقول بعدم سنيتها وخالفه سائر العلماء من السلف والخلف والتابعين فمن بعدهم (المازني) بالزاي نسبة الى مازن فخذ من الانصار وقد مرانه غير صاحب الاذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه اذ ذاك من بلحارث (خرج رسول الله ﷺ فيه ندب الخروج الى الصحراء لانه أبلغ في الافتقار والتواضع ولانها أوسع للناس (فاستسقى) أي طلب السقيا (واستقبل القبلة) فيه ندب ذلك أيضا وقد مر قال النووى ويلتحق بالدعاء الوضوء والغسل والتيمم والقراءة والاذكار وسائر الطاعات الا ما خرج بدليل كالخطبة (وقلب رداءه) أى حوله زاد أحمد وحول الناس معه قال العلماء الحكمة فيه التفاؤل بانقلاب الحال من الضيق والجدب الي السعة والخصب قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وروى الدارقطني عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد بن على الباقر نفعنا الله بهم انه ﷺ حول رداءه ليتحول القحط وكان ﷺ يحب الفأل الحسن كما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس «فائدة» قال في التوشيح ذكر الواقدي ان طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع وطول ازاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر كان يلبسهما في الجمعة والعيدين انتهى قال شيخنا الشهاب ابن حجر ولم يثبت في طول عمامته شيء (ثم صلى ركعتين) فيه ان صلاتها ركعتان وهي كذلك باجماع المثبتين لها

стр. 297

وجعل ما على الايمن على الايسر وما على الايسر على الايمن وقلبه ظهرا لبطن وفي رواية له أيضا انه كان عليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه جعلها على عاتقه قال العلماء اذا أجدبت الارض أمر الامام الناس بالتوبة والخروج من المظالم وصيام ثلاثة أيام قال بعضهم ينحتم هذا الصيام ويجب واستدل بقوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قلت ولا يبعد أن يقاس عليه جميع ما يأمر به الامام من المصالح ثم يخرج بهم في اليوم الرابع صياما لانه قد ورد ان دعوة الصائم لا ترد ويخرجون في ثياب بذلة واستكانة ويصلى بهم ركعتين كالعيد (وفي رواية له) لابي داود وللحاكم في صحيحه انها (خميصة) بفتح المعجمة وكسر الميم كساء مخطط (فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه) فهمه بذلك دال على استحبابه وتركه للسبب المذكور (بالتوبة والخروج من المظالم) دما وعرضا ومالا وبفعل الخير من عتق وصدقة وغيرهما لان ذلك أرجا للاجابة ويعم بذلك من يريد الحضور وغيره وكذا الامر بالصوم قاله الفقيه الصالح أحمد بن موسى بن عجيل وقال الفقيه اسماعيل الحضرمى يختص الامر بالصوم بمن يريد الحضور قال تعالى اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وقال إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ الآية وقال وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا الآية ولا شك في دخول الخروج من المظالم في التوبة وكليهما في فعل الخيرات وانما أفرادا بالذكر لعظم أمرهما وكونهما أرجا للاجابة وفي الصحيح عن أبي هريرة قال كيف أنتم اذا لم تجبوا دينارا ولا درهما قالوا وتري ذلك يا أبا هريرة قال نعم والذى نفسي بيده عن الصادق المصدق قالوا وبم ذلك ياأبا هريرة قال تنتهك ذمة الله وذمة رسوله فيمسك الله القطر عن أهل الارض فيمسك الله بأيديهم (وصيام ثلاثة أيام) متتابعة مع يوم الخروج لانه معين على الرياضة والخشوع (قال بعضهم) كابن عبد السلام في قواعده والنووى في فتاويه والاسنوي في المهمات (ينحتم) بسكون النون وكسر الفوقية وبفوقية مكررة مفتوحة مع تشديد الثانية أى يجب حتي يجب تبييت النية كما قاله الاسنوي وان خالفه الاذرعي في التبييت وادعي ان فيه نزاعا للمتأخرين (واستدل) القائلون بالوجوب (بقوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) وفي المراد بأولى الامر خلاف للمفسرين (قلت ولا يبعد ان يقاس عليه جميع ما أمر به الامام من المصالح) كما قال الاسنوى في شرحه انه القياس وهو ظاهر كلام الفقهاء في باب الامامة (لانه ورد ان دعوة الصائم لا ترد) أخرجه أحمد والترمذى وحسنه وابن حبان وصححه وابن ماجه عن أبي هريرة والبيهقى عن أنس (بذلة) بكسر الموحدة وسكون المعجمة الثياب التى تلبس حال الشغل ومباشرة الخدمة وتصرف الانسان في بيته (واستكانة) أى خضوع وظاهره ندب ذلك ولو كان يوم عيد وبه صرح الناشري في الايضاح (كالعيد) للاتباع كما مر فينادي لها الصلاة جامعة ويكبر في الاولى سبعا بين الافتتاح والتعوذ وفي أوّل الثانية خمسا ويرفع يديه ويقف بين كل تكبيرة مسبحا حامدا مهللا مكبرا ولا يخطب ان كان منفردا ويقرأ جهرا في الاولى ق وفي الثانية اقتربت أو سبح والغاشية قياسا لا نصا وما رواه الدارقطني عن ابن عباس انه ﷺ قرأ في الاولي

стр. 298

ثم يخطب بهم خطبتين ويجعل مكان التكبير فيهما الاستغفار فيقول استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب اليه ويكثر من الاستغفار ويكرره مرارا فمدار الاستسقاء عليه ويقول في الخطبة الاولى اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا سحا عاما طبقا دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم انا نستغرك انك كنت سبح وفي الثانية هل أتاك ضعيف كما قاله في المجموع وقيل يقرأ في الثانية انا أرسلنا قال الشافعى ان قرأ في الثانية انا أرسلنا كان حسنا وليس فيه أيضا أفضل من اقتربت بل معناه انه مستحسن لا كراهة فيه ولا يتعين لها وقت لكن يسن كونها وقت العيد لخبر أبى داود والحاكم وابن حبان عن عائشة قالت شكى الى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه قالت فخرج حين بدا حاجب الشمس الحديث (ثم يخطب بهم) لخبر أبي داود هذا ففيه فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال انكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم وقد أمركم الله تعالى أن تدعوه ووعدكم ان يستجيب لكم ثم قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لا إله إلا هو يفعل ما يريد أللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغنى ونحن الفقراء انزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت قوة وبلاغا الي حين ثم رفع يديه حتى بدا بياض ابطيه ثم حول الى الناس ظهره وحول رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس فنزل وصلى ركعتين فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت باذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم الي الكن ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال أشهد أن الله على كل شيء قدير وأنه عبده ورسوله قلت انما جئت بهذا الحديث بتمامه لما اشتمل عليه من الفوائد النفية منها جواز تقديم الخطبتين واستفتاح الخطب والمواعظ ونحوهما بشىء من القرآن وسرعة اجابته ﷺ وانه لا بأس بالضحك تعجبا اذا لم يكن فيه نوع استهزاء ولم يخف انكسار قلب المضحوك منه (خطبتين) كالعيد ويكفي خطبة لاطلاق الخطبة في الاحاديث (ويجعل مكان التكبير فيهما) وهو تسع في أوّل الاولى وسبع في أوّل الثانية (الاستغفار الى آخره) لانه أليق بالحال ويبدل أيضا ما يتعلق بالفطرة والاضحية بما يتعلق بالاستسقاء (ويكرره) أى الاستغفار حتى يكون أكثر دعائه (أللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (غيثا) مطرا (مغيثا) منقذا من الشدة (هنيئا) بالهمز والمد أى طيبا لا تنغيص فيه (مريئا) بوزن هنيئا أى محمود العاقبة (مريعا) بوزنه أى ذاريع وهو النماء والزيادة وروى مربعا بضم الميم وبالموحدة مأخوذ من قولهم أربع البعير اذا أكل الربيع وروى أيضا بالفوقية مأخوذ من قولهم ارتعت الماشية اذا أكلت ما شاءت وأرتع الغيث اذا أنبت ما ترتع فيه الماشية (غدقا) بفتح المعجمة والمهملة والقاف أي كثير الخير (مجللا) بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام أى يجلل الارض فيعمها بالوقوع عليها أو يجلل وجهها أي يستره بالنبات (سحا) بمهملتين الثانية مشددة أى شديد الوقوع في الارض (طبقا) بفتح المهملة والباء أى يطبق الارض فيعمها حتى يصير كالطبق لها (دائما) الى انتهاء الحاجة لان دوامه فوق ذلك عذاب (القانطين)

стр. 299

غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا اللهم ان بالخلق من اللأواء والضنك ما لا يشكون الا اليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الارض روى جميع ذلك الشافعى عن ابن عمر عن النبى ﵌ ويستحب للعامة أن يلحوا على صلاحهم وأئمتهم أن يسئلوا الله لهم في المكتوبات والجمع وجميع الاحوال لما ورد في الصحيحين عن أنس ان سليكا الغطفانى دخل يوم الجمعة ورسول الله ﵌ قائم يخطب فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم الآيسين (مدرارا) أي كثير الدر أي القطر (اللاواء) بتشديد اللام واسكان الهمزة وفتح الواو هي الشدة وكذا الجهد (والضنك) بفتح المعجمة وسكون النون الضيق (بركات السماء) المطر النافع قال الازهرى وهو في الآية السحاب (بركات الارض) ما يخرج منها (روى جميع ذلك الشافعي) تعليقا (عن) سالم بن عبد الله (بن عمر) عن أبيه (عن النبى ﷺ ووراء ذلك أدعية كثيرة مستوفاة في كتب الاذكار (يلحوا) بضم أوله وبالحاء المهملة أى يطلبوا مع مبالغة في الطلب (لما ورد في الصحيحين) عن أنس وأخرجه عنه مالك وأبو داود والنسائي أيضا (ان سليكا) بضم المهملة مصغر هو ابن عمرو أو ابن هدبة قولان ولم يقع تسميته الا في صحيح مسلم وابن حبان في حديث الامر بالتحتية وتوهم منه المصنف وغيره انه هو المستسقى وليس كذلك اذ المستسقى لم يسم كما قاله الحافظ ابن حجر وغيره قال ابن حجر وقد قيل هو كعب بن مرة وقيل العباس بن عبد المطلب وقيل أبو سفيان بن حرب قال وكل ذلك غلط ممن قاله لمغايرة كل من الاحاديث الثلاثة للقصة التي ذكرها أنس قال ثم وجدت في دلائل البيهقى في رواية مرسلة ما يدل على انه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى أخو عيينة بن حصن فهذا هو المعتمد انتهى (دخل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب) زاد البخاري في رواية فقعد وجاه المنبر (هلكت المواشي) في رواية في الصحيح هلكت الاموال وفي أخرى هلك المال وضاع العيال (وانقطعت) وللاصيلى في البخارى وتقطعت (السبل) الطرق وذلك لضعف الابل عن السفر لقلة القوت أو لانها لا تجد في الطريق ما يقيمها (أن يغيثنا) كذا لابي ذر في البخاري ولغيره يغيثنا فيكون مرفوعا على الخبر والمبتدأ مقدر أى فهو يغيثنا وفي أوله الضم من أغاث والفتح من غاث بمعنى قال ابن القطاع غاث الله عباده سقاهم المطر وأغاثهم أجاب دعاءهم وقال عياض عن بعضهم هو بالضم بمعنى المعونة (فرفع يديه) وكان ذلك بظهر الكفين كما في مسلم وأبي داود فاشار بظهر كفه الى السماء ففيه ندب ذلك اذا كان الدعاء لرفع بلاء فان كان لسؤال شىء وتحصيله جعل بطونهما الى السماء وما في الصحيحين وغيرهما عن أنس كان لا يرفع يديه في شىء من دعائه الا في الاستسقاء حتى يري بياض ابطيه نفى لرفع خاص وهو الرفع بظهر الكفين أو نفي للرفع البليغ بحيث يرى بياض ابطيه أو نفي لرؤيته ذلك وقد رآه غيره فيقدم المثبتون قال النووي وقد ثبت رفع

стр. 300

اسقنبا قال أنس فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيأ ولا بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال والله ما رأينا الشمس سبتا ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها قال فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من ان تحصر انتهى قال في التوشيح قد ثبت رفع اليدين في الدعاء في مائة حديث أفردتها بجزء (فلا والله) كذا لابى ذر وفي صحيح البخاري وغيره بالواو (سحاب) أى مجتمع (ولا قزعة) بفتح القاف والزاي وهي القطعة من السحاب قال أبو عبيد وأكثر ما يكون ذلك في الخريف (ولا شيئا) من علامات المطر من ريح وغيره وانتصب عطفا على موضع الجار والمجرور (سلع) بفتح المهملة وسكون اللام جبل بالمدينة قال النووي مراده بهذا الاخبار عن معجزة رسول الله ﷺ وعظيم كرامته على ربه بانزال المطر سبعة أيام متوالية متصلا بسؤاله من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر لا ظاهر ولا باطن وهذا معنى قوله ولا بيننا وبين سلع من بيت ولا دار أي نحن مشاهدون له فلم يكن هناك سبب للمطر أصلا (من ورائه) أى سلع (مثل الترس) بضم الفوقية وآخره مهملة أى مستديرة (ثم أمطرت) قال النووى هذا دليل للمذهب المختار أنه يقال مطرت وأمطرت لغتان في المطر خلافا لمن قال لا يقال أمطرت الا في العذاب (سبتا) بلفظ اليوم قال النووى أى قطعة من الزمان وقال في التوشيح كناية عن الاسبوع من باب تسمية الشىء باسم بعضه كما يقال جمعة قال صاحب النهاية ان ذلك كان اصطلاح اليهود لان السبت أعظم الايام عندهم وتبعهم الصحابة في هذا الاطلاق لمجاورتهم لهم وللحموي والمستملي في تصحيح البخارى سبتا بكسر المهملة ثم فوقية مشددة لانها كانت ستة أيام ويوما ملففا من الجمعتين فلم يعد وفي رواية للبخارى سبعا وللفاسى سبتنا بالاضافة كما يقال جمعتنا (ثم دخل رجل) هو الذي جاء في الجمعة الاولي كما اقتضته احدى روايات البخارى لكن في أخرى فقام ذلك الرجل أو غيره وفي رواية شريك بن أبى نمر فسألت أنسا هو الرجل الاول قال لا أدرى (هلكت الاموال وانقطعت السبل) أى لتعطل الرعى وعدم سلوك الطريق من كثرة الماء (يمسكها) بالرفع والجزم وللكشميهني في صحيح البخارى أن يمسكها والضمير للامطار أو السحاب أو السماء (اللهم حوالينا) في بعض نسخ مسلم حولينا قال النووي وهما صحيحان وفيه ندب الدعاء بالرفع عند الحاجة (ولا علينا) قال في التوشيح قال الطيبي في ادخال الواو هنا معنى لطيف وذلك لانه لو أسقطها لكان مستسقيا للآكام وما معها فقط ودخول الواو يقتضى ان طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه ولكن ليكون وقاية لاذى المطر فليست الواو مخلصة للعطف ولكنها للتعليل وهو كقولهم تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فان الجوع ليس مقصودا

стр. 301

اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس هذا لفظ البخاري وفي رواية له حتى سال وادى قناة شهرا قال فلم يجىء أحد من ناحية الا حدث بالجود وفي أخرى لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته ﵌ وفي أخرى عن ابن عمر وربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر الى وجه النبي ﵌ يستسقى فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للارامل وروي انه ﵌ قال لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره فقال له بعض أصحابه كانك يا رسول الله أردت قوله * وأبيض يستسقى الغمام بوجهه* قال أجل* ويستحب للامام أن ينصب الصلحاء من أقرباء رسول الله ﵌ ومن غيرهم عند الاستسقاء كما اشتهر في صحيح البخاري وغيره ان عمر كان يستسقى بالعباس فيقول اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا محمد ﵌ فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون ومما روي من دعاء العباس حينئذ اللهم انه لم ينزل بلاء من السماء الا بذنب لعينه ولكن لكونه مانعا من الرضاع باجرة اذ كانوا يكرهون ذلك انتهي (الآكام) بكسر الهمزة مع القصر وبفتحها مع المد ومثلها الآطام والآجام وهي جمع أكمة بفتحات التراب المجتمع أو الجبل الصغير أو ما ارتفع من الارض أقوال ويقال في جمع الاكمة أكم بفتح الهمزة والكاف وبضمهما وبضم الهمزة وسكون الكاف قال ابن سيدة زاد ابن جنى وأكوم بوزن أفلس (والظراب) بكسر المعجمة وآخره موحدة جمع ظرب بكسر الراء وهى الرابية الصغيرة قاله الجوهرى واقتصر عليه النووي وقيل هو الجبل المنبسط ليس بالعالي (والاودية) ولمسلم وبطون الاودية جمع واد قال في التوشيح ولم يسمع افعلة جمع فاعل سواه (فاقلعت لي آخره) فيه معجزة له ﷺ باجابة دعائه متصلا كما كان في الاستسقاء (وفي رواية له) ولمسلم أيضا (وادى قناة) بفتح القاف اسم لواد من أودية المدينة فهو على حد مسجد الجامع وربيع الاول وفي رواية للبخارى وسال الوادي قناة على البدل وفي أخري له وسال الوادى وادي قناة (الجود) بفتح الجيم واسكان الواو وهو المطر الكثير (قول الشاعر) هو أبو طالب (يجيش) بالجيم والمعجمة أي ينصب (وأبيض) بالفتح مجرور برب مقدرة أو منصوب عطفا على سيدا في قوله في البيت قبله وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل (يستسقي الغمام بوجهه الي آخره) الى آخر البيت تقدم شرحه (وروي أنه ﷺ قال الي آخره) لم أقف على مخرجه وهو مذكور بهذه الصيغة في كتب السير (أجل) بتخفيف اللام أى نعم ويرادفها جير (ينصب) بكسر الصاد (ومن غيرهم) كما استشفع معاوية بيزيد بن الاسود فقال اللهم انا نستسقى

стр. 302

ولم يكشف الا بتوبة وقد توجه بي القوم اليك لمكانى من نبيك ﵌ وهذه أيدينا اليك بالذنوب مملوءة ونواصينا بالتوبة وأنت الراعي فلا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فاغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فانه لا ييأس من روحك الا القوم الكافرون فما أتم كلامه حتى أزجت السماء مثل الجبال وفي ذلك يقول حسان بن ثابت سأل الخليفة إذ تتابع جدبه ... سقيا الغمام بغرة العباس عم النبي وصنو والده الذي ... ورث الثناء بذاك دون الناس أحيا المليك به البلاد فأصبحت ... مخضرة الاجناب بعد الياس وجاء في الاستسقاء بالصلحاء أخبار كثيرة ويستحب تكرير الاستسقاء ما لم يسقوا ولا يستبطؤا الاجابة ففي الصحيحين يستجاب لاحدكم ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجب بخيرنا وأفضلنا اللهم انا نستسقي بيزيد بن الاسود يا يزيد ارفع يديك الي الله تعالى فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كانها ترس وهب لها ريح فسقوا حتي كاد الناس ألا يبلغوا منازلهم (مضيعة) باسكان الضاد وفتح التحتية وبكسر الضاد واسكان التحتية أى موضع ضياع (ضرع) بفتح المعجمة وكسر الراء وضمها آخره مهملة أي ضعف ومنه مالى أرى أجسام بنى أخي ضارعة (ازجت) بالزاى والجيم أى انشأت (الجبال) بالجيم والموحدة أي قطعا عظيمة من السحاب (الخليفة) عمر (تتابع) بالموحدة ويجوز ابدالها مثناة تحتية كما مر (سقيا) مصدر سقي يسقي (بغرة العباس) أى بالعباس والغرة صلة (المليك) بفتح الميم وكسر اللام يعنى الله (الاجناب) جمع جنب أي مخضرة النواحي (الياس) بالتحتية أى القنوط أي بعد مقاربتهم الياس ويجوز بالموحدة والبأس والبؤس والباساء الشدة (فائدة) قال اليافعي في الارشاد روي الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الشاذلى عن شيخه أبي العباس المرسى عن شيخه أبى الحسن الشاذلى قدس الله أرواحهم انه قال لاصحابه من كانت له حاجة الي الله فليتوسل اليه بالامام أبى حامد الغزالى انتهى ويستحب أيضا لكل أحد ان يتشفع بما فعله من خير لان ذلك لائق بالشدائد في حديث الثلاثة الذين أووا الى الغار وهو في الصحيحين وغيرهما ولا نظر الى نظر بعض المتأخرين فيه ولا الى قول الطبرى ان ذلك من رؤية العمل اذ محل الرؤية القلب لا اللسان فليتأمل واذا تهيؤا للاستسقاء فسقوا قبله خرجوا وصلوا شكرا لله وخطب بهم أيضا (ويستحب) اذا لم يسقوا (تكرير الاستسقاء) ولا يتوقفون للصوم وقيل يتوقفون وهما نصان للشافعى ففى حديث ضعيف ان الله يحب الملحين في الدعاء أخرجه الحاكم والطبراني والبيهقي من حديث عائشة وفي (الصحيحين) وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة (يستجاب لاحدكم ما لم يعجل) بفتح أوله واسكان ثانيه وقوله (فيقول دعوت) الى آخره تفسير للعجلة قالوا وعدم الاستجابة اما بكون الوقت الذي قدر الله فيه حصول المسؤل لم يأت بعد أو لان العجلة تدل على عدم التفويض الكلي

стр. 303

لي قال بعضهم يستحب الالحاح والتكرار فان لم تصلح نياتهم فعسى يسقون لتحريهم سنة نبيهم واحيائهم لها ويستحب أن يحسروا أثوابهم لما روى مسلم عن أنس قال أصابنا مطر ونحن مع رسول الله ﵌ فحسر ﵌ ثوبه حتى أصابه المطر فقلت يا رسول الله لم صنعت هذا فقال انه حديث عهد بربه ويستحب أن يغتسل ويتوضأ فى السيل لأنه ﷺ كان اذا سال الوادي قال اخرجوا بنا الى هذا الذى جعله الله طهورا فيتطهر منه ويحمد الله عليه قال البيهقي رواه الشافعى باسناد منقطع ويستحب الدعاء عند نزول المطر والتسبيح عند الرعد والبرق وترك الاشارة الى البرق والودق فعدم الاجابة لاختلال شرط من شروطها (والتكرار) بفتح التاء مصدر وبكسرها اسم كما مر (لتحريهم) بفتح الفوقية والمهملة وكسر الراء المشددة أى قصدهم (فحسر) أى كشف (حديث عهد بربه) أي بتكوينه وبتنزيله وروي الحاكم عن أنس أيضا قال كان اذا أمطرت السماء حسر ثوبه عن ظهره حتى يصيبه المطر وسئل ابن عباس عن فعل ذلك فقال للسائل أو ما قرأت وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأحب ان ينالني من بركته ولا فرق بين المطر أوّل السنة وغيره ولكنه في أوّل مطر السنة آكد (ان يغتسل ويتوضأ) قال في المهمات وهل هما عباداتان فتشترط فيهما النية أولا فيه نظر والمتجه الثاني الا ان صادف وقت وضوء أو غسل لان الحكمة فيه هى الحكمة في كشف البدن ليناله أوّل مطر السنة وبركته (البيهقي) بفتح الموحدة واسكان المثناة وفتح الهاء ثم قاف هو أبو بكر أحمد بن الحسين ولد سنة أربع وثمانين وثلثمائة ومات بنيسابور في جمادى الاولي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ونقل الى بيهق فدفن بها (رواه الشافعي) في الام والبيهقي في السنن عن يزيد بن الهاد (باسناد منقطع) أي مرسل لان يزيد بن الهاد تابعي (ويستحب الدعاء عند نزول المطر) وشكر الله تعالى بعده روي الشافعى خبر الطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش واقامة الصلاة ونزول الغيث وروي البيهقى خبر تفتح السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند اقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة (والتسبيح عند البرق والرعد) روي مالك في الموطأ عن عبد الله بن الزبير انه كان اذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وعن ابن عباس قال كنا مع ابن عمر في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد فقال كعب من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي من ذلك فقلنا فعوفينا وقيس بالرعد البرق والمناسب ان يقول عنده سبحان من يريكم البرق خوفا وطمعا فايده نقل الشافعى في الام عن الثقة عن مجاهد ان الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق بها السحاب قال الاسنوي فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه على اختلاف فيه وأطلق الرعد عليه مجازا (وترك الاشارة بيده الى البرق والودق) لما روي الشافعي عن عروة بن الزبير انه قال اذا رأي أحدكم البرق أو الودق فلا يشر اليه والودق باسكان المهملة المطر وزاد الماوردي الرعد فقال وكان السلف الصالح يكرهون الاشارة الي

стр. 304

وان لا يتبع بصره الكوكب اذا انقض لأحاديث وآثار وردت في ذلك والله أعلم* وأما الكسوف فروينا في صحيحى البخارى ومسلم عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﵌ ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد من الخلق ولا لحياته فاذا رأيتم ذلك فادعوا الله تعالى وكبروا وتصدقوا* وأما صفة صلاتها فهى ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان وسجودان الرعد والبرق ويقولون عند ذلك لا إله الا الله وحده لا شريك له سبوح قدوس فنختار الاقتداء بهم في ذلك (وان لا يتبع بصره الكوكب اذا انقض) روى النهى عن ذلك ابن السني وانقض بالقاف والمعجمة سقط (لاحاديث) لا ينصرف (وآثار وردت في ذلك) سبق ذكرها ويكره سب الريح كما روى النهى عنه ابو داود والله أعلم (وأما الكسوف) يقال كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف وكسفا بضمها وانكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا بمعنى وقيل بالكاف للشمس وبالخاء للقمر (في) موطأ مالك و (صحيحى البخاري ومسلم) وسنن أبي داود والترمذي والنسائي (ان الشمس والقمر الى آخره) أخرجه البخارى والنسائى من حديث أبي بكرة وأخرجه الشيخان والنسائي من حديث ابن مسعود وابن عمرو وأخرجه الشيخان من حديث المغيرة وأخرجه البخارى من حديث ابن عباس وأبي موسي وأخرجه مسلم من حديث جابر وأخرجه النسائي من حديث عمر والنعمان بن بشير وقبيصة وأبي هريرة وأخرجه الطبراني من حديث عقبة بن عامر وبلال قال في التوشيح قال ابن حجر فهذه طرق تفيد القطع عند من اطلع عليها من أهل الحديث بأن النبي ﷺ قاله فيجب تكذيب من زعم ان الكسوف علامة على موت أحد أو حياته وسبب الحديث ما جاء في بعض طرقه أن ابن النبى ﷺ مات فكسفت الشمس فقالوا كسفت لموت ابراهيم فقال ﷺ ذلك ردا عليهم ولابن النجار من طريق انس أن الشمس والقمر اذا رأي أحدهما من عظمة الله شيئا حاد عن مجراه فانكسف وكان هذا الكلام في خطبته بعد الصلاة قال العلماء كان بعض الجاهلية يعظمون الشمس والقمر فبين ﷺ انهما مخلوقان لله لا صنع لهما وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول لا يكسفان الا لموت عظيم فتبين ان هذا باطل لئلا يغتر بقولهم سيما وقد وافق موت ابراهيم (فائدة) كان موت ابراهيم عاشر ربيع الاول كما ذكره الزبير بن بكار في انسابه ورواه البيهقي عن الواقدى فبطل قول علماء الهيئة ان الشمس لا تنكسف إلا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين واشتهر انها كسفت يوم قتل الحسين وكان يوم عاشوراء (وأقلها ركعتان) لخبر قبيصة انه ﷺ صلاها بالمدينة ركعتين وخبر النعمان انه ﷺ جعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتي انجلت رواهما أبو داود باسنادين صحيحين (في كل ركعة قيامان وركوعان وسجودان) أى بأن يزيد قياما على القيام المفروض وركوعا على الركوع المفروض وأما السجود فلا يزاد بحال للاتباع كما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة وجابر وابن عباس وابن عمر وهو أصح ما في الباب قاله ابن عبد البر وما في مسلم في رواية عن عائشة وعن ابن عباس وعن جابر ركعتين في كل

стр. 305

والاكمل أن يقرأ في القيام الاول بعد الفاتحة البقرة وفي الثانى دون ذلك والثالث دونهما والرابع دونهن ويطيل التسبيح في كل ركوع دون القيام الذى قبله ويطول السجدة الاولى كنحو الركوع الاول والثانية كالثانى ويجهر في كسوف القمر لا الشمس ويخطب خطبتين كالجمعة* ركعة ثلاث ركوعات وفي رواية ابن عباس وعلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات قال الحفاظ الروايات أصح رواتها احفظ واضبط وفي رواية لابى داود من حديث أبى ابن كعب ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات قال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف الكسوف انتهي وهو يشير الى تعدد الكسوف ويخالفه ما قاله البيهقي في المعرفة الاحاديث كلها ترجع الى صلاته ﷺ في كسوف الشمس يوم مات ابراهيم يعني فلم تتعدد الواقعة وقد نقل التعدد عن جماعة من أئمة الحديث منهم ابن المنذر وقالوا بصحة الروايات كلها وان الجميع جائز (والاكمل) فيه نصان للشافعي الاول ما نص عليه في الام والمختصر وفي موضع من البويطي وعليه الاكثرون (ان يقرأ في القيام الاول بعد الفاتحة البقرة وفي الثاني دون ذلك) أي كمائتي آية منها (والثالث دونهما) أي كمائة وخمسين (والرابع دونهن) أي كمائة والمراد من آياتها الوسط والثاني ما نص عليه في موضع من البويطي ان يقرأ في القيام الاول بعد الفاتحة كالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة قال في الروضة وليسا على الاختلاف المحقق بل الأمر فيه على التقريب (ويطيل التسبيح الي آخره) للاتباع رواه الشيخان وغيرهما ويكون تسبيحه في الركوعات والسجودات الاول قدر مائة آية من البقرة وفي الثاني قدر ثمانين وفي الثالث قدر سبعين وفي الرابع قدر خمسين تقريبا وظاهر كلامهم كما قال الاذرعى استحباب هذه الاطالة وان لم يرض المأمومون قال وقد يفرق بينها وبين المكتوبة بالندرة أو بأن الخروج منها وتركها الى خيرة المقتدى بخلاف المكتوبة وفيه نظر ويجوز أن يقال لا يطيل بغير رضاء المحصورين لعموم الخبر اذا صلى أحدكم بالناس فليخفف وتحمل اطالته ﷺ على انه علم رضى أصحابه وان ذلك مغتفر لبيان تعظيم الا كمل بالفضل ويظهر انهم لو صرحوا له بعدم الرضي بالاطالة لا يطيل وقد يتوقف فيه انتهى (ويجهر في) صلاة (كسوف القمر) لانها ليلية (لا) صلاة كسوف (الشمس) لانها نهارية وما رواه الشيخان عن عائشة انه ﷺ جهر في صلاة الخسوف في قراءته والترمذي عن سمرة قال صلى بنا النبى ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتا وقال حسن صحيح يجمع بينهما كما في المجموع بان الاسرار في كسوف الشمس والجهر في خسوف القمر ويثبته رواية الطبرانى باسناد جيد عن ابن عباس صليت الى جنب النبي ﷺ يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة وقد أخذ بظاهر حديث عائشة جماعة منهم أبو يوسف ومحمد وأحمد واسحاق فقالوا يجهر في كسوف الشمس أيضا قال في الديباج قلت وهو المختار عندى كالعيد والاستسقاء انتهي وقال ابن جرير الجهر والاسرار سواء (ويخطب) للاتباع (خطبتين) قياسا على العيد فلا تكفي خطبة خلافا لما فهمه ابن الرفعة من كلام حكاه البندنيجي عن نص البويطي من إجزاء خطبة واحدة (كالجمعة) في الاركان وهي خمسة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ والوصية بتقوى الله وهذه الثلاثة أركان في الخطبتين ولا يجب

стр. 306

واعلم أن الظاهر في مذهب الشافعى انه لا يطول السجود ولا يصح ذلك فقد ثبت في الاحاديث الضحيحة الصريحة في الصحيحين وغيرهما اطالته ونص الشافعي ﵀ في البويطي ما لفظه يسجد سجدتين تامتين طويلتين يقيم في كل سجود نحو ما أقام في الركوع هذه عبارته فحينئذ لا يصح نسبة عدم التطويل الى الشافعى مع انه قد تقدم في ذلك وأنصف كل الانصاف حيث قال مذهبي الحديث وإذا صح الحديث فاتركوا قولي وقد كان له في الحديث اليد الطولي والسابقة الأولى وثبت في صحيح مسلم تطويل الاعتدال أيضا فينبغى العمل به فان الزيادة من الثقة مقبولة والله أعلم قال أصحابنا ولو صلاها بالفاتحة وحدها أو ركعتين من غير تكرر جاز والله أعلم* [الكلام على مشروعية حكم يمين الظهار وسببه] ومن حوادث هذه السنة نزول حكم الظهار وسببه على ما ذكر المفسرون وغيرهم ان ترتيبها كما رجحه النووى وقراءة آية مفهمة باحداهما والدعاء للمؤمنين في الثانية باخروى ولا يجب فيها القيام وكذا الطهارة والستر كما نقله البندنيجي عن النص وان كرهت وجزم في المجموع بندب الجلوس بينهما وندب الوضوء لخطبتى غير الجمعة فعلم عدم اشتراط الشروط قال القاضي زكريا لكن لا يخفي انه يعتبر في اداء السنة الاسماع والسماع وكون الخطبة عربية (انه لا يطول السجود) ورجحه الرافعى وجماعة (فقد ثبت في الاحاديث الصريحة في الصحيحين وغيرهما) عن أبي موسي وعائشة وأسماء (اطالته) ولفظ حديث أبى موسي في الصحيحين فصلي بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته قط يفعله في صلاة ولفظ حديث عائشة عند البخارى في الركعة الاولى يسجد سجودا طويلا وفي الثانية ثم سجد وهو دون السجود الاول وعند مسلم ما ركعت ركوعا قط ولا سجدت سجودا قط كان أطول منه وفي حديث البخاري عنها أيضا ثم سجد سجودا طويلا وفي حديث عنده أيضا عن اسماء في كل من الركعتين ثم سجد فأطال السجود (ونص الشافعي ﵀ في) موضعين من (البويطى الى آخره) وقول صاحب المهذب ان الشافعي لم يذكره يعنى تطويل السجود ولا نقل عنه ممنوع أو من حفظ حجة على من لم يحفظ (ولا يضح نسبة عدم التطويل الي الشافعي) بل ينسب اليه التطويل كما قاله الخطابي (اذا صح الحديث فاتركوا قولي) في رواية عنه اذا صح الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط (وثبت في صحيح مسلم) وغيره (تطويل الاعتدال الي آخره) وصح أيضا تطويل الجلوس بين السجدتين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة والحاكم قال في الروضة ولصحته ينبغي ان يكون هو المذهب واختاره في الاذكار (قال أصحابنا) كما نقله عن مقتضى كلامهم في المجموع (لو صلاها بالفاتحة وحدها) جاز لمفهوم خبر لا صلاة لمن لا يقرأ بها (أو) صلاها (ركعتين) كسنة الظهر أى (من غير تكرر جاز) وكان تاركا للافضل لظاهر حديث قبيصة انه ﷺ صلاها بالمدينة ركعتين (خاتمة) ذكر ابن حبان في تاريخه ان خسوف القمر وقع في السنة الخامسة وانه ﷺ صلى عند ذلك ركعتين والله أعلم* ومن حوادث هذه السنة (الظهار)

стр. 307

خولة بنت مالك بن ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت فأرادها للجماع فأبت منه فقال انت عليّ كظهر أمي وكان الظهار والايلاء من طلاق الجاهلية فأتت رسول الله ﵌ وعائشة تغسل رأسه فقالت يا رسول الله ان زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة ذات مال وجمال وأهل حتى اذا أكل مالى وأفني شبابى وتفرق أهلي وكبرت سني ظاهر مني وقد ندم فهل من شيء يجمعنى واياه فقال رسول الله ﵌ ما أراك الا قد حرمت عليه فجعلت تشكو وتردد ذلك فاذا ذكر لها رسول الله ﵌ التحريم هتفت وقالت أشكو الى الله فاقتي وشدة حالي وان لي صبية صغارا ان ضممتهم اليه ضاعوا وان ضممتهم اليّ جاعوا وجعلت ترفع رأسها الى السماء وتقول اللهم أشكو اليك فانزل الله على رسول الله ﵌ وعائشة لم ترفع الغسل بعد فقالت لها عائشة اقصري اما ترين وجه رسول الله ﵌ وكان رسول الله ﵌ اذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات فلما قضى الوحي قال لها رسول الله ﵌ ادعى زوجك فدعته فتلا عليه رسول الله ﵌ القرآن قالت عائشة تبارك الذى وسع مأخذه لفظ الظهر اذ أصل صورته أنت علىّ كظهر أمي (خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو (أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو وآخره مهملة (صامت) بالمهملة أوله والفوقية آخره هو ابن قيس بن أصرم الخزرجى أخو عبادة بن الصامت شهد بدرا ومات بعدها ويرد هذا ما سيأتى ان المظاهر سلمة أو سلمان بن صخر البياضي الا ان يجمع بوقوع ذلك لكل منهما ولا يخفى بعده قال البغوى وكانت امرأته أى أوس حسنة الجسم وكان به لمم أى بعض جنون (أنت على ظهر كامي) زاد البغوى ثم ندم على ما قال (وكان الظهار والايلاء من طلاق الجاهلية) مطلقا واختلف هل عمل بهما في أوّل الاسلام والاصح لا وقيل كانا طلاقين في الجاهلية من وجه دون وجه كان أحدهم اذا كره المرأة وأراد ان لا ينكحها غيره آلى منها أو ظاهر فبقيت محبوسة لا ذات زوج ولا خلية (فهل من شيء يجمعنى واياه) زاد البغوي تنعشنى به (ما أراك) بفتح الهمزة من الرؤية وبضمها من الظن (الا قد حرمت عليه) زاد البغوى لم أومر في شانك بشىء زاد (فجعلت تشكو وتردد) وتقول والله يا رسول الله ما ذكر طلاقا وهو ابن عمي وأحب الناس الىّ (وكبرت) بكسر الموحدة (أشكو الى الله فاقتى) أى حاجتى ووحدتي وقد طالت له صحبتي ونفضت له بطني (ان ضممتهم اليه ضاعوا) أى من عدم الحضانة والتربية لان الرجل لا يتولاها كالنساء (وجعلت ترفع رأسها الى السماء) يؤخذ منه ان لا بأس بذلك في الدعاء (أللهم اني أشكو اليك) زاد البغوي أللهم ما نزل على لسان نبيك وكان هذا أوّل ظهار نزل في الاسلام (اقصرى) بهمزة قطع وكسر المهملة أي اتركى (السبات) بضم المهملة وتخفيف الموحدة وآخره فوقية وهو النوم الثقيل (قالت عائشة تبارك) لابي داود والنسائي الحمد لله (الذي وسع)

стр. 308

سمعه الاصوات كلها انى ليخفى على بعض كلامها هذا معنى ما ذكر البغوى في تفسيره ورواه أبو داود على غير هذا الوجه متضمنا لذكر الكفارة ففيه ان النبى ﷺ قال يعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت يا رسول الله انه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا قالت ما عنده من شيء يتصدق به قال فاني سأعينه بعرق من تمر قالت يا رسول الله وانا سأعينه بعرق آخر قال احسنت اذهبي فاطعمى بها عنه ستين مسكينا وارجعي الى ابن عمك والعجب لم يروياه في الصحيحين وقد نطق به القرآن المبين وانما رويا حديث المحترق المجامع في نهار رمضان وقصته شبيهة بهذه من حيث اتحاد الكفارة فيهما وتصدق النبى صلى الله عليه بكسر المهملة في الماضى وفتحها في المضارع (سمعه) فاعل (الاصوات كلها) مفعول مؤكد (ورواه أبو داود) وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة (انه شيخ كبير ما به من صيام) للبغوي والذي بعثك بالحق لو كلفته ثلاثة أيام ما استطاع (فاني ساعينه بعرق) بفتح المهملة والراء وللبغوي قال مريه فليذهب الى فلان بن فلان فقد أخبرني ان عنده سطر تمر صدقة فليأخذه صدقة عليه ثم ليتصدق به على ستين مسكينا وسيأتى تسمية هذا الرجل في التنبيه الآتي (والعجب لم يروياه في الصحيحين الى آخره) قلت لا عجب في ذلك لانهما انما تركاه لانه ليس على شرطهما وان كان مذكورا في القرآن فكم أشياء مذكورة في القرآن روي أسبابها أصحاب السنن وغيرهم وليست في الصحيحين (المحترق) سمى بذلك لانه جاء وهو يقول احترقت احترقت وهو سلمة بن صخر كما أخرجه ابن أبي شيبة وابن الجارود وبه جزم عبد الغنى أو سلمان بن صخر البياضي كما أخرجه ابن عبد البر في التمهيد من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب (تنبيه) قال ابن عبد البراظن تسميته سلمة أو سلمان بن صخر في حديث المحترق وهما وانما هو المظاهر في رمضان انتهى قلت وحديثه مروى في سنن الترمذي بسند حسن أخرجه من طريق يحيي بن أبي كثير حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن يونان ان سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضى رمضان فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلا فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال له رسول الله ﷺ اعتق رقبة فقال لا أجد قال فصم شهرين متتابعين قال لا أستطيع قال اطعم ستين مسكينا قال لا أجد فقال النبي ﷺ لفروة بن عمرو اعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا فأطعم به ستين مسكينا قال الترمذى ويقال سلمان بن صخر وأخرجه أيضا بسند حسن صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس وفيه وما حملك على ذلك يرحمك الله قال رأيت خلخالها في ضوء القمر انتهي قال الحافظ ابن حجر والسبب في ظنهم يعني من سماه سلمة أو سلمان انه المحترق ان ظهاره من امرأته كان في رمضان وجامع ليلا كما هو صريح في حديثه وأما المحترق ففى رواية أبي هريرة أي في صحيح البخاري انه اعرابي وانه جامع نهارا فتغايرا نعم اشتركا في قدر الكفارة وفي الاتيان بالتمر وفي الاعطاء وفي قول كل واحد منهما أعلى أفقر منا والله أعلم (وقصته شبيهة بهذه) قصته انه جاء الي

стр. 309

وسلم عليهما* واعلم ان الظهار محرم في الجملة لقوله تعالى الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ الى قوله مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وقد كان طلاقا في الجاهلية فنقل حكمه وبقي محله واما أحكامه في الاسلام فان من ظاهر من زوجته بان قال أنت على كظهر أمي أو شبه عضوا من أعضائها بعضو من أعضاء أمه أو محارمه الذي لم يطرأ تحريمهن ولم يتبعه بالطلاق من فوره صار عائدا ولزمته الكفارة ولا يحل له وطؤها حتى يكفر هذا مقتضى مذهب الشافعي وفيه خلاف لغيره وتفريعات ليس هذا موضع بسطها والله أعلم [الكلام على صلح الحديبية وصد قريش لرسول الله ومن معه عن مكة] واتفق في هذه السنة من الحوادث العظيمة الشان الفتح المبين بصلح الحديبية وبيعة الرضوان وذلك ما أخبرنا به شيخنا الامام المسند ذو التصانيف العديدة المفيدة أبو الفتح النبى ﷺ فقال يا رسول الله هلكت قال ما أهلكك قال وقعت على أهلى وأنا صائم قال رسول الله ﷺ هل تجد رقبة تعتقها قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد اطعام ستين مسكينا قال لا قال فاجلس قال فبينما نحن على ذلك اذ أتي ﷺ بعرق فيه تمر قال أين السائل قال أنا قال خذ هذا فتصدق به قال على أفقر مني فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا فضحك رسول الله ﷺ ثم قال اطعمه أهلك والعرق الزنبيل أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي وأبو عوانة وزاد في مجيئه وهو ينتف شعره ويدق صدره والدارقطني وزاد وهو يدعو ويله ويحثو على رأسه التراب وفيه جواز هذا الفعل لمن وقعت منه معصية ويفرق بين مصيبة الدنيا والدين لما يشعر به الحال من شدة الندم وصحة الاقلاع ورواه أحمد وزاد وفي العرق خمسة عشر صاعا كلهم عن أبي هريرة (الذين يظاهرون) قرأ عاصم يظاهرون بضم التحتية وتخفيف المعجمة بعدها الف وكسر الهاء وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء والهاء وتشديد الظاء والف والباقون كذلك بغير الف (منكرا) ينكره الشرع (وزورا) كذبا (أو شبه عضوا من اعضائها) كيدها وشعرها ومثله الجزء الشائع كنصفها وربعها (لم يطر أنحريمهن) خرج بذلك نحو صهرة الرجل وربيبته ومرضعته لحلهن له قبل ذلك بخلاف مرضعة نحو أبيه (ولم يتبعه بالطلاق) ولا وقع عقبه ما يقطع النكاح (صار عائدا) هذا تفسير الشافعي رحمه الله تعالى العود في الآية وذلك ان تشبيهها يقتضى أن لا يمسكها زوجة فاذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال وفسره مالك وأحمد بالعزم على الوطء وأبو حنيفة بالوطء وهما قولان في القديم ولزمته الكفارة بالعود وان لم يرد الوطء وليست الكفارة عليه كحرمة خلافا لابى حنيفة حيث يقول بعدم وجوبها بل ان أراد الاستباحة كفر (ولا يحل له وطؤها) ولا الاستمتاع بها بما بين السرة والركبة كالحائض هذا ما قال في المحرر انه الاولى ورجح في المنهاج جواز ما عدا الجماع وهو المحكي عن الأكثرين وظاهر كلام المصنف (العظيمة الشأن) باضافة غير المحضة (الفتح) بالرفع فاعل اتفق (الحديبية) بحاء مضمومة فمهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ثانية مخففة وقيل مشددة اسم لبئر في طريق جدة سميت بشجرة حدباء هناك قال الفاسي يقال انها المعروفة الآن ببئر شميس وقيل هي على ثمانية عشر ميلا من مكة وقيل احد عشر (وببيعة الرضوان) سميت بذلك لقوله تعالى

стр. 310

المدنى اجازة ومناولة من يده سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بروايته لذلك عن جمال الدين ابراهيم بن محمد اللخمي وبرهان الدين ابراهيم بن محمد بن صديق الدمشقى قال انا المسند المعمر أحمد بن أبي طالب الحجار انا أبو عبد الله الزبيدى انا ابو الوقت عبد الاول الصوفي السجزي انا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودى انا أبو محمد عبد الله بن أحمد الحموي قال انا أبو عبد الله الفربري قال انا أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخارى قال حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر أخبرني الزهري قال حدثنا عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى اذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ ان خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فو الله ما شعر بهم خالد حتى اذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش وسار النبي ﷺ حتى اذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل فالحت فقالوا خلأت القصوى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ الآية (أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري) ورواه أبو داود أيضا (معمر) أبو عروة معمر بن أبي بكر راشد النجدانى الازدى قال ابن الانصارى شهد جنازة الحسن البصري مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنين وخمسين عن ثمان وخمسين سنة وقيل مات سنة خمسين ومائة وقيل فقد هو وسلم بن أبي الذيال فلم ير لهما أثر (خرج رسول الله ﷺ كان خروجه يوم الاثنين مستهل ذي القعدة زاد البغوي وساق معه سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن سبعة نفر وبعث عينا له من خزاعة بخبر عن قريش وهذا العين اسمه بسر بضم الموحدة وسكون المهملة ابن سفيان ذكره ابن عبد البر وغيره وكان دليله اليها عمرو بن عبد تميم الاسلمى ذكره العسكري وابن شاهين (حتى اذا كانوا ببعض الطريق) هو محل يسمى غدير الاشطاط بمهملتين جمع شط وهو الشام وشط الوادى أيضا جانبه قال السهيلي وبعضهم يقول فيه الاشظاظ بالظاء المعجمة وهو ماء بقرب عسفان وفيه لقيه عتبة الخزاعى واخبره بجمع قريش له فاستشار الناس فقال أبو بكر يا رسول الله انما جئت عامدا هذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربا فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله (بالغميم) بفتح المعجمة موضع بقرب الجحفة (طليعة) بفتح المهملة وكسر اللام هي مقدم الجيش (فخذوا) بضم الخاء أمر وفتحها خبر حذفت منه الالف (بقترة) بفتح القاف والفوقية والراء الغبار الاسود (بالثنية) هي الطريق المرتفع في الجبل وهي ثنية المرار طريق بالجبل مشرف على الحديبية (حل حل) بفتح المهملة وسكون اللام كلمة تقال للناقة اذا بركت لتسير وهي من أسماء الاصوات (فألحت) بفتح الهمزة واللام والحاء المهملة المشددة أي اصرت (خلأت) بفتح المعجمة واللام اي اعيت حتى مدت خلاءها بالمعجمة والمد وهو للابل كالجران للخيل (القصوى) بفتح

стр. 311

فقال النبي ﷺ ما خلأت القصوى وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسى بيده لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله الا أعطيتهم اياها ثم زجرها فوثبت قال فعدل عنهم حتي نزل باقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكى الى رسول الله ﵌ العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم ان يجعلوه فيه فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينماهم كذلك اذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله ﵌ من أهل تهامة فقال اني تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال القاف وصاد مهملة تمد وتقصر اسم ناقته ﷺ لان طرف اذنها كان مقطوعا والقصو قطع طرف الاذن وقيل لانها كانت لا تسبق كان عندها اقصى الجري (بخلق) أي عادة (حبسها حابس الفيل) زاد ابن اسحاق عن مكة اى حبسها الله عن دخولها كما حبس الفيل عن دخولها وهو فيل ابرهة الذي قصد به البيت ليخربه فحبسه الله عنه (خطة) بضم المعجمة أي خصلة (يعظمون فيها حرمات الله) أي من ترك القتال في الحرم (الا اعطيتهم اياها) أي اجبتهم اليها (فوثبت) اي قامت بسرعة (ثمد) بفتح المثلثة والميم الحفرة فيها الماء القليل لا مادة له وبذلك سميت ثمود (ويتبرضه الناس) بالموحدة وتشديد الراء وضاد معجمة اي يأخذونه قليلا قليلا وقيل التبرض جمع الماء بالكفين (يلبثه الناس) بضم اوله وسكون اللام من الالباث وبفتح اللام من التلبيث أي لم يتركوه يلبث أي يقيم (نزحوه) بالنون فالمعجمة فالمهملة والنزح أخذ الماء شيئا بعد شيء الى ان لا يبقى منه شىء (وشكى) بضم اوله وللبغوي وشكي الناس (فانتزع) أى اخرج (كنانته) بكسر الكاف ونونين اي جعبته (ثم أمرهم أن يجعلوه فيه) وكان الذى نزل في البئر فجعله فيه ناجية بن اعثم اخرجه ابن سعد في الطبقات من طريق ابي مروان قال حدثني أربعة عشر رجلا من الصحابة بذلك وقيل هو ناجية بن جندب وقيل البراء ابن عازب وقيل عباد بن خالد حكى ذلك الواقدي ووقع في الاستيعاب خالد بن عبادة (يجيش) بفتح اوله وكسر الجيم آخره معجمة أي يفور (بالري) بكسر الراء وفتحها (صدروا عنه) أي رجعوا بعد ورودهم (بديل) بموحدة ومهملة مصغر (ورقاء) بالقاف والمد ابن عمرو بن ربيعة الخزاعي اسلم بمر الظهران يوم الفتح وقيل قبله وشهد هو وابنه عبد الله حنينا والطائف وتبوك وكان من كبار مسلمة الفتح ومات في حياة رسول الله ﷺ في نفر من قومه قال في التوشيح سمي منهم عمرو بن سالم وخراش بن أمية وخارجة بن كريز (عيبة) بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة هو موضع سرك وامانتك كعيبة الثياب التي يوضع فيها المتاع (من أهل تهامة) قال في التوشيح لبيان الجنس لان خزاعة كانوا من جملة أهل تهامة وتهامة بكسر المثناة مكة وما حولها أصله من التهم وهو شدة الحرور كود الريح (كعب بن لؤي وعامر بن) لؤى انما اقتصر على ذكرهما لان جميع قريش الذين كانوا بمكة ترجع انسابهم اليهما (أعداد) بفتح الهمزة جمع عد بكسر المهملة وتشديد الدال وهو الماء الذي لا انقطاع له (العوذ) بضم المهملة واسكان الواو ثم معجمة جمع عائذ وهي ذات اللبن من النوق (المطافيل) بفتح الميم والطاء المهملة المخففة أي الامهات التي معها اطفالها معناه انهم خرجوا

стр. 312

صلى الله عليه وآله وسلم إنا لم نجيء لقتال أجد ولكنا جئنا معتمرين وان قريشا قد نهكتهم الحرب واضرب بهم فان شاؤا ماددنهم مدة ويخلوا ما بيني وبين الناس فان اظهر فان شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا والا فقد جموا وان هم أبوا فو الذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتى ولينفذن الله أمره قال بديل فسابلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا قال انا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فان شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشىء وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبى ﵌ فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال أى قوم ألستم بالوالد قالوا بلى قال أولست بالولد قالوا بلى قال فهل أنتم تتهموننى قالوا لا قال ألستم تعلمون اني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا على جئتكم باهلي وولدى ومن أطاعني قالوا بلي فقال فان هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه قالوا إئته فأتاه فجعل يكلم النبي ﵌ معهم بذوات الالبان من الابل ليتزودوا بالبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه من دخول مكة قال في التوشيح وكني بذلك عن النساء معهن الاطفال أي خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لارادة طول المقام (نهكتهم) بفتح النون وكسر الهاء وفتحها اضعفتهم وأثرت فيهم (ماددتهم) أي جعلت بيني وبينهم مدة نترك فيها القتال (فان اظهر فان شاؤا) هذا شرط بعد الشرط وتقديره فان ظهر غيرهم على كفاهم المؤنة وان اظهر انا على غيرهم فان شاؤا اطاعونى والا فلا تنقضي مدة الصلح الا وقد (جموا) بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة أي استراحوا وقووا (على أمري هذا) يريد الاسلام (حتى) اقتل و (تنفرد سالفتي) بمهملة وكسر اللام بعدها فاء أي صفحة عنقي وكني بذلك عن القتل لان القتيل تنفرد مقدمة عنقه (ولينفذن) بضم أوله وفتح النون وكسر الفاء المشددة وسكون النون مع التخفيف أي ليمضين الله أمره في نصر دينه (فقال سفاؤهم) أى ذوو العقول السخيفة منهم قال في التوشيح سمى منهم الحكم بن أبي العاص وعكرمة بن أبي جهل (هات) بكسر التاء كما مر (عروة بن مسعود) الثقفي هو الذي قتله قومه حين اسلم فبلغ النبي ﷺ خبره فقال ان مثله في قومه كمثل صاحب يس وسيذكر المصنف ذلك فيما بعد (الستم بالوالد والست بالولد) هذا هو الصواب لان أم عروة سبيعة بنت عبد شمس منهم ووقع لابي ذر في صحيح البخارى الستم بالولد والست بالوالد وهو خطأ (استنفرت) أى دعوت لنصركم (عكاظ) فيه الصرف وتركه كما مر (بلحوا) بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم حاء مهملة مضمومة أى امتنعوا علي وتباعدوا بي والتبلح التمنع من الاجابة (عرض عليكم) للكشميهنى في صحيح البخارى لكم (خطة) بضم المعجمة أى خصلة كما مر (رشد) أى خير وصلاح وانصاف (آتيه) باثبات الياء على الرفع وحذفها

стр. 313

فقال النبي ﵌ نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت ان استأصلت قومك هل سمعت أحدا من العرب اجتاح أهله قبلك وان تكن الأخرى فانى والله لأرى وجوها وانى لأرى أشوابا من الناس خليقا ان يفرا ويدعوك فقال له أبو بكر الصديق امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه فقال من ذا قالوا أبو بكر فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها لاجبتك قال وجعل يكلم النبى ﵌ فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبى ﵌ ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده الى لحية النبي ﵌ ضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عيله وآله وسلم فرفع رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة قال أي غدر الست أسعى في غدرتك وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال على الجزم جوابا للامر (نحوا) أى قريبا (أستأصلت قومك) أى قطعتهم من أصلهم أراد ان قتلتهم من أصلهم هل لك اسوة في ذلك بأحد قبلك (اجتاح) بجيم وآخره مهملة أهلك (أهله) بالكلية (وان تكن الاخرى) أى وان تكن الغلبة لهم عليه والجزاء محذوف أي فلا آمنهم أن يفعلوا بك فعلا لم يفعله قبلهم أحد من قتل ومثلة ونحوهما وذلك لاني لا أرى لك منعة انما أرى (اشوابا) بتقديم المعجمة هم الاخلاط من أنواع شتى وللكشميهني في صحيح البخاري أوباشا وهم الاخلاط من السفلة والرعاع فهم أخص من الاشواب (خليقا) بفتح المعجمة وكسر اللام وبالقاف أي حقيقا ويراد فهما حري وجدير وقمن (ويدعوك) أى يتركوك (فقال أبو بكر الصديق) غضبا وحمية للمسلمين حيث نسبهم الى الفرار (أمصص) بهمزة وصل ومهملتين الاولى مفتوحة وخطأ ابن التين الفاسي في ضمها (بظر) بفتح الموحدة وسكون المعجمة القطعة التي تبقى بعد الختان في فرج المرأة وقيل ما تقطعه الخافضة (اللات) اسم صنم كانوا يعبدونه وكان هذا شتما قبيحا عند العرب يدور على ألسنتهم (انحن نفر عنه وندعه) استفهام انكار وتعظيم لذلك (يد) أى نعمة (لم اجزك) لم اكافك بها (لاجبتك) أي ولكن سأجعل صبرى على ما اسمعتني من القبيح مكافأة ليدك (والمغيرة) بضم الميم وحكي كسرها (ابن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبو عبد الله اسلم عام الخندق وشهد الحديبية ومات بالكوفة وهو أميرها سنة خمسين وهو ابن اخي عروة بن مسعود (بنعل السيف) بالنون المهملة وهو ما يكون أسفل القراب من فضة وغيرها (أي غدر) بوزن عمر معدول عن غادر وهو بناء للمبالغة في الوصف بالغدر (الست اسعى في غدرتك) أي في دفع شرها ولابن اسحاق وهل غسلت سوءتك الا بالامس (وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية) الى آخره كان ذلك ان المغيرة توجه مع نفر من بني مالك من ثقيف ايضا الى المقوقس فاعطاهم ولم يعط المغيرة فلما رجعوا جلسوا في موضع فشربوا وسكروا وامتنع المغيرة من الشرب معهم فقام المغيرة بعد ان ناموا

стр. 314

النبي ﵌ أما الاسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ثم ان عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﵌ بعينيه قال فو الله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده واذا أمرهم ابتدروا أمره واذا توضأ كادوا يقنتلون على وضوئه واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ما يحدون النظر اليه تعظيما له فرجع عروة الى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ما رأيت ملكا قط يعظمه اصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله ان تنخم نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده واذا أمرهم ابتدروا امره واذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه واذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده وما يحدون النظر اليه تعظيما له وانه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعونى آتيه فقالوا أئته فلما أشرف على النبى ﵌ وأصحابه قال رسول الله صلى فقتلهم كلهم وأخذ ما معهم وكانوا ثلاثة عشر رجلا فتحمل عروة ثلاث عشرة دية ذكر ذلك الواقدي وروى عبد الرزاق عن معمر قال سمعت انه لم ينج منهم الا الشريد بن سويد فلذلك سمى الشريد وكان قبل ذلك اسمه مالك (أما الاسلام فاقبل) مضارع أى أقبله (فلست منه في شيء) أى لا أتعرض له لكونه أخذ غدرا (يرمق) بضم الميم يلحظ (نخامة) هي البصقة من أقصى الحلق (الا وقعت في كف رجل منهم) أى لمبادرتهم الى تلقفها فيه التبرك ببصاق أهل الفضل ومسارعة الى الخيرات (أمره) أي الشيء الذي أمرهم بفعله أولا (كادوا) قربوا (على وضوئه) بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به يعنى لمسابقتهم الى احضاره أو لمزاحمتهم على فضل وضوئه للتبرك به (يحدون) بضم أوله وكسر المهملة أي ما يدعون النظر اليه ولا يملؤن أعينهم منه هيبة واجلالا (ان رأيت) أي ما رأيت (رجل من بني كنانة) لم يسم وما في فتح البارى عن الزبير بن بكار وتبعه في التوشيح انه الحليس بمهملتين مصغر ابن وهم فالحليس انما أرسل بعد الرجل الذي من بني كنانة كما في تفسير البغوي وغيره وفيه ان الحليس كان سيد الاحابيش يومئذ وانه لما جاء قال رسول الله ﷺ هذا من قوم يتألهون وقال في الرجل من بني كنانة هذا من قوم يعظمون البدن وفيه ان الحليس رجع الى قريش ولم يصل الى رسول الله ﷺ اعظاما لما رأى فقال يا معشر قريش انى قد رأيت مالا يحل صده الهدى في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله فقالوا له اجلس انما أنت رجل اعرابي لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك فقال يا معشر قريش ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم ان تصدوا عن البيت الحرام من جاء معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وأصحابه وبين ما جاء له أولا نفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد فقالوا له كف عنا

стр. 315

الله عليه وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع الى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعونى آتيه فقالوا ائته فلما أشرف عليهم قال النبى ﵌ هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي ﵌ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر فأخبرنى أيوب عن عكرمة انه لما جاء سهيل قال النبي ﷺ قد سهل الله لكم من أمركم قال معمر قال الزهري في حديثه وجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا النبى ﷺ الكاتب قال النبي ﷺ أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فو الله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون والله ما تكتبها الا بسم الله الرحمن الرحيم قال النبي ﷺ أكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ قال سهيل والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ والله اني لرسول الله وان كذبتمونى أكتب محمد بن عبد الله قال الزهري يا حليس حتى نأخذ لانفسنا ما نرضي به (فابعثوها) أى انثروها دفعة واحدة (مكرز) بكسر الميم مع كسر الراء وفتحها وسكون الكاف آخره زاى (فاجر) هو المائل عن الحق المكذب به وكل انتصاب في شر فجور (سهيل) بضم السين (ابن عمرو) بن عبد شمس بن عبدود العامري أخو السكران بن عمرو زوج سودة قبل رسول الله ﷺ كما مر أسلم سهيل يوم الفتح واستشهد يوم اليرموك وقتل يوم الظفر وقيل مات في طاعون عمواس (قد سهل عليكم من أمركم) فيه التفاؤل بالاسم الحسن (الكاتب) هو كما في صحيح مسلم وتفسير البغوى وغيره فدعا رسول الله ﷺ على بن أبي طالب (اكتب باسمك اللهم) هى كلمة كانت تقولها قريش وذكر المسعودى ان أوّل من قالها أمية بن أبي الصلت تعلما من رجل من الجن في خبر طويل (قاضي) فاعل من قضيت الشيء اذا فصلت الحكم فيه (ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك) ولابن اسحاق من طريق البراء ما منعناك شيئا (اكتب محمد بن عبد الله) ولابن اسحاق ثم قال لعلي امح رسول الله قال لا أمحوك أبدا قال فأرنى اياه فمحاه النبى ﷺ بيده وكذا رواه مسلم من طريق البراء كما ذكره المصنف فيما بعد وفي رواية لابن اسحاق أيضا فأخذ رسول الله ﷺ وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ولمسلم كتب ابن عبد الله قال في الديباج قيل معناه أمر

стр. 316

وذلك لقوله لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله الا أعطيتهم إياها فقال له النبى ﷺ على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تتحدث العرب انا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام القابل فقال سهيل وعلى أنه لا يأتيك رجل منا وان كان على دينك الا رددته الينا فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد الى المشركين وقد جاء مسلما فبينماهم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أوّل ما أقاضيك عليه ان ترده الىّ فقال النبى ﷺ انا لم نقض الكتاب بعد قال فو الله اذا لا أصالحك على شيء أبدا قال النبي ﷺ فأجزه لي قال ما أنا بمجيز ذلك لك قال بلى فافعل قال ما أنا بفاعل قال مكرز بلى قد أجزناه لك قال ابو جندل أي معشر المسلمين أرد الى المشركين وقد أتيت مسلما الا ترون ما قد لقيت وقد كان عذب عذابا شديدا في بالكتابة وقيل هو على ظاهره قلت لا ينافيه قوله ﷺ انا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الحديث اذ لا يبعد ان تجرى يد القدرة يده الكريمة بما شاء الله من غير قصد الى الكتابة ويكون ذلك معجزة اذ هو خرق عادة في حقه وقد قال تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما ينبغى له ومع ذلك كان ربما جري على لسانه اللفظ متزنا نحو (أنا النبي لا كذب* أنا ابن عبد المطلب) فائدة قال الجوزي في بعض مصنفاته كان رسول الله ﷺ لا يكتب ولو أراد لقدر ولكن أخذ القلم وأراد ان يكتب باسم الله فوقع ظل يده على اسم الله ﵎ فقال لا أكتب حتى لا يقع ظل يدي على اسم الله فقال الله تعالى يا محمد لاحترامك اسمى رفعت ظلك عن الارض حتى غلب نورك نور الشمس مكافأة لما فعلت (على أن تخلوا بيننا وبين البيت) وذكر بعده ان اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض كما في كتب السير (يتحدث) بالفوقية والتحتية (ضغطة) بضم الضاد وسكون الغين المعجمة ثم طاء مهملة أي قهرا (سبحان الله) تعجبا من فعله ﷺ وفي رواية ابن اسحاق أتكتب هذا قال نعم انه من ذهب منا اليهم فابعده الله ومن جاء منهم الينا سيجعل الله له فرجا ومخرجا (أبو جندل) اسمه العاص وقيل عبد الله وجندل بالجيم والنون بوزن جعفر (يرسف) بفتح أوله وضم السين المهملة وفاء أي يمشى مشيا بطيئا بسبب القيد (بعد) بالضم (اذا لا أصالحك) بالفتح (فاجزه) بالجيم والزاي أمر من الاجازة أي اجعله لى جائزا وروي بالراء بدل الزاى أى اجعله في جوارى وحمايتى (بلي فافعل) كذا للكشميهني في البخاري ولغيره بل (أرد إلى المشركين الى آخره) زاد ابن اسحاق وغيره فقال له رسول الله ﷺ يا أبا جندل احتسب فان الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا انا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وانا لا نغدر فوثب عمر يمشى الى جنب أبي جندل ويقول اصبر فانما هم المشركون ودم أحدهم دم كلب ويدني

стр. 317

الله فقال عمر بن الخطاب فأتيت نبي الله ﷺ فقلت ألست نبى الله حقا قال بلى قال ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا اذا قال انى رسول الله ولست اعصيه وهو ناصري قلت اوليس كنت تحدثنا انا سنأتي البيت ونطوف به قال بلى أفأخبرتك انا نأتيه العام قلت لا قال فانك آتيه ومطوف به قال فأتيت ابا بكر فقلت يا ابا بكر اليس هذا نبى الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا اذا قال يا ايها الرجل انه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فو الله انه على الحق قلت أليس كان يحدثنا انا سنأتى البيت فنطوف به قال بلى قال فأخبرك انك تأتيه العام قلت لا قال فانك آتيه ومطوف به قال الزهري قال عمر فعملت لذلك أعمالا كثيرة فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﵌ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا قال قائم السيف منه أراده ان يأخذه ويضرب به أباه فضن الرجل بأبيه (الست نبي الله حقا) زاد البغوي قال عمر ما شككت منذ أسلمت الا يومئذ (الدنية) بفتح المهملة وكسر النون وتشديد التحتية أى القضية الدنية التى لا يرضى بها (أو ليس) بفتح الواو (بغرزه) بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها زاي وهو للابل بمنزلة الركاب للفرس والمراد التمسك بامره وترك مخالفته كالمتمسك بركاب الفارس لا يفارقه (فائدة) في مواطأة جواب سيدنا أبي بكر رضى الله عنه جواب سيدنا رسول الله ﷺ سر عظيم هو أن مقام الصديقين أقرب المقامات الى النبوة فما يفضيه الله الى الانبياء من بحر الاسرار يستاثر الصديقون بالعزيز منه قال العلماء هذا من أوضح الادلة على ان أهل الالهام يخطؤن ويصيبون فلا بد من عرض ما وقع في قلوبهم على الكتاب والسنة كما يخطيء أهل الاجتهاد ويصيبون هذا سيدنا أمير المؤمنين عمر أخطأ في أماكن كهذا الموطن وفي وفاة النبي ﷺ وهو المشهود له بقوله ﷺ ما لقيك الشيطان سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك وبقوله لقد كان فيمن قبلكم من الامم محدثون أى ملهمون فان يك في أمتى فانه عمر رواهما الشيخان وفي رواية لقد كان فيمن قبلكم رجال يتكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فان يك في أمتي أحد فعمر ولهذا يوافق الوحى كثيرا قال عمر فعجبت من مطابقة كلام أبي بكر لكلام النبي ﷺ فأشار إلى أن مقام الهام الصديقة فوق مقام أهل الالهام (فعملت لذلك أعمالا) أى صالحة من صدقة وصوم وصلاة وعتق ليكفر عنى جراءتي على رسول الله ﷺ كما صرح في رواية ابن اسحاق والواقدى لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا (فلما فرغ من قضية الكتاب) أشهد عليه رجال من المسلمين ورجال من المشركين كما في سيرة ابن اسحاق منهم أبو بكر وعمر وعلى وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي

стр. 318

فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس فقالت له ام سلمة يا نبي الله اتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا بحالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا ونحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ الآية حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر امرأتين كانتا في الشرك فتزوج احداهما معاوية ابن أبى سفيان والاخرى صفوان بن أمية ثم رجع رسول الله ﷺ الى المدينة وقاص ومحمود بن مسلمة وعبد الله بن سهل ومكرز بن حفص وهو مشرك (فو الله ما قام منهم رجل) واحد سبب ذلك انهم رجوا ان يحدث الله لرسوله ﷺ في ذلك أمر اخلاف ما اشار به فيتم له النسك فلما رأوا انه نحر وحلق علموا ان لا غاية وراء ذلك تنتظر فبادروا الي الاتباع (فذكر لها ما لقي من الناس) فيه مشاورة النساء وقبول قولهن اذا أصبن (فقالت أم سلمة يا نبي الله الى آخره) قال الزركشي قال الامام في النهاية ما أشارت امرأة بصواب الا أم سلمة في هذه القصة (ودعا حالقه فحلقه) هو خراش بالمعجمة أوله وآخره بن أمية بن ربيعة الكليبي بضم الكاف قال ابن عبد البر منسوب الى كليب بن حبيبة وفي صحيح البخاري وغيره حلق النبي ﷺ وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم وفي طبقات ابن سعد من حديث أبي سعيد ان الصحابة حلقوا الا ابا قتادة وعثمان ﵃ (يقتل بعضا غما) اي ازدحاما (ثم جاء) في أثناء المدة (نسوة) سمي منهم اميمة بنت بشر وأم الحكم بنت أبي سفيان وسروع بنت عقبة وعبدة بنت عبد العزى وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وسبيعة بالتصغير بنت الحارث الاسلمية وكان مجيئها عقب الفراغ من الكتاب قال البغوي فاقبل زوجها مسافر من بني مخزوم وقال مقاتل هو صيفى بن الراهب في طلبها وكان كافرا فقال يا محمد ارجع على امرأتى فانك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد (فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ) من دار الكفر الى دار الاسلام (فامتحنوهن) أي استحلفوهن ما خرجن لبغض زوج ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا رغبة عن أرض الى أرض ولا بحدث احدثنه ولا لالتماس دنيا ولا خرجن الا رغبة في الاسلام وحبا لله ولرسوله قاله ابن عباس (فطلق عمر يومئذ امرأتين) احداهما قريبة بضم القاف بنت أبي أمية بن المغيرة وهى التي تزوجها معاوية والاخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبيد الله بن عمر وهي التي تزوجها صفوان وفي تفسير البغوي في سورة الممتحنة وبعض روايات البخاري ان الذي تزوجها أبو جهم فلعل أحدهما تزوجها ثم طلقها فتزوجها الآخر (ثم رجع النبي ﷺ الى المدينة) وذلك في المحرم واتفق له في رجوعه انه سحر في بئر ذى أروان وهى بئر في بنى

стр. 319

فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا العهد الذى جعلت لنا فدفعه الى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من ثمر لهم فقال أبو بصير لاحد الرجلين والله انى لارى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل والله انه لجيد فقد جربت به ثم جربت به قال أبو بصير أرنى أنظر اليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﵌ حين رآه لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى الى النبى ﷺ قال قتل والله صاحبي واني لمقتول فجاء ابو بصير فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك فقد رددتني اليهم ثم أنجانى الله منهم قال النبي ﷺ ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف انه سيرده اليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وينفلت منهم ابو جندل فلحق بأبى بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم الا لحق زريق سحره لبيد بن الاعصم اليهودي ذكر ذلك ابن سعد بسند مرسل وقصة السحر مشهورة في الصحيحين وغيرهما (أبو بصير) بفتح الموحدة وكسر المهملة اسمه عبيد وقيل عتبة بن أسد بن حارثة قال ابن عبد البر قرشي وقيل ثقفي وقيل زهري حليف لهم (رجلين) هما جحيش بن جابر من بني عامر بن لؤي سماه موسى بن عقبة وغيره وهو المقتول كما جزم به البلاذري وابن سعد لكن قالا خنيس بن جابر والآخر مولى له اسمه كريز وهو الذي رجع الى المدينة وقيل اسمه مرثد بن حمران والذى كتب فيه أزهر بن عبد عوف والاخنس بن شريق كما رواه بن سعد وغيره (العهد) بالرفع والنصب (الذى جعلت لنا) زاد البغوى فقال رسول الله ﷺ يا أبا بصير انا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح في ديننا الغدر وان الله جاعل لك ولمن معك من المؤمنين المستضعفين فرجا ومخرجا (فاستله) أى اخرجه من غمده (فأمكنه منه) كذا للكشميهني وتفرد به (برد) بفتح الراء جمدت حواسه كناية عن الموت لان الميت تسكن حركته وأصل البرد السكون (ذعرا) بضم المعجمة أى خوفا (فجاء أبو بصير) زاد البغوي متوشحا السيف (ويل امه) بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة كلمة تقال للمدح ولا يقصد معنى ما فيها من الذم (مسعر حرب) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة منصوب على التمييز وأصله من سعر الحرب يسعرها كأنه يصفه بالاقدام في الحرب والتسعير لنارها (لو كان له أحد) ان ينصره ويعضده (سيف البحر) بكسر المهملة وسكون التحتية وفاء ساحله وكان نزوله بمكان يسمى العيص قريب من بلاد بنى تميم وروى معمر عن الزهرى أن أبا بصير كان يصلي باصحابه هناك حتى جاءهم أبو جندل فقدموه لانه قرشى (وينفلت) عبر بصيغة المستقبل اشارة الى ارادة مشاهدة الحال وفي تفسير البغوى وغيره

стр. 320

بابي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش الى الشام الا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش الى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما ارسل اليهم فمن أتى منهم فهو آمن فأرسل النبي ﷺ اليهم فأنزل الله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ حتى بلغ حمية الجاهلية وكانت حميتهم انهم لم يقروا انه نبي الله ولم يقروا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وحالوا بينه وبين البيت انتهى ما رواه البخاري عن المسور بن مخرمة ومرار بن الحكم من طريق شيخه ومولاه عبد الله بن محمد المسندي ورواه عنهما من طرق أخر وهذه أتمها وأوعبها وصرح في طريق يحيى بن بكير بأنهما أخبرا بذلك عن أصحاب رسول الله ﵌* وروي مسلم أطرافا منه وصرح بسبب نزول الآية السابقة وهو ما روي عن أنس ان ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي ﵌ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة رسول الله ﵌ وأصحابه فأخذهم سلما فاستحياهم فأنزل الله تعالى فانفلت بصيغة الماضى (عصابة) جماعة وفي مغازي عروة انهم بلغوا سبعين وفي الروض الانف فلم يزل اصحابه يعنى أبا بصير يكثرون حتى بلغوا ثلثمائة (بعير) أى بخبر عير بكسر المهملة أى قافلة (فأرسلت قريش الى رسول الله ﷺ قال السهيلى فكتب رسول الله ﷺ اليهم كتابا فورد وأبو بصير في الموت فأعطى الكتاب فجعل يقرأه ويسر به حتى قبض والكتاب على صدره فبني عليه هناك مسجد (لما) بفتح اللام وتخفيف الميم (المسندى) بضم الميم وفتح النون وبالنسبة قال في القاموس نسب كذلك لتتبعه المسانيد دون المراسيل (وروي مسلم اطرافا منه) جمع طرف وفيه انهم جاؤا وعلى البئر خمسون شاة لا ترويها فقعد ﷺ ملاصقا الركية فاما دعا واما بصق فيها فجاشت فسقينا واستقينا ولا ينافيه ما مر انه انتزع سهما من كنانته فغرزه ولا ما في رواية للبخارى عن البراء انه دعا باناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها الى آخره لامكان انه فعل ذلك كله في مرة أو مرات (ان ثمانين رجلا) وله من طريق سلمة وجاء عمير عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده الى رسول الله ﷺ على فرس محفف في سبعين من المشركين وللبغوى عن عبد الله بن مغفل فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبى الله فأخذ الله بأبصارهم فقمنا اليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله ﷺ جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أمانا قالوا اللهم لا فخلي سبيلهم فأنزل الله الآية (التنعيم) هو المعروف الآن بمسجد عائشة بينه وبين مكة ثلاثة أميال وقيل أربعة سمي بذلك لان على يمينه جبلا يقال له نعيم وعن يساره آخر يقال له ناعم والوادى نعمان (غرة رسول الله ﷺ بكسر المعجمة وتشديد الراء أي غفلته (فأخذهم سلما) بفتح المهملة واللام وبسكون اللام مع كسر العين وفتحها أى بغير
следующие страницы →