والله أعلم ويستفاد من حديث عائشة هذا بعد المقصود الاكبر وهو التيمم جواز عارية الخلي وغيره والمسافرة به باذن المعير في ذلك لان في احدى رواياته ان العقد كان لاسماء اعارته عائشة وفيه الاعتناء بحفظ حقوق الناس وان قلت ولحق مشقة في حفظها وفيه تأديب الرجل ابنته وان كانت كبيرة مزوجة خارجة عن بيته واعلم ان التيمم مما خصت به هذه الامة توسعة عليها وشرفا لها لشرف نبيها قال ﷺ فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الارض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا* اما احكام التيمم فانه يجزى عن كل حدث وشرائطه خمس وجود العذر من سفر أو مرض ودخول الوقت وطلب الماء أو تعذر استعماله
آية المائدة كما في بعض روايات البخارى (فضلنا على الناس بثلث الى آخره) رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث حذيفة (جعلت صفوفنا) في الصلاة وفي الحرب (كصفوف الملائكة) عند ربها (وجعلت لنا الارض كلها مسجدا) نصلي فيه حيث نشاء ولا تتعين علينا المساجد لصحة الصلاة كما كانت على بني اسرائيل (وجعلت تربتها) أى ترابها (لنا طهورا) اذا لم نجد الماء كما في صحيح مسلم قال النووى قال العلماء المذكور هنا خصلتان لان قضية الارض في كونها مسجدا وطهورا خصلة واحدة وأما الثالثة فمحذوفة هنا ذكرها النسائي وأحمد فقال أوتيت الآيات خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبى قبلى (يجزي) بفتح أوله بلا همز من جزي أى كفى وبضم أوله مع الهمز من أجزأ (عن كل حدث) أصغر أو أكبر وعن الاطهار المسنونة أيضا (من سفر) أى من فقد ماء فعبر بالسفر لان الفقد يكون فيه غالبا وشرطه ان لا يكون معصية والا تيمم وقضي والفقد الشرعى كان وجد ماء مسبل للشرب كالحسي (أو مرض) ولو حضرا لقوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أي وخفتم من استعمال الماء محذورا فَتَيَمَّمُوا بقرينة تفسير ابن عباس المرض بالجرح والجدري ونحوهما فيتيمم مريض خاف من استعمال الماء على نفس أو عضو أو منفعته أو خوف مرض مخوف أو زيادة فيه أو في مدته أو حصول شين فاحش في عضو ظاهر ولو باخبار طبيب مقبول الرواية كعبد وامرأة أو عرف ذلك من نفسه والاتيمم وقضى كما جزم به البغوى فى فتاويه وأيد بنص الشافعى ان المضطر اذا خاف من الطعام المحضر اليه انه مسموم جاز له تركه والانتقال الى الميتة فما جزم به النووي في التحقيق ونقله في الروضة عن أبي على السخي وأقره غير معتمد (ودخول الوقت) يقينا للصلاة ولو نافلة فهو قبل دخول الوقت باطل لانه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت فلا تيمم للصلاة على ميت الا بعد طهره ولا لصلاة الاستسقاء الا بعد تجمع المصلين أو معظمهم ولا لفائتة الا بعد تذكرها لان ذلك وقتها كما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس (وطلب الماء) لقوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ولا يقال لم يجد الا بعد الطلب ويشترط كون الطلب في الوقت يقينا أيضا وطلب نائبه كطلبه وكيفية الطلب مستوفاة في كتب الفقه (أو تعذر استعماله) بان حال بينه وبينه نحو سبع أو كان
стр. 247
والتراب الطاهر وفرائضه اربع نية الفرض ومسح الوجه واليدين الى المرفقين بضربتين فصاعدا والترتيب وسننه التسمية وتقديم اليمنى على اليسرى والموالاة ويبطله ما يبطل الوضوء ووجود الماء ثم عطشان محترم (والتراب الطاهر) فلا يجوز التيمم بغير التراب ولا به وقد خالطه نحو دقيق وان قل ولا به نجسا لقوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أى اقصدوا ترابا طاهرا ولا به مستعملا قياسا على الماء ولا بما لا غبار له كرمل أو فيه غبار ولكن الرمل يلصق بالمحل وعده التراب شرطا كما صنعه الرافعى أحسن مما في أصل الروضة من عده ركنا اذلو حسن عد التراب ركنا في التيمم لحسن عد الماء ركنا في الطهر به (وفرائضه) أي أركانه (أربعة) على ما قاله المصنف وذلك لانه حذف النقل وهو معدود من الاركان لان الآية أمرت بالتيمم وهو القصد والنقل طريقه (نية الفرض) لقوله ﷺ انما الاعمال بالنيات الحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر وأبو نعيم والدار قطنى عن أبي سعيد وابن عساكر عن أنس والعطار عن أبى هريرة ويجب قرنها بالنقل لانه أوّل الاركان واستصحابها ذكرا الي مسح شئ من الوجه ولا يجزي الابنية الاستباحة لانية التيمم ولا فرضه أو فرض الطهر أو التيمم المفروض لانه طهارة ضرورة فلا يصلح مقصدا وبهذا فارق الوضوء نعم تكفيه نية التيمم بدلا عن طهر مسنون (ومسح الوجه واليدين الى) أي مع (المرفقين) لقوله تعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ويجب كونه (بضربتين) لخبر الحاكم والطبرانى عن ابن عمر التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين الي المرفقين وهذا الحديث وان صح وقفه على ابن عمر فقد روى أبو داود انه ﷺ تيمم بضربتين لكن قال في المجموع ان هذا الحديث فيه راو ليس بالقوى عند أكثر المحدثين ومع هذا صحح وجوبهما وقال انه المعروف من المذهب وصحح الرافعي الاكتفاء بضربة واحدة لحديث عمار لما أجنب وتمرغ في التراب لعدم الماء قال له ﷺ انما كان يكفيك ان تقول بيدك هكذا ثم ضرب بيديه الارض ضربة واحدة ثم نفضهما ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه رواه الشيخان وجواب النووى عنه بان المراد بيان صورة الضرب للتعليم لا بيان جميع ما يحصل به التيمم لا يخفى ضعفه كما قال الزركشى (فصاعدا) منصوب على الحال وظاهره عدم كراهة الزيادة على الضربتين وليس مرادا نعم ان لم تكفيا فالزيادة واجبة (والترتيب) كالوضوء وان كان حدثه أكبر وان تمعك بخلاف الغسل منه لان البدن فيه واحد فهو كعضو في الوضوء وأما الوجه واليدان في التيمم فمختلفان (وسننه التسمية) ولوجنبا (وتقدم اليمنى على اليسري) وأعلى الوجه كالوضوء وان اقتضت عبارة الجمهور انه لا استحباب في البداءة بشيء من الوجه دون شيء (والموالاة) بين المسحين بتقدير التراب ماء وبينه وبين الصلاة خروجا من خلاف من أوجبه ومن السنن الاتيان في مسح اليدين بالكيفية المشهورة وامرار التراب على كل العضو وتخفيف التراب والسواك والذكر المأثور بعده وصلاة ركعتين عقبه وكل سنة من سنن الوضوء تتأتي هنا (ويبطله ما أبطل الوضوء) .
وهو الخارج من السبيلين وزوال العقل واللمس بشرطه والمس بشرطه (ووجود الماء) أو توهمه وان لم
стр. 248
فى غير الصلاة وصاحب الجبائر يمسح عليها ولا يعيد ان كان وضعها على طهر ولا يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة ويتنفل ما شاء والله اعلم وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وسيأتى كيفية تيممه ﵌ وما اختاره المحدثون من ذلك في قسم الشمائل إن شاء الله تعالى والله ولى التوفيق*
[الكلام على حديث الإفك وخبر ذلك]
وفي هذه الغزوة جرى حديث الافك* وقد اتفق على تخريجه الشيخان وألفاظهم فيه متقاربة وقد كفاناها ابو عبد الله الحميدى في الجمع بين الصحيحين له فرواه عنهما من حديث الزهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن أبى وقاص الليثي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من حديث عائشة زوج النبي ﵌ يكف بلا مانع كسبع وعطش محترم (في غير الصلاة) أي قبل الدخول فيها بخلافه بعده كما لو شرع المكفر في الصوم ثم وجد الرقبة نعم يسن قطعها ليتوضأ خروجا من خلاف من أوجبه (ويحرم ان ضاق الوقت) فلا يبطل حتي يسلم وله تسليم الثانية معا نعم ان وجب قضاء فرضها كأن تيمم بمحل يغلب فيه وجود الماء بطل التيمم برؤية الماء أو توهمه بشرط ولو بعد الدخول فيها ومن مبطلات التيمم الردة ودخول الوقت كما في المجموعة (وصاحب الجبائر) جمع جبيرة وهى أخشاب تربط على الكسر والاختلاع ومثلها اللصوق بفتح اللام وهو ما على الجرح من نحو خرقة يجب عليه نزعها الا ان يخاف منه ما مر فحينئذ (يمسح عليها) كلها بالماء أبدا بعد غسل ما تحت أطرافها من صحيح ببل خرقة وعصرها وقت غسل العضو ويتيمم أيضا وقت غسل الوضوء ليكون التيمم بدلا عن غسل العليل ومسح الساتر بدلا عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح ثم ان كان الساتر بمحل التيمم وهو الوجه واليدان وجبت الاعادة مطلقا لنقصان البدل والمبدل وان كان في غيره أعاد إن وضعها على حدث (ولا يعيد ان كان وضعها على طهر) لعدم أمر المستحوج بها (ولا يصلى بتيمم واحد أكثر من فريضة) مكتوبة أو طواف أو منذورة لقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الى قوله فَتَيَمَّمُوا فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة فخرج الوضوء بدليل فبقى التيمم على مقتضاه ولانه طهارة ضرورة فيتقدر بقدرها (ويتنفل) مع الفريضة وبدونها (ما شاء) لان النفل يكثر فتشتد المشقة باعادة التيمم لها فخفف أمرها (تنبيه) خطبة الجمعة كالفرض لوجوبها واشتراط الطهارة لها وصلاة الجنازة وان تعينت كالنفل لانها كهو في جواز الترك في الجملة وانما وجب القيام فيها لانه قوامها لعدم ركوع وسجود فيها فتركه يمحو صورتها* وفي هذه الغزوة (الافك) بكسر الهمزة واسكان الفاء على المشهور وهو الكذب وقيل أسوأه (وقد اتفق على تخريجه الشيخان) وأبو داود والترمذي والنسائى (الحميدي) مصغر (ابن المسيب) بفتح الياء وكسرها كما مر ومران من عداه بالفتح لا غير (وعلقمة بن أبي وقاص) قال ابن عبد البر وغيره ولد على عهد رسول الله ﷺ وقيل انه شهد الخندق فهو مختلف في صحبته ومات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان (وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) هو الاعمى الفقيه أحد فقهاء المدينة السبعة ومعلم عمر بن عبد العزيز
стр. 249
حين قال لها أهل الافك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا قال الزهري وكلهم حدثنى طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذى حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا قالوا قالت عائشة كان النبى ﵌ اذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه قالت فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج فيها سهمى فخرجت معه بعد ان أنزل الحجاب فأنا احمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى اذا فرغ رسول الله ﵌ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأنى أقبلت الى الرحل فلمست صدرى فاذا عقد لى من جزع أظفار صغار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدى فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى فاحتملوا هو دجى فرحلوه على بعيرى الذى كنت أركب وهم يحسبون أنى فيه وكان وكان من بحور العلم مات سنة سبع وتسعين (أوعى) أي أحفظ (وأثبت له اقتصاصا) أي أحسن ايرادا (هودجى) بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة آخره جيم محمل عليه قبة تستر بنحو الثياب يركب فيه النساء (آذن) بالمد مع التخفيف وبالقصر مع التشديد أي أعلم (فلمست) بفتح الميم (عقد لى) ولمسلم عقدى وهو القلادة ونحوها (تنبيه) مر سقوط العقد في قصة التيمم ومر عن ابن سعد وابن حبان وابن عبد البر انها في هذه الغزوة أيضا فان صح ذلك حمل على انه سقط منها مرتين في تلك السفرة قاله ابن حجر قال في التوشيح والصواب تأخر قصة التيمم عن قصة الافك لما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الافك ما قالوا خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدى حتى حبس الناس على التماسه فقال لى أبو بكر أى بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس فأنزل الله الرخصة في التيمم قال ابن حبيب سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق وقد اختلف في أيهما كانت أوّل (من جزع) بفتح الجيم وسكون الزاى ومهملة خرز فيه سواد وبياض وهو مفرد وقيل جمع جزعة بالفتح (اظفار) بفتح الهمزة واسكان المعجمة كذا للبخارى في التفسير ولمسلم والبخارى في الشهادات عند الكشميهني ظفار بفتح المعجمة وكسر الراء بلا تنوين قال في التوشيح وهو المعروف في اللغة فان ظفار مدينة باليمن ينسب اليها الجزع فان ثبتت رواية اظفار بالالف فلعله كان من الظفر أحد أنواع القسط (وأقبل الرهط) هم الجماعة دون العشرة سمى منهم عند الواقدى أبو موهوبة مولى رسول الله ﷺ وكان رجلا صالحا قال ابن حجر وذكره البلاذرى فقال أبو مويهبة (يرحلون) بالتخفيف فقط في رواية مسلم وبه وبالتشديد في رواية البخارى وكذا قوله فرحلوه أى شدوا عليه الرحل (بي) هكذا في بعض نسخ مسلم وفي أكثرها لى قال النووى
стр. 250
النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ومنهم من قال لم يهبلن ولم يغشهن اللحم انما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوا ثقل الهودج ومنهم من قال خفة الهودج فاحتملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد ومنهم من قال فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلى الذى كنت به وظننت أنهم سيفقدونى ويرجعون الى فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد انسان نائم فأتانى فعرفنى حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهى بجلبابى وو الله ما يكلمنى بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وهوى حتى اناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها فانطلق يقود واللام أجود (لم يثقلن) بمعنى (لم يهبلن) ضبط بضم التحتية وفتح الهاء والموحدة المشددة أي يثقلن باللحم والشحم وبفتح التحتية والباء الموحدة وسكون الهاء وبفتح التحتية وضم الموحدة وسكون الهاء قال النووي ويجوز ضم أوله واسكان الهاء وكسر الموحدة (العلقة) بضم المهملة واسكان اللام وقاف أي القليل وهو البلغة أيضا (فلم يستنكر القوم خفة الهودج وثقل الهودج) الاول ما في صحيح البخارى في التفسير والثاني ما فيه في الشهادات قال في التوشيح وموردهما واحد والذي هنا في التفسير أوضح (حديثة السن) كان لها ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة على الخلاف في غزوة بنى المصطلق هل هي سنة أربع أو خمس من الهجرة (فبعثوا) أثاروا (فتيممت) وللبخارى في رواية فاممت مخفف ومشدد وكلها بمعنى قصدت (ابن المعطل) بفتح الطاء المهملة المشدة بلا خلاف قال النووي كذا ضبطه أبو هلال العسكرى والقاضي في المشارق ابن ربيعة بن خزاعى بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن نهبة بن سليم (عرس) بتشديد الراء والتعريس النزول آخر الليل في السفر لنوم أو استراحة هذا هو المشهور وقيل التعريس النزول أى وقت كان قال السهيلي وكان صفوان على الساقة يلتقط ما يسقط من متاع الجيش ليرده اليهم قال وقد روي في تخلفه سبب آخر وهو انه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس قال ويشهد لصحة هذا حديث أبي داود ان امرأة صفوان اشتكت به الى رسول الله ﷺ وذكرت أشياء منها انه لا يصلى الصبح فقال صفوان يا رسول الله انى امرؤ ثقيل الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمس فقال النبي ﷺ فاذا استيقظت فصل قال وقد ضعف البزار حديث أبي داود هذا في مسنده انتهي (فادلج) بتشديد الدال مع الوصل والاد لاج سير آخر الليل وبقطعها مع سكون الدال سير أوّل الليل (سواد انسان) أي شخصه (فاستيقظت) أي انتبهت (باسترجاعه) أي بقوله إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (فخمرت وجهي) أي غطيته (ما يكلمني) عبرت بالمستقبل لارادة الاستمرار (حتى أناخ) للكشميهني حين
стр. 251
بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين وفي رواية صالح بن كيسان وغيره موغرين في نحر الظهيرة قالت فهلك من هلك في شأنى وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فأشتكيت بها شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الافك ولا أشعر وهو يريبني في وجعي اني لا أرى من النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكى انما يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم ثم ينصرف فذلك يريبنى ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الاول في التبرز قبل الغائط وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فاقبلت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبى بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح (صالح بن كيسان) بفتح الكاف وسكون التحية ثم مهملة هو المدنى ادرك ابن عمر ورآه وسمع عروة والزهري وكان ثقة جامعا للحديث والفقه والمروة قال أحمد هو أكبر من الزهري (موغرين) بضم الميم وكسر المعجمة والراء أي نازلين في وقت الوغرة بفتح الواو وسكون المعجمة وهي شدة الحر حين تكون الشمس في كبد السماء ومنه وغر الصدر وهو توغره غيظا بالحقد ولمسلم في رواية بالعين المهملة من وعرت الي فلاة كذا أي نفذت قال النووي وهو ضعيف قال في التوشيح وروى مغورين بتقديم الغين وتشديد الواو والتغوير النزول وقت القائلة (نحر الظهيرة) أي وقت القائلة وشدة الحر وقيل أولها (تولى كبره) بكسر الكاف على القراءة المشهورة وقريء شاذا بضمها وهي لغة وكبر الشيء معظمه (يفيضون) بضم أوله رباعي أى يخوضون (يريبنى) بفتح أوله ثلاثي وبضمه رباعي أى يوهمنى ويشككنى (اللطف) بضم اللام وسكون الطاء ويقال بفتحهما معا وهو البر والرفق (تيكم) بكسر الفوقية أشارة الى المؤنث كذلكم للمذكر (نقهت) بفتح القاف وكسرها قال النووي والفتح أشهر واقتصر عليه جماعة والناقه الذي أفاق من المرض وبرئ منه وهو قريب عهد به لم يتراجع اليه كمال صحته (أم مسطح) اسمها سلمى ومسطح لقب واسمه عامر وقيل عوف قال النووى كنيته أبو عباد وقيل أبو عبد الله توفي سنة سبع وثلاثين وقيل أربع وثلاثين (المناصع) بفتح الميم موضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيه (أمر العرب الاول) بفتح الهمزة وتشديد الواو صفة أمر فيكون مرفوعا وبضمها والتخفيف صفة العرب فيكون مجرورا (في التبرز) لمسلم في التنزه أي طلب النزهة بالخروج في الصحراء (الغائط) في الاصل اسم للمطمئن من الارض ثم سمى به الخارج للمجاورة (الكنف) بضمتين جمع كنيف وهو المكان المهيأ لقضاء الحاجة (رهم) بضم الراء وسكون الهاء (وأمها) اسمها رائطة (بنت صخر بن عامر) بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (خالة أبي بكر) وأمه تكنى أم الخير واسمها سلمى (بن اثاثة) بضم الهمزة ومثلثة مكررة والاولى مخففة (فعثرت) بمهملة ومثلثة مفتوحة (مرطها) بكسر الميم وبالطاء المهملة أي في ازارها (تعس) بفتح الفوقية وكسر المهملة وفتحها
стр. 252
في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا فقالت يا هنتاه ألم تسمعي ما قال قلت وما قال فأخبرتني بقول أهل الافك فازددت مرضا على مرضي فلما رجعت الى بيتي دخل على رسول الله ﵌ فسلم وقال كيف تيكم فقلت أتأذن لى ان آتى أبوي قالت وأنا حينئذ أريد ان أستيقن الخبر من قبلهما فأذن لى رسول الله ﵌ فأتيت أبوي فقلت لامي يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به فقالت يا بنية هونى على نفسك الشأن فو الله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر الا أكثرن عليها فقلت سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم فدعا رسول الله ﵌ علي بن أبى طالب واسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق اهله قالت فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم فقال أسامة هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم بهم والله إلا خيرا وأما علي بن أبى طالب كرم الله وجهه فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك قال فدعا رسول الله ﷺ لغتان ومعناه عثر وقيل هلك وقيل لزمه الشر وقيل سقط لوجهه خاصة (يا) وفي بعض النسخ أى وكلاهما حرف نداء (هنتاه) بفتح الهاء والفوقية بينهما نون ساكنة وقد يضم أى يا هذه وقيل يا امرأة وقيل يا بلهاء (فازددت) مرضا على مرض زاد أبو عوانة وهممت ان آتى قليبا فأطرح نفسي فيه (وضيئة) بالمد والهمز على وزن عظيمة أي جميلة حسنة ولابن ماهان في مسلم حظية من الحظوة وهي الوجاهة وارتفاع المنزلة (ضرائر) جمع ضرة سموا بذلك لان كل واحدة تتضرر بالاخرى بالغيرة والقسم وغيره (اكثرن) ولمسلم كثرن وكذا للكشميهني في البخاري بالتشديد أي كثرن القول في عيبها ونقصها (سبحان الله) قالته تعجبا ونزل القرآن على مقتضى تعجبها في فقال تعالى سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (لا يرقأ) بقاف بعدها همزة أى لا ينقطع (ولا اكتحل بنوم) أي لا أنام (استلبث الوحي) بالرفع أى طال لبث نزوله وبالنصب أى استبطأ النبي ﷺ نزوله واستلبث لازم ومتعد يقال استلبث الشيء واستلبثت الشىء (أهلك) بالرفع أي هم أهلك كما في رواية أخري أى هي العفيفة اللائقة بك (والنساء سواها كثير) زاد الواقدي طلقها وانكح غيرها قال النووي رأى علي ان ذلك هو المصلحة في حق النبي ﷺ لما رأى من قلقه وانزعاجه فأراد اراحة خاطره بفراقها قال بحرق في سيرته قلت ومما يدل على انهم كانوا يرون انزعاج خاطره أشد عليهم من كل أمران عمر لما قال للانصاري جاغسان «١» قال بل أشد اعتزال النبي ﷺ نساءه فدعا رسول الله صلي عليه وسلم اى بريرة قال الزركشى قيل ان هذا وهم وان بريرة انما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك ولهذا لما عتقت واختارت نفسها جعل زوجها يطوف وراءها ويبكي فقال لها النبي ﷺ لو راجعتيه فقالت أتأمرني فقال انما انا
стр. 253
بريرة فقال أى بريرة هل رأيت فيها شيأ يريبك فقالت له بريرة لا والذى بعثك بالحق نبيا ان رأيت منها امرا اغمصه عليها اكثر من انها جارية حديثة السن تنام عن عجين اهلها فتأتى الداجن فتأكله قالت فقام رسول الله ﵌ من يومه فاستعذر من عبد الله بن ابى ابن سلول فقال رسول الله ﵌ وهو على المنبر من يعذرنى من رجل بلغني أذاه فى اهل بيتى فو الله ما علمت في اهلى الا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا وما كان يدخل على أهلى الا معي قالت فقام سعد بن معاذ احد بني عبد الاشهل فقال يا رسول الله انا والله أعذرك منه ان كان من الاوس ضربنا عنقه وان كان من اخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه امرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه شافع فقالت لا إذا فقال النبي ﷺ للعباس الا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها له والعباس انما قدم المدينة بعد الفتح والملخص من هذا الاشكال ان تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة ظنا منه انها هي انتهى وأجيب عن ذلك بأن بريرة كانت تلازم بيت رسول الله ﷺ للخدمة قبل أن تشتريها ذكره ابن السبكي وقواه ابن حجر (فقال أي بريرة الى آخره) زاد أبو عوانة ثم ضربها على زاد ابن اسحاق ضربا شديدا وفي مسلم فانتهرها بعض أصحابه يريد عليا (ان رأيت) أي ما رأيت (اغمصه) بفتح الهمزة وكسر الميم وبالصاد المهملة أى اعيبهابه (تنام عن عجين أهلها) معناه انها لا شيء فيها مما يسألون أصلا ولا فيها عيب من غيره سوى نومها عن العجين وفي مسند أبي أسامة وصحيح مسلم في رواية فقالت والله ما علمت عليها عيبا الا انها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها فانتهرها بعض أصحابه فقال أصدقي رسول الله ﷺ فقالت سبحان الله والله ما علمت عليها الا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الاحمر (الداجن) بالمهملة والجيم الشاة التى تألف البيوت ولا تخرج الى المرعى وقيل كل ما يألف البيوت شاة أو طيرا (فاستعذر) أي طلب من يعذره منه أي ينصفه (من عبد الله بن أبى ابن سلول) بتنوين أبى ويكتب ابن سلول بالالف كما سبق (وهو على المنبر) لعله منبر كان يوضع له يقعد عليه وليس المراد منبر الخطبة لانه كان أذ ذاك لم يعمل (من يعذرني) قال في التوشيح قال الخطابى يحتمل ان يكون معناه من يقوم بعذره فيما رمى به أهلي من المكروه ومن يقوم بعذري ان انا عاقبته على سوء ما صدر منه ورجح النووي الثانى وقيل معناه من ينصرني والعذير الناصر وقيل من ينتقم لي منه (فقام سعد بن معاذ) استدل به عياض على ان غزوة المريسيع التى فيها قصة الافك كانت قبل قصة الخندق وان سعدا مات في اثر غزوة الخندق من الرمية التي اصابته قال النووى وهو صحيح وما في سيرة ابن اسحق ان المراجعة أولا وثانيا انما كانت بين اسيد بن حضير وسعد بن عبادة مبنى على تاريخه ان غزوة بني المصطلق كانت سنة ست وغزوة الخندق سنة أربع وما فيها لا يقاوم ما في الصحيح قال ابن حجر الراجح ان الخندق والمريسيع كانتا في سنة واحدة سنة خمس وكانت المريسيع قبلها في شعبان والخندق في شوال وبهذا
стр. 254
من فخذه وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية ومنهم من قال أجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال معاذ لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين فتبادر الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله ﵌ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﵌ يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندى أبواى وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن ان البكاء فالق كبدى قالت فبينماهما جالسان عندي وأنا أبكى إذ استأذنت امرأة من الانصار فأذنت لها فجلست تبكي معى فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﵌ فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندي من يوم قيل لى ما قيل قبلها وقد مكث شهرا لا يوحى اليه في شأنى بشيء فتشهد رسول الله ﵌ حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فانه بلغنى عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فسيبرئك الله وان كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبى اليه فان العبد اذا اعترف بدنبه ثم تاب تاب الله عليه قالت فلما قضى رسول الله ﵌ مقالته قلص دمعى حتى ما أحس قطرة وقلت لابى أجب عنى رسول الله ﵌ فيما قال قال والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت لامي أجيبى عني رسول الله ﷺ فيما قال قالت أمي والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﵌ قالت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن فقلت يرتفع الاشكال (من فخذه) الفخذ هو الجماعة من الاقارب دون البطن والقبيلة وهو بسكون الخاء لا غير بخلاف الفخذ الذي هو للعضو فانه يسكن ويكسر قاله ابن فارس (احتملته) بمهملة ثم فوقية ثم هاء اى اغضبته (ومنهم من قال اجتهلته) هى رواية مسلم في اكثر النسخ وهو بجيم ثم فوقية ثم هاء أي حملته على الجهل ولابن ماهان اجهلته كما في صحيح البخاري (كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك) هذا دليل علي ما مر فان سعد بن معاذ إنما قال امرتنا ففعلنا فيه بامرك وذلك واجب على كل مؤمن (فثار الحيان) اى نهض بعضهم الى بعض من الغضب للنزاع والعصبية (فبكيت) كذا اللكشميهنى وفي بعض النسخ فمكثت (ان كنت الممت بذنب فاستغفري الله) قال الداودي لم يأمرها بالستر كغيرها لانه لا ينبغي أن يكون عنده امرأة أتت ذنبا ومعنا الممت اي وقع منك على خلاف العادة وهذا حقيقة الالمام (قلص دمعى) بفتح القاف واللام ومهملة أى استمسك نزوله وانقطع قال النووى لاستعظام ما بغتنى من الكلام وقال القرطبي سببه ان الحزن والغضب اذ أخذا مأخذهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة (أحس) بضم الهمزة وكسر المهملة
стр. 255
انى والله لقد علمت انكم سمعتم ما تحدث الناس به حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت انى بريئة والله يعلم أني لبريئة لا تصدقونى بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم اني منه بريئة لتصدقنى فو الله ما أجد لى ولكم مثلا الا أبا يوسف إذ قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا والله أعلم أنى بريئة وان الله مبرئي ببراءتي ولكن ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى ومنهم من قال فلأنا أحقر في نفسى من أن يتكلم الله بالقرآن في أمري ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئنى الله بها فو الله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله على نبيه ﷺ فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت فسرى عن رسول الله ﵌ وهو يضحك فكان أوّل كلمة تكلم بها أن قال يا عائشة احمدى الله ومنهم من قال أبشرى يا عائشة أمّا الله فقد برأك فقالت لى أمي قومي الى رسول الله ﵌ فقلت لا والله لا أقوم اليه ولا أحمد الا الله هو الذى أنزل براءتى اي أجد (الا أبا يوسف) في بعض روايات البخاري الا يعقوب (مبرئى) قال في التوشيح بلا نون في جميع الروايات وزعم ابن التين أنه وقع عنده مبرئني بنون الوقاية على حد* امسلمني الى قومى سراح* (رام) فارق ومصدره الريم (البرحاء) بضم الموحدة وفتح الراء ومهملة ومدة هي شدة الكرب (ليتحدر) أى لينصب (الجمان) بضم الجيم وتخفيف الميم وهو الدر وقيل حب يعمل من الفضة كاللؤلؤ شبهت قطرات عرقه ﷺ به في الصفاء والحسن (شات) بالمعجمة أوله والفوقية آخره بينهما الف أي شديد البرد (فسرى) بضم المهملة وكسر الراء المشددة مبني للمفعول أى كشف وأزيل (وهو يضحك) سرورا بما نزل من براءتها (فكان أوّل) بنصب اللام على الخبر والاسم في قوله ان قال وبرفعه على الاسم والخبر في ان قال أيضا نظيره ليس البر أن تولوا وجوهكم (أما الله فقد برأك) أى فلا تكترثى ان لم يبرئك غيره لان براءته هي المقصودة (فقالت لى أمى قومى الى رسول الله ﷺ أي فاحمديه وقبلي رأسه (لا أقوم اليه ولا احمد الا الله) قالت ذلك إدلالا كما يدل الحبيب على حبيبه قاله ابن الجوزى او لما خامرها من الغضب حيث لم يبادروا الى تكذيب من قال فيها ما قال مع تحققهم حسن طريقتها وجميل أحوالها وارتفاعها عن هذا الباطل (الذي أنزل براءتي) زاد أبو أسامة لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه وللسهيلى في الروض وفي المسند من حديث عائشة أنه لما أنزل الله براءتها قام اليها أبو بكر فقبل رأسها فقالت له هلا كنت عذرتني فقال أى سماء تظلني وأي أرض تقلني ان قلت بما لا أعلم قال بعض المفسرين
стр. 256
فأنزل الله «إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ» العشر الآيات فلما أنزل الله هذا فى براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيأ أبدا بعد ما قال لعائشة ما قال فأنزل الله تعالى «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ» الى قوله «غَفُورٌ رَحِيمٌ» فقال أبو بكر بلى والله إني لاحب أن يغفر الله لى فرجع الى مسطح الذي كان يجرى عليه وقال والله إنى لا أنزعها منه أبدا قالت عائشة وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمرى فقال يا زينب ما علمت ما رأيت قالت يا رسول الله أحمي سمعى وبصرى والله ما علمت عليها الا خيرا قالت عائشة وهى التي كانت تساميني من أزواج النبى ﵌ فعصمها الله بالورع قالت وطفقت أختها حمنة تجاوب لها فهلكت وكان نزول براءة عائشة بعد قدومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلة (وأنزل الله الى آخره) قال في التوشيح قال الزمخشري لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الافك بأوجز عبارة وأشبهها لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف واستعظام ذلك واستبشاعه بطرق مختلفة وأساليب متفقة كل واحد منها كاف في بابه بل ما وقع من وعيد عبدة الاوثان الا بما هو دون ذلك وما ذاك الا لاظهار علو منزلة رسول الله ﷺ ويظهر من هو منه بسبيل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أي بالكذب سمى افكا لكونه مصروفا عن الحق (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) أى جماعة (العشر الآيات) الى قوله وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (فائدة) قال بحرق في سيرته لا يخفي ان بين حديث نزول سورة المنافقين وحديث الافك مناسبة من وجوه منها انهما وقعا معا في الرجوع من غزوة واحدة ومنها ان سورة المنافقين في براءة زيد بن أرقم عن الافك وهو الكذب المتهم به وحديث الافك في براءة عائشة مما قذفت به انتهى قلت ومنها تقاربهما في عدد الآي ومنها تكذيب ابن أبى فيها فقال تعالى في الافك فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وقال في سورة المنافقين وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (وكان ينفق على مسطح الى آخره) قال في التوشيح يؤخذ منه مشروعية تلك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجودا لان أبا بكر لم يقطع نفقته عن مسطح الا بعد تحقق ذنبه فيما وقع منه (فانزل الله ولا يأتل) أي لا يحلف والالية اليمين قال ابن المبارك هذه أرجى آية في كتاب الله (فرجع) أي رد (أحمي سمعى بصري) من الحماية أي لا أقول سمعت ولم أسمع وأبصرت ولم أبصر (تسامينى) تعاليني من السمو وهو العلو أى تطلب ما أطلب من العلو والرفعة والحظوة عند رسول الله ﷺ ولابن اسحاق في السيرة تناصبنى من المناصبة بالنون والمهملة والموحدة قال السهيلى والمعروف في الحديث انه بالتحتية بدل الموحدة من المناصاة وهى المساواة (فطفقت) بكسر الفاء على المشهور وحكي فتحها أي جعلت وشرعت (حمنة) بفتح المهملة وسكون الميم وكانت تحت طلحة بن عبيد الله تزوجها بعد مصعب بن عمير (تجاوب لها) أي تجادل وتغضب لاختها وتذكر حديث الافك لتنحط منزلة عائشة وتعلو منزلة أختها (فهلكت)
стр. 257
فيمن هلك من أصحاب الافك قال ابن شهاب فهذا الذى بلغنى من حديث هؤلاء الرهط* قلت ووراء ذلك زيادات كثيرة ففي رواية قالت عائشة والله ان الرجل الذى قيل فيه ما قيل ليقول سبحان الله فو الذي نفسى بيده ما كشفت عن كنف أنثي قط قالت ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله قيل كان حصورا لا يأتى النساء وفي رواية ان الذى تولى كبره منهم عبد الله بن أبيّ وفي أخرى أنه حسان والذي سمى من عصبة أهل الافك عبد الله بن أبيّ وحسان ومسطح وحمنة* وروى البخاري في كتاب الاعتصام من جامعه معلقا وأسنده أبو داود أن النبي ﵌ جلدهم الحد يعني ثمانين
[فصل: في فوائد هذا الحديث بعد مقصوده الأعظم]
(فصل) فى فوائد هذا الحديث بعد مقصوده الاعظم وهو تبرئة عائشة وبراءتها عن قول أهل الافك قال النووى وهى براءة قطعية بنص القرآن فلو تشكك فيها انسان والعياذ بالله صار كافرا باجماع المسلمين قال ابن عباس وغيره لم تزن امرأة نبى قط ففيه منقبة ظاهرة لعائشة وفضيلة لابيها وأمها وفيه فضيلة لسعد بن معاذ وأسيد بن حضير أي أثمت (ما كشفت عن كنف أنثي) بفتح الكاف والنون أى ثوبها الذي يسترها وهو كناية عن عدم جماع النساء ومخالطتهن (ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله) في غزاة أرمينية في خلافة عمر سنة تسع عشرة ذكره ابن اسحق وقيل بارض الروم في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين قال السهيلي واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها وهى منكسرة حتي مات وذلك بالجزيرة بموضع يقال له سمطاط (ان الذى تولى كبره منهم عبد الله بن أبي) زاد البغوي والعذاب الاليم هو النار في الآخرة وروي ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة في حديث الافك قالت ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين وكانت عادتهم ان ينزلوا منتبذين من الناس فقال عبد الله بن أبىّ رئيسهم من هذه قالوا عائشة قال والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت (وفي أخري انه حسان بن ثابت) والعذاب الاليم هو العمى كما في رواية مسروق عن عائشة قالت فاى عذاب أشد من العمى واسند أبو داود والترمذى عن عائشة لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر وذكر ذلك وتلا القرآن وأمر بامرأتين ورجل فجلدوا الحد ثمانين
(فصل) في فوائد هذا الحديث (قال النووي) وغيره (قطعية) أى مقطوع بها (فائدة) قال البغوى مسروق اذا روى عن عائشة ﵂ يقول حدثتنى الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ﷺ المبرأة من السماء (صار كافرا باجماع المسلمين) لمخالفته صريح القرآن العظيم (وفيه فضيلة لسعد بن معاذ) حيث سارع الى اجابة رسول الله ﷺ فيما طلب (وأسيد بن حضير) حيث رد على سعد بن عبادة ﵃ عصبيته لاجل المنافق وفيه جواز سب المغضب وقوله انك منافق
стр. 258
وزينب بنت جحش وصفوان بن المعطل وأم مسطح بن أثاثة وفيه من الفوائد جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل منهم قطعة مبهمة اذا كان كل منهم بصفة العدالة وفيه ثبوت القرعة وقد ثبت أصلها من الكتاب والسنة فصارت كالاجماع وفيه أنه يستحب أن يستر عن الانسان ما يقال فيه اذا لم يكن فيه فائدة وفيه حسن الادب عند الموجدة بحيث يقلل من من اللطف المعهود منه ليتفطن له وفيه كراهة الانسان صديقه اذا آذى أهل الفضل كما صنعت أم مسطح وفيه فضيلة البدريين وتعظيمهم في قلوب الناس وفيه ان الزوجة لا تذهب الى بيت أبيها الا باذن زوجها وفيه جواز البحث عن كل أمر يتعلق بالباحث وأما غيره فمنهى عنه وهو تجسس وفضول وفيه جواز الاستشهاد بالآيات في الامور العارضات وفيه استحباب صلة الارحام مع إساءتهم وأنه يستحب اذا حلف على القطيعة أن يكفر* وفيه اكرام حبيب الحبيب كما ورد في رواية أن عائشة كانت تكرم حسان وترد على من ينهاها الى آخره أي تفعل فعلهم ولم يرد حقيقته (وزينب بنت جحش) حيث تورعت وقالت احمي سمعى وبصري (وصفوان بن المعطل) لان الله برأه كما برأ عائشة ووعده كما وعدها فقال لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم (ومسطح بن اثاثة) حيث أمر الله أبا بكر باعادة النفقة اليه وشهد له بالمسكنة والمهاجرة في سبيل الله ويكفيه فضيلة انه شهد بدرا أيضا (وفيه جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة الي آخره) أى كما فعل الزهرى في حديث سعيد بن المسيب وعروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله قال النووى ولا كراهة فيه أيضا لانه قد بين ان بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم وهؤلاء أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين (وفيه ثبوت القرعة) ووجوبها بين النساء عند ارادة السفر ببعضهن (وقد ثبت أصلها في الكتاب) في قوله تعالى فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
وفي قوله يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (و) من (السنة) فى هذا الموضع وغيره كاقتراع الانصار على المهاجرين في السكنى (وفيه انه يستحب ان يستر عن الانسان ما يقال فيه الى آخره) أى كما كتموا عن عائشة هذا الامر شهرا ولم تسمعه بعد ذلك الا بعارض عرض وهو قول أم مسطح تعس مسطح (وفيه حسن الادب عند الموجدة) بكسر الجيم أى الغضب كما فعل رسول الله ﷺ انما كان يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم (كما صنعت أم مسطح) فقالت تعس مسطح (وفيه فضيلة البدريين وتعظيمهم في قلوب الناس) لقول عائشة تسبين رجلا شهد بدرا (وفيه ان الزوجة لا تذهب الى بيت أبويها الاباذن زوجها) لقول عائشة ائذن لى الى بيت أبوى (وفيه جواز البحث عن كل أمر يتعلق بالباحث) كما فعل ﷺ فسأل زينب وسأل بريرة (وهو تجسس) بالجيم (وفيه جواز الاستشهاد بالآيات في الامور العارضات) لقول عائشة اني لا أجد لى ولكم مثلا الى آخره (وفيه استحباب صلة الارحام مع اساءتهم) لفعل أبي بكر مع مسطح (وانه يستحب ان اذا حلف على القطيعة ان يكفر) ليس في حديث الافك تصريح بوجوب التكفير (تنبيه) بقى من
стр. 259
بأنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ وفيه سب المتعصب لباطل كما فعل سعد ابن معاذ بسعد بن عبادة ﵄
[فصل: اما أحكام القذف]
(فصل) أما أحكام القذف فان كل من رمي غيره بالزنا وجب عليه الحد وذلك بثمان روابط ثلاث في القاذف وهو أن يكون بالغا عاقلا غير والد للمقذوف وخمس في المقذوف وهو أن يكون مسلما عاقلا بالغا حرا عفيفا ويسقط حد القذف بأربعة أشياء اقامة البينة أو عفو المقذوف أو اقراره أو اللعان للزوجة ويعزر قاذف غير المحصن وتقبل شهادة القاذف اذا تاب عند الاكثرين* فائدة روى أهل السير أن صفوان بن المعطل عدا على حسان فضربه بالسيف فوثب ثابت بن قيس بن شماس على صفوان فجمع يديه الى عنقه بحبل وانطلق الفوائد جملة وقد عدها النووي في شرح مسلم أربعا وخمسين منها قبول توبة القاذف
(فصل) أما أحكام (القذف) وهو لغة الرمي بالحجر والخذف بالمعجمة الرمى بالحصي وشرعا رمي الشخص بالزنا (كل من رمي غيره بالزنا) صريحا كزنيت أو كناية كزنأت ان نوى (ثلاث في القاذف ان يكون بالغا) فلا حد على الصبي لرفع القلم عنه لكن يعزر (عاقلا) فلا حد على المجنون لذلك أيضا (غير والد للمقذوف) فلا حد على الوالد وان علا بقذف الولد قياسا على القصاص وبقي شرط رابع وهو الاختيار فلاحد على المكره على القذف بشرطه (وخمس في المقذوف ان يكون مسلما) فلا يحد قاذف كافر لانه غير محصن (بالغا) فلا يحد قاذف صبي بل يعزر لذلك أيضا (عاقلا) فلا يحد قاذف مجنون بل يعزر (حرا) فلا يحد قاذف من فيه رق لعدم الاحصان أيضا (عفيفا) عن وطء يوجب الحد فمن زنى ولو مرة سقطت حصانته وان تاب وحسنت حاله وكذا من وطئ امرأة محرما له بنسب أو رضاع أو مصاهرة اذا علم التحريم وان كان لا يجب عليه الحد على الاصح تبطل به الحصانة لدلالته على قلة مبالاته كذا من وطيء زوجته أو أمته في دبرها تسقط حصانته وان لم يجب عليه الحد لدلالته على قلة المبالاة أيضا (باربعة أشياء) أي باحد أربعة (اقامة البينة) لقوله تعالى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فأفهم سقوط الحد عنهم اذا أتوا بهم (أو عفي المقذوف) أو وارثه الاهل كغيره من الحقوق (أو اقراره) لانه أبلغ من اقامة الشهود في تصديق القاذف (او اللعان للزوجة) لقوله تعالى وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ الآية (ويعذر قاذف غير المحصن) لانه عصى معصية لاحد فيها فشأنها التعزير بما يراه الامام لائقا بالمعزر من حبس ولوم وغيرهما وله الترك أيضا إن رآه (وتقبل شهادة القاذف اذا تاب عند الاكثرين) منهم عمرو بن عياش وسعيد ابن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبى وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والشافعي ﵃ والثانى قول النخعى وشريح وأصحاب الرأى (فائدة) روي أهل السير عن عائشة (عدا على حسان فضربه) ثم قال
تلق ذباب السيف عنك فاننى ... غلام اذا هوجيت لست بشاعر
стр. 260
به يقوده فلقيه عبد الله بن رواحة فنهاه وانطلقوا به الى رسول الله ﵌ فاستوهب من حسان ما أصابه وأعاضه عن ذلك حائطا ووهبه سيرين أمة قبطية وهي أم ولده عبد الرحمن وقال حسان بن ثابت يعتذر مما قاله:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
عقيلة حيّ من لؤى بن غالب ... كرام المساعى مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل
فان كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطى الىّ انامل
وكيف وودي ما حييت ونصرتى ... لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم ... تقا صرعنها سورة المتطاول
فانّ الذى قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل
وفي المتفق عليه من حديث مسروق بن الاجدع قال دخلت على عائشة وعندها حسان ذكره ابن عبد البر نقلا عن ابن اسحاق (سيرين) بكسر السين المهملة والراء واسكان التحتية المكررة آخره نون وهى بنت شمعون أخت مارية أم ابراهيم (أمة قبطية) وكانت من هدايا المقوقس كما في حديث حاطب بن أبي بلتعة حين أرسله رسول الله ﷺ اليه ففيه قال فاهدى لرسول الله ﷺ ثلاث جوارى منهن مارية أم ابراهيم ابن رسول الله ﷺ وأخرى وهبها رسول الله ﷺ لابي جهم بن حذيفة وأخرى وهبها لحسان بن ثابت ذكره ابن عبد البر وغيره قال السهيلى وكان عبد الرحمن بن حسان يفخر بأنه ابن خالة ابراهيم ولسيرين هذه حديث عن رسول الله ﷺ وهو أنه رأى خللا في قبر ابراهيم ابنه فأصلحه وقال ان الله يحب من العبد اذا عمل عملا أن يتقنه (حصان) بفتح أوله أي محصنة عفيفة (رزان) براء فزاي مفتوحتان أى كاملة العقل (ما تزن) بزاى مفتوحة أي ماتتهم (غرني) بفتح المعجمة واسكان الراء وبالمثلثة أي جائعة (من لحوم الغوافل) لانها لا تغتابهم فتأكل لحمهم والغوافل العفيفات (عقيلة) بفتح المهملة وكسر القاف هي كريمة الحى (مجدهم) كرمهم (مهذبة) منقاة (خيمها) بكسر المعجمة أي طبيعتها (المحافل) الجموع (له رتب) بفتح الراء والفوقية قال السهيلى والرتب ما ارتفع من الارض وعلا والرتب أيضا قوة في الشيء وغلظ فيه (سورة) بفتح المهملة مضي ذكرها (بلائط) بالطاء المهملة أي لاصق وفي بعض النسخ بلائق بالقاف (ما حل) بالمهملة مبغض (فلا رفعت سوطي الى أنا ملى) هذا دعاء على نفسه وهو يؤيد قول من قال ان حسان لم يجلد في الافك ولا خاض فيه (مسروق) سمي بذلك لانه سرق في صغره (ابن الاجدع) بالجيم والمهملة ابن مالك بن أمية بن عبد الله بن مرة ابن سلمان بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمرو بن عامر الهمدانى الكوفي التابعى الكبير قال
стр. 261
ينشدها شعرا فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة لكنك لست كذلك قال مسروق فقلت لها أتأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله تعالى وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ قالت وأى عذاب أشد من العمى وقالت انه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﵌*
[الكلام على غزوة الخندق وخبرها تفصيلا]
وفي هذه السنة وقيل في الخامسة كانت غزوة الخندق وسببها على ما ذكروا ان رسول الله ﵌ لما أجلى بني النضير جعل حيى بن أخطب يسعى بالغوائل وذهب الى مكة في رجال من قومه ودعوا قريشا الى حرب رسول الله ﵌ واخبروهم بأنهم اهدى سبيلا منه وفيهم نزل قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الآية فلما اجابتهم قريش تقدموا الى قبائل ابن الانصاري صلى خلف الصديق وسمع عمر وعائشة وغيرهما وروى عنه خلق من التابعين فمن بعدهم منهم أبو وائل وهو أكبر منه وامامته وجلالته وثقته متفق عليها قال الشعبى ما علمت أن أحدا كان يطلب العلم في أفق من الآفاق مثله وقال مرة الهمدانى ما ولدت همدانية مثله وقال ابن المديني ما أقدم عليه واحدا من أصحاب عبد الله وكان أفرس فارس باليمن وهو ابن أخت معد يكرب وقال له عمر ما إسمك قال مسروق بن الاجدع فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول الاجدع شيطان أنت مسروق بن عبد الرحمن وقال الشعبي فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن وقال العجلي كان من أصحاب عبد الله الذين يقرؤون القرآن ويعلمون السنة علقمة بن الاسود وعبيدة ومسروق والحارث بن قيس وعمرو بن شراحيل مات سنة ستين وقيل ثلاث وستين انتهى قلت حديث الاجدع شيطان رواه عن عمر أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم (ينشدها شعرا) بضم أوله وكسر ثالثه رباعي وفي مسلم يشبب بأبيات له أى يتغزل (ينافح) بالفاء والمهملة أي يدافع ويناضل (أو) للشك (يهاجي) بالجيم بدون همزة* وفي هذه السنة أى الرابعة (وقيل في الخامسة) وهو الصواب كما مر عن الحافظ ابن حجر وذلك في شوال كما مر أيضا (بالغوائل) بالمعجمة جمع غائلة وهى كل أمر يعمل سرا (في رجال من قومه) سمى منهم في سيرة ابن أسحق سلام بن ابى الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وهوذة ابن قيس وأبو عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ونفر من بني وائل (ودعوا قريشا الى حرب رسول الله ﷺ زاد البغوي عن أبن اسحاق وقالوا انا سنكون معكم حتى نستأصله (وأخبروهم أنهم أهدى سبيلا منه) وذلك انهم قالوا لهم يا معشر يهود انكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد فديننا خير أم دينه فقالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولي بالحق منه (وفيهم نزل الى آخره)
стр. 262
قيس عيلان فدعوهم الى مثل ذلك فاجابوهم فسارت تلك القبائل ولما علم بهم النبي ﷺ شرع في حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فجهدوا انفسهم في حفره متنافسين في الثواب لا ينصرف احد منهم لحاجة الا باذن رسول الله ﵌ وهو ﷺ يكابد معهم* روينا في صحيح البخارى عن البراء ابن عازب قال رأيت النبي ﷺ ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه وكان كثير الشعر وجعل يرتجز شعر ابن رواحة
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الاقدام ان لاقينا
ان الأولى قد بغوا علينا ... اذا أرادوا فتنة أبينا
ويرفع بها صوته أبينا أبينا ولما رآهم النبي ﵌ يحملون التراب على متونهم وما بهم من النصب والجزع قال* اللهم ان العيش عيش الآخرة فاغفر للانصار والمهاجره فقالوا مجيبين له
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا ابدا
وقيل بل في كعب بن الاشرف وقيل في كعب بن أسد والجبت والطاغوت صنمان كان المشركون يعبدونهما وفيهما أقوال أخر (قيس عيلان) بالمهملة من مضر (بمشورة سلمان) باسكان المعجمة وفتح الواو ويجوز العكس وهى النصح بالصواب زاد البغوى وكان أوّل مشهد شهده مع رسول الله ﷺ وهو حر (فائدة) أول من خندق الخنادق منو شهر بن أبرح على رأس ستين سنة من بعث موسى ذكره الطبرى وغيره (وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا) رواه محمد بن جرير الطبرى والطبراني والحاكم عن عمرو بن عوف وزادوا فاحتج المهاجرون والانصار في سلمان وكان رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا وقال الانصار سلمان منا فقال النبي ﷺ سلمان منا أهل البيت جاهدوا أنفسهم أي بلغوا منها غاية الجهد (متنافسين) والتنافس الرغبة في الشئ يقال نافسه منافسة اذا رغب فيما رغب فيه (وروينا في صحيح البخارى عن البراء) وأخرجه عن مسلم أيضا (فانزلن) بنون التأكيد الخفيفة (سكينة) فعيلة من السكون (وثبت الاقدام) أى أنزل النصر (ان لاقينا) العدو (ان الاولى) بضم الهمزة الاولى مع المد أي الذين وهو محذوف الصلة أي الذين سبق منهم ما سبق (قد بغوا) أي ابتدؤا بالقتال (أبينا) روي بالمثناة من الاتيان أى أتينا للقتال وبالموحدة من الاباء أي أبينا الفرار والامتناع (متونهم) بالفوقية جمع متن وهو الظهر (النصب) التعب وزنا ومعنى (ان العيش عيش الآخره) وفي رواية لا عيش الاعيش الآخره أي لا عيش باق ومطلوب سواه وفيه ندب قول ذلك عند
стр. 263
ومرة ارتجزوا باسم رجل من المسلمين كان اسمه جعيلا فسماه رسول الله ﵌ عمرا فقالوا
سماه من بعد جميل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا
فيجيبهم ﷺ في قول ظهرا عمرا وجرى في اثناء حفر الخندق معجزات باهرة وبركات ظاهرة لرسول الله ﵌ كحديث جابر وأبى طلحة وضيافتهما وخبر الكدية التي عرضت لهم في الخندق وغير ذلك مما ستراه مثبتا فى قسم المعجزات من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى ولما فرغوا من الخندق أقبلت جموع الاحزاب كما قال تعالى إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أى من قبل المشرق وهم أسد وغطفان في ألف عليهم عوف بن مالك النصرى وعبينة بن حصن الفزارى في قبائل أخر ونزلوا الى جانب احد ومن أسفل منكم وهم قريش وكنانة والاحابيش ومن ينضاف اليهم من أهل تمامة عليهم أبو سفيان بن حرب في عشرة آلاف فنزلوا برومة من وادى العقيق وخرج ﵌ في ثلاثة آلاف وجعل ظهره الى سلع والخندق بينه وبين العدو وأمر بالنساء والذرارى فرفعوا في الآطام ولما نزل جموع الاحزاب منازلهم اشتد الحصار على المسلمين ونجم النفاق واضطرب ضعفاء الدين كما قال الله تعالى وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ
رؤية ما يكره (جعيل) بضم الجيم ذكره ابن عبد البر وابن مندة وأبو نعيم ولم ينسبوه وليس في الصحابة من يسمى جعيلا غير هذا سوى جعيل بن زياد الاشجعي وجعيل بن سراقة العمري وقيل في كل منهما جعال (فسماه رسول الله ﷺ أخرجه بن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر في كتب الصحابة (للبائس) للفقير (ظهرا) بالمعجمة أى مستند استند اليه (الكدية) بضم الكاف واسكان المهملة هي القطعة الغليظة وللفاسي والاصيلى في صحيح البخاري كبدة بفتح الكاف وكسر الموحدة قال ابن حجر ويروى بالنون أي بدل الموحدة وبالتحتية أيضا وفي بعض كتب السير فعرضت له عبلة بالمهملة فالموحدة قال السهيلي وهي الصخرة الصماء إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أى من فوق الوادي من قبل المشرق (النصرى) بالنون المفتوحة والمهملة في قبائل اخر منهم بنو أسد عليهم طليحة بن خويلد وبنو قريظة عليهم حيي بن أخطب (ونزلوا الى جانب أحد) بموضع يقال له ذنب نقمى (ومن أسفل منكم) يعني من بطن الوادي من قبل المغرب (أبو سفيان بن حرب) وأبو الاعور عمرو بن سفيان السلمي (فنزلوا برومة) بضم الراء وكان نزولهم بمجتمع الاسيال منها (سلع) بمهملتين بينهما لام ساكنة جبل في غربي المدينة (الآطام) بفتح الهمزة مع المد وبكسرها مع القصر أي الحصون (الحصار) بكسر الحاء المحاصرة (ونجم النفاق) بالجيم المخففة أي ظهر (وَإِذْ زاغَتِ) أي مالت وشخصت (الْأَبْصارُ) من
стр. 264
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وما بعدها من الآيات الى قوله وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً:
وزاد الأمر اشتدادا أن تقدم حيى بن أخطب الى كعب بن اسد سيد بنى قريظة وسئله ان ينقض العهد الذي بينه وبين رسول الله ﵌ فأبى عليه فلم يزل يخادعه بقول الزور ويمينه امانى الغرور حتى سمح له بالنقض على ان أعطاه العهد لئن رجعت تلك الجموع خائبة ان يرجع معه الى حصنه يصيبه ما أصابه ولما انتهى الى رسول الله ﷺ خبر نقض بني قريظة بعث اليهم سعد بن معاذ وكانوا حلفاء في الجاهلية وبعث معه سعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير وقال لهم ان وجدتموهم ناقضين فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفهمه الناس وان وجدتموهم على الوفاء فأخبرونى ظاهرا فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم وشاتموهم فلما رجعوا الى رسول الله ﵌ الخوف (وبلغت القلوب الحناجر) أى زالت عن أماكنها حتي بلغت الحناجر من الفزع (وتظنون بالله الظنون) بحذف الالف وصلا ووقفا أهل البصرة وحمزة وباثباتها وصلا ووقفا أهل المدينة والشام وأبو بكر بن عاصم وباثباتها وقفا وحذفها وصلا الباقون ومعناه اختلفت الظنون وظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم (هنالك) أي عند ذلك (ابتلي المؤمنون) أي اختبروا بالحصر والقتال ليتبين المخلص من المنافق (وزلزلوا) حركوا (زلزالا شديدا) حركة شديدة (واذ يقول المنافقون) معتب بن قشير وقيل عبد الله بن أبي وأصحابه (والذين في قلوبهم مرض) شك وضعف اعتقاد ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً هو قول المنافقين يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع ان يجاوز رحله هذا والله الغرور (وزاد الأمر) بالنصب مفعول والفاعل في قوله ان تقدم ويجوز الرفع على انه فاعل (وسأله ان ينقض العهد فابى) زاد البغوى وقال لست بناقض ما بيني وبينه ولم أرمنه الاوفاء وصدقا (فلم يزل يخادعه بقول الزور الى آخره) لفظ البغوى عن ابن اسحق فلم يزل يقبله في الذروة والغارب (فالحنوا لى) بهمزة وصل وفتح المهملة أى تكلموا بكلام افهمه دون غيرى إذا للحن في الاصل ازالة الكلام عن جهته وأراد ﷺ ان لا يحصل في قلوب أصحابه حين يسمعون نقضهم خوف كما في سيرة ابن اسحاق ولا تفتوا أعضاد الناس أى ولا تكسروها (فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم) زاد البغوي عن ابن اسحق وقالوا لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد (وشاتموهم) فيه أيضا ان الذين شاتمهم سعد بن عبادة وكان رجلا فيه حدة فقال سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربي من المشاتمة
стр. 265
قالوا عضل والقارة ثم ان رسول الله ﵌ بعث الى عيينة بن حصن الفزارى والحارث بن عوف المري قائدى غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على ان يفرقا الجمع وبعد المراوضة في ذلك استشار ﷺ السعدين سيدي الانصار فقالا يا رسول الله امر أمرك الله به لا بد منه أم امر تحبه فتصنعه لنا قال بل رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت ان أكسر شوكتهم فقال سعد بن معاذ قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك وهم لا يطمعون بتمرة منا الا قرى أو بيعا أفحين اكرمنا الله بالاسلام واعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم الا السيف فقال له رسول الله ﵌ انت وذاك وترك ما كان هم به من ذلك ثم اقام رسول الله ﵌ والعدو ليس بينهم قتال الا الرمي بالنبل والحصا ومرة جاء عكرمة بن أبى جهل وعمرو بن عبدود في فوارس من قريش فلما وقفوا على الخندق قالوا ان هذه لمكيدة ما كان العرب تكيدها ثم اقحموا خيولهم مهزما من الخندق وجالوا في السبخة فخرج عليهم أمير المؤمنين علي بن أبى طالب في نفر من المسلمين فأخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها وأقبلت خيل قريش نحوهم فقتل على ﵇ عمرو بن عبدود وألقى (بعث الي عيينة بن حصن) واسم عيينة حذيفة وسمى عيينة لشين كان بعينيه (وقالوا) امتثالا لامره ﷺ (عضل) بفتح المهملة ثم المعجمة ولام (والقارة) بالقاف وعضل بطن من بني الهون والقارة أكمة سوداء فيها حجارة نزلوا عندها وهم أصحاب سرية الرجيع الذين قتلوا عاصما وأصحابه ومعناه وجدنا عندهم غدرا كغدر عضل والقارة (المرى) بضم الميم نسبة الي مرة القبيلة المعروفة ابن غطفان (غطفان) بفتح المعجمة فالمهملة (فاعطاهما ثلث ثمار المدينة) فيه جواز اعطاء المال للعدو لمصلحة المسلمين وقد صالح معاوية ملك الروم على الكف عن ثغور الشام بمال دفعه اليه ذكره أبو عبيد (وبعد المراوضة) بالراء والمعجمة وكانوا قد كتبوا الكتاب ولم يقع الشهادة كما في تفسير البغوي (شوكتهم) أى قوتهم (بتمرة) بالفوقية واسكان الميم (قرى) أى ضيافة (نعطيهم أموالنا) زاد البغوى مالنا بهذا من حاجة (والله ما نعطيهم الا السيف) حتى يحكم الله بيننا وبينهم (وترك ما هم به من ذلك) فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا (عكرمة) بكسر المهملة والراء وسكون الكاف أسلم عام الفتح (ابن عبدود) بضم الواو وفتحها وزاد البغوي وهبيرة بن أبى وهب المخزومي ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب (لمكيدة) بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية أى مكر وحيلة (مهزما) بالزاي أى مكانا ضيقا (السبخة) يعني سبخة المدينة (الثغرة) بتثليث المثلثة (فقتل على عمرو بن عبدود) قال البغوي وكان عمرو قاتل يوم بدر حتي أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق جاء معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال له على يا عمرو انك كنت عاهدت الله ان لا يدعوك رجل من قريش الى خلتين الا أخذت منه احداهما قال أجل
стр. 266
عكرمة بن أبى جهل رمحه وولوا منهز مين ففى ذلك قال حسان:
فرّ والقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل
ووليت تعدو كعدو الظليم ... ما إن يحور عن المعدل
ولم تلق ظهرك مستأنسا ... كأن قفاك قفا فرعل
وسقط نوفل بن عبد الله المخزومي في الخندق فنزل على كرم الله وجهه فقتله وأصيب يومئذ سعد بن معاذ رماه حبان بن العرقة بسهم في اكحله فقال سعد اللهم ان كنت أبقيت من حرب قال على بن أبي طالب فاني أدعوك الى الله والى رسوله والى الاسلام قال لا حاجة لى بذلك قال فاني أدعوك الى النزال قال ولم يابن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك قال على والله لكني أحب ان أقتلك فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عمرو عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا فقتله على وخرجت خيله منهزمة (عكرم) مرخم فيجوز فتح ميمه وضمها كما في نظائره (الظليم) بفتح المعجمة وكسر اللام ذكر النعام ويسمى هلقا وهقلا وخفيددا ونقيقا وصعلا (ما) نافية (ان) زائدة (يحور) يرجع (تلق) بضم الفوقية وبالقاف آخره (فرعل) بضم الفاء والمهملة وبينهما راء ساكنة ولد الضبع وقيل ولد الذئب منه (وسقط نوفل بن عبد الله المخزومي في الخندق) فرموه بالحجارة فقال يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه (فنزل اليه على فقتله) زاد البغوى فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله ﷺ ان يبيعهم جسده فقال رسول الله ﷺ لا حاجة لنا في جسده وثمنه فشأنكم به فخلا بينهم وبينه (وأصيب يومئذ سعد بن معاذ) قال البغوى قالت عائشة كنا يوم الخندق في حصن بني الحارثة وكان من أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربة وهو يقول:
لبث قليلا يلحق الهيجا حمل ... لا بأس بالموت اذاحان الاجل
فقالت أمه الحق يا بني والله لقد أخرت قالت عائشة فقالت لها يا أم سعد لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هى قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه قلت وهذا البيت لحمل بن سعدانة الكلبى وتمثل به سعد ﵁ (حبان) بكسر المهملة وبالموحدة (فائدة) كل ما في الصحيحين على هذه الصورة فهو بفتح الحاء وبالتحتية الاستة فبالحاء والموحدة منهم ثلاثة بفتح الحاء وهم حبان بن منقذ وحبان بن يحيى وحبان ابن هلال وثلاثة بكسرها وهم حبان بن موسى وحبان بن عطية (وحبان بن العرقة) بفتح العين المهملة وكسر الراء وقاف وهي أمه واسمها قلابة بالقاف المكسورة والموحدة بنت سعد بن هلهل وهى من عبد مناف ابن الحارث سميت العرقة لطيب رائحتها وأبوه أبو قيس بن علقمة بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن بغيض ابن عامر بن لؤى بن غالب وفي تفسير البغوى وغيره انه قال حين رماه خذها مني وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار وقيل ان القائل له ذلك أبو بكر ﵁ وجمع بينهما بانهما قالاه معا (في أكحله) بفتح
стр. 267
قريش شيأ فأبقنى لها وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة* ومن دعائه ﵌ على الاحزاب اللهم منزل الكتاب سريع الحساب أهزم الاحزاب اللهم أهزمهم وزلزلهم* وقال أيضا ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس رواه البخاري ثم كان من مقدمات اللطف أن جاء نعيم بن مسعود الغطفاني ثم الأشجعي الى رسول الله ﵌ فاسلم وقال يا رسول الله ان قومي لم يعلموا باسلامي فمرني بما شئت فقال له النبي ﷺ إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ان استطعت فانما الحرب خدعة والمعنى ان المماكرة هنا انفع من الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة عرق في وسط الذراع وهو عرق الحياة وفي كل عضو منه شعبة لها اسم اذا قطع لم يرقأ الدم (فابقنى) بقطع الهمزة (لها) أى للحرب وفي بعض نسخ البخاري له والحرب تذكر وتؤنث وللكشميهني لهم أي لقريش زاد البغوي فانه لا قوم أحب الى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه (تقر عينى) بضم أوله رباعي متعد وبفتحه ثلاثى لازم وقد تقدم معنى قرة العين (ملأ الله) في بعض روايات مسلم حشا الله بيوتهم وقبورهم في رواية لمسلم بدله وقلوبهم (عن صلاة الوسطى) هو من باب مسجد الجامع أي صلاة الصلاة الوسطى أو فعل الصلاة الوسطى زاد مسلم في رواية صلاة العصر وبه استدل أصحابنا على ان العصر هي الصلاة الوسطى أو فعل الصلاة الوسطى زاد مسلم في رواية صلاة العصر وبه استدل أصحابنا على ان العصر هي الصلاة الوسطى وفي الديباج عن بعضهم ان التفسير مدرج قال ولهذا سقط في رواية البخاري وفي رواية أبي داود يعنى العصر وهو صريح في الادراج انتهى ثم صلاها رسول الله ﷺ بين العشائين وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف وكان الاشتغال بالعدو عذرا في تأخير الصلاة وفي الموطأ ان الفائتة الظهر وفي غيره انه أخر أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمع الحفاظ بينهما بان وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الايام وهذا في بعضها (فائدة) اختار السيوطي ان الوسطى هي الظهر قال في الديباج وقد أوضحت ذلك في حواشى الروضة وقررت فيها الادلة على ما قررته من ان الوسطى الظهر ثم أفردت في ذلك تأليفا (اللطف) بضم اللام واسكان الطاء وبفتحهما كما مر (نعيم) بالتصغير (ابن مسعود) بن عامر (الغطفاني ثم الاشجعي) قال ابن عبد البر سكن المدينة ومات في خلافة عثمان على الصحيح (ان الحرب خدعة) رواه أحمد عن جابر وأنس ورواه الشيخان عن جابر وأبي هريرة ورواه أبو داود عن جابر وكعب بن مالك ورواه الترمذي عن جابر ورواه ابن ماجه عن ابن عباس وعائشة ورواه البزار عن الحسين ورواه الطبرانى عن الحسن وزيد بن ثابت وعبد الله بن سلام وعوف بن مالك ونعيم بن مسعود والنواس بن سمعان ورواه ابن عساكر عن خالد بن الوليد فهؤلاء أربعة عشر صحابيا وخدعة بفتح المعجمة واسكان الدال المهملة على الافصح قال ثعلب وغيره وهي لغة النبى ﷺ وبضم المعجمة واسكان المهملة وبضم المعجمة وفتح المهملة وهي أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن قال في التوشيح وقال ابن المنذر معناه الحرب الكاملة في مقصودها البالغة انما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة
стр. 268
المكاثرة وكما قالوا رب حيلة انفع من قبيلة ثم ان نعيم بن مسعود جاء الى اليهود وأخبرهم ان قبائل العرب ينصرفون ويتركونكم ومحمدا ولا طاقة لكم به فيرجع الشؤم والوبال عليكم فاتخذوا منهم رهائن لئلا ينصرفوا حتى يناجزوا محمدا فصدقوه في ذلك وتصادقوه ثم جاء الى قريش وأخبرهم ان اليهود قد ندموا وباطنوا محمدا ووعدوه أن يتخذوا منكم رهائن فيلقوا بهم اليه فيقتلهم وأخبر غطفان بمثل ذلك في كلام كثير زخرفه وزوقه وأوهم كلا منهم في الآخر ولما أصبحوا حشدت العرب للحرب وأرسلوا الى اليهود لينهضوا معهم فاعتذروا بأنه يوم سبتهم وانهم لا ينطلقون معهم حتى يعطوهم رهائن تدعوهم للمناجزة فصدقوا نعيم بن مسعود فيما كان حدثهم به ووقع في قلوبهم الوهن والتخاذل فافترقت عزائمهم وأرسل الله عليهم ريح الصبا في برد شديد فزلزلتهم وقلقلتهم واسقطت كل قائمة لهم وجالت الخيل بعضها فى بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حى يقول يا بني فلان هلم فاذا اجتمعوا عنده قال النجاء النجاء اتيتم* ففى صحيح البخاري عنه ﵌ نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وفيه أيضا نصرت بالرعب مسيرة شهر وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر انتهى وجوازها مقيد بان لا يكون في ذلك نقض عهد ومنها الكذب فيجوز في الحرب حقيقة خلافا للطبرانى وتعريضا والاقتصار عليه أفضل (المكاثرة) بالمثلثة ويجوز بالموحدة (جاء الى اليهود) زاد البغوى وكان لهم نديما في الجاهلية (الشؤم) بالهمز نقيض اليمن (والوبال) الخزي والهوان (فصدقوه) أي قالوا صدقت (وتصادقوه) أي رأوا انه صديق ناصح (زخرفه وزوقه) أى حسنه وزينه (بأنه يوم سبت) زاد البغوى وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث بعضنا فيه حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم (الوهن) الضعف (ريح الصبا) هى التى نأتي من قبل الكعبة كما مر (النجاء النجاء) بالمد والقصر أي أسرعوا أسرعوا (أتيتم) مبنى للمفعول أى أتاكم القوم (ففي) مسند أحمد و (صحيح البخاري) وصحيح مسلم من حديث ابن عباس (نصرت بالصبا) زاد الشافعى عن محمد بن عمرو مرسلا وكانت عذابا على من كان قبلي (وفيه أيضا) وفي سير النسائى عن جابر (نصرت بالرعب) زاد أحمد عن أبي إمامة يقذف في قلوب أعدائى (مسيرة شهر) بالنصب ولفظ رواية ابن عمرو وعند النسائى نصرت على العدو بالرعب ولو كان بينى وبينهم مسيرة شهر وفي الطبراني عن ابن عباس نصر رسول الله ﷺ بالرعب على عدوه مسيرة شهرين وأخرج عن السائب بن يزيد مرفوعا فضلت على الانبياء بخمس بعثت على الناس كافة ودخرت شفاعتى لامتى ونصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا خلفى وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي وللبيهقي من حديث أبي امامة ونصرت بالرعب
стр. 269
وفيه أيضا عن جابر ﵁ قال قال النبي ﷺ يوم الاحزاب من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير انا ثم قال من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا فقال من يأتينا فقال الزبير انا قال ان لكل نبي حواريا وحوارى الزبير وكان آخر رسول لرسول الله ﵌ حذيفة بن اليمان كما روينا ذلك في صحيح مسلم عن ابراهيم التيمى عن ابيه قال كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت فقال له حذيفة أنت كنت تفعل ذلك لقد رأيتنا مع رسول الله ﵌ ليلة الاحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله ﷺ ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معى يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال قم يا حذيفة وأتنا بخبر القوم فلم أجد بدا إذ دعانى باسمى ان أقوم قال اذهب فأتنى بخبر القوم ولا تذعرهم على فلما وليت من عنده جعلت كأنى امشي في حمام حتى اتيتهم فرأيت ابا سفيان يصطلى على النار فوضعت سهما في كبد القوس فاردت ان ارميه فذكرت قول رسول الله ﵌ لا تذعرهم مسيرة شهرين تسير بين يدي (وفيه أيضا) وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي (عن جابر) وأخرجه الترمذي أيضا وابن ماجه من حديث على (ان لكل نبى حواريا) أي صفيا مختصا به أو ناصرا أو وزيرا أو خليلا أو خالصا أو مخلصا أو ناصحا أو مجاهدا أو من يصحب الكبير أو من لا يصلح للخلافة غيره أقوال (وحواريي الزبير) بفتح الياء وكسرها كمصرخى (فائدة) استشهد الزبير يوم الجمل وهو ابن أربع وستين سنة قتله عمرو بن جرموز اليمنى وقال له على سمعت النبي ﷺ يقول بشر قاتل ابن صفية بالنار وقتله بعد ان نزع عن الحرب وانصرف (عن ابراهيم التيمى) ثقة ثبت مات سنة ثلاث وخمسين ومائة (عن أبيه) هو سالم أبو النصر (فقال رجل) زاد البغوي من أهل الكوفة (قاتلت معه فأبليت) لفظ البغوي والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الارض ولحملناه على أعناقنا ولخدمناه ولفعلنا وفعلنا (أنت) بهمزة الاستفهام (وقر) بضم القاف أي برد (جعله الله معى يوم القيامة) أي رفيقى في الجنة كما في البغوى أدخله الله الجنة (ثم قال) أى متراخيا ولهذا عبر بثم وفي البغوي ثم صلى هونا من الليل ثم التفت الينا فقال مثله في الزبير (ولا تذعرهم على) بفتح أوله واعجام الذال أي لا تفزعهم ولا تحركهم على ثم قال اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته (يصطلي) أي يستدفى وفي مسلم يصلي بفتح أوله وسكون الصاد (في كبد القوس) أي في مقبضها (فلما أتيته) زاد البغوي عن ابن اسحاق وهو قائم يصلي فلما سلم
стр. 270
عليّ ولو رميته لاصبته فرجعت وانا امشي في مثل الحمام فلما اتيته فأخبرته خبر القوم وفرغت قررت فألبسنى رسول الله ﵌ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال قم يا نومان ورواه ابن اسحق بزيادات وفيه فلما رأى أبو سفيان ما فعل الريح وجنود الله بهم لا تقر لهم قدرا ولا بناء قام فقال يا معشر قريش ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو قال حذيفة فأخذت بيد جليسي فقلت من أنت فقال سبحان الله اما تعرفني انا فلان بن فلان فاذا رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش انكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع واخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا فانى مرتحل ثم قام الى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله الا وهو قائم فسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين الى بلادهم وذكر تمام الحديث* ولما انتهى الى النبى ﷺ خبر انصرافهم قال الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير اليهم وكان يقول في كثير من المواطن شكرا لله وتذكرا لما أولاه لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الاحزاب وحده ولا شيء بعده وكان مدة حصارهم الخندق بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر وقيل خمسة عشر (أخبرته خبر القوم) زاد البغوي فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل (قررت) بضم القاف وكسر الراء أي بردت زاد البغوي وذهب عنى الدفء فأدناني النبى ﷺ فأنامنى عند رجليه وألقي على طرف ثوبه والتزق صدرى ببطن قدمه (عباءة) بفتح المهملة وبالمد كساء ذو خمل (يا نومان) بفتح النون وسكون الواو وهو كثير النوم (لا تقر لهم قدرا) بكسر القاف هو التور من الحجارة (فأخذت يد جليسي) انما فعل ذلك لئلا يتفطنوا له (فاذا رجل من هوازن) ولابن عائذ قبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال من أنت قال معاوية بن أبي سفيان وقبض على يد آخر عن يساره فقال من أنت قال أنا فلان فلعل الرجل من هوازن هو هذا (بدار مقام) في سيرة ابن اسحق بدار قرار (لقد هلك الكراع) بضم الكاف فيها أيضا لقد هلك الخف والحافر (ولقينا) باسكان التحتية (فما أطلق عقاله الا وهو قائم) لشدة عجلته ومبادرته (فانشمروا) بالنون الساكنة فالمعجمة أى ارتفعوا (وذكر تمام الحديث) يعنى رجوع حذيفة الى النبى ﷺ وما بعده (أولاه) أعطاه وصنع اليه (أعز جنده) المؤمنين (ونصر عبده) محمدا ﷺ (ولا شيء بعده) قال في التوشيح ان جميع الاشياء بالنسبة الى وجوده كالمعدوم أو كلها يفنى وهو الباقى فهو بعد كل شئ ولا شئ بعده انتهى وفيه جواز ترجيز الذكر والدعاء اذا لم يكن فيه تكلف (حم لا ينصرون) كان ذلك بامره ﷺ كما في سنن أبى داود والترمذى وغيرهما ان رسول الله ﷺ قال ليلة الخندق. ان نمتم الليلة فقولوا حم أى والله لا ينصرون انتهى وكأن لا ينصرون
стр. 271
يوما وكان شعار المسلمين فيهاحم لا ينصرون واستشهد من المسلمين ستة نفر وقتل من المشركين ثلاثة* وممن أسلم في هذا العام نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمى وقيل أسلم ببدر وكان من أسراها ونوفل هذا ممن ثبت مع رسول الله ﷺ يوم حنين واعانه بالخروج اليها بثلاثة ألاف رمح*
[الكلام علي غزوة بني قريظة وسببها]
وفيها غزوة بني قريظة وسببها ان النبى ﷺ لما أصبح من ليلة منصرف الاحزاب وكان وقت الظهر وضع السلاح واغتسل أتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال وضعت السلاح والله ما وضعناه اخرج اليهم فقال النبي ﵌ فأين فأشار الى بني قريظة فنادى منادي رسول الله ﵌ لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة وقدّم النبي ﵌ برايته أمير المؤمنين على ابن أبي طالب ثم سار خلفه قال أنس كأني أنظر الى الغبار ساطعا في زقاق بنى غنم موكب جبريل حين سار رسول الله ﵌ الى بني قريظة رواه البخاري وأدركتهم صلاة العصر في الطريق فصلاها قوم أخذوا بمفهوم اللفظ وامتنع آخرون فلم يصلوها تفسير لحم (واستشهد يومئذ من المسلمين ستة نفر) وهم أنس بن أويس بن عتيك الانصاري رماه خالد بن الوليد بسهم فقتله وعبد الله بن سهل بن زيد الاوسي والطفيل بن مالك بن النعمان الانصاري السلمي قتله وحشى ابن حرب وعبد الله بن سهل الانصارى حليف لبنى عبد الاشهل وقتادة بن النعمان وقيل استشهد باحد وسعد ابن معاذ مات من الرمية بعد الخندق بشهر وبعد قريظة بليال هذا كلام ابن عبد البر (وقتل من المشركين ثلاثة) عمرو بن عبدود ونوفل بن عبد الله كما مر ومنبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة (نوفل) بفتح النون والفاء وسكون الواو بينهما مات نوفل بالمدينة سنة خمس عشرة* وفيها أي في الرابعة أو الخامسة على الخلاف في غزوة الخندق غزوة بنى قريظة وكانت في آخر ذى القعدة (واغتسل) كان اغتساله عند زينب بنت جحش كما في تفسير البغوي ولا يستشكل بما يأتي ان زواج زينب كان في الخامسة اذ قد قيل ان الخندق فيها أيضا بل هو الصواب كما مر وبتقدير انها في الرابعة فقد قيل ان زواج زينب كان في الثالثة (أتاه جبريل) زاد البغوى معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة شهباء عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج (وهو) أى جبريل (ينفض رأسه) أى رأس نفسه وفي تفسير البغوى فجعل النبي ﷺ يمسح الغبار عن وجهه وعن وجه فرسه (والله ما وضعناه) زاد البغوي منذ أربعين ليلة وما رجعت الآن الا من طلب القوم (أخرج اليهم) فاني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال (لا يصلين أحد العصر) كذا في صحيح البخارى ولمسلم الظهر وجمع النووى بينهما بانه قال العصر لبعضهم والظهر لبعضهم واتفق أهل المغازى على انها العصر (برايته) هى اللواء (ساطعا) مرتفعا (زقاق) بضم الزاي وهو الطريق الضيق (بنى غنم) بفتح المعجمة واسكان النون (موكب) بالرفع على انه خبر
стр. 272
الا في بني قريظة ليلا آخذين بظاهره فلم يعنف النبي ﵌ أحدا منهم ولما نزل النبي ﵌ بساحتهم واشتدت وطأته أرسلوا اليه أن أرسل الينا ابا لبابة فأرسله اليهم فلما جاءهم تلقاه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم لولاء له منهم فقالوا أترى ان ننزل على حكم محمد فقال نعم وأشار بيده الى حلقه يعني أنّ حكمه القتل ثم ندم ابو لبابة وعلم أنه قد خان الله ورسوله فلم يرجع الى النبى ﵌ بل راح الى المسجد وربط نفسه بسارية وأقام على ذلك سبعة أيام لا يذوق ذواقا حتى خرمغشيا عليه فتاب الله عليه ونزل فيه أولا يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول الآية وآية توبته وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا الآية ولم يطأ بلد بني قريظة بعدها وكان له بها أموال وأشجان وقد كان بنو قريظة سألوا رسول الله ﵌ أن يقبل منهم ما قبل من اخوانهم بني النضير فأبى عليهم فحين تبين لهم انه غير قابل منهم وانسدت عليهم أبواب الحيل وانقطع رجاؤهم من كل أمل نزلوا على حكمه فجاء حلفاؤهم الاوس شافعين مبتدأ محذوف وبالنصب على تقدير أعني (فلم يعنف) أى لم يلم (ولما نزل ﷺ بساحتهم) كان نزوله على بئر من آبارهم في ناحية من أموالهم كما في تفسير البغوي والساحة من أسماء البقعة (وطأته) أي نزوله وبأسه (أبا لبابة) اسمه بشير وقيل رفاعة بن عبد المنذر زاد البغوي نستشيره في أمرنا (أتري) بفتح التاء (ان ننزل على حكم محمد) فى تفسير البغوي في سورة الانفال على حكم سعد بن معاذ (ذواقا) بفتح المعجمة (فتاب الله عليه) زاد البغوي وقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك فقال لا والله لا احل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني فجاءه فحله بيده ثم قال أبو لبابة من تمام توبتى ان أهجر دار قومى التى أصبت فيها الذنب وان انخلع من مالى كله صدقة فقال النبى ﷺ يجزيك الثلث ان تتصدق به (فائدة) جاء في حديث ذكره السهيلى من حديث حماد بن سلمة عن على بن زيد عن على بن الحسين ان فاطمة أرادت حله حين نزلت توبته فقال قد أقسمت ان لا يحلني الا رسول الله ﷺ فقال ﷺ ان فاطمة مضغة مني قال السهيلي فهذا حديث يدل على ان من سبها فقد كفر وان من صلى عليها فقد صلى على أبيها انتهى وهذا القول عجيب ولا يؤخذ من هذا الحديث ما ذكره فليتأمل (ولا تخونوا الله) بترك فرائضه (والرسول) بترك سننه (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) قال ابن عباس نزلت في عشرة منهم أبو لبابة وقيل خمسة هو منهم وقيل ثمانية هو منهم وقيل سبعة هو منهم وقيل ان الآية نزلت في تخلفه عن غزوة تبوك (ما قبل من اخوانهم بني النضير) وهو أخذ أموالهم وأجلاؤهم (فجاء حلفاؤهم الاوس شافعين) زاد البغوى فقالوا يا رسول الله انهم موالينا
стр. 273
فيهم كما شفعت الخزرج في حلفائهم بني قينقاع* وكان الاوس والخزرج متغايرين لا تصنع احداهما شيأ الا صنعت الاخرى مثلها من ذلك لما قتلت الاوس كعب بن الاشرف بأمر رسول الله ﵌ سألت الخزرج قتل أبى رافع فقتلوه فلما شفعت الاوس في بني قريظة قال لهم النبى ﵌ ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلا قال فذلك الى سعد بن معاذ وقد كان سعد جعله النبي ﵌ في خيمة فى جانب مسجده ليعوده من قريب فأتاه قومه فاحتملوه على حمار وأقبلوا به وهم يقولون له يا أبا عمرو أحسن في مواليك فقال لهم قد أنى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فحينئذ أيس قومه من بنى قريظة ونعوهم الى أهليهم قبل أن يحكم* ولما أقبل النبى ﵌ قال لمن عنده قوموا الى سيدكم وقيل اراد بها الانصار خاصة وقيل عم الكل فحكم سعد بقتل الرجال وقسمة الأموال وسبي الذراري والنساء فقال النبى ﷺ لقد حكمت بحكم الله وربما قال بحكم الملك فحبسهم النبي ﷺ في بيت واحد وخدّ لهم أخاديد في موضع سوق المدينة وخرج بهم ارسالا تضرب أعناقهم ثم يلقون في الاخاديد دون الخزرج وقد فعلت في موالى الخزرج بالامس ما قد فعلت (كما صنعت الخزرج في حلفائهم من بني قينقاع) فوهبهم لعبد الله بن أبي (فى خيمة) زاد البغوى لامرأة من المسلمين يقال لها رفيدة كانت تداوى الجرحي وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين (فاحتملوه على حمار) ووطؤا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما (أحسن في مواليك) زاد البغوي فان رسول الله ﷺ انما ولاك لتحسن فيهم (فقوموا الي سيدكم) فيه استحباب القيام لاهل الفضل وتلقيهم اذا أقبلوا (فقيل أراد بها الانصار خاصة وقيل عم الكل) حكاه القاضي عياض زاد البغوي بعد ذلك فقالوا يا أبا عمرو ان رسول الله ﷺ قد ولاك مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ان الحكم فيها ما حكمت قالوا نعم قال وعلى من هنا في الناحية التى فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ اجلالا له فقال رسول الله ﷺ نعم (لقد حكمت بحكم الله) زاد البغوي من فوق سبعة أرقعة والارقعة جمع رقيع بالقاف وهو من أسماء السماء سميت بذلك لانها رقعت بالنجوم قال السهيلي وفي غير رواية البكائى انه ﵊ قال في حكم سعد بذلك طرقني الملك سحرا (بحكم الملك) بكسر اللام وهو الله سبحانه وضبطه بعضهم في صحيح البخارى بالكسر والفتح قال القاضى فان صح الفتح فالمراد به جبريل وتقديره بالحكم الذى جاء به الملك عن الله (في بيت واحد) لبنت الحارث امرأة من بني النجار واسمها كبشة بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس التى كانت تحت مسيلمة الكذاب ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز (ارسالا) أفواجا (تضرب أعناقهم) وكان
стр. 274
وترك منهم من لم ينبت فممن ترك لعدم الانبات عطية القرظي جد محمد بن كعب القرظى المفسر الذي قال النبى ﵌ في حقه يخرج من الكاهنين رجل يدرس القرآن درسا لم يدرسه احد قبله ولا يدرسه أحد بعده وحين كانوا يخرج بهم للقتل قالوا لكعب بن أسد أين يذهب بنا فقال أفي كل موطن لا تعقلون اما ترون الداعي لا ينزع وان من ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل ولما خرجوا بحيى بن أخطب نظر الى رسول الله ﷺ وقال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكن من يخذله الله يخذل ففي ذلك قال جبل بن جوال التغلبي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل
وكان عدد من قتل منهم ستمائة أو سبعمائة وقيل بين الثمان المائة والتسع المائة وكان مدة حصارهم خمسا وعشرين ليلة او احدى وعشرين ليلة ثم قسم رسول الله ﷺ متولى ذلك علي والزبير رضى الله عنهما (وترك منهم من لم ينبت) وكان متولى كشف عوراتهم ليعرف ذلك مسلم بن بجرة الانصارى ذكر ذلك ابن شاهين (فممن ترك لعدم الانبات عطية القرظي) كما رواه ابن حبان والحاكم والترمذى وقال حسن صحيح عن عطية قال كنت من سبي بنى قريظة وكانوا ينظرون من أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل وكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت واستدل به الفقهاء على ان نبات شعر العانة الخشن دليل البلوغ في الكفار وانه يجوز كشف العورة للحاجة وهو (جد محمد بن كعب المفسر) الثقة الحجة سمع من علي وابن مسعود ومات سنة سبع عشرة أو ست عشرة ومائة (لا ينزع) أى لا ينتهي (حيى بن أخطب) زاد البغوي عليه حلة فقاحية قد شققها عليه بقدر الانملة من كل موضع لئلا يسلبها مجموعة يداه الى عنقه بحبل والفقاحية منسوبة الى الفقاح بتقديم الفاء المضمومة على القاف وآخره مهملة قال السهيلي وهو الزهر إذا انشقت أكمته وانصرفت براغيمه ونصفت أخفيته فيقال له حينئذ فقح وهو فقاح (جبل) بالجيم والموحدة المفتوحتين قال في القاموس صحابي (ابن جوال) بفتح الجيم والواو المشددة بن صفوان بن بلال الشاعر كان يهوديا فأسلم وكانت مقالته قبل ان يسلم (لعمرك) وحياتك (من يخذل الله) قيده السهيلي بنصب الهاء من اسم الله واستدل له بخبر ذكره في الروض (لجاهد) هي لام القسم (وقلقل) بالقافين حرك وفي البغوي انه قال أيها الناس انه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني اسرائيل ثم جلس فضربت عنقه وقتل يومئذ الزبير بالتكبير ابن باطيا والد عبد الرحمن ابن الزبير الصحابي بعد ان استوهبه ثابت بن قيس بن شماس من النبي ﷺ واستوهب منه أهله وماله أيضا ليد كانت له عنده من يوم وقعة بعاث ثم سأل عن جماعة من بني قريظة منهم كعب بن أسد ما فعلوا فأخبر بأنهم قتلوا فقال لثابت فاني أسألك بيدى عندك الا ما ألحقتنى بالقوم فو الله ما في العيش بعد
стр. 275
أموالهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما واخرج منها الخمس وكان نساؤهم وذراريهم سبعمائة وخمسين وقيل تسعمائة وبعث النبى ﷺ ببعضهم الى نجد ليشتري له بها خيل وسلاح
[الكلام على موت سعد بن معاذ ومناقبه ﵁]
ولما انقضى شأن بني قريظة استجاب الله دعوة سعد فانفجر جرحه فلم يرعهم وهم في المسجد الا والدم يسيل اليهم فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الدم الذي يأتينا من قبلكم فاذا سعد يغذو جرحه دما قالت عائشة فو الذي نفسي بيده انى لا أعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر* وروي أن جبريل نزل على النبي ﷺ فقال له من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واهتز له عرش الرحمن فخرج رسول الله ﷺ يجر ثوبه مسرعا فاذا سعد قد قبض وفي هذا المعنى أنشدوا:
وما اهتز عرش الله من موت هالك ... سمعنا به الا لسعد ابي عمرو
هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله قبلة دلو ناضح حتى ألقى الاحبة فضرب عنقه (للفارس ثلاثة أسهم) زاد البغوى وكانت الخيل ستا وثلاثين فرسا وكان أوّل فيء وقع فيه السهمان (وبعث النبي ﷺ سعد بن زيد الانصاري (ببعضهم الى نجد ليشترى له بها خيل وسلاح) زاد البغوى وكان قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خصافة فكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفي عنها انتهى قلت وفي هذا نظر «فائدة» لم يستشهد يوم بني قريظة سوى خالد بن سويد الخزرجي القت عليه امرأة قال الواقدى اسمها بناتة امرأة الحكم القرظي رحا فقتلته وقتلها رسول الله ﷺ به وأخرج ابن مندة وأبو نعيم ان رسول الله ﷺ قال ان له أجر شهيدين قالوا ولم يا رسول الله قال لان أهل الكتاب قتلوه قلت فيؤخذ منه ان مقتول أهل الكتاب له أجر شهيدين والله أعلم بالحكمة في ذلك وأخرجه أبو داود من رواية ثابت بن قيس بن شماس (فانفجر جرحه) لابن سعدانه مرت به عنز وهو مضطجع فاصاب ظلفها موضع الجرح وكان انفجاره من لبته كما في الصحيحين وغيرهما وهو بفتح اللام وتشديد الموحدة موضع القلادة وفي بعض نسخ مسلم من ليته بكسر اللام ثم تحتية ساكنة والليت صفحة العنق وفي بعضها من ليلته قال القاضي قالوا وهو الصواب انتهى وفي التوشيح ان هذه الثالثة تصحيف (فلم يرعهم) بضم الراء أي يفزعهم والمعنى انهم بيناهم في حال طمأنينة اذ أفزعتهم رؤبة الدم فارتاعوا له قال الخطابي وقال غيره المراد بهذا اللفظ السرعة لا نفس الفزع (يغذو) بمعجمتين أى يسيل وفي بعض نسخ الصحيحين يغذ بكسر الغين وتشديد الذال المعجمتين ومعناه يدوم سيلانه (اني لاعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر) وكانوا كما قال الله رحماء بينهم (من هذا الذى فتحت له أبواب السماء) أخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عمر (واهتز له عرش الرحمن) أخرجه أحمد ومسلم من حديث أنس وأخرجه أحمد والشيخان والترمذى وابن ماجه من حديث جابر وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد واسيد بن حضير ورميثة بنت عمرو قال السهيلي والعجب لما روى عن مالك من انكاره للحديث وكراهيته للتحدث به مع صحة نقله وكثرة الرواة له ولعل هذه الرواية
стр. 276
وفي حديث انه نزل في جنازته من الملائكة سبعون ألفا ما وطئوا الارض قبل ذلك ولما احتملوا نعشه ندبته امه كبيشة بنت رافع الخدرية فقالت:
ويل أم سعد سعدا ... صرامة وحدا
وسؤددا ومجدا
وفارسا معدا ... سدّ به مسدا
يقد هاما قدا
قالت عائشة قال رسول الله ﷺ ان للقبر لضمة لو كان احد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ ومناقب سعد بن معاذ ﵁ كثيرة ساد قومه على حداثة سنه وحين أسلم قال لهم كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تسلموا فأسلموا جميعا من يومهم وشهد بدرا واحدا والخندق وما قبلها وله في نصرة الاسلام مقامات جليلة ومشاهد لم تصح عند مالك واهتزاز العرش تحركه فرحا وسرورا بقدوم روح سعد جعل الله في العرش تمييزا حصل به هذا وهذا هو المختار كما قال النووي لان العرش جسم من الاجسام يقبل الحركة والسكون قال المازري لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك الا ان يقال ان الله جعل حركته علامة للملائكة على موته وقيل المراد أهل العرش أى حملته وغيرهم من الملائكة فحذف المضاف والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول وقال الحربي هو كناية عن استعظام شأن وفاته كما تقول العرب أظلمت لموت فلان الارض وقامت له القيامة وفيه قول باطل يذكر للتنبيه على بطلانه وهو ان المراد اهتزاز سرير الجنازة وهو النعش (وفي حديث انه نزل في جنازته الى آخره) أخرجه النسائي من حديث ابن عمر (كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة ثم معجمة (ويل أم سعد) بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة فالويل الهلكة أي وأهلكت أم سعد بعده (صرامة) بفتح الصاد المهملة أى قطعا (وحدا) بالمهملة (يقدهاما) بالتنوين (قدا) مصدر «فائدة» أخرج ابن سعد في الطبقات من حديث محمود بن لبيد قال قال رسول الله ﷺ كل نائحة تكذب الا أم سعد (قالت عائشة) فيما رواه أحمد (ان للقبر لضمة الي آخره) وأخرجه النسائى من حديث ابن عمر أيضا وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن عباس فيه اثبات عذاب القبر وانه حق يجب الايمان به وفي حديث النسائى ان سعدا ضم ضمة ثم فرج عنه وهى آخر ما يلحق المؤمن من الشدائد التى يكفر الله بها الذنوب أو يرفع بها الدرجات وذكر أبو سعد الاعرابي في كتاب الملحمة عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت يا رسول الله ما انتفعت بشيء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر وضمه فقال يا عائشة ان ضغطة القبر على المؤمن أو قال ضمة القبر على المؤمن كضمة الام الشفيقة يديها على رأس ابنها يشكو اليها الصداع وصوت منكر ونكير كالكحل في العين ولكن يا عائشة ويل للشاكين أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغط البيض على الصخر ولابن إسحاق من حديث أمية بن عبد الله قال قلت لبعض أهل سعد بن معاذ ما بلغكم في هذا يعني الضمة التي انضمها القبر عليه قال كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير قلت في النفس من صحة هذا الحديث شيء (ومناقب سعد كثيرة) منها ما أخرجه الشيخان والترمذي عن البراء رضى الله عنه قال
стр. 277
جميلة وختم الله له بالشهادة فمات حميدا شهيدا فقيدا ﵁*
[مطلب في الكلام على مشروعية تحريم الخمر وسبب ذلك]
قال اهل التواريخ وحرمت الخمر بعد الاحزاب بأيام وقيل بعد أحد وكان تحريمها على التدريج قيل والحكمة فيها انها قد كانت من افضل معايشهم وأشربتها قلوبهم فلو فجئهم تحريمها والعزيمة فى تركها دفعة واحدة لاستعظموه فنزل اولا بمكة ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ثم نزل بالمدينة جوابا لمن سأل عنها ويسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس فمنهم من شربها بعد ذلك ومنهم من تركها ثم صنع عبد الرحمن ابن عوف طعاما ودعا رجالا وسقاهم الخمر وحضرت الصلاة وصلى بهم احدهم بقل يا أيها الكافرون أهدى لرسول الله ﷺ جبة من سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها وفي رواية ثوب حرير فجعلنا نلمسه ونتعجب منه فقال والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا ومنها ما أخرجه الترمذي عن أنس قال لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون ما أخف ما كانت يعنون لحكمه في بني قريظة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال ان الملائكة كانت تحمله (فقيدا) أى لا أهل له (قال أهل التواريخ الخمر) أسماؤها كثيرة منها المدام والقهوة والراح والرحيق والسلاف والخندريس والعقار والاسفنط والمقذية والصهباء (على التدريج) أي قليلا قليلا (فجئهم) بكسر الجيم ثم همزة مفتوحة بغتهم (ومن ثمرات النخيل والاعناب) أى ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والاعناب (تتخذون منه) الكناية عائدة الى ما محذوفة أى ما يتخذون منه (سكرا) قال قوم منهم ابن مسعود وابن عمر هو الخمر وكان ذلك قبل تحريمها وقيل السكر ما يشرب وعن ابن عباس هو الخل بلغة الحبشة وقيل هو النبيذ المسكر وهو قول من يبيح شرب النبيذ ومن حرمه قال المراد الاحبار لا الاحلال (ورزقا حسنا) قيل هو الخل والدن والتمر والزبيب وقيل ما أكل منه وقيل هو ما أحل والسكر ما حرم (جوابا لمن سأل) وكان من السائلين عمر ومعاذ ونفر من الانصار قالوا يا رسول الله افتنا في الخمر والميسر فانهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فانزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وهو شرعا اسم لكل مسكر (والميسر) وهو القمار قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ زاد البغوي فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ ان الله تعالى تقدم في تحريم الخمر (ثم صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما الى آخره) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث على (وحضرت الصلاة) أي صلاة المغرب كما في سنن أبى داود (فصلى بهم أحدهم) هو سيدنا على رضى الله عنه كما فيهما قال صنع لنا ابن عوف طعاما فدعانا فأكلنا واسقانا خمرا قبل ان تحرم الخمر فاخذت منى وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ اعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فخلطت فنزلت لا تقربوا الصلاة وأنتم سكاري حتى تعلموا ما تقولون وعند أبي داود ان رجلا من الانصار دعاه عبد الرحمن بن عوف وفيه فأتاهم على رضى الله عنه فامهم وذكر الحديث
стр. 278
وحذف منها لا في جميعها فنزل قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى» فكانوا بعدها يشربونها بعد العشاء فيصبحون وقد صحوا ثم صنع عبد الرحمن بن عوف وقيل عتبان بن مالك طعاما ودعا رجالا فأكلوا وشربوا الخمر وتناشدوا الشعر وتطاول كل منهم على الآخر فأخذ أنصاري لحي بعير وضرب به رأس سعد بن أبي وقاص فشجه فأنزل الله العزيمة في تحريمها بقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ» وفي أثناء ذلك من مخازيها ما اشتهر في صحيح البخاري وغيره من قصة حمزة مع علي ﵄ في أمر الشارفين وقد كان قبل تحريمها والتشويش فيها تركها كثيرون من أجل فقد العقل واللب تكرما لا تدينا ثم أجمع المسلمون على تحريم الخمر ووجوب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) من شرب الخمر ونحواها وقيل أراد به سكر النوم (فيصبحون وقد صحوا) زاد البغوى ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو اذا جاء وقت الظهر (وقيل عتبان) بكسر العين المهملة وقيل بضمها (فشجه) زاد البغوى فانطلق الى رسول الله ﷺ وشكى اليه وروى أصحاب السنن عن عمر انه قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التى في البقرة فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التي في النساء فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التى في المائدة فقرئت عليه فقال انتهينا انتهينا (والانصاب) الاوثان (والازلام) القداح التى كانوا يستقسمون بها (رجس) خبث مستقذر (من عمل الشيطان) من تزيينه (فاجتنبوه) والكناية الى الرجس (في صحيح البخارى) وصحيح مسلم (في قصة حمزة مع على في أمر الشارفين) القصة انه شرب الخمر فسكر وقعد في بيت مع قينة تغنيه فقال:
ألا يا حمز للشرف النواء ... فهن معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها ... وضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من اطايبها لشرب ... قديدا من طبيخ أو شواء
فثار اليهما حمزة بالسيف فجب أسنمتهما وبقر خواصرهما ثم أخذ من أكبادهما فجاء علىّ النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة فاخبره الخبر فخرج فدخل على حمزة فتغيظ عليه فرفع حمزة بصره وقال هل أنتم الا عبيد لابي فرجع رسول الله ﷺ يقهقر حتى خرج عنهم هذا لفظ احدي روايات مسلم الا الابيات فانه ليس في الصحيحين سوي نصف البيت الاول والشارف بالمعجمة والفاء الناقة المسنة (تركها كثيرون) منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وقيس بن عاصم وعباس بن مرداس الاسلمي كما في الاستيعاب وغيره قال السهيلي وقبل هؤلاء حرمها على نفسه عبد المطلب بن هاشم وورقة بن نوفل وابن جدعان وشيبة بن ربيعة والوليد بن الوليد بن المغيرة ومن قدماء الجاهلية عامر بن الظرب العدوانى
стр. 279
الحد في شربها ولو جرعة واحدة لا تسكر وجلد ﷺ بالجريد والنعال وكذلك أبو بكر فلما كان عمر ووقع الرخاء وتتايع الناس فيها استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف أرى أن نجعلها كأخف الحدود يعني حد القذف فجلد ثمانين قال الشافعي ﵀ الذي لا بد منه أربعون وما زاد على ذلك موقوف على رأى الامام.
واعلم ان الخمر من الكبائر الجالبة للدوائر قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل مسكر حرام إن حتما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا الاسقاه الله يوم القيامة من طينة الخبال هل تدرون ما طينة الخبال قالوا لا قال عرق أهل النار. وقال أيضا لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبايعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها. وقال جعلت المعاصى كلها في بيت وجعلت مفتاحها الخمر.
[مطلب في الكلام على مشروعية الحج]
السنة الخامسة وما انطوت عليه فيها وقيل في السادسة أو التاسعة أو العاشرة افترض (وجلد ﷺ في شربها بالجريد والنعال الى آخره) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائى عن أنس والنعال بكسر النون (وتتايع الناس) بالتحتية كتتابع بالموحدة وزنا ومعنى الا ان التتابع بالتحتية لا يكون الا في الشر (فقال له عبد الرحمن بن عوف) لا ينافيه ما في الموطأ عن ثور بن زيد الديلى ان عمر استشار في حد الخمر فقال له على أري ان تجعله ثمانين فاذا شرب سكر واذا سكر هذى واذا هذي افترى لاحتمال انهما أشارا عليه معا (أري) بفتح الهمزة لا غير (كاخف الحدود) المذكورة في القرآن وهي حد السرقة بقطع اليد وحد الزنا بجلد مائة وحد القذف وفيه جواز القياس واستحباب مشاورة الامام ونحوه أصحابه وحاضري مجلسه في الاحكام (الذى لا بد منه أربعون) لانه فعله ﷺ وقال على وهذا أحب الي يعنى الاربعين وهذا بالنسبة الي الحر وأما من فيه رق فيجلد عشرين لما في مؤامرة فعل عمر ويكون الزائد على الاربعين تعزيرا حتى ان أفضي الضرب الي الهلاك وجب الضمان على عاقلة الوالى (تنبيه) ما في سنن أبي داود والنسائي عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ من شرب الخمر فاجلدوه الى الرابعة فاقتلوه منسوخ اجماعا كما حكاه الترمذي وغيره (كل مسكر حرام) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى وابن ماجه عن أبى موسى وأحمد والنسائى عن أنس وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وابن ماجه عن ابن مسعود وأحمد ومسلم وأصحاب السنن عن ابن عمر وأبو داود والشيخان عن عائشة والطبرانى عن تميم الداري (الخبال) بفتح المعجمة وتخفيف الموحدة (لعن الله) الخمر (الي آخره) رواه أبو داود والحاكم عن عمر وفيه جواز لعن أرباب المعاصى (وجعل مفتاحها شرب الخمر) هو على طريق التمثيل لان صاحبها يسكر فيفعل المعاصى فسمي الشرب مفتاحا* السنة الخامسة (فيها) أى في الخامسة وجزم به الرافعي في الحج (وقيل في السادسة) وصححه الرافعي في السير وتبعه في الروضة ونقله في المجموع عن الاصحاب ونسبه
стр. 280
الحج فنزل قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وقد كان قبل ذلك مما تدين به الجاهلية مع أحداث أحدثوها فيه خلاف ملة ابراهيم ﷺ وقد حج معهم النبى ﷺ قبل الهجرة وخالفهم فيما خالفوا من شرع ابراهيم صلوات الله عليه* واعلم ان الحج من اركان الاسلام ودعائمه العظام بدليل قوله عليه أفضل الصلاة والسلام بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان رواه الأئمة واللفظ للبخاري ورووا أيضا واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله ﵌ فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﵌ لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم ثم قال ذرونى ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فاذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم واذا نهيتكم عن شىء فدعوه. ثم ان وجوبه اجماع وانكرته الملحدة حيث عرضوا أفعاله على عقولهم السخيفة كالتجرد عند الاحرام والوقوف والرمى والرّمل فحين لم يعرفوا وجه الحكمة والمراد بها جانبوه جملة فكفروا وجهلوا إذ لم يعلموا أن الواجب على العبيد امتثال أحكام المولى فيما يريده وانقياد أهل العقول لما جاء به الرسول عرف وجه الحكمة في ذلك أو جهل فى التوشيح الي الاكثر بن قال لان فيها نزول وأتموا الحج والعمرة لله وقيل فرض قبل الخامسة أيضا (الحج) بكسر الحاء وفتحها لغتان وهو لغة القصد وشرعا قصد البيت بالنسك المعلوم (وَلِلَّهِ) واجب (عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) قريء بالفتح والكسر (مَنِ اسْتَطاعَ) أى أطاق (إِلَيْهِ سَبِيلًا) طريقا (مع أحداث أحدثوها) منها النسيء ومنها الوقوف بمزدلفة (وقد حج معهم النبي ﷺ قبل الهجرة) قال الحبر الطبرى حجتين (بنى الاسلام على خمس الى آخره) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر (شهادة) بالجر على البدل وبالرفع على الابتداء وكذا ما بعده (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج إلى آخره) رواه مسلم والنسائى (فقال رجل أكل عام) هو الاقرع بن حابس (لو قلت نعم) فيه دليل على جواز قول لو بلا كراهة والنهى عنها ليس هذا محله (ولما) هي لام القسم دخلت على ما النافية (ذرونى) اتركوني (فانما هلك) الذي في أكثر نسخ صحيح مسلم فانما أهلك مع حذف التاء من كثرة سؤالهم ورفعه ورفع اختلافهم وفي بعض النسخ كما هنا (فاذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) هذا الحديث من جملة قواعد الاسلام موافق لقوله وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الملحدة) جمع ملحد والالحاد لغة الميل سموا به لميلهم عن الحق وعدولهم عنه (السخيفة) بفتح المهملة وكسر المعجمة واسكان التحتية وفتح الفاء أي الضعيفة (والمراد بها) بالنصب
стр. 281
ولذلك كان ﵌ يقول في تلبيته لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق ولا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة وكذلك العمرة وقال قوم يجب في كل خمسة أعوام مرة لحديث إن عبدا وسعت عليه في الرزق لم يفد الىّ في كل خمسة أعوام لمحروم وهو حديث لا يصح ويرده الاجماع أيضا. واعلم ان وجوبه بعد الاستطاعة على التراخى وقال بعض المالكية على الفور وقال بعضهم ان أخره بعد ستين فسق وردت شهادته لقوله ﵌ اعمار أمتى ما بين الستين الى السبعين فكأنه في هذه العشر قد تضايق عليه الخطاب قلت وهذا قول حسن ويؤيده قوله تعالى أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قال علي وابن عباس هو ستون سنة (لبيك حقا حقا تعبدا ورقا) رواه ابن الصلاح وغيره في علوم الحديث بصيغة تمريض فقال وروي عن محمد بن سيرين عن أخيه يحيي عن أخيه أنس عن أنس بن مالك ان رسول الله ﷺ قال لبيك حقا حقا تعبدا ورقا انتهى وفي الحديث لطيفة وهو ان فيه ثلاثة اخوة يروى بعضهم عن بعض وروي النسائى عن أبي هريرة قال كان في تلبية رسول الله ﷺ (لبيك اله الحق) ومعنى لبيك أي أنا مقيم على طاعتك اقامة بعد اقامة مأخوذ من قولهم ألب بالمكان اذا قام به وقيل معناها اتجاهي وقصدي اليك من قولهم داري تلب دارك أى تواجهها وقيل محبتي لك مأخوذ من قولهم امرأة لبة اذا كانت محبة ولدها عاطفة عليه وقيل معناها اخلاصى لك من قولهم حسب لباب أى خالص محض ومنه لب الطعام ولبابه قال القاضى قيل هذه الاجابة لقوله تعالى لابراهيم وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ واختلفوا في لبيك هل هو مثنى أم مفرد والصحيح تثنيته أى اجابة لك بعد اجابة (ولا يجب الحج في العمر الامرة) لخبر مسلم والنسائي السابق (وكذا العمرة) بضم العين مع ضم الميم واسكانها وبفتح العين واسكان الميم وهي لغة الزيارة وقيل القصد الي مكان عامر وشرعا زيارة البيت للنسك المعلوم أي لا تجب في العمر الا مرة وللعلماء في وجوب العمرة خلاف وللشافعي قولان أظهرهما وجوبها لقوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ولخبر ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن عائشة قالت قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة وأما خبر الترمذي عن جابر سئل النبى ﷺ عن العمرة أواجبة هي قال لاوان تعتمروا فهو أفضل وفي رواية وان تعتمر فهو خير لك ضعيف باتفاق الحفاظ قال النووى ولا يغتر بقول الترمذى فيه حديث حسن صحيح قال وقال أصحابنا ولو صح لم يلزم منه عدم وجوبها مطلقا لاحتمال ان المراد ليست واجبة على السائل لعدم استطاعته (ان عبدا وسعت عليه الرزق الى آخره) أخرجه ابن حبان في صحيحه (علي التراخي) لان الحج وجب سنة خمس أوست على الصحيح كما مر وأخره ﷺ الى سنة عشر بلا مانع وقيس به العمرة وقد يجبان فورا لعارض نذرأ وخوف غضب أو قضاء (وقال بعض المالكية) بل قاله مالك وأبو حنيفة وأحمد وآخرون كما نقله النووي في شرح مسلم (أعمار أمتي ما بين الستين الى السبعين) وأقلهم من يجوز ذلك أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة وأخرجه أبو يعلي من حديث أنس (قال على وابن عباس هو ستون سنة) وقيل البلوغ وقيل ثماني عشرة سنة وقيل أربعون
стр. 282
وروينا في صحيح البخاري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﵌ اعذر الله الى امريء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة. وأحسن مما قالوا أن يقال انه بعد الستين يتضيق عليه الأمر ويتوجه عليه اللوم ولا يبقى حاله فيما بعدها كما قبلها من غير تعد الى الفسق والجرح لأنّ جرح من صحت عدالته عسير والله أعلم قال العلماء رحمهم الله تعالى لوجوبه خمسة شروط الاسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة اما الكافر والمجنون فلا يجب عليهما ولا يصح منهما واما العبد والصبي فلا يجب عليهما ويصح منهما تطوعا ولا يسقط به فرض الاسلام (اعذر الله الى امريء) أى بلغه سنا لا يكون له عند الله عذران لم يعمل بطاعته قال أهل اللغة يقال اعذر في الامر اذا بالغ فيه أى اعذر غاية الاعذار الذى لا اعذار بعده (لوجوبه) أى الحج وكذا العمرة (خمسة شروط) الاول الاسلام فلا تجبان على كافر اصلى وجوب مطالبة نعم المقرر انه مخاطب بالفروع فيعذب على تركهما في الآخرة زيادة على عذاب الكفر (و) الثاني (البلوغ) فلا تجبان على صبى كسائر الفروض (و) الثالث (العقل) فلا تجبان على مجنون كذلك (و) الرابعة (الحرية) فلا تجبان على من فيه رق لان منافعه مستحقة للسيد فليس مستطيعا (و) الخامس (الاستطاعة) فلا تجبان على غير المستطيع لمفهوم الآية (ولا يصح منهما) اما الكافر فمطلقا لافتقار النسك الى النية وليس من أهلها وأما المجنون فلا يصح منه المباشرة كسائر العبادات ومثله الصبى الذي لا يميز ويجوز لولي مالهما الاحرام عنهما والنيابة في ذلك وكذا لسيد العبد غير المميز ويقع تطوعا في مسلم وأبى داود عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ لقى ركبا بالروحاء ففزعت امرأة فاخذت بعضد صبي صغير فاخرجته من محفتها فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر وجه الدلالة ان الصبي الذي يحمل بعضده ويخرج من المحفة لا يكون مميزا وقيس به المجنون ولا دلالة له في الحديث على ان الام تحرم عن الولد اذ لا تصريح فيه بذلك وقوله ولك أجر لعله أراد به أجر الحمل والنفقة وبتقدير احرامها عنه فلعلها كانت وصية أو مأذونة للولى (وأما العبد والصبي) المميزان فالولى مخير ان شاء أذن لهما فباشرا الاحرام فيصح منهما المباشرة كسائر العبادات وان شاء أحرم عنهما على الاصح في أصل الروضة وما في شرح مسلم عن الاصحاب انه لا يجوز غير معتمد وان نقل مقتضاه في المجموع عن الشافعى والاصحاب (لا يسقط به فرض الاسلام) لخبر ايما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى رواه البيهقى باسناد جيد كما قاله في المجموع ورواه الخطيب والضياء عن ابن عباس وزاد وأيما اعرابي حج ثم هاجر فعليه ان يحج حجة اخري وهذا يحتاج الي تأويل ولان النسك لا يجب في العمر الامرة فاعتبر لوقوعه حال الكمال فلو تكلفه غير مستطيع وقع عن فرضه لكمال حاله بخلاف غير المكلف ومن فيه رق نعم لو وقف الصبى أو المجنون أو القن كاملا أجزأه عن فرض الاسلام فان كان سعي بعد طواف القدوم قبل كماله وجب عليه اعادة السعي
стр. 283
وغير المستطيع لا يجب عليه ويصح منه ويجزيه عن الفرض. والمستطيع نوعان مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره فالمستطيع بنفسه من قدر على الذهاب ووجد مؤنته ذهابا وإيابا فاضلة عمن تلزمه نفقتهم وعن دينه والمستطيع بغيره أن يكون عاجزا لكبر أو مرض لا يرجي برؤه وله مال فيلزمه أن يستأجر من يؤدي عنه فرضه ولو لم يكن له مال ووجد من يطيعه لزمه أن يأمره. وأركان الحج خمسة الاحرام والوقوف وطواف الافاضة (وغير المستطيع لا يجب عليه) لما مر (ويصح منه) لانه من أهل العبادة (ويجزيه عن الفرض) لكمال حاله كما مر (من قدر على الذهاب) والاياب (ووجد مؤنته) زادا وراحلة (فاضلة عمن تلزمه نفقتهم) وكسوتهم اللائقة به (وعن دينه) ولو مؤجلا أو أمهل به ولو الى الاياب وعن مسكن وخادم يحتاجهما لكن محل اعتبار الراحلة لمن على مرحلتين من مكة أو دونهما وهو ضعيف وإلا وجب عليه المشى اذ لا ضرر عليه بخلاف القادر عليه بزحف أوحبو ويعتبر لمن يتضرر بالراحلة ان يجد شق محمل بشراء أو اجارة وشريكا ليداوله ولو باجرة فان تضرر بالمحمل فكنيسة وهي أعواد مرتفعة بجوانب المحمل عليها ستر يدفع الحر والبرد ويجب صرف رأس مال تجارة وثمن ضيعة ذلك ونفيس عبد ودار لا يليقان به ان كفاه الزائد على اللائق ومن كان يكسب في يوم كفاية أيام لزمه النسك ان قصر سفر والدين الحال على ملئ مقرا أو عليه بينة كالحاصل والمال الموجود بعد خروج القافلة كالعدم وبقى للاستطاعة شروط أخر مستوفاة في كتب الفقه (والمستطيع بغيره ان يكون عاجزا) عن النسك (لكبر أو مرض لا يرجي برؤه) وأيس من قدرته على الحج والعمرة (وله مال فيلزمه ان يستأجر من يؤدي عنه فرضه) لحديث ابن عباس في الصحيحين ان امرأة من خثعم قالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع ان يثبت على الراحلة أفاجج عنه قال نعم (ولو لم يكن له مال ووجد من يطيعه لزمه ان يأمره) ان كان قد سقط عنه فرض الاسلام ويلزمه ان يلتمس ذلك منه ان توسم فيه الطاعة وسوي الاجنبى والبعض الا اذا كان البعض فقيرا وماشيا وهو على مرحلتين من مكة فلا يجب على المغصوب القبول منه (وأركان الحج خمسة) الاول (الاحرام) وهو الدخول في النسك بالنية ويسن التلفظ والتلبية سمى بذلك لاقتضائه دخول الحرم أو لاقتضائه تحريم الاشياء المحرمة على المحرم (و) الثانى (الوقوف) بعرفة لقوله ﷺ الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج أيام مني ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه رواه أحمد وأصحاب السنن الاربعة والحاكم والبيهقي في السنن عن عبد الرحمن بن يعمر ويكفي الحضور باى جزء منها لقوله ﷺ وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف رواه مسلم وحدودها معروفة ويكفى المرور بها في طلب نحو آبق وان لم يعلم انها هى ووقته ما بين زوال عرفة بالاتفاق الى فجر النحر لما مر في الحديث ولو غلط الجم الغفير فوقفوا العاشر جاز لما في وجوب القضاء من المشقة (و) الثالث (طواف الافاضة) قال تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
стр. 284
والسعي والحلق وواجباته ستة الاحرام من الميقات والجمع بين الليل والنهار بعرفات والمبيت بمزدلفة ليلة النحر والمبيت ليالى مني المرمي والرمي وطواف الوداع. ويسقط عن الحائض والنفساء فمن ترك ركنا لم يصح حجه ولا يحل من احرامه حتى يأتى به. وثلاثة منها لا تفوت مادام حيا وهي الطواف والسعي والحلق. واما الواجبات فمن ترك منها شيئا صح حجه وعليه دم.
وواجبات الطواف وسننه مستوفاة في كتب الفقه (و) الرابع (السعي) بين الصفا والمروة لحديث الصحيحين عن ابن عمر انه ﷺ طاف بين الصفا والمروة سبعا وقال ﷺ خذوا عني مناسككم ولحديث الدار قطنى والبيهقي باسناد حسن كما في المجموع يا أيها الناس اسعوا فان السعي قد كتب عليكم وهو مستوفي ثم أيضا (و) الخامس (الحلق) أى ازالة شعر الرأس به أو بنتف أو افراق أو قص أو تقصير وبقى ركن سادس وهو ترتيب المعظم فيجب تأخر الوقوف عن الاحرام وتأخر طواف وحلق عنه وتأخر سعي عن طواف افاضة ان لم يكن سعى بعد طواف القدوم (وواجباته ستة) الاول (الاحرام من الميقات) للاتباع (و) الثانى (الجمع بين الليل والنهار بعرفات) بان لا يفيض حتى تغرب الشمس والاظهر ان ذلك سنة (و) الثالث (المبيت بمزدلفة) وهي ما بين وادي محسر ومأزم عرفة للاتباع المعلوم من الاحاديث الصحيحة وانما يجب مبيت جزء بعد مضي النصف لان الدفع بعد نصف الليل جائز للحديث الصحيح وهم لا يصلون مزدلفة غالبا الا بعد مضى ربع الليل ويسقط المبيت بعذر (و) الرابع (المبيت ليالى) بالنصب على الظرف (منى) للاتباع ويحصل ذلك بمبيت معظم الليل ويسقط بعذر أيضا لحديث ابن عباس في سقاية العباس وحديث عدى ابن عاصم في رعاة الابل روى الاول الشيخان والثاني أصحاب السنن الاربعة وصححه الترمذي (و) الخامس (الرمي) أي رمي يوم النحر والرمي أيام التشريق وواجباته وسننه مستوفاة ثم أيضا (و) السادس وليس من خصائص الحج ولا من المناسك (طواف الوداع) للاتباع ولا يجب الا على من أراد سفر مرحلتين من مكة فاكثر (ويسقط عن الحائض والنفساء) لانه ﷺ أمر صفية حين حاضت ان تنقل؟؟؟ بلا وداع كما في الصحيحين وغيرهما وفيهما عن ابن عباس أمر الناس ان يكون آخر عهدهم بالبيت الا انه خفف عن الحائض وقيس بها النفساء (ولا يحل من احرامه حتى يأتي به) ان كان المتروك الحلق مع الطواف والسعى أو أحدهما أو الرمي مع الطواف والسعى أو أحدهما فان كان المتروك الحلق فقط أو الطواف أو السعي فقط حل التحلل الاول وبقي التحلل الثاني فلا يحل له الجماع ولا مقدماته ولا عقد النكاح على ما حكاه في العزيز عن الاكثرين وجري عليه في الروضة والمنهاج خلافا لما في الشرح الصغير والمحرر من جواز المقدمات وعقد النكاح قبل التحلل الثانى (وأما الواجبات فمن ترك منها شيئا لزمه دم) كدم التمتع وهو ذبح شاة جذعة ضأن أو ثنية معز وتفرق لحمها على مساكين الحرم فان عجز صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع الي وطنه (تنبيه) لم يذكر
стр. 285
واما سننه وتفاصيل أعماله ومحظوراته فهي واسعة ليس هذا موضع بسطها وستأتي جمل من ذلك في حجة النبي ﵌ حجة الوداع والله أعلم
[مطلب في قدوم ضمام بن ثعلبة أخي بني سعد بن بكر وإسلامه]
ومن حوادث هذه السنة قدوم ضمام بن ثعلبة أخى بني سعد بن بكر أهل رضاع النبي ﵌ وقيل كان فدومه سنة سبع أو تسع وقد روينا حديثه في الصحيحين بألفاظ ومعان مختلفة وحملنى ذلك على ان آتي بكل منهما على حدته اما رواية البخارى فقال حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث عن سعيد المقبرى عن شريك بن عبد الله بن ابي نمر انه سمع أنس بن مالك يقول بينما نحن جلوس مع النبى ﵌ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم أيكم محمد والنبى ﷺ متكيء بين ظهرانيهم فقلنا هذا الرجل المتكيء الأبيض فقال له الرجل يابن عبد المطلب فقال له النبي ﵌ قد اجبتك فقال الرجل للنبي ﷺ انى المصنف أركان العمرة وهى ما عدا الوقوف من أركان الحج (محظوراته) بالظاء المعجمة أى ممنوعاته من الحظر وهو المنع ومن قوله تعالى وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي ممنوعا (موضع) بكسر الضاد وبالفتح خبر ليس (حجة الوداع) بالكسر بدل من الاول ومن حوادث هذه السنة (ضمام) بكسر المعجمة وتخفيف الميم (أهل رضاع) بالكسر بدل من بنى (أو تسع) وهو الصواب كما جزم به ابن اسحاق وأبو عبيدة وغيرهما (وقد روينا حديثه في الصحيحين) وسنن أبي داود والترمذي والنسائي كلهم عن أنس ورواه النسائي عن أبي هريرة أيضا (على حدته) أى على انفراده كما مر أوّل الكتاب (عبد الله بن يوسف) هو أبو محمد الدمشقى السيسى الكلاعي الحافظ قال ابن معين ما بقى في الموطأ أوثق منه توفي سنة سبع عشرة ومائتين (عن سعيد) هو ابن أبى سعيد كيسان قال أحمد ليس به بأس توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (المقبرى) بضم الباء وفتحها كان ينزل المقبرة فنسب اليها (شريك) بالمعجمة والراء مكبر (ابن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم المدنى قال ابن معين لا بأس به وقال النسائي ليس بالقوي وأبو نمر جده صحابى لا يعرف اسمه (فأناخه) أي بركه في المسجد فيه جواز ادخال البهائم المساجد ان لم يفض الى تنجيسها (متكئ) بالهمز أى مرتفق على احدي يديه (بين ظهرانيهم) بفتح المعجمة والراء والنون واسكان الهاء والالف والمثناة أي بينهم قال في التوشيح وزيد فيه الف ونون ليدل على ان ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه وهو محفوف بهم من جانبيه والالف والنون فيه للتأكيد قاله صاحب الفائق وقال غيره هو مما أريد به بلفظ التثنية معنى الجمع (الابيض المتكئ) للنسائى من رواية أبي هريرة هذا الامغر المرتفق والامغر بالمعجم الابيض المشرب بحمرة (يابن عبد المطلب) في أكثر نسخ الصحيح بحذف حرف النداء مع فتح الهمزة ولم ينسبه الى أبيه لما سيأتي عنه الكلام على قوله