ليخبرنى انه مسموم ثم دعاها فاعترفت فقال ما حملك على ذلك قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت ان كان ملكا استرحت منه وان كان نبيا فسيخبر فتجاوز عنها فلما مات بشر بن البراء قتلها قصاصا قال أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﵌ وقالت عائشة كان رسول ﵌ وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت منه بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم خرج الشيخان أكثره وجملة من استشهد من المسلمين بخيبر أربعة عشر رجلا وقيل قريبا من عشرين رجلا قال ابن هشام وذكر سفيان بن عيينة أئمة أهل السنة فيه وفي أمثاله فمنهم من يقول هو كلام يخلقه الله في الجماد وحروف وأصوات يحدثها الله فيه ويسمعها منه دون تغير شكله ونقله عن هيئته ومنهم من يقول يوجد الله الحياة فيها أولا ثم يوجد فيها الكلام وقال الجبائي من المعتزلة له يخلق الله في الجماد حياة ويخلق له فما ولسانا وآلة يمكنه بها الكلام قال عياض لو كان هذا لكان نقله والتهمم به اكد من التهمم بنقل تسبيحه أو حنينه (على ذلك) بكسر الكاف (فتجاوز عنها) كما قاله ابن اسحاق في السيرة وهى احدي روايتين عن أبي هريرة وفي أخرى عنه فامر بها فقتلت والجمع بين ذلك انه ﷺ تجاوز عنها أولا (فلما مات بشر بن البراء) بعد أن اعتل سنة كما قاله السهيلي دفعها لاولياء بشر فقتلوها كما في حديث ابن عباس وفي كتاب شرف المصطفي انه (قتلها) وصلبها وذكر الصلب غريب (اعرفها) أي الأكلة يعنى أثرها (لهوات) بثلاث فتحات جمع لهاة وهي اسم اللحمة المعلقة في أقصى الفم (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام) في سيرة ابن اسحاق انه قال ذلك لام بشر بن البراء لما دخلت تعوده في مرض موته فقال يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التى أكلت مع ابنك تعادني (فهذا أوان انقطاع أبهري) ومعنى تعادني يراجعنى ويعاودني ألم سمها قال الداوودي الالم الذى حصل له ﷺ من الاكلة هو بعض الاذوقة قال ابن الأثير وليس ببين لان بعض الذوق ليس بألم (أبهري) بفتح الهمزة وسكون الموحدة عرق يكتنف الصلب والقلب اذا انقطع مات صاحبه (من ذلك) بكسر الكاف زاد ابن اسحاق وكان المسلمون يرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدا مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوة قال الشمني فان قيل ما الجمع بين قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وبين هذا الحديث المقتضى ان موته ﷺ بالسم الصادر من اليهودية والجواب ان الآية نزلت عام تبوك والسم كان بخيبر قبل ذلك «فائدة» أخرج الطبراني عن عمار بن ياسر ان رسول الله ﷺ كان لا يأكل الهدية حتي يأمر صاحبها ان يأكل منها للشاة التى أهديت له (أربعة عشر رجلا وقيل قريبا من عشرين) وهم عامر بن الاكوع ومحمود بن الربيع كما في الكتاب وباقيهم كما في الاستيعاب وغيره أنيف بن حبيب قال في الاستيعاب ذكره الطبري وواثلة ذكره ابن اسحاق وأوس بن الفاكه الانصارى وأوس بن عائذ وأوس ابن حبيب وثابت بن واثلة وثعلبة بن عنمة بفتح المهملة والنون وقيل استشهد يوم الخندق والحارث بن حاطب
стр. 352
عن الاجلح عن الشعبي ان جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر فقبل رسول الله ﵌ بين عينيه والتزمه وقال ما أدرى بايهما أسر أكثر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر وقدم بقدوم جعفر أبو موسى الاشعري ورفقته الاشعريين وقد سبق ذلك في حديث أسماء بنت عميس في فضلهم عند ذكر هجرتهم قال اهل السيرة ولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف الى وادى القرى فحاصر اهله وفتحه الله عليه وأصيب به مولاه مدعم فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال النبى ﷺ بل والذي نفسي بيده ان الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا
[مطلب في زواجه صلي الله عليه وسلم بصفية بنت حي]
ولما انتهى ﷺ في مرجعه من وجهه ذلك الى سد الصهباء حلت له صفية بنت حيى فجهزتها له أم سليم ثم ضربت له قبة فدخل بها فيها فلما أصبح أمر بالأنطاع فبسطت ثم دعا بفضولات الأزواد فأتى بها فحاسوا حيسا ثم دعا المسلمين فأكلوا الانصاري ورفاعة بن سروج الاسدي من أسد خزيمة وربيعة بن أكثم بن سخبرة الاسدي قتله الحارث اليهودي بالبطاة وهى اسم اطم بخيبر ومسعود بن سعد الزرقي وقيل استشهد ببئر معونة وعبد الله بن أبي الهيب بن أهيب بن سحيم السعدي الليثي وعمارة بن عقبة الغفارى أصابه سهم فمات وعروة بن مرة بن سراقة الانصارى الأوسي وعدى بن مرة بن سراقة البلوى وسليم بن ثابت بن قيس بن زغبة بن راعوى بن عبد الاشهل وأبو الصباح الاوسي واسمه اميمة وقيل عمير بن ثابت وأبو سفيان بن الحارث بن قيس الانصارى فهؤلاء عشرون (الاجلح) بتقديم الجيم لقب بذلك لجلحة كانت به واسمه يحيي (فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه) أى عانقه كما في رواية عن جابر ففيه ندب تقبيل القادم ومعانقته حتى من الفاضل للمفضول بشرط أن لا يكون أمرد خلافا لمالك حيث خصه برسول الله ﷺ (ما أدرى بأيهما أسر أكثر) وفي رواية ما أنا (بفتح خيبر) أسر منى (بقدوم جعفر) والمعنى أن فتح خيبر وقدوم جعفر متقاربان في النفع لفئة الاسلام أما خيبر فلما فتح الله عليهم منها وأما جعفر فبنجدته وشجاعته (وادى القرى) مر ذكره (مدعم) بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين (سد الصهباء) بفتح السين المهملة وضمها مكان على بريد من خيبر (حلت له صفية) أى طهرت من الحيض فجهزتها أي زينتها وجملتها على عادة العروس بما ليس بمنهي عنه من نحو وشم زاد مسلم وأهدتها له أى زفتها له من الليل ففيه أن الزفاف ليلا لا بأس به كهو نهارا (بالانطاع) جمع نطع بفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وسكونها افصح من كسر النون مع فتح الطاء وجمع على نطوع أيضا (ثم دعا بفضولات لا زواد) أي ببواقيها فقال من كان عنده شيء فليجيء به فجعل الرجل يجيئ بالاقط وجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الرجل يجيء بالسمن (فحاسوا حيسا) أى خلطو الاقط والسمن والتمر وعجنوه في هذا الحديث ادلال الكبير على أصحابه وطلب طعامهم وفيه كون
стр. 353
فكانت وليمته على صفية. قيل لأنس يا أبا حمزة ما أصدقها قال نفسها أعتقها وجعل عتقها صداقها وقال الناس لا ندري أتزوجها أم اتخذها ام ولد قالوا ان حجبها فهى امرأته وان لم يحجبها فهى ام ولد فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير فعرفوا انه قد تزوجها وكان ﷺ يضع ركبته لها اذا أرادت ان تركب فتضع صفية رجلها على ركبته ثم تصعد قال أنس فانطلقنا حتى اذا رأينا جدر المدينة هششنا اليها فرفعنا مطينا ورفع رسول الله ﷺ مطيته قال وصفية خلفه قد اردفها فعثرت مطية رسول الله ﷺ فصرع وصرعت وليس احد من الناس ينظر اليه ولا اليها حتى قام رسول الله ﷺ فسترها قال فأتيناه فقال لم نضر قال فدخلنا المدينة فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن لصرعتها روى ذلك في الصحيحين قال ابن عمر ما زال رسول الله صلى لوليمة وانها بعد الدخول وان جازت قبله (فكانت) اسمها مستتر فيها (وليمته) بالنصب على الخبر (قيل لانس) القائل له ثابت البناني كما في رواية في الصحيحين (يا ابا حمزة) بالحاء والزاي (وجعل عتقها صداقها) قال النووي اختلف العلماء في معناه والذي اختاره المحققون انه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط ثم تزوجها برضاها بلا صداق وهذا من خصائصه ﷺ وقيل معناه شرط عليها أن يعتقها ويتزوجها فقبلت فلزمها الوفاء به وقيل معناه أعتقها وتزوجها على قيمتها وكانت مجهولة وكل ذلك من خصائصه ﷺ وفيه ندب اعتاق الأمة ثم تزوجها (أي حجبها فهي امرأته) استدل به مالك والزهرى وموافقوهم على صحة النكاح بلا شهود اذا أعلن وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين (عجز) بفتح العين وضم الجيم (يضع ركبته الى آخره) فيه ملاطفة النساء والتودد لهن وحسن المعاشرة لهن وذلك من خلقه العظيم الذى أثني الله عليه به (هششنا) بكسر الشين الاولى وسكون الثانية وفي بعض النسخ هشنا بفتح الهاء وتشديد الشين ثم نون وهي علي حد هزت بسيفى ومعناهما نشطنا وخففنا وانتعشت نفوسنا اليها وشينه مضمومة في المضارع مكسورة في الماضى ورواه بعضهم في مسلم هشنا بكسر الهاء وسكون الشين وهي من هاش بمعنى هش (فعثرت) بفتح الثاء أى سقطت (فصرع وصرعت) أي سقط وسقطت (قال لم نضر) زاد مسلم فجعل يمر على نسائه فيسلم على كل واحدة منهن سلام عليكم كيف أنتم يا أهل البيت فيقولون بخير يا رسول الله كيف وجدت أهلك فيقول بخير ففيه ندب السلام على المرأة والاهل وان يجيء في السلام بلفظ الجمع ليتناول المسلم عليه وملائكته وفيه سؤال الرجل أهله عن حالهم وفيه ندب سؤال الرجل عن حاله بعد الدخول على أهله (جواري نسائه) أي صغيرات الاسنان فيهن (يتراءينها) أى ينظرن اليها (يشمتن) بفتح الميم في المضارع وكسرها في الماضي وأصل الشماتة فرح العدو بمصيبة
стр. 354
الله عليه وسلم يعتذر الى صفية في قتل ابيها ويقول يا صفية ان أباك ألب علىّ العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسها. قال أهل السير وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق ان قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا الا انك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة أخضرت عيناها منها فأتى بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه فأخبرته بذلك فأتى رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع فسأله عن كنز بنى النضير وكان عنده فجحده فدفعه الى الزبير يعذبه حتى يخبرهم فأبى ثم بعد ذلك دفعه الى محمد بن مسلمة فقتله بأخيه والله أعلم* وروينا في صحيح مسلم عن ابي هريرة ان رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة خيبر سار ليله حتى اذا عدوه (الب) بتشديد اللام أي جمع وجيش وحرض قالوا واصله من قولهم فلان البه مع فلان أى صفوه وميله (عن كنز بني النضير) قال القاضي نقلا عن أبي عبيد وغيره كان بنو الحقيق صالحوا رسول الله ﷺ وشرط عليهم أن لا يكتموه كنزا فان كتموه فلا ذمة لهم فسألهم عن كنز حيي ابن اخطب فكتموه وقالوا اذهبته النفقات ثم عثر عليه عندهم فانتقض عهدهم فسباهم فهذا يدل على ان الكاتمين كانوا جماعة من بنى الحقيق سوى كنانة والذى هنا هو الذي في سيرة ابن اسحاق (فجحده) زاد ابن اسحاق وقال لا علم لى بمكانه فجيء برجل من اليهود فقال لرسول الله ﷺ اني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله ﷺ لكنانة أرأيت ان وجدناه عندك انقلك قال نعم فامر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت فاخرج منها بعض كنزهم ثم سألهم ما بقى فابى أن يؤديه (فدفعه الى الزبير يعذبه) وكان يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه (فقتله باحيه) لابن اسحاق فضرب عنقه (فائدة) كانت صفية من نسل هرون بن عمران فمن ثم لما بلغها أن حفصة قالت انها بنت يهودي بكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكى قال ما يبكيك قالت قالت لى حفصة أنت ابنة يهودى فقال النبى ﷺ انك لابنة نبى وان عمك لنبي فبم تفخر عليك ثم قال اتقي الله يا حفصة أخرجه الترمذي وصححه والنسائي عن أنس (في صحيح مسلم) وغيره (قفل) بقاف ثم فاء أي رجع والقفول الرجوع (من غزوة) قال النووي يقال غزوة وغزاة (خيبر) هذا ما في أكثر أصول صحيح مسلم وهو الصواب كما قاله الباجي وأبو عمر بن عبد البر وغيرهما وقال عياض هذا قول أهل السير وهو الصحيح قال وقال الاصيلي انما هي حنين بالمهملة والنون وهذا غريب ضعيف ولابي داود من حديث ابن مسعود ان ذلك كان في منصرفهم من الحديبية وفي مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلا ان ذلك كان بطريق تبوك ونحوه للبيهقي في الدلائل من حديث عقبة بن عامر وفي رواية لابي داود ان ذلك كان في جيش الأمراء قال في التوشيح وتعقبه ابن عبد البر بان تلك غزوة مؤتة ولم يشهدها النبي ﷺ وهو كما قال انتهى قلت مسلم انه لم يشهدها لكنه خرج ممدا لهم حين بلغه قتل الأمراء فاتفق له ذلك بالطريق كما نقله عياض في الشفاء عن الطبرى والله أعلم وذهب جماعة منهم النووي الى تعدد وقوع
стр. 355
أدركه الكرى عرس وقال يا بلال إكلأ لنا الليل فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله ﵌ وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال الى راحلته مواجه الفجر فغلبت بلالا عيناه وهو مستند الى راحلته فلم يستيقظ رسول الله ﵌ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس وكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا ففزع رسول الله ﵌ فقال أي بلال فقال بلال أخذ بنفسي الذى أخذ بأبى أنت وأمي يا رسول الله بنفسك فقال النبى ﷺ ذلك جمعا بين الروايات لا سيما وفي سياق الاحاديث اختلاف وفي بعضها ان الذى كلأ الفجر بلال وفي بعضها ذو مخبر (الكرا) بفتح الكاف وتخفيف الراء النعاس وقيل النوم قال النووي ويقال منه كرى بفتح الكاف وكسر الراء يكرى بفتحها كراء فهو كر وامرأة كرية بتخفيف الياء التحتية (عرس) بتشديد الراء والتعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة قاله الخليل والجمهور وقال أبو زيد هو النزول مطلقا يدل عليه ما في حديث الافك فنزلوا معرسين في نحر الظهيرة (إكلأ لنا الفجر) أى ارقبه واحفظه واحرسه وهو بهمزة وصل أوله وهمزة ساكنة آخره ومصدره كلأ بكسر الكاف والمد قاله الجوهرى وكلاه بزيادة هاء وفيه ندب مراقبة الاوقات والمحافظة عليها (استند) أى ألقى ظهره (مواجه الفجر) بالنصب على الحال أى حال كونه جاعلا وجهه في جهة الفجر (فغلبت بلالا) مفعول (عيناه) فاعل أي غلبه النوم وأضاف الفعل الى العينين لانهما محله (ضربتهم الشمس) أي أثر فيهم حرها (تنبيه) لا ينافى ذلك قوله ﷺ ان عيني تنامان ولا ينام قلبي اذ القلب انما يدرك الحسيات المتعلقة به كحدث وألم ونحوهما ولا يدرك ما يتعلق بالعين كطلوع الفجر والعين حينئذ لم تدرك لكونها نائمة وان كان القلب يقظان وهذا الجواب أصح وأشهر وجواب آخر قال النووي انه ضعيف وهو انه كان له حالان أحدهما ينام فيه القلب وصادف فيه هذا والثاني لا ينام (فكان رسول الله ﷺ أولهم) بالفتح خبر كان (استيقاظا) لا ينافيه ما في صحيح مسلم وغيره عن عمران بن حصين فكان أوّل من استيقظ أبو بكر وكنا لا نوقظ رسول الله ﷺ من منامه اذا نام حتى يستيقظ أى لما كانوا يتوقعونه من الايحاء اليه في المنام ثم استيقظ عمر فقام عند نبى الله ﷺ فجعل يكبر ويرفع صوته حتي استيقظ رسول الله ﷺ لان ذلك كان في نوم آخر في هذه السفرة أو في غيرها قاله النووي وغيره (ففزع رسول الله ﷺ أي انتبه وقام بسرعة اهتماما بشأن الصلاة وخوفا أن يكون منه في ذلك تقصير (فقال أي بلال) كذا في أكثر النسخ بحرف النداء قال النووي فكذا هو في روايتنا وضبطه جماعة أين بلال بحرف الاستفهام عن المحل نقله عياض (فقال بلال أخذ بنفسي الذي أخذ بأبي وأمي أنت بنفسك) سبب قول بلال هذا أنه خاف اذ دعاه رسول الله ﷺ أنه انما دعاه ليعنفه على ما فعل فقال ما قال معتذرا وقوله بنفسك متعلق باخذ
стр. 356
ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته فان هذا منزل حضرنا فيه الشيطان قال ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم صلى سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة ثم قال من نسى الصلاة فليصلها اذا ذكرها فان الله تعالى قال أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وكان ابن شهاب يقرؤها للذكرى انتهى ملفقا عن ابي هريرة قال العلماء والحكم في الفائتة بالنوم وغيره من الأعذار ايضا كذلك فقد قال في حديث أبى قتادة الطويل المشتمل على معجزات رسول الله ﷺ حين ناموا عن صلاتهم قال فجعل بعضنا يهمس الى بعض ما كفارته ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا فقال ﷺ اما لكم فيّ اسوة ثم قال انه ليس في اليوم تفريطا انما التفريط على من وقوله بأبي أنت وأمي كلام معترض بينهما (ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته) هذا ما في رواية أبي حازم عن أبي هريرة ورواية سعيد بن المسيب عنه قال اقتادوا فاقتادوا رواحلهم يؤخذ منه ان قضاء الفائتة بعذر لا يجب فورا (فان هذا منزل حضرنا فيه الشيطان) أي فكان حضوره سببا لنومنا عن الصلاة فيه كراهة الصلاة في هذا الوادى وفي كل محل ورد أنه مأوى الشياطين (ثم صلى سجدتين) أى ركعتين وهما راتبة الفجر ففيه قضاء السنن الراتبة اذا فاتت (ثم أقيمت الصلاة) وفي رواية ابن المسيب وأمر بلالا بالاقامة فاقام الصلاة ففيه ثبوت الاقامة للفائتة وفيه اشارة الى عدم الاذان لها وهو الجديد من قولى الشافعي والقديم وهو الاظهر ثبوت الاذان لها ففي حديث أبي قتادة ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة والجواب عن حديث أبي هريرة كما قال النووى أنه لا يلزم من عدم ذكره أنه لم يؤذن فلعله أذن وأهمله الراوى أو لم يعلم به أو لعله ترك الاذان في هذه لبيان جواز تركه واشارة الى عدم وجوبه سيما في السفر (فصلى الغداة) فيه عدم كراهية تسميتها بذلك وفي رواية ابن المسيب فصلى بهم ففيه استحباب الجماعة في الفائتة (من نسى الصلاة الى آخره) أخرجه أحمد والشيخان والترمذى والنسائى من حديث أنس ومسلم من حديث أبي هريرة أيضا (فليصلها اذا ذكرها) هذا محمول على الاستحباب اعني استحباب المبادرة بها كما هو قضية الفاء (أقم الصلاة لذكري) أي لتذكرني فيها قاله مجاهد وقال مقاتل اذا تركت صلاة ثم ذكرتها فاقمها وهو ظاهر استدلاله ﷺ بها (ابن شهاب) محمد بن مسلم (يقرؤها للذكرى) مصدر ذكر يذكر (في حديث أبى قتادة الطويل) هو في صحيح مسلم عقب حديث أبي هريرة هذا (بهمس) بفتح الياء وكسر الميم آخره مهملة والهمس الكلام الخفي (انه ليس في النوم تفريط) أي لان النائم ليس مكلفا كما أجمع عليه العلماء لقوله ﷺ رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلي حتى يبرأ وفي رواية وعن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر وفي رواية حتي يحتلم رواه أحمد والحاكم عن عمر وعلى وعائشة ومسلم عن عمر وعلى وأبو داود والنسائى وابن ماجه عن عائشة وانما وجب عليه القضاء بامر جديد علي المذهب الصحيح وقيل بالخطاب السابق وأما وجوب ضمان ما أتلفه نائما فهو لان غرامة التلفات لا يشترط لها تكليف اجماعا ومن ثم أوجب الله في كتابه الدية
стр. 357
لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها قالوا والفائتة لغير عذر كذلك أيضا في وجوب القضاء وانما يختلفان في جواز التأخير فيجوز تأخير الفائتة لعذر على الصحيح ولا يجوز تأخير الفائتة لغير عذر على الاصح وقال بعضهم لا يجوز تأخير واحدة منهما واستدل بهذه الاحاديث وهي حجة قوية وحملها الجمهور على الاستحباب وشذ بعض الظاهرية فقال لا يجب قضاء الفائتة لغير عذر وزعم انها اعظم من أن يخرج من وبال معصيته بالقضاء والله اعلم*
[مطلب في إسلام أبي هريرة ﵁ وبعض خبره]
وممن اسلم بخيبر ابو هريرة واسمه عبد الرحمن بن صخر على الاصح من نحو ثلاثين قولا كما قاله النووي وكنى بهريرة كان يربيها* روينا في صحيح البخارى عنه قال اتيت رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعد ما افتتحها فقلت يا رسول الله اسهم لى فقال بعض بنى سعيد بن العاص لا تسهم له يا رسول الله فقال ابو هريرة هذا قاتل ابن قوقل قال ابن سعيد بن العاص واعجباه لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن ينعى على قتل رجل مسلم والكفارة علي من قتل مؤمنا خطأ مع عدم اثمه اجماعا (حتي يجيء وقت الصلاة) فيه امتداد وقت كل صلاة الى دخول وقت الاخري وخرجت الصبح بقوله من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح رواه الشيخان والاربعة عن أبي هريرة والمغرب فيها قولان أظهرهما امتداد وقتها الى العشاء (فليصلها حين ينتبه لها) تمامه فاذا كان الغد فليصلها عند وقتها ومعنى ذلك أنه اذا قضاها لا يتحول وقتها ويتغير في المستقبل بل يبقى كما كان فيصليها في الغد في وقتها لا أنه يقضي الفائتة مرتين مرة في الحال ومرة في الغد على الصواب قال النووي وقد اضطربت أقوال العلماء فيه واختار المحققون ذلك (والفائتة بغير عذر كذلك في وجوب القضاء) لانه اذا وجب القضاء على ذى العذر فغيره أولى بالوجوب (فيجوز تأخير الفائتة بعذر على الصحيح) وفيه وجه حكاء البغوي وغيره انه لا يجوز وعلى الاول لو مات بعد التمكن من القضاء فلم يقض عصى (ولا يجوز تأخير الفائتة بغير عذر على الاصح) لان توبته لا تصح الا بفعلها وقيل لا تجب على الفور بل له التأخير (واستدل بهذه الاحاديث) يعنى قوله فليصلها اذا ذكرها والفاء للتعقيب (وحملها الجمهور على الاستحباب) كما قدمته (وشذ) بالمعجمتين (بعض الظاهرية) نقله النووي (فقال لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر) هذا خطأ من قائله وجهالة قاله النووي (ابن قوقل) بقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة بوزن جعفر واسمه النعمان بن مالك بن ثعلبة وقوقل لقب لثعلبة الخزرجي وكان النعمان استشهد يوم أحد أثخنه صفوان بن أمية وذفف عليه أبان بن سعيد (لوبر) بفتح الواو وسكون الموحدة آخره راء دابة صغيرة كالسنور وحشية وأراد أبان بذلك أن يحقره وأنه ليس في مقام من يشير بعطاء ولا منع (تدلى) نزل من أعلى الى أسفل وفي رواية تحدر وهو بمعناه وفي أخري تدأدأ بمهملتين بينهما همزة ساكنة من الدأدأة وهى صوت الحجارة في السيل وللمستملى في صحيح البخاري بدل الدال الثانية راء ويروي تردى بمعنى تحدر (من قدوم) بفتح القاف وضمها طرف (ضأن) في رواية الضأن بلام التعريف وهو بهمزة رأس الجبل لانه موضع الغنم غالبا وقيل بلا همز جبل لقومه دوس (ينعي عليّ) يذكر لى (قتل رجل) في رواية في الصحيح
стр. 358
أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه قال فلا ادري اسهم له أولم يسهم له ورواه البخاري في موضع آخر أبين من هذا على غير هذا الوجه لكن رواه معلقا بصيغة التمريض فقال ويذكر عن الزبيدي عن الزهري قال أخبرني عنبسة بن سعيد انه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال بعث رسول الله ﷺ أبان على سرية من المدينة قبل نجد قال أبو هريرة فقدم أبان وأصحابه على رسول الله ﷺ بخيبر بعد ما افتتحها وان حزم خيلهم الليف قال أبو هريرة قلت يا رسول الله لا تقسم لهم قال أبان وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضال فقال النبي ﷺ يا أبان اجلس فلم يقسم لهم* قلت وأبان هذا هو أبان بن سعيد بن العاص وهو الذي أجار عثمان يوم الحديبية حين أرسله النبي ﷺ الى مكة وأسلم بعيد ذلك وعن أبي هريرة قال لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق
يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نحّت
قال وابق مني غلام في الطريق قال فلما قدمت على النبى ﷺ فبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لى رسول الله ﷺ هذا غلامك يا أبا هريرة قلت هو حر لوجه الله فأعتقته وروينا في صحيح مسلم عنه قال كنت أدعو أمي الى الاسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت يا رسول الله اني كنت أدعو أمي الى الاسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فاسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ اللهم اهدأم أبى هريرة ينعي على امرأ (أكرمه الله علي يدى) أى بالشهادة وفي رواية بيدي (ولم يهنى) بضم أوله رباعي أي لم يخزني (علي يديه) بان يقتلني فأموت على الكفر (لكن رواه معلقا بصيغة التمريض) قلت أسنده في باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيشدد فقال حدثنى الحميدي ثنا سفيان ثنا الزهري قال أخبرني عنبسة ابن سعيد أنه سمع أبا هريرة فذكره وعنبسة بالمهملة فالنون فالموحدة فالمهملة بوزن علقمة (أبان) بالصرف على الاشهر (حزم) بالمهملة فالزاي مضمومتين جمع حزام (الليف) في بعض نسخ الصحيح لليف (من رأس ضال) بالمعجمة واللام الخفيفة وهو السدر البري (وهو الذي اجار عثمان الى آخره) كما قاله ابن اسحاق في سيرته وغيره (بعيد ذلك) بالتصغير أي عقبه (وعنائها) تعبها ومشقتها (طلع الغلام) بفتح المهملة واللام أى ظهر (كنت أدعو امي) قال في سلاح المؤمن اسمها أميمة بنت صفيح بضم المهملة وفتح الفاء آخره مهملة هذا هو الصحيح المشهور وقيل اسمها ميمونة (فادع الله أن يهدى أم أبي هريرة) في هذا وما يأتي بعده ندب طلب الدعاء ممن يتوسم فيه الخير وفي قوله ﷺ (اللهم اهد أم أبى هريرة)
стр. 359
فخرجت مستبشرا بدعوة رسول الله ﷺ فلما جئت فصرت الى الباب فاذا هو مجاف فسمعت أمي خشفة قدمى فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها وفتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت الى رسول الله ﷺ وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله ابشر فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادعو الله أن تحببني انا وأمي الى عباده المؤمنين ويحببهم الينا قال رسول الله ﵌ اللهم حبب عبيدك هذا يعنى أبا هريرة وأمه الى عبادك المؤمنين وحبب اليهم المؤمنين فما خلق الله مؤمنا سمع بي ولا يرانى الا أحبنى ومع تأخر اسلامه فقد روى العدد الكثير وروى عنه الجم الغفير حتى لا يعلم فى أصحاب رسول الله ﵌ احفظ منه ولا أوسع منه رواية وذلك بخصيصة خاصة حصلت له وهى ما رويناه في الصحيحين عنه واللفظ لمسلم قال يقولون ان أبا هريرة قد أكثر والله الموعد ويقولون ما بال المهاجرين والانصار لا يحدثون بمثل أحاديثه وقوله اللهم حبب عبيدك هذا الى آخره دليل علي جواز التحصين بالدعاء (مجاف) بضم الميم وتخفيف الجيم آخره فاء خفيفة أي مغلق واجاف الباب اذا أغلقه (خشفة قدمى) بمعجمتين الاولى مفتوحة والثانية ساكنة والخشف والخشفة صوت حركة ليست شديدة (مكانك) بالنصب علي الاغراء أى الزم (خضخضة) بمعجمتين مكررتين أى صوت تحريكه (ولبست) بكسر الموحدة (درعها) أي قميصها (وعجلت عن خمارها) مبادرة منها الى اخبار أبي هريرة بما يشرح له صدره (أشهد أن لا اله الا الله وأشهد ان محمد عبده ورسوله) فيه سرعة استجابة دعائه ﷺ بعين ما سأل وذلك من اعلام النبوة (فحمد الله الى آخره) فيه استحباب حمد الله والثناء عليه عند حصول النعم (فقد روى العدد الكثير) في كتب الامهات وغيرها حتى قال سعيد بن أبي الحسن وابن حنبل انه أكثر الصحابة حديثا وهو ظاهر (حتى لا يعلم في أصحاب رسول الله ﷺ احفظ ولا أوسع رواية منه) روي عنه انه قال أنا أكثر الصحابة حديثا الا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب وظاهر هذا مساواة عبد الله له لكن ما نقل وروي من حديث أبى هريرة أكثر (فائدة) قال أحمد بن حنبل ستة من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر والرواية عنه عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله وابن عباس وأنس انتهى (وهي ما روينا في الصحيحين) وسنن الترمذي وطبقات ابن سعد (قد أكثر) أي أكثر الحديث وجاء بأحاديث لم نسمعها (والله) بالرفع (الموعد) بفتح الميم وكسر المهملة أي فيحاسبنى ان كنت تعمدت كذبا على رسوله
стр. 360
وسأخبركم عن ذلك ان اخواني من المهاجرين والانصار كان يشغلهم الصفق بالاسواق وكنت ألزم رسول الله على ملء بطني فأشهد اذا غابوا واحفظ اذا نسوا ولقد قال لهم رسول الله ﵌ يوما أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثى هذا ثم يجمعه الى صدره فانه لم ينس شيئا سمعه فبسطت بردة كانت على جنى حتى فرغ من حديثه ثم جمعتها الى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثنا به فلولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا أبدا «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى» الى آخر الآيتين ومع ذلك فقد امسك عن بعض ما أسمع خشية الفتنه وان لا تبلغه الافهام روي عنه قال اعطانى رسول الله ﵌ ﷺ ويحاسب من ظن بي سوءا (وسأخبركم) (عن) سبب (ذلك) أي كوني أكثرهم حديثا (شغلهم) بفتح أوله وحكى ضمه قال النووى وهو غريب (الصفق) بفتح المهملة وسكون الفاء وهو ضرب اليد على اليد كناية عن التبايع لجريان عادة المتبايعين بضرب يده على يد صاحبه (بالاسواق) جمع سوق يؤنث ويذكر وسميت به لقيام الناس فيها على سوقهم (القيام على أموالهم) وللبخاري العمل في أموالهم ولمسلم في رواية أخرى عمل أرضهم (على ملء بطنى) وللبخارى وأن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ لشبع بطنه ولمسلم في أخرى كنت أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطنى ومعناه كما قال النووي اقنع بقوتى ولا أجمع مالا لذخيرة ولا غيرها ولا أزيد على قوتها والمراد من حيث حصل القوت من الوجوه المباحة وليس هو من الخدمة بالاجرة وفي حديث أبي هريرة هذا دليل على ذكر جواز الشخص نفسه بفضله اذا ترتب على ذلك مصلحة (فاشهد اذا غابوا واحفظ اذا نسوا) وللبخاري ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون (أيكم يبسط ثوبه) للبخاري اني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه قال ابسط رداءك (فبسطت بردة كانت على جنبي) زاد الترمذي فحدثني كثيرا يؤخذ من ذلك ندب بسط رداء عند قراءة القرآن والحديث والدعاء ثم جمعه الى الصدر وللبخاري فغرف بيده ثم قال ضمه فضممته قال في التوشيح لم يذكر المغترف منه وكأنها كانت اشارة محضة انتهى وانما غرف ﷺ في الرداء ليجمع به البركة من كفيه ﷺ (حتى فرغ من حديثه) وكان ذلك الحديث ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين أو ثلاثا أو أربعا أو خمسا مما فرض الله فيتعلمهن ويعلمهن الا دخل الجنة أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق الحسن عن أبي هريرة (فما نسيت إلي آخره) فيه معجزة ظاهرة له ﷺ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى) نزلت فيمن كتم من اليهود صفة محمد ﷺ وآية الرجم وغيرها من الاحكام التى كانت في التوراة (الى آخر الآيتين) وللبخارى الي قوله الرحيم (روى عنه قال أعطاني رسول الله ﷺ الى آخره) رواه البخاري بلفظ حفظت من رسول الله ﷺ وعائين أى نوعين من العلم قال في التوشيح من اطلاق المحل على الحال (أما
стр. 361
وعائين اما احداهما فبثثته واما الآخر فلو أخرجته قطع مني البلعوم وحكي عن أحمد بن حنبل قال رأيت النبي ﵌ في المنام فقلت يا رسول الله ما روى أبو هريرة عنك حق قال نعم وقد ذكرنا نبذا من مناقبه في كتابنا الرياض المستطابة والله أعلم
[مطلب في غزوة زيد بن حارثة جذام وذكر سببها]
وذكر البخاري بعد غزوة خيبر غزوة زيد بن حارثة وهي التي أغار فيها على جذام وسببها ان دحية بن خليفة الكلبى جاء بتجارة من الشام وذلك مرجعه من عند قيصر حين بعثه رسول الله ﷺ بكتابه اليه فلما كان ببلاد جذام أغار عليه الهنيد الجذامي ثم الصليعي وأخذ جميع ما معه وكان رفاعة بن زيد الجذامي قد قدم على رسول الله ﷺ منصرفه من الحديبية فأسلم وكتب له رسول الله ﷺ كتاب أمن لقومه فقدم على قومه بكتاب رسول الله ﷺ فأسلم كثير منهم فلما سمع المسلمون منهم بفعل الهنيد أغاروا عليه وحاربوه واستنقذوا ما كان لدحية وردوه عليه فلما قدم دحية على رسول الله ﷺ استسقاه دم الهنيد أحدهما) ففيه معرفة الحلال والحرام وجميع الاحكام الشرعية (فبثثته) زاد الاسماعيلي في الناس ومعنى بثثته أذعته ونشرته وأظهرته خوفا من لحوق الوعيد في كتمانه (وأما) الوعاء (الآخر) فلا يترتب عليه شيء من ذلك انما فيه اسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمهم وفساد الزمان وتراكم الفتن المضلة واختلاف الاهواء فمن ثم كان أبو هريرة يكني عن بعض ذلك ولا يصرح به خوفا على نفسه كقوله في قوله ﷺ هلاك أمتي على يد أغيلمة من قريش رواه أحمد والشيخان لو شئت لسميتهم لك وكقوله أعوذ بالله من رأس الستين وامارة الصبيان يشير الى خلافة يزيد فانها كانت سنة ستين قال في التوشيح فاستجاب الله دعاءه فمات قبلها بسنة وقال بعض علماء الصوفية المراد بالوعاء الثانى علم الاسرار المصون عن الاغيار المختص بالعلماء بالله تعالى من أهل العرفان قال بعضهم وهو نتيجة الخدمة وثمرة الحكمة لا يظفر به الا من غاص في بحار المجاهدات ولا يسعد به الا المصطفين بأنوار المشاهدات وهى أسرار كامنة في القلوب لا تظهر الا بالرياضة قال الكرمانى وأقول نعم يشترط أن لا تدفعه القواعد الاسلامية ولا تنفيه القوانين الايمانية اذ ما بعد الحق الا الضلال (قطع مني البلعوم) بضم الباء كناية عن القتل وللمستملى لقطع هذا يعنى رأسه (عن احمد) بن محمد (بن حنبل) بفتح المهملة وسكون النون بعدها موحدة مات ببغداد في ربيع الآخر سنة احدى وأربعين ومائتين ولد سنة أربع وستين ومائة (فائدة) روي عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني قال رأيت أبا هريرة في النوم وأنا بسجستان أصنف حديث أبى هريرة فقلت اني لاحبك فقال أنا أوّل صاحب حديث كان في الدنيا (وذكر البخارى ﵀ الى آخره) لم يذكرها صريحا وانما ذكر بعث النبى ﷺ اسامة وقوله ان طعنتم في امارته فقد طعنتم في امارة أبيه من قبل (ببلاد جذام) بضم الجيم ومعجمة وهي قبيلة تنسب الى جذام بن عدي أخي لخم (الهنيد) مصغر (الصليعي) بالاهمال مصغر أيضا منسوب الى الصليعا موضع (استسقاه دم الهنيد) أى استأذنه في قتله
стр. 362
فجهز رسول الله ﵌ زيد بن حارثة فقتل الهنيد وابنه ورجالا من قومه وجمع السبايا والأموال من بلاد جذام ممن كان قد أسلم ولحقه امان رسول الله ﷺ فاعترضه رجال من جذام واخبروه باسلامهم فصدقهم وأمر الجيش أن لا يهبطوا واديهم ثم سألوه السبايا التي عنده فهم أن يردها عليهم ثم صرفه عن ذلك تهمة سمعها منهم فانطلقوا الى رفاعة بن زيد وكل ذلك لم يعلم به فقالوا له انك تحلب المعزا ونساء جذام أسارى فسار مشتكيا الى رسول الله ﵌ وركب معه رجال من قومه فقطعوا الطريق في ثلاث ليال فلما رآهم رسول الله ﵌ وهو في الناس الاح اليهم بيده أن تعالوا فدفع رفاعة الى رسول الله ﵌ كتابه الذي قد كان كتبه له وقال دونك يا رسول الله قديما كتابه حديثا غدره فقال رسول الله ﵌ اقرأ يا غلام واعلن فقرأه ثم استخبرهم فأخبروه فقال رسول الله ﷺ كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات فقال رفاعة أنت أعلم يا رسول الله لا يحرم عليك حلالا ولا يحل لك حراما فقال أبو زيد بن عمرو الجذامى اطلق لنا يا رسول الله من كان حيّا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه فقال رسول الله ﵌ صدق أبو زيد اركب معهم يا على فقال على كرم الله وجهه ان زيدا لا يطيعني فأعطاه النبي ﵌ سيفه فلما خرجوا اذا رسول زيد قد استقبلهم على ناقة من ابلهم فأخذوها ثم تقدموا فلقوا زيدا بفيفاء الفحلتين فأخذوا كل شئ معه من ما لهم والله أعلم
[الكلام على غزوة ذات السلاسل وشرح ذلك]
وفي هذه السنة وقيل في الثامنة غزوة ذات السلاسل سميت بذلك لأن المشركين ارتبط (تهمة) بفتح الهاء واسكانها (تحلب المعزى) بكسر الميم مقصور وممدود ما عدا الضأن من الغنم كالمعز والمعيز والأمعوز والمعازو واحدها ماعز (قديما كتابه حديثا غدره) بنصب قديما وحديثا باضمار كان (فهو تحت قدمي هذه) أى ساقط ليس فيه شيء (بفيفاء) بفتح الفاء بينهما تحتية آخره همزة ممدودة ويقصر الارض المستوية والمفازة لا ماء فيها (الفحلتين) بالفاء والمهملة تثنية فحلة. وفي جمادى الاخرى من (هذه السنة) أي التاسعة (وقيل في الثامنة) وهو الصحيح بل لم يذكر النووي غيره غزوة ذات السلاسل رواها الشيخان عن أبي عثمان النهدي وعن أبي عمرو وهى بفتح السين المهملة على المشهور (سمي بذلك لان المشركين ارتبط بعضهم ببعض خشية أن يفروا) أو لانه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة قولان وقيل ان أوله بالضم ذكره ابن الاثير وغيره قال النووى
стр. 363
بعضهم ببعض خشية أن يفروا وقيل سميت باسم ماء انتهت غزوتهم اليه في أرض بني عذرة وكان أميرها عمرو بن العاص بعثه النبي ﵌ يستنفر العرب الى الاسلام فلما كان بأرض بني عذرة من جذام خاف وأرسل الى رسول الله ﵌ يستمده فأمده بأبى عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر فكان عمرو يصلي بهم حتى انصرفوا وفي هذه الغزوة جرى حديث رافع بن أبى رافع الطائي وقوله لابى بكر الصديق حين صحبه انما صحبتك لينفعنى الله بك فانصحنى وعلمنى فأمره أبو بكر بجمل من شرائع الاسلام ونهاه عن الامارة فأجاب بالطواعية في كل ما أمره به حتى قال واما الامارة يا أبا بكر فانى رأيت الناس لا يشرفون عند رسول الله ﵌ وعند الناس الا بها فلم تنهاني عنها قال انما استجهدتني لاجهد لك وسأخبرك عن ذلك إنشاء الله تعالى ان الله بعث محمدا ﵌ بهذا الدين فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها فلما دخلوا كانوا عواذا لله وجيرانه في ذمته فاياك أن تخفر الله في جيرانه فيتبعك الله في خفرته فان أحدكم يخفر في جاروه فيضل نائيا عضله غضبا لجاره إن أصيب له شاة أو بعير فالله أشد غضبا لجاره قال ففارقته على ذلك فلما قبض رسول الله ﷺ وأمّر أبو بكر على الناس قال قدمت عليه فقلت له يا أبا بكر ألم تك نهيتنى أن أتأمر على اثنين قال بلى وانا الآن انهاك عن ذلك قال فقلت له فما حملك على أن تلي أمر الناس قال لا اجد من ذلك بدا وخشيت على أمة وأظنه استنبطه من كلام الجوهرى في الصحاح ولا دلالة فيه فهو بمعنى السلسال أى السهل (قيل سميت باسم ماء) يقال له السلسل وهو ماء لبنى حذام وراء وادي القرى على عشرة أميال من المدينة (عذرة) بضم المهملة وسكون المعجمة بعدها راء قبيلة من جذام (فكان أميرها) بالنصب خبر كان مقدم (عمرو بن العاص) بالرفع اسمها ويجوز عكسه (يستنفر الغرب) يطلب منهم البعير الي رسول الله ﷺ (بأبي عبيدة) عامر ابن عبد الله (بن الجراح) ومر ذكر نسبه (الطائي) نسبه الى طيء القبيلة وهي مهموزة (وقوله لابي بكر) بالرفع (فانصحني) قال الخطابى النصيحة كلمة جامعة معناه خياره الخطة للمنصوح وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة غير معناها كما انه ليس في كلامهم كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة من لفظ الفلاح قالوا واحدها من نصح الثوب اذا خاطه شبه فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب وقيل من نصح العسل وهو تصفيته من الشمع شبه به تخليص القول من الغش (بالطواعية) بفتح المهملة وتخفيف التحتية وتشديدها أي الطاعة (عواذ الله) بضم المهملة وتشديد الواو وبعدها ذال معجمة أي في عصمة الله ومنعه (في ذمته) أي في أمانه وضمانه وحرزه (تخفر الله) بضم أوله أي تنقض أمانه وضمانه وعهده (نائيا) بالهمز وتركه أي بارزا ظاهرا (عضله) بالمهملة فالمعجمتين المفتوحتين أي عصب وجهه وحلقه كني بذلك عن شدة
стр. 364
محمد الفرقة. قلت وفي معنى ذلك قوله ﷺ لابى ذر يا أبا ذر انى أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسي فلا تأمرني على اثنين ولا تولين مال اليتيم. وعنه قال قلت يا رسول الله ألا تستعملنى فضرب بيده على منكبي فقال يا أباذر انك ضعيف وانها امانة وانها يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها رواهما مسلم.
[مطلب في الكلام الإمارة والتنفير من التعرض للرياسة والوعيد لأهلها]
وعن أبي هريرة ان رسول الله ﷺ قال انكم ستحرصون على الأمارة وستكون ندامة يوم القيامة رواه البخارى وقال ﷺ يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الامارة فانك ان اعطيتها من غير مسئلة أعنت عليها وان أعطيتها عن مسئلة وكلت اليها واذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك روياه.
والاحاديث في التنفير من التعرض للرياسة والوعيد لاهلها وأمرهم بالاستقامة كثيرة فى الصحاح وغيرها من ذلك قوله ﷺ ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته الا حرم الله عليه الجنة متفق عليه وفي رواية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة وفي رواية لمسلم ما من أمير يلى أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم الا لم يدخل معهم الجنة وعن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ في بيتي هذا يقول اللهم من ولي من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فأرفق به رواه مسلم ودخل عايذ بن عمرو الغضب فانه يبلغ من الشخص هذا المبلغ وأصل العضل كل لحمة مكتنزة غليظة (انك ضعيف) أي عن القيام بوظائف الولايات (لا تأمرن) بحذف تاء الفعل ونون التأكيد المشددة (ولا تولين) كذلك أيضا (رواهما مسلم) وأبو داود قال النووي هذا الحديث أي وما أشبهه أصل عظيم في اجتناب الولايات (انكم ستحرصون) بكسر الراء ويجوز فتحها (على الامارة) هذا من اعلام نبوته ﷺ إذ وقع الأمر كما أخبر (وستكون ندامة) وحسرة (يوم القيامة) فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة (رواه البخارى) والنسائي (الامارة) بكسر الهمزة الولاية (وكلت اليها) أي أسلمت اليها ولم يكن معك اعانة وفي أكثر نسخ الصحيحين أكلت بالهمزة (واذا حلفت على يمين الى آخره) فيه دليل على جواز تقديم الكفارة على الخنث وهو كذلك ان كفر باطعام أو عتق أو كسوة بخلاف الصوم قال في التوشيح وعلى زائدة أو بمعنى الباء (روياه) أى الشيخان ورواه أيضا أبو داود والترمذي والنسائى (فلم يحطها) بفتح أوله وبمهمتين الأولى مضمومة والثانية ساكنة أي لم يراعها (ثم لا يجهد) أى يتحمل المشاق فيما يصلحهم (الا لم يدخل معهم الجنة) للبيهقى في السنن عن أبى هريرة ما من أمير عشرة الا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا حتى يفكه العدل أو يوثقه الجور وللطبراني في الكبير من حديث ابن عباس ما من أمير يؤمر على عشرة الاسئل عنهم يوم القيامة (عايذ) بالمهملة والتحتية والذال المعجمة (ابن عمرو) هو
стр. 365
على عبيد الله بن زياد فقال أي بني انى سمعت رسول الله ﷺ يقول إن شر الرعاء الحطمة فاياك ان تكون منهم متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ كانت بنو اسرائيل تسوسهم الانبياء كلما هلك نبى خلفه نبي وانه لا نبي بعدى وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا به قال فوا ببيعة الأوّل ثم اعطوهم حقهم واسئلوا الله الذي لكم فان الله يسئلهم عن استرعائهم رواه البخاري ومسلم ودخل ابو مريم الأزدي على معاوية فقال له سمعت رسول الله ﷺ يقول من ولاه الله شيئا من امور الناس فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس رواه ابو داود والترمذي وعن ابي سعيد وابي هريرة قالا قال رسول الله ﷺ ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة الا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله رواه البخارى وعن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله الانصاري (على عبيد الله بن زياد) كان واليا على المدينة من قبل يزيد بن معاوية (الحطمة) بضم الحاء وفتح الطاء المهملتين وهو العنيف الذي لا يرفق سمي بذلك لحطمه الناس بجوره أى كسره اياهم والحطم الكسر ومن ثم سميت النار الحطمة (متفق عليه) انما رواه احمد ومسلم وليس في البخاري وتتمته فقال اجلس فانما أنت من نخالة أصحاب رسول الله ﷺ فقال وهل كان لهم نخالة انما النخالة بعدهم وفي غيرهم والنخالة بضم النون السقط (بنو اسرائيل) هم أولاد يعقوب (يسوسهم) يقوم بامورهم كما يقوم سائس الدابة بأمرها (كلما هلك نبى) كموسى (خلفه نبي) كيوشع (وانه لا نبي بعدي) هذا من جملة معجزاته ﷺ في الاخبار بالمغيبات وكذا قوله (وسيكون بعدي خلفاء) والخلفاء جمع خليفة وهو كل امام عادل (فوا) بضم الفاء أمر من الوفاء (بيعة الاول) بالباء الجارة وفي بعض نسخ الصحيح أوفوا من الايفاء بيعة بغير باء (أبو مريم) اسمه عبد الله بن زياد (الازدى) بسكون الزاي ينسب الى أزد شنوءة ويقال فيه الاسدي بالسين المهملة بدل الزاي ساكنة أيضا (على معاوية) بن أبي سيفان صخر بن حرب وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة (فقال له) أبو مريم بعد أن قال معاوية ما انعمنا بك أبا فلان قال قلت حديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول (من ولاه الله) يستدل به لمذهب أهل السنة أن الخير والشر منه جل وعلا ووجه ذلك نسبة الولاية اليه مطلقا في العادل والجائر (خلتهم) بفتح المعجمة أي حاجتهم (فجعل معاوية) رجلا لم يسم (على حوائج الناس) أي خوفا مما ذكر له أبو مريم (رواه أبو داود والترمذي) وللطبرانى في الكبير من حديث ابن عمر من ولي شيئا من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حوائجهم (بطانتان) تثنية بطانة بكسر الموحدة وبطاء مهملة ونون وبطانة الرجل خاصته وموضع سره
стр. 366
عليه وسلم اذا اراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق ان نسى ذكره وان ذكر اعانه واذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء ان نسى لم يذكره وان ذكر لم يعينه رواه أبو داود باسناد جيد على شرط مسلم. ومما ينخرط في هذا السلك قوله ﷺ كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته والامام راع ومسؤل عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤل عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤلة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤل عن رعيته وكلكم راع ومسؤل عن رعيته رواه البخارى ومسلم. اما اذا عدل الوالى وسدد وقارب فقد قال ﷺ سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل الا ظله امام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا (وزير صدق) أى معين له على الخير (وان أراد به غير ذلك) أي أراد به شرا (وزير سوء) بضم المهملة مع المد ويفتحها مع القصر (رواه أبو داود) والبيهقى في الشعب (ينخرط) بخاء معجمة وطاء مهملة أى يدخل (السلك) بكسر المهملة وسكون اللام (كلكم راع) أى حافظ مؤتمن ملتزم صلاح ما هو قائم به وما هو تحت نظره (رواه البخاري ومسلم) وأبو داود والترمذي عن ابن عمر (سبعة يظلهم الله في ظله) أى ظل عرشه كما في رواية لمسلم ولسعيد بن منصور قال القاضي واضافة الظل الى الله تعالى اضافة ملك وكل ظل فهو لله وملكه وخلقه وسلطانه (يوم لا ظل) يقى من حر الشمس لقربها من الرؤس والجام العرق (الاظله) وهو ظل العرش كما مر إذ لا ظل هناك شيء الا له قاله النووي قال وقد يراد به ظل الجنة وهو نعيمها والسكون فيها كما قال تعالى وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا وقال ابن الأنباري المراد بالظل هناك الكرامة والكنف والكن من المكاره في ذلك الموقف وليس المراد ظل الشمس قال القاضي وما قاله معلوم في اللسان يقال فلان في ظل فلان أي مكان كنفه وحمايته قال وهو أولى الاقوال ويكون اضافته الي العرش اضافة تشريف لانه في التقريب والكرامة والا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفي ظله (امام) قال القاضي وهو كل من اليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام وبدأ به لكثرة مصالحه وعموم نفعه (عادل) وفي بعض نسخ الصحيحين الامام العادل وفي بعضها الامام العدل قال في التوشيح وهو الذي يتبع أمر الله يوضع كل شيء في موضعه بلا افراط ولا تفريط (وشاب نشأ في عبادة الله) ولمسلم بعبادة الله أي نشأ متلبسا بالعبادة أو مصاحبا لها أو متصفا بها قاله النووي ويحتمل أن يكون بمعنى في كما في غير مسلم قاله القرطبى زاد الجوزقى حتى توفي على ذلك ومن حديث سلمان أفني شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى قلت انما كان الشاب المتصف بذلك في ظل الله لانه في الدنيا استتر بظل التقوى عن حر الشهوات الهائلة أيام الشباب الحاملة على جمل من المعاصي (ورجل قلبه معلق) وفي بعض نسخ الصحيحين متعلق بزيادة التاء (في المساجد) وفي رواية لمسلم في المسجد ولأحمد بالمساجد وللجوزقى كأنما قلبه معلق في المسجد زاد سليمان من حبها ومعناه أنه كثير الملازمة للمسجد بقلبه وان كان جسده خارجا قال النووى ومعناه أنه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود في المسجد (ورجلان تحابا)
стр. 367
فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال انى اخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه أحب كل منهما الآخر (في الله أى لارياء ولا سمعة ولا لغرض دنيوي (اجتمعا عليه) في بعض نسخ البخارى على ذلك أى كان هو السبب في اجتماعهما (وتفرقا عليه) أى استمرا على ذلك حتى افترقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما لله تعالى وفي حال اجتماعهما وافتراقهما قال النووى في هذا الحديث الحث على التحاب في الله وبيان عظيم فضله وهو من المهمات فان الحب في الله والبغض في الله من الايمان وهو بحمد الله كثير يوفق له أكثر الناس أو من وفق له وعد هذه الخصلة واحدة لأن المحبة لا تتم الا من اثنين (ورجل دعته) وللبخارى طلبته (امرأة ذات منصب) أي حسب وشرف وخصها بكثرة الرغبة وعثر حصولها زاد ابن المبارك الى نفسها أي عرضت نفسها عليه ليزني بها على الصحيح قال القاضى ويحتمل أنها دعته لنكاحها فخاف العجز عن القيام بحقها أو لأن الخوف من ألله تعالى شغله عن لذات الدنيا وشهواتها (فقال) بلسانه أو بقلبه ليزجر نفسه عما دعته اليه (اني أخاف الله) زادت كريمة في صحيح البخاري رب العالمين (فأخفاها) ولا حمد فأخفى وللاصيلى في صحيح البخارى اخفاء مصدر أو حال كونه مخفيا فيه فضل صدقة السر اذا كان تطوعا لأنها أقرب الى الاخلاص وابعد من الرياء (حتى لا تعلم) بالرفع والنصب (شماله ما تنفق يمينه) هذا هو الصواب ووقع في صحيح مسلم حتى لا يعلم يمينه ما ينفق شماله قال في التوشيح وهو مقلوب وهم فيه يحيى القطان أي لأن المعروف في النفقة ان محلها اليمين والقصد المبالغة في الاخفاء فضرب المثل باليمين والشمال لقربهما وملازمتهما ومعناه لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علمت بصدقته لشدة الاخفاء وقيل المراد من على يمينه وشماله من الناس قال في الديباج قال القرطبى وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدق على الضعيف في صورة المشترى منه فيدفع له درهما في شىء يساوي نصف درهم فالصورة مبايعة والحقيقة صدقه قال وهو اعتبار حسن (ورجل ذكر الله) بلسانه أو بقلبه حال كونه (خاليا) من الخلق ومن الالتفات الى غير الله ولو كان في ملا (ففاضت عيناه) زاد البيهقي من خشية الله تعالى والمراد فاضت دموع عينيه فهو مجاز كجرى الميزاب وقال القرطبي فيض العين بكاؤها وهو على حسب حال الذاكر وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى فان انكشف له غضبه وسخطه فبكاؤه عن خوف وان انكشف جماله وجلاله فبكاؤه عن محبة وشوق وهذا لتلون الذاكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات قال وهذا الحديث جدير بان ينعم فيه النظر ويستخرج ما فيه من اللطائف والعبر انتهى (فائدة) بقيت خصال أخرى تقتضى الظل وصلها الحافظ ابن حجر الى ثمانية وعشرين وجلال الدين السيوطي الى سبعين منها رجل كان في سرية فلفوا العدو فانكشفوا فحمى آثارهم حتى نجا ونجوا واستشهد رواه ابن زنجويه عن الحسن مرسلا وابن عساكر عن أبي هريرة. ورجل غض عينيه عن محارم الله وعين حرست في سبيل الله رواه البيهقي في الاسماء من حديث أبى هريرة والتاجر الامين. والامام المقتصد. وراعى الشمس بالنهار أخرجه في الثلاثة الحاكم في تاريخه والديلمى في مسند الفردوس من حديث
стр. 368
رواه البخاري ومسلم فقدم الامام عليهم. وقال ﷺ أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط موفق ورجل رحيم القلب لكل ذي قربى ومسلم عفيف متعفف ذو عيال رواه مسلم وقال الامام كبير الشان رفيع الذكر أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن البصري رحمه الله تعالى الناس في هذه الدنيا على خمسة أصناف العلماءهم ورثة الأنبياء والزهاد هم الأدلاء أبي هريرة. ومن انظر معسرا أو وضع عنه أخرجه أحمد من حديث أبي البشر كعب بن عمرو. ورجل حيث توجه علم أن الله معه أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي أمامة. وواصل الرحم.
وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتاما صغارا فقالت لا ابرح أقيم على أيتامى حتي يغنيهم الله. وعبد صنع طعاما فاضاف ضيفه فاحسن نفقته فدعا عليها اليتيم والمسكين فاطعمهم لوجه الله أخرجه في الثلاثة أبو الشيخ في الثواب والاصبهاني والديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس. ومن عزى الثكلى أخرجه ابن السنى في عمل اليوم والليلة من حديث أبي بكر وعمران بن حصين. وحملة القرآن أخرجه أبو نصر عبد الكريم الشيرازي في فوائده والديلمي في مسند الفردوس وابن النجار بسند ضعيف من حديث على. ورجل لم تأخذه في الله لومة لائم. ورجل لم يمد يده الى ما لا يحل له أخرجه الاصبهاني في ترغيبه من حديث ابن عمر. ومن نفس عن غريمه أو محاعنه رواه أحمد عن أبي قتادة. والشهداء رواه العقيلى من حديث أبي هريرة. (فائدة) أخرى قال في التوشيح لا مفهوم للرجال في هذا الحديث فالنساء كذلك الا في الامامة انتهى قلت لكن بالنسبة الى تعلق القلب بالمسجد يكون المراد بالنسبة اليها مسجد بيتها لأن صلاتها فيه أفضل من المسجد فهو اليها كالمسجد بالنسبة الي الرجل وكذلك يقال وامرأة دعاها رجل ذو منصب وجمال فقالت انى أخاف الله (رواه) أحمد و (البخارى ومسلم) والنسائي عن أبي هريرة ورواه مسلم عن أبى سعيد وسعد بن منصور عن سلمان (فقدم) في هذا الحديث (الامام) العادل (عليهم) لما مر (مقسط) أى عادل (ومسلم) بالجر عطفا على ذي قربى (أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن) يسار (البصرى) الانصاري مولاهم أمه خيرة مولاة أم سلمة أم المؤمنين ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وكانت دائما ترضعه أم سلمة فيرون أن فصاحته وحكمته من بركة ذلك نشأ بوادى القرى ورأي طلحة بن عبيد الله وعائشة ولم يسمع منهما وحضر الدار وله أربع عشرة سنة فسمع ابن عمر وأنسا وجندب بن عبد الله وغيرهم وأدرك من الصحابة مائة وثلاثين وكان يوم بوبع لعلي ابن أربع عشرة سنة قال ابن سعد كان جامعا عالما رفيقا فقيها ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم جميلا فصيحا وسيما مات سنة عشر ومائة ومات محمد بن سيرين بعده بثلاثة أشهر واحد عشر يوما (العلماء هم ورثة الانبياء) هو حديث رواه الشيخان وغيرهما زاد ابن النجار عن أنس يحبهم أهل السماء وتستغفر لهم الحيتان في البحر اذا ماتوا الى يوم القيامة (والزهاد) جمع زاهد وحقيقة الزهد ترك ما سوى الحاجة وجاء في الحديث الزهد في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا اضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله وان تكون في ثواب المصيبة اذا أنت أصبت أرغب منك
стр. 369
والغزاة هم أسياف الله والتجارهم امناء الله والملوك رعاة الخلق فاذا أصبح العالم طامعا وللمال جامعا فبمن يقتدى واذا أصبح الزاهد راغبا فبمن يستدل ويهتدى واذا أصبح الغازى مرائيا والمرائي لا عمل له فمن يظفر بالعدى واذا كان التاجر خائنا فمن يؤمن ويرتضى واذا أصبح الملك ذئبا ضاريا فمن يحفظ الغنم ويرعى والله ما أهلك الناس الا العلماء المداهنون والزهاد الراغبون والغزاة المراؤن والتجار الخائنون والملوك الظالمون وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون. وفي معنى ذلك أنشد الشيخ الامام العالم العامل ذو السياحات والرياضات والبركات عبد العزيز الديريني الدميري لنفسه
اذا ما مات ذو علم وتقوى ... فقد ثلمت من الاسلام ثلمه
فيها لو انها أبقيت لك رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر (والغزاة) المجاهدون (هم أسياف الله) ينتقم بهم من أعدائه (والتجارهم أمناء الله) استأمنهم على ما خولهم لينظر أيحفظون الامانة أم يضيعونها بالبخل ومنع الزكاة وطلب الرزق من غير حله (والملوك رعاة الخلق) لقوله في الحديث الامام راع (واذا أصبح الغازى مرائيا) غير مخلص عمله لله تعالى وجاء في الحديث الشرك الخفي ان يعمل الرجل لمكان الرجل رواه الحاكم عن أبي سعيد وللحاكم من طريق ابن عباس الشرك في أمتى أخفي من دبيب النملة على الصفا وللحاكم وأبي نعيم في الحلية عن عائشة الشرك أخفى في أمتى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلما وأدناه ان يحث على شىء من الجور ويبغض على شئ من العدل وهل الدين الا الحب في الله والبغض في الله قال الله تعالى فان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله (فائدة) روى الحاكم عن أبي بكر ان من قال اللهم اني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم يقولها ثلاث مرات اذهب الله عنه صغار الشرك وكباره وقال الفضيل ترك العمل لأجل الناس ريا والعمل لاجل الناس شرك والاخلاص أن يعافيك الله منهما (والمرائي لا عمل له) مقبول (فمن يظفر بالعدى) اذا كانت العاقبة للمتقين والرياء ينافي التقوى (واذا أصبح الملك) بكسر اللام يأكل الناس أكلا ذريعا فمثله كراعي غنم أصبح (ذئبا) بالهمز وتركه (ضاريا) إلفا معتادا (ما أهلك الناس) بالنصب (الا العلماء المداهنون) بالدال المهملة والنون وحقيقة المداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا وليست المداراة مداهنة وحقيقتها بذل الدنيا لصلاح الدين أو دنيا (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) نزلت في المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ (أي منقلب) مرجع (ينقلبون) يرجعون قال ابن عباس الى جهنم والسعير (عبد العزيز) بن سعيد (الديرينى) بفتح المهملة وسكون التحتية وكسر الراء ونون نسبة الى ديرين محلة بمصر (الدميري) بفتح المهملة وكسر الميم وثلمت (بالمثلثة) مبني للمفعول كسرت (من) دين (الاسلام ثلمه) كسرة وأو لها مثلث والضم أشهر (فائدة) قال عطاء وجماعة في قوله
стр. 370
وموت العابد المرضي نقص ... ففى مرآه للأسرار نسمه
وموت العابد الملك المولى ... بحكم الحق منقصة وفصمه
وموت الفارس الضرغام هدم ... فكم شهدت له بالنصر عزمه
وموت فتى كثير الجود محل ... فان بقاءه خصب ونعمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم ... وموت الغير تخفيف ورحمه
ولبعضهم أيضا
اذا جار الأمير وكاتباه ... وقاضى الأرض داهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضى الأرض من قاضى السماء
ومن آفات الرياسة ان يتصدى لها ويدخل فيها قبل الاستعداد والتأهل فيعرض نفسه للفتن والاحن ويفتضح ولا يفلح وأنشد بعضهم:
الكلب أحسن عشرة ... وهو النهاية في الخساسه
ممن ينازع في الرئاسة ... قبل أوقات الرئاسه
[تتمة في بعث عمرو بن العاص أميرا على جيش ذات السلاسل وذكر بعض مناقبة والكف عن ذكر أصحاب رسول الله إلا بخير]
وقال بعضهم من تصدر قبل أوانه تصدى لهوانه وقد تمادى بنا الكلام في هذه الغزاة رجاء الفائدة ولم يذكر البخارى فيها غير حديث واحد وخرجه مسلم أيضا وهو ما رويا تعالى «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أن ذلك موت العلماء وذهاب الفقهاء (ففى مرآه) بفتح الميم وسكون الراء ومد الهمزة أي منظره (منقصة) أي نقص (وفصمه) بالفاء والمهملة أي انقطاع (الفارس الدرغام) بكسر المعجمة أي شديد البأس (عزمه) جد واجتهاد وصبر على مقاساة أحوال الحرب (وموت فتى كثير) بالكسر (الجود) والكرم والسخاء والسماحة مترادفة قال في الشفاء وقد فرق بعضهم بينهما بفروق فجعل الكرم الانفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه وسموه أيضا حرية وهو ضد النذالة والسماحة التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس وهو ضد الشكاسة والسخاء سهولة الانفاق وتجنب اكتساب ما لا يحمد وهو الجود وهو ضد التقتيز (محل) بفتح الميم وسكون المهملة جدب (فان بقاءه خصب) بكسر المعجمة وسكون المهملة (فحسبك) أي يكفيك (فويل) شدة عذاب قاله ابن عباس أو واد في جهنم قاله سعيد بن المسيب وجاء في الحديث الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم من حديث أبى سعيد الخدري (الرئاسة) بكسر الراء أن يصير الشخص رئيسا (أن يتصدى) أي يتعرض (ويدخل) بالفتح وكذا ما بعده (ولا يفلح) أي لا ينجو (عشرة) مثلث العين والكسر أشهر أي معاشرة (من تصدر) أي ترأس (قبل أوانه) أي وقته (تصدى لهوانه)
стр. 371
عن أبى عثمان النهدى ان النبي ﵌ بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل قال فأتيته فقلت أى الناس أحب اليك قال عائشة قلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من قال غمر فعد رجالا فسكت مخافة ان يجعلني في آخرهم وفي هذا الحديث منقبة لعائشة وأبيها وعمر بن الخطاب فأما عمرو بن العاص فانه وان لم يكن هذا مقامه فلا يلزم من ذلك حط مرتبته ولا نقص من منزلته فقد وردت له فضائل منها تأمير النبى ﵌ في هذه الغزوة على كثير من جملة المهاجرين الأولين فكان يصلى بهم حتى رجعوا وقد قال النبى ﵌ في حديث أسلم الناس وآمن عمرو ومنها ما روينا في صحيح مسلم عن ابن شماسة المهرى قال حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلا وحول وجهه الى الجدار فجعل ابنه يقول ما يبكيك اما بشرك رسول الله ﵌ بكذا فأقبل بوجهه فقال ان أفضل ما نعد شهادة أن لا إلا إلا الله وان محمدا رسول الله ﵌ انى كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتنى لخزية وفضيحة (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل بتثليث الميم وتشديد اللام (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء ينسب الى نهد قبيلة معروفة (أيّ الناس أحب اليك) زاد ابن عساكر فاحببه (منقبة لعائشة وأبيها وعمر) قال النووي وفيه دلالة تنبيه لأهل السنة في تفضيل أبو بكر ثم عمر على جميع الصحابة (وان لم يكن هذا) المقام أي مقام أبى بكر ثم عمر (مقامه) بالنصب خبر يكن ويجوز بالضم اسمها والخبر هذا (أسلم الناس وآمن عمرو) بن العاص أخرجه الترمذي من حديث عقبة بن عامر فشهد له ﷺ بالايمان فهو أخص من الاسلام اذ حقيقته التصديق بالقلب والاسلام الاقرار باللسان واظهار شرائع الايمان بالابدان وذلك لا ينفع دون التصديق بالقلب والاخلاص قال تعالى (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) وقال ﷺ اذ قال له سعد بن مالك عن فلان والله اني لاراه مؤمنا قال أو مسلما ثلاث مرات وفلان هذا هو جعيل بن سراقة الضمرى وكان من خواص المؤمنين وانما قال ﷺ ذلك تعليما لسعد ان اطلاق المسلم على من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة أولي من اطلاق المؤمن لأن الاسلام معلوم بحكم الظاهر بخلاف الايمان (ابن شماسة) بفتح المعجمة أوله وضمها وتخفيف الميم آخره سين مهملة وهاء اسمه عبد الرحمن (المهرى) بفتح الميم وسكون الهاء وبالراء (حضرنا) بسكون الراء (عمرو بن العاص) مفعول (سياقة الموت) بكسر المهملة وتخفيف التحتية وبالقاف أي حال حضوره وكان ذلك بمصر ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين أو أحد وخمسين قولان أصحهما الأوّل (فجعل ابنه) عبد الله (أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا) أى بأنك مؤمن (ان أفضل ما نعد) بضم أوله رباعي أى ما نهيء (شهادة) بالرفع خبران (على اطباق) أى أحوال ومنه لتركبن طبقا عن طبق فمن ثم أنث (ثلاث) اراده لمعنى اطباق (لقد رأيتنى) بضم
стр. 372
وما أشد بغضا لرسول الله ﵌ منى ولا أحب اليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الاسلام فى قلبي أتيت النبي ﵌ فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدى قال مالك يا عمرو قال قلت أردت أن أشترط قال تشترط بماذا قلت أن يغفر الله لى قال اما علمت ان الاسلام يهدم ما قبله وان الهجرة تهدم ما قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله وما كان أحد أحب اليّ من رسول الله ﵌ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق ان أملأ عيني منه اجلالا ولو شئت ان أصفه ما أطقت لانى لم أكن املأ عينى منه ولو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالى فيها فاذا أنامت فلا تصحبني نائحة ولا نار فاذا دفنتموني فشنوا على التراب شنا ثم أقيموا حول قبرى قدر ما يذبح جزور ويقسم لحمها حتى استأنس بكم وانظر ماذا رجع به رسل ربى «نصيحة عرضت» وهى ان ثم من يقع في عمرو بن العاص ومعاوية وغيرهما من أجلاء الصحابة أو من شمله اسم الصحبة التي لا يوازيها عمل وان جل ويتسببون لسبهم لهنات صدرت منهم مما تقدم الفوقية (وما) نافيه أحد اسمها (أشد) خبرها (فلا بايعك) أى فاني جئت لابايعك (تشترط بماذا) الباء زائدة للتأكيد أو ضمن تشترط معنى تحتاط قاله النووى (يهدم) أي يمحق ويذهب ولابن سعد من طريق الزبير وجبير بن مطعم الاسلام يجب (ما كان قبله) من الذنوب وان عظمت قال تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ (وان الحج) اذا لم يرفث ولم يفسق (يهدم ما كان قبله) وقال ﷺ من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه رواه أحمد والبخارى والنسائى وابن ماجه والدار قطنى وزاد واعتمر كلهم عن أبي هريرة والرفث يراد به الجماع ويراد به التعريض بالجماع ويطلق على الفحش في القول وهو المراد هنا وفاؤه مثلثة في الماضي والمضارع والأفصح الفتح في الماضى والضم في المضارع والفسق معلوم ولم يذكر الجدال في الحديث اما من باب الاكتفاء أولد خوله في الرفث والفسوق وقوله كيوم الافصح بناؤه على الفتح ثم المراد تكفير الصغائر دون الكبائر والتبعات على ما اعتمده النووى وغيره لكن قال في التوشيح ورد في حديث آخرانه يكفر ذلك فيكون من خصائص الحج (أحد) اسم كان (أحب) خبرها (ولا أجل) أعظم (في عينيّ) بالتثنية (اجلالا) اعظاما (فلا تصحبني نائحة ولا نار) زاد ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر في الاستيعاب وشدوا على ازاري فاني مخاصم (فشنوا على التراب شنا) بالمعجمة والمهملة أي صبوا وقيل السن بالمهملة الصب من سهولة وبالمعجمة التفريق زاد من مر آنفا فان جنبى الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الايسر ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرا (جزور) بفتح الجيم من الابل (لا يوازيها) بالزاي والتحتية أي لا يماثلها (لهنات) بهاء فنون
стр. 373
اليهم النبى ﵌ بالكلام فيها وأخبر بوقوعها منهم ثم نهى عن سبهم على الاطلاق فقال لا تسبوا أحدا من أصحابى فان أحدكم لو انفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه وقال خيركم قرني وقال لا يبلغنى أحد عن اصحابى شيئا فانى أحب أن أخرج اليهم مفتوحتين آخره فوقية جمع هنة وهي الخصلة وهى هنا الأمور التى جرت بين الصحابة رضوان الله عليهم (وأخبر بوقوعها منهم) كقوله لعمار تقتلك الفئة الباغية وكقوله سيكون بعدي هنات وهناآت (لا تسبوا أحدا من أصحابي) رواه البخاري عن أبي سعيد الخدرى ومسلم عن أبي هريرة وأبو عوانة عن أبى سعيد وأبى هريرة وخاطب ﷺ بذلك الصحابة لانه نزل الساب منهم لتعاطيه ما لا يليق به منزلة غير الصحابة وقال السبكى الظاهر ان الخطاب فيه لمن صحبه آخرا بعد الفتح وقوله أصحابى المراد بهم من أسلم قبل الفتح قال ويرشد اليه قوله لو أنفق الى آخره مع قوله تعالى (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ الآية) قال ولا بد لنا من تأويل بهذا أو بغيره ليكون المخاطبون غير الاصحاب الموصي بهم انتهى وأورد الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الاصول ان سبب هذا الحديث ان خالد بن الوليد تناول عبد الرحمن بن عوف أي سبه فشكاه للنبي ﷺ فقال لخالد هل أنتم تاركون لى أصحابى فو الذى نفسي بيده لو ان أحدكم أنفق مثل احد ذهبا الحديث فقيل المراد بقوله أصحابى أصحاب مخصوصون وهم السابقون على المخاطبين في الاسلام وعليه لا يلزم من ذلك ان النهي مختص بالسابقين لعموم اللفظ فلا يكون السبب مخصصا اذ قد يتعلق الحكم بسبب مخصوص ثم يكون عاما ونقل السبكى عن الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الشاذلي انه قال في مجلس وعظه كان لرسول الله ﷺ تجليات يرى فيها من بعده فيكون الكلام منه ﷺ في تلك التجليات خطابا لمن بعده في حق جميع الصحابة الذين قبل الفتح وبعده انتهي وسبهم رضى الله عنهم كبيرة يكفر مستحلها بغير تأويل (لو أنفق مثل أحد) الجبل المعروف بالمدينة (ذهبا) زاد البرقانى كل يوم (ما أدرك) ثوابه (مداحدهم) أي ثوابه (ولا نصيفه) أي نصف المد والنصيف لغة في النصف وهو مثلث النون فيكون فيه أربع لغات نقله القاضى في المشارق عن الحطابى ففى هذا الحديث تفضيل الصحابة ﵃ على جميع من بعدهم وفيه ان الطاعات تشرف بشرف عاملها وقال القاضى سبب ذلك أن نفقتهم كانت وقت ضرورة وضيق حال وفي نصرته ﷺ وحمايته وذلك معدوم بعده قال وجميع طاعتهم في ذلك كالنفقة (وقال خيركم قرنى) ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكونوا بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائى عن عمران بن حصين قال في التوشيح القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في الامور المقصودة والاصح انه لا ينضبط بمدة فقرنه ﷺ الصحابة وكانت مدتهم من المبعث الى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة وقرن التابعين من سنة مائة الى نحو سبعين وقرن اتباع التابعين من ثم الي العشرين ومائتين وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رؤسها وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الاحوال تغيرا شديدا ولم يزل الأمر في نقص الى الآن فظهر مصداق قوله ﷺ (لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا إلى آخره) أخرجه أبو داود
стр. 374
وانا سليم الصدر واعتذر عن حاطب وقد بدرت منه عظيمة وعن مالك بن الدخشم وقد تعرض قوم لسبه على ظاهر الحال ولم يرخص لبعضهم في بعض ابدا وقال تعالى بعد ان أثنى عليهم أحسن الثناء «وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا» فليت من جاء بعدهم اذ لم يستغفروا لهم ويترحموا عليهم لم يسبوهم وليتهم اذا لم يصيبوا أجرهم لم يقعوا في شرهم ووكلوا أمورهم الى عام سرائرهم فهو أعلم بهم قال تعالى «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» وقال تعالى «فَما بالُ
والترمذي من حديث ابن مسعود وهو بالجزم على النهي (واعتذر عن حاطب) هو ابن أبى بلتعة بقوله أليس من أهل بدر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم أو فقد وجبت لكم الجنة (وقد بدرت منه) معصية (عظيمة) اذ كتب الى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ عام الفتح (و) اعتذر أيضا (عن مالك بن الدخشم) بضم المهملة وسكون الخاء وضم الشين المعجمتين مكبر ومصغر بالنون آخره وبالميم وقصته مروية في الصحيحين عن عتبان بن مالك يوم جاء النبى ﷺ الى بيته فصلى له فيه قال فثاب رجال من أهل البيت حولنا حتى اجتمع في البيت رجال ذووا عدد فقال قائل منهم أين مالك بن الدخشم فقال بعضهم ذلك منافق لا يحب الله ورسوله فقال لا تقل له ذلك الا تراه قال لا إله الا الله يبتغي بذلك وجه الله ولابن عبد البر من حديث أبي هريرة بسند حسن أليس قد شهد بدرا قال قالوا الله ورسوله اعلم فانا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين قال فقال رسول الله ﷺ فان الله قد حرم على النار من قال لا إله الا الله يبتغي بذلك وجه الله قال النووي في الحديث الذب عمن ذكر بسوء وهو يرى منه وفيه أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد وفيه غير ذلك (وقد تعرض قوم لسبه) قيل منهم عتبان بن مالك ذكره ابن حجر وغيره (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي بعد المهاجرين والانصار الى يوم القيامة يدعون لانفسهم ولمن سبقهم بالايمان بالمغفرة (يقولون) يا (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا) في الدين (الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا حسدا وغشا وبغضا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) قال البغوي وغيره وكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فانه ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن الله رتب المؤمنين على ثلاث منازل المهاجرين والانصار والتابعين الموصوفين بما ذكر فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين وقال ابن أبي ليلى الناس على ثلاث منازل الفقراء المهاجرين والذين تبوء الدار والايمان والذين جاؤا من بعدهم فاجهدان لا تكون خارجا من هذه المنازل (تِلْكَ أُمَّةٌ) جماعة (قَدْ خَلَتْ) مضت (لَها ما كَسَبَتْ) من الاعمال (وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) أي يسأل كل عن عمله لا عن عمل غيره (قالَ) فرعون (فَما بالُ) ما حال
стр. 375
الْقُرُونِ الْأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى» وقال تعالى «قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» وقال ﵌ لا تسبوا الأموات فانهم قد افضوا الى ما قدموا وقد حذر علماء السنة المحتاطون لدينهم من النظر في الكتب الحاكية تشاجر الصحابة لما فيه من المفسدة وعدم الفائدة* وافترضت هاهنا مسئلة لا ينكرها الا مباهت وهى أن يقول رجل علمنا توحيده وأشيع فسقه وبدعته شيوعا يكاد يبلغ القطع فصار الناس فرقتين فرقة تجترئ عليه بالسب واللعن وتوقفت الأخرى فمن أقرب الى السلامة من الفرقتين فيقول ان المجترئين داخلون في الخطر والوبال على كل حال فان الساب مناقش ومحاسب حتى يخرج مما قال في يوم لا قصاص فيه الا بالحسنات والسيئات فقد قال ﵌ في جواب الذى سئله عن الغيبة فقال يا رسول الله أفرأيت ان كان في أخي ما أقول (الْقُرُونِ الْأُولى) أي القرون الماضية والامم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود فيما يدعوني اليه فانها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث (قالَ) موسى (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ) فان أعمالهم محفوظة عنده وسيجازيهم بها قيل انما رد موسى علم ذلك الى الله لانه كان لم يعلم ذلك لأن نزول التوراة انما كان بعد هلاك فرعون وقومه (فِي كِتابٍ) وهو اللوح المحفوظ (لا يَضِلُّ رَبِّي) لا يخطئ ولا يغيب عنه شئ (وَلا يَنْسى) ما كان من أمرهم بل يجازيهم باعمالهم (قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ) خالق (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ) وهو كل ما غاب عن البصر (وَالشَّهادَةِ) أي أن المغيبات والمشاهدات في علمه سواء (أَنْتَ تَحْكُمُ) تقضي (بَيْنَ عِبادِكَ) يوم القيامة (فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) في الدنيا وكان من دعائه ﷺ اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدنى لما اختلف فيه من الحق بأمرك انك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة (لا تسبوا الاموات الى آخره) أخرجه أحمد والبخاري والنسائي من حديث عائشة وأخرج أحمد والترمذي من حديث المغيرة لا تسبوا الاموات فتؤذوا الاحياء ففيه تحريم سب الموتي ان كان يفضى الى إيذاء حي مخترم مطلقا والا فمحل النهى في غير الكفار ومتظاهر بفسق أو بدعة اذ يجوز سبب الموتى اذ هؤلاء والينا عليهم بالشر للتحذير من طريقهم والاقتداء بآثارهم والتخلق باخلاقهم وبه يعلم الجمع بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن اثنيتم عليه شرا وجبت له النار أئتم شهداء الله في الارض أخرجه أحمد والشيخان والنسائي من حديث أنس (قد افضوا) بالفاء المعجمة أي وصلوا (الى ما قدموا) أي عملوا من خير وشر (تشاجر الصحابة) أى الاختلاف الذى وقع بينهم (وافترضت) قدرت (مباهت) بالموحدة والفوقية مفاعل من البهت وسنذكره (فقد قال ﷺ أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكر أحدكم أخاه بما يكره فقال رجل (أفرأيت ان كان في أخي ما أقول) أي الشين الذى
стр. 376
فقال ان كان فيه ما تقول فقد أغتبته وان لم يكن فقد بهته والفرق المتوقفة سالمة على كلا الحالين فانك لو لم تلعن وتسب من علم كفره وشقاوته في دهرك لما خفت أن تعاقب على ذلك ولا خطر فيه وانما الخطر والوبال أن تصوب ضالا في ضلالة وتحسن فعله كفعل يزيد وشيعته بالحسين وآله ﵈ لا أن تصون لسانك عن لعنهم وسبهم وقد قال ﷺ ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذى انتهت النصيحة على حد القصور والتقصير فاذا تحققت أيها الناظر ما ذكرنا فاختر لنفسك ما فيه صلاحك وفلاحك والله ولي التوفيق.
[الكلام على عمرة القضاء وزواجه صلى الله عليهو سلم بميمونة بنت الحارث الهلالية]
وفي القعدة من هذه السنة اعتمر ﷺ عمرة القضاء فلما سمع المشركون به مقبلا سببته به وظن السائل ان ذلك ليس بغيبة (قال ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته) واستوجبت الوعيد المذكور في الغيبة (وان لم يكن فيه ما تقول) بل كذبت عليه (فقد بهته) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة والبهت الكذب والافتراء على الانسان فهو أعظم من الغيبة لان فيه كذبا وغيبة (أن يصوب) بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه أي ينسب الى الصواب (كفعل يزيد) بن معاوية بن أبي سفيان (وشيعته) فرقته وجماعته (بالحسين) بن على (وآله) أهله وذلك انهم قتلوهم يوم الجمعة وقيل يوم السبت وقيل يوم الأحد لعشر خلون من محرم سنة احدى وستين بكربلاء بقرب موضع يقال له الطف بفتح المهملة وتشديد الفاء وهو المحل الذي أخبر ﷺ انه سيقتل به كما رواه أبو على سعيد بن عثمان بن السكن من حديث أنس بن الحارث وأخرجه أحمد من حديث أنس بن مالك قال الزبير بن بكار قتل سيدنا الحسين وعليه جبة خزد كناء وهو ابن ست وخمسين سنة وسمى عام قتله عام الحزن وقتل معه اثنان وثمانون أو سبعة وثمانون رجلا من أصحابه مبارزة ومن ولده واخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا وتولي قتله سنان بن أبي سنان النخعي أو شمر بن أبى الجوشن أو خولى بن يزيد الاصبحي من حمير أو عمر بن سعد بن أبي وقاص أو اشترك الكل في قتله أقوال وخولى بن يزيد هو الذى احتز رأسه وأتي به عبيد الله بن زياد وقيل بل بشر بن مالك الكندى فضرب ابن زياد عنقه وقيل بل يزيد بن معاوية وحمل الرأس المكرم الى المدينة الشريفة فدفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة على الاصح كما قاله الزبير بن بكار وغيره وقيل أعيد الى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوما وقيل بعسقلان وقيل بالقاهرة (تتمة) يجوز لعن قاتل الحسين ومن رضي قتله ومن أمر بقتله اجمالا ويحرم عندنا تفصيلا وذهب أحمد وغيره الى جوازه (ليس المؤمن بالطعان الي آخره) أخرجه أحمد والبخارى في الادب والترمذي وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود أي ان هذه الصفات ليست من صفات أهل الايمان ففى ذلك تحريم الطعن في الانساب من غير علم وتحريم اللعن والفحش في القول والبذاءة* تاريخ عمرة القضاء وتسمي عام القضية والمراد بالقضاء والقضية الكتاب الذي وقع بين رسول الله ﷺ والمشركين ووهم من ظن ان المراد قضاء العمرة التي تحللوا منها اذ لا يجب القضاء على المحصر وتسمي عمرة الصلح قاله الحاكم في الاكليل وتسمى عمرة القصاص لنزول قوله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قاله السهيلي وحديثها أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى
стр. 377
خرجوا عنه فدخل ﷺ ومعه عبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقته وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب انى مؤمن بقيله ... أعرف حق الله في قبوله
وقال المشركون انه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمي يثرب فأمرهم النبي ﷺ ان يرملوا الأشواط الثلاثة وان يمشوا ما بين الركنين وكان المشركون من قبل قعيقعان ولم يمنعه ان يأمرهم ان يرملوا الاشواط كلها الا الأبقاء عليهم وكان الناس يظنون ان الرمل خاص بتلك السنة فلما رمل في حجة الوداع علموا ان السنّة مضت على ذلك ولما أقام ﷺ ثلاثا أتي المشركون عليا فقالوا قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل فخرج ﷺ فتبعتهم أمامة بنة حمزة تنادى وغيرهم عن البراء بن عازب (وعبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقته يقول الى آخر الابيات) أخرج ذلك الترمذى وأبو يعلى والطبراني عن انس ولفظ الترمذي رحمه الله تعالى
خلوا بنى الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول شعرا فقال النبي ﷺ خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل (وفي هذه السنة) مرّ الخلاف فيها هل هى الثامنة أو السابعة والصحيح أنها الثامنة وأن عمرة القضاء وقعت في التاسعة (فائدة) استعمل النبي ﷺ على المدينة في خروجه اليها عويف بن الاضبط بن ربيعة الدئلي وكان أسلم عام الحديبية (يقدم) بفتح الدال (وهنتهم) بتخفيف الهاء أي أضعفتهم (حمى يثرب) بالمثلثة اسم كان للمدينة في الجاهلية وفي رواية لمسلم وأبي داود قالوا ان محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال (يرملوا) بضم الميم والرمل الجنب مع مقاربة الخطا (الاشواط) جمع شوط بفتح الشين المعجمة وسكون الواو آخره مهملة قال في التوشيح الجري مرة الى الغاية والمراد هنا الطواف حول الكعبة وفي ذلك كما قال النووي دليل على جواز تسمية الطوفة شوطا بلا كراهة وان نقل أصحابنا أن مجاهدا والشافعي قالا بالكراهة (وكان المشركون من قبل قعيقعان) كما رواه أبو داود وهو بتكرير القاف والعين المهملة مصغر جبل بمكة من جهة الشام (الا الابقاء) بالرفع فاعل يمنعه وهو بكسر الهمزة وبالموحدة والقاف الرفق والشفقة (فلما رمل في حجة الوداع) وقال لتأخذوا عنى مناسككم (علموا أن السنة مضت على ذلك) أي على استحبابه في كل طواف يعقبه سعي وما ذهب اليه ابن عباس من اختصاص الرمل بعمرة القضاء خالفه فيه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم بل قال ابن الزبير يسن في الطوفات السبع والحسن البصري والنووي وعبد الملك بن الماجشون المالكي يلزم بتركه دم وقال بوجوب الدم بتركه مالك ثم رجع عنه (أمامة) بضم الهمزة (ابنة حمزة) وقيل اسمها عمارة وقيل سلمى وقيل عائشة
стр. 378
يا عم يا عم فتناولها على فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك بنت عمك فاحمليها فاختصم فيها على وزيد وجعفر فقال على أنا أخذتها وهى ابنة عمى وقال جعفر ابنة عمى وخالتها تحتى وقال زيد بنت أخى فقضى بها النبى ﷺ لخالتها وقال الخالة بمنزلة الام وقال لعلى أنت منى وأنا منك وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقى وقال لزيد أنت أخونا ومولانا وقال على ألا تتزوج بنت حمزة قال انها بنت أخى من الرضاعه وتزوج رسول الله ﷺ في سفره هذا ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها بسرف وهو مقبل الى مكة ودخل بها فيه في رجوعه وماتت أيضا بعد موته ﷺ واختلف هل تزوجها وهو محرم أو حلال وقيل فاطمة وقيل أمة الله وقيل بعلي وتكنى أم الفضل (يا عم يا عم) تريد رسول الله ﷺ (دونك) اسم فعل أي خذى (بنت عمك) بالفتح (أحمليها) في بعض نسخ البخاري حملتها فعل ماض وللكشميهنى حمليها بتشديد الميم والتحتية أمر ولابي داود والنسائى فحملتها (فاختصم فيها على وزيد وجعفر) زاد أحمد والحاكم بعد ان قدموا المدينة (وخالتها تحتى) يعني اسماء بنت عميس (وقال زيد بنت أخى) يعنى من الرضاعة (الخالة بمنزلة الام) أخرجه الشيخان والترمذي من حديث البراء وابو داود من حديث على ولابن سعد عن محمد بن على مرسلا الخالة والدة (أنت مني وأنا منك) أى قرابة وموالاة ومناصرة ومصاهرة وغير ذلك من الفضائل ولم يرد مجرد القرابة والا فجعفر شريكه فيها (أشبهت خلقي وخلقى) أى خلقتى وطبيعتى زاد ابن سعد فقام جعفر فحجل حول النبى ﷺ أو دار عليه فقال النبى ﷺ ما هذا قال شئ رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم قال في التوشيح وفي رواية أن الثلاثة كلهم فعلوا ذلك والحجل الرقص بهيئة مخصوصة انتهي ومنه يؤخذ جواز ذلك عند الفرح والاستبشار سيما بفضيلة دبينة (فائدة) الذين كانو يشبهونه ﷺ غير جعفر الحسن بن على كان يشبه رسول الله ﷺ بما بين الرأس الى الصدر والحسين يشبهه بالاسافل كما أخرجه الترمذي وابن حبان عن على وفاطمة وابنه ابراهيم وابنا جعفر عبد الله وعون وقثم ابن العباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ومسلم ومحمد ابنا عقيل بن أبي طالب والسائب بن يزيد جد الشافعي وعبد الله بن عامر بن كريز العبشمي وكايس بن ربيعة بن عدى وعبد الله بن الحارث بن نوفل الملقب ببه قال في التوشيح وممن كان يشبه به أيضا مسلم بن معتب بن أبي لهب وعبد الله بن أبى طلحة الخولاني في آخرين من التابعين انتهى ولا ينافي ذلك ما في شمائل الترمذي عن على في وصفه ﷺ لم ار قبله ولا بعده مثله لان المنفي هنا عموم الشبه (أنت أخونا) أي من الرضاعة (ومولانا) أى عتيقنا وفي الحديث فضيلة لعلى وجعفر وزيد* تاريخ تزويج ميمونة (وتزوج في سفره هذا ميمونة) زوجه اياها العباس بأمرها لان أختها كانت تحته كما رواه ابن حبان وأبو الاسود في مغازيه وذلك من خصائصه ﷺ (سرف) بفتح المهملة وكسر الراء آخره فاء واد بين خليص وعسفان (وماتت به) أى بسرف (أيضا) كما في سنن الترمذي عن يزيد بن الاصم قال ودفناها في الظلة التى بنا بها فيها وكان موتها سنة ثلاث أوست وستين أو احدى وخمسين أقوال (واختلف هل تزوجها وهو محرم أو حلال) ففى رواية في الصحيحين عن ابن
стр. 379
وبحسب ذلك اختلفوا في صحة نكاح المحرم وأسد الاقوال انه تزوجها وهو محرم وان ذلك من خصائصه ﷺ وفي عمرة القضاء نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الآية في شان الحطيم البكرى والله أعلم*
[مطلب فى الكلام على وفد عبد القيس وخبر سيدهم الأشج العصري]
السنة الثامنة وما اتفق فيها من عيون الحوادث فيها قدوم وفد عبد القيس ومعنى الوفد أن تختار القبيلة جماعة منهم للقاء الكبراء في الأمور المهمات وكان جملة وفد عبد القيس أربعة عشر راكبا رئيسهم الاشج العصري واسمه المنذر بن عايذ عباس انه ﷺ نكح ميمونة وهو محرم وأكثر الروايات عن ابن عباس ايضا انه كان حلالا وفي مسلم وغيره عنها قالت تزوجني النبى ﷺ ونحن حلالان بسرف وقال أبو رافع تزوجها وهو حلال وكنت السفير بينهما رواه الترمذي وحسنه (وبحسب ذلك اختلفوا) يعنى العلماء (في صحة نكاح المحرم) بنسك فقال أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم لا يصح وقال أبو حنيفة والكوفيون يصح (وان ذلك من خصائصه ﷺ على أصح الوجهين والثاني انه حرام في حقه كغيره (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ) الآية شعائر الله مناسك الحج قاله ابن عباس ومجاهد أو الهدايا المشعرة قاله أبو عبيد الله (في شأن) أمر (الحطيم) بالحاء والطاء المهملتين مصغر لقب له واسمه شريح بالمعجمة والحأ ابن ضبيعة بالمعجمة والموحدة والعين المهملة مصغر (البكرى) ينسب الى بكر بن وائل وكانت قصته كما ذكر البغوى وغيره انه جاء المدينة وخلف خيله خارجها ودخل وحده على النبي ﷺ فسأله الى ما تدعو فاخبره انه يدعو الي الاسلام واقام الصلاة وايتاء الزكاة فقال حسبي ان لى أمراء لا أقطع أمري دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم وقد كان أخبر ﷺ أصحابه انه يدخل عليهم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان ثم خرج فاعلمهم النبى ﷺ انه لا يسلم فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق فاتبعوه فلم يدركوه فخرج في العام القابل حاجا في حجاج قومه ومعه تجارة عظيمة وقد قلدوا الهدي فاستأذن المسلمون النبي ﷺ فيهم فأبى عليهم وأنزل الله الآية بتصديقه* ذكر حوادث السنة الثامنة (فيها قدم وفد عبد القيس) وقيل في التاسعة وقيل في العاشرة وقيل كانا وفدين في كل عام وفد (ومعنى الوفد) كما قاله النووي (ان يختار القبيلة جماعة منهم للقاء الكبراء في الامور المهمات) وواحدهم وافد قال النووي وكانوا (أربعة عشر راكبا) سما منهم صاحب البحرين الاشج ومنقذ بن حبان ومربذة ابن مالك وعمرو بن مرحوم والحارث بن شعيب وعبيد بن همام والحارث بن جندب وصحار بصاد مضمومة وحاء مهملتين ابن العباس زاد ابن حجر وعقبة بن عروة وقيس بن النعمان والجهم والرستم وجويرة والزارع فهؤلاء أربعة عشرة وقد روى الدولابي عن أبى جبرة الصنابحى قال كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من عبد القيس وكنا اربعين رجلا قال ابن حجر ولعل الاربعة عشر هم رؤوس الوفد قال في التوشيح وممن سمى منهم غير من سبق مطر اخوا الزارع وابن أخيه ولم يسم ومشمرخ وجابر ابن الحارث وخزيمة بن عبد عمرو وهمام بن ربيعة وجارية بالجيم بن جابر ونوح بن مخلد فهؤلاء بضعة وعشرون انتهى وعد منهم ابن مندة حسان بن حسان العبدي (الاشج) سمى بذلك لشجة كانت في وجهه (العصرى) بفتح المهملتين منسوب الى بنى العصر قبيلة من عبد القبس (واسمه المنذر بن عايذ) بالتحتية والمعجمة أو
стр. 380
وكان سبب وفادتهم ان منقذ بن حيان رجلا منهم قدم المدينة تاجرا فمر به النبي ﵌ يوما فنهض اليه منقذ وسمع كلامه فسأله النبي ﵌ عن أشراف قومه رجل رجل بأسمائهم فأسلم وتعلم الفاتحة وسورة اقرأ باسم ربك وكتب معه النبي ﵌ الى قومه وكانوا ينزلون البحرين الخطي وأعيانها وسرة القطيف والسفارة والظهران الى الرمل الى الأجرع ما بين هجر الى قصر وبينونه ثم الجوف والعيون والاحساء الى حد أطراف الدهناء فلما قدم منقذ على قومه كتمهم الكتاب فطفق يصلي ويقرأ فقالت زوجته وهى بنت الاشج لأبيها انى أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب انه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة يعني القبلة فيحني ظهره مرة ويضع جبينه مرة ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فأخبره الخبر فأسلم الاشج ثم ثار على قومه بكتاب رسول الله ﵌ فأسلم من أسلم منهم ثم تجهزوا وافدين وذلك قبل الفتح ولما دنوا من المدينة قال النبي ﵌ لجلسائه أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الاشج العصري وسماه النبي ﷺ الاشج لأثر كان في وجهه. أما خطابهم مع النبي ﵌ ففي الصحيحين من روايات حاصلها أنهم لما دخلوا على النبي ﵌ قال عايذ بن المنذر أو عبد الله بن عوف أو المنذر بن الحارث أو ابن عامر أو ابن عبيد أقوال أصحها الأوّل (ابن حبان) بالتحتية (البحرين) تثنية بحر وهو أقليم معلوم (الخط) بفتح المعجمة وآخره مهملة موضع بتهامة (وسرة) بضم المهملة (القطيف) بالقاف والمهملة بوزن الرغيف بلد البحرين (والسفارة) بالمهملة المفتوحة والفاء والراء قرية بالبحرين (والظهران) بفتح المعجمة تثنية ظهر ناحية ببلد طي (الى الرمل) بفتح الراء وسكون الميم (الى الاجرع) بالجيم والراء والعين المهملة (هجر) بفتح الهاء والجيم لا ينصرف وهو اسم لجميع أرض البحرين قاله في القاموس (الى قصر) بفتح القاف وسكون الصاد المهملة (وبينونة) بفتح الموحدة وسكون التحتية ونونين الاولى مضمومة والثانية مفتوحة بينهما واو ساكنة قرية بالبحرين (ثم الجوف) بفتح الجيم وسكون الواو وفاء (والعيون) جمع عين (والأحسا) بالمهملتين (الدهنا) بفتح المهملتين وسكون الهاء فنون (ويستقبل الجمة) بضم الجيم وتشديد الميم لغة في القبلة (فيحنى ظهره) بالحاء المهملة (دندنه) بالدال المهملة والنون المكررتين أى دأبه وعادته (ففي الصحيحين) والنسائي من حديث ابن عباس وأبي سعيد ورواه الطبراني في الاوسط من حديث نافع العبدى وفيه وأنا غليم لا أعقل
стр. 381
مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا النداما قالوا يا رسول الله انا حي من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر ولا نقدر عليك الا في الاشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من ورائنا وندخل به الجنة اذا نحن أخذنا به فقال رسول الله ﵌ آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع أعبدو الله ولا تشركوا به شيأ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان أمسك جمالهم (مرحبا) اى صادفتم رحبا بضم الراء أي سعة وأوّل من قالها سيف بن ذى يزن قاله العسكرى (بالقوم أو) قال (بالوفد) شك من بعض الرواة اما من أبي حمزة الراوي عن ابن عباس أو ممن دونه قال ابن حجر وأظنه من شعبة فانه في رواية قرة وغيره بلا شك وأغرب من قال انه من ابن عباس (غير) بالنصب على الحال وحكى الكسر على الصفة قال في الديباج والمعروف الاول ويدل عليه ما في البخارى مرحبا بالقوم الذين جاؤا غير (خزايا) جمع خزيان وهو الذي أصابه خزي وقيل المستحيي وقيل الذليل المهان (ولا النداما) كذا في أصول مسلم باللام في النداما وروى في غيره باللام فيهما وبالحذف فيهما والنداما جمع ندمان من الندم كنادم حكاه الجوهرى وغيره أو ندمان خاص بالمنادمة ونادم بالندم وجمعه نادمون فعدل عنه لمكان خزايا كالعشايا والعذارى وفي النسائى مرحبا بالوفد ليس بالخزايا ولا النادمين قال ابن حجر عن أبي حمزة بشرهم بالخير عاجلا وآجلا لان الندامة انما تكون في العاقبة (اناحي) في صحيح مسلم انا هذا الحى وهو منصوب على الاختصاص والخبر من ربيعة قاله ابن الصلاح والحي اسم لمنزل القبيلة لان بعضهم يحيى ببعض قاله صاحب المطالع (الا في الاشهر الحرم) كذا في صحيح البخاري في المغازى وفيه في المناقب الا في كل شهر حرام وفيه في باب اداء الخمس الا في الشهر الحرام فقيل اللام للجنس وقيل للعهد والمراد رجب وصرح به عند البيهقي لان مضر كانت تبالغ في تعظيمه ولهذا أضيف اليهم في حديث أبي بكرة حيث قال ورجب مضر وللاصيلي وكريمة ثم في شهر الحرام وهي رواية مسلم وهي من اضافة الشئ الى نفسه على حد جانب الغربي ومسجد الجامع ونساء المؤمنات وفيه كما مر مذهبان فمذهب الكوفيين هو من اضافة الي الموصوف ومذهب البصريين على حذف مضاف تقديره شهر الوقت الحرام (فمرنا بأمر) بالتنوين لا بالاضافة زاد البخاري ومسلم وغيرهما فصل أى فاصل بين الحق والباطل بين واضح لا اشكال فيه (نأمر به) بالجزم جوابا وبالرفع صفة وفي رواية تخبربه (من ورائنا) بفتح لا غير (ويدخل) بالوجهين وروي بلا واو فليس سوى الجزم ورفع بخبر (آمركم باربع) هي في العدد خمس فقيل أولها اقامة الصلاة وقدم الشهادتين تبركا لان سؤالهم انما كان عن الاعمال والا فقد تقدم ايمانهم ومن ثم سقط ذكر الشهادتين في بعض طرق الحديث وقيل هى ما عدا اداء الخمس كانه أعلمهم أولا بقواعد الاسلام وفروض الاعيان ثم أعلمهم بالواجب عليهم في ما غنموه اذا وقع لهم جهاد وحصلت لهم غنيمة وقيل وعد باربع فلما وفا زاد ولا يدع في ذلك وقيل عد الصلاة والزكاة خصلة واحدة لان الله قرنهما في القرآن وقيل اداء الخمس داخل في اداء الزكاة بجامع انهما اخراج مال معين في حال دون حال ولم يذكر الحج لانه لم يكن فرض يومئذ لكن وقع في سنن البيهقى ومسند أحمد وتحجوا البيت الحرام (وأقيموا الصلاة) فى تقديمها دليل على انهما أفضل أركان الاسلام (وصوموا رمضان) سقط ذكر صوم رمضان في احدى روايات مسلم قال ابن الصلاح
стр. 382
وأعطوا الخمس من الغنائم وأنهاكم عن أربع عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير قالوا يا نبي الله ما علمك بالنقير قال بلا جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعا أو التمر ثم تصبون فيه من الماء حتى اذا سكن غليانه شربتموه حتى ان أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال وكنت أخبؤها حياء من رسول الله ﵌ قالوا ففيم نشرب يا رسول الله قال في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها قالوا يا نبي الله والنووي اغفالا من الراوي (واعطوا الخمس) بضم الميم واسكانها (عن الدبا) بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد وحكي القصر القرع اليابس وأراد الوعاء منه وفيه حدف أى أنهاكم عن شرب ماء ينتبذ في الدبا الى آخره وصرح به النسائى في رواية (والحنتم) بفتح المهملة وسكون النون وفتح الفوقية الجرار الخضر كما فسره الاكثرون من اللغويين وأهل الغريب والمحدثين والفقهاء وفيه خمسة أقوال أخر (والمزفت) بفتح الزاي وتشديد الفاء هو المطلى بالزفت وهو القار وربما قال المقير بدل المزفت (والنقير) بفتح النون وكسر القاف أصل النخلة تنقر فيتخذ منه وعاء وانما نهي ﷺ عن الانتباذ في هذه الاوعية لانها يسرع اليها اسكار فربما يشرب منها من لا يشعر بذلك ثم نسخ ذلك بقوله ﷺ كنت نهيتكم عن الاشربة الا في ظروف الادم فاشربوا في كل وعاء غير ان لا تشربوا مسكرا أخرجه مسلم وابن ماجه من حديث بريدة (قالوا يا رسول الله ما علمك بالنقير) أى مع عدم رؤيتك له (قال بلا جذع الى آخره) في مسند الطيالسى بسند حسن كما قاله في التوشيح عن أبى بكرة وأما النقير فان أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينتبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت وفيه وأما أهل الدبا فان أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيطرحون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت وأما الحنتم فجرار خضر كانت يحمل الينا فيها الخمر وأما المزفت فهذه الاوعية التى فيها الزفت (تقذفون) بفوقية مفتوحة فقاف ساكنة فمعجمة مكسورة ففاء فنون أى تلقون وترمون وفي رواية لمسلم من طريق ابن المثنا وابن يسار وتذيفون فيه من القطيعا والتمر والماء وتذيفون بفتح الفوقية ويروى بضمها وكسر المعجمة ويروي بالاهمال بعدها تحتية ساكنة وفاء مضمومة من ذاف يذيف بالمعجمة كباع يبيع وداف يدوف بالمهملة كقال يقول واذاف يذيف اعجاما واهمالا ومعناه على جميع الاوجه خلط (من القطيعا) بضم القاف وفتح المهملة والمد وهو نوع من التمر صغار (سكن غليانه) بفتح المعجمة واللام والتحتية (حتى ان أحدكم) أو ان أحدهم كما في مسلم وهو شك من الراوى (ليصرب) لسكره وذهاب عقله وهيجان الشربة (ابن عمه) الذى هو اليه من أحب أحبابه (بالسيف) خصه بالذكر لانه اذا ضرب بالسيف الذى هو أعظم ضرب بما دونه من باب أولى (وفي القوم رجل) اسمه الجهم بن قثم (أصابته جراحة كذلك) كانت الجراحة في ساقه (وكنت أخبؤها) أي أخفيها وألف عليها طرف ازارى (في أسقية الأدم) بفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد بعد تمام دباغه (التى ثلاث) بالتحتية المضمومة وضبطه العبدري بالفوقية وتخفيف اللام ومثلثة خفيفة أى يلف الخيط (على افواهها) ويربط به وعلى ضبط
стр. 383
ان أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى بها أسقية الأدم فقال النبي ﵌ وان أكلتها الجرذان وان أكلتها الجرذان وان أكلتها الجرذان وقال للاشج ان فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة انتهت روايتهما ومعظمه لمسلم وانما أثنى النبي ﵌ على الاشج بالحلم والأناة لما روى انهم لما قدموا على النبي ﵌ ابتدروا اليه وتركوا ركابهم فجمعها الاشج وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه فلما جاء أجلسه النبي ﵌ الى جنبه ثم قال لهم النبي ﵌ تبايعونا على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم وقال الأشج يا رسول الله انك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا وترسل اليهم من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه قال صدقت ان فيك خصلتين يحبهما الله قال يا رسول الله أكانتا في أم حدثتا قال بل قديم قال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله وكان أوّل من دان بالدين وأقام شرائعه من الآفاقيين قبائل عبد القيس روينا في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال أوّل جمعة جمعت بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله ﵌ في مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين ثم لما مات النبي ﵌ وارتدت العرب لم يكن يسجد لله تعالى في بسيط الأرض العبدرى تلف الأسقية على افواهها (ان أرضنا كثيرة) وروي كثير (الجرذان) بدونها والتقدير عليه أرضنا مكانا كثير الجرذان قاله ابن الصلاح (وان أكلتها الجرذان) مكرر ثلاث مرات (ان فيك لخصلتين الى آخره) أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما من حديث ابن عباس (الحلم) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام العقل (والأناة) بفتح الهمزة وبالقصر التثبت وترك العجلة (لما روى أنهم لما قدموا على النبي ﷺ الى آخره) أخرجه الطبراني في الاوسط عن موسى بن هارون عن اسحاق بن راهويه عن سليمان ابن نافع العبدي عن أبيه ولفظه قال له النبي ﷺ رأيت منك ما لم أر من أصحابك قلت وما رأيت منى يا نصر الله قال وضعت سلاحك ولبست ثيابك وتدهنت ان فيك لخصلتين الى آخره (أنك لم تزاول الرجل) بضم الفوقية وفتح الزاي وكسر الواو أي ولم تحاوله وتعالجه وتطالبه (نبايعك على أنفسنا ونرسل اليهم) قال عياض فهذا من الأناة حيث تربص حتى نظر في مصالحه ولم يعجل كأصحابه قال والحكم في هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب (أكانتا في) بتشديد الياء (أم حدثتا الى آخره) أخرجه أبو يعلى في مسنده وهذا لفظه وللطبراني في الاوسط قلت يا رسول الله أشىء جبلت عليه أم شئ أحدثته قال النبي ﷺ لابل شئ جبلت عليه (الحمد لله) فيه الحمد على حصول النعم كما مر (الذي جبلنى) أي خلقنى والجبلة الخلقة (على خلقين يحبهما) زاد الطبراني فقال النبى ﷺ أسلم وفد عبد القيس طوعا وأسلم الناس كرها فبارك الله في عبد القيس وموالي عبد القيس (بجواثا)
стр. 384
الا في ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس ففي ذلك يقول شاعرهم مفتخرا:
والمسجد الثالث الشرقي كان لنا ... والمنبران وفصل القول في الخطب
أيام لا منبر للناس تعرفه ... الا بطيبة والمحجوج ذي الحجب
وكان هؤلاء من ربيعة محصورين ببلدهم الى أن قتل الله كبش الردة مسيلمة وفتح على المسلمين فقال شاعرهم مستنجدا بأبي بكر الصديق والمسلمين:
الا بلغ أبا بكر رسولا ... وفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم الى قوم كرام ... قعودا في جواثا محصرينا
كأن دماءهم في كل فج ... دماء البدن يعشي الناظرينا
توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا
[مطلب في وفات السيدة زينب أكبر بناته ﷺ وخبر ذلك]
وفي هذا العام مات أكبر بنات النبي ﵌ زينب وهي زوجة أبى العاص بن الربيع ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أم عطية قالت لما ماتت زينب بنت رسول بضم الجيم وتخفيف الواو وقد تهمز ثم مثلثة خفيفة قال في التوشيح وكان هذا التجميع في عهده ﷺ (والمنبران) تثنية منبر وانما ثناه ليتزن البيت أو لأن عادة الشعراء تثنية الواحد كقولهم خليلي وما أشبهه أو أراد منبر الجمعة ومنبر العيد وكانا لهم يومئذ احتمالات (أيام) بالنصب على الظرف (لا منبر) بالتنوين لضرورة الشعر (تعرفه) بالفوقية (والمحجوج) بالكسر عطفا على بطيبة (كبش الردة) بفتح الكاف وسكون الموحدة آخره معجمة أى رأسها ويسمى رئيس القوم كبشهم (مسيلمة) بضم الميم وفتح المهملة وسكون التحتية وكسر اللام ابن كثير بن حبيب بن الحارث الكذاب يكنى أبا ثمامة (مستنجدا) أي مستنصرا (وفتيان) بكسر أوله وضمه جمع فتى وهو من اسماء الشباب كما مر (اجمعينا) بالف الاطلاق وكذا ما بعده (فهل لكم) باشباع ضم الميم (الى قوم كرام) أى هل لكم في نصرتهم وانقاذهم من الحصر (محصرينا) بفتح الصاد المهملة أى ممنوعين من الخروج (في كل فج) أي طريق (دماء البدن) بالضم خبر كان (يعشى) بضم أوله وسكون المهملة وكسر المعجمة من العشى وهوداء يصيب العين فيذهب البصر بالليل وأراد أن الدماء لكثرتها وشدة حمرتها يذهب نور البصر ويعشيه وإنما قال ذلك مبالغة (توكلنا) بفتح الكاف وسكون اللام أي اعتمدنا وفوضنا (انا) بكسر الهمزة (وجدنا) بالاختيار (النصر) انما يكون (للمتوكلينا) غالبا* ذكر موت زينب بنت رسول الله ﷺ (عن أم عطية) قال النووي كانت أم عطية غاسلة للميتات وكانت من فاضلات الصحابيات أنصارية واسمها نسبية بضم النون وقيل بفتحها انتهى وليس في أحاديث غسل الميت أعلا من حديثها قاله ابن المنذر (لما ماتت زينب) كذا جاء تسميتها في رواية في مسلم وهو الصواب كما قاله الجوهرى
стр. 385
الله ﵌ قال لنا رسول الله ﵌ أغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا واجعلن في الخامسة كافورا فاذا غسلتها فأعلمنني قالت فأعلمناه فأعطانا حقوه فقال أشعرنها إياه قالت وضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث قرنيها وناصيتها وقال لهن أبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها وبعد وفاتها تزوج النبي ﵌* فاطمة بنت الضحاك ولما نزلت آية التخيير واختارت الدنيا ففارقها ﵌ وكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول أنا الشقية اخترت الدنيا وفيها وقع غلاء في المدينة فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال ان الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق واني لأرجو ان القى الله وليس أحد منكم يطالبنى فما نقله القاضى عن بعض أهل السير انها أم كلثوم فخطأ (اغسلتها وترا ثلاثا أو خمسا الى آخره) المراد اغسلنها وترا وليكن ثلاثا فان احتيج الى زيادة عليها للانقاء فليكن سبعا وهكذا أبدا قاله النووي قال وحاصله ان الايتار مأمور به والثلاث مأمور بها فان أنقت الثلاث لم يزد والازيد حتي يحصل الانقاء ويكون وترا انتهي ويسقط الفرض بغسلة واحدة (بماء وسدر «١» ) فيه ندب السدر في غسل الميت وليكن في غير المرة الواجبة وقيل يجوز فيها (واجعلن في الخامسة كافورا) في رواية مسلم في الاخيرة وفيه استحباب الكافور وبه قال جمهور العلماء محتجين بهذا الحديث ولانه يطيب الميت ويشتد بدنه ويمنع اسراع افساده ويتضمن اكرامه وقال أبو حنيفة لا يستحب ولا حجة له (فاعلمننى) للبخارى فأذننى بوزنه ومعناه (فاعطانا حقوه) قال النووي بكسر الحاء وفتحها لغتان واقتصر في التوشيح على الفتح وسكون القاف أصله معقد الازار ويطلق على الازار مجازا قال النووي وجمعه أحق وأحقا (أشعرنها اياه) أى اجعلنه شعارا لها وهو الثوب الذي يلي الجسد سمى شعارا لانه يلي شعر الجسد وفعل ﷺ ذلك لينالها بركة أثره ﷺ ففيه التبرك بآثار الصالحين ولباسهم وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل (وضفرنا شعرها) بضاد ساقطة وفاء خفيفة وفي رواية لمسلم فمشطناها بتخفيف الشين ففى ذلك استحباب مشط رأس الميت وضفره وهو مذهب الشافعي وأحمد واسحاق وقيل لا يستحب المشط ولا الضفر بل يرسل الشعر الى الجانبين مقرقا وبه قال الاوزاعى والكوفيون (أبدأن) فى غسلكن (بيمامنها) فيه استحباب التيامن في غسل الميت كسائر الطهارات قال النووى في حديث أم عطية دليل لأصح الوجهين عندنا ان النساء أحق بغسل الميتة من زوجها وقد يمنع دلالته حتى يتحقق ان زوج زينب كان حاضرا في وقت وفاتها لا مانع له في غسلها وانه لم يفوض الأمر الي النسوة (ولما نزلت آية التخيير اختارت الدنيا الى آخره) هذا منكر لا أصل له ولم تخير واحدة من أزواجه ﷺ الدنيا ويدل على بطلانه ما ذكره البغوي وغيره من المفسرين انه لم يكن في عصمة النبى ﷺ يوم نزول آية التخيير سوي نسائه اللاتى مات عنهن (غلا) بفتح المعجمة والمد (سعر لنا) أي عين لنا قدرا من الثمن لقدر من المبيع (ان الله هو المسعر) أي هو الذي يغلي ان شاء ويرخص؟؟؟ ان شاء (القابض الباسط) يوسع الرزق ويقدره يبسطه برحمته ويقبضه بحكمته وقيل معناه الذي يقبض الارواح بالموت ويبسطها عند الحياة وينبغى كما قاله غير واحد من الأئمة ان يقرن بين الاسمين ولا يفصل بينهما ليكون أنبأ على القدرة وأدل على الحكمة كقوله تعالى وَاللَّهُ
стр. 386
بمظلمة في دم ولا مال رواه أبو داود* وروي أيضا ان رجلا قال لرسول الله ﵌ سعرلنا قال بل أدعو ثم جاءه آخر فقال يا رسول الله سعر لنا فقال بل الله يخفض ويرفع وانى لارجو ان القي الله وليس لاحد عندي مظلمة*
[مطلب في اتخاذه ﷺ المنبر وخبر حنين الجذع]
وفيه اتخذ رسول الله ﷺ المنبر فكان من حديثه ما رويناه في صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما ان امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ يا رسول الله الا اجعل لك شيئا تقعد عليه فان لى غلاما نجارا قال ان شئت قال فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذى صنع فصاحت النخلة التى كان يخطب عليها عندها حتى كادت أن تنشق فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها اليه فجعلت تئن كأنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر رواه البخاري أيضا عن سهل ابن سعد وفيه ان النبي ﷺ سألها ذلك قيل والجمع بينهما انها سألت النبي يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ فمن قال القابض مفردا قصر الصفة على المنع والحرمان ومن جمع أثبت الصفتين (بمظلمة) بفتح الميم وكسر اللام أي ظلم (في دم ولا مال) في ذلك عظيم خوفه ﷺ من ربه ﵎ سيما فيما كان من حقوق المخلوقين وفيه حرمة التسعير وان المسعر يسمى ظالما (رواه) أحمد (وأبو داود) وغيرهما وصححه الترمذي عن أنس (وروي) مبنى للفاعل يعنى أبا داود* تاريخ اتخاذ المنبر (وفيه) أي في هذا العام يريد سنة ثمان من الهجرة وقيل كان اتخاذه سنة سبع (اتخذ ﷺ منبرا) ففيه ندب اتخاذ المنبر والخطبة عليه والمنبر مشتق من النبر وهو الارتفاع (في صحيح البخاري) ورواه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وغيرهم (ان امرأة من الانصار) اسمها فاطمة كما ذكره ابن الانصاري أو عائشة كما ذكره البرماوي وذكر المصنف فيما بعد عدم وقوفه على اسمها (فلما كان يوم الجمعة) بالفتح والضم (فصاحت النخلة) هذا من جملة معجزاته ﷺ في نطق الجمادات وسيأتي الكلام على ذلك في المعجزات ان شاء الله تعالى (فنزل النبي ﷺ حتى أخذها) قال في الشفاء وذكر الاسفرايينى ان النبي ﷺ دعاه الى نفسه فجاءه يخرق الارض فالتزمه ثم أمره فعاد الى مكانه (تئن) بفتح الفوقية وكسر الهمزة (أنين) بالفتح (الصبي) الصغير (الذي يسكت) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الكاف وفي رواية في الصحيح سمعنا للجذع مثل أصوات العشار وهى بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة جمع عشر بالضم ثم الفتح مع المد وهي الناقة الحامل التى مضت لها عشرة أشهر قاله ابن زيد أو التى قاربت الولادة قاله الخطابي (بكت على ما كانت تسمع من الذكر) قال بعضهم انما قال ذلك ﷺ سترا للقضية والا فبكاؤها انما كان تحزنا على رسول الله ﷺ كما صرحت به الرواية (ورواه) البخارى ومسلم أيضا عن سهيل بن سعد صحابي ابن صحابي تأمر في غزوة بدر عن الواقدي أن سعدا أبا سهل كان ممن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأخره والجمع بينهما كما قاله النووى في شرح مسلم (أنها سألت النبي
стр. 387
صلى الله عليه وآله وسلم أولا ثم اضربت فكأنها لم تفهم منه الرضى فلما رآه النبي صوابا استنجزها وعدها واسم هذا النجار مينا وقيل باقوم أو باقول وقيل غير ذلك ولم أقف على اسم المرأة والله أعلم وذكر أهل التواريخ ان عدد درجات هذا المنبر ثلاث بالمقعد وان سماءه ذراعان وثلاث أصابع وان عرضه ذراع في ذراع وتربيعه سوى وطول رمانتيه التى كان يمسكهما النبي ﷺ بيديه الكريمتين اذا جلس شبر وأصبعان وانه بقى كذلك في زمان النبي ﷺ وأصحابه الاربعة الخلفاء فلما كان في زمن معاوية ابن أبي سفيان زاد من أسفله ست درجات وكساه قطيفة فلما كان زمن المهدى بن المنصور هم أن يعيده الى حاله الاول فقال له الامام مالك بن انس انما هو من طرفاء وقد شد الى هذه العيدان وسمر فمتى نزعته خفت أن يتهافت فتركه ثم ذكر أنه تهافت على طول الزمان فجدده بعض الخلفاء العباسيين واتخذ من بقايا أعواءه منبر النبي ﷺ أمشاطا للتبرك بها ثم لما احترق المسجد الشريف واحترق ما فيه واشتغل الناس عنه ﷺ ذلك (ثم أضربت) بالمعجمة تركت (استنجزها وعدها) طلب منها تنجيز ما وعدته به (واسم هذا النجار) ميمون على الاصح وقيل (ميناء) بكسر الميم وسكون التحتية بعدها نون مع المد (وقيل باقوم وقيل باقول) بالموحدة والقاف المضمومة فيهما والثاني باللام بدل الميم وهي رواية عبد الرزاق (وقيل) اسمه غير (ذلك) فقيل ابراهيم وقيل صباح بضم المهملة وتخفيف الموحدة وقيل قبصة وقيل قصبية بتقديم الصاد وقيل كلاب مولى العباس وقيل تميم الدارى وروي الواقدى من حديث أبي هريرة ان تميما الدارى أشار به فعمله كلاب مولى العباس وجزم البلاذري بان الذى عمله أبو رافع مولى رسول الله ﷺ أن (عدد درجات هذه المنبر ثلاث بالمقعد) كما ورد في صحيح مسلم وغيره (وسماءه) أى ارتفاعه في السماء أي سمكه (ذراعان وثلاثة أصابع) تقريبا (وعرضه) بفتح العين لا غير (رمانتيه) بضم الراء وتشديد الميم تثنيقلة رمانة (فلما كان زمن معاوية) كتب الى مروان وكان عامله بالمدينة ان يحمل المنبر اليه وهو بالشام فأمر به مروان فقلع فاظلمت ارجاء المدينة وكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم فخرج مروان فخطب فقال انما أمرنى أمير المؤمنين ان أرفعه (فدعا نجار وزاد من أسفله ست درجات وكساه قطيفة) وقال انما زدت فيه حين كثر الناس أخرج ذلك الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق (المهدى بن المنصور) العباسي (انما هو من طرفاء) بالمد وهو الاقل كما في رواية صحيح البخارى وغيره من أثل الغابة وهي بالمعجمة وتخفيف الموحدة موضع من عوالي المدينة وأصلها الشجر الملتف (ان تتهافت) أى تتساقط (فجدده بعض الخلفاء العباسيين) لم أقف على اسمه والذى ذكره ابن النجار انه استمر على بناء مرون الى ان احترق (ثم احترق المسجد الشريف واحترق ما فيه) احترق حينئذ المنبر قال في التوشيح وكان في ذلك اشارة الى زوال دولة أهل البيت النبوي العباسيين فانها
стр. 388
باستيلاء التتار على البلاد وقتل الخليفة أبي أحمد عبد الله المعتصم بالله وذلك سنة ست وخمسين وستمائة أرسل الملك المظفر اليمني منبرا رمانتاه من الصندل فنصب مكان المنبر الأوّل النبوي وبقى الى أن حوله الملك الظاهر بيبرس وذلك سنة ست وستين وستماية والله أعلم
[ذكر فضل المنبر المنيف وما بينه وبين القبر الشريف]
ذكر فضل المنبر المنيف وما بينه وبين القبر الشريف- روينا في الصحيحين من روايات ان النبي ﷺ قال ما بين بيتى ومنبري انقرضت عقب ذلك بقليل في فتنة التتار انتهى واحترق في هذه النار جميع الحرم حتى اذابت الرصاص الذى العمد عليها فوقعت ولم يبق غير السور واقفا وكان قد خرج قبل هذه النار نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة ليلة الاربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة الى صحي النهار يوم الجمعة ثم سكنت الزلزلة وظهرت النار بالحجاز وغيره الى أن وصلت الى قرب المدينة الشريفة وكان يأتي المدينة من جهتها نسيم بارد ببركته ﷺ وكان يشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر وانتهت الى قرية من قري اليمن فاحرقتها وهي النار التي أخبر ﷺ بخروجها من ارض الحجاز تضىء لها أعناق الابل ببصرى أي مدينة حوران كما في الصحيحين وغيرهما وأخرجه ابن عدي في الكامل بلفظ حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار يضيء الى آخره قال السيوطى وهو منطبق على هذه النار فانها سال منها واد مقدار أربعة فراسخ وكان خروجها زمن الامام النووي كما ذكره في شرح مسلم (باستيلاء التتار) بفوقيتين خفيفتين آخره راء وهم نوع من الترك استولوا في ذلك الزمن (على البلاد) كان استيلاؤهم يومئذ على بغداد وكانت عمود الاسلام وقتلوا من كان من أهل الاسلام وسبوهم فانتشر حينئذ الخوف وعظم الكرب وعم الرعب جميع البلاد (وقتل الخليفة) مصدر مضاف الى الخليفة وهو عطف على قوله باستيلاء (أبي أحمد المعتصم بالله) وكان آخر من ولي من العباسيين (أرسل) كما قاله ابن النجار (الملك المظفر) بفتح المعجمة والفاء المشددة (وبقى) منبر المظفر (الى ان حوله) بعد عشر سنين (الملك الظاهر) بالمعجمة (بيبرس) بفتح الموحدتين وسكون التحتية بينهما والراء آخره سين مهملة وقيل معجمة ولم يزل كذلك الى سنة عشرين وثمانمائة فارسل الملك المؤيد منبرا فلم يزل الى سنة سبع وستين وثمانمائة فأرسل المجاهد خشقدم منبرا* ذكر فضل المنبر الشريف (روينا في الصحيحين) ومسند أحمد وسنن النسائي (من روايات) بعضها عن عبد الله بن زيد المازنى وبعضها عن على وبعضها عن أبي هريرة (ما بين بيتى) يريد قبره كما نقله الطبرى عن زيد بن أسلم ويؤيده رواية ابن عساكر ما بين قبرى بدل بيتي أو يريد بيت سكناه على ظاهره وروي ما بين حجرتى والقولان متفقان لان قبره في حجرته وهي بيته قال الطبري والمراد بيت عائشة رضى الله عنها (ومنبرى) الصحيح ان المراد به منبره الذي كان يخطب عليه للجمعة وبينه وبين بيته ثلاثة وخمسون
стр. 389
روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضى. وفي حديث خارج عنهما ما بين قبري ومنبري وفي حديث ما بين حجرتي الى منبري روضة من رياض الجنة وان منبري على ترعة من ترع الجنة والروايات متفقة فبيته ﷺ ومنبره وحجرته واحد وبينها وبين المنبر ثلاثة وخمسون ذراعا. وروي عنه ﷺ انه قال قوائم منبري رواتب في الجنة وسيأتي خبر الجذع وجماع الروايات فيه في قسم المعجزات انشاء الله تعالى*
[الكلام على غزوة مؤتة وخبر مقتل زيد حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة]
وفي جمادى الاولى من هذا العام كانت غزوة مؤته وهي قرية من قرى البلقاء دون دمشق انتهت غزوتهم اليها روينا في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال أمر رسول الله ﷺ زيد ابن حارثة في غزوة مؤته وقال ان قتل زيد فجعفر وان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة قال ذراعا وقيل المراد خبره بمصلى العيد خارج سور المدينة ذكره السمهودي في تاريخ المدينة وغيره (روضة) هى في الاصل البستان الذي في غاية النضارة والحسن (من رياض الجنة) أي هو كرومه في نزول الرحمة وحصول السعادة أو ان العبادة فيه وكثرة ملازمته يؤدي الى الجنة أو ان ذلك الموضع ينقل بعينه في الآخرة الى الجنة أو انها نقلت من الجنة الى الدنيا كالحجر الاسود ومقام ابراهيم أقوال أظهرها الاخير وعليه فانتفاء أوصاف أهل الجنة عنهما في الصورة الظاهرة انما هو لقصور أهل هذه الدار عن درك تلك الحقائق كما قاله بعض العلماء العارفين قال وأما وقوع نحو الجوع بها مما ينافي روضة الجنة فهو انما يمنع في دار الجنة لا فيما نقل منها لغيرها تبركا به عملا باصل الدار الدنيوية وانما آيلة الى الفناء (ومنبري) قال أكثر العلماء كما نقله عياض المراد منبره بعينه الذى كان في الدنيا ينقل يوم القيامة ثم ينصب على الحوض ثم تصير قوائمه رواتب في الجنة كما في حديث الطبراني وقيل ان له منبرا هناك (على حوضى) سوى هذا الذى في الدنيا وقيل ان قصد منبره والحضور عنده لملازمة الاعمال الصالحة تورد صاحبها الحوض ويقتضى شربه منه في هذا الحديث ترغيب تام في العبادة في ذلك المحل (وان منبرى على ترعة الى آخره) رواه أحمد عن سهل بن سعد وابى هريرة ولفظه منبري هذا علي ترعة من ترع الجنة وفسر الترعة بالباب وهي بضم الفوقية وسكون الراء وعين مهملة (قوائم منبرى رواتب في الجنة) رواه احمد والنسائى وابن حبان عن أم سلمة ورواه الطبرانى والحاكم عن أبي واقد والرواتب جمع راتبة بالفوقية والتاء وهي الدعامة ونحوها مما تشد به البناء* تاريخ غزوة مؤتة (وفي جمادي الاولى) قبل غزوة ذات السلاسل كما مر انها كانت في جمادي الأخرى قال النووى قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر كانت ذات السلاسل بعد مؤتة فيم ذكره أهل المغازى الا ابن اسحاق فقال قبلها (البلقاء) بالموحدة والقاف والمد عند الكرك في طرف الشام (دمشق) بكسر الدال المهملة وفتح الميم وسكون المعجمة على مرحلتين من بيت المقدس وكانت أوّل غزو وقع لبلد الروم (روينا في صحيح الخاري عن ابن عمر) وعن قيس بن أبي حازم وفيه وفي سنن النسائي عن أنس وفي مسلم وأبي داود عن قيس بن مالك الاشجعي (زيد بن حارثة) فيه فضيلة لزيد حيث قدم على جعفر وغيره من أشراف قريش والانصار (مؤتة) بضم الميم وسكون الواو بهمز ودونه (ان قتل زيد فجعفر) قال في التوشيح
стр. 390
عبد الله كتب معهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين ما بين طعنة ورمية وكان من خبرهم في غزوتهم أنهم لما بلغوا معان بلغهم ان هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة لخم وجذام والفين وبهرا وبلي وكان المسلمون ثلاثة آلاف فتشاوروا أن يراجعوا رسول الله ﷺ فيأمرهم بأمره فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال يا قوم انما هي احدى الحسنيين اما نصرا واما شهادة فقال الناس صدق عبد الله فمضوا حتى التقوا بمؤتة فقاتل زيد بالراية حتى قتل ثم أخذها جعفر وقاتل قتالا شديدا ثم نزل عن فرسه فعقرها فكان أوّل من عقر في الاسلام وجعل يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله فقطعت أيضا فاحتضنها بعضديه فعوضه الله عن ذلك جناحين يطير بهما في الجنة. وروينا في صحيح البخاري ان ابن عمر كان اذا حيا يؤخذ منه جواز ولاية الوظائف تعليقا وهو دليل قوى جدا (بضعا وسبعين) في بعض نسخ الصحيح وتسعين بدل سبعين زاد في رواية ليس منها شىء في دبره (معان) بضم الميم وتخفيف العين المهملة كذا ذكره أبو بحر والبكري وقال هو اسم جبل قال السهيلى وأصلحه علينا القاضى حسين الشماع معان بفتح الميم قال وهو اسم موضع (مآب) بفتح الميم ومد الهمزة آخره موحدة (من المستعربة) هم كل عربى ليس من ولد اسماعيل والعاربة أولاد اسماعيل (لخم) بفتح اللام وسكون المعجمة قبيلة تنسب الى لخم بن عدى بن الحارث بن مرة بن ازد (وجذام) بضم الجيم ومعجمة قبيلة تنسب الى جذام بن عدي أخى لخم كما مر (والقين) بفتح القاف وسكون التحتية (وبهرا) بفتح الموحدة وسكون الهاء وراء مقصورة وممدودة (وبلي) بالموحدة على وزن علىّ والثلاثة بطون من قضاعة (فشجع الناس) أي جرأهم (أحد الحسنيين) تثنية حسنى (أما نصر) بالضم (وأما شهادة) كذلك وهذا تفسير الحسنيين (فكان) جعفر اسمها مستتر (أول) بالنصب خبرها (يا حبذا) بففتح المهملة والموحدة ثم دال معجمة قال في القاموس حبذا الأمر أي هو حبب جعل حب وذا كشئ واحد وهو اسم وما بعده مرفوع به (الجنة) بالرفع (طيبة وبارد) يجوز رفعهما على ان طيبة خبر مبتدأ محذوف وبارد مبتدأ خبره (شرابها) ويجوز ضمهما على الحال أى حال كون الجنة طيبة وشرابها باردا (فاحتضها) بالحاء المهملة والضاد المعجمة أي أخذها بحضنيه (فعوضه الله عن ذلك جناحين الى آخره) أخرج الترمذي والحاكم من حديث أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رأيت جعفر بن