← Сира

Сира · id 9780

شرح بهجة المحافل وبغية الأماثل

الأشخر اليمني

Полный текст (880 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بمظلمة في دم ولا مال رواه أبو داود* وروي أيضا ان رجلا قال لرسول الله ﵌ سعرلنا قال بل أدعو ثم جاءه آخر فقال يا رسول الله سعر لنا فقال بل الله يخفض ويرفع وانى لارجو ان القي الله وليس لاحد عندي مظلمة* [مطلب في اتخاذه ﷺ المنبر وخبر حنين الجذع] وفيه اتخذ رسول الله ﷺ المنبر فكان من حديثه ما رويناه في صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما ان امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ يا رسول الله الا اجعل لك شيئا تقعد عليه فان لى غلاما نجارا قال ان شئت قال فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذى صنع فصاحت النخلة التى كان يخطب عليها عندها حتى كادت أن تنشق فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها اليه فجعلت تئن كأنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر رواه البخاري أيضا عن سهل ابن سعد وفيه ان النبي ﷺ سألها ذلك قيل والجمع بينهما انها سألت النبي يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ فمن قال القابض مفردا قصر الصفة على المنع والحرمان ومن جمع أثبت الصفتين (بمظلمة) بفتح الميم وكسر اللام أي ظلم (في دم ولا مال) في ذلك عظيم خوفه ﷺ من ربه ﵎ سيما فيما كان من حقوق المخلوقين وفيه حرمة التسعير وان المسعر يسمى ظالما (رواه) أحمد (وأبو داود) وغيرهما وصححه الترمذي عن أنس (وروي) مبنى للفاعل يعنى أبا داود* تاريخ اتخاذ المنبر (وفيه) أي في هذا العام يريد سنة ثمان من الهجرة وقيل كان اتخاذه سنة سبع (اتخذ ﷺ منبرا) ففيه ندب اتخاذ المنبر والخطبة عليه والمنبر مشتق من النبر وهو الارتفاع (في صحيح البخاري) ورواه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وغيرهم (ان امرأة من الانصار) اسمها فاطمة كما ذكره ابن الانصاري أو عائشة كما ذكره البرماوي وذكر المصنف فيما بعد عدم وقوفه على اسمها (فلما كان يوم الجمعة) بالفتح والضم (فصاحت النخلة) هذا من جملة معجزاته ﷺ في نطق الجمادات وسيأتي الكلام على ذلك في المعجزات ان شاء الله تعالى (فنزل النبي ﷺ حتى أخذها) قال في الشفاء وذكر الاسفرايينى ان النبي ﷺ دعاه الى نفسه فجاءه يخرق الارض فالتزمه ثم أمره فعاد الى مكانه (تئن) بفتح الفوقية وكسر الهمزة (أنين) بالفتح (الصبي) الصغير (الذي يسكت) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الكاف وفي رواية في الصحيح سمعنا للجذع مثل أصوات العشار وهى بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة جمع عشر بالضم ثم الفتح مع المد وهي الناقة الحامل التى مضت لها عشرة أشهر قاله ابن زيد أو التى قاربت الولادة قاله الخطابي (بكت على ما كانت تسمع من الذكر) قال بعضهم انما قال ذلك ﷺ سترا للقضية والا فبكاؤها انما كان تحزنا على رسول الله ﷺ كما صرحت به الرواية (ورواه) البخارى ومسلم أيضا عن سهيل بن سعد صحابي ابن صحابي تأمر في غزوة بدر عن الواقدي أن سعدا أبا سهل كان ممن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأخره والجمع بينهما كما قاله النووى في شرح مسلم (أنها سألت النبي

стр. 387

صلى الله عليه وآله وسلم أولا ثم اضربت فكأنها لم تفهم منه الرضى فلما رآه النبي صوابا استنجزها وعدها واسم هذا النجار مينا وقيل باقوم أو باقول وقيل غير ذلك ولم أقف على اسم المرأة والله أعلم وذكر أهل التواريخ ان عدد درجات هذا المنبر ثلاث بالمقعد وان سماءه ذراعان وثلاث أصابع وان عرضه ذراع في ذراع وتربيعه سوى وطول رمانتيه التى كان يمسكهما النبي ﷺ بيديه الكريمتين اذا جلس شبر وأصبعان وانه بقى كذلك في زمان النبي ﷺ وأصحابه الاربعة الخلفاء فلما كان في زمن معاوية ابن أبي سفيان زاد من أسفله ست درجات وكساه قطيفة فلما كان زمن المهدى بن المنصور هم أن يعيده الى حاله الاول فقال له الامام مالك بن انس انما هو من طرفاء وقد شد الى هذه العيدان وسمر فمتى نزعته خفت أن يتهافت فتركه ثم ذكر أنه تهافت على طول الزمان فجدده بعض الخلفاء العباسيين واتخذ من بقايا أعواءه منبر النبي ﷺ أمشاطا للتبرك بها ثم لما احترق المسجد الشريف واحترق ما فيه واشتغل الناس عنه ﷺ ذلك (ثم أضربت) بالمعجمة تركت (استنجزها وعدها) طلب منها تنجيز ما وعدته به (واسم هذا النجار) ميمون على الاصح وقيل (ميناء) بكسر الميم وسكون التحتية بعدها نون مع المد (وقيل باقوم وقيل باقول) بالموحدة والقاف المضمومة فيهما والثاني باللام بدل الميم وهي رواية عبد الرزاق (وقيل) اسمه غير (ذلك) فقيل ابراهيم وقيل صباح بضم المهملة وتخفيف الموحدة وقيل قبصة وقيل قصبية بتقديم الصاد وقيل كلاب مولى العباس وقيل تميم الدارى وروي الواقدى من حديث أبي هريرة ان تميما الدارى أشار به فعمله كلاب مولى العباس وجزم البلاذري بان الذى عمله أبو رافع مولى رسول الله ﷺ أن (عدد درجات هذه المنبر ثلاث بالمقعد) كما ورد في صحيح مسلم وغيره (وسماءه) أى ارتفاعه في السماء أي سمكه (ذراعان وثلاثة أصابع) تقريبا (وعرضه) بفتح العين لا غير (رمانتيه) بضم الراء وتشديد الميم تثنيقلة رمانة (فلما كان زمن معاوية) كتب الى مروان وكان عامله بالمدينة ان يحمل المنبر اليه وهو بالشام فأمر به مروان فقلع فاظلمت ارجاء المدينة وكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم فخرج مروان فخطب فقال انما أمرنى أمير المؤمنين ان أرفعه (فدعا نجار وزاد من أسفله ست درجات وكساه قطيفة) وقال انما زدت فيه حين كثر الناس أخرج ذلك الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق (المهدى بن المنصور) العباسي (انما هو من طرفاء) بالمد وهو الاقل كما في رواية صحيح البخارى وغيره من أثل الغابة وهي بالمعجمة وتخفيف الموحدة موضع من عوالي المدينة وأصلها الشجر الملتف (ان تتهافت) أى تتساقط (فجدده بعض الخلفاء العباسيين) لم أقف على اسمه والذى ذكره ابن النجار انه استمر على بناء مرون الى ان احترق (ثم احترق المسجد الشريف واحترق ما فيه) احترق حينئذ المنبر قال في التوشيح وكان في ذلك اشارة الى زوال دولة أهل البيت النبوي العباسيين فانها

стр. 388

باستيلاء التتار على البلاد وقتل الخليفة أبي أحمد عبد الله المعتصم بالله وذلك سنة ست وخمسين وستمائة أرسل الملك المظفر اليمني منبرا رمانتاه من الصندل فنصب مكان المنبر الأوّل النبوي وبقى الى أن حوله الملك الظاهر بيبرس وذلك سنة ست وستين وستماية والله أعلم [ذكر فضل المنبر المنيف وما بينه وبين القبر الشريف] ذكر فضل المنبر المنيف وما بينه وبين القبر الشريف- روينا في الصحيحين من روايات ان النبي ﷺ قال ما بين بيتى ومنبري انقرضت عقب ذلك بقليل في فتنة التتار انتهى واحترق في هذه النار جميع الحرم حتى اذابت الرصاص الذى العمد عليها فوقعت ولم يبق غير السور واقفا وكان قد خرج قبل هذه النار نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة ليلة الاربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة الى صحي النهار يوم الجمعة ثم سكنت الزلزلة وظهرت النار بالحجاز وغيره الى أن وصلت الى قرب المدينة الشريفة وكان يأتي المدينة من جهتها نسيم بارد ببركته ﷺ وكان يشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر وانتهت الى قرية من قري اليمن فاحرقتها وهي النار التي أخبر ﷺ بخروجها من ارض الحجاز تضىء لها أعناق الابل ببصرى أي مدينة حوران كما في الصحيحين وغيرهما وأخرجه ابن عدي في الكامل بلفظ حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار يضيء الى آخره قال السيوطى وهو منطبق على هذه النار فانها سال منها واد مقدار أربعة فراسخ وكان خروجها زمن الامام النووي كما ذكره في شرح مسلم (باستيلاء التتار) بفوقيتين خفيفتين آخره راء وهم نوع من الترك استولوا في ذلك الزمن (على البلاد) كان استيلاؤهم يومئذ على بغداد وكانت عمود الاسلام وقتلوا من كان من أهل الاسلام وسبوهم فانتشر حينئذ الخوف وعظم الكرب وعم الرعب جميع البلاد (وقتل الخليفة) مصدر مضاف الى الخليفة وهو عطف على قوله باستيلاء (أبي أحمد المعتصم بالله) وكان آخر من ولي من العباسيين (أرسل) كما قاله ابن النجار (الملك المظفر) بفتح المعجمة والفاء المشددة (وبقى) منبر المظفر (الى ان حوله) بعد عشر سنين (الملك الظاهر) بالمعجمة (بيبرس) بفتح الموحدتين وسكون التحتية بينهما والراء آخره سين مهملة وقيل معجمة ولم يزل كذلك الى سنة عشرين وثمانمائة فارسل الملك المؤيد منبرا فلم يزل الى سنة سبع وستين وثمانمائة فأرسل المجاهد خشقدم منبرا* ذكر فضل المنبر الشريف (روينا في الصحيحين) ومسند أحمد وسنن النسائي (من روايات) بعضها عن عبد الله بن زيد المازنى وبعضها عن على وبعضها عن أبي هريرة (ما بين بيتى) يريد قبره كما نقله الطبرى عن زيد بن أسلم ويؤيده رواية ابن عساكر ما بين قبرى بدل بيتي أو يريد بيت سكناه على ظاهره وروي ما بين حجرتى والقولان متفقان لان قبره في حجرته وهي بيته قال الطبري والمراد بيت عائشة رضى الله عنها (ومنبرى) الصحيح ان المراد به منبره الذي كان يخطب عليه للجمعة وبينه وبين بيته ثلاثة وخمسون

стр. 389

روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضى. وفي حديث خارج عنهما ما بين قبري ومنبري وفي حديث ما بين حجرتي الى منبري روضة من رياض الجنة وان منبري على ترعة من ترع الجنة والروايات متفقة فبيته ﷺ ومنبره وحجرته واحد وبينها وبين المنبر ثلاثة وخمسون ذراعا. وروي عنه ﷺ انه قال قوائم منبري رواتب في الجنة وسيأتي خبر الجذع وجماع الروايات فيه في قسم المعجزات انشاء الله تعالى* [الكلام على غزوة مؤتة وخبر مقتل زيد حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة] وفي جمادى الاولى من هذا العام كانت غزوة مؤته وهي قرية من قرى البلقاء دون دمشق انتهت غزوتهم اليها روينا في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال أمر رسول الله ﷺ زيد ابن حارثة في غزوة مؤته وقال ان قتل زيد فجعفر وان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة قال ذراعا وقيل المراد خبره بمصلى العيد خارج سور المدينة ذكره السمهودي في تاريخ المدينة وغيره (روضة) هى في الاصل البستان الذي في غاية النضارة والحسن (من رياض الجنة) أي هو كرومه في نزول الرحمة وحصول السعادة أو ان العبادة فيه وكثرة ملازمته يؤدي الى الجنة أو ان ذلك الموضع ينقل بعينه في الآخرة الى الجنة أو انها نقلت من الجنة الى الدنيا كالحجر الاسود ومقام ابراهيم أقوال أظهرها الاخير وعليه فانتفاء أوصاف أهل الجنة عنهما في الصورة الظاهرة انما هو لقصور أهل هذه الدار عن درك تلك الحقائق كما قاله بعض العلماء العارفين قال وأما وقوع نحو الجوع بها مما ينافي روضة الجنة فهو انما يمنع في دار الجنة لا فيما نقل منها لغيرها تبركا به عملا باصل الدار الدنيوية وانما آيلة الى الفناء (ومنبري) قال أكثر العلماء كما نقله عياض المراد منبره بعينه الذى كان في الدنيا ينقل يوم القيامة ثم ينصب على الحوض ثم تصير قوائمه رواتب في الجنة كما في حديث الطبراني وقيل ان له منبرا هناك (على حوضى) سوى هذا الذى في الدنيا وقيل ان قصد منبره والحضور عنده لملازمة الاعمال الصالحة تورد صاحبها الحوض ويقتضى شربه منه في هذا الحديث ترغيب تام في العبادة في ذلك المحل (وان منبرى على ترعة الى آخره) رواه أحمد عن سهل بن سعد وابى هريرة ولفظه منبري هذا علي ترعة من ترع الجنة وفسر الترعة بالباب وهي بضم الفوقية وسكون الراء وعين مهملة (قوائم منبرى رواتب في الجنة) رواه احمد والنسائى وابن حبان عن أم سلمة ورواه الطبرانى والحاكم عن أبي واقد والرواتب جمع راتبة بالفوقية والتاء وهي الدعامة ونحوها مما تشد به البناء* تاريخ غزوة مؤتة (وفي جمادي الاولى) قبل غزوة ذات السلاسل كما مر انها كانت في جمادي الأخرى قال النووى قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر كانت ذات السلاسل بعد مؤتة فيم ذكره أهل المغازى الا ابن اسحاق فقال قبلها (البلقاء) بالموحدة والقاف والمد عند الكرك في طرف الشام (دمشق) بكسر الدال المهملة وفتح الميم وسكون المعجمة على مرحلتين من بيت المقدس وكانت أوّل غزو وقع لبلد الروم (روينا في صحيح الخاري عن ابن عمر) وعن قيس بن أبي حازم وفيه وفي سنن النسائي عن أنس وفي مسلم وأبي داود عن قيس بن مالك الاشجعي (زيد بن حارثة) فيه فضيلة لزيد حيث قدم على جعفر وغيره من أشراف قريش والانصار (مؤتة) بضم الميم وسكون الواو بهمز ودونه (ان قتل زيد فجعفر) قال في التوشيح

стр. 390

عبد الله كتب معهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين ما بين طعنة ورمية وكان من خبرهم في غزوتهم أنهم لما بلغوا معان بلغهم ان هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة لخم وجذام والفين وبهرا وبلي وكان المسلمون ثلاثة آلاف فتشاوروا أن يراجعوا رسول الله ﷺ فيأمرهم بأمره فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال يا قوم انما هي احدى الحسنيين اما نصرا واما شهادة فقال الناس صدق عبد الله فمضوا حتى التقوا بمؤتة فقاتل زيد بالراية حتى قتل ثم أخذها جعفر وقاتل قتالا شديدا ثم نزل عن فرسه فعقرها فكان أوّل من عقر في الاسلام وجعل يقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله فقطعت أيضا فاحتضنها بعضديه فعوضه الله عن ذلك جناحين يطير بهما في الجنة. وروينا في صحيح البخاري ان ابن عمر كان اذا حيا يؤخذ منه جواز ولاية الوظائف تعليقا وهو دليل قوى جدا (بضعا وسبعين) في بعض نسخ الصحيح وتسعين بدل سبعين زاد في رواية ليس منها شىء في دبره (معان) بضم الميم وتخفيف العين المهملة كذا ذكره أبو بحر والبكري وقال هو اسم جبل قال السهيلى وأصلحه علينا القاضى حسين الشماع معان بفتح الميم قال وهو اسم موضع (مآب) بفتح الميم ومد الهمزة آخره موحدة (من المستعربة) هم كل عربى ليس من ولد اسماعيل والعاربة أولاد اسماعيل (لخم) بفتح اللام وسكون المعجمة قبيلة تنسب الى لخم بن عدى بن الحارث بن مرة بن ازد (وجذام) بضم الجيم ومعجمة قبيلة تنسب الى جذام بن عدي أخى لخم كما مر (والقين) بفتح القاف وسكون التحتية (وبهرا) بفتح الموحدة وسكون الهاء وراء مقصورة وممدودة (وبلي) بالموحدة على وزن علىّ والثلاثة بطون من قضاعة (فشجع الناس) أي جرأهم (أحد الحسنيين) تثنية حسنى (أما نصر) بالضم (وأما شهادة) كذلك وهذا تفسير الحسنيين (فكان) جعفر اسمها مستتر (أول) بالنصب خبرها (يا حبذا) بففتح المهملة والموحدة ثم دال معجمة قال في القاموس حبذا الأمر أي هو حبب جعل حب وذا كشئ واحد وهو اسم وما بعده مرفوع به (الجنة) بالرفع (طيبة وبارد) يجوز رفعهما على ان طيبة خبر مبتدأ محذوف وبارد مبتدأ خبره (شرابها) ويجوز ضمهما على الحال أى حال كون الجنة طيبة وشرابها باردا (فاحتضها) بالحاء المهملة والضاد المعجمة أي أخذها بحضنيه (فعوضه الله عن ذلك جناحين الى آخره) أخرج الترمذي والحاكم من حديث أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رأيت جعفر بن

стр. 391

ابن جعفر قال سلام عليك يا ابن ذي الجناحين وقتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة أو احدى وأربعين ثم أخذ الراية بعدهما عبد الله بن رواحة وجعل يقول: يا نفس ألا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليتي وما تمنيت فقد أوليتي ... ان تفعلى فعلهما هنيت ثم قاتل حتى قتل ثم اصطلح الناس بعدهم على خالد بن الوليد فأخذ الراية وقاتل قتالا شديدا ودافع عن المسلمين حتى انحازوا. روينا في صحيح البخاري عن ابن حازم قال سمعت خالد بن الوليد يقول لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقى في يدي الا صفيحة يمانية وكان جميع من استشهد بموتة ثمانية رجال فيما ذكر ابن اسحاق وذكر ابن هشام عن الزهري أربعة أيضا أخوين وأخوين. روينا في صحيح البخاري عن انس ان النبي ﵌ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم اخبرهم فقال أخذ الراية زيد أبي طالب يطير في الجنة ملكا مع الملائكة ومر في بدء الوحي عن السهيلى ما حاصله ان ذلك معنوي وليس بحسى قال الحافظ ابن حجر وما ذكره في مقام المنع اذ لا مانع من حمله على الظاهر كيف وقد ورد أن جناحي جعفر من ياقوت أخرجه البيهقي في الدلائل وأجنحة جبريل من اللؤلؤ أخرجه ابن مندة (فائدة) أخرج أبو القاسم الحربي في أماليه من حديث على سيد الشهداء جعفر بن أبي طالب معه الملائكة لم ينحل ذلك أحد ممن مضي من الامم غيره شيء أكرم الله به محمدا يا نفس ألا تقتلي تموتي ... قبل هذا البيت هل أنت الا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وكانت قد أصيبت أصبعه وقيل ان هذين البيتين للوليد بن الوليد بن المغيرة وقد تمثل بهما ﷺ كما في صحيح البخاري وغيره (هذا حمام الموت) أي قدرة وحم الأمر قدر (قد صليتى) قد دخلت فيه (وما تمنيت) من الشهادة (فقد أعطيت) في بعض النسخ فقد لقيت (ان تفعلي فعلهما) أي زيد وجعفر (هنيت) بفتح الهاء وكسر النون مخفف وبضم الهاء وتشديد النون مشدد مبنى للمفعول وفي بعض النسخ بدله هديت (حتى انحازوا) بهمزة وصل فنون ساكنة فمهملة فالف فزاي أى انزوى بعضهم الى بعض (صفيحة) هي العريضة من السيوف (يمانية) بتخفيف الياء (ثمانية رجال) هم جعفر وزيد بن حارثة وابن رواحة ومسعود بن سويد العدوى وعبد الله بن سعيد بن العاص وعبادة بن قيس الانصاري ووهب ابن سعيد بن أبي سرح وحبيب بن الحارث بن حبيب (أخوين وأخوين) وهم سويد بن عمرو وسراقة ابن عمرو الانصاريان وأبو كلاب بن أبي صعصعة وجابر بن أبي صعصعة الانصاريان (روينا في صحيح البخارى) وسنن النسائي وغيرهما (قبل أن يأتيهم خبرهم) هذا من جملة معجزاته ﷺ فيما أخبر به من المغيبات

стр. 392

فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وعيناه ﷺ تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه وفي رواية أخرى قال حتى أخذها خالد بن الوليد من غير أمرة ففتح الله له وقال ما يسرنا أو قال ما يسرهم أنهم عندنا وعيناه تذرفان. ويذكر أن أبا بكر لما قال ﵌ ان أصيب فلان ففلان قال حسبك يا رسول الله فلولم يقلها وتتابع القول لأصيبوا عن آخرهم. وروي عن اسماء بنت عميس زوجة جعفر قالت لما أصيب جعفر دخل عليّ النبي ﷺ فاستدعى بني فأتيته بهم فتشممهم وذرفت عيناه فقلت يا رسول الله بأبي وأمي أنت ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء قال نعم أصيبوا هذا اليوم وقالت فقمت أصيح واجتمع الى النساء وخرج ﵌ الى أهله فقال لا تغفلوا عن آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فانهم قد (وعيناه تذرفان) بكسر الراء يسيل دمعهما وقد مضي فيه مزيد كلام (سيف من سيوف الله) فيه فضيلة ظاهرة لخالد بن الوليد حيث سماه رسول الله ﷺ سيف الله ولم يزل يعرف بهذا الاسم فيما بعد وروى الترمذي عن أبي هريرة قال نزلت مع رسول الله ﷺ منزلا فجعل الناس يمرون فيقول من هذا يا أبا هريرة فاقول فلان فيقول نعم عبد الله هذا ويقول من هذا فاقول فلان فيقول بئس عبد الله هذا حتى مر خالد بن الوليد فقال من هذا فقلت خالد بن الوليد فقال نعم عبد الله هذا سيف من سيوف الله وأخرج البغوى من حديث عبد الله بن جعفر خالد بن الوليد سيف من سيوف الله وأخرج أيضا ابن عساكر من حديث عمر وزاد سله الله على المشركين وأخرجه أحمد من حديث أبي عبيدة وزاد ونعم فتى العشيرة وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس وزاد وسيف رسوله (ما يسرهم انهم عندنا) أي لما رأوا من كرامة الله (ويذكر أن أبا بكر إلى آخره) ذكر ذلك أهل السير (وروى عن اسماء الى آخره) رواه عنها الشيخان وغيرهما (زوجة جعفر) كذا وقع والصواب زوج بحذف الهاء (فاستدعا) أى طلب من يدعو (بنيّ) بتشديد الياء (فتشممهم) أى شمهم وفعله ﷺ شفقة ورحمة (لا تغفلوا عن آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما) وللترمذي وحسنه والحاكم وصححه واحمد وأبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن جعفر اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم وأخرج الزبير بن بكار من حديث عبد الله بن جعفر أن سلمى مولاة رسول الله ﷺ عمدت الى شعير فطحنته ثم آدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا قال عبد الله فأكلت منه وحبسنى رسول الله ﷺ مع اخوتي في بيته ثلاثة أيام ففيه ندب تهيئة طعام لأهل الميت والالحاح عليهم في أكله لئلا يضعفوا بتركه وتهيئته لنحو نائحه حرام لانه اعانة على معصية وأما تهيئة أهل الميت طعاما وجمع الناس عليه فبدعة وروى ابن ماجه والامام

стр. 393

شغلوا بأمر صاحبهم وروينا في الصحيحين عن عائشة قالت لما جاء رسول الله ﵌ قتل زيد بن حارثة وجعفر بن ابي طالب وعبد الله بن رواحة وجلس رسول الله ﷺ يعرف فيه الحزن قالت وانا انظر من صاير شق الباب فأتاه رجل فقال يا رسول الله ان نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن يذهب فينهاهن وذهب فأتاه وذكر انهن لم يطعنه فأمره الثانية فذهب ثم أتاه فقال والله لقد غلبننا يا رسول الله قال فزعمت ان رسول الله ﵌ قال اذهب فاحث في أفواههن التراب قالت عائشة فقلت ارغم الله أنفك والله ما تفعل ما أمرك رسول الله ﵌ وما تركت رسول الله ﵌ من العناء لفظ مسلم ولمادنوا من المدينة راجعين تلقاهم النبي ﵌ وعبد الله بن جعفر بين يديه والمسلمون معه فعيرهم الناس بالفرار فقال النبى ﵌ ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى احمد باسناد حسن عن جرير بن عبد الله قال كنا نعد ذلك من النياحة (وروينا في الصحيحين عن عائشة) ورواه عنها أيضا أبو داود والنسائى (رسول الله) مفعول (قتل زيد) فاعل (يعرف فيه) أي في وجهه كآبة عن غير مذكور أو في ذاته ﷺ (الحزن) بضم المهملة وسكون الزاي وبفتحهما (من صاير الباب) بالمهملة والتحتية قال النووي قال بعضهم لا يقال صاير وانما يقال صير الباب بكسر الصاد وسكون الياء والصاير فسر في الحديث بقوله (شق الباب) وهو بفتح المعجمة الموضع الذي ينظر منه قال ابن حجر والظاهر أن هذا التفسير من قول عائشة ويحتمل أن يكون ممن بعدها (فأتاه رجل) لم يسم (فأمره أن يذهب فينهاهن) عن البكاء أما لانه كان فيه نحو نوح أو كان تمني تنزيه وأدب لا للتحريم ومن ثم أصررن عليه متأولات قولان (اذهب فاحث) بهمزة وصل وضم المثلثة من حثا يحثو وكسرها من حثي يحثي لغتان (في أفواههن التراب) لمسلم من التراب (أرغم الله أنفك) بالراء والغين المعجمة أي الصقه بالرغام بفتحتين مخفف أي التراب قال النووي وهو اشارة الى اذلاله واهانته (والله ما تفعل) وللبخاري في رواية لم تفعل وفي أخري ما أنت بفاعل قال في التوشيح لم تفعل من تصرف الرواة (وما تركت رسول الله ﷺ معنى كلام عائشة كما قال النووي أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الانكار لنقصك وتصبرك ولا تخبر النبى ﷺ بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك وتستريح (من العناء) بفتح العين المهملة والنون وبالمد المشقة والتعب هذا (لفظ مسلم) فى احدى رواياته وله أخري وما تركت رسول الله ﷺ من العي بكسر المهملة وتشديد التحتية أي التعب وفي أخرى الغى بفتح المعجمة وتشديد التحتية ضد الرشد قال عياض وهو تصحيف (فعيرهم المسلمون الى آخره) أخرجه ابن اسحاق في السير (بالفرار) بكسر الفاء وتخفيف الراء مصدر فريفر (ليسو بالفرار) بضم الفاء وتشديد الراء جمع فرأي هارب (ولكنهم الكرار) بوزن الأوّل جمع كار أي طالب (ان شاء الله تعالى) قالها صلى

стр. 394

ورثاهم حسان وكعب بن مالك بمراث منها قول حسان في جعفر: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر ... حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي ... من للجلاد لدى العقاب وظلها بالبيض حين تسل من أغمادها ... ضربا وأنهال الرماح وعلها بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... خير البرية كلها وأجلها رزءا وأكرمها جميعا محتدا ... وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل ... كذبا وأبداها يدا وأقلها الله عليه وسلم للتبرك وامتثال أمر ربه في قوله ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله كما مر ولفظ ابن اسحاق ولكنهم العكارون أى الكرارون وزاد وقال أنا فئتكم أي والمتحيز الى فئة المسلمين لا حرج عليه (ورثاهم) بتشديد المثلثة (بمراث) بتخفيف الراء آخره مثلثة جمع مرثية وهي عد محاسن الميت نظما ونثرا وقد اطلقها الجوهري على عد محاسنه مع البكاء وعلى نظم الشعر فيه وفي ذلك دليل لجواز ترثية الميت وقد رثت فاطمة ﵂ أباها ﷺ ورثاه غيرها كما سيأتي وفعله كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء وما ورد من النهى عنها محمول على ما يظهر فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له أو على الاكثار أو على ما يجدد الحزن (وعز مهلك) بفتح اللام مع ضم الميم وفتحها وبكسر اللام مع فتح الميم (حب التى) بكسر الحاء أى محبوبه (على البرية) متعلق بعز (من للجلاد) أي الفرسان الاقوياء (لدى) عند (العقاب) بضم المهملة وتخفيف القاف آخره موحدة على لفظ العقاب الطائر المعروف وهي الراية وكانت راية رسول الله ﷺ تسمي بذلك كما سيأتي (وظلها) أي ظل العقاب (بالبيض) أي السيوف (وانهال الرماح) بكسر الهمزة أي سقيها بدماء الاعداء أوّل مرة (وعلها) بفتح المهملة وتشديد اللام أي سقيها مرة ثانية (خير البرية كلها) وهذا عام أريد به الخاص فان قلت لم قال حسان ذلك في حق جعفر وقد نهى عنه ﷺ في حق نفسه مع انه خير البرية قلت لعل ذلك كان قبل النهى او بعده ولم يعلم به أو علم منه وفهم ان ظاهره غير مراد لانه ﷺ انما نهى عنه بالنسبة الى نفسه هضما لها وتواضعا (وأجلها رزأ) تعلق آخر البيت باوله ضعيف عند أرباب الفصاحة ورزأ بضم الراء وسكون وسكون الزاي ثم همزة مفتوحة أى أعظم نقصا (وأكرمها) أفضلها (محتدا) أصلا كما مر (وأعزها) حال كونه (متظلما) معناه ان يظلمه اذا شكي ظلم أحد يكون مع عزة دالة على شهامة النفس لا يحمله على رد الحق وعدم الانقياد له بل يؤخذ للحق ذليلا وعلى الباطل عزيزا ﵁ (غير تنحل) أي منتحل اقام المصدر مقام الاسم (كذبا) أى لا يرضى الكذب له نحلة أي مذهبا (ابداها) بالباء الموحدة والمهملة أي أطولها (يدا) وكنى بذلك عن كثرة الصدقة وفعل المعروف كما في الحديث أو لكن لحوقا بى أطو لكن يدا يريد الصدقة (واقلها

стр. 395

فحشا وأكثرها اذا ما يجتدى ... فضلا وأنداها ندى وأطلها بالعرف غير محمد لا مثله ... حي من أحياء البرية كلها [الكلام على غزوة سيف البحر وخبر ذلك] ومما ذكر في هذا السنة قبل الفتح غزوة سيف البحر وكان من خبرها ما رواه جابر ابن عبد الله ﵄ قال بعثنا رسول الله ﵌ ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عير قريش فأقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمي ذلك الجيش جيش الخبط فألقى لنا البحر دابة الظرب يقال لها العنبر فأكلنا منها نصف شهر وأدهنا من ودكه حتى ثابت الينا أجسامنا فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه وأخذ رجلا وبعيرا فمر تحته وكان رجل في القوم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم ان أبا عبيدة نهاه رواه البخاري والرجل قيس بن سعد بن عبادة فحشا) بضم الفاء في قوله وفعله (يجتدى) بالجيم والفوقية أي يطلب جدواه والجدي العطية ويجوز باهمال الحاء واعجام الذال بمعناه (وانداها) بالنون والمهملة أي أكثرها (ندا) بالنون أى عطاء (وأطلها) بالمهملة أى أغزرها طلا والطل أضعف المطر (بالعرف) بضم العين أى المعروف (من احياء) بوصل الهمزة لضرورة الشعر* تاريخ غزوة سيف البحر (في هذه السنة) أي الثامنة (غزوة سيف البحر) بكسر المهملة وسكون التحتية ساحله وكان ذلك في أرض جهينة كما في رواية في صحيح مسلم (بعثنا رسول الله ﷺ ونحن ثلاثمائة راكب) زاد مسلم نحمل ازوادنا على رقابنا (أبو عبيدة) اسمه عامر كما مر (نرصد) نرقب (الخبط) بفتح المعجمة والموحدة ورق السمر (فسمى) مبنى للمفعول ذلك (الجيش) بالرفع والجيش عند أهل اللغة ما زاد على ثلاثمائة وسمى هؤلاء جيشا توسعا والسرية عندهم من مائة الى خسمائة ثم يسرى الى ثمانمائة ثم جيش الى أربعة آلاف ثم جحفل (جيش الخبط) بالنصب (الظرب) بفتح المعجمة القائمة وحكي ابن التين أسقاطها وكسر الراء وقيل بسكونها وموحدة وهي الجبل الصغير وقال الجوهري الرابية الصغيرة ولمسلم كهيئة الكثيب الضخم (يقال له العنبر) قال الازهري هي سمكة كبيرة طولها خمسون ذراعا قال ابن حجر وقد ورد أنه كان على صورة البعير (فأكلنا منه نصف شهر) ولمسلم في احدي رواياته فأقمنا عليه شهرا بعد ان قال أبو عبيدة ميتة ثم قال لابل نحن رسل رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا وله في أخرى فأكل منها الجيش نمانى عشرة ليلة (واد هنا من ودكه) في رواية لمسلم ولقد رأيتنا نغترف بالاقداح من وقب عينه القلال الدهن ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور والودك بفتح الواو والدال الشحم (حتى ثابت) بالمثلثة والباء الموحدة قبل التاء الفوقية أي رجعت الى القوة (فأخذ أبو عبيدة ضلعا) لمسلم قبله فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه والضلع بكسر الضاد وفتح اللام (من اضلاعه) هذا هو الصواب وللمستملى من أعضائه (ثم أخذ رجلا وبعيرا) ولمسلم ثم رحل أعظم بعير معنا (رواه) مالك (و) البخاري (ومسلم)

стр. 396

ففي صحيح البخاري من رواية أخرى ان قيس بن سعد قال لأبيه كنت في الجيش فجاعوا قالوا انحر قال نحرت قال ثم جاعوا قالوا انحر فنحرت قال ثم جاعوا قالوا انحر فنحرت قال ثم جاعوا قالوا انحر قال نهيت* [الكلام على فتح مكة ويسمى فتح الفتوح] وفي رمضان من هذه السنة كان فتح مكة وسمي فتح الفتوح لأن العرب كانت تنتظر باسلامها اسلام قريش ويقولون هم أهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فان غلبوا فلا طاقة لأحد به فلما فتح الله مكة دخلوا في دين الله أفواجا قبائل على جملتها بعد ان كانوا يدخلون أفرادا ولم يقم للشرك قائمة بعده* روينا في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال بعضهم لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا ابنا مثله فقال انه ممن قد علمتم قال فدعاهم ذات يوم ودعانى معهم فما رأيت انه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال ما تقولون في قول الله إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذ فتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لى أكذلك تقول يابن عباس فقلت لا قال فما تقول قلت هو أجل رسول الله ﵌ أعلمه له قال اذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك فسبح بحمد وأبو داود والترمذي والنسائي كلهم عن جابر وفي الحديث انه ﷺ زودهم جرابا من تمر لم يجد لهم غيره وكان أبو عبيدة يعطيهم تمرة تمرة فكانوا يمصونها ثم يشربون عليها الماء وانهم وجدوا فقدها لما فنيت وفيه أنهم تزودوا من لحمه فلما قدموا المدينة ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال هو رزق أخرجه الله تعالى لكم فهل معكم من لحمه فأرسلوا اليه منه فأكل فيؤخذ من الحديث طلب الصبر على الجوع ونحوه سيما في الغزو ونحوه من الطاعات وانتظار الفرج وسرعة اذهاب العسر باليسر وان رزق المتقين من حيث لا يحتسبون وفيه التأنى والتثبت في الاجتهاد وفيه طهارة ميتة البحر وحل أكلها (فائدة) روى مسلم في صحيحه عن جابر وقوع مثل هذه القصة لرسول الله ﷺ في غزوة بطن بواط وقد شكى الناس الى رسول الله ﷺ الجوع فقال عسى الله ان يطعمكم قال فأتينا سيف البحر فزجر البحر زجرة فألقي دابة فأورينا على شقها النار فأطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا قال جابر فدخلت أنا وفلان وفلان حتى عد خمسة في حجاج عينها ما يرانا أحد حتى خرجنا وأخذنا ضلعا من أضلاعه فقوسناه ثم دعونا بأعظم رجل في الركب وأعظم جمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحته ما يطأطيء رأسه* تاريخ غزوة الفتح (كان) تامة (ويسمى) هذا الفتح (فتح الفتوح روينا في صحيح البخاري) وسنن الترمذي (قال بعضهم) هو عبد الرحمن بن عوف (ولنا ابنا) بالصرف (مثله) بالرفع (انه ممن قد علمتم) أي فضله بالعلم وقرابة رسول الله ﷺ (أمرنا) مبني للمفعول (اذا فتح علينا) مبنى للفاعل وفي الحديث فضيلة ظاهرة لابن عباس ولعمر أيضا حيث عرف فضيلته ووافقه

стр. 397

ربك واستغفره انه كان توابا فقال عمر ما أعلم منها الا ما تقول وكان سبب غزوة الفتح على ما ذكر أهل السير انه كان بين خزاعة وبني بكر عداوة وترات وقد كانت خزاعة دخلت في عهد رسول الله ﵌ في صلح الحديبية ودخلت بنو بكر في عهد قريش فمكثوا على ذلك ثمانية عشر شهرا ثم بيتت بنو بكر خزاعة على ماء لهم يسمى الوتير ناحية عرنة وأعانتهم قريش مختفين في سواد الليل فقتلوا رجالا من خزاعة فلما كان ذلك منهم ركب عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي الى رسول الله ﵌ فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهرانى الناس فأنشد: يا رب اني ناشد محمدا ... حلف أبينا وابيه الأتلدا قد كنت والدا وكنا ولدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا في هذا التأويل (وترات) جمع ترة وهي لغة النقص وأراد أنهم كانت بينهم حروب (ثم تبيتت) أي جاءت بياتا أي ليلا (بنو بكر) زاد البغوي ومعهم نوفل بن معاوية الدئلي في بنى الدئل مع بني بكر (الوتير) بفتح الواو وكسر الفوقية ما بين عرفة الى ادام قال في القاموس والوتير في اللغة الورد الابيض قاله السهيلى (عرنة) بضم المهملة وفتح الراء كما مر (وأعانتهم قريش) بالسلاح وحضر معهم صفوان بن أمية وعكرمة ابن أبى جهل وسهيل بن عمرو مع عبيدهم (مختفين في سواد الليل) أى ظلمته ففيه ان عقد الهدنة ينتقض بنقض بعض الكفار مع سكوت الباقين (فقتلوا رجلا «١» من خزاعة) لم أقف على اسمه (عمرو بن سالم الخزاعى) عده ابن عبد البر وغيره في الصحابة (يا رب) وللبغوي في التفسير لاهم أى اللهم (اني ناشد) سائل مع رفع صوتي (حلف أبينا وأبيه) بكسر الحاء المحالفة أي اني سائله عن الحلف الذي كان بيننا وبينهم هل هم باقون عليه أم لا (الأتلدا) بالفوقية وألف الاطلاق أي الاقدم (قد كنت والدا وكنا ولدا) وللبغوى كنت لنا أبا وكنا ولدا وأراد بذلك عقد المحالفة فانه كان في الجاهلية بهذه المثابة حتى كانوا يتوارثون به وكان كذلك الى أوّل الاسلام ثم نسخ بقوله تعالى «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» وذكر السهيلي انه انما قال ذلك لان بني عبد مناف أمهم من خزاعة وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية (ثمت) أي ثم (أسلمنا) أراد الاسلام اللغوي دون الحقيقى لانهم كانوا لم يسلموا يومئذ (ولم ننزع) ولم نخرج (يدا) عن طاعتك ولم تنقض الحلف الذى كان بيننا وبينك (نصرا اعتدا) ضبط بضم الهمزة وسكون المهملة وكسر الفوقية أي أحصر وهي من الشيء العتيد وهو المهيأ الحاضر وضبط بهمز وصل مع فتح الفوقية أى نصرا تاما متعديا الينا (مددا)

стр. 398

فيهم رسول الله قد تجردا ... ان سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجرى مزبدا ... ان قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لى في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله ﵌ نصرت يا عمرو بن سالم وعرصت سحابة في السماء فقال رسول الله ﵌ ان هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب وغير بعيد أن جاء أبو سفيان يبتغي تأكيد العهد والمزايدة في المدة فأبى عليه رسول الله صلى بفتح الميم أى يمدانهم (قد تجردا) بألف الاطلاق أى خرج من العلائق المانعة له من المسير (ان سيم) بكسر المهملة وسكون التحتية أى طلب (خسفا) بفتح المعجمة وسكون المهملة أى أمرا دنيا (تربدا) بألف الاطلاق وهو بالمهملة أي انه ﷺ لا يرضى النقص بل يتربد منه (وجهه) أي يتغير ويتكدر ويعلوه ربدة بكسر الراء وهي لون بين السواد والغبرة قاله أبو عمر أولون كدر قاله ابن دريد (في فيلق) متعلق بقوله قد تجردا والفيلق بفتح الفاء واللام وسكون التحتية بينهما آخره قاف الجيش العظيم كالجحفل وجمعه فيالق (في كداء) بفتح الكاف وبالمد اسم لا على مكة (وزعموا ان لست أدعو) أي أعبد (أحدا) أشار الى قول نوفل بن معاوية الدئلى حيث قال له بنو بكر يا نوفل انا دخلنا الحرم أي وقتلنا خزاعة فيه إلهك إلهك أي خف منه فقال انه لا إله له اليوم أصبوا آثاركم فيه ذكره البغوي (هجدا) بضم الهاء وفتح الجيم المشددة وهو نصب على الحال أي حال كوننا هجدا أي نياما جمع هاجد أي نائم (يا عمرو بن سالم) بنصب ابن وفي عمرو الرفع والنصب كنظائره (وعرضت سحابة) وللبغوي عياب بفتح العين وهو السحاب أيضا (ليستهل) من الاهلال وهو رفع الصوت (بنصر بنى كعب) زاد البغوي وهم رهط عمرو بن سالم (وغير بعيدن) بفتح الهمزة (جاء أبو سفيان الي آخره) وتقدم قبل مجيء أبى سفيان مجيء بديل بن ورقاء الخزاعي رسول الله ﷺ في نفر من خزاعة معلما له بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم ثم انصرفوا فلقيهم أبو سفيان بعسفان فسألهم هل أتوا محمدا فجحد بديل فقال أبو سفيان لئن كان الدئلى جاء المدينة لقد علف بها النوى فلما ارتحل بديل جاء أبو سفيان الى مبرك ناقته ففت من بعرها فاذا فيه النوى فحلف لقد جاء بديل محمدا ذكر معنى ذلك البغوى وغيره وذكر أنه ﷺ كان قد قال للناس كأنكم بأبى سفيان قد جاء يشدد العقدة ويزيد في المدة ففيه معجزة له ﷺ وذكر أيضا انه لما جاء المدينة دخل على ابنته أم حبيبة فطوت عنه فراش رسول الله ﷺ لئلا يجلس عليه فقال أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني فقالت بل هو فراش رسول الله ﷺ وانت رجل مشرك نجس فلم أحب أن تجلس عليه فقال والله لقد أصابك

стр. 399

الله عليه وآله وسلم ولم يجبه بشيء يعمل عليه فانصرف كمن لم يجيء ثم أمر رسول الله ﵌ الناس بالجهاز فآذن من حوله من الأعراب وقال اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها [مطلب في كتابة حاطب بن أبي بلتعة لقريش بمسير رسول الله اليهم وإخبار جبريل له بذلك] ثم ان حاطب بن أبي بلتعة كتب كتابا الى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﵌ اليهم فنزل جبريل فأخبر رسول الله ﵌ بذلك. روينا في صحيح البخاري عن علي كرم الله وجهه قال بعثنى رسول الله ﵌ وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام وفي رواية والمقداد بعدى يا بنية شر (ولم يجبه) من الاجابة (بشىء) وذكر البغوي انه جاء الي ابي بكر ليكلم رسول الله ﷺ فأبي ثم عمر فأبى وقال لو لم أجد الا الذر لجاهدتكم به ثم علي بن أبي طالب فقال لقد عزم رسول الله ﷺ علىّ أمر ما استطيع أن أكلمه فيه فسأل فاطمة أن تأمر حسنا أن يجيز بين الناس فقالت ما بلغ من أمر ابني أن يفعل ذلك فاستشار عليا فأشار عليه أن يجيز بين الناس ثم يذهب الى مكة فقام في المسجد وقال يا أيها الناس اني قد أجزت بين الناس ثم انصرف الى مكة (كمن لم يجيء) فلما أتى مكة سألوه ما فعل فأخبرهم بانه أجاز بين الناس بمشورة على قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا فو الله ما زاد على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت قال لا والله ولكن ما وجدت غير ذلك (ثم أمر الناس بالجهاز) بفتح الجيم كما مر في حديث الهجرة قال البغوي فدخل ابو بكر على ابنته عائشة وهى تصلح في بعض جهاز رسول الله ﷺ فقال أي بنية أمركم رسول الله ﷺ بان تجهزوه قالت نعم فتجهز قال أين ترينه يريد قالت لا أدري وفي سيرة ابن اسحاق من رواية الشيباني عن عائشة قالت دخل أبو بكر وأنا أغربل حنطة فسألني قال السهيلي وفيه من الفقه أكلهم البر وان كان أغلب أحوالهم أكل الشعير اذ لا يقال حنطة الا للبر (وآذن) بفتح الهمزة اعلم (من حوله من الأعراب) انه يريد الخروج الى مكة (حتى نبغتها) أى يأتيها بغتة أى فجأة واستجاب الله دعوته فلم يعلم به أحد حتى نزل مر الظهران بالمهملتين والظاء المشالة كما مر (بلتعة) بالموحدة فاللام فالفوقية فالمهملة بوزن علقمة كما مر والبلتعة في اللغة التظرف قاله ابو عبيد في الغريب (كتب كتابا) صورته أما بعد يا معشر قريش فان رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل وو الله لو جاءكم وحده لنصره الله وانجزله وعده فانظروا لانفسكم والسلام حكاه السهيلي وغيره وروى الواقدي ان صورته ان رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد وقال البغوى صورته من حاطب بن ابي بلتعة الى أهل مكة ان رسول الله ﷺ يريدكم فخذوا حذركم وفي تفسير ابن سلام ان صورته ان محمدا قد نفر فاما اليكم واما الى غيركم فعليكم الحذر (وروينا في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وسنن ابى داود والترمذى (وابا مرثد) بفتح الميم والمثلثة وسكون الراء بينهما (الغنوي) بفتح المعجمة والنون منسوب الى غنى حي من غطفان واسمه كناز بتشديد النون كما مر (وفي رواية المقداد) وفي

стр. 400

وكلنا فارس قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فان بها ظعينة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة الى المشركين فأدركناها علي بعير لها حيث قال رسول الله ﵌ فقلنا أخرجى الكتاب فقالت ما معنى الكتاب فأنحناها فالتمسنا فلم نر كتابا قلنا ما كذب رسول الله ﵌ لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت الى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته. وفي رواية انها أخرجته من عقاصها فانطلقا بها الى رسول الله ﵌ قال عمر يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعنى فلأضرب عنقه فقال ما حملك على ما صنعت قال والله ما بى أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله أردت أن يكون لى عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالى وليس أحد من أخرى للبغوى وعمار أو طلحة (روضة خاخ) بخائين معجمتين على الصواب ووقع في البخارى من رواية أبي عوانة حاج بمهملة وجيم وهو غلط من أبى عوانة بالاتفاق قال النووى وانما اشتبه عليه بذات حاج بالمهملة والجيم وهي موضع من المدينة والشام على طريق الحجيج وأما روضة خاخ فموضع بقرب المدينة في طريق مكة بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا هذا هو الصواب وقال الصايرى هى بقرب مكة قال النووي في ذلك معجزة ظاهرة له ﷺ وفيه هتك استار الجواسيس وقراءة كتبهم ولو كانت امرأة وفيه هتك ستر المفسدة لمصلحة (فان بها ظعينة) بالنصب اسم ان والظعينة هذه اسمها سارة وقيل كنود مولاة لعمران بن أبي صفي بن هاشم بن عبد مناف وذلك أنها أتت المدينة وشكت حاجة شديدة فاعطوها نفقة وكسوة وحملوها على بعير ذكره البغوي عن المفسرين وقيل كانت مولاة للعباس والظعينة في الاصل المرأة مادامت في الهودج ثم جعلت المرأة المسافرة ظعينة ثم جعلت المرأة ظعينة سواء سافرت أم أقامت (ما معنى الكتاب) أي ما أردتم بالكتاب موهمة أنها لا تعرف معناه وفي بعض نسخ الصحيح ما معنى كتاب (لتخرجن الكتاب) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر الراء والجيم وتشديد النون واللام فيه للقسم (أو لنجردنك) أي من ثيابك كما في رواية في الصحيح أو لنلقين الثياب زاد البغوي أو لأضربن عنقك (الجد) بكسر الجيم نقيض الهزل (حجزتها) أي معقد ازارها (وفي رواية) في الصحيح (أنها أخرجته من عقاصها) بكسر العين والصاد المهملتين وبالقاف وهو الخيط الذي تشد به المرأة أطراف ذوائبها والمعنى أنها أخرجت الكتاب من ضفائرها المعقوصة ويجمع بينه وبين الاول بأنها أهوت أولا الى حجزتها ثم أخرجته من عقاصها فتوهم من أي المحلين أخرجته فروى هذا تارة وهذا تارة (فانطلقنا بها) أى بالصحيفة المكتوبة وفي رواية في الصحيح فاتينا به أى بالكتاب (فدعنى فلأضرب عنقه) فيه استئذان الامام في الحدود والتعزيرات قاله النووي (قال والله ما بي أن لا اكون مؤمنا بالله ورسوله) أى لم يحملني ما فعلت عدم الايمان بل (أردت ان يكون لى عند القوم يدا) أى نعمة (يدفع الله بها عن أهلي ومالي) انما قال ذلك لانه لم يكن له بمكة أهل ولا عشيرة انما كان ملصقا في

стр. 401

أصحابك الاله هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله فقال النبي ﵌ صدق ولا تقولوا له الاخيرا فقال عمر انه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعنى فلأضرب عنقه فقال أليس من أهل بدر فقال لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو قد غفرت لكم فدمعت عينا عمر وقال الله ورسوله أعلم هذه احدى روايات البخاري وباقي رواياته وروايات مسلم مقاربة لها ونزل في أمر حاطب قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ» الآيات. وتضمنت منقبة لحاطب حيث خوطب بالايمان وهو أمر باطن ففيه دليل على أن كبائر الذنوب لا تسلب الايمان ولا يكفر أهلها. وثبت لحاطب أيضا منقبة أخرى وهى ما روينا في صحيح مسلم عن جابر رضى الله عنه ان عبدا لحاطب جاء رسول الله ﵌ ليشكوا حاطبا فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﵌ كذبت لا يدخلها فانه شهد بدرا والحديبية قريش أى حليفا ولم يكن من أنفسها ومضي ذكر نسبه في غزوة بدر وفي مسند الحارث ان حاطبا قال يا رسول الله كنت عزيزا في قريش أى غريبا وكانت أمى بين ظهرانيهم فأردت ان يحفظوني فيها أو نحو هذا (صدق ولا تقولوا له الا خيرا) فيه جواز ترك تعزير من استحق التعزير لكونه ذاهيئة أو صلاح وان ذلك منوط بنظر الامام وفيه ان الجاسوس المسلم لا يحل قتله كما ذهب اليه الشافعى وقال بعض المالكية يقتل ما لم يتب وقال بعضهم بل وان تاب وقال مالك يجتهد فيه الامام (لعل الله اطلع على أهل بدر) وللحاكم عن أبي هريرة ان الله اطلع ولابي داود عنه اطلع الله وبه يعلم ان لعل هنا واجبة وقد مضي الكلام عليه في غزوة بدر (أو) قال (فقد غفرت لكم) شك من الراوى وللحاكم وأبي داود فقد غفرت لكم بلا شك (ونزل في شأن حاطب) كما رواه الشيخان وغيرهما (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بالله بالله ورسوله (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ) في الآية حرمة موالاة الكفار (تلقون اليهم بالمودة) أى المودة والبا زائدة على حد ومن يرد فيه بالحاد وقال الزجاج تلقون اليهم أخبار النبى ﷺ وسره بالمودة التى بينكم وبينهم (ففيه دليل) لما ذهب اليه أهل السنة (ان كبائر الذنوب لا تسلب) عن صاحبها (اسم الايمان) الذي المراد منه التصديق بل يكون مطيعا بايمانه عاصيا بفسقه وذلك لان الاعمال عندهم ليست جزأ من الايمان نعم ينقص عندهم بالمعاصى كما يزيد بالطاعات وقال المعتزلة الفسق يزيل اسم الايمان بمعنى ان الفسق واسطة بين الكفر والايمان بناء على زعمهم ان الاعمال جزء من الايمان (ان عبدا لحاطب) اسمه سعد ذكره ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر (كذبت لا يدخلها) قال النووي فيه ان لفظة الكذب هي الاخبار عن النبي على خلاف ما هو عمدا كان أو سهوا سواء كان الاخبار عن ماض أو مستقبل وخصته المعتزلة بالعمد وهذا يرد عليهم (فانه شهد بدرا و) شهد (الحديبية)

стр. 402

رجعنا الى القصة. قال أهل السير ثم ان رسول الله ﵌ فرغ من جهازه وخرج لعشر مضين من رمضان واستعمل على المدينة كلثوم بن حصين الغفارى فلما بلغ الحجفة لقيه عمه العباس مهاجرا ببنيه وقد كان بعد اسلامه مقيما بمكة على سقايته وعذره رسول الله ﵌ ولقيه أيضا ببعض الطريق أبو سفيان بن الحارث وعبد الله ابن أبى أمية وكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك فقال لا حاجة لى بهما اما ابن عمى فهتك عرضي واما ابن عمتى وصهرى فانه قال لي بمكة ما قال فقال أبو سفيان والله لتأذنن لى أو لآخذن بيد بنيى هذا ثم لنذهبن في الارض حتى نموت عطشا وجوعا فرق له رسول الله ﵌ فدخلا عليه واسلما وأنشد أبو سفيان قصيدته التى يقول فيها: لعمرك انى يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد ومن شهد أحدهما فقط لا يدخل فكيف بمن شهدهما معا (ابارهم) «١» بضم الراء وسكون الهاء (كلثوم) بضم الكاف والمثلثة وسكون اللام بينهما (ابن حصين) بالاهمال والتصغير بن عبيد بن بني غفار بن مليل بالتصغير شهد احدا والشجرة ذكره ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر (ولقيه أيضا بعض الطريق) أي بالابواء كما ذكره ابن عبد البر وغيره وقيل بين سقيا والعرج (أبو سفيان بن الحارث) بن عبد المطلب (وعبد الله بن أبي أمية) حذيفة وهو أخو أم سلمة (ابن عمك) يريد أبا سفيان واسمه المغيرة (وابن عمتك) يريد عبد الله بن أبي أمية (وصهرك) يريد عبد الله أيضا لانه أخوها وفي رواية ذكرها ابن عبد البر قالت لا يكن ابن عمك وأخى ابن عمتك أشقا الناس بك (اما ابن عمي فهتك عرضي) أي بما ينسبني به من الهجاء في شعره قيل انه بعد اسلامه ما رفع رأسه الى رسول الله ﷺ حياء منه لما كان يهجوه (واما ابن عمتي وصهري فانه الذي قال لى بمكة) والله ما أومن بك أبدا حتى تتخذ الى السماء سلما ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت ان لا أصدقك وكفا ﷺ عن هذه المقالة بقوله (ما قال) استعظاما لها واستبشاعا لصورتها القبيحة (بيد بني) بالتصغير وأراد ابنه جعفرا فانه كان معه يومئذ (فرق له رسول الله ﷺ أي لان له ورحمه لما ذكر من الذهاب في الارض وروى ابن عبد البران علي بن أبي طالب قال لابي سفيان بن الحارث أئت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال أخوه يوسف تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين فانه لا يرضى ان يكون أحد أحسن قولا منه ففعل ذلك أبو سفيان فقال رسول الله ﷺ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وقبل منهما فأسلما (لتغلب) بلام كي (خيل اللات) أي خيل عابدى اللات يعني الصنم

стр. 403

لكا لمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى واهتدى هدانى هاد غير نفسى ونالنى ... مع الله من طردت كل مطردى فقال رسول الله ﵌ أنت طردتني كل مطرد فلما بلغ رسول الله ﷺ الكديد أفطر وأمر الناس بذلك ثم مضى حتى نزل مر الظهر ان في عشرة آلاف [الكلام على إسلام أبو سفيان بن حرب وإكرام النبي ﷺ وله] ثم ان العباس لحقته رأفة بقريش فخرج على بغلة رسول الله ﵌ رجاء أن يصادف أحدا يبعثه اليهم فيستأمنوا فلقى أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل ابن ورقاء وقد كانوا خرجوا يتجسسون الأخبار فأخبرهم الخبر فقال له أبو سفيان فما الحيلة قال اركب خلفى حتى آتي بك رسول الله ﷺ فاستأمنه لك فردفه ورجع صاحباه (لكالمدلج) اللام فيه لام الابتداء الداخلة على معمول ان والمدلج السائر بالليل وهو بسكون الدال اسما وفعلا ومصدرا (الحيران) المتحير الذي لا يهتدي الى طريق (فهذا أواني) الاوانّ الوقت والحين (حين أهدى) مبنى للمفعول أي أدل على طريق الحق (واهتدى) اليها فأسلكها (هداني هاد) يعني به رسول الله ﷺ (غير نفسي) بضم الراء (ونالني مع الله) أى لحقني وأدركني اذ كنت كالشارد عنه وفي بعض النسخ ودلني على الله (من) أي الذي (طردت) بتشديد الراء أي بعدت (كل مطرد) مبالغة في ذلك (فائدة) قال في الاستيعاب قال عروة كان سبب موت أبي سفيان انه حج فلما حلق الحالق رأسه قطع اثلولا كان في رأسه فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج الى المدينة سنة عشرين ودفن في دار عقيل بن أبي طالب وصلى عليه عمر بن الخطاب وقيل بل مات بالمدينة بعد أخيه نوفل بأربعة أشهر الا ثلاثة عشر ليلة وكان هو الذي حفر قبر نفسه قبل ان يموت بثلاثة أيام وكانت وفاة نوفل سنة خمس عشرة (الكديد) بفتح الكاف وبالمهملة المكررة والتحتية الساكنة قال البغوي ما بين عسفان وانج وللمستملي في صحيح البخاري ما بين عسفان وقديد قال النووي بينه وبين مكة اثنان وعشرون ميلا وفي رواية في الصحيح حتى اذا بلغ كراع الغميم بفتح المعجمة وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال وكان الكديد وكراع الغميم متقاربان فمتهم من يذكر هذا ومنهم من يذكر هذا قال النووي وقد غلط بعض العلماء فتوهم ان الكديد وكراع الغميم فريب من المدينة (مر الظهران) مضى ذكره (في عشرة آلاف من المسلمين) زاد البغوي ولم يتخلف عنه من المهاجرين والانصار أحد (فيستأمنوا) أى يطلبوا الامان (بديل) بالموحدة والمهملة والتحتية مصغر (ابن ورقاء) بفتح الواو والقاف وسكون الراء والمد (فأخبرهم الخبر) قال البغوي قال العباس سمعت أبا سفيان يقول والله ما رأيت كالليلة نيرانا قط فقال له بديل هذه والله نيران خزاعة حمستها الحرب فقال أبو سفيان خزاعة الأم من ذلك وأذل فعرفت صوته فقلت أنا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قلت نعم قال مالك فداك أبي وأمي قلت ويحك يا أبا سفيان هذا والله رسول الله ﷺ يصبحك قد جاء بمالا قبل لكم به قال (فما الحيلة) قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك

стр. 404

فلما مر به العباس على منزل عمر لحقه عمر محرشا عليه ومذكرا لرسول الله ﷺ سالف اساءته فقال رسول الله ﵌ للعباس اذهب به الى رحلك فاذا أصبحت فأتنى به فلما أصبح جاء به فعرض عليه رسول الله ﷺ الاسلام فتلكأ قليلا ثم أسلم فقال العباس يا رسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا فقال نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن. روينا في صحيح البخاري ان رسول الله ﷺ لما سار قال للعباس احبس أبا سفيان عند حطم الخيل وفي رواية عند خطيم الجبل حتى ينظر الى المسلمين فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ تمر كتيبة كتيبة على أبى سفيان فمرت كتيبة فقال يا عباس من هذه قال هذه غفار قال مالى ولغفار ثم مرت جهينة قال مثل ذلك ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ثم مرت سليم فقال مثل ذلك حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلهم قال من هذه قال هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية فقال سعد بن عبادة يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة (فلما مر به العباس على منزل عمر) ولم يعرفه أحد من المسلمين قبله (محرشا) مغريا ومحرضا (ومذكرا لرسول الله ﷺ سالف أساءته) قال البغوي فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد دعني أضرب عنقه فقال العباس يا رسول الله اني قد أجرته وقال العباس مهلا يا عمر فو الله ما تصنع هذا الا انه رجل من بني عبد مناف ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا قال مهلا يا عباس فو الله لا سلامك يوم أسلمت كان أحب الىّ من اسلام الخطاب لو أسلم (فعرض عليه رسول الله ﷺ الاسلام) فقال له يا أبا سفيان ألم يأن لك ان تعلم أنه لا إله الا الله قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت ان لو كان مع الله غيره لا غنى عنى شيئا بعد قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك ان تعلم اني رسول الله حق فقال واما هذه ففى النفس منها شيء حتى الآن (فتلكأ) توقف وزنا ومعنا فقال له العباس أسلم قبل ان تضرب عنقك (فأسلم) حينئذ كرها (فاجعل له شئأ) يفتخر به (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن الى آخره) زاد أبو داود عن ابن عباس ومن القى سلاحه فهو آمن (روينا في صحيح البخاري) عن عروة بن الزبير (حطم) بحاء وطاء مهملتين (الخيل) بمعجمة وبتحتية ساكنة أى محل ازدحامها (وفي رواية) للبيهقى في صحيح البخارى (خطم) بمعجمة وطاء مهملة أى أنف (الجبل) بالجيم والموحدة أى طرفه وللبغوي احتبسه بمضيق الوادي عن حطم الخيل (فحبسه العباس) حيث أمره النبى ﷺ (كتيبة) هي القطعة من الجيش سميت بذلك لاجتماعها (مالى ولغفار) أى ما كان بيني وبينهم من حرب كما ورد في رواية (سعد بن هذيم) بالذال المعجمة والتصغير (ثم مرت سليم) زاد البغوي ثم مرت مزينة (اليوم يوم الملحمة) بفتح الميم والحاء المهملة وسكون اللام بينهما أى يوم حرب

стр. 405

اليوم تستحل الكعبة فقال أبو سفيان يا عباس حبذا يوم الذمار ثم جاءت كتيبة وهى أقل الكتائب يعنى أقلهم عددا وهى أجلهم قدرا فيها رسول الله ﷺ وأهله وأصحابه وراية رسول الله ﷺ مع الزبير فلما مر النبي ﷺ بأبى سفيان قال ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة قال ما قال قال كذا وكذا فقال كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسي فيه الكعبة وأمر رسول الله ﷺ ان تركز رايته بالحجون وقال عبد الله بن مغفل رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجع فيها انتهت رواياتنا عن البخاري. وروى ان أبا سفيان لما مرت به القبائل وكانت قد أوعبت في تلك الغزاة فألفت مزينة وسبعت سليم وقيل ألفت وفي كل القبائل عدد قال للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما قال العباس فقلت له ويحك انها النبوة قال فنعم اذا قلت الحق الآن بقومك فحذرهم فخرج سريعا فقال لهم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن قالوا وما يغني عنا دارك قال ومن دخل المسجد فهو عظيم لا مخلص منه أو يوم المقتلة العظيمة يوم (تستحل الكعبة) أراد الاستحلال اللغوي أو أراد تستحل بزعمك (حبذا الذمار) أى يوم الهلاك وقيل يوم الغضب وهو بكسر المعجمة وتخفيف الميم (وراية رسول الله ﷺ كانت يومئذ بيضاء كما أخرجه أبو داود والترمذي عن جابر (مع الزبير) وكان قد قدمه بها وأمره أن يركزها بأعلا مكة بالحجون وقال لا تبرح حتى آتيك ودخلها ﷺ من جهة الحجون وهناك ضربت قبته (فقال كذب سعد) فيه دليل لما مر ان الكذب الاخبار عن الشىء على خلاف ما هو عمدا أو سهوا زاد البغوي فقال رسول الله ﷺ لعلي أدركه فخذ الراية منه فكن أنت الذى تدخل بها (بالحجون) بفتح المهملة وضم الجيم أعلا مكة كما مر وكداء بفتح الكاف وبالمد غير مصروف قال في التوشيح وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي انتهى وكان دخوله ﷺ يومئذ منها قال ابن اسحاق وغيره وسببه ان أبا سفيان قال للعباس لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء فقال العباس ما هذا قال شئ طلع بقلبي وان الله لا يطلع الخيل هناك أبدا قال العباس فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل وأخرج البيهقي من حديث عمر قال قال النبى ﷺ لابي بكر كيف قال حسان فأنشده: عدمت بنيتي ان لم تروها ... تثير النقع مطلعها كداء فتبسم وقال ادخلوها من حيث قال حسان (ابن مغفل) بفتح المعجمة والفاء المشددة هو المزني (يقرأ سورة الفتح) يعني اذا جاء نصر الله والفتح واتسمى سورة النصر وتسمى سورة التوديع (وروى ان أبا سفيان الى آخره) رواه البغوى في التفسير (أوعبت) جمعت (فألفت مزينة) كانت الفا (وسبعت) سليم كانت سبعمائة (ويحك) مضى ذكرها (وما يغني عنا دارك) أى ما ينفعنا

стр. 406

آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن فتفرق الناس ودخل رسول الله ﷺ من أعلا مكة ولم يعرض له قتال وأمر خالد بن الوليد في عدد من المسلمين فدخلوا من أسفلها فعرض لهم عكرمة بن ابي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة فهزمهم خالد بن الوليد وقتل منهم اثنى عشر أو ثلاثة عشر رجلا ولم يقتل من خيل خالد الاسلمه بن الميلاء الجهني واما كرز بن جابر الفهري وحبيش بن الاشعر فشذا عن خالد وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا وقد كان رسول الله ﵌ عهد الى امرائه ان لا يقتلوا إلا من قاتلهم الا انه أمر بقتل جماعة سماهم وان كانوا تحت استار الكعبة فقتل بعضهم واستؤمن لبعضهم (ولم يعرض) بكسر الراء وضمها (بالخندمة) بالمعجمة والنون والدال المهملة بوزن الملحمة جبل بمكة (سلمة) بفتح اللام (ابن الميلاء) بفتح الميم وكسرها وبالمد (واما كرز) بضم الكاف وسكون الراء آخره زاى (وحبيش) مصغر وهو بالمهملة فالموحدة آخره معجمة أو بمعجمة فنون آخره مهملة قولان أصوبهما الاول قاله أبو الوليد (ابن الاشعر) بالشين المعجمة والعين المهملة والأشعر لقب واسمه خالد بن حنيف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم ابن خبس بن حرام بن حبيشة بن كعب بن عمرو الخزاعي وهو أبو أم معبد التى مر ذكرها في حديث الهجرة (شذا) بمعجمتين خرجا وبقي من شهد الفتح حبلة بن الاشعر أخو حبيش ذكره ابن عبد البر وخالد الاشعري الخزاعي ذكره الواقدي (الا انه أمر بقتل جماعة) كانت لهم سالف اساآت وكانوا يؤذونه ﷺ (سماهم) وهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح بفتح المهملة وسكون الراء وكان مسلما ثم ارتد وعبد الله بن خطل وسيأتى ضبطه لانه كان مسلما فبعثه ﷺ مصدقا وكان له مولى يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا وأمره ان يذبح له تيسا ويصنع له طعاما فنام فاستيقظ ولم يصنع له شيأ فقتله ثم ارتد وكانت له قينتان يغنيان بهجائه ﷺ فأمر بقتلهما معه والحويرث بن نفيذ بن وهب كان ممن يؤذيه ﷺ ومقيس بن صبابة لانه قتل الانصاري الذي قتل أخاه خطأ ورجع الى مكة مرتدا كما مر وسارة مولاة لبعض بني المطلب وكانت ممن يؤذيه ﷺ وعكرمة بن أبي جهل (وان وجدوا تحت استار الكعبة) فيه دليل لجواز استيفاء العقوبات في الحرم سواء كانت لله تعالى أم لآدمي لان قتله لا يوجب ضمانا وكان كالفواسق الخمس هذا مذهب الشافعي ﵀ لكن يشكل عليه عدم جواز استيفاء ذلك في المسجد ان خيف تلويثه ويجاب بانه ﷺ خاف من التأخير الى اخراجهم ما يمنع قتلهم من أمان أو هرب أو نحوهما وكان في قتلهم مصلحة للمسلمين عامة فانهم كانوا أعداء الدين ورؤساء المفسدين فقدم ﷺ المصلحة العامة على ذلك (فقتل بعضهم) كابن خطل وسيأتي قريبا ذكر من قتله ومقيس بن ضبابة قتله تميله بالفوقية والتصغير رجل من قومه والحويرث ابن نفيذ قتله علي بن أبي طالب واحدى قينتى ابن خطل (واستؤمن لبعضهم) كابن أبي سرح استأمن له عثمان وكان أخاه من الرضاعة ثم جاء به وقت البيعة حتى وقفه على رسول الله ﷺ فقال

стр. 407

[مطلب في دخوله ﷺ الكعبة ورد مفتاحها لبني شيبة وكسر ما فيها من الأصنام] ولما انتهى ﵌ الى البيت طاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده وهو منكس رأسه تواضعا لله تعالى ولما فرغ من طوافه دعا بالمفتاح وكان في يد عثمان بن طلحة بن ابى طلحة الحجبي العبدري وبيد عمه شيبة بن عثمان بن ابى طلحة فأتى به ففتح ودخل وركع ركعتين يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر اليه ثلاثا كل ذلك يأبى ان يبايعه ثم بايعه بعد الثالثة ثم أقبل على أصحابه فقال ما كان فيكم رجل رشيد يقوم الى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا ما ندري ما في نفسك ألا كنت أو مأت الينا بعينك فقال ما ينبغي لنبي ان يكون له خائنة عين أخرجه أبو داود والنسائي عن سعد وعكرمة بن أبي جهل أسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ثم استأمنت له وكان قد هرب الى اليمن فأدركته وأتت به رسول الله ﷺ فأسلم واحدى قينتى ابن خطل وسارة استؤمن لهما ﷺ فأمنهما وعاشت الى زمن عمر فأوطأها رجل من المسلمين فرسا بالابطح فقتلها (طاف به سبعا على راحلته) هذا خلاف ما في الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس ان ذلك انما كان في حجة الوداع لا يوم الفتح وركب ﷺ بيانا للجواز أو لأن يراه الناس وليسألوه كما في صحيح مسلم أو لانه ﷺ كان مريضا كما في سنن أبى داود وترجم عليه البخاري فقال باب المريض يطوف راكبا (يستلم الركن) فيه ندب استلام الركن وانه اذا عجز عن استلامه بيده استلمه بعود ونجوه لانه ﷺ كان يستلمه يومئذ (بمحجن) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم وهي عصى محنية الرأس يتناول بها الراكب ما يسقط له ويحرك بطرفها بعيره للمشى والحجن لغة الاعوجاج (في يده) زاد مسلم ويفتل المحجن (دعا بالمفتاح) لمسلم في رواية دعا بالمفتح بحذف الف مع كسر الميم قال النووى وهما لغتان (بيد عثمان) بن طلحة (بن أبي طلحة) قال النووى واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي ومر انه أسلم مع خالد بن الوليد وعمرو ابن العاص في يوم واحد في هدنة الحديبية (الحجبي) بفتح المهملة والجيم نسبة الى حجابة الكعبة وهي ولايتها وفتحها واغلاقها وخدمتها (العبدري) نسبة الى عبد الدار كما مر (فأتى به) مبني للمفعول أو للفاعل والمراد به نسبته وفي الصحيحين عن ابن عمر ان عثمان ذهب الى أمه فأبت ان تعطيه المفتاح فقال والله لتعطينيه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي فأعطته اياه وفي تفسير البغوى وغيره ان عثمان أبا عليّ المفتاح وقال لو علمت ان رسول الله ﷺ لم أمنعه المفتاح فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب (ودخل) البيت فيه ندب دخوله وقد روى ابن أبي عدى والبيهقي في الشعب عن ابن عباس مرفوعا دخول البيت دخول في حسنة وخروج من سيئة وروى أبو داود والترمذي عن عائشة قالت خرج رسول الله ﷺ من عندي وهو مسرور ثم رجع وهو كئيب فقال اني دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها اني أخاف ان أكون قد شققت على أمتى ولفظ الترمذي وددت اني لم أكن فعلت اني أخاف ان أكون قد أتعبت أمتى من بعدي (وركع ركعتين) كما رواه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر رضى الله عنهما انه سأل

стр. 408

وكسر ما فيه من الاوثان وطمس الصور واحرج (١) مقام ابراهيم ونزل عليه جبريل بقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» فخرج ﵌ وهو يتلوها قال عمرو ما كنت سمعتها منه فدعا عثمان والشيبة واعطاهم المفتاح وقال خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم الا ظالم وكان العباس سئله أن يجمع له السدانة الى السقاية قال ابن مسعود ودخل ﵌ وحول البيت ستون وثلاثمائة بلالا هل صلى فيه رسول الله ﷺ قال نعم بين العمودين اليمانيين وي رواية وذهب عني ان أسأله كم صلى وفي أخرى قال سألت بلالا حين ما خرج ما صنع النبي ﷺ قال جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه والبيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى وفي أخرى صلى ركعتين بين الساريتين اللتين عن يسارك اذا دخلت ثم خرج وصلى في وجه الكعبة ركعتين ولا يعارض ذلك رواية ابن عباس عن أسامة في الامهات انه ﷺ دخل ولم يصل فقد أجمع أهل الحديث كما قاله النووى على الاخذ برواية بلال لانه ثبت ومعه زيادة علم فوجب ترجيحه واما نفي أسامة لها فسببه كما قال النووى اشتغاله بالدعاء في ناحية من نواحى البيت غير التي كان فيها ﷺ فلم يره لتخفيفه ﷺ الصلاة ولظلمة البيت فانه كان مغلقا عليهم وحينئذ فنفي الصلاة عملا بظنه وكان بلال قريبا منه ﷺ فتحققها ففى ذلك جواز الصلاة داخل البيت اذا توجه الى جدار منه أو الى بابه مردودا بل بديها وبه قال الجمهور وفيه خلاف للسلف قال النووي وفيه دليل لمذهب السلف والجمهور ان تطوع النهار يستحب ان يكون مثنى وقال أبو حنيفة أربعا (وكسر) أى أمر بكسر (ما فيه من الاوثان) قبل ان يدخل كما في صحيح البخاري عن ابن عباس وفيه انهم أخرجوا صورة ابراهيم واسماعيل في أيديهما الازلام فقال رسول الله ﷺ قاتلهم الله اما والله لقد علموا انهما لم يستقسما بها قط والذي تولى كسرها واخراجها عمر بن الخطاب أخرجه أبو داود من حديث جابر (ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات الى أهلها) سبب نزولها ان العباس سأل النبي ﷺ ان يعطيه المفتاح ويجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله الآية (فدعى عثمان وشيبة) وللبغوى فأمر رسول الله ﷺ عليا ان يرد المفتاح الى عثمان ويعتذر اليه ففعل ذلك علي فقال له عثمان أكرهت وآذيت ثم جئت برفق فقال لقد أنزل الله في شأنك وقرأ عليه الآية فقال عثمان أشهد أن محمدا رسول الله وأسلم زاد الزمخشري فهبط جبريل فأخبر رسول الله ﷺ ان السدانة في أولاد عثمان أبدا انتهى قال القاضي زكريا ويخالف قوله ان السدانة في أولاد عثمان أبدا قول ابن كثير في تفسيره ان عثمان دفع المفتاح الى أخيه شيبة فهو في ولده الى اليوم (خذها) يعني السدانة (خالدة) دائمة (تالدة) بالفوقية بوزن خالدة أى يتعاقبونه ولدا بعد ولد (لا ينزعها منكم الا ظالم) قال العلماء فيحرم ان ينزعها أحد منهم لانها ولاية لهم من رسول الله ﷺ فتبقى دائمة لهم لا ينازعون فيها ولا يشاركون ما دام فيهم

стр. 409

نصب فجعل يطعنها بعود ويقول جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد روياه. وقام ﵌ على باب الكعبة وقال لا إله الا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده الا أن اكل مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين الاسدانة البيت وسقاية الحاج يا معشر قريش ان الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآبآء الناس من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى الآية ثم قال يا معشر قريش ما ترون انى فاعل بكم قالوا خير أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فانتم الطلقاء فلذلك سمي مسلمة الفتح الطلقاء وكان فتح مكة لعشر بقين من رمضان. [فصل: فى ذكر شيء من الواردات يوم الفتح مما ذكره البخاري ومسلم] (فصل) في ذكر شيء من الواردات يوم الفتح مما ذكره أبو عبد الله البخاري وكثير صالح لذلك (نصب) بضم النون والمهملة واحد الانصاب وهو كل منصوب للعبادة من دون الله زاد في الشفاء عن ابن عباس مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة (يطعنها) بضم العين كما مر (بعود) وفي الشفاء عن ابن عباس جعل يشير بقضيب في يده اليها ولا يمسها فما أشار الى وجه صنم الا وقع لقفاه ولا الى قفاه الا وقع لوجهه وفي ذلك معجزة ظاهرة له ﷺ (ونصر عبده) محمدا ﷺ (وهزم الاحزاب) الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ (وحده) من غير قتال (كل مأثرة) بالهمز وضم المثلثة أي أمر يستأثر (فهو تحت قدمي) بالتثنية أي باطل لا مطالبة به (الا سقاية الحاج) بالنصب (وسدانة) بكسر السين (البيت) فانهما باقيان لاهلهما كما مر (يا معشر قريش) للبغوى يا معشر الناس (نخوة الجاهلية) بفتح النون وسكون المعجمة أي شرفها وكبرها (وتعظمها) تكبرها (بالآباء) فيقول هذا أبي فلان بن فلان ويقول هذا كذلك فهذا باطل بحكم الاسلام ولم يرد ابطال النسب وانما أراد ابطال التشرف به لان التشرف الحقيقي في حكم الاسلام للمتقين (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ) وهو آدم (وأنثي) وهي حوى نزلت هذه في ثابت بن قيس قال لرجل لم يتفسح له يا ابن فلانة فقال له النبي ﷺ أنظر في وجوه القوم فنظر فقال ما رأيت قال رأيت أبيض وأحمر واسود قال فانك لا تفضلهم الا بالدين والتقوى وقيل بل في جماعة من قريش قالوا أيوم الفتح وقد أمر النبي ﷺ بلالا ان يؤذن اما وجد محمد غير هذا الغراب الاسود مؤذنا (يا معشر قريش) للبغوي يا أهل مكة (ما) ذا (ترون) بضم الفوقية أى تظنون (فأنتم الطلقاء) بضم المهملة وفتح اللام والمد جمع طليق وهو الذى أطلق الأسر عنه أساره (سمى) مبني للمفعول (مسلمة الفتح) بالرفع (الطلقاء) بالنصب زاد البغوي بعد ذلك ثم اجتمع الناس للبيعة فجلس اليهم رسول الله ﷺ على الصفا وعمر أسفل منه يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا ثم بايع النساء* ذكر شئ من الواردات يوم الفتح (وكثير

стр. 410

منها في مسلم. [من ذلك خبر أم هانيء وقد اجارت ابن هبيرة فاجاز ﷺ جوارها] من ذلك ما روى عن أم هانئ قالت ذهبت الى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره فسلمت عليه فقال من هذه قلت انا ام هانيء ابنة أبي طالب فقال مرحبا يا أم هانيء فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد قالت فقلت يا رسول الله زعم ابن أمى علىّ انه قاتل رجلا قد أجرته فلان ابن هبيرة فقال رسول الله ﷺ قد اجرنا من اجرت يا أم هانئ قالت وذلك ضحى. وعن انس ان منها في) صحيح (مسلم) وغيره من كتب السنن (عن أم هانئ) بالهمز اسمها فاختة وقيل هند وكنيت بابن لها يسمى هانئا (وفاطمة) ابنته (تستره) قال النووى فيه جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارمه اذا كان مستور العورة عنها وجواز سترها اياه بثوب ونحوه (فقال من هذه) فيه كما قال النووي انه لا بأس بالكلام حال الاغتسال والوضوء لا بالسلام عليه بخلاف البائل (أنا أم هانيء) فيه ان المستأذن اذا سأله المستأذن عليه يقول فلان باسمه ولا يقول أنا ونحوه فقد ورد النهي عنه وفيه انه لا بأس ان يكنى الشخص نفسه اذا اشتهر بالكنية على سبيل التعريف (قال مرحبا) فيه استحباب قول مرحبا ونحوه من الفاظ الاكرام والملاطفة ومعناها صادفت رحبا وسعة (فصلى ثماني ركعات) فيه ان أكثر الضحى ثماني ركعات كما قاله جمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم (في ثوب واحد) فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد وان وجد غيره (زعم) قال النووي معناه هنا ذكر أمرا لا أعتقد موافقته فيه (ابن أمي) وللحموى في صحيح البخاري ابن أبي وكلاهما صحيح لانه شقيقها (انه قاتل) بالتنوين (رجلا قد أجرته) قال النووي جاء في غير مسلم أى وغير البخارى فرآني رجلان من أحمائي (فلان ابن هبيرة) بالنصب على البدل والرفع على الخبر قال النووي هو الحارث بن هشام المخزومي وقيل عبد الله بن أبي ربيعة وقال الازرقي الاحارث يومئذ رجلين الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة وقال الزبير بن بكار هو الحارث بن هشام وقال ابن هشام هو الحارث أو زهير بن أبى أمية ففي الرواية على هذا حذف أو تحريف كما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني أى فلان ابن عم هبيرة أو قريب هبيرة لان من سمى الازرقي والزبير بن بكار وابن هشام كل منهم ابن عم هبيرة لأنه مخزومي وما قيل انه جعد بن هبيرة تعقب كما في التوشيح بانه ان كان ابن هبيرة من أم هانئ لم يتجه ذلك لصغر سنه والحكم باسلامه فكيف يقتله علي أو يحتاج الى اجارة ولا يعرف لهبيرة ولد من غير أم هانئ (أجرنا من أجرت) استدل به جمهور من العلماء من أصحابنا وغيرهم على جواز أمان المرأة وتقدير الحديث حكم الشرع صحة جواز من أجرت وقال بعضهم لا حجة فيه لاحتماله ابتداء الامان (قالت وذلك ضحى) قال عياض لا دلالة فيه على ان هذه صلاة الضحى لانها أخرت عن وقت صلاته لا عن نيتها فلعلها كانت صلاة شكر لله على الفتح وما قاله فاسد قال النووي فقد روى أبو داود في سننه بسند صحيح عن أم هانئ ان النبى ﷺ يوم الفتح صلى صبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين (و) روى مالك والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي (عن أنس) هو ابن مالك

стр. 411

النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال ابن خطل متعلق باستار الكعبة فقال اقتله [ومن ذلك قضاء رسول الله لابن من وليدة زمعة بان الولد للفراش] وعن عائشة ﵂ قالت كان عتبة بن ابي وقاص عهد الى اخيه سعد بن ابي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه اليك قالت فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال ابن اخى قد عهد الي فيه فقام عبد الله بن زمعة فقال اخي وابن وليدة ابى وليد على فراشه فتساوقا الى رسول الله ﷺ قال سعد يا رسول الله ابن أخي كان قد عهد الى فيه فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال النبي صلى الله (المغفر) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء زاد الدار قطنى وكان من حديد وفي رواية في السير انه كان يومئذ معتما بعمامة سوداء (ابن خطل) بالمعجمة فالمهملة مفتوحتين اسمه عبد الله كما مر وقيل عبد العزى (فقال أقتله) زاد ابن حبان فقيل والذي قتله سعيد بن زيد رواه الحاكم أو سعد بن أبي وقاص رواه البزار أو الزبير بن العوام رواه الدار قطنى أو سعيد بن حريث رواه ابن مندة وابن أبى شيبة والبيهقى في الدلائل ورواه أبو نعيم أيضا لكن صحفه فقال ابن ذؤيب أو أبو برزة الاسلمي رواه أبو سعد النيسابوري أو عمار بن ياسر رواه الحاكم قال ابن حجر ويجمع بأنهم كلهم ابتدروا الى قتله والذي باشر قتله منهم هو سعيد بن حريث قال وقال البلاذري ان الذى باشر قتله أبو برزة الاسلمي وفي تفسير البغوي ان سعيد بن حريث وأبا برزة الاسلمي اشتركا في دمه قال في التوشيح وفي أخبار مكة لعمرو بن شيبة بسند جيد عن السائب بن مزيد قال رأيت رسول الله ﷺ استخرج من تحت أستار الكعبة عبد الله بن خطل فضرب عنقه ضحا بين زمزم ومقام ابراهيم (وعن عائشة) كما روى الشيخان وأبو داود والنسائى وابن ماجه وعن أبي هريرة كما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائى وابن ماجه وعن عثمان كما رواه أبو داود وعن ابن مسعود وابن الزبير كما رواه النسائى وعن عمرو بن أبى ايامة كما رواه ابن ماجه (عتبة بن أبي وقاص) هو الذي كسر رباعيته ﷺ يوم أحد (ابن وليدة) أي جارية (زمعة) بفتح الزاى وسكون الميم ومهملة (منى) واسم الوليد عبد الرحمن سماه ابن عبد البر وغيره قال عياض كانت عادة الجاهلية الحاق النسب بالزنا وكانوا يستأجرون الاماء للزنا فمن اعترفت الام انه له الحقوه به فجاء الاسلام بابطال ذلك والحاق الولد بالفراش الشرعي لما تخاصم عبد بن زمعة وسعد بن أبى وقاص وقام سعد بما عهد اليه أخوه عتبة من سنن الجاهلية ولم يعلم سعد بطلان ذلك في الاسلام ولم يحصل الحاقه في الجاهلية اما لعدم الدعوى واما لكون الام لم تعترف به لعتبة واحتج عبد بن زمعة بانه ولد على فراش أبيه فحكم له به النبى ﷺ (فأقبضه) بكسر الموحدة (فلما كان عام الفتح) بالرفع والنصب (عهد الى فيه) أي أوصاني به (عبد بن) بابدال ابن من عبد (أخي وابن وليدة أبي) فيه حجة لمن قال بجواز استلحاق الوارث الجائر أو كل الورثة بشرطه خلافا لمالك وموافقيه (فتساوقا) بالمهملة والقاف أى سارا بسرعة

стр. 412

عليه وسلم هو لك يا عبد زمعة ثم قال النبي ﷺ الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقى الله . [ومن ذلك خبر المخزومية التي سرقت وإقامة الحد عليها] وعن عائشة ان قريشا اهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في غزوة الفتح فقالوا من يكلم فيها رسول الله ﷺ قالوا ومن يجتريء عليه الا اسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فكلمه اسامة فقال رسول الله صلى (هو لك يا عبد بن زمعة) بنصب ابن وفي عبد النصب والرفع كنظائره وقال النووي كان فراش زمعة ثابتا اما باقراره في حال حياته واما بعلم النبي ﷺ ذلك (الولد للفراش) معناه اذا كان للرجل زوجة أو أمة قد صارت فراشا له وأتت بولد يمكن كونه منه لحقه وجري بينهما التوارث وغيره من الاحكام سواء كان موافقا له في الشبه أم مخالفا خلافا لابي حنيفة في عدم اشتراط الامكان ولا تصير الأمة فراشا الا بالوطيء وقال أبو حنيفة لا تصير فراشا الا اذا ولدت ولدا واستلحقه (وللعاهر) وهو الزاني يقال عهر أى زنا وعهرت أى زنت والعهر بفتح المهملة وسكون الهاء الزنا (الحجر) بفتحتين أي الخيبة ولا حق له في الولد وعادة العرب تقول له الحجر وهو التراب ونحو ذلك أى له الخيبة وضعف النووي وغيره قول من قال المراد بالحجر الرجم لانه ليس كل زان يرجم ولانه لا يلزم من رجمه نفى الولد عنه (احتجبى منه) أمرها بالاحتجاب ندبا واحتياطا وورعا (لما رأى) بكسر اللام وتخفيف الميم (من شبهه بعتبة) قال النووي فيه دليل على ان الشبه وحكم القافة انما يعتمد اذا لم يكن أقوى منه كالفراش وجاء مثل ذلك في قصة المتلاعنيين قال واحتج أبو حنيفة والاوزاعي والثوري وأحمد بهذا الحديث على ان الوطيء بالزنا له حكم الوطئ بالنكاح في حرمة المصاهرة ووجه احتجاجهم أمر سودة بالاحتجاب قال النووي وهذا احتجاج باطل وعجب من ذكره لأن هذا على تقدير كونه من الزنا فهو أجنبي من سودة لا يحل الظهور له سواء الحق بالزاني أم لا فلا تعلق لها بالمسئلة المذكورة وفي هذا الحديث ان حكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطن لانه ﷺ حكم انه أخو سودة واحتمل بسبب التشبه ان يكون من عتبة فلو كان الحكم يحل الباطن لما أمرها بالاحتجاب قاله النووى (وعن عائشة) كما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي (المرأة المخزومية) اسمها فاطمة بنت الاسود (سرقت) بفتح الراء (حب رسول الله ﷺ بكسر الحاء أى محبوبه (فكلم أسامة) زاد مسلم في رواية فتلوّن وجه رسول الله ﷺ وفي رواية لمسلم انها عادت بأم سلمة (أشفع في حد من حدود الله) استفهام انكار وتعظيم لما فعل زاد مسلم فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله ففيه حرمة الشفاعة في حدود الله تعالى بعد بلوغها الى الامام وهو اجماع ويجوز قبل بلوغها الى الامام اذا لم يكن المشفوع له صاحب شر واذاء للناس عند أكبر العلماء واما التعزيرات فيجوز الشفاعة

стр. 413

الله عليه وآله وسلم أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب ثم قال انما أهلك الذين من قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. [ومن ذلك حرمة مكة وان دخلوها عنوة يوم الفتح كان خاصا بالنبي ﷺ ] وعن أبى شريح الخزاعي الكعبي انه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث الى مكة ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله ﵌ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناى حين تكلم به انه حمد الله وأثنى عليه ثم قال ان مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر ان يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة فان أحد ترخص لقتال رسول الله ﵌ فقولوا له ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب خرجاه متفقين على لفظه وانما قال رسول الله ﵌ هذا القول حين قتلت خزاعة رجلا من هذيل بمكة ثانى يوم الفتح فوداه النبي ﵌. ومما سبق به من الشعر قبل الفتح قول حسان ردا على أبي سفيان بن الحارث: الا أبلغ أبا سفيان عني ... فانت مجوف نجب هواء مطلقا بل يستحب اذا لم يكن المشفوع فيه صاحب اذاء ونحوه (ثم قام) زاد مسلم من العشى (الذين قبلكم) يعنى بني اسرائيل (وأيم الله) فيه جواز الحلف من غير استحلاف بل ندبه اذا كان فيه تفخيم أمر مطلوب كما مر وللعلماء خلاف الحلف بأيم ومذهبنا انه كناية وتتمة الحديث ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها فقال يونس قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتي بعد ذلك فارفع حاجتها الى رسول الله ﷺ (تنبيه) ما جاء في رواية لمسلم عن عائشة وفي سنن أبي داود والنسائى عن ابن عمر ان امرأة مخزومية كانت تستعير المناع زاد النسائي عن ألسنة جاراتها وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها المراد كما نقله النووي عن العلماء انها قطعت بالسرقة وذكر العارية للتعريف بوصفها لا ان العارية سبب القطع وقد صرحوا في سائر الروايات بأنها سرقت وقطعت بسبب السرقة فتعين حمل هذه الرواية على ذلك جمعا بين الروايات فانها قضية واحدة مع ان جماعة من الحفاظ قالوا بشذوذ هذه الرواية والشاذ لا يعمل به وأخذ أحمد واسحاق بظاهر الحديث فأوجبا القطع على من جحد العارية (وعن أبي شريح الى آخره) روى حديثه الشيخان والترمذي والنسائي ومضى الكلام على حديثه في فضل مكة (قتلت خزاعة) وهم حلفاء رسول الله ﷺ (رجلا من هذيل) بضم الهاء وفتح المعجمة كما مر ولمسلم رجلا من بني ليث فقتل منهم

стр. 414

هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمدا برا حنيفا ... رسول الله شيمته الوفاء أتهجوه ولست له بكفؤ ... فشركما لخير كما الفداء فان أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وفاء ثكلت بنيتي ان لم تروها ... تثير النقع من كنفى كداء ينازعن الأعنة مصعدات ... على أكتافها الاسل الظماء قتلوه* شعر حسان الذي ردبه على أبي سفيان بن الحارث (برا) أى واسع الخير والنفع وقيل منزها عن المآثم (حنيفا) قيل أي مستقيما والاصح انه المائل الى الخير وقيل هو المتبع ملة ابراهيم وفي بعض النسخ بدله تقيا (شيمته) بكسر المعجمة وسكون التحتية وفتح الميم أى خلقه وسجيته (ولست له بكفؤ) أى بمثل وهو هنا بسكون الفاء مع الهمزة لا غير وقرئ في القرآن بضمها مع الهمز وتركها وسكونها مع الهمز (فشركما لخيركما الفداء) ان قلت في ظاهر هذا اللفظ ما يستبشع من حيث ان أفعل الذي للتفضيل تدل على الاشتراك في الوصف فقولك فلان شر من فلان دال على ان في كل منهما شرا فالجواب ان دلالة أفعل على الاشتراك في الوصف ليست مطردة عند اللغويين فقد أجاز سيبويه قولك مررت برجل شر منك اذا نقص عن ان يكون مثلك فبذلك يندفع الاستبشاع لا سيما وهو على حد قوله ﷺ في صفوف الرجال وشرها آخرها يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الاول ذكر معنى ذلك السهيلي وغيره (فان أبي ووالده وعرضي) احتج به ابن قتيبة لمذهبه ان عرض الانسان هو نفسه لا اسلافه لذكره عرضه واسلافه بالعطف وقال غيره عرض الانسان هي أموره كلها التى يحمد بها ويذم من نفسه واسلافه وكلما لحقه نقص يعيبه (ان لم تروها) يعنى الخيل كناية عن غير مذكور (تثير) بضم أوله رباعي أى تهيج (النقع) بفتح النون وسكون القاف أى الغبار (من كنفى) بفتح النون والفاء أى جانبى (كداء) بفتح الكاف مع المد وهى ثنية على باب مكة قال النووي وعلى هذه الرواية هذا البيت أقوال مخالف لباقيها أى لان باقيها مضموم وحق هذا الجر بالاضافة وفي بعض النسخ غايتها وفي بعضها موعدها وفي بعضها موردها وللبيهقي مطلعها (فائدة) كدى بضم الكاف مع القصر موضع عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان قال العدوي وبمكة موضع ثالث يقال له كدى بالضم والتصغير يخرج منه الى جهة اليمن (يبارين) بالموحدة وكسر الراء قال عياض هذه رواية الأكثرين ومعناها انها لصرامتها وقوة نفوسها يبارى أعنتها بقوّة جندها لها وهى ومنازعيها لها أيضا كما روى ينازعن (الاعنة) جمع عنان وروى الاسنة جمع سنان وهو الرمح قال عياض فمعناه يضاهين قوامها واعتدالها (مصعدات) أى مقبلات اليكم ومتوجهات يقال أصعد في الارض اذا ذهب فيها مبتدئا ولا يقال للراجع (على أكتافها) بالفوقية (الاسل) بفتح الهمزة والسين المهملة ولام أى الرماح (الظماء) أى الرقاق فكأنها لعلة مائها عطاش وقيل المراد العطاش لدماء

стр. 415

تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء فان أعرضتم عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء والا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء وقال الله قد سيرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء تلاقى كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء رواه مسلم الا الثالث والثالث عشر فمن سيرة ابن هشام قال وبلغني عن الزهري انه قال لما رأى رسول الله ﵌ النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم الى أبى بكر ﵁ وقال قد سيرت جندا وفي رواية قد يسرن جندا ولم تصح الرواية بيسرت* [الكلام على غزوة حنين وشرح خبر ذلك] واتصل بالفتح غزوة حنين وكان من خبرها ان النبي ﵌ لما فرغ من الفتح أخبر ان هوازن أقبلت لحربه وكان الذي جمعها عوف بن مالك النصري فاجتمع اليه الاعداء وروى الاسد الطماء بالمهملة أي الشجعان العطاش الى دمائكم (تظل جيادنا) أى خيولنا (متمطرات) بالمهملة أى مسرعات يسبق بعضها بعضا يقال جاءت الخيل متمطرة اذا جاءت كذلك (يلطمهن) بالمهملة أي يمسحهن ليزلن عنهن الغبار لعزتها وكرامتها عندهم (بالخمر) بضم المعجمة والميم جمع خمار هذا هو المعروف وهو أبلغ في اكرامها وحكى عياض انه روى بالخمر بفتح الميم جمع خمرة قال النووي وهو صحيح المعنى (وقال الله قد سيرت جندا) من السير هذه رواية ابن هشام ورواه مسلم بشرت من التبشير وهو التهنئة والارصاد (عرضتها) بضم المهملة أى مطلوبها ومقصودها وهمتها (اللقاء) أي لقاء العدو للحرب (فنحكم) بضم أوله رباعي أى ترد وتدفع مشتق من حكمة الدابة ومعناه يقتحم ويحرس من هجانا (بالقوافي) جمع قافية (ليس له كفاء) بكسر الكاف أي مماثل ولا مقاوم (رواه مسلم) عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ هجاهم حسان فشفي واشتفى وقال حسان فذكره (الا الثالث) بالنصب (قال) يعنى ابن هشام* تاريخ غزوة حنين (حنين) بالتصغير والصرف واد الى جنب ذي المجاز قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات قال البكري سمى باسم حنين بن ثابت بن مهلائيل وقد تقدم انه قال في خيبر مثل هذا والله أعلم (ابن مالك النصري) بفتح النون وسكون المهملة وكان عوف يومئذ على هوازن

стр. 416

ثقيف ونصر وجشم وسعد بن بكر وقليل من بني هلال ولم يشهدها أحد من قيس عيلان الا هؤلاء وجملتهم أربعة آلاف وساروا ومعهم دريد بن الصمة الجشمى متيمنين برأيه ومعرفته بالحرب وكان قد قارع الخطوب وأبلي في الحروب وله مائة وستون أو مائة وعشرون سنة كان أشار بتمنيع الذراري والأموال ولقاء الرجال بالرجال وقال ان المنهزم لا يرده شيء فأبى عوف الا المسير بهم فقال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتني وأنشد: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها واضع ولما أجمع رسول الله ﵌ المسير اليهم أرسل الى صفوان بن أمية ابن خلف يستعير منه السلاح وكان صفوان بن أمية حينئذ مشركا فقال أغصبا يا محمد قال بل عارية مضمونة قال ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح ثم خرج ﵌ بجيش الفتح وألفين من الطلقاء واستخلف على مكة عتاب بن أسيد (ثقيف ونصر) مصروفان (وجشم) بالجيم والمعجمة بوزن عمر غير مصروف وجشم حى من ثقيف قال البغوي وكان على ثقيف كنانة بن عبد ياليل الثقفى (قيس عيلان) بفتح المهملة وسكون التحتية (دريد) بالتصغير (ابن الصمة) بكسر المهملة وتشديد الميم ابن بكر بن علقمة بن خزاعة بن عدن بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن يكنى أبا قرة قاله السهيلى (متيمنين) بزعمهم أي متبركين (قارع) بالقاف (الخطوب) جمع خطب وهو الأمر العظيم (مائة وستون) كما روى أبو صالح عن الليث (أو مائة وعشرون سنة) كما روي عن ابن اسحاق (الا المسير بهم) بالنصب (لم أشهده) أي لعدم سماع رأيه فيه كأنه لم يشهده (ولم يفتني) أي لحضوره فيه بنفسه (يا ليتني فيها) أى في هذه الحرب (جذع) بسكون العين للزجر وأصل الجذع للدواب ثم استعير للشاب القوي وتمنى كونه جذعا ليبالغ في الحرب ويمعن فيها (أخب) الخب ضرب من السير يكون مع الاسراع ومقاربة الخطا (وأضع) بالضاد المعجمة والعين المهملة أي أسرع (أرسل الى صفوان بن أمية) كما روى أبو داود عنه قال استعار مني رسول الله ﷺ درعا يوم حنين فقلت أغصبا يا محمد قال لا بل عارية مضمونة قال أهل السير وكان صفوان يوم الفتح هرب الى جدة ليركب منها البحر الى اليمن فاستأمن له عمير بن وهب الجمحي رسول الله ﷺ فأمنه. فأعطاه عمامته التي دخل بها مكة فخرج ولحقه وجاء به رسول الله ﷺ فقال اجعلني في أمري بالخيار شهرين قال أنت فيه بالخيار أربعة أشهر (عارية مضمونة) هذا أصل في ضمان العارية (بجيش الفتح) أى وهم عشرة آلاف (وألفين من الطلقاء) وكان جملتهم اثني عشر الفا وقال عطاء ستة عشر الفا وقال الكلبي كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط (عتاب) بفتح المهملة وتشديد الفوقية (ابن أسيد) بفتح الهمزة وكسر المهملة بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 417

الاموي فكانت مدة اقامته بمكة بعد الفتح الى ان خرج لحنين خمسة عشر أو سبعة عشر أو ثمانية عشر أو تسعة عشر يوما يقصر الصلاة لذلك. قال أصحابنا ان المسافر اذا دخل بلدا ونوى الخروج منها في كل وقت قصر الى ثمانية عشر يوما ثم يتم وقال بعضهم يقصر أبدا مادام على هذه النية وتعليله متجه لأن النبي ﵌ وقفت حاجته على هذه المدة والظاهر أنه لو زادت حاجته لبقى على ترخصه يؤيده أيضا ما روى أبو داود وصححه ابن حبان عن جابر ان النبي ﵌ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ويروى أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة ولما انتهى رسول الله ﵌ الى حنين وهو واد بين مكة والطائف وكان المشركون قد سبقوا اليه فكمنوا في أحنائه وشعابه فلما تصوب المسلمون اليه في عماية الصبح شدوا عليهم شدة رجل واحد فاشتمر المسلمون راجعين لا يلوى أحد على أحد وكان رجل من المسلمين قد قال حين رأى رأي في المنام أسيدا أباه واليا على مكة مسلما فمات كافرا وكانت الرؤيا لولده عتاب حين أسلم فولاه رسول الله ﷺ وهو ابن احدى وعشرين سنة ورزقه كل يوم درهما وكان يقول لا أشبع الله بطنا جاع على درهم في كل يوم حكاه السيهلي عن أهل التعبير (الأموي) بضم الهمزة نسبة الى أمية على غير قياس (خمسة عشر) كما رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي عن ابن عباس (أو سبعة عشر) كما في رواية أخرى لابي داود (أو ثمانية عشر) وقيل الى تسعة عشر يوما واختاره ابن الصلاح والسبكي وغيرهما لقول البيهقي انها أصح الروايات وقيل لا يعارض بل من روي ثمانية عشر أسقط يومي الدخول والخروج ومن روى تسعة عشر أسقط أحدهما وقدموا هاتين الروايتين على رواية سبعة عشر وخمسة عشر لأنهما أرجح وقيل لا يترخص الا أربعة لان الترخص اذا امتنع عليه بنية إقامتها فباقامتها أولى وحكاه في الشرح والروضة قولا (وقال بعضهم يقصر أبدا) وحكى الترمذي الاجماع عليه (أقام بتبوك عشرين يوما) هي على الاول محمولة على انه عد يومي الدخول والخروج (باذربيجان) بفتح الهمزة بغير مد وسكون الذال المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها جيم فألف فنون على الأشهر وقيل بمد الهمزة وفتح المعجمة والراء وكسر الموحدة وفتحها هو اقليم معروف وراء العراق غربي ارمينية (فكمنوا في أحيائه) بالمهملة والتحتية أي معاطفه (في عماية الصبح) بفتح المهملة أي ظلمة الصبح الباقية من ظلمة الليل (شدوا) يعني الكفار (عليهم) أى على المسلمين قال البغوى ما معناه كان المشركون قد انهزموا وخلوا عن الذراري ثم نادوا يا حماة السوء اذكروا الفضائح فتراجعوا (فاشتمر المسلمون) بالمعجمة أي رجعوا منهزمين قال البغوي وقال قتادة ذكر لنا ان الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم هربوا (وكان رجل من المسلمين)

стр. 418

تكاثر الجيش لن نغلب اليوم عن قلة فلم يرض الله قوله ووكلوا الى كلمته وولوا مدبرين هذا معنى ما ذكر ابن اسحق وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب وقد سأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﵌ يوم حنين فقال لكن رسول الله ﵌ لم يفر كان في هوازن رماة وانا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ولقد رأيت النبي ﵌ على بغلته البيضاء وان أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول- أنا النبي لا كذب- وفي رواية- أنا ابن عبد المطلب- وفي اسمه سلمة بن سلامة بن وقش (لن نغلب اليوم من قلة) قال التفتازاني هو نفى للقلة واعجاب بالكثرة يعني ان وقع مغلوبية فليس عن القلة كما قال ﷺ لن تغلب اثنا عشر الفا من قلة رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس وقد توهم بعضهم من هذا الحديث ان القائل يوم حنين لن نغلب اليوم عن قلة هو رسول الله ﷺ وحاشا فان هذا الحديث خرج مخرج الخبر على العموم أفكل جيش يبلغ اثنى عشر ألفا لا يغلب عن قلة وهو طرف من حديث أوله خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا عن قلة وسبب التوهم أنهم كانوا يوم حنين اثني عشر ألفا فظن انه ﷺ قالها لخصوص ذلك الجيش وليس كذلك والقرآن العظيم يدل على ان قائل تلك المقالة كان معجبا بالكثرة وهو المواجه بالخطاب في أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ الى آخر الآية ثم قال ثم انزل الله سكينه على رسوله ولو كان الخطاب في الآية الاولى موجها اليه ﷺ لقال ثم أنزل الله سكينته عليكم بل ولو كان الخطاب كذلك لما لزم منه انه ﷺ قالها يومئذ والله أعلم (وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب) ورواه عنه أيضا مسلم والترمذي (لكن رسول الله ﷺ لم يفر) وللترمذي أشهد على نبي الله ﷺ انه ما ولى (فاستقبلونا بالسهام) ولمسلم فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد (على بغلته البيضاء) قال النووي هي التي تسمى الدلدل ولا يعرف له صلي الله عليه وسلم بغلة سواها انتهى وسيأتي الكلام على ذكر البغال في محله ان شاء الله تعالى (أنا النبي لا كذب) أي حقالا أفر ولا أزول فيه جواز قول ذلك في الحرب ومثله قول سلمة- انا ابن الاكوع- وفيه ان الكلام الموزون بلا قصد لا يسمى شعرا بدليل وما علمناه الشعر وما ينبغي له مع تلفظه ﷺ بذلك وقد وقع في القرآن كثير من ذلك نحو لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم وجفان كالجوايى وقدور را أسيات (انا ابن عبد المطلب) هو على عادة العرب في الانتساب الى الجد اذا كان أشهر من الاب وقيل لان عبد المطلب كان قد سر به ﷺ وبظهوره فأراد ﷺ أن يذكرهم بذلك زاد الترمذى اللهم انزل نصرك ثم صفهم وزاد الطبراني عن أبي سعيد بعد قوله انا ابن عبد المطلب أنا أعرب العرب ولدتني قريش ونشأت في بني سعد

стр. 419

رواية فما رئي في الناس يومئذ أشد منه. وروينا في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله ﷺ فلم نفارقه ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها ارادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه فقال رسول الله ﷺ أي عباس ناد أصحاب السمرة وكان العباس رجلا صيتا فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة فاني يأتيني اللحن (فما رئى في الناس يومئذ أشد) بالرفع (منه) ففيه دليل على قوة شجاعته ﷺ وثبات جأشه وقوة ثقته بربه سبحانه وفي رواية في الصحيح قال البراء كنا اذا احمر البأس نتقي به وان الشجاع منا للذي يحاذى به (فلزمت أنا وأبو سفيان) المغيرة (بن الحارث) بن عبد المطلب (رسول الله ﷺ مفعول (فلم نفارقه) قال النووي في هذا عطف الاقارب بعضهم على بعض عند الشدائد وذب بعضهم عن بعض (فروة) بفتح الفاء وسكون الراء (ابن نفاثة) بضم النون وتخفيف الفاء وبعد الالف مثلثة هذا هو الصحيح المعروف وفي رواية لمسلم بن نعامه بالعين والميم. قال الطبري أسلم وقال غيره لم يسلم وفي صحيح البخاري أهداها له ملك ايلة يحنه بن رؤية وانما قبل هدية الكفار هنا مع قوله في حديث آخر هدايا العمال غلول رواه أحمد والبيهقي في السنن عن أبي حميد الساعدى وأبو يعلي عن حذيفة مع رده بعض هدايا المشركين وقوله انا لا نقبل شيأ من المشركين رواه أحمد والحاكم عن حكيم بن حزام لاختصاصه ﷺ بالفئ بخلاف غيره فقبل ﷺ ممن طمع في اسلامه لمصلحة يرجوها للمسلمين لان الهدية توجب المحبة والمودة وأما غيره ﷺ من العمال والولاة فلا يحل له قبولها لنفسه والا كانت فيئا للمسلمين عند جمهور العلماء لانه لم يهدها اليه الا لكونه امامهم وان كانت من قوم هو محاصرهم فغنيمة (فطفق) بكسر الفاء أشهر من فتحها (يركض بغلته) في هذا كما قال النووي دليل أيضا على قوة شجاعته وثباته حيث يركض بغلته الى جمع المشركين وقد فر الناس عنه وفي رواية أخرى في صحيح مسلم انه نزل الى الارض حين غشوه للمبالغة في الثبات والشجاعة والصبر أو ليواسي من كان نازلا على الارض من المسلمين (وأنا آخذ) بضم المعجمة بلا تنوين فعل مضارع وبكسرها مع التنوين اسم فاعل (ناد أصحاب السمره) هى الشجرة التى بايعوا تحتها بيعة الرضوان وأراد ﷺ ان يذكرهم ما بايعوا عليه يومئذ لانهم بايعوا يومئذ على أن لا يفروا (وكان العباس رجلا صيتا) أي شديد الصوت بحيث انه كان يقف على سلع فينادى غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة فيسمعهم وبين سلع وبين الغابة ثمانية أميال ذكر ذلك الحازمي في المؤتلف (اين أصحاب السمره) زاد البيضاوي

стр. 420

قال فو الله لكأن عطفتهم على حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيك يا لبيك فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها الى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهنّ في وجوه الكفار ثم قال انهزموا ورب محمد قال فو الله ما هو الا أن رماهم بحصياته فما زلت أري حدهم كليلا وأمرهم مدبرا* وروي أن العباس لما ناداهم جعل الرجل منهم يثني بعيره فلم يقدر عليه فيقتحم عنه ويؤم الصوت حتى اجتمع منهم مائة عند رسول الله ﷺ وقيل ألف فاستعرضوا الناس وساروا قدما حتى فتح الله عليهم وكانت الهزيمة ونزل في ذلك قوله تعالى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ وغيره اين أصحاب سورة البقرة أراد المذكورين في قوله آمَنَ الرَّسُولُ قاله الطيبي (لكان عطفتهم على حين سمعوا صوتي) فيه دليل على عدم بعد فرارهم وعدم حصوله من جميعهم بل من الطلقاء ونحوهم ممن لم يستقر الايمان في قلبه (عطفة البقر) بالضم خبر كان المشددة (فاقتتلوا والكفار) بالنصب مفعول معه لا غير (والدعوة) بفتح الدال أي الاستغاثة والمناداة (في الانصار) أي اليهم (ثم قصرت) بفتح القاف وضم المهملة (هذا حين حمى الوطيس) بفتح الواو وكسر المهملة وسكون التحتية آخره سين مهملة وهو التنور أو شبهه فيه قولان يضرب مثلا لشدة الحرب الذى يشبه حرها حره وقال الاصمعي هى حجارة مدورة اذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها وقيل هو الضراب في الحرب وقيل هو الوطس الذي يطس الناس أي يدقهم قال العلماء هذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذى لم يسمع من أحد قبل النبي ﷺ (ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات) في رواية أخرى لمسلم فقبض قبضة من تراب الارض ثم استقبل بها وجوههم (انهزموا ورب محمد) في الرواية الأخرى فيه شاهت الوجوه أي قبحت ففي كلا الحديثين كما قال النووى معجزتان ظاهرتان احداهما فعلية والاخرى خبرية ثم الجمع بينهما انه أخذ قبضة من حصى وقبضة من تراب فرمى بذامرة وبذامرة أو أخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب (فما زلت أرى حدهم كليلا) بفتح الحاء أى ما زلت أرى قوتهم ضعيفة (وروى ان العباس الى آخره) رواه ابن اسحق في سيرته وغيره (يثنى بعيره) يلويه وزنا ومعنى (فيقتحم عنه) أى يزل (ويؤم الصوت) أي يقصده (قدما) بضم القاف أي يقدم بعضهم بعضا وهذا وصف الشجعان (وكانت الهزيمة) تامة لا تحتاج الى خبر (ويوم حنين) أي ونصركم يوم حنين لانه معطوف على قوله لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ اشارة الى قول من قال لن نغلب اليوم عن قلة (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) لأن الظفر لا يكون بالكثرة وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي برحبتها وسعتها ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ منهزمين

стр. 421

ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ قال سعيد بن جبير أمده الله يومئذ بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. قيل لم تقاتل الملائكة يومئذ وانما نزلت لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين* وروى انه لما انهزم المسلمون شمت كثير من الطلقاء وانجفلوا بالناس وقال كلدة بن حنبل الآن بطل السحر فقال له أخوه صفوان بن أمية اسكت فض الله فاك فو الله لأن يربنى رجل من قريش احب الي من أن يربني رجل من هوازن. قال الزهري وبلغنى ان شيبة ابن عثمان يعنى الحجبي فال استدبرت رسول الله ﷺ يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن طلحة وعثمان ابن طلحة وكانا قد قتلا يوم أحد فأطلع الله رسول الله ﷺ على ما في نفسي فالتفت الي وضرب في صدري وقال أعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائصى فنظرت اليه فاذا هو أحب الىّ من سمعي وبصري فقلت أشهد أنك رسول الله وبأن الله قد أطلعك على ما في (ثم) بعد الهزيمة (أنزل الله سكينته) هى فعيلة من السكون أي أمنته وطمأنينته (على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل) من السماء (جنودا لم تروها) يعني الملائكة قال البغوى قيل لا للقتال ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين لانه يروي ان الملائكة لم تقاتل الا يوم بدر انتهى ومر الكلام في ذلك في غزوة أحد (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالقتل والاسر وسبي العيال وسلب الاموال (وَذلِكَ) التعذيب (جَزاءُ الْكافِرِينَ) بالله ورسوله (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ) فيهديه للاسلام (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال سعيد بن جبير) كما نقله البغوى في التفسير (مسومين) بفتح الواو وكسرها كما مر في غزوة بدر قال البغوي وفي الخبران رجلا من بنى النصر قال للمؤمنين بعد القتال اين الخيل البلق والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم الا كهيئة الشامة وما كان قتلنا الا بأيديهم فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فقال تلك الملائكة (لتحبين الكفار) أى نخذيلهم (وتشجيع المسلمين) أي تجرئتهم (وروي) في كتب السير (شمت) بفتح المعجمة وكسر الميم والشماتة فرح العدو بمصيبة ضده (انجفلوا بالناس) بهمز وصل وسكون النون وفتح الجيم والفاء أى هربوا بسرعة (كلدة) بفتح الكاف واللام والمهملة (ابن حنبل) بفتح المهملة والموحدة وسكون النون بينهما (فقال له أخوه) من أمه (فض الله فاك) أى كسر أسنانك (لان يربني) بضم الراء وتشديد الموحدة أى يتولى على (قال الزهري وبلغني ان شيبة بن عثمان الى آخره) أخرجه أبو بكر أحمد بن أبى خيثمة في تاريخه من حديث شيبة (فالتفت الى) فيه معجزة ظاهرة له ﷺ حيث اطلع على ما في نفسه وفي حديث ابن أبي خيثمة قال فلما هممت به حال بيني وبينه خندق من نار وسور من حديد فالتفت الى آخره (فارعدت) مبنى للمفعول (فرائصى) جمع فريصة

стр. 422

نفسي* وروينا في الصحيحين واللفظ للبخاري عن ابي قتادة ﵁ قال لما كان يوم حنين نظرت الى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله فأسرعت الى الذي من ورائه يختله فرفع يده ليضربني فضربت يده فقطعتها ثم أخذنى فضمنى اليه ضما شديدا حتى تخوفت ثم برك فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فاذا عمر بن الخطاب في الناس فقلت له ما شأن الناس فقال أمر الله ثم تراجع الناس الى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه فقمت لا لتمس بينة على قتيلي فلم أر أحدا يشهد لى وجلست ثم بدا لى فذكرت أمره لرسول الله ﷺ فقال رجل من جلسائه سلاح هذا القتيل الذي يذكره عندي فأرضه منه فقال أبو بكر لاها الله اذن لا تعطه أصيبع من قريش وتدع أسدا بالفاء والراء والمهملة مكبرة وهي لحمة بين الثدي والكتف ترعد عند الفزع (وروينا في) الموطا و (الصحيحين) وسنن أبي داود والترمذي (عن أبي قتادة) اسمه الحارث بن ربعى كما مر ورواه أيضا أحمد وأبو داود عن أنس ورواه أحمد وابن ماجه عن سمرة (لما كان يوم حنين) بالنصب والرفع (يختله من ورائه) بفتح أوله وسكون المعجمة وكسر الفوقية أي يريد ان يأخذه على غفلة (فضمنى اليه ضما شديدا) زاد مسلم حتى وجدت ريح الموت (ثم برك) بالموحدة للاكثر ولبعضهم بالفوقية (فتحلل) بالمهملة أى انفك مني (فقال أمر الله) أى حكمه وقضاؤه (على قتيل) وللبيهقى في السنن على أسير (فله سلبه) قال العلماء يستحق القاتل ولو ناقصا ومثله من أزال منعته حال الحرب وكذا الاسير جميع السلب من سلاح معه كسيف ورمح ودرع ومغفر وما عليه للزينة كطوق وسوار ومنقطة وخاتم وفرسه أيضا وكذا نفقته ونفقة مركوبه وما عليه من سرج ولجام ومقود وغيرها والجنيبة لانه قد يحتاج اليها ويستحق من الجنائب واحدة واما الحقيبة وهي بفتح المهملة وكسر القاف الوعاء الذي يجمع فيه المتاع ويجعل خلف الراكب فليست من السلب على اشكال فيها وقد اختار السبكي وغيره دخولها (فقال رجل من جلسائه) قال ابن حجر لم يسم الا انه قرشى وعند الواقدي انه أوس بن خزاعي الاسلمي (فارضه منه) بقطع الهمزة وكسر المعجمة وفي بعض نسخ البخاري فارض منه (فقال أبو بكر) ولاحمد فقال عمر وجمع بأن كلا قال (لاها الله اذن) قال الخطابي صوابه لاها الله ذا بغير الف زادها فيه بمعنى الواو التي يقسم بها فهو بمعنى لا والله ذا معناه لاها الله ذا بمعنى أو ذا قسمى قاله المازنى أو هي زائدة قاله أبو زيد وها بالقصر والمد وهي جارة كالواو ولا يقال ها والله بجمعهما وأنكر الطيبي قول الخطابي وقال بل الرواية صحيحة ومعناها والله اذا لا أفعل قال ويحتمل ان اذا زائدة وقال القرطبي اذن هنا حرف جواب وقد وردت كذلك في عدة من الاحاديث أفيظن بوارد الرواة جميعها الغلط والتحريف معاذ الله قال النووي في هذا الحديث دليل على ان هذه اللفظة تكون يمينا قال أصحابنا ان نوى بها اليمين كانت يمينا والا فلا لانها ليست متعارفة في اليمين (لا تعطه) نهى (اصيبع) رواية القابسي في صحيح

стр. 423

من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فقام رسول الله ﷺ فأداه الي فاشتريت به خرافا فكان أوّل مال تأثلته في الاسلام* وروينا في صحيح مسلم عن سلمة بن الاكوع قال غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فاعلوا ثنية قاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتواري عني فما دريت ما صنع فنظرت الى القوم فاذاهم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقواهم وصحابة رسول الله ﷺ فولى صحابة النبي ﷺ وأرجع منهزما وعلى بردتان متزرا بأحداهما مرتديا بالأخرى فاستطلق أن أرى فجمعتهما جمعا ومررت على رسول الله ﷺ منهما وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله ﷺ لقد رأى ابن الاكوع فزعا فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم انسانا الا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين* [مطلب في ذكر من ثبت مع رسول الله يوم حنين] وممن ثبت يومئذ مع البخاري والسمرقندي في صحيح مسلم باهمال الصاد واعجام العين قال النووى وصفه بذلك لتغير لونه وقيل حقره وذمه لسواد لونه وقيل معناه انه صاحب لون غير محمود وقيل وصفه بالمهانة والضعف قال الخطابي الاصيبغ نوع من الطين قال ويجوز انه شبهه بنبات ضعيف يقال له الصغا أو ما يطلع من الارض ويكون ما يلى الشمس منه أصفر ورواية غيرهما باعجام الصاد واهمال العين وهو تصغير ضبع على غير قياس كأنه لما وصف أبا قتادة بأنه أسد صغر هذا بالاضافة اليه فشبه بالضبع لضعف افتراسها وما يوصف به من العجز والحمق وفيه رواية ثالثة ذكرها بعض شراح البخاري وهى اهمال الصاد والعين معا فان صحت فمعناه انه شبهه بالاصبع الصغيرة لقصره وضعفه (من أسد الله) بضم الهمزة مع ضم السين واسكانها (خرافا) بكسر المعجمة وفي رواية في الصحيحين وغيرهما مخرفا بفتح الميم والراء وروي بكسر الراء وهي البستان وقيل السكة من النخل يكون صفين يخترف من أيهما شاء وقيل هى الجنينة الصغيرة وقيل هي نخلات يسيرة قال النووي وأما المخرف بكسر الميم وفتح الراء فهو الوعاء الذي يجعل فيه ما يخترف من الثمار أي يجتني (فكان أوّل) بنصب أوّل على الخبر واسم كان مضمر فيها (تأثلته) بمثلثة بين مثناتين فوقيتين أى أفنيته وتأصلته واثلة الشيء أصله (ومررت على رسول الله ﷺ حال كونى (منهزما) لا حال كونه ﷺ اذ لا يجوز عليه الانهزام (شاهت الوجوه) قبحت يومئذ كما مر في غزوة بدر (فما خلق الله منهم انسانا الى آخره) جملة من عدهم المصنف ثمانية ونقل البغوي عن الكلبي ان الذين ثبتوا يومئذ ثلاثمائة قال وقال آخرون لم يبق مع النبي ﷺ غير العباس بن عبد المطلب

стр. 424

رسول الله ﷺ من أهل بيته علي بن أبى طالب والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وأيمن ابن أم أيمن أخو أسامة بن زيد* ومن رؤساء المهاجرين أبو بكر وعمر ﵃ أجمعين قال ابن اسحق فلما هزمت هوازن استجر القتل من ثقيف في بني مالك فقتل منهم تحت رايتهم سبعون رجلا وتفرق المشركون في الهزيمة فلحق عوف بن مالك في آخرين بالطائف وتركوا أولادهم وأموالهم واحتبس كثير منهم بأوطاس على أموالهم وتوجه بعضهم نحو نخلة وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك في نخله ولم تتبع من سلك الثنايا فأدرك ربيعة بن رفيع السلمى دريد بن الصمة وهو في شجار له فأناخ به ثم ضربه فلم تغن شيئا فقال بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل ثم أضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فاني كنت كذلك أضرب الرجال ثم اذا أتيت أمك فاخبرها اني قتلت دريد فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك ويقال انه أنشد حين تحقق الهزيمة: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وما أنا الا من غزية إن غوت ... غويت وان ترشد غزية أرشد [الكلام على غزوة أوطاس ومقتل أبي عامر الأشعري رضى الله عنه] «غزوة أوطاس» ثم ان النبى ﷺ أمّر ابا عامر الاشعري على جيش من المسلمين وبعثه في آثار من توجه قبل أوطاس فأدرك بعض من انهزم فناوشوه القتال فقتل أبو عامر وأخذ الراية بعده ابن أخيه أبو موسى الاشعري ﵁ ففتح الله عليه وقتل قاتل أبى عامر وهزمهم وغنم أموالهم. روينا في صحيح البخاري عن أبي موسى الاشعري رضي الله وأبي سفيان بن الحارث وأيمن ابن أم أيمن (استجر القتل) بالجيم أي انجر (ربيعة بن رفيع) بالتصغير ابن أهبان بن ثعلبة (سلمى) بضم السين (في شجار له) بكسر المعجمة قال الحريري هي المحفة ما لم تكن مظللة والا فهى هودج (بئسما سلحتك) أي أعطتك من السلاح (من مؤخر الرحل) بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء ويقال بفتح الهمزة والخاء المشددة ويقال موخرة بالهاء آخره وهي العود الذي في آخر الرحل (أمرتهم أمري) باشباع ضمة الميم (بمنعرج اللوى) بكسر الراء أي منعطفه (الا من غزية) بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية (غوت) بكسر الواو في الماضي وفتحها في المضارع* غزوة أوطاس وهو واد في ديار هوازن (أبا عامر الاشعري) اسمه عبيد بالتصغير (قبل) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة (أوطاس) لا ينصرف (فناوشوه القتال) بالنون والمعجمة قال في القاموس المناوشة المنازلة في القتال (وقيل) أي أبو موسى (قاتل) بالنصب (روينا في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وسنن الترمذي (لما رمى)

стр. 425

عنه قال لما رمي أبو عامر قلت يا عم من رماك فأشار اليّ أبي موسى قال ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته فلما رآنى ولى مدبرا فأتبعته وجعلت أقول له ألا تستحيي الا تثبت فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبى عامر قتل الله صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء قال يابن أخي أبلغ النبي ﷺ السلام وقل له أستغفر لى واستخلفنى أبو عامر على الناس فمكث يسيرا ثم مات فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وما عليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبى عامر وقوله قل له استغفر لى فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال اللهم اغفر لعبيدك أبي عامر ورأيت بياض ابطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك مبنى للمفعول (ذاك قاتلى الذي رماني) قال ابن اسحاق في المغازي يزعمون ان سلمة بن دريد بن الصمة هو الذي رمى أبا عامر وقال ابن هشام حدثني من أثق به ان الرامي له العلاء بن الحارث الجشمى وأخوه أو في فأصاب أحدهما قلبه وآخر ركبته فقتلاه فقتلهما أبو موسى فرثاهما بعضهم بأبيات منهما * هما القاتلان أبا عامر* (فنزعته) قال المهلب فيه جواز نزع السهام من البدن وان خيف من نزعها الموت قلت ولا يخلو من نظر (فنزا منه الماء) بالنون والزاي أى صب وظهر وارتفع وجرى ولم ينقطع (على سرير مرمل) بضم الميم الاولى وفتح الثانية وسكون الراء بلا تشديد وبفتح الراء مع التشديد أي معمول برمال وهي الحبال التى يضفر بها الاسرة يقال منه أرملته فهو مرمل ورملته بالتشديد فهو مرمل قال النووي وحكى رملته فهو مرمول (عليه فراش) قال القابسى الذي أحفظه في غير الصحيحين ما عليه فراش قال وأظن لفظة ما سقطت لبعض الرواة وتابعه عياض وغيره على ذلك قالوا وقد جاء في حديث عمر في تخيير النبي ﷺ أزواجه على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه هذا ملخص ما نقله النووى قلت ومعلوم ان رواية أثبات الفراش ان صحت لا ينافي نفيه في حديث عمر ولا ينافي تأثير الرمال بالجنب اذ ربما أثرت مع الفراش لعدم ثخانته (رمال) بكسر الراء وضمها (بظهره وجنبه) فيه قوة زهده ﷺ في الدنيا وعدم اتباع ملاذها وشهواتها (فدعا بماء فتوضأ) فيه ندب الوضوء للدعاء كما في حديث جريج وحديث الاعمى الذى جاء الى النبي ﷺ فقال ادع الله ان يعافيني ففيه فأمره ان يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو (ثم يرفع يديه) فيه ندب رفع اليدين في الدعاء والمبالغة في رفعها ومر في الاستسقاء الكلام على نفى أنس له قال النووى قد ثبت الرفع في مواطن كثيرة فوق ثلاثين موطنا قلت منها يوم بدر وفي الاستسقاء وفي هذا الحديث وفي حديث أبي حميد الساعدى في الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي قال استعمل النبي ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية؟؟؟ الى ان قال فرفع يديه حتى رأينا عفرة ابطيه وقال اللهم هل بلغت ثلاثا وفي حديث الدعاء لدوس كما رواه أبو عوانة في مسنده الصحيح وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة وفي حديث خالد اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد
следующие страницы →