مقالة السوء الى أهلها ... أسرع من منحد رسائل
ومن دعا الناس الى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
[مطلب في الكلام على قصة محلم بن جثامة الليثى وخبرها]
ومن النوازل في سفر الفتح قصة محلم بن جثامة الليثى وخبرها ان النبى ﷺ قد كان بعث عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى في جيش فلما كانوا ببطن إضم مر بهم عامر بن الاسبط الاشجعي فسلم عليهم فكف القوم عنه فحمل عليه محلم فقتله لعداوة كانت بينهما وذلك قبل الفتح فلما قدموا على النبي ﷺ وأخبروه عظم ذلك عليه ونزل في ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً الآية فلما فرغ رسول الله ﷺ من حنين جاءه عيينة بن حصن يطلب القود من محلم لكونه يومئذ رئيس غطفان وجاءه الاقرع بن حابس يدافع عن محلم لكونه وإياه من خندف فاختصما في ذلك وجعل ﷺ يشير بالدية فقال عيينة والله لا أدعه حتي أذيق نساءه من الحر ما أذاق نسائى فقام رجل يقال له مكيتل أو مكيتر فقال يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل مثلا في غرة الاسلام الا كغنم وردت فرمت أولاها فنفرت أخراها أسنن اليوم وغير عدا فرفع النبي ﷺ يده وقال بل يأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين اذا رجعنا فقبلوا فقام محلم فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال له رسول الله ﷺ أمنته بالله ثم قتلته ثم رفع رسول الله صلى الله عليه (مقالة السوء الى أهلها الى آخره) هو رابع بيت من قصيدة له أولها
ان كنت لا ترهب ذمي لما ... تعرف من صفحى عن الجاهل
فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل
فالسامع الذم شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل
قصة محلم بن جثامة وهو بضم الميم وفتح المهملة وكسر اللام المشددة وجثامة بفتح الجيم وتشديد المثلثة وهو أخو الصعب بن جثامة قال السهيلي مات في حمص أيام ابن الزبير انتهي ويرده سياق القصة (ابن أبى حدرد) بحاء مهملة مفتوحة فدالين مهملتين الاولى ساكنة بينهما راء مفتوحة مصروف (ببطن إضم) بكسر الهمزة وفتح المعجمة وتخفيف الميم واد بين مكة واليمامة (ابن الاضبط) باعجام الضاد واهمال الطاء بينهما موحدة (رئيس غطفان) بالنصب خبر كان وغطفان بفتح المعجمة والمهملة والفاء (خندف بكسر) المعجمة وسكون النون وكسر المهملة وفتحهما كما مر (من الحر) بالمهملة والراء أى الحرقة وهى المصيبة (مكيتل أو مكيتر) بتقديم التحتية على الفوقية مصغرا ويكبر كالاول الا ان فيه ابدال اللام (في غرة الاسلام) بضم المعجمة وتشديد الراء أي في الاسلام والغرة صلة (اسنن) أمر من السنن (وغير) أمر من التغيير
стр. 457
وسلم يديه وقال اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ثلاثا فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه فمكث بعدها سبعا ومات فدفنوه ثلاث مرات فلم تقبله الارض فألقوه بين جبلين فلما بلغ النبي ﷺ خبره قال ان الارض لتقبل من أشر منه ولكن الله أراد ان يعظكم به في جرم ما بينكم بما أراكم منه رواه ابن اسحق وأبو داود وابن عبد البر وتفاوتت ألفاظهم فيه وروي كثير من المفسرين في سبب نزول الآية غير هذا ولا خلاف ان الذي لفظته الارض محلم بن جثامة والله أعلم* وفي هذه السنة ولد ابراهيم بن محمد ﷺ وكان مولده في ذي الحجة مرجع أبيه من سفر الفتح وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله ﷺ وأمه مارية بنت شمعون القبطية من هدايا المقوقس واسترضع عند أبي سيف (اللهم لا تغفر لمحلم) انما دعا عليه النبي ﷺ زجرا وتنكيلا له ولغيره عن الجرأة على اراقة الدماء ولا يلزم من الدعاء عليه بعدم المغفرة عدم كونه مسلما ولا صحابيا لان عدمها انما يقتضى التعذيب على ذلك الذنب الصادر منه ثم ربما كان في الدنيا والآخرة وربما كان في أحداهما فقط وكان تعذيب محلم عدم قبول الارض له ولا يلزم من ذلك نفي صحبته وعدالته اذ قرينة الحال دالة على انه جاء تائبا (فمكث) مثلث الكاف والضم والفتح أشهر (بعدها) أى بعد هذه القصة قال في الشفاء كان مكثه (سبعا) أي سبعة أيام وهذا يرد ما مر آنفا عن السهيلي ثلاث مرات وفي الشفاء مرات بعد ذكر ثلاث (بين جبلين) وفي الشفاء بين صدين بضم الصاد وفتحها وتشديد الدال المهملتين والصد جانب الوادى (في جرم) بضم الجيم وسكون الراء (رواه) محمد (ابن اسحق) فى السيرة (وأبو داود) في السنن (و) ساق ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن عباس رضى الله عنهما (وروي كثير من المفسرين في سبب نزول الآية غير هذا) وهو انها انما نزلت في شأن اسامة بن زيد حين قتل مرداس بن نهيك بعد ان قال لا اله الا الله محمد رسول وقصته مشهورة أو فى نفر من أصحاب النبى ﷺ مر عليهم رجل من بنى سليم معه غنم فسلم عليهم فقالوا ما سلم عليكم الا ليتعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه وأتوا بها رسول الله ﷺ فانزل الله الآية رواه الشيخان وأبو داود والترمذى عن ابن عباس (لفظته) بكسر الفاء أي أخرجته* تاريخ ولادة ابراهيم ابن رسول الله ﷺ (وكان مولده في) يوم الاربعاء آخر يوم من (ذي الحجة) بكسر الحاء أشهر من فتحها كما مر (وكانت قابلته) بالفتح خبر كان و (سلمى) اسمها ويجوز عكسه وسلمى بفتح السين المهملة وسكون اللام بلا خلاف (مولاة رسول الله ﷺ وقيل مولاة صفية عمته وهي زوجة أبي رافع وداية فاطمة الزهراء (مارية) بوزن حارثة (بنت شمعون) بفتح المعجمة وسكون الميم وضم المهملة (القبطية) نسبة الي القبط (المقوقس) بضم الميم وفتح القاف الاولى وكسر الثانية بينهما واو ساكنة كما مر (واسترضع) مبني للمفعول فيه كما قال النووي جواز الاسترضاع (أبي سيف) اسمه البراء بن أوس
стр. 458
القين وامرأته أم سيف وكان النبي ﷺ يذهب اليه فيزوره عنده وفي الصحيح ان النبي ﷺ قال ولد لى الليلة ولد فسميته باسم أبى ابراهيم وانه دخل عليه في مرضه فوجده يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله فقال يا ابن عوف انها رحمة ثم اتبعها بأخرى فقال ان العين يدمع والقلب يحزن ولا نقول الا ما يرضى ربنا وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزون وكان عمره سبعين ليلة (القين) بفتح القاف وسكون التحتية ثم نون الحداد (و) عند (امرأته أم سيف) اسمها خولة بنت المنذر (وكان يذهب اليه فيزوره عنده) كما روى مسلم عن أنس قال ما رأيت أحدا كان ارحم بالعيال من رسول الله ﷺ كان ابراهيم مسترضعا له في عوالى المدينة فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وانه ليدخلن وكان ظئره قينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع انتهي قال النووي فيه استتباع العالم والكبير بعض أصحابه اذا ذهب الى منزل قوم ونحوه وفيه الادب مع الكبار وفيه بيان كريم خلقه ﷺ ورحمته للعيال وفيه فضيلة رحمة العيال والاطفال وتقبيلهم (وورد في الحديث الصحيح) فى مسند أحمد والصحيحين وسنن أبى داود عن أنس (ولد) فى بعض الروايات غلام (فسميته باسم أبي ابراهيم) ففيه كما قال النووى جواز تسمية المولود يوم ولادته وجواز تسميته بأسماء الانبياء وانما سماه باسم ابراهيم مع ان التسمية بعبد الله وعبد الرحمن ونحوهما أفضل احياء لاسم ابراهيم بأمر من الله ويرشد الى ذلك قوله باسم ابراهيم ولم يقل فسميته ابراهيم (يجود بنفسه) أى يخرجها ويدفعها كما يجود الانسان بماله ولمسلم يقيد بنفسه بفتح الياء وكسر القاف وهو بمعناه (تذرفان) بفتح الفوقية وسكون المعجمة وكسر الراء أى يجري دمعهما ولمسلم فدمعت عينا رسول الله ﷺ ففيه جواز البكاء على المريض والحزن وان ذلك لا ينافي الرضى بالقدر بل رحمة جعلها الله في قلوب عباده وانما المحرم الندب ونحوه من القول الباطل ومن ثم قال رسول الله ﷺ ولا نقول الا ما يرضى ربنا (وأنت يا رسول الله) قال في التوشيح معطوف على مقدر في المعنى أي الناس لا يصبرون وأنت تفعل كفعلهم ولابن سعد عن عبد الرحمن بن عوف فقلت يا رسول الله تبكى أو لم تنه عن البكاء فقال انما نهيت عن صوتين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان انما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم وله عن محمود بن لبيد انما أنا بشر وعن عبد الرزاق من مرسل مكحول انما انه الناس عن النياحة ان يندب الرجل بما ليس فيه (ثم اتبعها) أى اتبع الدمعة الاولى (باخرى) وقيل اتبع الكلمة بكلمة أخري (فقال ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول الاما) أي الذى (يرضي ربنا وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزون) ولمسلم والله يا ابراهيم انا بك لمحزونون زاد ابن سعد في الطبقات لولا انه أمر حق ووعد صدق وسبيل مأتية وان آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا (وكان عمره سبعين ليلة) كما في سنن أبي داود لان وفاته كانت يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الاول كما مر عن الواقدي
стр. 459
وقيل سبعة أشهر وقيل ثمانية عشر شهرا وقال ﷺ ان له مرضعا في الجنة وكسفت الشمس يوم مات فقال الناس كسفت لموت ابراهيم فنهاهما النبى ﷺ عن ذلك وقال ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته.
والزبير ابن بكار في الكسوف (وقيل) ستة عشر شهرا وقيل (سبعة أشهر) صوابه سبعة عشر شهرا واقتصر على ذلك النووي في شرح مسلم (وقيل ثمانية عشر شهرا) وقال ابن حزم سنتان الاشهرين (وقال النبي ﷺ ان له مرضعا) وفي رواية ظئران تكملان رضاعه (في الجنة) رواه مسلم عن أنس والظئر بكسر المعجمة وسكون الهمزة وراء هي المرضع ولد غيرها ويسمى زوجها ظئرا أيضا ويكون هذا الاتمام عقب موته نقله النووى عن صاحب التحرير فيدخل الجنة متصلا بموته فيتم بها رضاعه كرامة له ولابيه صلي الله عليه وسلم وظاهر هذا الكلام أنها خصوصية لابرهيم قال في الديباج وقد أخرج ابن أبى الدنيا في العزاء من حديث ابن عمر مرفوعا كل مولود يولد في الاسلام فهو في الجنة شبعان ريان يقول يا رب أورد على ابوى وأخرج ابن أبي الدنيا وابن ابى حاتم في تفسيره عن خالد بن معدان قال ان في الجنة لشجرة يقال لها طوبي كلها ضروع فمن مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى وحاضنهم ابراهيم خليل الرحمن وأخرج ابن أبى الدنيا عن عبيد بن عمير قال ان في الجنة لشجرة لها ضروع البقر يغذى منها ولدان أهل الجنة فهذه الاحاديث عامة في اولاد المؤمنين ويمكن أن يقال وجه الخصوصية في السيد ابرهيم كونه له ظئران اي مرضعان من خلقة الآدميات اما من الحور العين أو غيرهن وذلك خاص به فان رضاع سائر الاطفال انما يكون من صروع شجرة طوبي ولا شك ان الذى للسيد ابراهيم اكمل وأتم واشرف واحسن وآنس فان الذى يرضع من مرضعتين يكرمانه ويربيانه ويؤنسانه ويخدمانه ليس كالذى يرضع مرضع شجرة او ضرع بقرة ويمكن ان يكون له خصوصية أخرى وهو ان يدخل الجنة عقب الموت بجسده وروحه ويرضع بهما معا وسائر الاطفال انما يرضعون عقب الموت في الجنة بأرواحهم لا بأجسادهم فتنزل كلام صاحب التحرير على هذا وقد نص على ما يؤخذ منه ذلك البيهقي في كتاب عذاب القبر (وكسفت الشمس الى آخره) مضي الكلام عليه في الكسوف (فائدة) الحكم في موت ابرهيم وسائر ولد النبي الذكور في حياته ﷺ ما رواه الماوردى عن أنس وابن عساكر عن جابر وابن عباس وابن ابى اوفي عنه صلي الله عليه وسلم قال لو عاش ابراهيم لكان صديقا نبيا وروى ابن سعد عن مكحول مرسل لو عاش ابراهيم مارق له خال وروي أيضا عن الزهرى مرسلا لو عاش ابراهيم لوضعت الجزية عن كل قبطى.
تم بتوفيق الله وعونه طبع الجزء الاول من كتاب بهجة المحافل وشرحه ويتلوه الجزء الثاني وأوله فصل اذكر فيه شيئا من السرايا والبعوث الخ وكان ذلك في أواخر شهر شوال سنة ١٣٣٠ هجرية وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 460
الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[تتمة القسم الأول في تلخيص سيرته]
[تتمة الباب الرابع في هجرته ﷺ وما بعدها إلى وفاته]
[فصل في السرايا والبعوث التي جهل زمنها وكان ذلك قبل الفتح]
(فصل) اذكر فيه شيأ من السرايا والبعوث مما جهل موضعه من الزمان وعلم بأدنى قرينة وقوعه قبل الفتح حرصا على تمام الفائدة ولئلا يشذ شىء منها من كتابنا والله ولى التوفيق* من ذلك ما روينا فى صحيح البخاري عن أبى هريرة قال بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن اثال فربطوه بسارية من سوارى المسجد فخرج اليه النبى ﷺ فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي خير (فصل) اذكر فيه شيأ من السرايا والبعوث (لئلايشذ) بالمعجمتين يخرج (في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وسنن أبي داود (خيلا) أي فرسانا (ثمامة) بضم المثلثة (بن أثال) بضم الهمزة وبعدها مثلثة خفيفة وهو مصروف (من سواري المسجد) فيه جواز ربط الاسير وحبسه وجواز ادخال الكافر المسجد وقال عمر ابن عبد العزيز وقتادة ومالك لا يجوز لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ونحن نقول ان ذلك خاص بالمسجد الحرام (ما عندك ياثمامة) في الحديث انه كرر ذلك ثلاث مرات ففيه تأليف القلوب وملاطفة من يرجي اسلامه من الاشراف الذين يتبعهم على الاسلام خلق كثيرون قاله النووي
стр. 461
يا محمد ان تقتل تقتل ذا دم وان تنعم تنعم على شاكر وان كنت تريد المال فسل منه ما شئت فتركه حتى كان الغد ثم قال ما عندك يا ثمامة فقال عندى ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى اذا كان بعد الغد فقال له ما عندك يا ثمامة قال عندي ما قلت لك قال اطلقوا ثمامة فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله والله يا محمد ما كان على وجه الارض وجه أبغض الىّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه اليّ والله ما كان دين أبغض الىّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين الىّ والله ما كان من بلد ابغض الىّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد اليّ وان خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره النبى ﵌ وأمره ان يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل صبوت قال بلى ولكن أسلمت مع محمد ﵌ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتي يأذن فيها رسول الله ﷺ وكان ثمامة هذا من رؤساء (ان تقتل) وفي رواية لمسلم ان تقتلنى (تقتل ذادم) بالمهملة وتخفيف الميم قيل معناه صاحب دم خطير لدمه وقع يستشفى قاتله بقتله ويدرك ثاره أي لكونه رئيسا فاضلا وقيل معناه من عليه دم هو مطلوب به ومستحق عليه فلا عتب عليك في قتله قال عياض ورواه بعضهم فى سنن أبى داود وغيره ذاذم بالمعجمة وتشديد الميم وهي رواية الكشميهنى في البخاري أي ذاذمام وحرمة في قومه ومن اذا عقد ذمة وفي بها قال وهذه الرواية ضعيفة لانها نقلت المعنى فان من له حرمة لا يستوجب القتل انتهى وقال النووي يمكن تصحيحها ويحمل على معنى التفسير الاول أى تقتل رجلا جليلا يحتفل به قاتله لفضله بخلاف ما اذا قتل ضعيفا مهينا فانه لا فضيلة في قتله ولا يدرك به قاتله ثاره (اطلقوا ثمامة) وكان ذلك بعد ان قال أكلة من جزور أحب الى من دم ثمامة ذكره السهيلي وفيه جواز المن على الاسير وهو ما ذهب اليه جمهور العلماء (فانطلق الى نخل) بالمعجمة ولابي الوقت فى صحيح البخاري بالجيم والنجل الماء القليل النابع (فاغتسل) فيه غسل الكافر اذا أسلم وهو واجب ان كان قد أجنب في الشرك وان اغتسل فيه لعدم صحة نيته وقال بعض أصحابنا يكفيه الغسل حال الشرك وقال بعضهم وبعض المالكية لا غسل واجب على الكافر وان كان قد أجنب بل يسقط كالذنوب وخص هذا بالوضوء فانه يجب اجماعا وان لم يكن أجنب حال الشرك فالغسل مستحب وينوي به الغسل للاسلام قال أحمد واخرون بوجوبه ويحل الغسل بعد الاسلام وأما قوله فى قصة ثمامة (ثم دخل المسجد فقال الي آخره) أى المقتضي ان الغسل تقدم الاسلام فأجابوا عنه بانه أسلم قبل الغسل ثم ذهب فاغتسل ثم جاء فأعلنه (فبشره رسول الله ﷺ قال النووي أي بما حصل له من الخير العظيم بالاسلام وان الاسلام يهدم ما كان قبله (ثم أمره) أمر استحباب (أن يعتمر) أى ليراغم أهل مكة ويغيظهم بذلك (قال له قائل صبوت) هي لغة فصيحة في صبأت وفي هذا وما بعده القرينة التي أشار اليها المصنف الدالة على ان مكة يومئذ لم تفتح والا لما قال له القائل
стр. 462
بنى حنيفة. وروى انه لما جاؤا به أسيرا قال لهم النبي ﷺ أتدرون من أسرتم هذا تمامة بن اثال احسنوا إساره وهو أول من دخل مكة ملبيا بالتوحيد وفي ذلك يقول شاعر بني حنيفة مفتخرا
ومنا الذي لبي بمكة معلنا ... برغم أبي سفيان في الاشهر الحرم
ولما توفى النبي ﷺ وارتد بنو حنيفة قام فيهم مقاما حميدا وأطاعه منهم ثلاثة آلاف فانحاز بهم الى المسلمين. وذكر بعضهم ان أمير هذه السرية التي اسرت ثمامة العباس بن عبد المطلب رضى الله وذكر ابن اسحق أيضا ان ثمامة هذا هو الذي قال فيه النبي ﷺ المؤمن يأكل في معا واحد والكافر في سبعة أمعاء ولا يستقيم شىء من ذلك والله أعلم. ومن ذلك سرية غالب بن عبد الله الليثي بعثه النبي ﷺ في جيش صبوت ولا قال ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة (بنى حنيفة) قال في التوشيح قبيلة كبيرة تنزل اليمامة (قام فيهم مقاما حميدا) قال السهيلي وذلك انه قام فيهم خطيبا وقال يا بنى حنيفة أين عزبت قلوبكم بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب أين هذا من يا ضفدع نقى كم تنقين لا الشراب تكدرين ولا الماء تمنعين مما كان يهذي به مسيلمة (فأطاعه منهم ثلاثة آلاف فانحاز بهم الى المسلمين) ففت ذلك في أعضاد بنى حنيفة (وروي) في كتب السير (اتدرون من أسرتم) استفهام تعظيم له (احسنوا اساره) بكسر الهمزة أي أسره (برغم أبى سفيان) بفتح الراء وضمها أصله الصاق الانف بالرغام بفتح الراء وهو التراب (في الاشهر الحرام) بالوقف (وذكر ابن اسحق ان ثمامة هو الذي قال فيه النبي ﷺ الى آخره) وذلك بعد ان أضافه فشرب حلاب سبع شياه ثم أسلم من الغد فشرب حلاب شاة ولم يتم حلاب ثانية وقيل ان ذلك جهجاه الغفاري وقيل نضرة بن أبي نضرة الغفارى وفي الدلائل للبيهقى ان اسمه نضلة (المؤمن يأكل في معا واحد الى آخره) رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن ابن عمرو ورواه أحمد ومسلم عن جابر ورواه أحمد والشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة ورواه مسلم وابن ماجه عن أبي موسى ولاحمد ومسلم والترمذي في رواية المؤمن يشرب بدل يأكل والمعا بكسر الميم مقصور بوزن الرضى وهذا مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا فليس المراد حقيقة المعا ولا خصوص الاكل وقيل لانه يأكل الحلال وهو أقل من الحرام وقيل حض المؤمن على قلة الاكل اذ علم ان كثرته صفة الكافر فان نفس المؤمن تنفر من الانصاف بصفة الكافر وقيل خرج مخرج الغالب وقيل المراد بالمؤمن تام الايمان لكثرة فكره وشدة خوفه فيمنعانه من استيفاء شهوته كحديث من كثر فكره قل طعمه ومن قل فكره كثر طعمه وقيل لان المؤمن لا يشركه الشيطان لانه يسمى فيكفيه القليل (والكافر يأكل فى سبعة امعاء) مثل لحرص الكافر وشدة رغبته في الدنيا وقيل لان الكافر يأكل الحرام
стр. 463
وامره ان يشن الغارة على بنى الملوح وهم بالكديد فبيتوهم ليلا وقتلوا من قتلوا واستاقوا نعمهم فلما أصبحوا اغاروا خلفهم فلما أدركوهم جاء وادي قديد بسيل عظيم فحال بينهم وبينهم فانطلقوا على مهلهم حتى قدموا على النبي ﷺ * ومن ذلك غزوة عبد الله بن رواحة لقتل اليسير بن رزام وكان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله ﷺ فبعث اليه رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله ابن أنيس فلما قدموا عليه قربوا له القول ووعدوه ان يستعمله رسول الله ﷺ فخرج معهم فلما كانوا بالقرقرة ندم ففطن له عبد الله بن انيس وهو يريد السيف فاقتحم به وكان رديفه ثم ضربه بالسيف فقطع رجليه وضربه اليسير في رأسه فأمه ثم مالوا على أصحابه من اليهود فقتلوهم الا رجلا فر على رجليه فلما قدموا على رسول الله ﷺ تفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح* ومن ذلك غزوة عبد الله بن أنيس لقتل خالد بن سفيان وهو أكثر من الحلال وقيل ان كثرة الاكل من صفات الكافر يدل عليه قوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وقيل المراد شخص بعينه كما مر فاللام عهدية وقيل خرج مخرج الغالب وحقيقة السبعة غير مرادة وقيل ان الشيطان يشركه لعدم تسميته قال النووي المختار ان المرادان بعض المؤمنين يأكلون في معا واحد وان أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء ولا يلزم ان يكون كل من السبعة مثل معا المؤمن ويدل على تفاوت الامعاء ما ذكره عياض عن أهل الطب ان أمعاء الانسان سبعة المعدة ثم ثلثة أمعاء متصلة بها الثواب ثم القائم ثم الرقيق والثلثة دقاق ثم اعورو القولون والمستقيم وكلها غلاظ فيكون المعنى ان الكافر لا يشبعه الاملء تلك الامعاء السبعة والمؤمن يشبعه ملء واحد قال النووي وقيل المراد بالسبعة سبع صفات الحرص والشره وطول الامل والطمع والحسد وسوء الطبع والسمن وبالواحد من المؤمن سدخلته* سرية عبد الله بن غالب الليثي (ان يشن) بالمعجمة يفرق (بني الملوح) بضم الميم وفتح اللام وفتح الواو المشددة ثم مهملة (وهم بالكديد) بفتح الكاف ومهملتين الاولى منهما مكسورة بينهما تحتية ساكنة ماء بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلا (وادي قديد) بالتصغير مر ذكره (على مهلهم) بفتح الميم والهاء والمهلة الهينة والسكون ويقال فيه مهلة بالهاء والفوقية والقرينة الدالة على كون هذه السرية قبل الفتح انها كانت بين مكة والمدينة ولم يبق بينهما بعد الفتح مشرك* غزوة عبد الله بن رواحة (اليسير) بالتحتية والمهملة مصغر (ابن رزام) بتقديم الراء على الزاي المخففة (ابن أنيس) بالنون والمهملة مصغر (بالقرقرة) بتكرير القاف والراء وهي قرقرة الكدر كما مر (ففطن) بكسر الطاء اشهر من فتحها (فاقتحم) بالقاف والفوقية وثب بسرعة (وكان) اسمها مستتر فيها أى اليسير (رديفه) خبرها (فأمه) بفتح الهمزة وتشديد الميم أي أصاب ام دماغه (وتفل) بالفوقية والفاء (فلم تقح) بفتح الفوقية وكسر القاف من اقاح الجرح صار فيه قيح ولعياض في
стр. 464
الهذلى وكان بنخلة يجمع الناس لغزو رسول الله ﷺ وكان عبد الله بن أنيس لا يعرفه فسأل النبي ﷺ تعريفه فقال انك اذا رأيته اذكرك الشيطان وآية ما بينك وبينه انك اذا رأيته وجدت له قشعريرة فلما انتهى اليه وجد العلامة التي قال له رسول الله ﷺ قال له جئتك حين سمعت بجمعك لهذا الرجل قال أجل انا في ذلك قال عبد الله فمشيت معه ساعة حتى اذا أمكنني حملت عليه بالسيف فقتلته فلما قدمت على رسول الله ﷺ فرآني قال أفلح الوجه ثم أدخلني بيته فأعطانى عصا فخرج بها عبد الله ثم رجع فقال يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا قال آية ما بيني وبينك يوم القيامة فصحبها عبد الله حتى مات وأمر بها أن تدفن معه وفى ذلك يقول عبد الله بن أنيس رضى الله عنه
تركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفري كل جيب مقدد
وقلت له خذها بضربة ماجد ... حنيف على دين النبي محمد
وكنت اذا هم النبى بكافر ... سبقت اليه باللسان وباليد
ومن ذلك غزوة عيينة بن حصن بني العنبر من تميم فأصاب منهم ناسا وسبي منهم سبيا ثم قدم بهم على رسول الله ﷺ فجاء بعد ذلك رجالهم يطلبون مفاداتهم وجعلوا الشفا فلم يمد بوزنه ومعناه والقرينة الدالة على كون هذه الغزوة قبل الفتح ان فتح مكة انما كان بعد خيبر وهذه قبل فتح خيبر. غزوة عبد الله بن أنيس (الشيطان) بالنصب مفعول (وآية ما بينك وبينه) أي علامة (قشعريرة) بتثليث القاف والفتح والضم أشهر وسكون المعجمة وفتح المهملة وكسر الراء الاولى وفتح الثانية بينهما تحتية ساكنة وهى تحرك الجلد وانقباضه من الفزع ونحوه (وأمر بها ان تدفن معه) فيه التبرك بآثار الصالحين (ابن ثور) بالمثلثة (كالحوار) بضم المهملة وتخفيف الواو ولد الناقة ما دام يرضع مشتق من الحور وهو الرجوع سمى بذلك لرجوعه الى أمه ونردده اليها (نولئح) جمع نائحة (تفرى) تقطع (ماجد) كريم (حنيف) مائل الى دين الاسلام والقرينة الدالة على ان هذه الغزوة قبل الفتح انه كان بنخلة ولم يبق بنخلة بعد الفتح مشرك (بنى العنبر) قبيلة (من تميم) على لفظ العنبر الذي فى البحر (وسبي منهم سبيا) وذلك لانهم هربوا وتركوا عيالهم لما علموا انه توجه اليهم كما في تفسير البغوي (فجاء بعد ذلك رجالهم) قال البغوي كان قدومهم المدينة وقت الظهيرة فوافقوا النبي ﷺ قائلا في أهله فلما رأتهم الذراري اجهشوا الى آبائهم أي تهيؤا للبكاء وكان لكل امرأة من نساء رسول الله ﷺ حجرة فعجلوا قبل ان يخرج اليهم
стр. 465
ينادون رسول الله ﷺ من خلف الحجاب يا محمد أخرج الينا وهم الذين نزل فيهم قول الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ثم خرج اليهم النبي ﷺ ففادى نصفهم وأعتق نصفهم وقال مقاتل في قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي كنت أعتقت جميعهم وذكر ابن اسحق فيمن قدم بسبب السبايا القعقاع بن معبد وقيس بن عاصم والاقرع بن حابس وفي ذلك قال الفرزدق
وعند رسول الله قام ابن حابس ... بخطة سوّار الى المجد حازم
له أطلق الاسرى التي فى حباله ... مغللة أعناقها في الشكائم
وروى البخارى في سياق هذه الغزاة عن عبد الله بن الزبير انه لما قدم ركب من بنى تميم فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال عمر بل أمر الاقرع بن حابس قال ابو بكر ما اردت الاخلافي قال عمر ما اردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت اصولتهما فنزل في ذلك قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» الآية والتى بعدها* ومن رسول الله ﷺ فجعلوا ينادون من خلف الحجر يا محمد اخرج الينا حتي ايقظوه من نومه فخرج اليهم فقالوا يا محمد فادنا عيالنا فنزل جبريل فقال ان الله تعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا فقال لهم رسول الله ﷺ أترضون أن يكون بينى وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم قالوا نعم قال سبرة لا أحكم بينهم الا وعمي شاهد وهو الاعور بن بشامة فرضوا به فقال الاعور أري ان تفادي نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله ﷺ قد رضيت ففادي نصفهم واعتق نصفهم (فانزل فيهم قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) وصفهم بالجهل وقلة العقل وقال قتادة نزلت في أناس من اعراب بني تميم جاؤا الى النبى ﷺ فنادوا على الباب (القعقاع) بفتح القافين وبتكرير المهملة الاولى ساكنة (ابن معبد) بالمهملتين والموحدة بوزن احمد وهو ابن زرارة (قال الفرزدق) بفتح الفاء والراء والمهملة وسكون الزاي آخره قاف الشاعر المشهور واسمه همام بن غالب بن صعصعة (بخطة) بضم المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة (سوار) بالمهملة وثاب وزنا ومعنى (حازم) بالمهملة والزاي (الاسرى) بفتح الهمزة وسكون السين جمع أسير لغة في الاسارى قرئ بها في القرآن (في حباله) بالمهملة والموحدة (مغللة أعناقها) أى جعل في أعناقها الغل بضم المعجمة (في الشكائم) وهى الحبال التي ربط بعضها ببعض (وروى) البخاري والترمذي والنسائى (أمر القعقاع) أمر من الامارة (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا) قرئ من التقديم وهو لازم بمعني التقدم وقرأ يعقوب لا تقدموا أي لا تتقدموا من التقدم قال ابو عبيد تقول العرب لا تقدم بين يدى الامام أي لا تعجل بالامر والنهى دونه* سرية زيد بن حارثة الى مدين وهي بفتح الميم والتحتية
стр. 466
ذلك سرية زيد بن حارثة الى مدين وما رواه عبد الله بن الحسن المثني عن أمه فاطمة بنت الحسين رضى الله عنهم قالت ان رسول الله صلي الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مدين فأصاب سبيا من أهل مينا وهي السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم فخرج النبي ﷺ وهم يبكون فقال ما لهم فقيل يا رسول الله فرق بينهم فقال ﷺ لا تبيعوهم الا جميعا يعني الاولاد والامهات قال ابو عبد الله البخاري
[باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات السنة التاسعة من الهجرة وتسمى سنة الوفود]
(باب) بعث النبى ﷺ اسامة بن زيد الى الحرقات من جهينة ثم روى بسنده عن اسامة قال بعثنا رسول الله ﷺ الى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الانصارى عنه وطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي يا أسامة اقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله فقلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت انى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم وذكر بعده غزوة الفتح ورواه مسلم أيضا وزاد قال قلت يا رسول الله انما قالها خوفا من السلاح فقال أفلا شققت وسكون المهملة بلدة على ثمانية أيام من مصر سميت باسم مدين ابراهيم (عبد الله بن الحسن المثني) بن الحسن بن علي بن أبي طالب (أمه فاطمة بنت الحسين) بن علي ومن ثم كان يسمي المحض أى الخالص (مينا) بكسر الميم وسكون التحتية ثم نون مقصور (جماع) بكسر الجيم أي جمع كبير (لا تبيعوهم الا جميعا) فيه حرمة التفريق بين الولد الذى لم يميز وبين أمه بنحو البيع ونقل ابن المنذر وغيره الاجماع على بطلان العقد لامتناع التسليم شرعا ففى مسند أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم عن أبي أيوب قال قال رسول الله ﷺ من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة حسنه الترمذي وصححه الحاكم وللطبرانى في الكبير عن معقل بن يسار من فرق فليس منا (الحرقات) بضم المهملة والراء بعدها قاف نسبة الى حرقة واسمه خميس بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جهينة (الى الحرقة) بضم الحاء والراء أيضا (فصبحنا) القوم بتشديد الموحدة جئناهم وقت الصباح (أنا ورجل من الانصار) قال ابن حجر قيل هو أبو الدرداء (رجلا منهم) قال البغوي وابن بشكوال وغيرهما هو مرداس بن مهيك رجل من بنى مرة بن عوف قال البغوى وكان من أهل فدك وكان مسلما لم يسلم من قومه غيره (فلما غشيناه) بكسر الشين أي قربنا منه قربا كليا (قال لا إله الا الله) زاد البغوي محمد رسول الله السلام عليكم (حتى قتلته) زاد البغوي وأستقت غنمه (بلغ ذلك النبي ﷺ زاد البغوى فوجد وجدا شديدا (فقلت كان متعوذا) بكسر الواو معتصما (حتى تمنيت اني لم اكن اسلمت قبل ذلك اليوم) ولمسلم اني أسلمت يومئذ أي ابتدأت الاسلام الآن وانه لم يكن تقدم اسلامي ليمحو عنى ما تقدم قال ذلك من عظم ما وقع فيه زاد البغوي ثم ان رسول الله ﷺ استغفر لي بعد ثلاث وقال اعتق رقبة (ورواه مسلم أيضا) في كتاب الايمان (أفلا شققت
стр. 467
عن قلبه حتى تعلم اقالها خوفا أم لا وفيها قال سعد بن أبى وقاص والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة ومعنى ذلك ما رواه ابن اسحق عن أسامة قال قلت انظرنى يا رسول الله انى أعاهد الله ان لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا قال تقول بعدى يا أسامة قال قلت بعدك ولهذا اعتزل أسامة رضى الله تعالى عنه الحروب التي جرت بين الصحابة رضى الله عنهم فلم يخالط شيئا منها وذكر ابن اسحق ان أمير هذه السرية غالب بن عبد الله الكلبى والله أعلم وهذا الحديث وما سبق قبله من قصة خالد مع بني جذيمة من أعظم الزواجر على الاجتراء على اراقة الدماء مع قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً وقال صلي الله عليه وسلم لا يزال المرء عن قلبه) استفهام توبيخ وتقريع (حتى تعلم أقالها) أي القلب (ذو البطين) تصغير بطن لان أسامة كان له بطن (انظرني) بقطع الهمزة مع كسر المعجمة وبوصل الهمزة مع ضمها أى أمهملنى (قال تقول بعدى) اشارة منه ﷺ الى الهنات التى وقعت بعده (ولهذا اعتزل اسامة الحروب) وممن اعتزلها من الصحابة محمد بن مسلمة وأبو بكرة وعبد الله بن عمر وأبو ذر وحذيفة وعمران بن الحصين وأبو موسى وأهبان بن صيفى وسعد ابن ابى وقاص وغيرهم ومن التابعين شريح والنخعي وغيرهما (غالب بن عبد الله الكلبي) وفي تفسير البغوي انه غالب بن فضالة الليثي (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) وهو أن يقصد الفعل والانسان بما يقتل غالبا ولم يكن ممن رفع عنه القلم ذلك اكبر الكبائر بعد الكفر كما نص عليه الشافعي (فجزاؤه جهنم) ان أراد أن يجازيه ولكنه ان شاء عذبه بذنبه وان شاء غفر له بكرمه فانه وعدانه يغفر لمن يشاء وليس اخلاف الوعيد خلفا وذما عند العرب بل اخلاف الوعد وأنشدوا عليه
واني ان أوعدته أو وعدته ... لمخلف ايعادي ومنجز موعدي
فليس في الآية دليل على عدم قبول توبة القاتل وما رواه الطبراني في الكبير والضيا في المختارة عن أنس ابي الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة وما رواه أبو داود عن أبي الدرداء وأحمد والنسائي والحاكم عن معاوية ان رسول الله ﷺ قال كل ذنب عسى الله ان يغفره إلا من مات مشركا أو قتل مؤمنا متعمدا وما رواه الشيخان عن ابن عباس من عدم قبول توبته فتشديد ومبالغة في الزجر فقد روى البيهقى في سننه عنه انه ان لم يقبل يقال لا توبة لك وان قتل ثم جاء يقال لك توبة وروى ذلك عن سفيان بن عيينة أيضا (خالدا فيها) نزلت في مقيس بن صبابة حيث قتل وارتد كما مر وبتقدير عمومها محمولة على من قتل مستحلا أو المراد بالخلود فيها المكث الطويل أو خرج مخرج الزجر البليغ فبطل استدلال المعتزلة ونحوهم بالآية على عدم قبول توبة القاتل وتخليد أهل الكبائر فى النار (لا يزال المرء الى آخره) أخرجه
стр. 468
في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما وانظر كيف لم يعذر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هؤلاء وقد كان فعلهم فى نصر دين الاسلام وقبل تقرر الاحكام وتأولوا انما قيلت في هذه الحال خوفا من القتل وهو الذي يقرب الى الافهام فلم يعذرهم بشىء من ذلك صلي الله عليه وسلم بل قال لاسامة أفلا شققت عن قلبه ومعناه لو فعلت لم يفد ذلك ولم يكن ذلك سبيلا الى معرفة ما هناك فلم يبق الا ان يبين عنه لسانه ففي هذا ان الاحكام الشرعية تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر والله سبحانه أعلم*
[ذكر وفد بنى تميم وبني حنيفة وأهل نجران]
السنة التاسعة وسميت سنة الوفود لأن النبي ﷺ لما افتتح مكة أيقنت العرب بظهوره فبعثت كل قبيلة جماعة من رؤسائهم باسلامهم وأصح أحاديث الوفود حديث وفد عبد القيس ووفد بنى تميم ووفد بني حنيفة وأهل نجران: اما حديث عبد القيس فسبق في قصته وحديث بني تميم أيضا مر قريبا فى ذكر سرية عيينة بن حصن وذكر البخاري في ترجمة وفد بنى تميم حديثا واحدا وهو ما روي عن عمران بن الحصين قال أتى نفر من بنى تميم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال اقبلوا البشرى يا بنى تميم فقالوا يا رسول الله قد بشرتنا فاعطنا فرئ ذلك فى وجهه فجاء نفر من اليمن فقال اقبلوا البشرى اذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا قد قبلنا يا رسول الله: وذكر أهل السير لوفد بني تميم جملة من الاخبار منها أنه لما قام خطيبهم وشاعرهم البخاري من حديث ابن عمر وأخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي الدرداء (في فسحة) بتثليث أوله والضم أشهر ثم مهملتين الاولى ساكنة أي سعة (من دينه) بالمهملة فالتحتية فالنون أي لا يزال دينه واسعا لا يضيق عليه وقال ابن العربي الفسحة في الدين سعة الاعمال الصالحة حتي اذا جاء القتل ارتفع القبول وللكشميهنى في البخاري بالمعجمة فالنون والموحدة أي لا يزال المؤمن في استراحة من ذنبه وفى رواية لابي داود لا يزال عفيفا صالحا (ما لم يصب دما حراما) زاد أبو داود فاذا أصاب دما حراما بلح بالموحدة والمهملة وتشديد اللام أي اعيا وانقطع قاله الهروي (تناط) بالنون والمهملة مبني للمفعول أي تعلق والنوط التعليق (بالمظان) بفتح الميم وتخفيف المعجمة وتشديد النون جمع مظنة بفتح الميم وكسر المعجمة وتشديد النون وهي المحل الذي يظن حصول الشيء فيه. السنة التاسعة (وتسمى) هذه (سنة) بالنصب (وأهل نجران) بفتح النون وسكون الجيم ثم راء ثم ألف ثم نون جبال من جبال اليمن على سبع مراحل من مكة سمى بنجران بن دبران بن سبا (قد بشرتنا فاعطنا) قائل ذلك الاقرع بن حابس (فريء في وجهه) بكسر الراء والمدلغة في رؤى (فقالوا قد قبلنا يا رسول الله) هذا من جملة فضائل أهل اليمن (وذكر) المفسرون (وأهل السير) كابن اسحق وابن سيد الناس ومغلطاي وغيرهم (جملة من الاخبار منها) انهم لما جاؤا رسول الله ﷺ نادوا على الباب اخرج الينا يا محمد فان مدحنازين
стр. 469
قام ثابت بن قيس بن شماس وحسان بن ثابت فأجاباهم فقال الاقرع بن حابس ان محمدا لمؤتى له خطب خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أحسن من شاعرنا ثم أسلم فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما يضرك ما كان قبل هذا* وذكر فى وفدهم عطارد بن حاجب وهو صاحب الحلة التى جرى ذكرها في الصحيح وكان أبوه حاجب بن زرارة وفد على كسرى فكساه إياها وظهر من متفقات الاحاديث ان مجييء بني تميم مرات والله اعلم وذمناشين فخرج النبى ﷺ اليهم وهو يقول انما ذلكم الله الذى مدحه زين وذمه شين فقالوا نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا ليشاعرك ويفاخرك فقال رسول الله ﷺ ما بالشعر بعثت ولا بالفخر أمرت ولكن هاتوا فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه ثم (قام ثابت بن قيس) فاجاب خطيبهم (وحسان بن ثابت) فأجاب شاعرهم فقال الاقرع بن حابس (ان محمدا لمؤتي له) بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الفوقية وتأتى له الامر اى تهيأ (ثم أسلم) فقال أشهد أن لا إله الا الله وانك رسول الله (ما يضرك ما كان قبل هذا اليوم) من المعاصي والذنوب لانهدامه بالاسلام زاد البغوى بعد هذا ثم أعطاهم أموالهم ونساءهم وكان قد تخلف في ركابهم عمرو بن الاهتم بالفوقية لحداثة سنة فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطاهم (وذكر في وفدهم) بالبناء للمفعول (عطارد) بضم العين وكسر الراء مهمل مصروف (زرارة) بضم الزاي (صاحب الحلة) بضم الحاء المهملة وتشديد اللام قال أهل اللغة الحلة ثوبان غير لفيفين سميا بذلك لان كل واحد يحل محل الآخر قال الخليل ولا يقال حلة لثوب واحد (التى جرى ذكرها في) الحديث (الصحيح) فى الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي عن ابن عمر رضى الله عنهما قال رأى عمر حلة من استبرق وفي رواية حلة سيراء تباع وفي رواية رأي عمر عطارد التميمى يقيم بالسوق حلة أى يعرضها للبيع فأتي النبى ﷺ فقال يا رسول ابتع هذه فتجمل بها للعيد وللوفود فقال رسول الله ﷺ انما هذه لباس من لا خلاق له أو قال انما يلبس هذه من لا خلاق له ثم لبث عمر ما شاء الله ان يلبث فارسل اليه بحلة ديباج فاتي عمر رضى الله عنه فقال يا رسول الله قلت انما هذه لباس من لا خلاق له ثم أرسلت الىّ بهذه فقال ﷺ اني لم أرسلها اليك لتلبسها ولكن لتبيعها وتصيب بها حاجتك (وفد على كسري) صاحب العراق ملك الفرس قاله عياض وسبب وفادته ان أباه حاجبا أتي كسرّي في جدب أصابهم يستأذنه لقومه أن يصيروا في ناحية من بلاده حتى يحيوا فقال انكم معاشر العرب ان أذنت لكم أفسدتم البلاد وأغرتم على العباد قال حاجب اني ضامن للملك أن لا يفعلوا قال فمن لى بان تفي قال أرهنك قوسي فضحك من حولهما فقال كسري ما كان ليسلمها أبدا فقبلها منه واذن لهم ثم مات حاجب ووفد عطارد ابنه علي كسرى فطلب قوس ابيه فردها عليه وكساه الحلة المذكورة ذكر ذلك المجد الشيرازي وغيره فمن ثم جاء في الصحيح حلة كسر وانية بكسر الكاف وفتحها* وفد بني حنيفة قال السهيلى واسم أبي حنيفة اياد بن
стр. 470
وأما وفد بني حنيفة ففى صحيح البخارى عن ابن عباس قال قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله ﵌ فجعل يقول ان جعل لى محمد الامر بعده تبعته وقدمها فى بشر كثير من قومه فاقبل اليه رسول الله ﵌ ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله ﵌ قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال لو تسألنى هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله وانى لاراك الذى أريت فيه ما أريت وهذا ثابت يجيبك عنى ثم انصرف عنه قال ابن عباس فسألت عن قول رسول الله ﷺ انى لأراك الذى أريت فيه ما أريت فأخبرنى أبو هريرة ان رسول الله ﷺ قال بينا أنا نائم رأيت في يدى سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحى الى الله في المنام ان انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذا بين نجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل (ففى صحيح البخاري) وصحيح مسلم وغيرهما (مسيلمة) بالتصغير وهو ابن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هنان بن ذهل بن دول بن خليفة (وقدمها) أى المدينة (فأقبل اليه رسول الله ﷺ قال العلماء انما أقبل اليه تألفا له ولقومه من رجاء إسلامهم ولتبليغ ما أنزل الله اليه ويحتمل كما قاله عياض انه فعله ﷺ مكافأة له اذ قصده من بلده وكان إذ ذاك يظهر الاسلام وانما أظهر الكفر بعد ذلك قال عياض وقد جاء في حديث آخر انه هو أتي النبي ﷺ فيحتمل انهما مرتين (ولن تعدو أمر الله فيك) روى بالنون وهو معنى رواية مسلم ولن أتعد أمر الله فيك وبالفوقية أيضا قال عياض وهما صحيحان فمعني الاول لن أعدو أنا أمر الله فيك من اني لا أحبيبك الى ما طلبته مما لا ينبغي لك من الاستخلاف أو المشاركة ومن اني أبلغك ما أنزل الى وادفع أمرك بالتي هي أحسن ومعنى الثاني ولن تعدو أنت أمر الله في خيبتك مما أملت من النبوة وهلاكك دون ذلك أو فيما سبق من قضاء الله تعالي وقدره من شقاوتك (ولئن أدبرت) عن طاعة الله ورسوله (ليعقرنك) بكسر القاف ليقتلنك (الله) تعالى وقتله الله يوم اليمامة كما سيأتي قال النووي وهذا من معجزات النبوة (وهذا ثابت يجيبك عنى) أى لان وظيفته اجابة الوفود عن خطبهم وسرفهم كما مر (واني لاراك) بالضم أي أظنك (الذى أريت) بضم الهمزة مبني للمفعول (رأيت في يدي) بالتشديد تثنية يد (سوارين) تثنية سوار بكسر السين وضمها وفي رواية اسوارين تثنية أسوار بضم الهمزة وكسرها وهو لغة في السوار (فاهمني) أي أتعبني (شأنهما) أمرهما وفي رواية فى الصحيح ففظعتهما بفاء ومعجمة مكسورة من الامر الفظيع أى الشديد (فاوحي إليّ في المنام) فيه دليل على ان رؤيا الانبياء وحي (ان انفخهما) بضم الفاء وسكون المعجمة (فنفختهما فطارا) فيه كما قال النووي دليل لاعجافهما واضمحلال أمرهما وذهاب أثرهما وكان كذلك وهو من المعجزات (فاولهما كذابين) ووجه مناسبة الذهب للكذاب انه يغر بصورته الحسنة أكثر الناس ويعمى بصائرهم عن التفكر فى
стр. 471
يخرجان بعدى احدهما العنسى والآخر مسيلمة فاما مسيلمة فعظم أمره بعد وفاة النبي ﷺ وكان داعية أهل الردة فندب أبو بكر لقتاله خالد بن الوليد فقتله وافنى قومه قتلا وسبيا وقتل وهو ابن مائة وخمسين سنة وكان مولده قبل عبد الله والد النبي ﷺ وسمي رحمن اليمامة فكان ذلك من أعظم أسباب فتنته وكان صاحب تبرجات وتمويهات واختلاق وتزوج بسجاح فاختلط الكذابان واسلمت سجاح في خلافة عمر واما العنسي واسمه الاسود ولقبه عبهلة فاتبعه قبائل من مذحج واليمن وغلب العواقب لما يبدو لهم من الزينة فيه وكان باطنه وهو كونه صار عاليا خلاف ظاهره فمن هنا ناسب الكذاب الذى يغر ظاهرا بكذبه ويعمي البصائر عن التفكر في شأنه بما يبدي لهم من زخرف القول (يخرجان بعدى) قال العلماء المراد بقوله بعدى ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة والا فقد كانا في زمنه ﷺ (أحدهما العنسي) بفتح العين وكسر السين المهملتين بينهما نون ساكنة لقب زيد بن مالك بن أدد (فندب أبو بكر) أى أمر خالد (بن الوليد) زاد البغوى في جيش كثير (فقتله) خالد بن الوليد ظاهره انه تولى قتله وهو مخالف لما في تفسير البغوى وغيره ان قتله كان على يد وحشي بن حرب وكان يقول قتلت بهذه الحربة خير الناس في الكفر يريد حمزة وشر الناس في الاسلام يريد مسيلمة وشاركهما أيضا خداش بن بشير بن الاصم ذكره ابن الاثير وغيره (صاحب تبرجات) بفتح الفوقية وسكون الموحدة وضم الراء وبالجيم والفوقية ويقال تبريجات بالتحتية بدل الواو ونيرنجات بكسر النون وسكون الياء وفتح الراء وسكون النون ونيرنجيات بفتح النون ثم سكون النون وكسر الجيم وتشديد التحتية وكلها بمعني الكذب والتمويه (وتمويهات) وهي اظهار شيء وابطان خلافه ما خوذ من تمويه الاناء وهو ان يطلى ظاهره (واختلاق) بالقاف أى كذب (وتزوج) أيضا (بسجاح) بفتح المهملة وتخفيف الجيم آخرها مهملة قال الحريري مبنية على الكسر مثل حذام وقطام لانه معدول واشتقاقه من السجاحة وهى السهولة ومنه ملكت فاسجح وسجاح هذه هى بنت المنذر امرأة من بنى تميم من بني يربوع بن حنظلة كانت كاهنة ثم ادعت النبوة (فاختلط الكذابان) قال صاحب شمس العلوم سألت سجاح مسيلمة عما أوحي اليه فقال ألم تر الى ربك كيف خلق الخلق أخرج منها نسمة تسعي بين صفاق وحشا قالت ثم ماذا قال أوحي ان الله خلق النساء أفواجا وخلق الرجال لهن أزواجا فيولجون فيهن ايلاجا ثم يخرجون اذا شاؤا اخراجا قالت أشهد انك نبي فقال لها هل لك ان أتزوجك قالت نعم فتزوجها لعنه الله ولعن من أوحي اليه (وأسلمت سجاح في خلافة عمر) بعد أن أقرت بالكذب والضلال (وأما العنسي) بفتح المهملة وسكون النون منسوب الى عنس وهو يزيد بن مذحج بن ادد (واسمه الاسود) بن كعب وكان يقال له ذو الحمار بالمهملة وانما قيل له ذو الحمار لانه كان له حمار يقول له قف فيقف وسر فيسير قاله التفتازانى قال وكان نساء أصحابه يتعطرن بروث حماره وقيل كن يعقدن روثه بخمرهن فسمي ذو الخمار بالمعجمة (عبهلة) بفتح المهملة وسكون الموحدة وفتح الهاء واللام والجمع عباهلة قال في الصحاح عباهلة اليمن ملوكهم الذين أقروا على ملكهم لا يزولون عنه (من مذحج) بفتح الميم وسكون المعجمة وكسر المهملة ثم جيم بوزن مسجد وهو أبو قبيلة من اليمن وهو مذحج
стр. 472
على صنعاء فقتله فيروز الديلمى غيلة بمواطأة من زوجته وكانت مسلمة وكانت تحدث انه لا يغتسل من جنابته وبشر النبي ﷺ أصحابه بقتله في مرض موته ومسيلمة والعنسى وابن صياد أول الدجاجلة الذين أشار اليهم ﷺ بقوله لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله* وأما أهل نجران فانما جاؤا للمحاجة في نبوة عيسي ابن بحاير بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ قال سيبويه الميم فيه من نفس الكلمة وفي القاموس كمجلس اكمة ولدت مالكا وطيئا أمهما عندها فسموا مذحجا (على صنعاء) بالمدوهي قصبة اليمن ويقال انها أول بلد بنيت بعد طوفان نوح (فقتله فيروز) بفتح الفاء وضم الراء آخره زاى (الديلمي) بفتح المهملة واللام وسكون التحتية بينهما زاد البغوى عن ابن عمر فاتي الخبر النبي ﷺ من السماء الليلة التى قتل فيها فقال ﷺ قتل الاسود البارحة قتله رجل مبارك قيل ومن هو قال فيروز فاز فيروز وذكر الدولابي ان قيس بن مسوج ودادونه رجل من الابناء شاركا في قتله (غيلة) بكسر المعجمة وسكون التحتية أي خفية وكان ذلك انهم دخلوا عليه سربا صنعته لهم امرأته فوجدوه سكران فضربوه باسيافهم ذكره الدولابى أيضا وذكر ابن اسحاق ان امرأته سقته البنج تلك الليلة واحتفرت السرب (بمواطأة من زوجته) اسمها كما ذكره السهيلى المرزبانة وكانت من أجمل النساء فمن ثم اغتصبها (وكانت تحدث) بحذف الاستقبال وفتح الحاء مع الدال أى تتحدث وبضمها مع كسر الدال «فائدة» كان قتل فيروز له عقب ان وقعت له مع أبي مسلم عبد الله بن ثوب بضم المثلثة وفتح الواو ثم موحدة الخولاني قصة القاه الاسود العنسي بسببها في النار فلم يحترق فتركه فجاء مهاجرا الى رسول الله ﷺ فتوفي النبي ﷺ وهو بالطريق (وبشر النبي ﷺ أصحابه بقتله في مرض موته) وللبغوي انه بشرهم بقتله ثم مات من الغد وأتي مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الاول بعد مخرج اسامة فكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضى الله عنه (ابن صياد) اسمه صاف وقصته مشهورة في الصحيحين وغيرهما (لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون) رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ودجالون جمع دجال ويطلق على كل كذاب وقيل الدجال المموه (قريبا) من ثلثين ولابي نعيم في الحلية عن حذيفة سبعة وعشرون منهم أربع نسوة وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولا ينافي هذا الحديث ما رواه الطبرانى عن ابن عمرو لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا لان الدجال أخص من الكذاب فلعل الاول من عظمت فتنته كمسيلمة قال عياض لوعد من تنبأ من زمن النبي ﷺ الى الآن ممن اشهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلالته لوجد هذا العدد فيهم ومن طالع كتب الاخبار والتواريخ عرف صحة هذا* وفد نجران: قال الكلبي والربيع بن أنس كانوا سبعين راكبا قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلا دخلوا مسجد النبي ﷺ صلاة العصر عليهم ثياب الحبرات فحانت صلاتهم فصلوا في مسجد رسول الله ﷺ قبل المشرق ودعاهم النبي ﷺ الى الاسلام فقال السيد والعاقب قد أسلمنا مثلك فقال كذبتما (وانما جاؤا للمحاجة في نبوة عيسي) فأنكروا كونه
стр. 473
ونزل بسببهم قوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ الآية ونزل فيهم أيضا آية المباهلة وهي قوله فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ولما جاء النبي ﵌ بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلىّ خلفهما وهو يقول لهم ان أنا دعوت فامنّوا وهو معنى قوله تعالى ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أي نتضرع في الدعاء والبهل اللعن أيضا فلما فعل ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تلاوموا بينهم وقالوا ان فعلتم اضطرم عليكم الوادي نارا ثم قالوا له أما تعرض علينا سوى هذا فقال الاسلام أو الجزية أو الحرب نبيا وزعموا انه ابن الله فحجهم النبي ﷺ بان عيسى ياتى عليه الفناء ويطعم ويشرب ويحدث كغيره من المخلوقين والله منزه عن ذلك وحجتهم انما هي كونه لا أب له (ونزل بسببهم) صدر سورة آل عمران الي قوله (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ) في كونه خلق من غيراب (كَمَثَلِ آدَمَ) في كونه خلق من غيراب ولا أم (خَلَقَهُ) الله (مِنْ تُرابٍ) وأنتم موافقون في ان آدم ليس ابنا لله مع عدم الاب والام معا فكيف لا توافقون على ان عيسى ليس كذلك وهو انما فقد الاب فقط وقال العلماء قسم الله الآدميين أربعة أقسام آدم خلقه من غير ذكر ولا انثى وحواء من ذكر بغير أنثي وبنو آدم من ذكر وأنثى وعيسي من أنثي بغير ذكر اظهارا للقدرة العالية (فَمَنْ حَاجَّكَ) جادلك وماراك (فِيهِ) أي في عيسى أو في الحق (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) بكون عيسى عبد الله ورسوله (فَقُلْ تَعالَوْا) وأصله تعاليوا بتحتية بعد اللام المفتوحة فاستثقلت الضمة على الياء فخذفت قال الفراء معني تعالى ارتفع أى لانه مشتق من العلو (نَدْعُ) مجزوم بالجزاء وعلامته سقوط الواو (أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ) قيل أراد بابنائنا الحسن والحسين ونسائنا فاطمة وأنفسنا يعني نفسه وعليا وقيل هو على العموم لجماعة أهل الدين (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي نتضرع قاله ابن عباس أو تجتهد ونبالغ في الدعاء قاله الكلبي أو نلتعن قاله الكسائى وأبو عبيدة (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) منا ومنكم في أمر عيسى (جاء النبى ﷺ بالحسن) آخذا بيده (والحسين) محتضنا له (وفاطمة تمشى خلفه وعلى خلفهما) وانما أخر عليا عنها ليسترها من ورائها (والبهل اللعن أيضا) يقال عليه بهلة الله أي لعنته (فلما فعل ذلك النبي ﷺ تلاوموا بينهم) أى لام بعضهم بعضا وقال لهم العاقب لقد عرفتم يا معشر النصاري ان محمدا نبى مرسل والله ما لاعن قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم ذلك لتهلكن فان أبيتم الا الاقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا الي منازلكم وقال أسقفهم يا معشر النصاري اني لاري وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا من مكانه لازاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصراني الي يوم القيامة أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال القاضى في حاشية البيضاوي وابن مروان متروك متهم بالكذب ثم روي أبو نعيم وغيره نحوه مرسلا (الاسلام أو الجزية أو الحرب)
стр. 474
فصالحوه على الجزية في كل عام الف حلة في صفر والف حلة في رجب وروينا في صحيح البخاري عن حذيفه ﵁ قال جاء السيد والعاقب صاحبا نجران الى رسول الله ﵌ يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فو الله لئن كان نبيا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا قالا انا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا امينا ولا تبعث معنا الا امينا فقال لا بعثن معكم رجلا أمينا حق أمين حق أمين فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله ﵌ هذا أمين هذه الامة*
[من الوفود وفد طىء ورئيسهم زيد الخيل]
ومن الوفود وفد طىء ورئيسهم زيد الخيل وسمي بذلك لخمسة افراس كانت له مشهورة وسماه النبي ﵌ زيد الخير وقال ما ذكر لى رجل ثم جاءنى الا رأيته دون ما يقال فابوا الاسلام وقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على ان لا تغزونا ولا يجينونا ولا تردنا عن ديننا على ان نؤدي اليك في كل عام ألفي حلة (ألف حلة في) شهر (صفر وألف حلة في) شهر (رجب) رواه أبو داود عن ابن عباس وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم على ان لا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا قال البغوي فصالحهم رسول الله ﷺ وقال والذي نفسي بيده ان العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاشتعل نجران وأهله حتى الطير على الشجر ولا حال الحول على النصاري حتى يهلكوا باجمعهم (جاء السيد) قال البغوي وهو ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الايهم وقيل شرحبيل (والعاقب) بالمهملة والقاف وكان أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون الاعن رأيه واسمه عبد المسيح قال ابن سعد واسلما بعد ذلك (ولا تبعث معنا الا أمينا) قال النووي وهو الثقة المرضى (حق أمين الى آخره) صفة مبالغة لقوة أمانته (فاستشرف لها) أى تطلع ورغب في البعث حرصا على ان يكون هو الامين الموعود به في الحديث (أصحاب رسول الله ﷺ ولمسلم فاستشرف لها الناس (هذا أمين هذه الامة) وللبخارى من حديث أنس ان لكل أمة أمينا وان أمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح قال النووى قال العلماء الامانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة لكن النبي ﷺ خص بعضهم بصفات غلبت عليهم وكانوا بها أخص* وفد طيء بالهمز بوزن مسجد كما مر (وزيد الخيل) باضافة زيد وكانت هذه الاضافة جاهلية (سمى بذلك لخمسة أفراس كانت له) وفي القاموس انه سمى بذلك لشجاعته وقيل سمى بذلك لان كعب بن زهير اتهمه بأخذ فرس له (وسماه النبى ﷺ زيد الخير) لانه بمعناه ولما علم ما فيه من الخير ففيه تغيير الاسم الذي ليس بقبيح باحسن منه ما لم يخف على صاحبه مفسدة العجب (ما ذكر لي رجل الى آخره) رواه ابن سعد في الطبقات
стр. 475
فيه الازيد الخيل فانه لم يبلغ كل ما فيه وكتب له باقطاع أرضين ولما انصرف راجعا قال النبي ﷺ أى رجل ان لم تدكه ام كلبة فمات منها بالطريق.
[خبر عدى بن حاتم الطائى]
واما عدى بن حاتم الطائى فانه لما سمع بخيل رسول الله ﵌ وطئت أطراف بلادهم ارتحل بنيه فلحق بأهل دينه من النصارى وترك أخته في الحي فجاءت خيل رسول الله ﷺ فصبحتهم فاحتملوا ابنة حاتم وجعلوها في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها فمر بها رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامتن على من الله عليك قال ومن وافدك قالت عدي بن حاتم قال الفار من الله ورسوله فمن عليها رسول الله ﷺ وكساها واعطاها نفقة فلما قدمت على أخيها طفقت تصخب عليه وتلومه أن تركها خلفه وتلومه أيضا على تخلفه عن رسول الله ﷺ فقدم عدي على رسول الله ﵌ فأكرمه وذهب به الى بيته وأخبره بأشياء فيما يستقبل من الزمان ولم يرو البخارى في ترجمة وفد طىء غير حديث واحد وهو ماورى بسنده عن عدي بن حاتم قال أتينا عمر في وفد فجعل يدعونا رجلا رجلا يسميهم فقلت اما تعرفني يا أمير المؤمنين قال بلى أسلمت اذ كفروا واقبلت اذ أدبروا ووفيت اذغدروا وعرفت اذ نكروا فقال عدى لا أبالي اذا وفي رواية مسلم ان أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﵌ ووجوه أصحابه صدقة طيء حيث جيء بها الى رسول الله صلى الله عن أبي عمر الطائي (الازيد الخيل) ولفظ ابن سعد الا ما كان من زيد (فانه لم يبلغ) بضم أوله وفتح ثالثه مبني للمفعول (كل) بالرفع (ما) أى الذى فيه من الفضائل الدينية والدنيوية وذلك لكثرتها فيه وعدم احاطة علم الناس بها وفيه منقبة عظيمة له رضى الله عنه (باقطاع أرضين) فيه جواز ذلك للامام وفيه تفصيل مستوفي في كتب الفقه (أي رجل) وصف له بقوة الشجاعة ونصر الاسلام (ان لم تدركه أم كلبه) بفتح الكاف وسكون اللام ثم موحدة قال في القاموس هى الحمى (فمات منها بالطريق) هو من جملة معجزاته ﷺ في الاخبار بالغيب (عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد التحتية (حاتم) بالمهملة والفوقية قال الشمني هلك على نصرانيته وهو الذي تضرب به الامثال في الجود وسيأتي له مزيد ذكر فيما بعد (وترك أخته) قال السهيلي أحسب اسمها سفانة بفتح المهملة وتشديد الفاء والنون وهى الدرة قال الدولابي وجدت في خبر عن أمراة حاتم تذكر فيه من سخائه قالت فاخذ حاتم عديا يعلله من الجوع وأخذت أنا سفانة (في حظيرة) بفتح المهملة وكسر المعجمة (تصخب) تصيح (ان تركها) بفتح الهمزة (فقدم عدي) قال الشمني في شهر شعبان (غير حديث) بالنصب (بيضت) بالضاد المعجمة وهو كناية عن شدة الرضا
стр. 476
عليه وآله وسلم*
[ومن شر الوفود وفادة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس]
ومن شر الوفود وفادة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وكانا تمالآ على الفتك برسول الله ﵌ فلما منعهما الله من ذلك ولم يجبهما النبى ﵌ الى ما سألا قال عامر لاملانها عليك خيلا ورجلا ولاربطن بكل نخلة فرسا فجعل أسيد بن حضير يضرب في رؤسهما ويقول أخرجا ايها الهجرسان فقال عامر ومن أنت قال أسيد بن حضير قال أحضير بن سماك قال نعم قال أبوك كان خيرا منك فقال بل أنا خير منك ومن أبى يعنى بالاسلام وقد سبق شيء من ذلك وخير ميتتهما في ذكر بئر معونة والله أعلم. ثم قدم على رسول الله ﵌ وفود اليمن ارسالا وفيهم. قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة* وفادة عامر بن الطفيل (وأربد) بالموحدة والمهملة بوزن أحمد بن قيس وللبغوى ابن ربيعة وربيعة زوج أمه نسب اليه قال الشمني وهو أخو لبيد بن ربيعة لامه (تمالآ) تواصيا وزنا ومعنى (على الفتك به) أى قتله على غرة كما مر قال البغوي قال عامر يا محمد مالى ان اسلمت قال لك ما للمسلمين قال تجعل لى الامر بعدك قال ليس ذلك الى انما ذاك الى الله يجعله حيث يشاء قال فتجعلنى على الوبر وأنت على المبدر قال لا قال فماذا تجعل لى قال أعنة الخيل تغزو عليها قال أو ليس ذلك الى اليوم قم معي أكلمك فقام معه رسول الله ﷺ وكان أومأ الى اربد بن ربيعة اذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف فجعل عامر يخاصم رسول الله ﷺ ويراجعه فدار اربد خلف رسول الله ﷺ ليضربه فاخترط من سيفه شبرا ثم حبسه الله عنه فلم يقدر على سله وجعل عامر يوميء اليه فالتفت رسول الله ﷺ فرأى اربد وما صنع بسيفه فقال اللهم اكفنيهما بما شئت انتهى ولابن اسحق قال اربد لعامر لما كلمه في ذلك والله ما هممت ان أضربه الا وجدتك بينى وبينه أفاضربك وفي رواية غيره الا رأيت بيني وبينه سورا من حديد (ولا ربطن بكل نخلة فرسا) زاد البغوى قال النبي ﷺ يمنعك الله من ذلك وابنا قيلة يريد الاوس والخزرج وقيلة بفتح القاف وسكون التحتية جدة الانصار (أيها الهجرسان) تثنية هجرس بكسر الهاء والراء وسكون الجيم بينها وآخره سين مهملة هو ولد الثعلب ويسمى الثعل ايضا قال ابن الاثير ويقال انه القرد قال في القاموس والقرد والثعلب أو ولده واللئيم والدب أو كل ما يعسعس بالليل مما كان دون الثعلب وفوق اليربوع (ميتتهما) بكسر الميم* وفود اليمن (اتاكم أهل اليمن الى آخره) رواه الشيخان والترمذي عن أبى هريرة (هم الين قلوبا وأرق أفئدة) قال ابن الصلاح المشهور ان الفؤاد هو القلب فكرره بلفظين ووصفه بوصفين الرقة والضعف والمعني انها ذات خشية واستكانة سريعة الاجابة والتأثر بقوارع التذكير سالمة من الشدة والقسوة والغلظ الذي وصف به قلوب غيرهم وقيل الفؤاد غير القلب فقيل عينه وقيل باطنه وقيل غشاوة زاد ابن شاهين من حديث فروة
стр. 477
الايمان يمان والحكمة يمانية فمنهم فروة بن مسيك المرادى اليمنى ولما قدم على رسول الله ﵌ قال له هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم وهو يوم كان لهمدان علي مراد قال يا رسول الله ﵌ من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوؤه ذلك فقال رسول الله ﵌ أما ان ذلك لم يزد قومك في الاسلام الاخيرا واستعمله رسول الله ﵌ على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فأقام عنده حتى توفي النبي ﵌ ومن قول فروة بن مسيك في يوم الردم
فان نغلب فغلابون قدما ... وان نغلب فغير مغلبينا
وما ان طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
كذاك الدهر دولته محال ... تكر صروفه حينا فحينا
ابن خراش الازدى وهم انصار دين الله وهم الذين يحبهم الله ويحبونه (الايمان يمان) فيه نوع من انواع البديع وهو على ظاهره والمراد به اليمن وأهله حقيقة وصفوا بذلك لان من اتصف بشيء وقوى قيامه به نسب ذلك الشيء اليه استعارة لتميزه به وكان حالة فيه من غير نفي عن غيرهم زاد مسلم والفقه يمان (والحكمة يمانية) بتخفيف الياء التحتية والحكمة ما تكمل به النفوس من المعارف والاحكام وهي السنة أو القرآن أو فهمه أو الفقه في الدين أو العلم أو العمل به أو كل صواب من القول أو وضع الاشياء مواضعها أقوال قال النووي وقد صفى لنا من هذه الاقوال انها عبارة عن العلم المتصف بالاحكام المشتمل على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك وقال ابن دريد كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك الى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهى حكمة ومن الحديث أن من الشعر حكمة وفي ذلك منقبة لاهل اليمن والمراد الموجودون في زمنه ﷺ من أهل اليمن لا كل أهل اليمن في كل زمان قال النووي والسيوطي وغيرهم (فمنهم فروة) على لفظ الفروة الكساء المعروف (ابن مسيك) بالتصغير (المرادي) بضم الميم وبالراء نسبة الى مراد (يوم الردم) بفتح الراء وسكون المهملة قرية بالبحرين (مثل ما) بالرفع (وزبيد) بالتصغير بطن من مذحج (فان نغلب) مبنى للفاعل (فغلابون) جمع غلاب وهو من يغلب كثيرا (وان نغلب) مبني للمفعول (فغير مغلبينا) بالف الاطلاق فيه وفي البيت الذى بعده (فما) نافية (ان) زائدة (طبنا) بالمهملة فالموحدة فالنون مفتوحات أي أمرضنا وصيرنا مجبنين كالرجل المطبوب أي المسحور قال ابن الانباري الطب من الاضداد يقال لعلاج الداء طب ويقال للداء طب وبكسر الطاء وفتحها مع ضم الموحدة أي عادتنا (جبن) خور وضعف بنا أي لم يكن سبب قتلنا ذا الجبن (ولكن) تلك (منايانا) حان أجلها (ودولة) بضم الدال وفتحها قوم (آخرينا) علينا بعد ان كانت الدولة لنا عليهم (محال) بكسر الميم قوية وفي بعض النسخ سجال وهي أنسب بالكلام وان كانت الاولى صحيحة
стр. 478
ومنهم عمرو بن معدى كرب الزبيدي قدم على رسول الله ﷺ وبايع ثم ارتد زمن الردة وأسلم بعد ذلك وكان له المقامات المشهورة في وقت عمر بن الخطاب وهلك بأرض فارس بعد ان عمر كثيرا ومنهم صرد بن عبد الله الازدى قدم على رسول الله ﵌ فاسلم ثم سار على أهل جرش فحاصرهم قريبا من شهر ثم انصرف عنهم راجعا فتبعوه فكرّ عليهم فقتلهم قتلا شديدا وكان رجلان منهم بالمدينة فنعى اليهم النبي ﵌ قومهما في ذلك الحين فسألاه أن يدعو الله لهم فقال اللهم ارفع عنهم ثم قدم وفد جرش بعد ذلك فاسلموا وحمى لهم النبي ﵌ حمى حول قريتهم والله أعلم*
[خبر وفد كندة وعليهم الأشعث بن قيس]
ومنهم وفد كندة وهم ثمانون أو ستون راكبا عليهم الاشعث بن قيس فدخلوا على رسول الله ﵌ مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا ولبسوا جياد الحبرات مكففة بالحرير فقال لهم ألم تسلموا قالوا بلى قال فما بال هذا الحرير فنزعوه ثم قال الاشعث يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فضحك رسول الله ﵌ وقال ناسبوا بهذا النسب ربيعة بن الحرث والعباس بن عبد المطلب وكانا تاجرين فكانا اذا سارا في أرض العرب فسئلا ممن أنتما قالا بنو آكل المرار ليتعززا بذلك في العرب لان بنى آكل المرار من كندة كانوا ملوكا ثم قال لهم رسول الله ﵌ لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا منا ولا ننتفي من أبينا المعنى (ابن معدي كرب) بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملة وسكون التحتية وفتح الكاف وكسر الراء ثم موحدة لا ينصرف لانهما اسمان مركبان (الزبيدي) بالتصغير وكتب عمر بن الخطاب الى سعد بن أبي وقاص وهو على الصائفة ان استعن في حربك عمرو بن معدي كرب وطليحة الاسدى ولاتولهما من الامر شيئا فان كل صانع أعلم بصنعته وكان عمرو من فرسان العرب وشجعلنهم وفصحائهم (جرش) بضم الجيم وفتح الراء ثم معجمة قرية من قري اليمر (وفد كندة) بكسر الكاف وسكون النون ثم مهملة قال في القاموس لقب ثور بن عفير أبى حي من اليمن لانه كند أباه النعمة ولحق باخواله والكند القطع انتهى (الاشعث) بالمعجمة والمثلثة بينهما عين (ولبسوا) بكسر الباء (جياد الحبرات) أى فاخرها والحبرات جمع حبرة بكسر المهملة وفتح الموحدة نوع من برود اليمن (نحن بنو آكل المرار) بمد همزة آكل والمرار بضم الميم وتخفيف الراء شجر قال في القاموس من أفضل العشب واضخمه اذا أكلته الابل قلصت مشافرها فبدت أسنانها وانما قيل له آكل المرار لكشر كان به انتهي (ربيعة بن الحرث) بن عبد المطلب (لانقفوا منا) أي لا نتبع (ولا ننتفي من أبينا) كما كان يقوله العباس وربيعة وذلك لحرمة الانتساب الى غير الاب لان العباس وربيعة بن الحارث كانا يقولان نحن بنو آكل المرار
стр. 479
[وفود همدان وفيهم مالك بن نمط ذو المشعار]
ومنهم همدان فيهم مالك بن نمط ذو المشعار واوفوا رسول الله ﵌ مرجعه من تبوك عليهم الحبرات والعمائم العدنية على المهرية والارحبية وهم يرتجزون
همدان خير سوقة وأقيال ... ليس لها في العالمين أمثال
محلها الهضب وفيها الابطال ... لها اطابات بهاوأ كال
اليك جاوزن سواد الريف* في هبوات الصيف والخريف* مخطمات بالحبال الليف ثم قال مالك بن نمط يا رسول الله نضية من همدان من كل حاضر وباد اتوك على قلاص نواج متصلة بحبال الاسلام لا تأخذهم في الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام لان ام عبد المطلب من الانصار وهم كندة من أولاد سبأ فاخبر رسول الله ﷺ ان الانتساب انما يكون الي الأب لا إلى الام أو لان دعدا بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث الكندي المذكور كانت أم كلاب بن مرة قاله السهيلى (وفد همدان) بسكون الميم واهمال الدال كما مر (ابن نمط) بفتح النون فالميم فالمهملة (ذو المشعار) بكسر الميم وسكون المعجمة ثم مهملة وقيل معجمة بعدها ألف ثم راء (علي المهرية) بفتح الميم وسكون الهاء نوع من الابل ينسب الى مهرة قبيلة من قضاعة (والارحبية) بفتح الهمزة والمهملة وسكون الراء بينهما وكسر الموحدة وتشديد التحتية ابل كريمة منسوبة الي بني أرحب من همدان (وهم يرتجزون) والرجز نوع من الشعر سمي بذلك لتقارب أجزائه وقلة حروفه وزعم الخليل انه ليس بشعر وانما هو انصاف أبيات وأثلاث والارجوزة كالقصيدة منه وجمعها أراجيز قاله في القاموس (سوق) بضم المهملة وسكون الواو ثم قاف الرعاع ومن دون أشراف الناس (واقبال) جمع قيل بفتح القاف وسكون التحتية وهو دون الملك الاعظم (ليس لها في العالمين أمثال) أي في النجدة والشجاعة وشدة البأس وانما قالوا ذلك لغلبة أحوال الجاهلية من التفاخر عليهم وعدم معرفة أحكام الاسلام (الهضب) بفتح الهاء وسكون المعجمة الجبال المستطيلة على الارض والواحدة هضبة (الابطال) جمع جمع بطل وهو الشجاع (لها اطابات) بكسر الهمزة وتخفيف الطاء ثم الفين بينهما موحدة خفيفة آخره فوقية جمع اطاب والاطاب جمع أطبة بفتح الهمزة وقد تبدل واوا وأصلها الحيس يجمع التمر البرني والاقط المدقوق والسمن وهو هنا استعارة وأراد أن لهم مآكل حسنة رائقة لينة (وأكال) بفتح الهمزة وضمها فعلي الاول هو صفة مبالغة لمن كثر أكله وعلى الثانى جمع أكل والمراد ان لهم رعاة يأكلون الرباع وغيره مما يأكله الولاة من الرعية (الريف) بكسر الراء وسكون التحتية ثم فاء الارض المخصبة (هبوات) جمع هبوة بتثليث الهاء وسكون الموحدة والهبوة الغبرة يقال يوم هبوة ويوم راح وريح اذا كان ذا ريح (مخطمات) يعني الابل التى جاؤا راكبين عليها وهي المرادة بقوله جاوزن (الليف) المراد به ليف النخل (نضية) بفتح النون وكسر المعجمة وتشديد التحتية وهى الخيار من القوم وجمعها أنضاء واناض قاله في القاموس أو هو الهزيل (قلاص) جمع قلوص وهي الناقة الفتية الشابة ويقال في جمعها قلائص وقلص (نواج) جمع ناجية بالنون والجيم والتحتية وهى السريعة في السير (مخلاف) بكسر الميم وسكون المعجمة آخره فاء وهو الاقليم بلغة اليمن (خارف) بالمعجمة والراء المكسورة والفاء مصروف بطن من همدان ينسب الى خارف بن الحارث (ويام) بالتحتية مصروف أيضا بطن آخر أيضا
стр. 480
وشاكر اهل السود والقود أجابوا دعوة الرسول عهدهم لا ينقض ما أقامت لغلع وما جرى اليعفور بصلع وكتب لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كتابا فيه هذا كتاب من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لمخلاف خارف ويام اهل جناب الهضب وحقاف الرمل ان لهم فراعها ووهاطها يأكلون علافها ويرعون عفاءها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم بذلك عهد الله وشاهدهم المهاجرون والانصار ومن قول مالك بن نمط ﵁
حلفت برب الراقصات الى مني ... صوادر بالركبان من أرض قردد
ينسب الى يام بن أصنى (وشاكر) بالمعجمة مصروف (أهل السود) بفتح المهملة (والقود) بفتح القاف أي انهم سادة قادة (لعلع) جبل من جبال المدينة غربي سلع الى جانبه مسجد القبلتين (اليعفور) بفتح التحتية وسكون المهملة ثم فاء ثم واو ثم راء وهو ولد الظبية ويسمى الشادن والغزال والطلاء والخشف (بصلع) بضم المهملة وتشديد اللام ثم مهملة الفضاء الواسع الاملس ويسمى السملق والسنى (بسم الله الرحمن الرحيم) فيه طلب استفتاح الكتب بها كما مر (جناب الهضب) بفتح الجيم وتخفيف النون أي جانبه (وحقاف الرمل) جمع حقف بكسر المهملة وسكون القاف وهو ما استطال من الرمل ويقال في جمعه احقاف أيضا (فراعها) بكسر الفاء وتخفيف الراء واهمال العين هو العالي من الارض وفي الحديث كانت سودة تفرع النساء طولا أي تعلوهن (ووهاطها) بالطاء المهملة بوزن فراعها جمع وهط بفتح الواو وسكون الهاء وهو المطمئن من الارض ويسمى الخبث والغائط والقاع (علافها) بكسر المهملة وتخفيف اللام والفاء هو جمع علف بفتح اللام يقال علف وعلاف كحمل وحمال قاله الهرويّ (عفاءها) بفتح المهملة وتخفيف الفاء والمدهوما لا ملك فيه قاله الهروي وزاد عياض في الشفاء بعد هذا لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والامانة ولهم من الصدقة الثلث والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوري وعليهم فيها الصالغ والقارع انتهي والدفء بكسر المهملة وسكون الفاء ثم همزة والصرام بكسر المهملة وتخفيف الراء معناه من ابلهم وغنمهم قيل وسماها دفئا لانها يتخذ من أصوافها وأوبارها ما يدفؤن به قاله الهروى والناب بالنون والموحدة آخره هي الناقة الهرمة التي طال بابها وذلك من علامة الهرم والفارض بالفاء والراء والمعجمة المسن من الابل والداجن الدابة التي تألف البيوت كما مر والحورى بفتح المهملة والواو وكسر الراء وتشديد التحتية منسوب الى الحور وهو جلود تتخذ من جلود الضان قاله ابن الاثير في النهاية وقيل المدبوغ من الجلود بغير قرظ وهو أحد ما جاء على أصله ولم يعل وقال الكاشغرى الحورى المكوى منسوب الى الكية الحوراء وهي كية مدورة يقال حوره اذا كواه هذه الكية والصالغ باهمال الصاد واعجام العين وكسر اللام وهو من البقر والغنم الذى كمل السنة الخامسة ودخل في السنة السادسة ويقال بالسين بدل الصاد قاله ابن الاثير في النهاية والفارح بالقاف والراء والمهملة هو الفرس القارح قاله ابن الاثير وهو من الحافر بمنزلة البازل من الابل قاله في القاموس (الراقصات) بالقاف والمهملة المتحركات في السير بسرعة كالراقص وهو الزافر (صوادر) جمع صادرة وهي ضد الواردة وهو منصوب على الحال (قردد) بفتح القاف
стр. 481
بأن رسول الله فينا مصدق ... رسول أتى من عند ذي العرش مهتدى
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد
وأعطى اذا ما طالب العرف جاءه ... وامضى بحد المشرفي المهند
[خبر موافاته ﷺ ، مقدمه من تبوك، كتاب ملوك حمير بإسلامهم]
ووافاه أيضا مقدمه من تبوك كتاب ملوك حمير باسلامهم فكتب اليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من محمد رسول الله ﷺ الى الحرث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان أما بعد ذلك فاني أحمد الله اليكم الذى لا إله الا هو قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من ارض الروم وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين ثم كتب لهم نصب الزكاة والفريضة التي افترضها الله تعالى عليهم فيها فقال فمن زاد فهو خير له وكتب الى زرعة بن ذي يزن أن اذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك ابن عبدة وعقبة بن نمير ومالك بن مرارة واصحابهم وان اجمعوا ما عندكم من الجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلي وان أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن الا راضيا* روينا في صحيح البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﵌ لمعاذ بن جبل وسكون الراء وتكرير المهملة وهو المكان الصلب وقيل المرتفع (العرف) بضم المهملة وسكون الراء أى المعروف (المشرفي) من أسماء السيف كما تقدم ضبطه (المهند) من أسمائه كما مر أيضا (فائدة) روى أبو داود عن عامر بن شهر قال لما خرج رسول الله ﷺ قالت لي همدان هل انت آت هذا الرجل ومرتاد لنا فان رضيت لنا شيأ رضيناه وان كرهت شيئا كرهناه قلت نعم فجئت حتى قدمت على رسول الله ﷺ فرضيت أمره وأسلم قومي وكتب لي رسول الله ﷺ هذا الكتاب الى عمير ذى مران قال وبعث رسول الله ﷺ مالك بن مرارة الرهاوي الى اليمن جميعا قال فاسلم عك ذو خيوان قال فقيل لعك انطلق الي رسول الله ﷺ وخذ منه الامان على بلدك ومالك فقدم فكتب له النبي ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم لعك ذي خيوان ان كان صادقا في أرضه وماله ورفيقه فله الامان وذمة الله تعالى وذمة رسول الله ﷺ وكتب خالد بن سعيد ابن العاص* كتابه ﷺ لملوك (حمير) بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتية غير مصروف قبيلة من اليمن (بن عبد كلال) بضم الكاف وتخفيف اللام (والنعمان) بضم النون (قيل) بفتح القاف وسكون التحتية كما مر (ذي رعين) بالراء والمهملة والنون مصغر (معافر) بفتح الميم وتخفيف المهملة وكسر الفاء ثم راء (وقع بنا) أى وافقنا (منقلبنا) مرجعنا نصب (الزكاة) جمع نصاب (والفريضة) بالنصب عطفا على نصب (زرعة) بضم الزاي وسكون الراء وفتح المهملة (ابن ذى يزن) بفتح التحتية والزاي فنون غير مصروف (معاذ بن جبل) بالرفع بدل من رسل (ابن نمر) بفتح النون وكسر الميم ثم راء (ابن مرارة) بضم الميم وتكرير الراء (روينا في صحيح البخارى)
стр. 482
حين بعثه الى اليمن انك ستأتى قوما اهل كتاب فاذا جئتهم فادعهم الى ان يشهدوا ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فان هم اطاعوا لك بذلك فأخبرهم ان الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فان هم أطاعوا لك فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فان أطاعوا لك بذلك فاياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب وروينا فيه أيضا عن أبى بردة عن أبى موسى قال بعث رسول الله ﵌ أبا موسى ومعاذ بن جبل الى اليمن وبعث كل واحد منهم على مخلاف قال واليمن مخلافان ثم قال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا فانطلق كل واحد منهما الى عمله قال وكان كل واحد منهما اذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلم عليه فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبى موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى اليه واذا هو جالس وقد اجتمع اليه الناس فاذا رجل عنده قد جمعت يداه الى عنقه فقال له معاذ يا عبد الله وصحيح مسلم وغيرهما (حين بعثه الي اليمن) قال في التوشيح اختلف هل بعثه واليا أو قاضيا فجزم الغساني بالاول وابن عبد البر بالثاني وكان بعثه سنة عشر في ربيع الآخر وقيل سنة تسع بعد تبوك وقيل سنة ثمان ولم يزل بها الي ان قدم في عهد أبي بكر (ان يشهدوا أن لا إله الا الله الى آخره) فيه تقديم الاهم فالاهم من العبادات اذ الشهادتان أهم من الصلاة والصلاة أهم من الزكاة ولم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع كونهما قد فرضا يومئذ تقصيرا من بعض الرواة قاله ابن الصلاح (أطاعوا لك) قال في التوشيح عدي باللام لتضمنه معني انقادوا (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) استشهد به أكثر أصحابنا علي حرمة نقل الزكاة وهو عند غيرهم محمول علي فقراء المسلمين (اياك) بمعني احذر (وكرائم أموالهم) بالنصب فيه دليل علي عدم جواز أخذ الكريمة من النعم وعدم وجوب اخراجها (واتق دعوة المظلوم) أى تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم (ليس بينها وبين الله حجاب) أى ليس لها صارف يصرفها ولا مانع يمنعها ولأحمد من حديث أبى هريرة دعوة المظلوم مستجابة وان كان فاجرا ففجوره على نفسه وللخطيب بسند ضعيف عن على اتق دعوة المظلوم فانما سأل الله تعالي حقه وان الله لم يمنع لذى حق حقه وللطبراني في الكبير والضيا بسند صحيح عن خزيمة بن ثابت اتقوا دعوة المظلوم فانها تحمل على الغمام يقول الله وعزتي وجلالى لانصرنك ولو بعد حين وللحاكم بسند صحيح عن ابن عمر اتقوا دعوة المظلوم فانها تصعد الى السماء كانها شرارة ولاحمد وأبي يعلي والضيا بسند صحيح عن انس اتقوا دعوة المظلوم وان كان كافرا فليس دونه حجاب (وروينا فيه أيضا) وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائى (عن أبي بردة) اسمه عامر على صحيح (يسرا ولا تعسرا) هذا من بديع كلامه ﷺ وشدة فصاحته وبلاغته وفيه ندب التبشير والتحذير من التنفير (وبشرا) أمر من
стр. 483
ابن قيس ايما هذا قال هذا رجل كفر بعد اسلامه قال لا انزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل فقال يا عبد الله كيف تقرأ القرآن قال اتفوقه تفوقا قال فكيف تقرا انت يا معاذ قال انام اول الليل فأقوم وقد قضيت من النوم حزبى فأقرأ ما كتب الله لى فاحتسب نومتي كما احتسب قومتي وروينا فيه ايضا عن عمرو بن ميمون ان معاذ بن جبل لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ واتخذ الله ابراهيم خليلا فقال رجل من القوم لقد قرت عين ام ابراهيم
[وفود بني نهد من غور تهامة]
ومنهم بنو نهد قالوا يا رسول الله جئناك من غورى تهامة بأكوار الميس ترتمى بنا العيس وشكوا له جدب بلادهم فقال اللهم بارك لبنى نهد في محضها ومخضها ومذقها وابعث راعيها في الدثر وافجر لهم الثمد وبارك لهم في المال والولد من اقام الصلاة كان مسلما ومن آتى الزكاة التبشير زاد في رواية وتطاوعا ولا تختلفا (ايما هذا) بفتح الهمزة وتشديد التحتية للاصلى ولابي ذر بسكونها وتخفيف الميم كلمة استفهام قال الحربي هي اي وما صلة قال تعالى أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ وقال تعالى أَيًّا ما تَدْعُوا (اتفوقه) تفوقا بالفاء قبل القاف أي ألازم قراءته ليلا ونهارا شيأ بعد شيء وحينا بعد حين مأخوذ من فواق الناقة وهو ان تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب (حزبي) بكسر المهملة وسكون الزاي ثم موحدة أي حظي الذي كتب لي من النوم (عمرو بن ميمون) معدود من المخضرمين بالمعجمة وفتح الراء مشتق من الخضرمة وهى القطع (الاودي) بفتح الهمزة وسكون الواو ثم مهملة ثم ياء النسبة الى أود بن مصعب من سعد العشيرة من مذحج (خليلا) قال عياض قيل الخليل المنقطع الى الله الذي ليس في انقطاعه اليه ومحبته اياه اختلال وقيل الخليل المختص وقال بعضهم أصل الخلة الاستصفاء وسمى ابراهيم خليل الله لموالاته فيه ومعاداته فيه وخلة الله نصره وجعله اماما لمن بعده وقيل الخليل أصله الفقير المحتاج المنقطع مأخوذ من الخلة وهى الحاجة فسمى بها ابراهيم لانه قصر حاجته على ربه وانقطع اليه بهمة ولم يجعله قبل غيره اذ جاءه جبريل وهو في المنجنيق ليرمي به في النار فقال ألك حاجة فقال اما اليك فلا وقال أبو بكر بن فورك الخلة صفاء المودة التى توجب الاختصاص بتحمل الاسرار وقال بعضهم أصل المحبة الخلة ومعناها الاسعاف والالطاف والترفيع والتشفيع (وفد بنى نهد) بفتح النون وسكون الهاء ثم مهملة (من غوري تهامة) بفتح المعجمة وسكون الواو وفتح الراء بوزن سكرى وهو كل ما انحدر مغربا من تهامة قاله في القاموس (الاكوار) جمع كور وهو مقدم الرحل (الميس) بكسر الميم جمع مائسة أي متحركة من سرعة السير (ترتمي) تسير بنا سيرا عنيفا (العيس) بكسر المهملة وسكون التحتية ثم مهملة وهي من الابل التي يخالط بياضها شيء من شقرة يقال جمل أعيس وناقة عيساء (في محضها) باهمال الحاء واعجام الضاد أي اللبن الخالص (ومخضها) بالمعجمتين ما مخض من اللبن وأخذ زبده (ومذقها) بفتح الميم فمهملة ساكنة فقاف أى لبنها المخلوط بالماء (في الدثر) بفتح الدال المهملة وسكون المثلثة ثم راء المال الكثير قال ابن الاثير ويقع على الواحد والاثنين والجماعة (وافجر لهم الثمد) بفتح المثلثة والميم واهمال الدال الماء القليل (كان مسلما) لان
стр. 484
كان محسنا ومن شهد ان لا إله إلا الله كان مخلصا لكم يا بني نهد ودائع الشرك ووضائع الملك لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة ولا تتثاقل عن الصلاة ولاهل اليمن مع رسول الله ﷺ اخبار طويلة فيما قالوا وقيل لهم. وكان ﵌ يخاطب كل وفد بلغتهم ويجاوبهم على مقتضى فصاحتهم
[وفد ثقيف وما كان من حديثهم]
وممن وافاه مقدمه من تبوك وفد ثقيف وكان من حديثهم ان رسول الله ﵌ لما انصرف عنهم تبعه عروة بن مسعود فأدركه قبل ان يصل الى المدينة فأسلم واخذ راجعا الى قومه فقال له رسول الله ﵌ الصلاة لا يقيمها الا المسلمون (كان محسنا) أي الاحسان الذي هو العطاء وليس المراد الذي هو بمعنى المراقبة (كان مخلصا) أى لان من شهد بالوحدانية لله فقد أخلص (ودائع الشرك) قال السمني أى عهوده ومواثيقه يقال أعطيته وديعا أي عهدا وقيل ما كانوا استودعوه من أموال الكفار الذين لم يدخلوا في الاسلام أراد انها حلال لهم لانها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط (ووضائع) بواو ومعجمة مفتوحتين فتحتية فمهملة قال الشمني جمع وضيعة وهي الوضيعة على الملك وما يلزم الناس في أموالهم من الصدقة والزكاة يعنى ان لا نجاوزها معكم ولا نزيد فيها وقيل معناه لا نأخذ منكم ما كان يأخذه ملوككم عليكم بل هو لكم والاول يناسبه (الملك) بكسر الميم والثاني بضمها (لا تلطط) بضم الفوقية وسكون اللام وكسر المهملة تعقبها أخرى واللط والالطاط المنع يقال لط الغريم والطه أي منعه والضمير في قوله لا تلطط للقبيلة (ولا تلحد) بضم الفوقية وسكون اللام وكسر الحاء وبالدال المهملتين أي لا يحصل منكم ميل عن الحق ما دمتم أحياء قاله ابن الاثير (ولاهل اليمن مع رسول الله ﷺ أخبار طويلة) منها انه كتب لكم في الوظيفة العريضة ولكم الفارض والفريش وذو العنان الركوب والفلو الضبيس لا يمنع سرحكم ولا يعضد طلحكم ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الرماق وتأكلوا الرباق من أقر فله الوفاء بالعهد والذمة ومن أبى فعليه الربوة ذكر ذلك عياض في الشفاء والعريضة من الابل المسنة الهرمة قاله ابن الاثير وكذا الفارض وفي بعض نسخ الشفاء العارض بالمهملة قال الشمنى وهي الناقة يصيبها كبر أو مرض فتنحر والفريش بالفاء والمعجمة مكبر هي التي وضعت حديثا كالنفساء من النساء قاله الهروى أو التي حمل عليها الفحل بعد النتاج بسبع قاله الاصمعي والعنان بكسر المهملة سير اللجام والركوب بفتح الراء الفرس الذلول قاله ابن الاثير والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو المهر ويقال له فلو بكسر أوله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه والضبيس بالمعجمة فالموحدة فالتحتية فللهملة مكبر وهو العسر الصعب قاله الهروى والسرح بفتح المهملة وسكون الراء الماشية والعضد القطع والطلح شجر عظام من شجر العضاه والرماق بكسر الراء وتخفيف الميم آخره قاف هو النفاق والرباق كالاول الا انه بالموحدة بدل الميم جمع ربق بكسر الراء الحبل فيه عري شبه ما يلزم الاعناق من العهد بالرق واسعار الاكل لنقض العبد فان البهيمة اذا أكلت الربق خلصت من الشدة قاله ابن الاثير والربوة بفتح الراء وفتحها أى الزيادة في الفريضة الواجبة عقوبة عليه (وفد ثقيف) بالصرف وهو أبو قبيلة
стр. 485
انهم قاتلوك فقال يا رسول الله انا أحب اليهم من أبصارهم وكان محببا اليهم مطاعا فيهم فلما جاءهم دعاهم الى الله تعالى فرموه بالنبل من كل ناحية فأصابه سهم فقتله فقال لهم ادفنونى مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم فلما بلغ النبى ﷺ خبره قال ان مثله في قومه كمثل صاحب يس ثم أقامت ثقيف بعد قتله اشهرا وسقط في أيديهم ورأوا ان لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب فأوفدوا جماعة منهم باسلامهم ولما نزلوا قناة الفوا بها المغيرة بن شعبة يرعي الابل وكان يوم نوبته فلما رآهم ترك الركاب وانصرف مسرعا مبشرا فلقيه أبو بكر رضى الله عنه فأخبره فقال له أبو بكر أقسمت عليك بالله لا تسبقني بخبرهم ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره بقدومهم ثم خرج المغيرة فتلقاهم وعلمهم التحية فلم يفعلوا الا بتحية الجاهلية ثم ضرب لهم رسول الله ﷺ قبة في المسجد فكان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم اللات ثلاث سنين فأبى عليهم ثم سألوه شهرا فأبى عليهم ثم سألوه أن يعفيهم من الصلاة وان لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال لهم اما كسر الاوثان فسنعفيكم واما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه وثقيف لقب له واسمه قيس بن منبه بن بكر بن هوازن (انهم قاتلوك) هذا من جملة معجزاته ﷺ (فلما بلغ النبي) بالنصب (خبره) بالرفع (كمثل صاحب يس) اسمه حبيب بن مرى النجار قال السهيلى ويحتمل انه أراد اليسع صاحب الياس فان الياس يقال في اسمه يس أيضا قال الطبرى هو الياس بن يس (وسقط في أيديهم) أي ندموا قال البغوي تقول العرب لكل نادم على أمر سقط في يده (قناة) بالقاف والنون الوادى المشهور بالمدينة (وكان يوم) بالنصب واسم كان مستتر فيها (وعلمهم التحية) يعنى السلام (بتحية الجاهلية) وهى الانحناء (ثم ضرب لهم رسول الله ﷺ قبة في المسجد) كما رواه الى آخره أبو داود عن عثمان بن أبى العاص قال وانما أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم ففيه جواز ادخال الكفار المسجد كما سبق (ان يعفيهم) بضم أوله وسكون المهملة وكسر الفاء أى يتركهم منها وفي سنن أبى داود فاشترطوا ان لا يعشروا ولا يحشروا (لا خير في دين لا صلاة فيه) في أبي داود ولا ركوع فيه وهو من باب التعبير بالبعض عن الكل والمراد بالحشر جمعهم للجهاد والنفر اليه والعشر أخذ العشور وحاصله انهم سألوه ﷺ الاعفاء من الزكاة والجهاد والصلاة فاعفاهم مما عدا الصلاة قال الخطابي وانما أعفاهم من الجهاد والزكاة لعدم وجوبهما بعد في العاجل لان الصدقة لا تجب الا بانقضاء الحول والجهاد لا يجب الا اذا حضر العدو قال وأما الصلاة فهى راتبة فلم يجز شرط تركها انتهي وروى أبو داود أيضا عن وهب قال سألت جابرا عن شأن ثقيف اذ بايعت قال اشترطت ان لا صدقة عليها ولا جهاد وانه سمع رسول الله ﷺ يقول سيتصدقون ويجاهدون اذا أسلموا
стр. 486
فقالوا فسنؤتيكها وان كانت دناءة ثم أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من احدثهم سنا وانما أمره عليهم لانه رآه أكثرهم سؤالا عن معالم الدين وبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمان اللات وكان قدومهم على النبى ﷺ في شهر رمضان مرجعه من تبوك روى عن بعض وفدهم قال كان بلال يأتينا بعد ان اسلمنا بسحورنا وانا لنقول ان الفجر قد طلع فيقول قد تركت رسول الله ﷺ يتسحر ويأتينا بفطورنا وانا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله ﷺ ثم يضع يده في الجفنة فيلقمهم منها وكان كتاب رسول الله ﷺ لهم (بسم الله الرحمن الرحيم) من محمد النبي رسول الله ﵌ الى المؤمنين ان عضاه وج وصيده لا تعضد من وجد يفعل من ذلك شيئا فانه يجلد وتنزع ثيابه (فسنؤتيكها) فسنعطيكها وزنا ومعنى (وان كانت دناءة) وضعة أى لما فيها من وضع الجباه التى هى أشرف الاعضاء بالارض وانما قالوا ذلك لغلبة الجهل وبقاء آثار الكفر عليهم وعدم الفهم لها واعتيادهم ما فيها من الخيرات والفتوح الربانية (من أحدثهم سنا) أى أصغرهم (أكثرهم) بالنصب (معالم الدين) جمع معلم وهو في الاصل الجبل الذى يهتدى به في القفار ويسمى علما أيضا (أبا سفيان) بن حرب (بسحورنا) بفتح السين اسم لما يتسحر به (وانا لنقول ان الفجر قد طلع) أي من شدة تاخير السحور كما هو السنة (بفطورنا) بالفتح أيضا اسم لما يفطر به (ما نري الشمس) بالضم أي ما نظنها (غربت) أي من شدة تعجيل الفطر كما هو السنة (الجفنة) بضم الجيم وسكون الفاء ثم نون وهي اسم لاعظم القصاع ثم تليها القصعة وهي تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع نحو الخمسة ثم المئكلة بكسر الميم ثم همزة ثم فتح الكاف تشبع الرجلين والثلاثة (ان عضاه وج وصيده الي آخره) رواه بمعناه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن الزبير رضى الله عنه وذكر الذهبي ان الشافعي صححه والعضاه بمهملة مكسورة وضاد معجمة كل شجر له شوك كالطلح والعوسج ووج واد بين الطائف ومكة سمي بوج بن عبد الحى من العمالقة ويقال فيه واج (لا يعضد) لفظ أبي داود حرم محرم لله تعالى قال الخطابى ولا أعلم لتحريمه معني الا أن يكون على سبيل الحما لنوع من منافع المسلمين أو انه حرم وقتا مخصوصا ثم أحل يدل عليه قول صاحب جامع الاصول قبل نزوله الطائف لحصار ثقيف ثم عاد الامر فيه الى الاباحة انتهى وذهب الشافعي ﵀ الى تحريمه لكن هل يجب عليه جزاء قولان القديم نعم لقوله في الحديث (ومن وجد يفعل من ذلك شيئا فانه يجلد وتنزع ثيابه) فالجلد تعزير على الفعل أو الجزاء في مقابلة ما أتلف وعليه فالضمان بالسلب كما في الحديث وقيل كحرم مكة وعلى الاول يسلب كسلب الكفارة وقيل يترك له ساتر العورة وضححه في المجموع وصوبه في زوائد الروضة والجديد عدم الضمان لعدم كونه محلا للنسك فاشبه
стр. 487
وكتب خالد بن سعيد بأمر رسول الله ﷺ وشهد على ذلك علي وابناه الحسن والحسين وذكر ان المغيرة لما أراد هدم اللات قام أهل بيته دونه خشية أن يصيبه ما أصاب عروة ولما شرع في الهدم صاح وخر مغشيا عليه مستهزأ بهم فارتجت المدينة فرحا فقام المغيرة يضحك منهم ويقول ياخبثاء ما قصدت الا الهزء بكم ثم أقبل على هدمها حتى أستأصلها وأخذ مالها وحليها وفرغ من أمرها*
[مطلب في غزوة تبوك وهي المسمّاة بساعة العسرة]
وممن ذكر في وفود هذه السنة وفد فزارة بضعة عشر رجلا ووفد تجيب ثلاثة عشر رجلا ووفد بني أسد قيل وفيهم نزل قوله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ووفد كلاب ووفد الداريين من لخم وهم عشرة ووفد سعد هذيم.
غزوة تبوك وهي الفردة لانها لم يكن في عامها غيرها ولم يغز ﷺ بعدها حتى توفي وسماها الله تعالى ساعة العسرة لوقوعها في شدة الجدب والحر الحما والكلام في حرم المدينة كهو في وج الطائف (وابناه الحسن والحسين) يستدل به على جواز تحمل الشهادة مع كون الشاهد ليس أهلا لها عند التحمل لانهما كانا صبيين (وذكروا ان المغيرة الي آخره) وذكره ابن اسحاق وغيره (يا خبثاء) بضم المعجمة وفتح الموحدة ثم ثلاثية مع المد جمع خبيث كغرباء وغريب وبفتح المعجمة وسكون الموحدة كغرقي (الا الهزء) بضم الهاء والزاي ثم همزة تبدل واوا وهو الاشهر (فزارة) بفتح الفاء ثم زاي ثم الف ثم راء ثم هاء (تجيب) بضم الفوقية وكسر الجيم وسكون التحتية بعدها موحدة كذا يقوله المحدثون وكثير من الادباء وقيل ان أوله بالفتح والباء عند هؤلاء أصلية وهم قبيلة من كندة (بنى أسد) بن خزيمة (قيل وفيهم نزل قوله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) قال البغوي وذلك انهم قدموا على رسول الله ﷺ في سنة جدبة فاظهروا الاسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر فافسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون وبروحون الى رسول الله ﷺ ويقولون أتتك العرب بانفسها على ظهور رواحلها وجئناك بالاثقال والذراري والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان يمنون على النبي ﷺ ويريدون الصدقة ويقولون اعطنا فانزل الله هذه الآية وقال السدي نزلت في اعراب جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار لما تخلفوا عن الحديبية بعد ان استنفروا لها قلت وقول السدي غير مرضي (ووفد كلاب) على لفظ جمع الكلب مع الصرف (الداربين) ينسبون الى جدلهم اسمه الدار هديم فغلبه عليه (غزوة تبوك) بفتح الفوقية والموحدة مكان من المدينة على أربعة عشر مرحلة جاءها النبى ﷺ وهم ينزفون ماءها بقدح فقال ما زلتم تبوكونها فسميت حينئذ تبوك ذكره القتيبي وغيره (ساعة) بالنصب (العسرة) أي الشدة قال البغوي وكان جيشها يسمى جيش العسرة (لوقوعها في شدة الجدب) وهو نقيض الخصب (والحر) الشديد روى الحاكم في المستدرك بسند صحيح علي شرط الشيخين عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب حدثنا
стр. 488
وقلة الزاد والظهر وكان من خبرها ان النبي ﵌ لما فرغ من جهاد العرب أمر الناس بالتهيئ لغزو الروم وحث المياسير على اعانة المعاسير فأنفق عثمان بن عفان رضى الله عنه فيها ألف دينار وحمل على تسعمائة وخمسين بعيرا وخمسين فرسا لذلك قيل له مجهز جيش العسرة وقال النبي ﷺ اللهم ارض عن عثمان فانى عنه راض وقال ماضر عثمان ما فعل بعد اليوم ثم ان رسول الله ﷺ جدّبه الجد فضرب معسكره على ثنية الوداع وأوعب معه المسلمون فكان عددهم سبعين ألفا وقيل ثلاثين ألفا وتخلف عبد الله بن ابيّ ومن معه جبنا ونفاقا ودخلا وفيهم نزلت عن شأن ساعة العسرة فقال عمر خرجنا الى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا ان رقابنا ستنقطع حتى ان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقى على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله ان الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله قال أنحب ذلك قال نعم فرفع يده فلم يرجعهما حتى خالت السماء فأظلت ثم سكبت فملؤا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر انتهى وهذا من جملة معجزاته ﷺ في استجابة الدعاء وفيه منقبة ظاهرة لسيدنا أبي بكر رضى الله عنه حيث أشار على النبى ﷺ بذلك واستشاره ﷺ (وقلة الزاد) قال البغوي كان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير وكان النفر منهم يخرجون ما معهم الا التمرات بينهم فاذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها فيشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم فلا يبقي من التمرة الا النواة (و) قلة (الظهر) أي الحمولات قال البغوي قال الحسن كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك (المياسير على المعاسير) جمع موسر ومعسر على غير قياس (فانفق عثمان ﵁ كما رواه الترمذى عن عبد الرحمن ابن سمرة (الف دينار) نثرها في حجر رسول الله ﷺ (وحمل على تسعمائة بعير وخمسين فرسا) هذا خلاف ما في سنن الترمذى انه قال يا رسول الله علىّ مائة بعير باحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم قال علي ثلثمائة بعير باحلاسها وأقتابها في سبيل الله (مجهز) بالضم (فقال النبى ﷺ وهو بارك على المنبر (ماضر عثمان) بالنصب (ما عمل) أي الذي عمله من الذنوب قبل أن يتصدق بما تصدق به فانه (بعد اليوم) مكفر عنه بصدقته (الجد) بالكسر الجهد والمبالغة في الامر (معسكره) بضم الميم موضع اجتماع العسكر (على ثنية الوداع) وهي شامي المدينة عن يسار مسجد الراية سميت بذلك لان الخارج من المدينة الى الشام يمشي معه المودعون اليها (وأوعب) أى جمع (وكان عددهم سبعين الفا) قاله أبو زرعة الرازى (وقيل ثلاثين الفا) قاله ابن اسحاق. قال النووى وهذا أشهر قال وجمع بينهما بعض الائمة بان أبا زرعة عد التابع والمتبوع وابن اسحاق عد المتبوع فقط وفي صحيح مسلم يزيدون على عشرة آلاف مع عدم تبيين قدر (وتخلف عبد الله بن أبي ومن معه) قال البغوى «١» ولم يقل ناقل العسكرين (ودخلا بالمهملة والمعجمة)
стр. 489
سورة براءة وسماها ابن عباس الفاضحة قال ما زالت تنزل فيهم ومنهم حتى ظنوا انه لم يبق أحد منهم الا ذكر فيها وتخلف آخرون لا عن نفاق وريبة إخلادا الى الظل وكسلا وهم الذين تاب الله عليهم وتخلف آخرون ممن عذر الله تعالى في قوله تعالى لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى الآية وفيهم قال النبي ﷺ وهو بتبوك ان بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا شعبا الا وهم معنا فيه حبسهم العذر وكان خروجه ﷺ من المدينة يوم الخميس وكان يحب ان يخرج فيه وذلك لخمس خلون من رجب واستخلف على خاصته ومن ترك علي بن ابي طالب فعيره المنافقون بالتخلف فأدرك النبي ﷺ فأخبره وقال مفتوحتين وهى الخيانة والخديعة واظهار الوفاء وابطان النقض (سورة براءة) وهي مدنية وخصت من بين السور بعدم كتب بسم الله الرحمن الرحيم أولها لان البسملة أمان وهي نزلت لرفع الامن بالكف وقد سأل ابن عباس عثمان عن ذلك فقال لما كانت قصتها شبيهة بقصة الانفال قرنت بينهما ولم أكتب بسم الله الرحمن الرحيم كما رواه أبو داود والترمذى وهذا يدل على ان ذلك كان باجتهاد من عثمان لا بتوقيف منه ﷺ لكن أخرج الحاكم حديثا يؤخذ منه ان ذلك بتوقيف (وسماها ابن عباس الفاضحة كما رواه الشيخان) عن سعيد بن جبير ومن أسمائها انها سورة التوبة وسورة البحوث بفتح الموحدة وضم المهملة آخره مثلثة والمسرة والمتغيرة والمقرة وسورة العذاب (اخلادا) مصدر أخلد بمعنى سكن وقال ويقال خلد أيضا قاله الزجاج قال واصله من الخلود وهو الدوام والمقام ويقال اخلد فلان بالمكان اذا أقام به (ليس على الضعفاء) يعني الزمنى والمشايخ والعجزة قاله ابن عباس وقيل هم الصبيان وقيل النساء (ولا على المرضى) كعابد بن عمرو وأصحابه كان بهم مرض يومئذ وكابن أم مكتوم كان أعمى (ولا على) الفقراء (الذين لا يجدون ما ينفقون) في الغزو ليس عليهم (حرج) اثم ولا ضيق في القعود عن الغزو لكن (اذا نصحوا لله ورسوله) في مغيبهم وأخلصوا الايمان والعمل لله وبايعوا الرسول (ما على المحسنين من سبيل) أي طريق للعقوبة (والله غفور) كثير المغفرة (رحيم) بالمؤمنين (ان بالمدينة أقواما الى آخره) رواه البخارى وأبو داود عن أنس ورواه مسلم عن جابر (الا وهم معنا) أى مشاركوننا في الثواب كما في رواية لمسلم الا شركوكم في الاجر انهم انما (حبسهم العذر) عن النفر معنا ولو لاه لنفروا ففيه ان الطاعات من جهاد وغيره يكتب ثوابها لتاركها بعذر وقد روى أحمد والبخاري عن أبي موسى اذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الاجر ما كان يعمل صحيحا مقيما وروى ابن عساكر عن مكحول مرسلا اذا مرض العبد يقال لصاحب الشمال ارفع عنه القلم ويقال لصاحب اليمين اكتب له أحسن ما كان يعمل فاني أعلم به وأنا قيدته (واستخلف على خاصته ومن ترك علي ابن أبي طالب) رواه الشيخان والترمذى وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص زاد الحكم في الاكليل فقال يا علي اخلفني في أهلى فاضرب وخذ واعط ثم دعا نساءه فقال اسمعن لعلي واطعن (وكان يحب أن يخرج يوم الخميس) روى أبو داود عن كعب بن مالك قال ما كان رسول الله ﷺ يخرج الى سفر الا يوم الخميس
стр. 490
اتخلفني في النساء والصبيان قال الا ترضى ان تكون منى بمنزلة هرون من موسى الا انه لا نبى بعدى ومضى رسول الله ﷺ لوجهه فلما مر بالحجر ديار ثمود قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا انفسهم ان يصيبكم ما أصابهم الا ان تكونوا باكين ثم قنع رأسه واسرع السير حتى اجاز الوادى فلما انتهى رسول الله ﷺ الى تبوك وهي ادنى بلاد الروم اتاه يحنة بن روبه واهل جربا واذرح فصالحهم على الجزية
[كتابه ﷺ ليحنة بن روبة في صلحه وذمته]
وكتب ليحنة بسم الله الرحمن الرحيم هذا امنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن روبه واهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من اهل الشام واليمن واهل البحر (أتخلفني في الصبيان والنساء) استفهام استعظام (الا ترضي) وفي رواية في الصحيح اما ترضى (أن تكون نازلا منى بمنزلة) الباء زائدة ولمسلم انت منى بمنزلة (هرون) بن عمران بن نظهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم (من) أخيه لابيه وأمه (موسي) هذا الحديث من أقوى شبه الروافض والامامية وسائر فرق الشيعة القائلين بان الخلافة كانت حقا لعلي وانه أوصى له بها قال عياض وهذا الحديث لا حجة فيه لهم لانه ﷺ انما شبهه بهرون في انه ﷺ استخلفه في هذه الغزاة كما استخلف موسى هرون حين ذهب لميقات ربه فهو تشبيه خاص قال ويؤيد هذا ان هرون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى بل توفي في حياة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الاخبار والقصص (الا انه لا نبي بعدي) بعثة منشأة بشريعة مستقلة قال العلماء ففيه دليل على ان ابن مريم اذا نزل ينزل حكما من حكام هذه الامة يحكم بشريعة نبينا ﷺ (فلما مر بالحجر ديار ثمود الى آخره) رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر وديار بدل من حجر وهى أرض ثمود بين المدينة والشام (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم) فيه ندب البعد عن أماكن الكفار وأهل المعاصي وفيه ما كان عليه ﷺ من شدة الخوف على أمته وقوله (أن تصيبكم) منصوب باضمار خشية (الا أن تكونوا باكين) ففيه ان البكاء من خشية الله وعذابه ربما كان سببا للامان (ثم قنع رأسه) أرخي الثوب عليه (وأسرع السير) فيه ندب ذلك في كل محل غضب على أهله ومنه وادى محسر كما مر (حتى أجاز الوادي) أى قطعه وخرج منه وهو رباعي وثلاثي وفي الصحيحين انه نهاهم عن استعمال مياهها وان يستقوا من بئر الناقة والنهى عنه للتنزيه (يحنة) بضم التحتية وفتح المهملة وتشديد النون ثم هاء تنقلب في الدرج فوقية (ابن روبه) بضم الراء وسكون الواو ثم موحدة ثم هاء كذلك (جربا) بجيم مفتوحة فراء ساكنة فموحدة فالف مقصورة على الصواب المشهور (واذرح) بهمزة ثم معجمة ساكنة فراء مضمومة فمهملة على الصواب المشهور وقيل بالجيم بدلها وهو تصحيف قال النووى هي مدينة في طرف الشام في قبلة السويك بينها وبينه نحو نصف يوم وهى في طرف السراة بفتح المعجمة في طرفها الشمالى وتبوك في قبلة أذرح (ايلة) بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة فلام مفتوحة مدينة في طرف الشام على ساحل البحر متوسطة بين المدينة الشريفة ودمشق. قال الحازمي قيل هي آخر الحجاز وأول الشام (ومحمد)
стр. 491
فمن احدث منهم حدثا فانه لا يحول ماله دون نفسه فانه طيب لمن اخذه من الناس وانه لا يحل ان يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر
[خبر إرساله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر صاحب دومة الجندل]
ثم بعث رسول الله ﷺ وهو بتبوك خالد بن الوليد الى اكيدر بن عبد الملك الكندى صاحب دومة الجندل وقال انك تجده يصيد البقر فمضى خالد حتى اذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة أقام وجاءت بقر الوحش حتى حكت قرونها بباب القصر فخرج اليهم اكيدر في جماعة من خاصته فلقيتهم خيل رسول الله ﵌ فأخذوا اكيدر وقتلوا اخاه حسان فحقن رسول الله ﷺ دمه وصالحه على الجزية وكان نصرانيا واقام رسول الله ﵌ بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزهم ثم اخذ راجعا الى بالكسر عطف على ذمة الله (لا يحول ماله دون نفسه) أي لا يؤخذ من ماله فداء عن نفسه بل قتله حلال لمن أراده لانتقاض ذمته بالاحداث (ان يمنعوا) بالبناء للمفعول (اكيدر) بهمزة مضمومة وكاف مفتوحة فتحتية ساكنة فمهملة مكسورة فراء لم يسلم بلا خلاف عند أهل السير قال ابن الاثير ومن قال انه أسلم أى كالخطيب البغدادى وابن منده وأبي نعيم فقد أخطأ خطأ فاحشا انتهي وأكيدر هذا هو الذى أهدي لرسول الله ﷺ ثوب حرير فاعطاه عليا فقال شققه خمرا بين الفواطم (دومة الجندل) بضم المهملة وفتحها كما مر عرفت بدومة ابن اسماعيل فيما ذكر (انك تجده يصيد البقر) هذا من أعلام نبوته ﷺ والمراد به بقر الوحش (بمنظر) بفتح المعجمة ومنظر (العين) موضع ادراك نظرها (وصالحه على الجزية وكان نصرانيا) قال ابن الاثير فلما صالحه النبي ﷺ عاد الى حصنه وبقى فيه ثم حاصره خالد بن الوليد في زمان أبي بكر الصديق ﵁ فقتله مشركا نصرانيا يعنى لنقضه العهد وذكر البلاذري انه قدم على عهد رسول الله ﷺ وأسلم وعاد الى دومة فلما توفي رسول الله ﷺ ارتد فلما سار خالد من العراق الى الشام قتله انتهى وفي سيرة ابن اسحق انه ﷺ كتب له كتابا فيه عهد وأمان وكانت صورته على ما حكاه البيهقي عن أبي عبيد بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لا كيدر حين أجاب الى الاسلام وخلع الانداد والاصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل واكنافها ان لنا الضاحية أى أطراف الارض والبور والمعافي أى المجهول من الارض واغفال الارض أي مالا أثر فيه من عمارة والحلقة والسلاح والحافر والحصن ولكم الضامية من النخل أي الداخلة في بلدكم والمعين من المعمور لا تعدل سارحتكم أي لا تحشر الى المصدق ولا تعد فاردتكم ولا يحظر عليكم النبات أي لا تمنعون من الرعي حيث شئتم تقيمون الصلاة لوقتها وتؤدون الزكاة بحقها عليكم بذلك عهد الله والميثاق ولكم بذلك الصدق والوفاء شهد الله ومن حضر من المسلمين قال أبو عبيد انا قرأته أتاني به شيخ هناك في قضم بالقاف والمعجمة أى صحيفة وهذا يؤيد ما ذكره البلاذرى من اسلامه
стр. 492
[خبر موت ذي البجادين المزني]
المدينة ولما كان ببعض الطريق مات ذو البجادين المزنى ليلا قال ابن مسعود فرأيت النبي ﷺ في حفرته وهو يقول لابي بكر وعمر ادليا الى اخاكما فدلياه اليه فلما هيأه لشقه قال اللهم قد امسيت راضيا عنه فارض عنه قال ابن مسعود حينئذ ياليتني كنت صاحب الحفرة وعن أبي امامة الباهلى ﵁ قال أتى رسول الله ﷺ جبريل وهو بتبوك فقال يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزنى فخرج رسول الله ﷺ ونزل جبريل ﵇ في سبعين ألفا من الملائكة فوضع جناحه الايمن على الجبال فتواضعت ووضع جناحه الايسر على الارض فتواضعت حتى نظر الى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله ﷺ وجبريل والملائكة ﵈ فلما فرغ قال يا جبريل بم بلغ معاوية هذه المنزلة قال بقراءته قل هو الله أحد قائما وراكبا وماشيا رواه ابن السني والبيهقي ولما نزل (ذو البجادين) بموحدة مكسورة فجيم خفيفة فدال مهملة تثنية بجاد وهو كساء من أكسية الاعراب مخطط قال ابن عبد البر اسمه عبد الله بن عبد وقيل ابن سهم عم عبد الله بن مغفل قال وسمى ذا البجادين لانه حين أراد المسير الى رسول الله ﷺ قطعت أمه بجادها وهو كساء شقته باثنتين فاتزر بواحد وارتدي بالآخر وقد روى حديث ابن اسحق وغيره عن عبد الله بن مسعود (يا ليتني صاحب هذه الحفرة) . أي ليصيبني بركة دعوته ﷺ (وعن أبى امامة) اسمه صدي ابن عجلان (معاوية بن معاوية) اختلفت الآثار في اسم والده معاوية هذا قاله ابن عبد البر وله في رواية معاوية بن مقرن (المزني) ويقال الليثى قاله ابن عبد البر (فصلي عليه) زاد ابن عبد البر وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك وله في أخري ستون ألف ملك (قائما وراكبا وماشيا) لابن عبد البر في رواية عنه قل هو الله أحد وقراءته لها ذاهبا وجائيا وقائما وقاعدا وعلى كل حال (رواه ابن السني والبيهقي) وابن عبد البر في الاستيعاب بروايات بعضها عن أنس وبعضها عن أبى امامة واسم ابن السنى أحمد بن محمد بن اسحق (تنبيه) قد يوهم كلام المصنف ان معاوية المذكور هو ذو البجادين وليس كذلك فذو البجادين مات بطريق تبوك ودخل النبي ﷺ حفرته كما مر واما معاوية ابن معاوية المزني فانما مات بالمدينة كما صرحت به رواية ابن عبد البر عن أنس قال كنا مع رسول الله ﵌ بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بها فيما مضي فاتاه جبريل فقال له يا جبريل مالي أرى الشمس طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت بها فيما مضى قال ذلك ان معاوية الليثي مات اليوم في المدينة فبعث الله اليه سبعين ألف ملك وذكر تمام الحديث قال وأسانيد هذه الاحاديث ليست بالقوية ولوانها في الاحكام لم يكن في شيء منها حجة ومعاوية بن معاوية لا أعرفه بغير ما ذكرت
стр. 493
[خبر مسجد الضرار وهدمه وإحراقه]
النبى ﷺ بذي اوان قريبا من المدينة اتاه جبريل بخبر اهل مسجد الضرار وكانوا اثنى عشر رجلا فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وأخاه عويمرا وعامر بن السكن ووحشى بن حرب قاتل حمزة وقال لهم انطلقوا الى هذا المسجد الظالم اهله فاهدموه وحرقوه فخرجوا سراعا حتى أتوه وفيه اهله فحرقوه وهدموه وتفرق عنه اهله واتخذ موضعه كناسة تلقى فيها الجيف وقدم ﷺ المدينة في شهر رمضان ولما قدمها بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين وكانت تلك عادته ثم جلس للناس
[حديث الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك وتوبتهم]
وجاءه المخلفون يعتذرون اليه بالباطل ويحلفون له فقبل منهم ووكل سرائرهم الى خالقهم وفيهم نزل قوله تعالى يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ الآية وما بعدها حديث الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع قال بعض الشارحين اول أسمائهم مكة وآخر أسماء آبائهم عكة روينا في الصحيحين واللفظ للبخاري عن كعب بن مالك في هذا الكتاب وفضل قل هو الله أحد لا ينكر وبالله التوفيق (بذى أوان) بهمزة مفتوحة فواو خفيفة فالف فنون واد بينه وبين المدينة ثلاثة فراسخ من جهة الشام (أتاه جبريل) بعد ان جاء الذين بنوه فسألوه ان يأتي مسجدهم فدعا بقميص ليلبسه ويأتيهم فنزل القرآن (بخبر أهل مسجد الضرار) الذين بنوه ليضاروا به مسجد قبا (وكانوا) أى الذين بنوه (اثني عشر رجلا) وهم كما قال البغوي وديعة بن ثابت وخذام بن خالد قال البغوي ومن داره أخرج هذا المسجد وثعلبة بن حاطب وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد ومعتب ابن قشير وعباد بن حنيف أخو سهل وأبو حبيبة بن الازعر ونبتل بن الحارث وبجاد بن عثمان ورجل يقال له بحزج (بن الدخشم) تقدم ذكره (ومعن) بفتح الميم وسكون المهملة ثم نون (وأخاه) لم يذكره البغوي (السكن) بفتح المهملة والكاف آخره نون (الظالم) بالكسر بدل من هذا (فحرقوه) وكان الذي جاءهم بالنار مالك بن الدخشم (كناسة) قمامة وزنا ومعنى (تلقى فيها الجيف) جمع جيفة وذلك بامره ﷺ (عادته) بالنصب خبر كانت (المخلفون) أي الذين خلفهم الله تعالى عن صحبة رسول الله ﷺ * حديث الثلاثة الذين خلفوا (كعب بن مالك) بن أبي كعب واسم أبي كعب عمرو بن القين ابن كعب بن سواد بن عمرو بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم ابن الخزرج (وهلال بن أمية) ابن عامر بن قيس بن عبد الاعلم بن عامر بن كعب بن واقف واسم واقف مالك بن امرئ القيس بن مالك بن أوس (ومرارة) بضم الميم وتخفيف الراء المكررة (ابن الربيع) كما في صحيح البخاري أو ابن ربيعة كما في صحيح مسلم قال ابن عبد البر يقال بالوجهين (أول أسمائهم مكة) لان الميم أول اسم مرارة والكاف أول اسم كعب والهاء أول اسم هلال (وآخر أسماء آبائهم عكة) فالعين آخر اسم الربيع والكاف آخر اسم مالك والهاء آخر اسم أمية (وروينا في الحصيحين) وسنن أبى داود والترمذي والنسائي (عن) ابن شهاب قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن (كعب بن مالك) ان عبد الله
стр. 494
رضى الله عنه قال لم اتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها الا غزوة تبوك غير اني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها انما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما احب ان لي بها مشهد بدر وان كانت بدر اذكر في الناس منها كان من خبرى اني لم اكن قط اقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة الاورّى بغيرها حتى كان تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز وعدوا كثير فجلا للمسلمين امرهم ليتأهبوا اهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذى يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فما رجل يريد ان يتغيب الا ظن انه سيخفي له ذلك ما لم ينزل فيه وحي الله وغزا رسول الله صلى الله ابن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي زاد مسلم وأهل السنن وكان أعلم قومه وأوعاهم لاحاديث أصحاب رسول الله ﷺ (ليلة العقبة) التي بايع رسول الله ﷺ الانصار فيها على الاسلام وان يقوّوه وينصروه قال النووي وهي العقبة التى في طرف منى التي يضاف اليها جمرة العقبة وكانت بيعتها مرتين في سنتين كانوا في الاولى اثنى عشر وفي الثانية سبعين كما مر (حين تواثقنا على الاسلام) أي تبايعنا عليه وتعاهدنا وأخذ بعضنا على بعض الميثاق (وما أحب ان لى بها) الضمير لليلة العقبة (مشهد بدر) بالنصب اسم ان أي ما أحب اني شهدت بدرا ولم أشهدها قال ذلك لما ظهر له بحسب نظره ان ليلة العقبة كانت أفضل لانها وقعت قبل الهجرة والمسلمون قليل والاسلام ضعيف (وان كانت بدر أذكر) بالنصب أشهر عند (الناس) بالفضيلة (الاورى بغيرها) أي أوهم غيرها زاد أبو داود وكان يقول الحرب خدعة (في حر شديد) يخاف من الهلاك (ومفاوز) جمع مفازة بفتح الميم. قال النووي قيل انه من قولهم فوز الرجل اذا هلك وقيل هو على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ سليم (وعدوا) في بعض نسخ الصحيح وعددا بتكرير الدال (فجلا) بتشديد اللام وتخفيفها أي أوضح وبين وعرفهم ذلك على وجهه بلا تورية (أهبة) بهمزة مضمومة فهاء ساكنة كل ما يحتاج اليه في السفر والحرب (غزوهم) بالمعجمتين وللكشميهني في صحيح البخاري عدوهم بالمهملتين وتشديد الواو (بوجهه) ولمسلم وغيره بوجههم أي مقصدهم (كتاب حافظ) روي في صحيح البخاري بتنوينهما وفي مسلم بالاضافة قال ابن شهاب (يريد) كعب بالكتاب الحافظ (الديوان) وهو بكسر المهملة على المشهور وحكى فتحها فارسي معرب وقيل عربي كما مر أول الكتاب (فما رجل) لمسلم فقل رجل (ان يتغيب) أي يغيب (الا ظن انه سيخفي) ووقع في مسلم حذف الا والصواب
стр. 495
عليه وسلم تلك الغزة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت اغدو لكي اتجهز معهم فأرجع ولم اقض شيأ فأقول في نفسى انا قادر عليه فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيأ فقلت أتجهز بعده بيوم او يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لا تجهز فرجعت ولم أقض شيأ فلم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهمت ان ارتحل فأدركهم وليتنى فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت اذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزننى أني لا أرى الا رجلا مغموصا عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرنى رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب فقال رجل من بني سليم يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه الا خيرا فسكت رسول الله ﷺ قال كعب بن مالك فلما بلغني انه توجه قافلا حضرنى همى وجعلت أتذكر الكذب وأقول اخرج به من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل ان رسول الله ﷺ قد أظل قادما راح عنى الباطل وعرفت انى لم أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله اثباتها (حين طابت الثمار) أينعت ونضجت وآن وقت أكلها (و) طابت (الظلال) زاد مسلم فأنا اليها أصعر بالاهمال أي أميل والصعر الميل (من جهازي) بفتح الجيم وكسرها أي أهبة سفري (حتى أسرعوا) باهمال السين وصحف الكشميهني في صحيح البخاري فرواها بالاعجام مع حذف الالف (وتفارط) بفاء وراء وطاء مهملة فات وسبق الغزو (مغموصا) باعجام الغين واهمال الصاد أي مطعونا عليه في دينه ومتهما بالنفاق (تبوك) بالصرف في أكثر الروايات. قال النووي وكانه صرفها لارادة الموضع دون البقعة (فقال رجل من بني سلمة) قال الواقدى في المغازى اسمه عبد الله بن أنيس (حبسه برداه والنظر في عطفيه) أى جانبيه اشارة الى اعجابه بنفسه ولباسه (فسكت رسول الله ﷺ فبينما هو على ذلك رأي رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله ﷺ كن أبا خيثمة فاذا هو أبو خيمثة الانصارى وهو الذى تصدق بصاع التمر حين أمره المنافقون انتهت الزيادة والمبيض لابس الابيض واسم أبي خيثمة هذا عبد الله بن خيثمة وقيل مالك بن قيس ولهم أبو خيثمة صحابى آخر اسمه عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي واللمز العيب (حضرني همي) ولمسلم بثي بالموحدة فالمثلثة المشددة والبث أشد الحزن (قد أظل) بالمعجمة أى أقبل ودنا كانه ألقى على ظله (زاح عني الباطل) أى ذهب ويقال انزاح أيضا والمصدر زيوحا قاله الاصمعي وزيحانا قاله الكسائي (فأجمعت صدقه) أى عزمت عليه وجزمت