الجزء الأول
[خطبة الكتاب والكلام على تفسيرها]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين وعليه أتوكل أحمدك اللهم على ما اسبلت من نعمائك التوام الشوامل. وأشكرك على ما أجزلت من آلائك العوام الكوامل. حمدا أستنزل به فيض جودك الهاطل. وشكرا استمطر به غيث كرمك الواصل. وأشهد أن لا اله الله وحدك لا شريك لك ولا مماثل. شهادة تتكفل ببلوغ المرام من دخول دار السلام والسلامة من كل خطب هائل. وأشهد ان محمدا عبدك ورسولك وحبيبك وخليلك اصطفيته من خيرة العرب وأشرف القبائل. وأيدته بالبراهين القطعية وأوضح الدلائل. وجعلته مجمعا للخيرات ومنبعا للفضائل. وزينته باحسن الاخلاق وأكرم الشمائل ومدحته بما منحته فقلت «وانك لعلى خلق عظيم» وأنت أصدق قائل. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الا ماجد الاماثل. كلما ذكرك وذكره ذاكر وغفل عن ذكرك وذكره غافل (وبعد) فان بهجة المحافل. للامام الحافظ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر العامري العلامة الفاضل. لما كانت من أحسن الكتب المصنفة والاسفار المؤلفة في الفنون المختلفة من تلخيص المعجزات والسير والشمائل. واشتملت على آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومسائل فقهية وآداب شرعية ولغوية واحتاجت لنصب علم على ما فيها من المجاهل. يستدل به الناهل على أعذب المناهل.
استخرت الله تعالى في نصب علم يسهل مجهلها ويحل مشكلها ويفتح مغلقها ويقيد مطلقها ويعزي غالب أحاديثها وأقاويلها الى المخرج والقائل وشحته من شرح مسلم للامام النووى الجليل ومن التوشيح والديباج للسيوطى الحافظ النبيل ومن تفسير الحسين بن مسعود الفراء البغوى معالم التنزيل مستعينا غالبا بالنقل عنه عن ابن اسحاق وغيره ممن هو عنه ناقل وأسأل من لا تبرمه المسائل. ولا يخيب لديه السائل. أن يجعل ذلك
стр. 2
الحمد لله الواحد البر الرحيم* الفاطر الصمد العليم* الذى بعث محمدا ﵌ بالحنيفية السمحة والدين القويم* وبصربه بعد العمى وكشف به الغما وهدا به من الضلالة وآتاه الخلق خالصا من شوائب الآفات وعملا صالحا يجري علىّ بعد الممات وان يبلغنى بمنه ما أنا منه آمل. وان يحشرني ووالدى ومشايخى وسائر المؤمنين في زمرة نبيه محمد خاتم النبيين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين ما ضحك البرق مبتسما وبكي الودق منسجما وأحيا الحيا موات الارض. فانتعش به كل غصن ذابل.
آمين (شرح بعض ألفاظ الخطبة) قال المؤلف غفر الله زلته وأقال عثرته آمين.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
(الحمد لله) بدأ بهما تأسيا بالقرآن العظيم وعملا بقوله ﷺ كل امر ذى بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع أخرجه الرهاوى في الاربعين من حديث أبى هريرة ولابن ماجه والبيهقي في السنن والرهاوى من حديثه لا يبدأ فيه بالحمد لله زاد الرهاوى والصلاة على فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة ومنه يؤخذ تفسير أجذم الذي في صحيح ابن حبان ومعنى ذى بال أى حال يهتم به وجمع بين الابتدائين عملا بالروايتين واشارة الى عدم تعارضهما اذ الابتداء حقيقى واضافي فبالبسملة حصل الاول وبالحمد لله حصل الثاني وقدم البسملة عملا بالكتاب والاجماع واشتقاق الاسم والحمد ومتعلقاتهما مستوفاة في كتب الفقه فلا نطيل بذكرها (البر) هو العطوف على عباده المحسن الى جميع خلقه بالبر والرزق (الفاطر) هو الخالق المخترع على غير مثال سابق (الصمد) هو السيد الذى انتهى سؤدده أو الدائم الباقى بعد فناء خلقه أو الذي يصمد اليه في النوائب أو الذى لا جوف له أو الذى لا يأكل ولا يشرب أو المقصود أو الذى لا عيب فيه أو المالك أو الحليم أو الملك أو الكامل أو الذى لا شئ فوقه أو الذى لا يوجد أحد بصفته أقوال (محمدا) سمى به لكثرة خصاله المحمودة وسيأتى بسط الكلام عليه حيث ذكره المصنف (بالحنيفية) هي المائلة عن كل دين الى دين الاسلام والحنف لغة الميل وحذف الموصوف وهو الملة (السمحة) أى التى لا حرج فيها ولا ضيق (والدين) أى دين الاسلام (القويم) الذى لا اعوجاج فيه (وبصربه بعد العمى) أى هدى به بعد الضلالة (وكشف) أى أزال به (الغما) بضم المعجمة وتشديد الميم وهو الغم العظيم وأصلها المد لكن يقصر لمجاورة العمى (وآتاه) بمد الهمزة أى أعطاه (الخلق) بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية وحقيقتها صورة الانسان الباطنة وهى نفسه ومعانيها وأوصافها ولها أوصاف حسنة وسيئة والثواب والعقاب يتعلقان باوصاف الصورة الباطنة أكثر من تعلقهما بالصورة الظاهرة وكان ﷺ من ذلك بالمحل الأعلى كما وصفه جل وعلا «إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» أى دين عظيم بقوله لا دين أحب الى الله تعالى ولا أرضا عنده منه وهو الاسلام وقيل القرآن وقيل آدابه وقيل ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله وقيل لانه امتثل تأديب الله بقوله «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» الآية وفسر عياض الخلق العظيم بالطبع الكريم وقيل ليس له همة الا الله
стр. 3
العظيم والقلب السليم* واختصه بالشفاعة العظمى والمقام المحمود والتبجيل والتكريم* وأرسله الى الكافة وآمن به بعد المخافة وجعله من أوسط العرب وأعز الجراثيم* صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أفضل الصلاة والتسليم (وبعد)
(و) آتاه (القلب) سمى به لكثرة تقلبه أو لانه خالص ما في البدن وخالص كل شئ قلبه أو لانه وضع في الجسد مقلوبا أقوال أصحها الاول فقد أخرج الطبراني من حديث أبى موسي بسند حسن انما سمى القلب من تقلبه (السليم) هو الخالى عن كل وصف ذميم كالشرك والشك والذنوب الباطنه كالكبر والحسد والرياء والعجب (واختصه) أى افرده وميزه (بالشفاعة) هى لغة الرغبة والزيادة وسمى الشفيع شفيعا لزيادته في الرغبة وشفع أوّل كلامه بآخره (العظمى) هى الشفاعة في فصل القضاء واراحة الناس من طول الوقوف وسيأتي انه اختص بشفاعات أخر سوى هذه (والمقام المحمود) هو هذه الشفاعة أيضا قالوا وزائدة أو إعطاؤه لواء الحمد أو اخراجه طائفة من النار أو أن يكون أقرب من جبرائيل وعليها قالوا وللتغاير (وأرسله الى الكافة) قال الجوهرى الكافة جمع من الناس يقال لقيتهم كافة أى جميعهم انتهى وعن سيبويه ان التعريف في كافة لا يجوز بل يستعمل منكرا منصوبا على الحال كقاطبة انتهى والمراد بالكافة الانس والجن وفي الملائكة خلاف مشهور واختار السبكى وغيره انه مرسل اليهم أيضا (وآمن) بالمد (به) الخلق كافة من ان يصيب كافرهم في الدنيا ما أصاب الامم السالفة من الخسف والمسخ عموما وآمن به المؤمنين في الآخرة من النار (وأعز الجراثيم) جمع جرثومة بضم الجيم والمثلثة بينهما واو ساكنة وجرثومة كل شئ أصله وأصله التراب المجتمع في أصل الشجر والذي تسفيه الريح قاله في القاموس (وآله) هم جميع الامة أو بنو هاشم وبنو المطلب أو أهل بيته وذريته أقوال رجح النووي في شرح مسلم الاول قال وهو اختيار الازهري وغيره من المحققين ورجح الاكثرون الثاني وهو الاظهر نعم قدير ادبهم هنا الأوّل لخبر آل محمد كل تقى أخرجه الطبراني في الاوسط من حديث أنس بسند فيه ضعف (وصحبه) اسم جمع لصاحب وهو من لقيه ولو مرة مؤمنا ومات على ذلك كما هو المعروف عند المحدثين واشترط الاصوليون طول مجالسته على طريق التبع له ويروى عن ابن المسيب اشتراط أن يقيم معه سنة وان يغزو معه وهذا شاذ يلزم منه ان لا يعد جرير بن عبد الله وأمثاله من الصحابة (فائدة) جملة طبقاتهم على ما ذكره الحاكم اثنتا عشرة طبقة الاولى من تقدم اسلامه الثانية أصحاب دار الندوة الثالثة مهاجرة الحبشة الرابعة من بايع ليلة العقبة الخامسة أصحاب العقبة الثانية السادسة أوّل المهاجرين الذين لحقوا رسول الله ﷺ قبل أن يدخل المدينة السابعة أهل بدر الثامنة المهاجرة بين بدر والحديبية التاسعة أهل بيعة الرضوان العاشرة المهاجرة بين الحديبية والفتح الحادية عشرة مسلمة الفتح الثانية عشرة الصبيان والاطفال الذين رأوا رسول الله ﷺ ويدخل فيها من ميز ومن لم يميز وجملة من مات النبي ﷺ عنهم مائة ألف وأربعة عشر ألفا كما نقله ابن الصلاح عن أبي زرعة الرازي (وبعد) مبنية على الضم كأصلها كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب الى آخر وكان صلى الله
стр. 4
[مطلب في الكلام على أما بعد]
فمن أجل ما ينبغي معرفته وتعريفه وصرف العناية اليه وتدوينه وتصنيفه الكلام فى العلوم النبوية والصفات المحمدية لصدورها عن الصدر الذي انبعثت عنه العلوم كلها جملة وتفصيلا فروعا وأصولا فشرف العلم شرف المعلوم منه وقد صنفت العلماء في ذلك كتبا كثيرة ما بين تاريخ وشمائل. وأقوال وأفعال واحكام وغير ذلك ومنهم المقل والمكثر وليس فيهم مقصر كل على مبلغ علمه ومقدار فهمه وفوق كل ذى علم عليم*
[الكلام على المؤلفات في التاريخ النبوى وتقسيم الكتاب الى قسمين]
فمن أجل التواريخ النبوية السيرة الكبرى لمحمد بن اسحق المطلبي مولاهم ثم تهذيبها لعبد الملك بن هشام النحوى.
عليه وسلم وأصحابه يأتون بأصلها وهو اما بعد في خطبهم وقد عقد البخاري بابا في استحبابها وذكر فيه جملة من الاحاديث وأوّل من تكلم بها داود وهو فصل الخطاب الذي أوتيه قاله بعض المفسرين وقال المحققون فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل وقيل أوّل من تكلم بها يعرب بن قحطان وقيل قس بن ساعدة الايادي وقيل يعقوب وفيه حديث ضعيف أخرجه الدارقطني وقيل كعب بن لؤى وقيل سحبان ابن وائل ولذلك يقول
لقد علم الحي اليمانون انني ... إذا قلت أما بعد أنى خطيبها
قال الحافظ ابن حجر تتبع الحافظ عبد القادر الرهاوي طرق الاحاديث التي رفع فيها أما بعد فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابيا انتهى قلت منهم جابر وعمرو بن تغلب وعائشة وأبو حميد الساعدي وزيد بن أرقم وعقبة بن عامر وأبو الدرداء وأبو مسعود وأبو سعيد (ما ينبغي) أي يفرض كفاية (العناية) بكسر العين المهملة وتخفيف النون الاعتناء بالشئ والتعب فيه والتهمم بشأنه (تدوينه) كتبه في الديوان وهو بكسر المهملة وقد يفتح فارسي معرب قال الجوهري أصله دوان فعوض من احدى الواوين ياء وفي سبب تسميته بذلك وجهان أحدهما ان كسرى اطلع يوما على كتاب ديوانه وهم يحسبون مع أنفسهم فقال ديوانه أي مجانين ثم حذفت الهاء لكثرة الاستعمال الثاني ان الديوان بالفارسية اسم للشياطين فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم بالامور ووقوفهم على الجلي والخفي منها (تصنيفه) أي جعله أصنافا أي أنواعا (الكلام) بالنصب اسم ان «١» (عن الصدر) بسكون الدال وهو السيد الذي صدر عن رأيه (فشرف العلم) بضم الراء وفتح الفاء والعلم بالرفع فاعل ويجوز بفتح الراء وضم الفاء مصدر والعلم بالجر بالاضافة (ما بين تاريخ) هو ذكر أوقات الحوادث والارخ بالضم والفتح الوقت وكذا الاراخ والاسم الارخة بالضم قاله في القاموس (وشمائل) جمع شمال بكسر المعجمة وتخفيف الميم وهي الخلق (وفوق كل ذي علم عليم) أي أعلم منه حتى ينتهى العلم الى الله (محمد بن اسحق) بن يسار (المطلبي مولاهم) أي مولى بني المطلب مدني امام يكني أبا بكر قال الذهبي رأى أنسا وروي عن عطاء والزهري وعنه شعبة والحمادان والسفيانان ويونس بن بكير وأحمد ابن خالد كان صدوقا من بحور العلم وله غرائب في سعة ما روي يستنكر واختلف في الاحتجاج به والاصح ان حديثه حسن بل قد صححه جماعة مات سنة احدى وخمسين ومائة وجده يسار صحابي روي انه أتى رسول الله ﷺ فمسح رأسه ودعا له بالبركة ذكره ابن مندة وأبو نعيم بهذا اللفظ (عبد الملك ابن هشام) بن أيوب قال الشمني أصله من البصرة وتوفي بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين (النحوي)
стр. 5
وأحسن مختصر في ذلك خلاصة السير للمحب الطبري وفي الشمائل كتاب أبي عيسى الترمذي وجامع أبي محمد ابن حبان رحمهما الله تعالى ومما لم ينسج على منواله ولا سمحت القرائح بمثاله كتاب الشفا للقاضى الامام عياض بن موسى اليحصبي رحمه الله تعالى فانه تكلم في ذات النبوة وأحكامها والمجوزات عليها ولها مع ما وشحه به من الشمائل المرضيات والهدى والمعجزات بقوة عبارة وتلويح إشارة على أحسن أسلوب وامنح تقسيم وترتيب فشكر الله سعيه وأعاد عليه نفعه ولما رأيت ما حبى به القوم من محبة سيد البشر وما يرجون من نفعه يوم غد في المحشر وانتهى اليّ قوله ﵌ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ باسكان المهملة (المحب الطبري) هو أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن ابراهيم المكي الحسيني يكني أبا العباس ولد في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة وتوفي في جمادى الآخرة وقيل في رمضان وقيل في ذي القعدة سنة أربع وتسعين وستمائة (وفي الشمائل) أي وأحسن مختصر في الشمائل (كتاب) بالرفع (أبي عيسى) هو محمد بن عيسى بن سورة بفتح المهملة والراء بينهما واو ساكنة السلمى الضرير قيل ولد أكمه أخذ عن البخاري وغيره من المشايخ وشارك البخاري في بعض شيوخه وكان أحد الأئمة المقتدى بهم في علم الحديث (الترمذي) نسبة الى ترمذ بفتح الفوقية وكسر الميم وبكسرهما وبضمهما آخره معجمة وتوفي بها في شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين (ابن حبان) بكسر المهملة وبالموحدة اسمه محمد بن أحمد بن حبان (وممالم ينسج) أي لم يحك والنسج الحياكة وهي بالجيم (منواله) بكسر الميم وسكون النون هو في الاصل عود النساج الذي يلف عليه الثوب واستعير هنا (ولا سمحت) أي جادت (القرائح) جمع قريحة بالقاف والمهملة وهي الذكاء والفطنة قال أهل اللغة وأصلها أوّل ما يستنبط من ماء النهر يقال لفلان قريحة أي استنباط للعلم بجودة الطبع (عياض) بكسر المهملة وتخفيف التحتية آخره معجمة (ابن موسى) بن عياض هو الامام الجليل الحافظ النبيل الجامع لاشتات الفنون ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة ونشأ في طلب العلم والاجتهاد في تحصيله فبهر بجودة ذهنه وذكاء فهمه عارفا بالشروط والاحكام والوثائق ضابطا لكتبه جيد الشعر حسن التأليف لم يوجد بسبتة في عصر من الاعصار من التعاليق مثل ماله وحاز من الرياسة في بلده ومن الرفعة ما لم يصل اليه أحد من أهلها وما زاده ذلك الا تواضعا وخشية لله تعالى قال ابن خلكان وهو امام الحديث في وقته وأعرف الناس بعلومه وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامها توفي في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة ودفن بمراكش (اليحصبي) بالتحتية والمهملتين فالموحدة نسبة الى يحصب بن مالك قبيلة من حمير وصاده مثلثة في الاسم وكذا في النسب قاله في القاموس قال وزعم الجوهري انه في النسب بالفتح فقط (وانتهى الى) أي بالاسناد الصحيح (نعمتان مغبون فيهما الخ) أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة (الصحة والفراغ) للطبراني من حديث ابن عباس الامن والعافية قال العلماء معنى الحديث ان الانسان لا يتفرغ لطاعة
стр. 6
سارعت الى جمع مختصر جامع في هذا المعنى يتلخص الكلام فيه (في ثلاثة أقسام) مبنية على فنون حقها أن يفرد كل واحد منها بالتصنيف على حدته
«القسم الاول» فى تلخيص سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مولده الى وفاته وما يتعلق بذلك وفيه ستة أبواب
(الباب الاول) في شرف نسبه ومحتده وفضل بلدي وفاته ومولده وما مهد الله له من الفضائل قبل وجوده وعدد آبائه من لدنه الى آدم ﷺ
(الباب الثاني) في تاريخ مولده الى نبوته وماجرى في تضاعيف ذلك من عيون الحوادث
(الباب الثالث) فيما كان من ذلك من نبوته الى هجرته ﵌
(الباب الرابع) في هجرته وما بعدها الى وفاته ﵌
(الباب الخامس) فى ذكر بنيه وبناته وأزواجه وأعمامه وعماته ومرضعاته واخوته من الرضاعة وأخواته وذكر مواليه وخدامه من الاحرار ومن كان يحرسه ورسله الى الملوك وكتابه وأصحابه العشرة النجباء وأنصاره النقباء وأهل الفتوى في حياته
(الباب السادس) فى ذكر دوابه من الخيل والبغال والحمير ونعمه وغنمه وسلاحه ومساكنه وملبوساته وغير ذلك من أنواع آلاته وخاتمه وعدد سراياه وغزواته ﵌
«القسم الثاني» في أسمائه الكريمة وخلقته الوسيمة وخصائصه ومعجزاته وباهر آياته الله الا اذا كان مكفيا صحيح الجسم آمنا وقد يحصل له خصلة أو خصلتان فقط ثم لا تحصل له الثالثة فمن حصل له الخصال الثلاث وكسل عن طاعة ربه كان مغبونا في بحارة الآخرة أي خاسرا (سارعت) من المفاعلة المختصة بالواحد كبادرت وعاقبت وطارفت ويصح ان تكون المفاعلة في كلامه على بابها ويكون معناه سابقت هجوم ضد الصحة والفراغ من المرض والاشتغال أو سابقت هجوم الاجل (مختصر) هو في الاصطلاح قليل اللفظ كثير المعنى ويرادفه الوجيز (يتلخص) أي يتبين (حدته) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين أي على انفراده (القسم الاول) (ومحتده) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر الفوقية بعدها مهملة وهو الاصل والطبع قاله في القاموس (ونعمه) أي ابله والنعم الابل خاصة فاذا قيل انعام دخل فيها البقر والغنم وقيل بل النعم شامل لها وللبقر والغنم أيضا سميت بذلك لانعام الله بها فقوله (وغنمه) على الثاني من باب ذكر الخاص بعد العام على حد فاكهة ونخل ورمان (وخلقته الوسيمة) بالمهملة أي الحسنة والوسامة الحسن والجمال يقال منه وسم بفتح الواو وضم السين وسامة ووساما بفتحهما فهو وسم وجمعه
стр. 7
وفيه أربعة أبواب
(الباب الاول) فى الاسماء وما تضمنت من المناسبات
(الباب الثاني) في صفة خلقه الوسيم وتناسب أعضائه واستواء اجزائه وما جمع الله فيه من صفة الكمالات
(الباب الثالث) في الخصائص وهو نوعان
(الاول) في خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون الانبياء قبله وما اختصت به أمته ببركته
(الثاني) فيما اختص به دون أمته من الواجبات والمباحات والمحرمات
(الباب الرابع) فيما أيده الله به من المعجزات وخرق العادات
«القسم الثالث» في شمائله وفضائله وأقواله وأفعاله في جميع أحواله وفيه ثلاثة أبواب
(الباب الاول) في عادته وسجيته في المباحات والمعتادات الضروريات
(الباب الثاني) في الاخلاق المعنويات التى جمعها حسن الخلق
(الباب الثالث) في شمائله في العبادات المتكررات
وهذا القسم رحمك الله واسطة عقد هذه الاقسام ومحله منها محل اللطائف من الاجسام لما حوى من التنبيه على جمل شرعية وآداب مرعية وسنن مأثورة وهيآت مهجورة لقلة الاستعمال واقتداء الجهال بأهل الاهمال وأذيله بباب جامع في فضل أهل بيت رسول الله ﵌ وصحابته ومن يعظم لا جله وفضل حديثه ومحدثيه واختم جميع ذلك بفضل الصلاة عليه وعلى آله والتسليم ﵌ واسئل الله الكريم الرحمن الرحيم أن يعظم لي في جمعه الفائدة ويعيد على من بركاته أعظم عائدة وأن يجعل إجازتي فيه الرضى والنزول في جوار المصطفى وأولادي ووالدي واخواني وحامتى والمسلمين وجميع الاصحاب انه عظيم الرجاء سميع الدعاء وهو حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير
وسماء (وسجيته) بفتح المهملة وكسر الجيم وتشديد التحتية أي عادته (مأثورة) بالمثلثة أي منقولة (مهجورة) أي متروكة (ووالدي) بكسر الدال وتشديد التحتية جمع والد (وحامتي) بالمهملة والمد وتشديد الميم وفي بعض النسخ وخاصتى باعجام الخاء واهمال الصاد والحامة الخاصة الذين يختص بهم ويختصون به ويهتم بأمرهم ويحرقه قيل وهو مأخوذ من الماء الحميم وهو الحار
стр. 8
[القسم الاول في تلخيص سيرته]
القسم الاول في تلخيص سيرته وهو محتو على ستة أبواب حسب ما تقدم
[الباب الاول من القسم الاول في مولده وشرف نسبه ومحتده]
الباب الاول- «فى شرف نسبه ومحتده وما مهد الله له من الفضائل قبل وجوده وفضل بلدي وفاته ومولده وعدد آبائه من لدنه الى آدم ﵌»
قال الله تعالى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. قريء بضم الفاء وفتحها وكلاهما متضمنان لفضيلة نسبه أما قراءة الضم فقال المفسرون لم تكن في العرب قبيلة الا ولها على رسول الله ﵌ ولادة وقرابة وعليه حمل ابن عباس قوله تعالى إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وعلى قراءة الفتح فهو أبلغ في المدح لان النفيس الخيار الجيد ومثله في الآية الاخرى لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وقال تعالى كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ وروي عن على بن أبي طالب رضى الله عنه في قوله تعالى مِنْ أَنْفُسِكُمْ قال عنه ﷺ نسبا وحسبا وصهرا ليس في آبائى من لدن آدم سفاح كلها نكاح. قال ابن الكلبي كتبت للنبي ﵌ خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا كانت عليه الجاهلية
[مطلب في الكلام على أنكحة الجاهلية]
(قال المؤلف غفر الله له) وقد كان نكاح الجاهلية على أربعة أنحاء. فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل الى الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها. والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته اذا طهرت من طمثها أرسلى الى فلان فاستبضعي منه فيعتز لها زوجها فلا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فاذا تبين حملها أصابها زوجها اذا أحب وانما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون القسم الاول (حسب ما) بفتح المهملة أي على قدره وعدده وقد تسكن سينه أيضا (ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلها نكاح) أخرجه البيهقي في الدلائل من حديث أنس ﵁ (قال ابن الكلبى الخ) حكاه عنه ابن شعبة وابن عساكر (على أربعة أنحاء) بفتح الهمزة وسكون النون وبالمهملة جمع نحو وهو الجهة والمقصد والمراد هنا علي أربعة أقسام (وليته) بفتح الواو وكسر اللام وتشديد التحتية أى قريبته من أخت ونحوها (طهرت) مثلث الهاء والضم أشهر (من طمثها) بفتح المهملة وسكون الميم وبالمثلثة وهو من أسماء الحيض وهي عشرة حيض وطمث وضحك واكبار واعصار وعراك ودراس وفراك بالفاء وطمس ونفاس (فاستبضعى) بالموحدة والمهملة أي اطلبى منه الجماع لاجل الولد وأصله الاصابة في البضع وهو الفرج (الرهط) الجماعة نحو العشرة لا واحد
стр. 9
العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فاذا حملت ووضعت ومرت ليالى بعد أن تضع أرسلت اليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان تسمى من أحبت باسمه فتلحق به ولدها لا يستطيع ان يمتنع منه الرجل. والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فاذا حملت احداهن ووضعت حملها جمعوا لها القافة ثم الحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعى به ابنه لا يمتنع الرجل من ذلك.
فلما بعث محمد صلي الله عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله الا نكاح الناس اليوم رويناه في صحيح البخارى ومسلم وسنن أبى داود من رواية عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها موقوفا عليها.
وهذا من أعظم العناية أن أجرى الله نكاح آبائه من آدم الى أن أخرجه من بين أبويه على نمط واحد وفق شريعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
له من لفظه (ومرت ليالى) بسكون التحتية (بالذى يرون) بفتح الياء من الرأى وبضمها من الظن (فالتاط به) بهمزة وصل وسكون اللام ثم فوقية ثم ألف ثم مهملة أي التصق به (في صحيح البخارى) هو أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن بردزبه بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر المهملة وسكون الزاي وفتح الموحدة على المشهور وبه جزم ابن ماكولا وهو بالفارسية الزارع الجعفي مولاهم أسلم جده المغيرة على يد اليمان الجعفى فنسب اليه نسبة ولاء ويقال انه عمي في صغره وكانت أمه مستجابة الدعوة فدعت الله فاعاد عليه بصره ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى ومات ليلة السبت ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين ودفن بخرتنك قرية من عمل بخاري (وسنن أبى داود) هو سليمان بن الاشعث بالمثلثة السجستانى ولد سنة ثلاثين ومائتين ومات بالبصرة يوم الجمعة سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (من رواية عروة بن الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد أخي عبد الله لابويه كنيته أبو عبد الله يروي عن أبويه وخالته وعلي وخلائق قال ابن سعد كان فقيها عالما كثير الحديث ثبتا مأمونا كان يصوم الدهر ومات صائما سنة ثلاث وتسعين أو أربع وتسعين قولان (عن عائشة) هى بنت أبى بكر الصديق حبيبة رسول الله ﷺ فقيهة نساء الامة ومناقبها كثيرة عاشت خمسا وستين سنة وتوفيت سنة تسع وخمسين أو ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وصلى عليها أبو هريرة ودفنت بالبقيع بوصية منها (نمط) بفتح النون والميم وبالمهملة أي نوع والنمط في الاصل نوع من أنواع البسط لا يستعمل في غيره الا مقيدا قاله الجوهري
стр. 10
وعن ابن عباس في قوله وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال من نبي حتى أخرجتك نبيّا.
وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه. وروينا في جامع أبى عيسى الترمذى عن واثلة بن الاسقع قال قال رسول الله ﵌ ان الله اصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل واصطفى من ولد اسماعيل بني كنانة واصطفى من بنى كنانة قريشا واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم صححه الترمذي.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه انه ﷺ قال ان الله اختار خلقه فاختار منهم (وعن ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو العباس ابن عم رسول الله ﷺ أمه لبابة بنت الحرث بن حزن الهلالية فضله وعلمه أشهر من أن يذكر ومناقبه لا تحصى وكان عمره يوم وفاة رسول الله ﷺ ثلاث عشرة سنة أو خمس عشر سنة قولان وتوفي سنة سبع وستين أو ثمان وستين قولان بالطائف وهو ابن احدى وسبعين سنة أو ثمان وسبعين قولان وكف بصره في آخر عمره فقال في ذلك
ان يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبى منهما نور
قلبى ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مشهور
(روينا) قال المزي يقال روينا بفتح الراء والواو وبضم الراء وكسر الواو المشددة (عن أبي هريرة) اسمه عبد الرحمن بن صخر على الاصح في اسمه واسم أبيه من نحو ثلاثين قولا قاله النووي وقال غيره بل يزيد وأخرج الحاكم عنه قال كان اسمى عبد الشمس بن صخر فسماني النبى ﷺ عبد الرحمن واختار بعض المتأخرين فيه انه عمير بن عامر واحتج باتفاق أهل النسب على ذلك وبذلك جزم الكلبى ومال اليه الحافظ الدمياطى كان ﵁ حافظا متثبتا صاحب صيام وقيام قال عكرمة كان يسبح في اليوم اثنى عشر ألف تسبيحة ولى امرة المدينة مرات وتوفي سنة سبع وخمسين أو تسع وخمسين قولان (قرنا فقرنا) قال الحسن وغيره القرن عشر سنين وقال قتادة سبعون وقال النخعى أربعون وقال زرارة بن أبي أو في مائة وعشرون وعبد الملك بن عمير مائة وسيأتى المختار فيه على قوله ﷺ خيركم قرنى (واثلة) بمثلثة مكسورة (ابن الاسقع) بسين وعين مهملتين وأصل الاسقع طوير في ريشه خضرة ورأسه أبيض قال في القاموس قال الذهبي كان واثلة من أهل الصفة غزاتبوك ومات سنة ثلاث وثمانين أو خمس وثمانين قولان وهو ابن مائة سنة أو ثمان وتسعين قولان بعد ان كف بصره ببيت المقدس أو بدمشق قولان (صححه الترمذي) وأخرجه أيضا عن واثلة مسلم في صحيحه (وعن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن العدوي شهد الاحزاب والحديبية وفيه قال
стр. 11
بنى آدم فاختار منهم العرب ثم اختار منهم قريشا فاختار منهم بنى هاشم ثم اختار بنى هاشم فاختارني منهم فلم أزل خيارا من خيار ألا من أحب العرب فبحبى أحبهم ومن أبغض العرب فببغضى أبغضهم رواه الطبرى.
قال القاضى عياض رحمه الله تعالى وأما شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج الى اقامة دليل ولا بيان مشكل ولا خفي منه فانه نخبة بنى هاشم وأفضل سلالة قريش وصميمها وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه ومن أهل مكة أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده. ثم روى بسنده الى ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ان الله قسم الخلق قسمين فجعلنى من خيرهم قسما فذلك قوله تعالى أَصْحابُ الْيَمِينِ وأَصْحابُ الشِّمالِ فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ثم جعل القسمين ثلاثا فجعلنى في خيرها ثلثا فذلك قوله أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ فانا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلنى من خيرها قبيلة وذلك قوله تعالى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ الآية فانا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر وجعل القبائل بيوتا فجعلنى في خيرها بيتا ولا فخر فذلك قوله تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ومعنى قوله- ولا فخر أى لست أقوله مفتخرا متطاولا ولا محتقرا لغيرى إنما هو من باب التحدث بالنعم قال الله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
النبى ﷺ ان عبد الله رجل صالح وقال جابر ما منا أحد الا ومالت به الدنيا ومال بها الا ابن عمر قال ابن المسيب مات وما أحد أحب إلي ان ألقى الله بمثل عمله منه كانت ولادته قبل المبعث بسنة على ما قيل ومات بمكة سنة أربع وسبعين عن ثمانين أو أربع وثمانين سنة قولان وصلى عليه الحجاج ودفن بالمحصب أو بذي طوي أو بسرف أقوال (رواه) من حديث ابن عمر (الطبري) هو الحافظ محمد بن جرير توفي سنة عشر وثلاثمائة (نخبة) بضم النون وسكون المعجمة ثم موحدة وهي الخيار (سلالة قريش) بضم السين المهملة وهو ما اسئل من الشيء (وصميمها) بالمهملة أي خالصها وصميم كل شيء خالصه (ثم روي) أي عياض (بسنده) مصدر أسند الحديث يسنده اذا نسبه الى غيره (الي ابن عباس) وأخرج الحديث الترمذي في سننه عن العباس أيضا (قسم الخلق قسمين) قيل فيه اشارة الى هابيل وقابيل قال الحافظ وسبب هذا الحديث ان العباس قال يا رسول الله ان قريشا تذاكروا احسابهم فجعلوا مثلك مثل نخله في كبوة من الارض فقال ان الله قسم الخلق الحديث.
стр. 12
وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أتاني جبريل فقال قلبت مشارق الارض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد ولم أربني اب أفضل من بنى هاشم.
وما أحسن قول أبى طالب حيث مدح قريشا وخيرها ثم خير منهم بنى عبد مناف ثم خير منهم بني هاشم ثم خير محمدا على الكل فقال:
وان فخرت يوما فان محمدا ... هو المصطفى من سرها وصميمها
وقال أيضا
فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول
وقال ابنه طالب بن أبي طالب
فما ان جنينا في قريش عظيمة ... سوى ان حمينا خير من وطيء الثرى
[فصل: وأما ما مهد الله له في قدم نبوته وذكره]
«فصل واما ما مهد الله له في قدم نبوته وذكره»
فروى القاضي عياض ﵀ من ذلك في كتابه الشفا اخبارا كثيرة وكثيرا ما أنقل منه الا ما كان من فن التواريخ فانه لم يأت بشئ منها قال الله تعالى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ الآية* وفي معناها ما روى عن على بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه قال لم يبعث الله نبيا من لدن آدم الا وأخذ عليه العهد في محمد ﵌ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه* ونحوه عن السدي وقتادة* وروي عن قتادة ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال كنت أوّل الانبياء في الخلق وآخرهم في البعث فلذلك ذكر في الآية مقدما على نوح وغيره
(وعن عائشة عنه صلي الله عليه وسلم أتاني جبريل الى آخره) أخرجه الحاكم في الكنى وابن عساكر عنها (وما أحسن قول) بالنصب على التعجب.
(فصل) واما ما مهد الله له (ونحوه عن السدي) بضم السين وتشديد الدال المهملتين منسوب الى سدة باب الجامع والمراد به هاهنا التابعى الكبير اسماعيل بن عبد الرحمن الراوي عن ابن عباس لا الصغير وهو محمد بن مروان الراوى عن هشام بن عروة والاعمش وهو متروك متهم (وقتادة) هو ابن دعامة بكسر الدال وفتحها السدوسى الاعمى الحافظ المفسرمات كهلا سنة سبع عشرة ومائة (وروي عن قتادة الى آخره) أخرجه عنه ابن سعد في الطبقات مرسلا (أول الانبياء) لابن سعد أوّل الناس.
стр. 13
وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه قال سمعت رسول الله ﵌. يقول انى عبد الله وخاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته وانا عدة أبى ابراهيم وبشارة عيسى بن مريم. وكان آدم في الازل يكنى بأبى محمد وأبى البشر* وروي انه تشفع بمحمد ﷺ حين أصاب الخطيئة فتاب الله عليه* وعن البراء قال قلنا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة قال وآدم بين الروح والجسد* وروي عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال في كلام بكى به النبي ﵌ بأبي وأمي أنت يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الانبياء وذكرك في أولهم فقال وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ الآية بأبي وأمي أنت يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن أهل النار يودون ان يكونوا اطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا.
(وعن العرباض) بكسر المهملة وسكون الراء بعدها موحدة فألف فمعجمة (ابن سارية) بالمهملة والراء والتحتية وهو السلمي قال الذهبي وابن ماكولا كان من الثمانين ومن أهل الصفة مات سنة خمس وسبعين (لمنجدل) أى ساقط يقال جدله بالجيم أي رماه بالجدالة وهي الارض فانجدل أى سقط (وعدة) بكسر العين وفتح الدال المخففة المهملتين بوزن هبة أي وأنا عدة (أبي ابراهيم) الذى وعده به ربه حين دعاه فقال ربنا (وابعث فيهم رسولا منهم) الآية (وروى انه تشفع بمحمد الى آخره) أخرجه الحاكم وصححه من حديث ابن عباس ولفظه لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب بمحمد الا ما غفرت لى قال يا آدم من أين عرفت محمدا ولم أخلقه قال يا رب انك لما خلقتنى بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله فعرفت انك لم تضف الى اسمك الا أحب الخلق اليك فقال الله صدقت يا آدم انه لأحب الخلق الي ان سألتنى بحقه فقد غفرت لك ولولاه ما خلقتك وفي هذا الحديث طلب التوسل به ﷺ الى الله وان ذلك سيرة السلف الصالح الانبياء والاولياء ولا فرق في ذلك بين ذكر التوسل والاستغاثة والتوجه والتشفع والتضرع به ﷺ وبغيره من الانبياء وكذا الاولياء وفاقا للسبكى وخلافا لابن عبد السلام (فائدة) قال اليافعى في الارشاد روى الشيخ تاج الدين بن عطاء الله عن شيخه ابى العباس المرسى عن شيخه أبي الحسن الشاذلى قدس الله أسرارهم انه قال لاصحابه من كانت له حاجة الى الله تعالى فليتوسل اليه بالامام أبي حامد الغزالي (وعن البراء) بالتخفيف هو ابن عازب الصحابي ابن الصصابى شهد أحدا وهو أوّل مشاهده ومات بعد السبعين أيام مصعب بن الزبير (قال وآدم بين الروح والجسد) أخرج هذا الحديث أيضا ابن سعد وأبو نعيم في الحلية من حديث ميسرة وأخرجه الفخر بن سعد من حديث ابي الجدعاء وأخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس (بأبي أنت وأمي)
стр. 14
وروى الشيخ أبو الحسن الحرانى المغربى في كتابه الذي صنفه في أسماء النبي ﷺ وتفسيرها أنه ﷺ نسب نفسه فقال انا احمد وانا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ثم رفع نسبه الى آدم ثم قال وآدم من تراب والتراب من الزبد والزبد من الموج والموج من الماء والماء من الذرة والدرة من الضبابة والضبابة أنشئت من نور محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فان صح هذا من جهة النقل فهو ﵌ أصل الوجود الانسانى خلقا وتكوينا* وما أحسن قول السيد الحكيم ابى عبد الله الترمذي فيه صلى الله تعالى عليه وسلم
قد ورث المجد بآبائه ... وورّث المجد لابنائه
وقام قطبا لمحيط العلا ... والمجد قد حف بأرجائه
وطهرت اجزاؤه فاغتدى ... يطهر الكل باجزائه
وكان ظلا فمحاه السنا ... ومثبتا فان بافنائه
وكان في غيبة أكوانه ... يقطر ماء المجد من مائه
أي مفدي (الحرانى) بفتح المهملة وتشديد الراء وبالنون نسبة الى حران بلد بالشام (الضبابة) بفتح المعجمة هي السحابة الرقيقة (فان صح هذا من جهة النقل) يؤيد صحته ما أخرجه عبد الرزاق في مسنده بسند مستقيم من حديث جابر قال قلت يا رسول الله اخبرنى باول شئ خلقه الله قبل الاشياء قال يا جابر ان الله خلق قبل الاشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث يشاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جنى ولا انسى فلما أراد الله تعالى ان يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الاول السماوات ومن الثاني الارضين ومن الثالث الجنة والنار ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الاول نور أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور ألسنتهم وهو التوحيد لا اله الا الله محمد رسول الله الحديث وفيه طول ومنه يؤخذ انه ﷺ أصل سائر المكونات (أبي عبد الله الترمذى) هو محمد بن على المؤذن كان اماما حافظا زاهدا صاحب تصانيف مفيدة (قدورث) بكسر الراء مخففا (المجد) أى الكرم (وورث) بفتح الراء مشددا (وقام قطبا) أي فردا في مقامه الذي اقيم فيه وقطب القوم سيدهم ومن يدور أمرهم عليه (حف) بالمهملة أى احدق (بارجائه) أي جوانبه (فمحاه السنا) أى النور (ومثبتا) أي موجودا معنى (فان) أي غير موجود صورة ورفعه على انه خبر مبتدإ محذوف أي وهو فان (بافنائه) بفتح الهمزة جمع فناء بكسر الفاء وبالنون وهو في الاصل جانب الدار مما يلى وجهها واستعير هنا (يقطر ماء المجد من مائه) اشار إلي القطرات التي تقاطرت من نوره ﷺ وخلق منها الانبياء كما ورد في حديث ضعيف أوّل ما خلق الله نوري فغلب عليه الحياء فقطرت منه مائة ألف قطرة وأربعة وعشرون ألف قطرة فخلق الله من كل قطرة نبيا ويؤيد هذا الحديث
стр. 15
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال لما خلق الله آدم أهبطني الله الى الارض في صلبه وجعلنى في صلب نوح في السفينة. وقذف بى في النار في صلب ابراهيم. ثم لم يزل ينقلنى في الاصلاب الكريمة. الى الارحام الطاهرة. حتى اخرجنى الله من بين ابوي لم يلتقيا على سفاح قط والى هذا المعنى اشار عمه العباس رضى الله تعالى عنه. حيث قال يا رسول الله انى احب ان امدحك. قال قل لا يفضض الله فاك فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... انت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا واهله الغرق
وردت نار الخليل مكتتما ... تجول فيها ولست تحترق
تنقل من صالب الى رحم ... اذا مضى عالم بدا طبق
ما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم ثم قال يا أباذر أربعة سريانيون آدم وشيث ونوح واخنوخ وهو ادريس وهو أوّل من خط بالقلم وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أباذر وأوّل نبي من بني اسرائيل أى من بعد اولاده موسى وآخرهم عيسى وأوّل النبيين آدم وآخرهم نبيك وأخرج هذا الحديث ابن حبان في كتابه الأنواع والتقاسيم وصححه لكن عده ابن الجوزي في الموضوعات واتهم به ابراهيم بن هشام والله أعلم وعن ابن عباس أخرجه عياض في الشفا (على سفاح) بكسر المهملة وتخفيف الفاء آخره مهملة أي زنا* شعر العباس ﵁ (لا يفضض) بالفاء وتكرير المعجمة الاولى مضمومة وهو دعاء بلفظ النهي ومعناه لا يسقط الله اسنانك (فائدة) قال ذلك رسول الله ﷺ للنابغة أيضا فعاش عشرين ومائة سنة فلم تسقط له سن ذكره عياض في الشفا وسيذكره المصنف في المعجزات (من قبلها) قال الشمني أى قبل الدين أو النبوة أو الولادة (مستودع) بفتح الدال (يخصف) باعجام الخاء واهمال الصاد مبنى للمفعول (مضغة) أى قطعة لحم بقدر ما يتضغ في الفم (ولا علق) جمع علقة وهي قطعة من دم غليظ (نطفة) هى في الاصل الماء القليل كالنطفة (تركب السفين) قال الجوهرى السفن جمع سفينة فعيلة بمعنى فاعلة كأنها تسفن الماء أى تقشره بالقاف والمعجمة (نسرا) بفتح النون أحد اصنام قوم نوح قال أهل الاخبار كان لآدم خمس بنين سموا نسرا وودا وسواعا ويغوث ويعوق وكانوا عبادا فماتوا فحزن أهل عصرهم عليهم فصور لهم ابليس أمثالهم من صفر ونحاس ليستأنسوا بهم فجعلوا في مؤخر المجلس فلما هلك أهل ذلك العصر قال اللعين لاولادهم هؤلاء آلهة آبائكم فعبدوهم ثم ان للطوفان دفنها فأخرجها اللعين للعرب كما سيأتي (من صالب) قال الهروى أى من صليب يقال لهم صلب وصليب وصالب ثلاث لغات وقال ابن الاثير الصالب الصلب وهو قليل الاستعمال (عالم) بفتح اللام (بدا طبق) أي عالم قاله الهروى نقلا عن ابن عرفة قال يقال مضى طبق وجاء طبق
стр. 16
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
وانت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الافق
فنحن في ذلك الضياء وفي ال ... نور وسبل الرشاد نخترق
عرجت سبع الطباق منتهيا ... وسرت تحت الجلال تعتبق
صلى عليك الاله دائمة ... مديد خلق وكلما نطقوا
[فصل: فيما ورد من فضل بلدى مولده ووفاته]
(فصل) فيما ورد من فضل بلدي مولده ووفاته* قال المؤلف غفر الله له جمع الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم انواع التفضيل والاعزاز والتبجيل وتخير له في البلد كما هيأله في النسب فجعل مولده ومبعثه بمكة ومهاجره ووفاته بالمدينة* ولا خلاف بين العلماء أنهما افضل البلدان على الاطلاق ثم اختلفوا في ايهما افضل فذهب اهل مكة واهل الكوفة الى تفضيل مكة وهو قول الشافعي وعليه جماعة من المالكية وذهب مالك واكثر المدنيين الى تفضيل المدينة أى مضي عالم وجاء عالم (حتي احتوى بيتك) بالرفع فاعل ومفعوله علياء (المهيمن) أي الشاهد على فضلك (خندف) بكسر المعجمة وسكون النون وكسر المهملة ويجوز فتحها والخندفة مشية كالهرولة وهو لقب ليلى بنت عمران بن الحاف بن قضاعة امرأة الياس بن مضر بن نزار فهي جدة النبي ﷺ لانها أم مدركة (النطق) بضم النون والمهملة قال ابن الاثير جمع نطاق وهي اعراض من حبال بعصها فوق بعض أي نواح وأوساطها منها شبهت بالنطق التي يشد بها أوساط الناس ضربه مثلا له ﷺ في ارتفاعه وتوسطه في عترته وجعله تحتهم بمنزلة أوساط الحبال* وقال الجوهري النطاق شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها ثم ترسل الاعلى على الاسفل الى الركبة والاسفل ينجر في الارض وليس لها حجزة ولا شق ولا ساقان والجمع نطق (وضاءت) أصله اضاءت رباعي ثلث لضرورة الشعر وهي في لغة قليلة أيضا (فائدة) في بعض كتب السنن انه لما فرغ من هذه الابيات قال له النبى ﷺ لا فض فوك ولا بر من يجفوك
(فصل) فيما ورد من فضل بلدي مولده ووفاته (الشافعي) هو أبو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس ابن عثمان بن شافع بن السائب الشيبة بن عبيد بن عبد بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ولد بغزة قرية من قرى الشام سنة خمسين ومائة فمكث بها سنتين ثم حمل الى مكة المشرفة فنشأ بها وتعلم بها القرآن على سفيان بن عيينة وغيره ثم خرج الى المدينة وقرأ على مالك بن أنس الموطأ وحفظه ثم دخل الى بغداد واقام بها سنتين وصنف بها كتبه القديمة ثم عاد الى مكة وأقام بها سنة سبع وسبعين ثم عاد الى بغداد وأقام بها اشهرا ولم يصنف بهاشيأ ثم خرج الى مصر وصنف بها كتبه الجديدة واقام بها الي ان مات ودفن هنالك وكان موته ليلة الجمعة وقد صلى العشاء الاخيرة آخر ليلة من رجب ودفن يوم الجمعة وقال الربيع انصرفنا من دفن الشافعي فرأينا هلال شعبان وكان ذلك في سنة أربع ومائتين وكان عمره أربعا وخمسين سنة (وذهب مالك) هو ابن أنس صاحب المذهب ولد سنة ثلاث وتسعين أو احدى وتسعين أو أربع وتسعين
стр. 17
وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه ولا خلاف ان موضع قبره افضل البقاع ﷺ لما وردان كلا يدفن في تربته التي خلق منها وهو ﷺ أفضل المخلوقات فتعين أنها افضل البقاع والله اعلم
«فمما ورد في فضل مكة» من الآيات والاحاديث قوله تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وقال تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وقال تعالي أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وقال تعالي إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وقال تعالى أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا. والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة غير منحصرة.
[مطلب في الكلام على ما ورد في فضل مكة]
واما الاحاديث فروينا في صحيح البخارى عن ابن عباس رضى الله تعالى منهما قال قال رسول الله ﵌ يوم فتح مكة إن هذا البلد حرمه الله أو سبع وتسعين أقوال وتوفي سنة سبع وتسعين ومائة (ولا خلاف ان موضع قبره أفضل البقاع) الارضية والسمائية بل أفضل من العرش والكرسى كما جزم غير واحد من أصحابنا وغيرهم (لما ورد ان كلا يدفن في تربته الى آخره) اخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الاصول من حديث أبي هريرة قال العلماء وهو أحسن ما يستدل به على تفضيل مدفنه ﷺ على سائر البقاع حتي موضع الكعبة المشرفة والعرش والكرسى كما مر آنفا وعلى فضيلة أبي بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما لانهما خلقا من تلك الطينة وخلق منها عيسى أيضا كما سيأتي انه يدفن ثم (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) يعني الكعبة (مَثابَةً لِلنَّاسِ) أي معاذا وملجأ قاله ابن عباس أو مرجعا لهم يثوبون اليه من كل جانب ويحجونه قاله مجاهد وسعيد بن جبير أو مجتمعا قاله قتادة وعكرمة (وَأَمْناً) أي يأمنون فيه من اذى المشركين (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) أي أوّل بيت ظهر على الماء عند خلق السماء والارض (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) هي مكة نفسها قاله جماعة أو بكة موضع البيت ومكة اسم البلد كله وقيل بكة موضع البيت والمطاف (مُبارَكاً) منصوب على الحال أى ذا بركة (وَهُدىً لِلْعالَمِينَ) أي لأنه قبلة المؤمنين (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ) قرأ ابن عباس بينة لقوله (مَقامُ إِبْراهِيمَ) ولم يذكر سواه والآخرون بالجمع على انه أراد مقام ابراهيم وغيره من الآيات التى ثم فاقتصر عليه لفظا ومنه الحجر الاسود وزمزم والحطيم وغير ذلك (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) أي لا يباح فيه وذلك بدعاء ابراهيم حيث قال رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) يعني العرب يسبي بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون (الَّذِي حَرَّمَها) أي جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلا خلاها (يُجْبى إِلَيْهِ) أي يجلب ويجتمع (فروينا في صحيح البخاري عن ابن عباس) أخرجه عنه مسلم وأبو داود أيضا (ان هذا البلد حرمه الله) زادوا في رواية يوم خلق السموات والارض ففيه ان تحريمها من أوّل الزمان كما عليه الاكثرون وأجابوا عن قوله ان ابراهيم حرم مكة وهو في صحيح مسلم من حديث جابر بأن تحريمها كان خفيا فأظهره ابراهيم وأشاعه لا انه ابتدأه وقيل بل ابتدأه
стр. 18
لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته الا من عرّفها وفي رواية أخرى ولا يختلى خلاها قال العباس ﵁ يا رسول الله الا الاذخر فانه لقينهم ولبيوتهم قال الا الأذخر
وروينا في جامع الترمذي عن عبد الله بن عدى بن الحمراء ﵁ انه سمع رسول الله ﷺ وهو على راحلته بالحزورة بمكة يقول لمكة والله انك لخير أرض الله وأحب أخذا بظاهر هذا الحديث ونحوه من الاحاديث وأجابوا عن الاول بأن معناه ان الله كتب في اللوح المحفوظ أو في غيره يوم خلق السموات والارض ان ابراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى وفيه تحريم القتال بمكة وان بغى أهلها على أهل العدل وبه قال بعض الفقهاء بل يضيق عليهم حتى يرجعوا الى الطاعة لكن نص الشافعى على جواز قتالهم لان قتال البغاة من حقوق الله تعالى التى لا يجوز اضاعتها فحفظها في الحرم أولى من اضاعتها وهذا هو الصواب واختار في سير الواقدي في الحديث ان معناه تحريم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره اذا أمكن اصلاح الحال بدون ذلك بخلاف ما اذا تحصن الكفار في بلد آخر فانه يجوز قتالهم على كل حال بكل شيء ووقع في شرح التلخيص للقفال المروزي انه لا يجوز القتال بمكة حتى لو تحصن فيها جماعة من الكفار لم يجز لنا قتالهم قال النووي وهذا غلط ظاهر (لا يعضد) أي لا يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس (شوكه) قال النووي فيه دليل على تحريم قطع الشوك المؤذي وهذا الذى اختاره المتولي وقال جمهور أصحابنا لا يحرم لانه مؤذ فأشبه الفواسق الخمس ويخصون الحديث بالقياس قال والصحيح ما اختاره المتولي (ولا ينفر صيده) أي لا يزعج فالاتلاف أولى (لقطته) بفتح القاف على اللغة المشهورة ويجوز اسكانها وهو اسم للملقوط (ولا يختلي) أي لا يؤخذ ولا يقطع (خلاها) بفتح المعجمة مقصور هو الرطب من الكلأ (الا الاذخر) بالنصب ويجوز رفعه على البدل وهو بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين نبت طيب الرائحة (لقينهم) بفتح القاف وسكون التحتية بعدها نون هو الحداد والصائغ أى يحتاج اليه القين في وقود النار (ولبيوتهم) أي يحتاجون اليه في سقوفها ويجعل فوق الخشب وبينه وفي رواية في الصحيح فانه لبيوتنا ولقبورنا أي يسدون به خلال اللبنات في القبور (فقال الا الاذخر) هذا محمول على انه أوحى اليه في الحال باستثناء الاذخر وتخصيصه من العموم أو أوحى اليه قبل ذلك ان طلب أحد الاستثناء بشيء فاستثنه أو انه اجتهد في الجميع قاله النووي (وروينا في جامع الترمذي) وسنن النسائى والدار قطنى بسند قال البكري على شرط الشيخين (عن عبد الله بن عدي) هو قرشي زهري من أنفسهم وقيل بل ثقفى حليف لقريش يكنى أبا عمرو وقيل أبا عمر له صحبة ورواية بعد في أهل الحجاز وكان ينزل فيما بين قديد وعسفان وذكره الطبري فيمن روي عن رسول الله ﷺ من بني زهرة وهو مبني على انه من أنفسهم وذكر غيره ان شريقا والد الاخنس بن شريق اشترى عبدا فأعتقه وأنكحه بنته فولدت له عبد الله وعمرا ابني عدي بن الحمراء أو لهم عبد الله بن عدي آخر يروي عنه عبد الله بن الخيار (ابن الحمراء) بالمهملة والراء والمد (بالحزورة) بفتح المهملة والزاي والواو المشددة والراء كذا يقوله المحدثون وسكون الزاي وتخفيف الواو بوزن قسورة كذا ضبطه ابن السراج بالوجهين فزعم الدارقطني ان الاول تصحيف معترض ومحلها
стр. 19
أرض الله الى ولولا اني أخرجت منك ما خرجت صححه الترمذي.
وعن أبي شريح العدوى انه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث الى مكة أذن لى أيها الامير أحدثك حديثا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح فسمعته اذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناي حين تكلم به انه حمد الله واثنى عليه ثم قال ان مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرء يؤمن بالله واليوم الآخر ان يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة فان أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا له ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما اذن لى ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس وليبلغ الشاهد الغائب.
وفي مسند أبى داود الطيالسى من رواية عبد الله بن الزبير ورفعه ان الصلاة في المسجد بأسفل مكة عند منارة المسجد الذي على جياد وكان عندها سوق الخياطين وما في الطبراني انها شرقى مكة تصحيف (وعن أبي شريح) أخرجه عنه مالك والشيخان والترمذي والنسائى وهو باعجام الشين واهمال الحاء مصغر (العدوي) قال النووي ويقال له الكعبي والخزاعى واسمه خويلد بن عمرو أو عمرو بن خويلد أو عبد الرحمن أو هانئ بن عمرو أقوال أسلم قبل فتح مكة وتوفي بالمدينة سنة ثمان وستين (لعمرو بن سعيد) ابن الاسد بن العاص الاموي يكني أبا أمية قال في التوشيح ليس صحابيا ولا من التابعين باحسان قال الذهبي خرج على عبد الملك ثم خدعه وأمنه فقتله صبرا سنة سبعين (وهو يبعث البعوث) أى يرسل الجيوش (الى مكة) لقتال عبد الله بن الزبير لامتناعه عن متابعة يزيد بن معاوية واعتصامه بالحرم وكان عمرو والى يزيد على المدينة (أحدثك) مجزوم بالجزاء (الغد) بالنصب (فسمعته أذناى ووعاه قلبي وأبصرته عيناي) قال ذلك مبالغة في تحقيق حفظه اياه وتيقنه زمانه ومكانه ولفظه (حرمها الله ولم يحرمها الناس) أى ان تحريمها كان يوحى من الله تعالى لا انها اصطلح الناس على تحريمها (يسفك بها دما) بكسر الفاء على المشهور وحكى ضمها أى يسل (وانما أذن لي ساعة من نهار) كانت تلك الساعة من طلوع الفجر الى العصر وفيه حجة لمن يقول ان مكة فتحت عنوة وهو مذهب أبي حنيفة والاكثرين وقال الشافعي وجماعة فتحت صلحا وتأولوا الحديث على ان القتال كان جائزا له ﷺ في مكة ولو احتاج اليه لفعله ولكن لم يحتج اليه (وليبلغ الشاهد الغائب) فيه وجوب نقل العلم وإشاعة الدين والسنن والاحكام وتتمة الحديث فقيل لابي شريح ما قال لك عمرو قال أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ان الحرم لا يعيذ عاصيا أى لا يعصمه ولا فارا بخربة بفتح المعجمة وسكون الراء على المشهور ويقال بضم المعجمة قالوا وأصلها سرقة الابل ثم أطلقت على كل جناية وفي صحيح البخاري انها البلية وقال الخليل انها الفساد في الدين (أبي داود) اسمه سليمان بن داود بن الجارود توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (الطيالسى) بفتح المهملة والتحتية المخففة وكسر اللام (من رواية عبد الله بن الزبير) أخرجه عنه أيضا أحمد وابن حبان وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث
стр. 20
الحرام تفضل على الصلاة في غيره بمائة الف صلاة وقد حسب ذلك فبلغت صلاة واحدة فى المسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة ولا تسقط هذه التضاعيف شيأ من الفوائت كما يتخيله كثير من الجهال نبه عليه الامام النووى ﵀ قال بعض المفسرين في قوله تعالى فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً أى من النار وقيل من الطلب وكان في الجاهلية من أحدث حدثا ولجأ اليه امن ويمشى القاتل على قاتله فيه من غير خفاره والسباع تطلب الصيد فاذا دخل الحرم كفت عنه وهذا كقوله تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وذلك بدعاء ابراهيم ﵊ حيث قال رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً* ولها في القرآن ثمانية اسماء مكة وبكة وأم القرى والقرية والبلد والبلد الامين والبلدة ومعاد ومن أسمائها في غير القرآن الرأس والقادسية والمسجد الحرام جابر وأخرجه البيهقي من حديث ابن عمر وأخرجه الطبرانى من حديث أبى الدرداء وأخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس ورفعه أى الى النبى ﷺ (عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة) أى باعتبار السنة عددية وهي ثلاثمائة وستون يوما أما باعتبارها هلالية وهي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما فبلغ عمره ستا وخمسين سنة وستة أشهر وقد يزيد يوما فيبلغ صلاة اليوم والليله عمر مائتين واثنين وثمانين سنة وستة أشهر فيبلغ صلاة ثلاثة أيام ولياليهن عمر سبعة وأربعين وثمانمائة سنة وستة أشهر وذلك من جملة المنافع المذكورة في قوله تعالى لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وعن بعضهم ان صلاة واحدة جماعة بالمسجد الحرام تفضل ثواب ما صلى ببلده فرادى عمر نوح بنحو الضعف قال فان انضم الى ذلك أنواع اخر من الكمالات عجز الحساب عن حصر ثوابه (ولا تسقط هذه التضاعيف شيئا من الفوائت) أى لانه محض تضعيف وهو محض فضل فلا يسقط به التكليف (ويمشي القاتل على قاتله) أي مستحق قتله (خفارة) مثلث الخاء المعجمة وبالفاء والراء أى خفير وهو الصاحب (مكة) قال تعالى وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ سميت بذلك لانها تمك أعناق الفراعنة والجبابرة فلم يقصدها جبار بسوء الا هلك أو لانها تمك الذنوب أي تنقصها أو تفنيها (وبكة) قال الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ سميت بذلك لان الناس يتباكون بتشديد الكاف فيها أي يزدحمون وقيل ان هذا اسم لما بين جبليها وقيل للمطاف فقط (وأم القرى) سميت بذلك لانها أصل الارض اذ هي أوّل ما خلق منها وأم كل شيء أصله قال الله تعالى وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى (والقرية) قال الله تعالى الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ سميت قرية لاجتماع الناس بها والقرى لغة الضم والجمع ومنه المقراة للحوض (والبلد) قال تعالى لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (والبلد الامين) قال تعالى وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (والبلدة) قال الله تعالى إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ (ومعاد) قال الله تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال بعض المفسرين يعني مكة (الرأس) سميت بذلك لفضيلتها (والقادسية) بالقاف والدال والسين المهملتين وتشديد التحتية واشتقاقها من القدس وهو الطهارة
стр. 21
والمكتان وأم روح وأم رحم وام الرحمة وام كوثى (قال المؤلف) ومن الآيات البينات فيه الحجر الاسود والحطيم وآثار قدمى ابراهيم وانبثاق ماء زمزم بعقب جبريل غياثا لهاجر واسمعيل غنية عن الطعام والشراب ودوى للغليل ثم ان بها جماع المشاعر ومولد المصطفى ومنها بدأ الدين (والمكتان) تثنية مكة (وأم روح) بفتح الراء وآخره حاء مهملة والروح لغة الراحة سميت بذلك لانها يستراح فيها من الذنوب (وأم رحم) بضم الراء واسكان الحاء المهملة سميت بذلك لتراحم الناس بها وروى أم زحم بالزاي وسميت بذلك لتزاحمهم بها (وأم كوثى) بضم الكاف واسكان الواو وفتح الثاء المثلثة محل بها سميت به قيل لبني عبد الدار وقيل بناحية قعيقعان وقيل بمني (تتمة) من أسمائها أيضا صلاح بكسر المهملة والبناء على الكسر كقطام وحذام ويجوز صرفه كما في القاموس وغيره ومنها الباسة بموحدة ومهملة والناسة بنون ومهملة والعرش بضم المهملة والراء ثم معجمة والمقدسة والحاطمة والبنية بفتح الموحدة وكسر النون ونادرة بالنون والمهملة والهاء بوزن فاعلة ونادر بلاهاء والمأموم قال النووي لا نعلم أبدا أكثر من أسماء مكة والمدينة لكونهما أفضل الارض وذلك لكثرة الصفات المقتضية للتسمية وكثرة الاسماء تدل على شرف المسمى ولهذا كثرت أسماء الله تعالى ورسوله ﷺ حتى قيل ان لله تعالى الف اسم ولرسوله كذلك انتهى وقال شيخنا ابن حجر الهيتمي أوصل بعض المتأخرين أسماء المدينة الى قريب من الف وكذلك مكة (الحجر الاسود) أخرج أحمد وسمويه من حديث أنس والنسائى من حديث ابن عباس الحجر الاسود من الجنة وأخرج أحمد وابن عدي والبيهقى في الشعب من حديث ابن عباس الحجر الاسود من الجنة كان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك وللطبراني من حديثه أيضا ولولا ما مسه من رجس الجاهلية ما مسه ذو عاهة الابرأ وأخرج ابن خزيمة من حديثه أيضا الحجر الاسود ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة وانما سودته خطايا المشركين ومن فضائله ما أخرجه ابن خزيمة من حديث ابن عباس انه يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا ومنها ما أخرجه الخطيب وابن عساكر من حديث جابر الحجر يمين الله في الارض يصافح بها عباده زاد الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس فمن مسحه فقد بايع الله وما أخرجه الازرقي من حديث أبي بن كعب الحجر الاسود نزل به ملك من السماء والملك هذا هو جبريل وقيل غيره (والحطيم) هو ما بين زمزم والمقام قال بعض المفسرين ان فيه قبر سبعين نبيا وقيل الحطيم جدار حجر البيت قال النضر يسمى حطيما لان البيت رفع وترك ذاك محطوما (وآثار قدمي ابراهيم) قال البغوي قد اندرست من كثرة المسح بالايدي (وانبثاق) أي انفجار وهو بنون ثم باء موحدة ثم ثاء مثلثة (ماء زمزم) سميت بذلك لان أم اسماعيل لما أمسكت على الماء حال خروجه قالت زم زم كذا قاله بعض المفسرين (غياثا) مصدر وهو بكسر الغين المعجمة (لهاجر) بالهاء ويبدل همزة ممدودة والجيم مفتوحة فيهما (واسمعيل) قيل سمي بذلك لان ابراهيم كان يدعو أن يرزقه الله ولدا ويقول اسمع ايل وايل هو الله على ما سيأتي فيه فلما ولد سماه اسماعيل (غنية) مصدر وهو بضم الغين المعجمة (جماع المشاعر) بالنصب ويجوز رفعه على ارادة الشان وكذا قوله (ومولد المصطفى) والمصطفى المختار (بدأ الدين) بالهمز كما
стр. 22
غريبا بعد ان كان قد عفا وأوّل ما نزل بها القرآن العظيم وعكف في عرصاتها الملائكة والانبياء عليهم الصلاة والتسليم ثم هى قبلة المصلين في جميع الآفاق واليها تنزع القلوب بدعاء الخليل وأمن الخلاق وبها أعظم جوامع الدنيا وفي خمسة عشر موضعا منها يستجاب الدعاء ثم لها من الخصائص التى لا تحصى ولا تعد ولا تستقصى
يا أهل تدريس العلوم جميعها ... وذوى عقول قد صفت من ريبة
هل تعلمون محلة معروفة ... جمعت كمكة في عداد فضيلة
[مطلب وأما ما جاء في فضل المدينة]
(وأما ما جاء في فضل المدينة) فروينا في صحيحى البخاري ومسلم من رواية على وأبي هريرة وابى حميد الساعدى وسفيان بن ابى زهير وابي بكرة وأنس بن مالك وابي سعيد الخدرى سيأتي (عفا) بالعين المهملة والفاء أي اندرس وذهب أثره (وأوّل ما نزل بها القرآن العظيم) نزل بها من السور ما عدا البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والانفال وبراءة والنور والاحزاب وسورة محمد ﷺ والفتح والحجرات والحديد وما بعدها الى الملك وهي عشر متوالية والمطففين قيل وهي أول سورة مدنية ولم يكن والنصر والمعوذتان فتلك سبع وعشرون واختلف في الرعد وهل أتى على الانسان والكوثر والراجح انها مكية والله أعلم (الآفاق) جمع أفق بالاسكان وهي الناحية (بدعاء الخليل) يعني قوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ الآية ويحكي عن الحسن البصري كما ذكره النووي في الاذكار وغيره انه (وفي خمسة عشر موضعا) بكسر المعجمة (يستجاب الدعاء) وهي في الطواف وعند الملتزم وتحت الميزاب وفي البيت وعند زمزم وعلى الصفا والمروة وفي المسعى وخلف المقام وفي عرفات والمزدلفة وفي منى وعند الجمرات الثلاث (وذوى عقول) جمع عقل سمي به لأنه يعقل صاحبه عن الرذائل ومن أسمائه اللب والنهي والحجر والزبر والحجا (من ريبة) أي شك (عداد) بكسر العين* واماما جاء في فضل المدينة (البخاري) مرت ترجمته. ومسلم هو ابن الحجاح القشيرى ولد سنة ست ومائتين ومات بنيسابور لخمس بقين من رجب سنة احدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة (وأبي حميد) اسمه عبد الرحمن وقيل المنذر بن سعد هو وأبوه صحابيان (وأبي بكرة) اسمه نفيع بنون وفاء ومهملة مصغر بن الحارث بن كلدة وقيل اسمه مشروح كني بذلك لما في الصحيحين انه تدلى من حصن الطائف على بكرة ونزل الى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من عبيد أهل الطائف توفي سنة احدى وخمسين (وأبي سعيد الخدري) اسمه سعد بن مالك بن سنان استشهد أبوه مالك بن سنان يوم أحد كما سيأتي وتوفي أبو سعيد سنة أربع وسبعين يوم الجمعة ودفن بالبقيع قال ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر كان أبو سعيد يحفى شاربه ويصفر لحيته من فضلاء الصحابة المكثرين من الرواية عنه ﷺ غزا مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة روى عنه جماعة من الصحابة ومن التابعين وخدرة بضم
стр. 23
وعائشة وعبد الله بن زيد بن عاصم وسعد بن ابى وقاص وسهل بن حنيف وجابر بن سمرة ورافع بن خديج وابن عمر أحاديث متفرقة انه قال ﵌ امرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهى المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد وانه حرم ما بين لابتيها كما حرم ابراهيم مكة وانه سماها طابه ونهى عن تسميتها يثرب وأخبر ان الايمان يأرز المعجمة وسكون المهملة قبيلة معروفة من الانصار (وسعد بن أبي وقاص) اسم أبي وقاص مالك بن أهيب بضم الهمزة ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب أسلم سعد بعد ستة نفر وقيل بعد أربعة وهو ابن سبع عشرة سنة وشهد بدرا وما بعدها وتوفي سنة خمس وخمسين أو ثمان وخمسين أو أربع وخمسين أقوال وكانت وفاته بالعقيق على سبعة أميال من المدينة فحمل على أعناق الرجال الى المدينة وأدخل المسجد وصلى عليه مروان وأزواج النبي ﷺ وكان آخر المهاجرين موتا فلما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة له من صوف فقال كفنوني فيها فاني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي وانما كنت أخبأها لذلك ذكر ذلك ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر (وسهل بن حنيف) بالمهملة والنون والفاء مصغرا ابن وهب الاوسي شهد المشاهد كلها وثبت يوم أحد وكان بايع على الموت ومات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي قال ابن عبد البر وغيره وكبر عليه ستا وقال انه بدرى (وجابر بن سمرة) بفتح المهملة وضم الميم ابن جنادة السوائى بضم المهملة صحابي ابن صحابى (ورافع بن خديج) بالمعجمة فالمهملة آخره جيم بوزن رغيف ابن رافع بن عدي بن جشم الحارثي شهد أحدا وأكثر المشاهد أصابه سهم فنزع وبقي النصل ومات منه سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمان وستين سنة (وابن عمر) هو عبد الله بن عمر وقد مضت ترجمته (أحاديث) غير منصرف وهو بالنصب معمول فروينا (متفرقة) بالنصب (أمرت بقرية الى آخره) أخرجه الشيخان وأبو داود من حديث أبي هريرة ومعناه أمرت بالهجرة اليها واستيطانها (تأكل القرى) ذكروا في معناه وجهين أحدهما انها مركز جيوش الاسلام في أوّل الامر فمنها فتحت القرى وغنمت أموالها وسباياها والثاني ان أكلها وميرتها من القرى المنفتحة واليها تساق غنائمها (يقولون) يعنى بعض الناس من المنافقين (يثرب) برفع الباء أي يقولون هي يثرب (و) انما (هي المدينة) ففيه كما قال النووي كراهة تسميتها يثرب وفيه حديث في مسند أحمد وحكي عن عيسى بن دينار انه قال من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة وسبب كراهته ان لفظه من التثريب وهو التوبيخ والملامة وكان ﷺ يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح وأما تسميتها في القرآن يثرب فانما هو حكاية عن قول المنافقين الذين في قلوبهم مرض (تنفي الناس) أي شرارهم وخبيثهم (كما ينفي الكير) بكسر الكاف وهو الذي يوقد تحته الحداد (خبث الحديد) وفي رواية بدله الفضة وخبثهما وسخهما الذي تخرجه النار وليس ذلك مختصا بزمنه ﷺ على الاظهر خلافا لعياض (لابتيها) هما الحرتان والمدينة بين حرتين والحرة الارض الملبسة حجارة سودا وهي غير مهموزة كما قال النووي وغيره (يأرز)
стр. 24
اليها كما تأرز الحية الى جحرها وقال فيمن تحمل عن المدينة والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وانها لا يدخلها رعب المسيح الدجال ولا الطاعون وانه كان اذا قدم من سفر فنظر الى جدرات المدينة أوضع راحلته وان كان على دابة حركها من حبها ودعا لها بمثل ما دعا به ابراهيم لاهل مكة واخبر انه لا يدعها احد رغبة عنها الا ابدل الله فيها من هو خير منه بتحتية فهمزة ساكنة فراء مكسورة وحكي ضمها وفتحها فزاي أي ينضم ويجتمع (اليها) أي الى المدينة قال عياض معناه ان الايمان أولا وآخرا بهذه الصفة لانه في أوّل الاسلام كان كل من خلص ايمانه وصح اسلامه أتى المدينة اما مهاجرا مستوطنا واما متشوقا الى رؤية رسول الله ﷺ ومتعلما منه ومتقربا ثم بعد هذا الى زمن الخلفاء كذلك ولاخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة فيها ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقت وأئمة الهدى لاخذ السنن المنتشرة بها عنهم وكان كل ثابت الايمان منشرح الصدر به يرحل اليها ثم بعد ذلك في كل وقت والى زماننا لزيارة قبره الشريف والتبرك بمشاهدة آثار أصحابه فلا يأتيها الا مؤمن انتهى وفي رواية لمسلم ان الايمان ليأرز الى بين المسجدين وأراد مسجد مكة والمدينة (فيمن تحمل) بفتحات (والمدينة خير لهم) أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود من حديث سفيان بن أبي زهير وأوّل الحديث تفتح الشام فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ثم تفتح اليمن فيخرج قوم باهليهم يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ثم يفتح العراق فيخرج من المدينة قوم باهليهم يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ومعنى يبسون يسوقون الى الرحيل مسرعين في الامصار قال أبو عبيد البس سوق الابل ويبسون بتحتية مفتوحة فموحدة بضم وبكسر وروي بضم التحتية مع كسر الموحدة* وقوله خير لهم أي للمرتحلين عنها إلى غيرها (رعب) أي خوف (المسيح) سمي بذلك لانه ممسوح العين وقيل لمسحه الارض اذا خرج والاشهر انه بفتح الميم وتخفيف السين واهمال الحاء كوصف عيسى وقيل هو بكسر الميم وتشديد السين وقيل باعجام الخاء كالاول مسيخ وقيل كالثاني (الدجال) سمي به لكذبه وتمويهه وكل كذاب ومموه يسمى دجالا (ولا الطاعون) ان قلت أما أفضليتها بعدم دخول الدجال فظاهرة وأما الطاعون فكيف يكون عدم دخوله اياها فضيلة لها مع انه شهادة لكل مسلم كما أخرجه أحمد والشيخان من حديث أنس (قلت) لا مانع من ان يكون كذلك ثم يكون عدم دخوله المدينة فضيلة لانما جعل شهادة ورحمة للمؤمنين من هذه الامة رحمة لها اذ كانت أمة مرحومة والا فخبسه عذاب كما أخرجه أحمد والبخاري من حديث عائشة وأخرجه الشيخان والترمذي من حديث أنس فلما كان كذلك كان عدم دخوله المدينة فضيلة لها بهذا الاعتبار قال العلماء وفيه معجزة له ﷺ فان الاطباء قديما وحديثا عجزوا عن دفع الطاعون عن شخص واحد فضلا عن بلد والمدينة رفع النبي ﷺ الطاعون منها الى يوم القيامة (الى جدرات) جمع جدار وفي بعض نسخ البخاري دوحات المدينة جمع دوحة وهي الشجرة (أوضع) باعجام الضاد واهمال العين أي أسرع ومنه ولا وضعوا خلالكم وفان البر ليس بالايضاع (الا أبدل الله فيها من هو خير منه) هذا عام أبدا على الاصح وقيل مختص
стр. 25
ولا يثبت احد على لأوائها وجدها الا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة وانه لا يريدها احد بسوء الا أذابه الله ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء (وما رويناه) خارج الصحيحين انه ﵌ قال المدينة مهاجري فيها مضجعى وفيها مبعثي حقيق على أمتى حفظ جيرانى ما اجتنبوا الكبائر من حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال. وقال غبار المدينة شفاء من الجذام وقال كل البلاد افتتحت بالسيف والمدينة افتتحت بالقرآن وقال ما على الارض بقعة هي أحب إلي من أن بمدة حياته ﷺ (لاوائها) بسكون الهمزة وبالمد والتحتية هي الشدة وما يعظم مشقته ويحرج له الصدر من ضيق عيش أو قحط أو خوف ونحو ذلك (وجهدها) بفتح الجيم وهي لغة قليلة وبضمها هو المشقة واما بمعنى الطاقة فالمشهور بالضم وحكى بالفتح (الا كنت له شفيعا أو شهيدا) الاظهر ان أوهنا ليست للشك فلا يزيد القاريء بعدها قال بل اما للتقسيم فيكون شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين أو شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده وهذه خصيصة زائدة لاهل المدينة على شهادته لجميع الامة واما بمعنى الواو على حد قوله مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فيكون لاهل المدينة شفيعا وشهيدا هذا معنى ما قال عياض (وانه لا يريدها أحد بسوء) قاله مسلم في صحيحه قال ابن حاتم في حديث ٧ بن نحس بدل سوء شرا وفي رواية بدهم بكسر الموحدة وفتح المهملة وسكون الهاء وهي المقاتلة والامر العظيم (الا اذابه الله) أي أهلكه (ذوب) مصدر ذاب يذوب (الرصاص) مثلث الراء والفتح أشهر أي في النار كما في بعض روايات مسلم قال عياض وهو يرفع اشكال الاحاديث التي لم يذكر فيها وتبين ان هذا حكمه في الآخرة قال وقد يكون المراد به من أرادها في حياة النبى ﷺ كفى المسلمون شره واضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار أو يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطانا بل يذهبه عن قريب كما انقض بنيان من حاربها أيام بني أمية مثل عقبة بن مسلم فانه هلك في منصرفه عنها ثم هلك مرسله يزيد بن معاوية على أثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنعهما قال وقيل وقد يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرتها في غفلة فلا يتم له أمره (أو ذوب الملح في الماء) ليست أو للشك قيل الاول في رواية وهذا في أخرى (مهاجري) بضم الميم وفتح الجيم أى موضع هجرتي (فيها مضجعي) يعني قبره ﷺ وهذا من اعلام النبوة (حقيق) أي واجب (جيراني) يعني أهل المدينة ومن داناهم وأراد حفظهم من الاذى مطلقا ما لم يرتكبوا ما يوجب حدا فان ارتكبوه أقيم عليهم كغيرهم كما يرشد اليه قوله (ما اجتنبوا الكبائر) جمع كبيرة وهي كل ما جاء فيها وعيد شديد في الكتاب أو السنة وان لم يوجب حدا وعرفت بانها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة (كنت له شفيعا الى آخره) يأتى فيه ما مر قريبا في أهل المدينة (سقى من طينة الخبال) بفتح المعجمة والموحدة وهي عرق أهل النار وما ينحل من أجسادهم بذوبانها (غبار المدينة شفاء من الجذام) أخرجه أبو نعيم في الطب من حديث ثابت بن قيس بن شماس ولابن السني يبرئ الجذام وللزبير بن بكار يطفيء الجذام (كل البلاد افتتحت بالسيف الى آخره) أخرجه البيهقي في الشعب من حديث عائشة وأراد ﷺ بذلك قدوم
стр. 26
يكون قبرى فيها منها ثلاث مرات. وقال من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب. وفي طريق آخر بعث من الآمنين يوم القيامة وقال من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فانى أشفع لمن يموت بها.
وروي عن زيد بن اسلم عن أبيه في قوله تعالى وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال مدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الانصار وسماها الله تعالى الدار في قوله تعالى وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ الآيات وذكر أن لها في التوراة أربعين إسما منها المدينة وطيبة وطابة والمسكينة وجابرة والمجبورة والمرحومة والهدراء والعذاب والمحبة والمحبوبة والقاصمة.
وروى أن في التوراة يا مسكينة لا تقبلى الكنوز ارفع أجاجيرك على أجاجير القرى* وقال الشيخ الامام جمال الدين ابو عبد الله محمد بن احمد المصرى ﵀ في كتابه تأليف ما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة بروايتى لذلك عن شيخى الامام الحافظ محب الدين محمد مصعب بن عمير على أهل المدينة مقرئا لهم القرآن فأسلم أكثرهم (من مات في أحد الحرمين الى آخره) أخرجه أبو داود والدارقطني وغيرهما فظاهر الحديث حصول ذلك له وان لم يدفن بهما أو يكون ذلك جرى مجرى الغالب ان من مات بارض دفن بها (وفي طريق آخر) أخرجها من مر آنفا لكن بلفظ (بعث من الآمنين) (من استطاع أن يموت بالمدينة الى آخره) أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان من حديث ابن عمر قال الترمذي حديث صحيح ومنه يؤخذ تفضيل الموت بالمدينة عليه بمكة كما جزم به بعضهم والصحيح عكسه (عن زيد بن أسلم عن أبيه) هو أسلم الحبشى مولى عمر ﵁ وقيل انه من سبى اليمن والاصح انه من بجاوة بكسر الموحدة ثم جيم يكنى أبا خالد وأبا زيد مات سنة ثمانين وفي صحبته خلاف مشهور (منها المدينة) مشتقة من دان بمعنى أطاع والدين الطاعة أو من مدن بالمكان اذا أقام به قولان لاهل العربية (وطيبة وطابة) مشتقان من الطيب وهو الرائحة الحسنة والطاب والطيب لغتان وقيل من الطيب بفتح الطاء وكسر الياء التحتية المشددة وهو الطاهر لخلوصها من الشرك وطهارتها وقيل من طيب العيش (والهدراء) بهاء مفتوحة ثم مهملة ساكنة ثم راء ممدودة سميت بذلك لنمو الاعمال فيها وتضعيفها من قولهم أرض هادرة اذا كانت كثيرة العشب متناهية (والقاصمة) بالقاف والمهملة أي المهلكة لكل جبار بها وفي نسخة والعاصمة بمهملتين أي لكل من لجا اليها من كل مخوف أو من الدجال والطاعون (وروي ان) بفتح الهمزة (الكنوز) جمع كنز وهو كل مال لا تؤدي زكاته (ارفع) بالرفع (أجاجيرك) بهمزة مفتوحة ثم جيم ثم ألف ثم جيم مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم راء أي جوانبك وارجائك (تأليف) جمع (الهجرة) الترك (دار الهجرة) يعني المدينة الشريفة
стр. 27
ابن أبي حامد المصري حفيد المصنف قراءة منى عليه لجميع الكتاب بالمسجد النبوي الشريف الى جانب المنبر المنيف وسمعته جميعا بالمسجد الحرام من لفظ شيخنا إمام الوقت أبي الفتح محمد ابن أبي بكر بن الحسين المراغي نضر الله وجوههما قالا اخبرنا به الشيخ الامام ابراهيم بن على اليعمرى عن المؤلف قال وبعد فان العناية بالمدينة الشريفة متعينة والرعاية لعظم حرمتها لكل خير متضمنة والوسيلة بنشر شرفها شافعة والفضيلة لاشتات معاهدها جامعة لأنها طابة ذات الحجرة المفضلة ودار الهجرة المكملة وحرم النبوة المشرف بالآيات المنزلة والمسجد الذى تشد اليه الرحال المرقلة والبقعة التي تهبط الاملاك عليها والمدينة التى يأرز الايمان اليها والمشهد الذى تفوح أرواح نجد من ثياب زائريه والمورد الذى لا يروي من الشوق غلة وارديه والعرصة التى خصها الله تعالى بالنبى الاطهر والحرمة التي فيها الروضة المقدسة بين القبر والمنبر والتربة التى سمت بساكنها على الآفاق وفضلت بقاع الارض على الاطلاق فهي كما قيل شعرا:
جزم الجميع بأن خير الارض ما ... قد حاط ذات المصطفى وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنفس حين زكت زكي مأواها
وقال القاضى عياض ﵀ وجدير بمواطن عمرت بالوحى والتنزيل وتردد فيها جبريل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح واشتملت تربتها على جسد سيد البشر وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر مدارس آيات ومساجد صلوات ومشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات ومناسك الدين ومشاعر المسلمين ومواقف سيد المرسلين ومتبوء خاتم النبيين حيث انفجرت النبوة وفاض عبابها ومواطن مهبط الرسالة وأوّل أرض مس جلد المصطفى ترابها أن تعظم عرصاتها (حفيد) هو ولد الولد (المنيف) الزائد بالفضل على غيره (المراغي) نسبة الى المراغ قبيلة معروفة من الازد وهي بفتح الميم والراء المخففة آخره معجمة (نضر الله) بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها والتشديد أكثر أي حسن وجمل (اليعمري) بفتح الميم وضمها (الاشتات) بالمعجمة والفوقية المكررة أي المتفرقات (المرقلة) بالقاف أي المسرعة (والمورد) بفتح الميم وكسر الراء (غلة) بضم الغين المعجمة وهى العطش (المقدسة) أي المطهرة والقدس الطهارة وسمى جبريل روح القدس لانه لم يقارف ذنبا (سمت) أي علت والسمو العلو (على الآفاق) جمع أفق وهو الناحية كمامر (وفضلت) وبفتح الضاد (زكت) بالزاي بمعنى طهرت (جدير) بالجيم والاهمال بوزن عظيم أي حقيق ويرادفه حرى وخليق وقمن في المعنى وخليق في الوزن أيضا (بمواطن) لا ينصرف (وضجت) بالمعجمة والجيم من الضجيج وهو رفع الصوت (حيث) مبنى على الضم (عبابها) بضم المهملة وبموحدتين وهو معظم السيل وارتفاعه
стр. 28
وتتنسم نفحاتها وتقبل ربوعها وجدراتها وأنشد شعرا:
يادار خير المرسلين ومن به ... هدي الانام وخص بالآيات
عندى لاجلك لوعة وصبابة ... وتشوق متوقد الجمرات
وعلي عهد إن ملأت محاجرى ... من تلكم الجدرات والعرصات
لاعفرنّ مصون شيبى بالثرى ... من كثرة التقبيل والرشفات
لولا العوادي والاعادى زرتها ... أبدا ولو سحبا على الوجنات
لكن سأهدى من حفيل تحيتى ... لقطين تلك الدار والحجرات
اذكى من المسك المفتق نفحة ... تغشاه بالآصال والبكرات
ونخصه بزواكى الصلوات ... ونوامى التسليم والبركات
وكثرته (وأنشد) مبنى للفاعل والمراد عياض كما قال الشمني زاد هذه الابيات له (لوعة) بفتح اللام حرارة الشوق (وصبابة) بالمهملة والموحدة المكررة بوزن سحابة هي رقة الشوق (لولا العوادى) ما يعدو على الانسان ويصول من النوائب شبهها بعد والسبع (والاعادي) جمع عدو (من حفيل) بالمهملة والفاء بوزن عظيم أي جميع قال الجوهري في الصحاح حفل القوم واحتفلوا أى اجتمعوا (القطين) بالقاف ثم مهملة بوزن الاول والقطين هو القاطن أي المقيم (المفتق) بتشديد الفوقية المفتوحة أي المستخرج الرائحة (بزواكى ونوامي) بفتح الياءين لاقامة الوزن (تنبيهان) الاول فات المصنف ذكر الاحاديث الواردة في فضل الصلاة في مسجده ﷺ وكان ينبغي له الاتيان بذلك كما أتى به في فضل الصلاة في المسجد الحرام. وذلك كقوله ﷺ صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام أخرجه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر وأخرجه مسلم من حديث ميمونة وأخرجه أحمد من حديث جبير بن مطعم وسعد بن أرقم وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث جابر وأخرجه أحمد وابن حبان من حديث ابن الزبير وأخرجه البيهقي من حديث ابن عمر وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء فتبلغ صلاة واحدة في مسجده ﷺ عمر ستة أشهر هلالية وثلاثة وعشرين يوما والنفل في ذلك كالفرض خلافا للطحاوي قال النووي وذلك فيما يرجع الى الثواب ولا يتعدى الى الاجزاء عن الفوائت بلا خلاف وقد مرّ عنه نظير ذلك في الصلاة في المسجد الحرام قال وهذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده ﷺ الذى كان في زمانه دون ما زيد بعده وهذا هو الصحيح وان نظر فيه السيوطي مستشهدا بحديث أخرجه الزبير بن بكار (الثاني) هل المسجد الذي أسس على التقوى هو أو مسجد قبا قال النووي بالاول مستدلا بالحديث الصحيح في صحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي عن أبي سعيد أنه ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى أخذ كفا من حصا فضرب به الارض ثم قال هو مسجدكم
стр. 29
[فصل في ذكر آبائه ﷺ ]
(فصل) وأما عدد آبائه فهو صلي الله عليه وآله وسلم أبو القاسم وأبو الارامل وأبو ابراهيم (محمد بن عبد الله) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أددبن مقوم بن ناحور هذا لمسجد المدينة قال هذا نص بانه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن قال السيوطي في الديباج قلت تعارضه أحاديث أخر منها ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة رضى الله عنه ان النبي ﷺ قال نزلت هذه الآية (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين) في أهل قبالانهم كانوا يستنجون بالماء والحق ان القولين شهيران والاحاديث لكل منهما شاهدة ولهذا مال الحافظ عماد الدين ابن كثير الى الجمع وترجيح التفسير انه مسجد قبا لكثرة أحاديثه الواردة وبيان سبب نزول الآية قال ولا ينافي ذلك حديث مسلم وغيره لانه اذا كان مسجد قبا أسس على التقوي فمسجد النبي صلي الله عليه وسلم أولى بذلك (خاتمة) الشام بعد الحرمين أفضل البقاع لحديث الشام صفوة الله من بلاده أخرجه الطبراني والحاكم من حديث أبي امامة ولانها أرض المحشر والمنشر كما أخرجه أبو الحسن بن شجاع الربعي في فضائل الشام من حديث أبي ذر ولان نوره ﷺ ليلة الولادة سطع عليها ثم اليمن لحديث الايمان يمان وهو مشهور في الصحيحين وغيرهما ثم الغرب لحديث لا يزال أهل الغرب ظاهرين الى آخره وهو في صحيح مسلم ولا يقال هذا الحديث فيه فضيلة أهل الغرب لهذا لانا نقول تقرر ان المفاضلة في الاشخاص حقيقة انما هي بحسب الديانة والتقوى ولا شك ان للبقاع تأثيرا في صلاح الطباع وفسادها من حيث إثارة الشهوات وغيرها كما ذكروا نظير ذلك في الفصول فصلاح الاشخاص حينئذ سببه صلاح البقعة واعتدالها وعدم خروجها عن الحد في تأثير الطبائع الاربع والله أعلم*
(فصل) وأما عدد آبائه (محمد) سمى به لخصاله المحمودة وكان ذلك بالهام من الله لجده (ابن عبد الله) قيل كان اسمه عبد الدار وقيل عبد قصى فلما فدى من الذبح سماه أبوه عبد الله (فهر) بفاء مكسورة فهاء ساكنة فراء قال في التوشيح هو قريش فقيل الاول اسمه والثاني لقبه وقيل عكسه (النضر) بالمعجمة (مدركة) اسمه عمرو وقيل عامر (الياس) بفتح الهمزة على لفظ الياس الذي هو ضد الرجاء واللام فيه للمح الصفة وقيل بالكسر كاسم النبي الياس وهو مشتق من قولهم أليس الشجاع أى لم يفر. قال النووي في التهذيب هو بكسر الهمزة على الصحيح الاشهر. وقال عياض في المشارق ضبطه ابن الانباري بفتح الهمزة ولام التعريف (مضر) بالمعجمة والراء بوزن عمر سمى بذلك لمحبته اللبن الماضر أي الحامض قيل وهو أول من حدا الابل وكان حسن الصوت وأخرجه ابن سعد عن عبد الله بن خالد مرسلا لا تسبوا مضر فانه كان قد أسلم (نزار) بنون وزاي فراء ككتاب قاله في القاموس وضبطه غيره بكسر النون وفتحها وهو مشتق من النزر وهو القليل سمى به لانه كان فريد عصره قاله أبو الفرج الاصبهاني (معد) بفتح الميم والعين وتشديد الدال المهملتين (عدنان) بالمهملة والنون بوزن مروان (ادد) بضم ففتح كعمر وبضمتين أيضا قال في القاموس وهو مصروف (مقوم) بكسر الواو اسم فاعل وبفتحها اسم مفعول (ناحور) بنون ومهملة وراء
стр. 30
ابن تيرخ بن يعرب بن يشجب بن قيدار بن نابت بن اسمعيل بن ابراهيم صلي الله عليه وعلى آله ابن آزر بن تارح بن ناحور بن ساروخ بن راعو بن فالج بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﷺ ابن لامك بن (تيرخ) بفوقية مفتوحة فتحتية ساكنة فراء مهملة (يعرب) بتحتية مفتوحة فمهملة ساكنة فراء مضمومة فموحدة (يشجب) بتحتية فمعجمة فجيم فموحدة بوزن يعرب (نابت) بالنون والموحدة والفوقية كفاعل وقيل انه نبت بحذف الالف وسكون الموحدة (اسماعيل) تقدم سبب تسميته بذلك قريبا (ابراهيم) كان مولده بالسوس من أرض الاهواز وقيل كوثى وقيل كسكر وقيل حران ولكن أبوه نقله الى بابل أرض نمرود ابن كنعان (آزر) لقب أبى ابراهيم قاله مقاتل بن حبان وغيره (ابن تارح) بفوقية فالف فراء مفتوحة فمهملة وقال ابن اسحق والضحاك بل هما اسمان له وقال بعضهم بل تارح أبوه وآزر عمه والعرب تسمى العم أبا وبه تشبث من قال من العلماء ان آباء النبي صلي الله عليه وسلم كانوا مؤمنين وسيأتي ما فيه قريبا وقال سليمان التيمي تارح سب وعيب ومعناه في كلامهم المعوج وقيل هو بالفارسية الشيخ الهم (ناحور) هو كناحور الاول وقيل ان هذا بألف في آخره (ساروخ) بمهملة فراء مضمومة آخره معجمة وقيل باعجام أوله وآخره وقيل شاروع (راعو) بالراء وضم المهملة وقيل انه أرعو بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح المهملة قالوا وآخره ألف (فالج) بفتح اللام آخره معجم وقيل فالغ بغين معجمة وهو أخو هود بن عيبر على ما قيل وكلام مغلطاي في سيرته يخالفه كما سيأتي قريبا وقيل ان فالج أخو قحطان وهما ابنا يعرب ويقال عارب وفي عدنان وقحطان جماع العرب واتفق أهل النسب على ان عدنان من ولد اسماعيل واختلفوا في قحطان فقيل هو من ولد اسماعيل لقوله ﷺ للاسلميين ارموا بني اسماعيل فان أباكم كان راميا وهم من قحطان وقيل ان قحطان من ولد هود وقيل غير ذلك (عيبر) بوزن جعفر وهو بمهملة فتحتية قد تبدل ألفا فموحدة وهو هود نبه عليه مغلطاي في سيرته (شالخ) باعجام أوله وآخره بوزن فالج ومعناه الوكيل (ارفخشذ) بهمزة مفتوحة فراء ساكنة ففاء مفتوحة فمعجمات الاولى ساكنة والثانية مفتوحة قيل معناه بالسريانية مصباح مضيء (سام) بالمهملة وهو أبو العرب وفارس والروم قيل لما حضرت نوحا الوفاة قسم البلاد بين أولاده فجعل لسام وسط الارض الحرم وما حوله واليمن وحضرموت الى عمان الى البحرين الى عالج وتبريز ووبار والدهناء وجعل لحام وهو بالمهملة أرض المغرب وسواحل الهند الى حدود بنجالة ما خلا الكوش من بعدها وجعل ليافث وهو بالتحتية والفاء والمثلثة مشرق الارض جميعها وجعل الوصية بعد ذلك الى ولده سام (نوح) اسمه عبد الغفار. قال البغوي وهو أوّل نبى بعث بعد ادريس وسيأتي في ذلك مزيد كلام في حديث الاسراء كان نوح نجارا بعثه الله الى قومه وهو ابن أربعين أو خمسين أو مائتين وخمسين أو مائة أقوال قال بالاول ابن عباس وبالاخير مقاتل سمى نوحا لكثرة ما ناح على نفسه وسبب نوحه دعوته على قومه بالهلاك ومراجعته ربه في شأن ابنه كنعان أو قوله لكلب مجذوم قد مر عليه اخسأ يا قبيح فأوحى الله اليه اعبتني أم عبت الكلب أقوال كان عمره ألفا وخمسين سنة قال ابن عباس وقيل ألفا ومائتين وخمسين والصحيح الاول (لامك) بفتح الميم ويقال لمك بفتح اللام وكسر
стр. 31
متوشلخ بن خنوخ وهو ادريس ﷺ عند الاكثر ابن يرد بن مهليل بن قينين ويقال قينان بالقاف ابن يانش بن شيث بن آدم ﷺ * قال المؤلف غفر الله له وما ذكرنا من النسب الى عدنان متفق عليه وفيما بعده الى آدم خلاف واضطراب في العدد والضبط والمشهور في ذلك ما ذكرنا ثم اتفقوا على أن النسب يرجع الى اسمعيل بن ابراهيم صلي الله عليهما وسلم
وروى ابن سعد في الطبقات حديثا مسندا عن ابن عباس ﵄ أن النبى صلي الميم مصروف قيل وهو أوّل من اتخذ العود للغناء (متوشلخ) بضم الميم وفتح الفوقية والواو بعدها معجمة ساكنة فلام مكسورة فمعجمة وقيل انه بتشديد الفوقية وسكون الواو وفتح الشين وسكون اللام قيل ومعناه مات الرسول سمى به لان أباه ادريس مات وأمه حامل به (خنوخ) بالمعجمة أوله وآخره على وزن تبوك وضبط اخنوخ على وزن عصفور (وهو ادريس) سمي به لكثرة درسه وكان خياطا وهو أوّل من خط بالقلم وأوّل من خاط الثياب ولبس المخيط وكان من قبله يلبسون الجلود وأوّل من اتخذ السلاح وقاتل الكفار وأوّل من نظر في علم الحساب رفعه الله اليه على تمام ثلثمائة وخمس وستين سنة وقال الكلبى ثلاثمائة وست وستين سنة وهو ثالث الانبياء (يرد) بفتح التحتية وسكون الراء ثم مهملة ويقال فيه اليرد بالة التعريف ومعناه الضابط (مهليل) بفتح الميم وسكون الهاء وبين اللامين تحتية ويقال فيه مهلائيل ومعناه الممدح وفي زمنه كان أوّل عبادة الاصنام (قينين وقينان) بفتح القاف فيهما ومعناه المستوي (يانش) بالتحتية والنون والمعجمة بوزن فاعل ويقال أنوش بوزن صبور ومعناه الصادق وهو أوّل من غرس النخلة وبذر الحبة وبوب الكعبة (شيث) بمعجمة فتحتية فمثلثة بوزن ليف ومعناه هبة الله لانه خلف من هابيل المقتول علمه الله ساعات الليل والنهار وعبادته في كل ساعة وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولى عهده. قيل ان حواء كانت تلد في كل بطن ولدين ذكرا وأنثي الا شيثا فانها حملت به وحده كرامة لمحمد ﷺ وكان مولده بعد قتل هابيل بخمسين سنة وقد مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وقيل مائتان وخمس وأربعون سنة وكان مدة عمره ألف سنة وفي التوراة الا سبعين (آدم) كني به لانه خلق من اديم الارض وقيل لانه كان آدم اللون وكان خلقه آخر ساعة من يوم الجمعة فيما بين العصر الى الليل كما في مسند أحمد وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة وخلق من تراب الجاثية ودخنا وعجن بماء الجنة كما أخرجه الحكيم وابن أبي عدي من حديثه ولا ينافيه ما في حديث آخر انه خلق من جميع أجزاء الارض فلعل أكثر طينته كانت من هاتين الارضين وكان طوله ستين ذراعا كما في مسند أحمد والصحيحين من حديثه أيضا قيل بذراعه وقيل بذراعنا لان ذراع كل واحد ربعه ولو كان بذراعه لكانت يده قصيرة في جنب طول جسمه كالاصبع أو الظفر (تنبيه) حملة من ذكره المصنف من الآباء تسعة وأربعون. وزاد المحب الطبري وغيره ادا بضم الهمزة وتشديد المهملة بين عدنان وادد فيتم العدد خمسين وقد بين المصنف محل الاتفاق وهو الى عدنان فقط وفيه من الانبياء آدم وشيث وادريس ونوح وسام على القول بنبوته وهو مقتضي ما نقل عن كعب الاحبار وهود وهو عيبر على ما مر فيه وابراهيم واسماعيل (وروى ابن سعد) هو محمد بن سعد الكاتب مولى بني هاشم مات سنة ثلاث ومائتين (عن ابن عباس) وأخرجه عنه ابن
стр. 32
الله عليه وآله وسلم كان اذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان بن أدد ثم يمسك ثم يقول كذب النسابون قال الله تعالى وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً.
وروى نحوه عن ابن مسعود موقوفا عليه في قوله تعالى أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ.
قال ابن عباس ﵄ لو شاء رسول الله ﵌ أن يعلمه لعلمه وذكر ابن عبد البر حديثا موقوفا على ابن عباس قال بين معد بن عدنان الى اسمعيل ثلاثون أبا قال وليس هذا الاسناد مما يقطع بصحته والانساب صعبة.
قال شيخ شيوخنا سراج الدين ابن الانصارى في شرح البخارى كره مالك رفع الانساب الي آدم وقال غيره بذلك وذهب كثيرون الى جوازه وهو الاظهر لانه يترتب عليه معرفة العرب من غيرهم وقريش من غيرهم وتنبني عليه الاحكام كالامامة والكفاءة والتقديم في قسم الفيء عساكر أيضا (عن ابن مسعود) هو عبد الله بن مسعود بن غافلة الهذلي أسلم قديما وشهد بدرا والمشاهد كلها توفي سنة اثنين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين وهو ابن بضع وستين سنة وورد في حديث مسند ذكره الكاشغري في مختصر أسد الغابة انه دخل عليه عثمان بن عفان يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال له ما تشتكي فقال أشتكي ذنوبي قال فما تشتهي قال أشتهي رحمة ربي قال أفلا ندعو الطبيب قال الطبيب أمرضني قال قما تأمرنا ان نفعل بعطائك قال لا حاجة لي فيه قال ندفعه الى بناتك قال لا حاجة لهن به قد أمرتهن ان يقرأن سورة الواقعة لانى سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدا (موقوفا عليه) أي غير مرفوع الي رسول الله ﷺ (وعاد) هو عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح (وثمود) هو ثمود بن عامر بن ارم بن سام بن نوح سميت ثمود لقلة مائها قاله أبو عمرو زبان بالزاي والموحدة ابن العلاء المازني أحد القراء (ان يعلمه لعلمه) أى بوحي من الله (ابن عبد البر) كنيته أبو عمر واسمه يوسف ابن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرى حافظ المغرب ولد في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة وتوفي بشاطبة من بلاد الاندلس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة (ابن الانصارى) اسمه عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الانصارى الاندلسي الاصل المصرى المعروف بابن الملقن كان أبوه نحويا معروفا بالتقدم في ذلك ومات وولده صغير فرباه زوج أمه الشيخ عيسى الغزي الملقن فعرف به وولد في ربيع الاول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ذكره ابن قاضى شهبة في الطبقات ولم يذكر وقت وفاته (وذهب كثيرون الى جوازه) قلت بل الى ندبه ولو قيل بانه من جملة فروض الكفايات لم يبعد لما ذكره المصنف من الامور والاحكام المترتبة عليه وقد أخرج مالك وأحمد والترمذي من حديث أبي هريرة تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم (و) معرفة (قريش) سموا بذلك
стр. 33
وغير ذلك وفي الصحيح حدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج* وقريش هم ولد النضر بن كنانة في قول الاكثرين وقيل هو فهر. وقيل هم ولد الياس وقيل ولد مضر والله أعلم.
[فصل فيما نقل من مزايا آبائه ﵊]
(فصل) فيما نقل من مزايا آباء النبي ﵌ الادنين* قال أهل لغلبتهم وقهرهم الناس من القرش وهو حوت في البحر يقهر دواب البحر والبر وقيل غير ذلك والصحيح الاول قال الشاعر*
وقريش هى التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا
وكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر الهرج فيهم والخموشا
(وفي) الحديث (الصحيح) في مسند أحمد وصحيح البخاري وسنن الترمذي من حديث ابن عمرو بلغوا عني ولو آية و (حدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج) وأخرج هذا فقط أبو داود من حديث أبي هريرة واسرائيل يعقوب ولا حرج أي لا ضيق ولا خطر عليكم في الحديث عنهم وسبب هذا انه كان قد نهى عن الحديث عنهم والنظر في كتبهم ثم حصلت التوسعة في ذلك لما استقرت الاحكام الاسلامية والقواعد الدينية وأمنت الفتنة والمراد كما قال الشافعي الحديث بما لا نعلم كذبه وقيل المراد التحديث عنهم باي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحديث عنهم بخلاف الرواية عنه ﷺ فانها لا تجوز الا بما علم المحدث صحته أو حسنه أو بين ضعفه أو عزاه الى من خرجه لتكون العهدة عليه وذلك لترتب الاحكام الاسلامية عليه ولا يتعذر الاتصال لقرب العهد منه ﷺ وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج فساوي في هذا الحديث بين الحديث عنه وبين الحديث عن بني اسرائيل لكن الحرج المنفي عنه انما هو الحرج اللاحق في كتب الحديث كانه ﷺ خشى ان يتوهم متوهم من منع كتب الحديث والحرج فيه منع نقله لفظا والحرج فيه فأزال ذلك الوهم بقوله وحدثوا عني ولا حرج فكانه قال لا تنقلوا عنى الحديث كتبا وان كان في أعلى درجات الصحة فان عليكم حرجا في ذلك ولكن حدثوا عني حديثا بالسنتكم ولا حرج في ذلك لان المحذور من كتب الحديث وهو خوف اختلاطه بالقرآن منتف في التلفظ به ومعلوم ان النهى عن الكتب عنه منسوخ بالاحاديث الصحيحة الواردة في الاذن في الكتابة عنه فانتفى بحمد الله الحرج في نقل الحديث عنه كتبا كما انتفى في نقله عنه لفظا ومن تتمة الحديثين ومن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار والتبوء اتخاذ المنزل وهو خبر بلفظ الامر أي فقد استوجب ذلك فليوطن نفسه عليه وقيل دعاء أي بوأه الله ذلك (فائدة) حديث من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار رواه من الصحابة نيف وستون بل قيل أكثر من مائة وقيل مائتين منهم العشرة المبشرة (وقيل هو فهر) وعليه اقتصر السيوطي في التوشيح كما مر*
(فصل) (فيما نقل من مزايا) جمع مزية بالزاي والتحتية كفضيلة وزنا ومعنى (الادنين) بفتح النون أى
стр. 34
السير كان عبد الله والد النبى ﵌ انهد فتى في قريش وأصبحهم خلقا وأحسنهم أخلاقا وكان نور النبي ﵌ بيّنا في وجهه فلما خرج منه فقد ذلك النور وانتقل الى وجه آمنة وهدى الله أهله فسموه باحب الاسماء اليه كما هداهم في تسمية ولده محمد ﵌ وفدى بمائة من الابل حين نذر عبد المطلب عند حفر بئر زمزم لئن رزقه الله عشرة من الولد يمنعونه لينحرن أحدهم فلما تم عددهم عشرة أسهم بينهم فخرج السهم على عبد الله ثم أسهم عليه وعلى عشر من الابل وكانت العشر دية العرب فخرج السهم على عبد الله فزاد عشرا ثم عشرا حتى بلغ مائة من الابل فخرج السهم على الابل فنحرها عنه ثم استمرت الدية كذلك واليه الاشارة بقوله ﷺ انا ابن الذبيحين يعنى أباه واسمعيل بن ابراهيم ﷺ وأمه وأم أبي طالب فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية وتوفي عبد الله والنبي صلى الله عليه في بطن أمه وقيل بعد ما ولد بثمانية وعشرين شهرا وقيل سبعة أشهر وقيل شهرين والله أعلم.
الاقربين الذين دون اسماعيل (أنهد) بالنون والمهملة كاقوى وأجدر وزنا ومعنى (فتي) هو من اسماء الشباب (أسهم عليه وعلى عشر من الابل) أي بمشورة المرأة الكاهنة (فخرج السهم على الابل فنحرها عنه) أي بعد ان أسهم عليه وعليها ثلاثا وفي كلها يخرج السهم على الابل وذلك بمشورتها أيضا (أنا ابن الذبيحين) أخرجه الحاكم في المستدرك وابن مردويه والثعلبي في تفسيريهما عن الصنابحي عن معاوية ﵁ (يعني أباه واسماعيل) استدل بذلك من قال ان الذبيح اسماعيل قال البيضاوي وغيره وهو الاظهر لانه الذي وهب له أثر الهجرة ولان البشارة باسحق معطوفة على البشارة بهذا الغلام في التنزيل ولان ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش الذي فدى به معلقين بالكعبة حتى احترقا معها أيام ابن الزبير واسحق لم يكن ثم ولان البشارة كانت مقرونة بولادة يعقوب منه أي في قوله تعالى فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ فلا يناسبها الامر بذبحه مراهقا انتهى قال القرطبي في تفسيره وهو قول أبي هريرة وأبي الطفيل عامر بن وائلة وروي عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وقال ابن قيم الجوزية هو الصواب عند علماء الصحابة والتابعين بعدهم وقيل انه اسحاق وهو قول الاكثرين وممن قال به العباس وعمر وجابر في آخرين من الصحابة وجماعة من التابعين قال سعيد بن جبير سار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمني فلما صرف الله عنه الذبح سار به مسيرة شهر في غداة واحدة قال ابن قيم الجوزية وهذا القول مردود باكثر من عشرين وجها (أمه وأم أبي طالب) وأم الزبير أيضا (ابن عائذ) بالتحتية والمعجمة بن عمران بن يقظة بتحتية فقاف فمعجمة على وزن شجرة وفي بعض السير ان عبد الله والد النبى ﷺ كان أصغر بني أبيه وليس كذلك لان حمزة والعباس أصغر منه فقد روي عن العباس قال شهدت مولد رسول الله ﷺ وأنا ابن ثلاث سنين ونحوها
стр. 35
وكانت وفاته بيثرب وكان بعثه أبوه يمتار له تمرا منها وقيل توفي بالأبواء بين مكة والمدينة وكان بينه وبين ابنه محمد ﵌ في السن ثمانية عشر عاما والله أعلم. وأما عبد المطلب واسمه شيبة الحمد وقيل عامر وعاش مائة وأربعين سنة سمي عبد المطلب لأن أباه هاشما توفي وهو صغير فغلبت عليه أمه سلمى الانصارية النجارية بالمدينة فلما شب وترعرع ذهب له عمه المطلب بن عبد مناف فقدم به مكة مردفه خلفه وكان آدم اللون فقال الناس عبد المطلب فلزمه ذلك. وكان شريفا في قومه مبجلا معظما عندهم يوضع له بساط في ظل الكعبة لا يجلس عليه غيره وكانوا يسمونه الفيض والفياض لسماحته وكرمه ورأى الرؤيا المشهورة في أمر زمزم وأثارها بعد ان درست آثارها. وتم له مع قومه ماتم في حفرها وله أخبار طويلة ومآثر جليلة. وأما هاشم فاسمه عمرو وسمي هاشما لانه هشم الثريد لقومه في المجاعة وبلغ في الكرم مبلغا وأطعم الوحوش في رؤس الجبال. وأما عبد مناف فاسمه المغيرة وكان يقال له قمر البطحاء لسماحته وجماله وورّثه قصي المجد فاعرق فيه وأطاعته قريش كما دانت لابيه. وأما قصي واسمه زيد فهو الذى ألف قريشا وجمعها وجعلها اثنتي عشرة قبيلة وجعل لكل قبيلة منزلا ولذلك سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مجمعا وزاد في مكة وجعل النسوة يقلن قبل أخاك والصواب ان عبد الله أصغر بني أمه وأكبرهم الزبير (وكانت وفاته بيثرب) كان الاولى العدول عن هذا الاسم لما مر من كراهة تسميتها به (يمتار) بتحتية وراء أي يشتري لهم التمر فيحمله اليهم يقال امتار يمتار امتيارا اذا حمل الطعام لاهله من بلد آخر ومثله مار يمير ميرا ومنه نمير أهلنا والاسم منه ميرة بكسر الميم (بالابواء) بالموحدة والمد قرية بين مكة والمدينة قريبة من الجحفة من عمل الفرع بينها وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلا سميت بذلك لتبوء السيول بها (شيبة الحمد) سمى بذلك لانه ولد وبرأسه شعرة بيضاء (سلمى) بفتح السين بنت عمرو بن زيد (ترعرع) بمهملات أي شب وتحرك قال أهل اللغة وتركيبه يدل على الاضطراب ومنه الرعرعة وهي اضطراب الماء على وجه الارض ويسمى من لا عقل له ثابت رعاعة (مردفه) بالنصب على الحال (آدم) بالنصب خبر كان واسمها مستتر (عبد المطلب) بالرفع خبر مبتدإ محذوف (أثارها) بالمثلثة أي استخرجها (درست) أي عفت وذهبت (آثارها) أي علاماتها (وتم له مع قومه ماتم) هو انهم أرادوا منعه من ذلك ثم اتفقوا على ان يرحلوا الى الشام للتحاكم الى بعض الكهان فلما كانوا أثناء الطريق عطشوا عطشا شديدا فنبعت من تحت رجله عين ماء فشربوا واستقوا واكتفوا بذلك حكما بينهم وبينه فرجعوا أيضا الى مكة فاستأثر بحفرها حسب ما ذكره أهل السير (ومآثر) على وزن منابر جمع مأثرة وهي الخير (وكان يقال له قمر البطحاء) بالرفع (وورثه) بالتشديد (قصي) فاعل (المجد) مفعول ثان (فاعرق) بالمهملة والراء أي صار عريقا وهو الذي له أصل في المجد (كما دانت)
стр. 36
شيأ من الحرم وجعل دار الندوة التى يجتمعون فيها لمهماتهم وعظم البيت الحرام والمشاعر العظام وسن الرفادة وهي طعام أمر قريشا أن يهبوه للحجيج في كل عام فاطاعوه بذلك ولقب قصيا لانه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملت أمه فاطمة. وكلاب اسمه حكيم ويقال حكم ويقال المهذب سمي كلابا لمحبته الصيد بالكلاب. ولؤي بالهمزة عند الاكثرين. وفهر قيل لقب له واسمه قريش والصواب انه اسمه وان النضر أبو قريش كما تقدم والله أعلم. وأم رسول الله ﵌ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وكانت سيدة نساء بنى زهرة وكذلك كان أبوها. ولم تلد هي ولا عبد الله غير النبي ﷺ ففى ذلك اشارة الى انه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسيج وحده في العالم (قلت) لا أعلم أيضا لآمنة اخوة ولو كان لنقل وعدوا اخوالا للنبي ﷺ كما نقل أعمامه وأختانه وغيرهم والله أعلم. وتوفيت آمنة بالابواء بالمهملة والنون أي انقادت مطيعة (دار الندوة) بفتح النون وسكون الدال المهملة وهي دار بناها جعل بابها الى الكعبة (يجتمعون فيها لمهماتهم) أي كالمشاورة والختان والنكاح وتنزل فيها القوافل وترتحل منها واشتقاقها من الندي بتشديد التحتية وهي مجتمع القوم وقال بعضهم وهي الآن داخلة في المسجد الحرام وهي الزيادة التي في ناحية الشام (وسن الرفادة) بكسر الراء اسم من رفد يرفد بفتح الفاء في الماضى وكسرها في المستقبل اذا أعطى وهو ثلاثى وأما ارفد يرفد فهو رباعي فهو بمعنى اعان (بلاد قضاعة) بضم القاف واعجام الضاد وإهمال العين لقب بذلك عمر بن حمير كان له قضاع أي فهد فلقب به أو لانقضاعه من قومه أو من قضعه أي قهره قاله في القاموس (بنت وهب) بالموحدة بوزن حرب (زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (وكانت سيدة) بالنصب خبر كان واسمها مستتر فيها (ففى ذلك اشارة) أي وفي ولادة شيث وحده كما تقدم وفي عدم ولادة اسماعيل نبيا سواه مع ولادة اسحق أخيه كل الانبياء الذين جاؤا من بعده (نسيج) بالنون والمهملة والجيم مصغر (وحده) بالجر بالاضافة وهو خارج عن القياس ومعناه لا نظير له في كماله (قلت لا أعلم لآمنة أيضا إخوة) أي ذكور أما الاناث فذكر ابن الاثير ان لآمنة أختا اسمها فريعة بالفاء مصغر بنت وهب قال ابن الاثير رفعها النبي صلي الله عليه وسلم بيده وقال من أراد أن ينظر الى خالة رسول الله فلينظر الى هذه انتهى (قلت) يحتمل انها ليست أختها بل وافق اسم أبيها اسم أبي آمنة وكانت زهرية فاطلق عليها ﷺ الخالة مجازا (وأختانه) جمع ختن بفتح المعجمة والفوقية بعدها نون وهو صهر الرجل سواء كان أبا زوجته أو أخاها أو زوج ابنته أو أخته على الاصح (توفيت بالابواء) فمن ثم لما مر رسول الله ﷺ من عمرة الحديبية زار قبرها هذا هو الصحيح وقيل توفيت بمكة ودفنت في شعب أبي دب بضم المهملة وتشديد الموحدة شعب من شعاب الحجون
стр. 37
مرجعها من المدينة حين ذهبت بالنبي ﵌ تزيره أخوال جده عبد المطلب وبقي ﷺ بعد موتها بالابواء حتى انتهى الخبر الى مكة. وجاءت أم أيمن مولاة أبيه عبد الله فاحتملته وذلك لخامسة من موت أمه وله ﷺ يومئذ ست سنين وقيل أربع والله أعلم وروي ان آمنة آمنت بالنبي ﷺ بعد موتها وأورد المحب الطبرى فيه حديثا مسندا الى عائشة والله أعلم.
[الباب الثاني من القسم الاول في تاريخ مولده الى نبوته]
(الباب الثاني) في تاريخ مولده الى نبوته ﷺ وما جري في تضاعيف ذلك من الحوادث وفي أكثره خلاف وتنازع وتقديم وتأخير وأصح ما قيل انه ﷺ ولد عام الفيل بعد هلاكهم بخمسين يوما وقيل بعده بثلاثين يوما وقيل باربعين وكانت قصة الفيل في المحرم سنة اثنين وثمانين وثمانمائة من عهد (تزيره) بالضم من أزاره (أم أيمن) اسمها بركة (مولاة أبيه) أى عتيقته قال الشمني وأسلمت قديما وقيل انه ﵊ حين تزوج خديجة زوجها عبده الحبشى فولدت له أيمن بفتح الميم وكنيت به ثم بعد النبوة تزوجها زيد بن حارثة فأولدها اسامة قال الواقدى كانت أم أيمن عسرة اللسان فكانت اذا دخلت فسلمت قالت سلام لا عليكم فرخص لها رسول الله ﷺ ان تقول سلام لا عليكم أو السلام لا عليكم انتهي وكانت وفاتها بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أشهر أو ستة أشهر قولان (فان قلت) فلم لم يغير النبي ﷺ اسمها مع نهيه ﷺ عن مثل هذا الاسم (قلت) لان سبب النهى انما هو التطير بمثل هذا الاسم بان يقال أثم بركة مثلا فيقال لا كما هو مصرح به في الحديث وأم أيمن لما غلبت عليها كنيتها فلم تكن تنادى الا بها أى غالبا أمن المحذور (فان قلت) أفلا غيره بغيره خوفا من التزكية كما غير اسم زوجته زينب بنت جحش وجويرية بنت الحرث وكان اسم كل منهما أولا برة قلت لعدم ظهور التزكية في اسم بركة لغلبته في اسماء الجواري (وروى ان آمنة آمنت بالنبي ﷺ بعد موتها) وكذا أبوه كما سيأتي وعد السيوطي ذلك من خصائصه ﷺ (وأورد المحب الطبرى) مرت ترجمته أوّل الكتاب (حديثا مسندا الى عائشة) فقال أخبرنا بذلك الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن عبد الله بن القير قراءة عليه بالمسجد الحرام وأنا أسمع سنة ست وثلاثين وستمائة قال انا الشيخ الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي إجازة قال نا أبو منصور محمد بن أحمد بن على بن عبد الرزاق الحافظ الزاهد قال أنبأنا القاضى محمد بن عمر بن محمد الاخضر قال ثنا أبو عربة محمد بن يحيي الزهري قال ثنا عبد الوهاب بن موسى الزهرى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ ان النبي ﷺ نزل الحجون كئيبا حزينا فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسرورا قال سألت ربي فأحيا لي أمي فامنت بي انتهي الحديث وهو يؤيد القول الثاني انها دفنت بالحجون المار آنفا (الباب الثاني) (عام الفيل) اسم الفيل محمود وقصته مشهورة في كتب التفسير (بعد هلاكهم) قيل وكان هلاكهم بوادي محسر (في المحرم) من خصائص هذا الشهر اضافته الى الله دون سائر الشهور
стр. 38
ذي القرنين في زمان ملك كسرى أنو شروان ومات أنو شروان بعد مولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثمان سنين واتفقوا على أنه ﵌ ولد يوم الاثنين قال الاكثرون في شهر ربيع الاول قيل لليلتين خلتامنه وقيل لثمان وقيل لعشر وقيل لثنتى عشرة وهو أشهرها وقيل أوّل اثنين منه من غير تعيين وقيل ولد في رمضان لثنتى عشرة خلت منه والله أعلم.
[مطلب حمل أمه به ﷺ ]
وحملت به أمه أيام التشريق وولد في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى ووضع ﵌ مستقبل القبلة مع ان فيها ما يساويه في الفضل أو يزيد عليه كرمضان. وقد سئل السيوطي عن سبب ذلك فأجاب في الديباج وذكر انه سبق اليه بان هذا الاسم له اسلامي دون سائر الشهور فان اسماءها كلها على ما كانت عليه في الجاهلية وكان اسم محرم في الجاهلية صفر الاول والذي بعده صفر الثاني فلما جاء الاسلام سماه الله المحرم فأضيف الى الله بهذا الاعتبار (ذي القرنين) اسمه مرزبان بن مرزبة اليونانى من ولد يونان بن يافث وقيل الاسكندر بن فيلسوف واختلف في نبوته والاصح لا وسئل ﷺ عنه فقال لا أدري نبي هو أم لا أخرجه الحاكم في المستدرك وقيل في قوله تعالى وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً أي علما يتبعه وفي قوله فَأَتْبَعَ سَبَباً أي طريقا موصلة وقال ابن هشام السبب حبل من نور كان ملك يمشي به بين يديه فيتبعه وروي عن أبي الطفيل عامر بن نائلة قال سأل عبد الله بن الكوا على بن أبى طالب فقال أرأيت ذا القرنين أكان نبيا أم ملكا فقال لانبيا كان ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا دعا قومه الى عبادة الله فضربوه على قرن رأسه ضربتين وفيكم مثله يعنى نفسه انتهى وانما قال ذلك لأنه شج شجتين في قرني رأسه احداهما من عمرو بن عبد ود والثانية من ابن ملجم وأما ذو القرنين فسمى بذلك لانه لما أمر قومه بتقوى الله ضربوه على قرنه الايمن فمات فبعثه الله ثم أمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الايسر فمات فأحياه الله أو لأنه بلغ قرنى الشمس مشرقها ومغربها أو لأنه ملك الروم وفارس أو لانه دخل النور والظلمة أو لانه رأى في المنام كأنه آخذ بقرني الشمس أو لانه كان له ذؤابتان حسنتان أو لانه كان له قرنان تواريهما العمامة أقوال (كسرى) بكسر الكاف وفتحها لقب لكل من ملك الفرس (أنو شروان) بهمزة مفتوحة فنون مضمومة فواو ساكنة فمعجمة فراء ساكنة فواو فألف فنون وصحف من زعم انه بالموحدة وانه كنيته واسم أبيه قباذ بالقاف المضمومة وتخفيف الموحدة آخره معجمة وكان مدة ملكه سبعا وأربعين سنة وثمانية أشهر (في شهر ربيع الاول) هو من باب اضافة الشيء الى نفسه كمسجد الجامع وجانب الغربي وحب الحصيد ونساء المؤمنات وصلاة الوسطى وفيه للنحاة مذهبان كما سيأتي. وكان مولده ﷺ في نيسان من الشهور الرومية في منزلة الغفرة قيل وهو مولد الانبياء (وحملت به أمه) في شهر رجب (أيام التشريق) ليس هذا بمشكل فانهم كانوا ينسئون أشهر الحج فوافق تلك السنة حجهم شهر رجب وكانت مدة الحمل به تسعة أشهر على الصحيح وقيل عشرة وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة (وقيل ولد في رمضان) هذا قول الزبير بن بكار وهو شاذ (ولد في شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى) وموضع ولادته ثم مشهور واختلف هل كانت ولادته ليلا أو نهارا وجمع بين القولين بأن ولادته كانت آخر الليل متصلة بأول النهار (مستقبل القبلة الى آخره)
стр. 39
واضعا يديه على الارض رافعا رأسه الى السماء مختونا مسرورا ليس عليه من أقذار الولادة شئ*
[مطلب فى الآيات التى ظهرت لمولده ﵊]
روي عن الشفا أم عبد الرحمن بن عوف وهى التي تولت ولادته قالت لما سقط ﵌ على يدى واستهل سمعت قائلا يقول رحمك الله واضاء لى ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت الى قصور الروم* ولميلاده ﵌ خبت نار فارس وكان وقودها مستمرا من عهد عيسى ﵇ واضطرب ايوان كسرى فأسقط منه أربع عشرة شرافة وكان في ذلك اشارة الى عدد من ملك منهم بعد ذلك الى أن نسخ ملكهم في خلافة عمر ابن الخطاب وغاضت بحيرة ساوة وتنكست الاصنام في آفاق الارض وسقط عرش ابليس ورمي الشياطين بالشهب وروي عنهم وعن كهنتهم في ذلك أنواع العجب*
[مطلب في مراضعه ﷺ ]
وفي السنة الاولى أخرجه أصحاب السير وغيرهم (مختونا) قال ابن عبد البر في الاستيعاب روي من حديث عبد الله بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال ولد رسول الله ﷺ مختونا (مسرورا) يعني مقطوع السرة فأعجب ذلك جده عند المطلب وقال ليكونن لابنى هذا شأن عظيم قال وليس إسناد العباس هذا بالقائم وقيل ختن يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة وقيل ختنه جده يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدا انتهى وفي مستدرك الحاكم ما لفظه وقد تواترت الاخبار ان رسول الله ﷺ ولد مسرورا مختونا وتعقب ذلك الذهبي فقال ما يعلم صحة ذلك فكيف يكون متواترا وقال ابن الجوزي عن كعب الاحباران ثلاثة عشر من الانبياء ولدوا مختونين آدم وشيث ونوح وادريس وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ . وقال محمد بن حبيب الهاشمي هم أربعة عشر آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس ومحمد ﷺ (روي عن الشفا) بكسر المعجمة بعدها فاء فالف مقصورة كذا قال الشمني وضبطه غيره بفتح المعجمة وتشديد الفاء وهي بنت عوف بن عبد الحرث بن زهرة بن كلاب من المهاجرات الاول (وخبت نار فارس) فى بعض النسخ خمدت وهو بفتح الميم أشهر من كسرها طفئت (وكان وقودها) بضم الواو مصدر (من عهد عيسى) في الشفاء وغيره فكان لها ألف عام لم تخمد (وغاضت) بالمعجمتين نقصت وقلت (بحيرة) تصغير بحرة وكان يعبدها من حولها وكانت أكثر من فرسخ وقيل كانت ستة فراسخ بعراق العجم بين همذان وقم كانت تركب فيها السفن ويسافر الى ما حولها من القرى والمدن فأصبحت ليلة مولده يابسة كان لم يكن بها ماء ولا نداة واستمرت كذلك حتى بنيت موضعها مدينة (ساوة) وهى مدينة مشهورة بين الرى وهمذان وأضيفت البحيرة اليها لبنائها مكانها وفي بعض نسخ الشفا بحيرة طبرية وهو خلاف المعروف قال الشمني الا ان يريد المصنف عند خروج يأجوج ومأجوج فانه ورد ان أوائلهم يشرب بحيرة طبرية ويجئ آخرهم فيقول لقد كان بها ماء انتهي (عرش ابليس) أى سريره (ورمي الشياطين بالشهب) أى كثر رميهم وكان قبل ذلك لا يرمي الا لحدوث أمر عظيم (وعن كهنتهم) جمع كاهن وهو الذي يرى معرفة الشيء ويخبر به قبل وجوده قال عياض كانت الكهانة في العرب ثلاثة اضرب
стр. 40
من ميلاده ﷺ أرضعته ثويبة مولاة أبى لهب وأرضعت معه عمه حمزة وأبا سلمة عبد الله بن عبد الاسد المخزومي بلبن ابنها مسروح* وروي ان العباس رأى أخاه أبا لهب في المنام بشرجال وقال يرفّه عني من العذاب في كل ليلة اثنين فسأله عن ذلك فقال لما ولد محمد جاءتني ثويبة فبشرتني فأعتقتها وكان ذلك ليلة الاثنين وفي صحيح البخارى اشارة الى ذلك والله أعلم* ثم احتملته حليمة بنت أبى ذؤيب عبد الله بن الحارث من بني سعد ابن بكر بن هوازن ثم من بني قيس عيلان بن مضر وذلك حين قدمت مكة مع نسوة من قومها يلتمسون الرضعاء لما يرجون من المعروف والبر من أهليهم وكان أهل مكة يسترضعون أولادهم فيهم لفصاحتهم وليجمعوا للولد ما بين صحة البادية وفصاحتها وآداب الحضارة وملاحتها أحدها يكون للانسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء وهذا القسم بطل من حين بعث الله نبينا ﷺ الثاني أن يخبره بما يطرأ ان يكون في اقطار الارض وبما خفي عنه مما قرب أو بعد هذا ولا يبعد وجوده ولكنهم يصدقون ويكذبون والنهى عن تصديقهم والسماع منهم عام الثالث المنجمون وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه لبعض الناس علما لكن الكذب فيه أغلب ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عراف وهو الذي يستدل على الامور باسباب ومقدمات يدعى معرفتها بها وقد يعتضد بعض أهل الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة وهذه الاضرب كلها تسمى كهانة وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم واتيانهم انتهى (ثويبة) بالمثلثة والتحتية والموحدة مصغر واختلف في اسلامها وماتت عقب فتح خيبر ولم يذكران أمه أرضعته قبلها ثلاثة أيام (عمه حمزة) هو أخو عبد الله من أبيه وأما أمه هو وصفية فهي خالة بنت وهب بن عبد مناف بن وهب كما قاله النووي وغيره وقد روى ان حليمة أرضعته أيضا مع النبي ﷺ (وأبا سلمة) هو ابن له من أم سلمة رضى الله عنها كنيا به معا (عبد الله بن عبد الاسد) بمهملة وقيل معجمة ضبطه كذلك القاضي زكريا في حاشية البيضاوي والسيوطي أيضا والمهملة في آخره مشددة (المخزومي) نسبة الى مخزوم بن يقظة بن مرة لأن جده أبا أبيه هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم (ابنها مسروح) بمهملات وضبط بالجيم آخره أيضا ولا يعرف له اسلام (يرفه) يخفف وزنا ومعنى (فاعتقها وكان ذلك ليلة الاثنين) أى فخفف عني بسبب عتقى اياها قيل وهذا خاص به اكراما له ﷺ كما خفف عن أبى طالب بسببه وقيل لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرا (حليمة بنت أبى ذؤيب) بالهمز (عبد الله بن الحارث) بن سحنة بن جابر ابن رزام بن ناصر بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بمعجمة فمهملة ففاء مفتوحات ابن (قيس عيلان) بفتح المهملة (ابن مضر) أحد أجداد النبي ﷺ (فائدة) جملة مرضعاته ﷺ على ما قيل ثمان أمه وثويبة وحليمة وخولة بنت المنذر ذكرها أبو الفتح اليعمرى عن ابن اسحاق وامرأة سعدية غير حليمة ذكرها ابن القيم في الهدي وثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن عاتكة نقله السهيلي عن بعضهم في تأويل قوله ﷺ أنا ابن العواتك من سليم وهو حديث خرجه