← Сира

Сира · id 9780

شرح بهجة المحافل وبغية الأماثل

الأشخر اليمني

Полный текст (880 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شيأ من الحرم وجعل دار الندوة التى يجتمعون فيها لمهماتهم وعظم البيت الحرام والمشاعر العظام وسن الرفادة وهي طعام أمر قريشا أن يهبوه للحجيج في كل عام فاطاعوه بذلك ولقب قصيا لانه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملت أمه فاطمة. وكلاب اسمه حكيم ويقال حكم ويقال المهذب سمي كلابا لمحبته الصيد بالكلاب. ولؤي بالهمزة عند الاكثرين. وفهر قيل لقب له واسمه قريش والصواب انه اسمه وان النضر أبو قريش كما تقدم والله أعلم. وأم رسول الله ﵌ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وكانت سيدة نساء بنى زهرة وكذلك كان أبوها. ولم تلد هي ولا عبد الله غير النبي ﷺ ففى ذلك اشارة الى انه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسيج وحده في العالم (قلت) لا أعلم أيضا لآمنة اخوة ولو كان لنقل وعدوا اخوالا للنبي ﷺ كما نقل أعمامه وأختانه وغيرهم والله أعلم. وتوفيت آمنة بالابواء بالمهملة والنون أي انقادت مطيعة (دار الندوة) بفتح النون وسكون الدال المهملة وهي دار بناها جعل بابها الى الكعبة (يجتمعون فيها لمهماتهم) أي كالمشاورة والختان والنكاح وتنزل فيها القوافل وترتحل منها واشتقاقها من الندي بتشديد التحتية وهي مجتمع القوم وقال بعضهم وهي الآن داخلة في المسجد الحرام وهي الزيادة التي في ناحية الشام (وسن الرفادة) بكسر الراء اسم من رفد يرفد بفتح الفاء في الماضى وكسرها في المستقبل اذا أعطى وهو ثلاثى وأما ارفد يرفد فهو رباعي فهو بمعنى اعان (بلاد قضاعة) بضم القاف واعجام الضاد وإهمال العين لقب بذلك عمر بن حمير كان له قضاع أي فهد فلقب به أو لانقضاعه من قومه أو من قضعه أي قهره قاله في القاموس (بنت وهب) بالموحدة بوزن حرب (زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (وكانت سيدة) بالنصب خبر كان واسمها مستتر فيها (ففى ذلك اشارة) أي وفي ولادة شيث وحده كما تقدم وفي عدم ولادة اسماعيل نبيا سواه مع ولادة اسحق أخيه كل الانبياء الذين جاؤا من بعده (نسيج) بالنون والمهملة والجيم مصغر (وحده) بالجر بالاضافة وهو خارج عن القياس ومعناه لا نظير له في كماله (قلت لا أعلم لآمنة أيضا إخوة) أي ذكور أما الاناث فذكر ابن الاثير ان لآمنة أختا اسمها فريعة بالفاء مصغر بنت وهب قال ابن الاثير رفعها النبي صلي الله عليه وسلم بيده وقال من أراد أن ينظر الى خالة رسول الله فلينظر الى هذه انتهى (قلت) يحتمل انها ليست أختها بل وافق اسم أبيها اسم أبي آمنة وكانت زهرية فاطلق عليها ﷺ الخالة مجازا (وأختانه) جمع ختن بفتح المعجمة والفوقية بعدها نون وهو صهر الرجل سواء كان أبا زوجته أو أخاها أو زوج ابنته أو أخته على الاصح (توفيت بالابواء) فمن ثم لما مر رسول الله ﷺ من عمرة الحديبية زار قبرها هذا هو الصحيح وقيل توفيت بمكة ودفنت في شعب أبي دب بضم المهملة وتشديد الموحدة شعب من شعاب الحجون

стр. 37

مرجعها من المدينة حين ذهبت بالنبي ﵌ تزيره أخوال جده عبد المطلب وبقي ﷺ بعد موتها بالابواء حتى انتهى الخبر الى مكة. وجاءت أم أيمن مولاة أبيه عبد الله فاحتملته وذلك لخامسة من موت أمه وله ﷺ يومئذ ست سنين وقيل أربع والله أعلم وروي ان آمنة آمنت بالنبي ﷺ بعد موتها وأورد المحب الطبرى فيه حديثا مسندا الى عائشة والله أعلم. [الباب الثاني من القسم الاول في تاريخ مولده الى نبوته] (الباب الثاني) في تاريخ مولده الى نبوته ﷺ وما جري في تضاعيف ذلك من الحوادث وفي أكثره خلاف وتنازع وتقديم وتأخير وأصح ما قيل انه ﷺ ولد عام الفيل بعد هلاكهم بخمسين يوما وقيل بعده بثلاثين يوما وقيل باربعين وكانت قصة الفيل في المحرم سنة اثنين وثمانين وثمانمائة من عهد (تزيره) بالضم من أزاره (أم أيمن) اسمها بركة (مولاة أبيه) أى عتيقته قال الشمني وأسلمت قديما وقيل انه ﵊ حين تزوج خديجة زوجها عبده الحبشى فولدت له أيمن بفتح الميم وكنيت به ثم بعد النبوة تزوجها زيد بن حارثة فأولدها اسامة قال الواقدى كانت أم أيمن عسرة اللسان فكانت اذا دخلت فسلمت قالت سلام لا عليكم فرخص لها رسول الله ﷺ ان تقول سلام لا عليكم أو السلام لا عليكم انتهي وكانت وفاتها بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أشهر أو ستة أشهر قولان (فان قلت) فلم لم يغير النبي ﷺ اسمها مع نهيه ﷺ عن مثل هذا الاسم (قلت) لان سبب النهى انما هو التطير بمثل هذا الاسم بان يقال أثم بركة مثلا فيقال لا كما هو مصرح به في الحديث وأم أيمن لما غلبت عليها كنيتها فلم تكن تنادى الا بها أى غالبا أمن المحذور (فان قلت) أفلا غيره بغيره خوفا من التزكية كما غير اسم زوجته زينب بنت جحش وجويرية بنت الحرث وكان اسم كل منهما أولا برة قلت لعدم ظهور التزكية في اسم بركة لغلبته في اسماء الجواري (وروى ان آمنة آمنت بالنبي ﷺ بعد موتها) وكذا أبوه كما سيأتي وعد السيوطي ذلك من خصائصه ﷺ (وأورد المحب الطبرى) مرت ترجمته أوّل الكتاب (حديثا مسندا الى عائشة) فقال أخبرنا بذلك الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن عبد الله بن القير قراءة عليه بالمسجد الحرام وأنا أسمع سنة ست وثلاثين وستمائة قال انا الشيخ الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي إجازة قال نا أبو منصور محمد بن أحمد بن على بن عبد الرزاق الحافظ الزاهد قال أنبأنا القاضى محمد بن عمر بن محمد الاخضر قال ثنا أبو عربة محمد بن يحيي الزهري قال ثنا عبد الوهاب بن موسى الزهرى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ ان النبي ﷺ نزل الحجون كئيبا حزينا فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسرورا قال سألت ربي فأحيا لي أمي فامنت بي انتهي الحديث وهو يؤيد القول الثاني انها دفنت بالحجون المار آنفا (الباب الثاني) (عام الفيل) اسم الفيل محمود وقصته مشهورة في كتب التفسير (بعد هلاكهم) قيل وكان هلاكهم بوادي محسر (في المحرم) من خصائص هذا الشهر اضافته الى الله دون سائر الشهور

стр. 38

ذي القرنين في زمان ملك كسرى أنو شروان ومات أنو شروان بعد مولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثمان سنين واتفقوا على أنه ﵌ ولد يوم الاثنين قال الاكثرون في شهر ربيع الاول قيل لليلتين خلتامنه وقيل لثمان وقيل لعشر وقيل لثنتى عشرة وهو أشهرها وقيل أوّل اثنين منه من غير تعيين وقيل ولد في رمضان لثنتى عشرة خلت منه والله أعلم. [مطلب حمل أمه به ﷺ ] وحملت به أمه أيام التشريق وولد في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى ووضع ﵌ مستقبل القبلة مع ان فيها ما يساويه في الفضل أو يزيد عليه كرمضان. وقد سئل السيوطي عن سبب ذلك فأجاب في الديباج وذكر انه سبق اليه بان هذا الاسم له اسلامي دون سائر الشهور فان اسماءها كلها على ما كانت عليه في الجاهلية وكان اسم محرم في الجاهلية صفر الاول والذي بعده صفر الثاني فلما جاء الاسلام سماه الله المحرم فأضيف الى الله بهذا الاعتبار (ذي القرنين) اسمه مرزبان بن مرزبة اليونانى من ولد يونان بن يافث وقيل الاسكندر بن فيلسوف واختلف في نبوته والاصح لا وسئل ﷺ عنه فقال لا أدري نبي هو أم لا أخرجه الحاكم في المستدرك وقيل في قوله تعالى وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً أي علما يتبعه وفي قوله فَأَتْبَعَ سَبَباً أي طريقا موصلة وقال ابن هشام السبب حبل من نور كان ملك يمشي به بين يديه فيتبعه وروي عن أبي الطفيل عامر بن نائلة قال سأل عبد الله بن الكوا على بن أبى طالب فقال أرأيت ذا القرنين أكان نبيا أم ملكا فقال لانبيا كان ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا دعا قومه الى عبادة الله فضربوه على قرن رأسه ضربتين وفيكم مثله يعنى نفسه انتهى وانما قال ذلك لأنه شج شجتين في قرني رأسه احداهما من عمرو بن عبد ود والثانية من ابن ملجم وأما ذو القرنين فسمى بذلك لانه لما أمر قومه بتقوى الله ضربوه على قرنه الايمن فمات فبعثه الله ثم أمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الايسر فمات فأحياه الله أو لأنه بلغ قرنى الشمس مشرقها ومغربها أو لأنه ملك الروم وفارس أو لانه دخل النور والظلمة أو لانه رأى في المنام كأنه آخذ بقرني الشمس أو لانه كان له ذؤابتان حسنتان أو لانه كان له قرنان تواريهما العمامة أقوال (كسرى) بكسر الكاف وفتحها لقب لكل من ملك الفرس (أنو شروان) بهمزة مفتوحة فنون مضمومة فواو ساكنة فمعجمة فراء ساكنة فواو فألف فنون وصحف من زعم انه بالموحدة وانه كنيته واسم أبيه قباذ بالقاف المضمومة وتخفيف الموحدة آخره معجمة وكان مدة ملكه سبعا وأربعين سنة وثمانية أشهر (في شهر ربيع الاول) هو من باب اضافة الشيء الى نفسه كمسجد الجامع وجانب الغربي وحب الحصيد ونساء المؤمنات وصلاة الوسطى وفيه للنحاة مذهبان كما سيأتي. وكان مولده ﷺ في نيسان من الشهور الرومية في منزلة الغفرة قيل وهو مولد الانبياء (وحملت به أمه) في شهر رجب (أيام التشريق) ليس هذا بمشكل فانهم كانوا ينسئون أشهر الحج فوافق تلك السنة حجهم شهر رجب وكانت مدة الحمل به تسعة أشهر على الصحيح وقيل عشرة وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة (وقيل ولد في رمضان) هذا قول الزبير بن بكار وهو شاذ (ولد في شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى) وموضع ولادته ثم مشهور واختلف هل كانت ولادته ليلا أو نهارا وجمع بين القولين بأن ولادته كانت آخر الليل متصلة بأول النهار (مستقبل القبلة الى آخره)

стр. 39

واضعا يديه على الارض رافعا رأسه الى السماء مختونا مسرورا ليس عليه من أقذار الولادة شئ* [مطلب فى الآيات التى ظهرت لمولده ﵊] روي عن الشفا أم عبد الرحمن بن عوف وهى التي تولت ولادته قالت لما سقط ﵌ على يدى واستهل سمعت قائلا يقول رحمك الله واضاء لى ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت الى قصور الروم* ولميلاده ﵌ خبت نار فارس وكان وقودها مستمرا من عهد عيسى ﵇ واضطرب ايوان كسرى فأسقط منه أربع عشرة شرافة وكان في ذلك اشارة الى عدد من ملك منهم بعد ذلك الى أن نسخ ملكهم في خلافة عمر ابن الخطاب وغاضت بحيرة ساوة وتنكست الاصنام في آفاق الارض وسقط عرش ابليس ورمي الشياطين بالشهب وروي عنهم وعن كهنتهم في ذلك أنواع العجب* [مطلب في مراضعه ﷺ ] وفي السنة الاولى أخرجه أصحاب السير وغيرهم (مختونا) قال ابن عبد البر في الاستيعاب روي من حديث عبد الله بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال ولد رسول الله ﷺ مختونا (مسرورا) يعني مقطوع السرة فأعجب ذلك جده عند المطلب وقال ليكونن لابنى هذا شأن عظيم قال وليس إسناد العباس هذا بالقائم وقيل ختن يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة وقيل ختنه جده يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدا انتهى وفي مستدرك الحاكم ما لفظه وقد تواترت الاخبار ان رسول الله ﷺ ولد مسرورا مختونا وتعقب ذلك الذهبي فقال ما يعلم صحة ذلك فكيف يكون متواترا وقال ابن الجوزي عن كعب الاحباران ثلاثة عشر من الانبياء ولدوا مختونين آدم وشيث ونوح وادريس وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ . وقال محمد بن حبيب الهاشمي هم أربعة عشر آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس ومحمد ﷺ (روي عن الشفا) بكسر المعجمة بعدها فاء فالف مقصورة كذا قال الشمني وضبطه غيره بفتح المعجمة وتشديد الفاء وهي بنت عوف بن عبد الحرث بن زهرة بن كلاب من المهاجرات الاول (وخبت نار فارس) فى بعض النسخ خمدت وهو بفتح الميم أشهر من كسرها طفئت (وكان وقودها) بضم الواو مصدر (من عهد عيسى) في الشفاء وغيره فكان لها ألف عام لم تخمد (وغاضت) بالمعجمتين نقصت وقلت (بحيرة) تصغير بحرة وكان يعبدها من حولها وكانت أكثر من فرسخ وقيل كانت ستة فراسخ بعراق العجم بين همذان وقم كانت تركب فيها السفن ويسافر الى ما حولها من القرى والمدن فأصبحت ليلة مولده يابسة كان لم يكن بها ماء ولا نداة واستمرت كذلك حتى بنيت موضعها مدينة (ساوة) وهى مدينة مشهورة بين الرى وهمذان وأضيفت البحيرة اليها لبنائها مكانها وفي بعض نسخ الشفا بحيرة طبرية وهو خلاف المعروف قال الشمني الا ان يريد المصنف عند خروج يأجوج ومأجوج فانه ورد ان أوائلهم يشرب بحيرة طبرية ويجئ آخرهم فيقول لقد كان بها ماء انتهي (عرش ابليس) أى سريره (ورمي الشياطين بالشهب) أى كثر رميهم وكان قبل ذلك لا يرمي الا لحدوث أمر عظيم (وعن كهنتهم) جمع كاهن وهو الذي يرى معرفة الشيء ويخبر به قبل وجوده قال عياض كانت الكهانة في العرب ثلاثة اضرب

стр. 40

من ميلاده ﷺ أرضعته ثويبة مولاة أبى لهب وأرضعت معه عمه حمزة وأبا سلمة عبد الله بن عبد الاسد المخزومي بلبن ابنها مسروح* وروي ان العباس رأى أخاه أبا لهب في المنام بشرجال وقال يرفّه عني من العذاب في كل ليلة اثنين فسأله عن ذلك فقال لما ولد محمد جاءتني ثويبة فبشرتني فأعتقتها وكان ذلك ليلة الاثنين وفي صحيح البخارى اشارة الى ذلك والله أعلم* ثم احتملته حليمة بنت أبى ذؤيب عبد الله بن الحارث من بني سعد ابن بكر بن هوازن ثم من بني قيس عيلان بن مضر وذلك حين قدمت مكة مع نسوة من قومها يلتمسون الرضعاء لما يرجون من المعروف والبر من أهليهم وكان أهل مكة يسترضعون أولادهم فيهم لفصاحتهم وليجمعوا للولد ما بين صحة البادية وفصاحتها وآداب الحضارة وملاحتها أحدها يكون للانسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء وهذا القسم بطل من حين بعث الله نبينا ﷺ الثاني أن يخبره بما يطرأ ان يكون في اقطار الارض وبما خفي عنه مما قرب أو بعد هذا ولا يبعد وجوده ولكنهم يصدقون ويكذبون والنهى عن تصديقهم والسماع منهم عام الثالث المنجمون وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه لبعض الناس علما لكن الكذب فيه أغلب ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عراف وهو الذي يستدل على الامور باسباب ومقدمات يدعى معرفتها بها وقد يعتضد بعض أهل الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة وهذه الاضرب كلها تسمى كهانة وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم واتيانهم انتهى (ثويبة) بالمثلثة والتحتية والموحدة مصغر واختلف في اسلامها وماتت عقب فتح خيبر ولم يذكران أمه أرضعته قبلها ثلاثة أيام (عمه حمزة) هو أخو عبد الله من أبيه وأما أمه هو وصفية فهي خالة بنت وهب بن عبد مناف بن وهب كما قاله النووي وغيره وقد روى ان حليمة أرضعته أيضا مع النبي ﷺ (وأبا سلمة) هو ابن له من أم سلمة رضى الله عنها كنيا به معا (عبد الله بن عبد الاسد) بمهملة وقيل معجمة ضبطه كذلك القاضي زكريا في حاشية البيضاوي والسيوطي أيضا والمهملة في آخره مشددة (المخزومي) نسبة الى مخزوم بن يقظة بن مرة لأن جده أبا أبيه هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم (ابنها مسروح) بمهملات وضبط بالجيم آخره أيضا ولا يعرف له اسلام (يرفه) يخفف وزنا ومعنى (فاعتقها وكان ذلك ليلة الاثنين) أى فخفف عني بسبب عتقى اياها قيل وهذا خاص به اكراما له ﷺ كما خفف عن أبى طالب بسببه وقيل لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرا (حليمة بنت أبى ذؤيب) بالهمز (عبد الله بن الحارث) بن سحنة بن جابر ابن رزام بن ناصر بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بمعجمة فمهملة ففاء مفتوحات ابن (قيس عيلان) بفتح المهملة (ابن مضر) أحد أجداد النبي ﷺ (فائدة) جملة مرضعاته ﷺ على ما قيل ثمان أمه وثويبة وحليمة وخولة بنت المنذر ذكرها أبو الفتح اليعمرى عن ابن اسحاق وامرأة سعدية غير حليمة ذكرها ابن القيم في الهدي وثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن عاتكة نقله السهيلي عن بعضهم في تأويل قوله ﷺ أنا ابن العواتك من سليم وهو حديث خرجه

стр. 41

فقام ﵌ فيهم خمس سنين وظهر لهم من يمنه وبركته أثناء إقامته بين أظهرهم أنواع من المعجزات وخوارق العادات وروي عن حليمة في ذلك أخبار طويلة من در ثديها عليه بعد أن كان عاطلا وسير أتانها بها وبه بعد ان كان ثافلا ودرور شارفهم وشياههم بعد ان كان لا يروي عالّا ولا ناهلا وخصب مرعاهم بعد ان كان جدبا ماحلا وأحبته حليمة ونيط حبه بلحمها ودمها وصارت أمه بعد ان كانت راغبة عنه في ابتداء الحال حين ذكر لها يتمه* وفي انقضاء السنة الثانية فصلته حليمة وقد صار غلاما جفرا وكان كبره في سنة ككبر غيره في سنتين ثم قدمت به على أمه مكة وناشدتها أن ترجعه معها ففعلت* [مطلب في شق الملكان صدره الشريف] وفي الثالثة بعد مرجعه من مكة بأشهر وقيل في الرابعة أتاه الملكان فشقا صدره سعيد بن منصور في سننه والطبرانى في الكبير عن شبابة بن عاصم قيل انه ﷺ مربهن وهو صغير فوضعت كل واحدة منهن ثديها في فيه فدر عليه وذكر ابن عبد البر والهروى وغيرهما ان العواتك من سليم اللاتى انتسب اليهن ﷺ عاتكة بنت هلال بن فالح بن ذكوان أم عبد مناف بن قصي وعاتكة بنت مرة بن هلال المذكور وهي أم هاشم بن عبد مناف وعاتكة بنت الاوقص بن مرة بن هلال المذكور وهي أم وهب أبى آمنة أم النبي ﷺ فالاولى عمة الوسطى والوسطى عمة الاخرى وبنو سليم تفخر بهذه الولادة (من يمنه وبركته) هما مترادفان (اثناء) قال في القاموس اثناء الشيء ومثانيه قواه وطاقاته واحدها ثني بالكسر ومثناة بالكسر والفتح (ثديها) أى الايمن (عاطلا) بالمهملتين أى فارغا لا لبن فيه (سيرأتانها) هي الانثى من الحمير (ثافلا) بمثلثة وفاء أي بطيء السير (شارفهم) بالمعجمة والراء والفاء هي المسنة من النوق (وشياههم) جمع شاة (لا يروي) بضم أوله من أروي (عالا ولا ناهلا) أي لا عللا وهو الشرب مرة بعد أخرى ولا نهلا وهو الشرب أوّل مرة (وخصب مرعاهم) بكسر المعجمة وهو ضد الجدب (جدبا) بفتح الجيم وسكون المهملة وكسرها (ماحلا) بالمهملة اسم فاعل من المحل وهو الجدب آيضا (ونيط) فعل ماض مبني للمفعول بكسر أوله وسم كنظائره والسوط بفتح المهملة في أخرى هو الخلط (يتمه) مقتضاه ان فاقد الاب يسمى يتيما وان كان الجد حيا أو الام وهو كذلك خلافا للبغوي بالنسبة الى الجد (فائدة) فاقد الام من الآدميين يسمي منقطعا ومن البهائم يسمى يتيما واليتيم من الطيور من فقد أباه وأمه (وفي انقضاء السنة الثانية فصلته) فطمته وزنا ومعنى (جفرا) بفتح الجيم وسكون الفاء أي قويا على الاكل وحده مستقلا بنفسه غير محتاج الى غيره (وناشدتها) فاعلتها من النشيد بالنون والمعجمة والمهملة بوزن العظيم وهو رفع الصوت ثم استعمل في السؤال مطلقا (وفي الثالثة أتاه الملكان) في صحيح مسلم ثلاثة نفر سمي منهم في رواية ميمون بن سباه عن أنس عند الطبري جبريل وميكائيل والثالث يحتمل انه اسرافيل (فشقا صدره) حديث شق صدره ﷺ مروي بالتواتر في الصحيحين وغيرهما وهو شق حقيقي لكن هل كان بآلة أم لا واذا كان بآلة فما هي لم أقف في ذلك على شيء ويؤخذ من تعدد الروايات تعدد الشق مرات أولها وهو يرضع عند حليمة وذلك مشهور وثانيها بغار حراء عند المبعث كما في مسندي الطيالسي وابن أبي اسامة من حديث

стр. 42

واستخرجا منه علقة سوداء وقالا هذا حظ الشيطان منك ثم ملآه حكمة وايمانا ثم لأماه ثم وضعا الخاتم بين كتفيه ولم يكن الخاتم لنبي قبله* ففيه اشارة الى انه ﵌ خاتم النبيين ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته عائشة ثالثها ليلة الاسراء كما في صحيح مسلم رابعها عند تمام عشر سنين من مولده كما في الدلائل لابي نعيم من حديث أبي هريرة وأخرجه عبد الله بن الامام أحمد في زوائد مسند أبيه ولفظه قال أبو هريرة قلت يا رسول الله ما أوّل ما ابتدئت به من أمر النبوة قال اني لفي صحراء واسعة أمشي وأنا ابن عشر حجج اذا أنا برجلين فوق رأسي يقول أحدهما لصاحبه أهو هو قال نعم فأخذاني فأضجعاني لحلاوة القفا ثم شقا بطني وكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره فاذا صدري فيما أرى مفلوقا لا أجد له وجعا ثم قال اشقق قلبه فشق قلبي فقال اخرج الغل والحسد منه فأخرج شبه العلقة فنبذه ثم قال ادخل الرأفة والرحمة قلبه فأدخل شيئا كهيئة الفضة ثم أخرج ذرورا كان معه فذر عليه ثم نقر إبهامى ثم قال اغد فرجعت بما لم أغد به من رحمتي للصغير ورأفتى بالكبير (قلت) الحكمة في تكرير الشق أربعا ان الشق انما هو لاذهاب حظ الشيطان منه وقد علم من صحيح الحديث جريانه من ابن آدم مجرى الدم والدم يستمد من الطبائع الاربع فقطع في كل مرة من مرات الشق مدده من طبيعة ولم يطلع على هذه من قال كالسهيلي في شق صدره ثلاثا مناسبة لمشروعية الطهارة في شرعه ثلاثا واختلف فيه هل هو من الخصائص أولا والصحيح الاول كما سيأتي قريبا (هذا حظ الشيطان منك) أي هذا الموضع الذي يوسوس فيه الشيطان من بني آدم أخرجناه لينقطع طمعه فيك وسمي الشيطان شيطانا لبعده عن الخير وتماديه في الشر من قولهم بئر شطون بوزن فعول اذا كانت بعيدة العمق (فملآه حكمة وايمانا) وفي رواية مسلم وغيره جاءوا بطست من ذهب ممتليء حكمة وايمانا فأفرغوهما في صدري ثم هل مثلا جسما كما يمثل الموت كبشا قال النووي انه مجاز وكانه كان في الطست شيء يحصل به كمال الايمان والحكمة فسمي ايمانا وحكمة لكونه سببا لهما (ثم لأماه) أي بعد ان غسلاه بماء زمزم فمن ثم فضل سائر المياه ما عدا الماء النابع من أصابعه ﷺ (ثم وضعا الخاتم) فيه أربع لغات فتح الفوقية وكسرها وختيم وخيتام (بين كتفيه) أي تحت طرف أسفل كتفه الايسر حيث يوسوس الشيطان من بني آدم وسيأتي بسط الكلام في صفة الخاتم في محله ان شاء الله تعالى* ثم اعلم ان عياضا ﵀ أخذ بظاهر هذا الكلام وقال ان خاتم النبوة الذي بين كتفيه هو أثر شق الملكين وجرى عليه المصنف فيما سيأتي وهو كما قال النووي ضعيف بل باطل لان شق الملكين انما كان في صدره وبطنه ولأن مقتضاه ان الخاتم لم يكن معه قبل الشق وهو مخالف لحديث حسن مروي عن عائشة ﵂ دال على انه ولد به بين كتفيه وكذلك كان يعرفه أهل الكتابين التوراة والانجيل حتى كانوا يرحلون اليه ويطلبون الوقوف عليه ووصفه بذلك غير واحد من أحبار الشام واليمن كسيف بن ذي يزن وقال بعضهم كان الخاتم في الموضعين الأوّل ما مر وهو الذي ولد به والثاني ختم به جبريل ما حشا به صدره من الايمان والحكمة فهذا من جهة الصدور ذلك من جهة الظهر وأخفى الذي من جهة الصدر لانه ختم به على أسرار الحكمة والايمان وأظهر الذي من جهة الظهر لانه ختم به باب وسوسة الشيطان وهو جمع حسن (ولم يكن الخاتم لنبي قبله) وقيل بل كان لهم ولكن كان من الجانب الايمن (ثم قال أحدهما لصاحبه) أي قال جبريل لميكائيل (زنه بعشرة الى آخره)

стр. 43

فوزنه ومازال يزنه بعشرة بعد عشرة حتى قال والله لو وزنته بأمته لوزنها ثم قبلا رأسه وبين عينيه وقالوا يا حبيب الله لم ترع انك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك قال ﵌ فما هو الا أن وليا عني فكأنما أرى الأمر معاينة* وفي الخامسة أو في مستهل السادسة ردته حليمة الى أمه والذي حملها على رده بعد ان كانت حريصة على اقامته معها ما تخوفت عليه حين شق صدره وما حكي أيضا أن نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها فسألوها اياه ليذهبوا به معهم لما تعرفوا منه من العلامات البينات. وفي السادسة خرجت به أمه الى أخواله بنى عدى بن النجار تزيره إياهم واقاما فيهم شهرا قال ﵌ أحسنت العوم والسباحة في بئر بني عدى بن النجار فكان يهود المدينة يختلفون اليه ويتعرفون منه علامات النبوة ثم رجع الى مكة فتوفيت أمه بالابواء وتقدم قول ان أباه أيضا مات بها. [مطلب في الكلام على إحياء الله تعالى له أبويه حتى آمنا به] وورد حديث في إسناده مقال أن رسول الله ﵌ سأل ربه أن يحيى أبويه فأحياهما له وآمنا به والاحاديث الصحيحة مصرحة بنفي ذلك قيل والجمع بينهما ان حديث الاحياء متأخر عن تلك الاحاديث ولله أن يتحف نبيه ما شاء والله أعلم* وفي السابعة وقيل في الثامنة هذا على سبيل المجاز والمراد زن قدره عند ربه وكرامته لديه بمقادير عشرة الى آخره أي قابل بين قدره وبين اقدارهم (فوزنهم) أي فكان قدره عند ربه أرجح من اقدار جميع الامة بل جميع الخلق وفي الخامسة (ان نفرا) بفتح الفاء والنفر عدة رجال من ثلاثة الى عشرة قاله الجوهري سموا بذلك لانهم اذا حزبهم أمر اجتمعوا ثم نفروا الى عدوهم. قال الواعي ولا تقول العرب عشرون نفرا ولا ثلاثون نفرا (لما) بكسر اللام وتخفيف الميم (تعرفوا) بالفوقية فالمهملة المفتوحة فالراء المشددة والتعرف المعرفة وفي السادسة (عدي) بالاهمال (النجار) سمي بذلك لانه اختتن بالقدوم وفيه لانه ضرب وجه رجل بقدوم فنحره (العوم والسباحة) هما مترادفان وقد يؤخذ منه ندب تعلم ذلك* ذكر ايمان أبوي النبي ﷺ (وروي في حديث) ذكره السهيلي في الروض الانف من حديث عائشة (وفي اسناده مقال) أي فيه مجهولون قال السهيلي ولعل الحديث يصح ان شاء الله تعالى والله قادر على كل شيء ولا تعجز رحمته عن شيء ونبيه ﷺ أهل ان يخصه بما شاء من فضله وكرامته ولكن الذي ثبت في الحديث الصحيح يعارضه انتهي* وقال الفخر الرازي في التفسير ان آباء النبي ﷺ ما كانوا كفارا لقوله تعالى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ولقوله لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات ولقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فوجب ان لا يكون أحد من آبائه مشركا نجسا لوصفه ﷺ لهم بالطهارة انتهى وعليه فالجواب عن حديث ان أبي وأباك في النار ان المراد أبو طالب لان العرب تطلق على العم أبا مجازا وقال السخاوي وقول من قال ان آباء النبي ﷺ ما كانوا كفارا لعل المراد به الخصوص لا العموم أي غالبهم فان آزر أبا ابراهيم من عموم آبائه ﷺ وقد قال تعالى وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ

стр. 44

قمصة سيف بن ذى يزن مع جده عبد المطلب حين وفد عليه يهنئه بظفره بالحبشة وإخبار الكهان عنه وأمر الاستسقاء به ﵌. [مطلب في وفاة جده عبد المطلب وخروجه مع عمه أبى طالب] ولشهرين وعشرة أيام في الثامنة توفي جده عبد المطلب قيل بعد وفات أمه آمنة بسنتين وكفله عمه أبو طالب أحسن كفالة وتعرف من كفالته اليمن والبركة له ولولده وأهل بيته ودافع عنه حين شنف القوم لعداوته بنفسه ولسانه وأهل بيته ومن أطاعه من قومه وعرض نفسه للشر دونه كما قال في قصيدته المشهورة حدبت بنفسى دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل وفي التاسعة أو الثانية أو الثالثة عشرة قيل لشهرين منها وعشرة أيام خرج معه عمه أبو طالب الى الشام في تجارة وقيل كان معهم أبو بكر فلما بلغوا بصرى رآه بحير الراهب وتعرف وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ انتهى وجوابه يؤخذ مما مر وروي عن رسول الله ﷺ النهي عن سب بعض آبائه فانه كان مؤمنا منهم مضر وكعب بن لؤي وعن ابن عباس ان خزيمة ومعدا وعدنان وادد ماتوا على ملة ابراهيم وفي السابعة (قصة سيف) على لفظ السيف المعروف (ابن ذي يزن) بتحتية فزاى مفتوحة فنون مصروف وممنوع وهو من ملوك حمير وقيل له ذو يزن لانه حمى واديا اسمه يزن قاله في القاموس وأدرك النبي ﷺ وأهدى له حلة قاله ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر (يهنئه) بالهمز (ولشهرين وعشرة أيام في الثامنة توفي جده) هذا قول الاكثرين وقيل سبعة وقيل تسعة وقيل غير ذلك قالت أم أيمن رأيت رسول الله ﷺ يبكي خلف سرير جده عبد المطلب ذكره السخاوي ودفن عبد المطلب بالحجون مقبرة باعلا مكة وكان عمره نحو تسعين سنة وقيل مائة وعشرين وقيل غير ذلك وكان قد كف بصره (وكفله عمه أبو طالب) قيل بوصية من جده وقيل بل اقترع هو والزبير عليه فقرعه وقيل بل اختاره النبى ﷺ وكان ألطف أعمامه به واسم أبي طالب عبد مناف (حين شنف القوم) بمعجمة مفتوحة فنون مكسورة ففاء والشنف البغض وفي التاسعة (فخرج مع عمه أبي طالب) أخرجه الترمذي من حديث أبي موسى وأخرجه رزين من حديث علي (الى الشام) قال الشمني بهمزة ساكنة وقد يخفف بلاد يذكر ويؤنث ويقال أيضا شام بفتح الاول والثاني على وزن فعال والمشهور ان حده من العريش الى الفرات طولا وقيل الى بابلس ومن جبلي طوس نحو القبلة الى نحو الروم وما سامت ذلك من البلاد (فائدة) قال ابن عساكر في تاريخه دخل الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله ﷺ (أبو بكر) اسمه عبد الله بن أبي قحافة عثمان ﵄ ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة توفي ﵁ يوم الجمعة لسبع ليال بقين من جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة وقيل عشية يوم الاثنين وقيل ليلة الثلاثاء وقيل عشية يوم الثلاثاء وصلى عليه عمر بن الخطاب وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال وقيل سنتين وأربعة أشهر الا أربع ليال وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة (بصري) بضم الموحدة مدينة بالشام قال النووي وغيره وهي مدينة حوران أي بفتح المهملة والواو بينها وبين دمشق ثلاث مراحل (بحيرا) قال الشمني بفتح الموحدة وكسر المهملة والقصر قال الذهبي رأى رسول الله صلى الله

стр. 45

منه صفات النبوة وتحققها وسأل أبا طالب عنه فقال هو ابن أخي فناشده أن يرده الى مكة خوفا عليه من اليهود والنصارى فرجع ورجع معه أبو بكر وزودهم بحيرا شيأ من الكعك والزبيب* ومما ذكر في هذه السفرة أن نفرا من اليهود رأوه وعرفوا منه ما عرف بحيرا فارادوا به سوءا فردهم بحيرا وذكرهم الله فرجعوا عن ذلك وفي جامع أبى عيسى الترمذي من رواية أبي موسى الاشعرى ما معناه أن نفرا من الروم تسعة أقبلوا فسألهم بحيرا فقالوا ان هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق الا بعث اليه مناناس وانا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه أيقدر أحد من الناس أن يرده قالوا لا قال فتابعوه وأقاموا معه كل ذلك وعين الرعاية ترعاه وملائكة الرحمن تراعيه وتحفظه في صباحه ومساه من قدامه وخلفه وشماله ويمناه. فسبحان من أتحفه بالخيرات والتحف وبوأه ذروة المعالى والشرف وقطعه عن النظير فيما سلف وخلف* [مطلب فى حضوره ﷺ حرب الفجار مع قريش وحلف الفضول] وفي الرابعة عشرة في شوال منها كان حرب الفجار بين كنانة وقيس عيلان وكان على قريش عبد الله بن جدعان وقيل حرب بن أمية وتطاول الحرب بينهم أياما فكانت لقيس على كنانة وحضر ﵌ في أحد أيامهم فانقلبت لقريش وكنانة على قيس عيلان وهوازن وسمي حرب الفجار لوقوعه في الشهر الحرام. وبعد منصرفهم منه في ذي القعدة كان حلف الفضول وسببه أن رجلا من زبيد من أهل اليمن باع سلعة من العاص بن وائل السهمي فمطله بالثمن فصعد أبا قبيس وصاح وذكر ظلامته في عليه وسلم وآمن به وذكره ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة وقال السهيلي وقع في سيرة الزهري انه كان حبرا من يهود تيماء وفي المسعودي انه كان من عبد القيس واسمه جرجيس (عن أبي موسى) اسمه عبد الله بن قيس بن سليم الاشعري كان من فضلاء الصحابة أسلم وهاجر الى الحبشة ورجع حين فتح خيبر ومات بالكوفة أو بمكة قولان سنة اثنين وأربعين أو ثلاث وأربعين أو أربع وأربعين أو تسع وأربعين أو خمسين أو اثنين وخمسين أو ثلاث وخمسين أقوال (فتابعوه) أي اتبعوه على رأيه (وبوأه) أى أنزله (ذروة) بكسر المعجمة وضمها وذروة كل شيء أعلاه وفي الرابعة عشرة (حرب الفجار) بكسر الفاء وبجيم مخففة وراء مصدر (لوقوعه في الشهر الحرام) أى في ذى القعدة (حلف الفضول) الحلف بكسر المهملة المحالفة (والفضول) بضم الفاء والمعجمة سمي به لانه حضره جماعة من جرهم كل منهم يسمى الفضل وسمت قريش الحلف به لما فيه من الشرف والنصفة وقيل انما سمي بذلك لتحالفهم على رد الفضول الى أهلها وان لا يعز ظالم (العاص بن وائل) بن هشام بن سعيد بالتصغير بن سهم بن عمرو بن هصيص بالتصغير وبمهملتين ابن كعب بن لؤي (السهمي) والد عمرو بن العاص وهو باثبات الياء وحذفها كنظائره من الاسم المنقوص (فصعد) بكسر العين (أبا قبيس) جبل مشهور بمكة وهو أوّل جبل وضع على الارض كما أخرجه البيهقى من حديث ابن عباس سمي برجل

стр. 46

شعر حكاه فحشدت قريش لذلك واجتمعوا في دار الندوة واتفقوا أنهم يمنعون الظالم من الظلم واحتلفوا على ذلك في دار عبد الله بن جدعان وكان أوّل من سعى في ذلك الزبير بن عبد المطلب* وفي السابعة عشرة قتل هرمز أحد الملوك الاكاسرة [مطلب في خروجه الى الشام بتجارة لخديجة وزواجه بها ﷺ الى الشام] وفي الخامسة والعشرين خرج ﵌ مع ميسرة غلام خديجة في تجارة لها قبل أن يتزوجها بشهرين وأربعة وعشرين يوما وفيها كان من أمر نسطورا الراهب ما ذكره وقوله لميسرة ممن هذا الرجل فقال من قريش من أهل الحرم فقال هذا نبى وهو آخر الانبياء وحكى ميسرة أنه كان اذا اشتد الحر ظللته غمامة ولما رجعا باعت خديجة ما قدما به فاضعف ولما أضعف الربح أضعفت له خديجة ما سمت له من الاجرة وكانت أربع بكرات* وروى الحاكم بسنده أن خديجة أيضا استأجرته سفرتين الى جرش كل سفرة بقلوص ولما حكى ميسرة لخديجة ما رأى من البراهين والكرامات وتعرف في صحبته من البركات مع حسن السمت والهدي والدلّ خطبته الى نفسها وكانت ﵂ من أفضل قريش حسبا ونسبا ومالا وجمالا كل من قومها قد كان حريصا على ذلك منها لو كان يقدر عليه فلما قالت ذلك لرسول الله ﵌ ذكره لاعمامه فخرج معه عمه حمزة وكلم أباها فقبل ثم حضر أبو طالب ورؤساء قريش وخطب أبو طالب فقال الحمد لله من مذحج حداد كان أوّل من بنى فيه وكان قبل ذلك يسمى الامين لان الحجر كان مستودعا فيه (فحشدت) بفاء فمهملة فمعجمة مكسورة فمهملة أي اجتمعت (واحتلفوا) بالمهملة (ابن جدعان) بالجيم والمهملتين بوزن عثمان (وكان أوّل) بالنصب خبر كان مقدم (الزبير) بالرفع اسمها مؤخر ويجوز العكس وفي السابعة عشر (هرمز) بضم الهاء والميم بينهما راء ساكنة وآخره زاي وهو الكبير من ملوك العجم ويقال له الهرمزان والهارموز قاله في القاموس وغيره (الا كاسرة) جمع كسرى بكسر الكاف وفتحها وهو ملك الفرس ومعناه واسع الملك وفي الخامسة والعشرين (ميسرة) بميم فتحتية فمهملة فراء فهاء على وزن حيدرة لا يعرف له اسلام (خديجة) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي (نسطورا) بفتح النون وسكون المهملة فطاء مهملة مضمومة فواو ساكنة ثم راء مقصورة (انه كان اذا اشتد الحر ظللته غمامة) أي باظلال ملكين كما في رواية في الشفا ان خديجة ونساءها رأينه لما قدم وملكان يظلانه فذكرت ذلك لميسرة فأخبرها انه رأى ذلك منذ خرج في سفره (أربع بكرات) جمع بكرة بفتح الموحدة وهي الفتية من الابل (وروى الحاكم) هو محمد بن عبد الله بن البيع بفتح الموحدة وكسر التحتية المشددة أبو عبد الله النيسابوري ولد بها في شهر ربيع الاول سنة احدى وعشرين وثلاثمائة ومات بها في صفر سنة خمس وأربعمائة (جرش) بالجيم والراء فالمعجمة بوزن عمر بلد باليمن (مع حسن السمت) بفتح المهملة (والهدى) بفتح الهاء وسكون المهملة (والدال) بفتح المهملة وتشديد اللام كلها بمعنى وهى السيرة والطريقة والمذهب وهيئة أهل الخير (حسبا) ذكر مفاخر الآباء

стр. 47

الذى جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسمعيل وضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسوّاس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم ان ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به أحد الا رجح فان كان في المال قل فالمال ظل زائل وأمر حائل ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالى كذا وكذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل وتزوجها ﵌ وله من العمر خمس وعشرون سنة وهى يومئذ ابنة ثمان وعشرين سنة. وروى انه أصدقها اثنتى عشرة أوقية من ذهب وقيل عشرين بكرة وبقيت عنده قبل الوحي خمس عشرة سنة وبعده الى ما قبل الهجرة بثلاث سنين وماتت ولرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وكانت له وزير صدق وهي أوّل من أسلم من النساء وأتاه جبريل فقال اقرئ خديجة من ربها السلام فقال ﵌ يا خديجة هذا جبريل يقرئك من ربك السلام (ضئضيء) بمعجمتين أو مهملتين بينهما همزة ساكنة مهموز الآخر وهو الاصل ومن أسمائه النجار بكسر النون وجيم مخففة آخره راء والرسخ باعجام الخاء واهمال السين والسنخ بكسر المهملة وسكون النون ثم معجمة والعنصر والعيص والارومة والجرثومة (حضنة بيته) جمع حاضن باهمال الحاء واعجام الضاد وهو كل قائم بامر ومنه حضن الصغير (وسواس حرمه) جمع سائس وهو القائم بالامر أيضا ومنه سياسة الدابة (فان كان في المال قل) بضم القاف وتشديد اللام قال الجوهري القل والقلة مثل الذل والذلة وفي الحديث ألا وان كل كثر فهو الى قل وكثر بضم الكاف أيضا (من الصداق) بفتح الصاد وكسرها وسمى صدقة بفتح الصاد وضم الدال وقد يسكن الدال وقد يضمان يقال أصدقها وأمهرها ومهرها بمعنى واحد وقيل الصداق ما استحق بالتسمية في العقد والمهر ما استحق بغير ذلك ومن أسمائه العقر والعليقة والاجر والنحلة والحبا والطول وسمى صداقا لاشعاره بصدق رغبة باذله في النكاح (نبأ) أي خبر (وخطب جليل) أى أمر عظيم (وتزوجها ﷺ أي بتزويج ابنها قاله ابن اسحاق ونقل عن الزهري أو عمها عمرو بن أسد قاله الواقدي وهو الصحيح أو أخيها عمرو بن خويلد وهو ضعيف جدا (وروى أصدقها اثنتي عشرة أوقية من ذهب) زاد ابن الاثير وغيره ونشا بفتح النون وتشديد المعجمة أى نصفا وجملة ذلك خمسمائة درهم اسلامية لان الاوقية أربعون درهما (وماتت) أي في شهر رمضان ودفنت بالحجون (وزير صدق) الوزير الموازر وهو المعاون (وأتاه جبريل) الى آخره أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة وأخرجه مسلم من حديث أبى أوفى وعائشة من غير ذكر السلام قال النووي وهذا الحديث من مراسيل الصحابة وهو حجة عند الجماهير وخالف فيه الاستاذ أبو اسحاق الاسفراييني لان أبا هريرة وعائشة وابن أبى أوفى لم يدركوا أبا خديجة فهو محمول على انهم سمعوه من النبي ﷺ (يا خديجة هذا جبريل الى آخره)

стр. 48

فقالت الله هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام وأمره أيضا أن يبشرها بيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وسيأتي فيها مزيد ذكر في الباب الخامس عند تراجم أزواج النبي ﵌ ان شاء الله تعالى* ولما بلغ ﵌ خمسا وثلاثين سنة ظهرت وبهرت أمارات خبره ظهور نار القرى واشتهرت بركته وأمانته في أم القرى. ففي هذه السنة ولدت فاطمة بنت رسول الله ﵌ [مطلب في بناء قريش الكعبة ووضعه الحجر الاسود بيده الشريفة مكانه من البيت] وفيها بنت قريش الكعبة وتقسمتها أرباعا فلما انتهوا إلى موضع الحجر الاسود تنازعوا أيهم يضعه في موضعه ثم اتفقوا أن يحكموا أوّل داخل عليهم من بني هاشم من باب بنى شيبة فكان ﵌ أوّل من ظهر لابصارهم فأخبروه فبسط صلى الله عليه وعلى آله وسلم رداءه ووضع الحجر فيه وأمر أربعة من رؤسائهم أن يحملوه معا الى منتهى موضع الحجر ثم أخذه ﵌ بيده الكريمة المباركة ووضعه في موضعه وفي الصحيح انهم كانوا يجعلون أزرهم على عواتقهم لتقيهم الحجارة استدل به أبو بكر بن أبي داود على تفضيل خديجة على عائشة لان عائشة سلم عليها جبريل من قبل نفسه ولم يبلغها السلام من الله تعالى (فقالت الله هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام) من زيادات الطبراني وقد يؤخذ منه ان الشخص اذا أرسل اليه السلام يبدأ في الجواب بالمسلم ثم بالرسول وهو خلاف المعروف (ببيت) قال الخطابي وغيره المراد به هنا القصر (من قصب) بفتح القاف والمهملة بعدها موحدة قال النووي قد جاء في الحديث مفسرا ببيت من لؤلؤة مخبأة وفسروه بمجوفة انتهي (قلت) وفي الطبراني من حديث فاطمة قالت قلت يا رسول الله اين أمي قال في بيت من قصب قلت أمن هذا القصب قال لابل من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت (لاصخب) بمهملة فمعجمة مفتوحتين وهو الصوت المختلط المرتفع ولغة ربيعة فيه بالسين (نصب) هو المشقة والتعب. قال النووي ويقال فيه نصب بضم النون وسكون المهملة كحزن وحزن والفتح أشهر وبه جاء القرآن أى في قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وقد نصب بفتح النون وكسر الصاد (عند تراجم) جمع ترجمة وأصلها التعبير عن لغة باخرى (ولما بلغ ﷺ خمسا وثلاثين سنة ظهرت وبهرت امارات خبره ظهور) منصوب على المصدر (القرى) بكسر القاف الضيافة (ولدت فاطمة) انما ذكر ولادتها دون اخواتها مع انهن أكبر منها كما سيأتي لفضلها عليهن بل على نساء العالمين وسيأتي ان وفاتها بعد أبيها بستة أشهر فجملة عمرها ثمان وعشرون سنة وأشهر (الكعبة) سميت بذلك لارتباعها وقيل لارتفاعها ومن أسمائها البيت الحرام والمسجد الحرام والبنية والمذبحة (وتقسمتها ارباعا) فكان ما يلى الباب لبني عبد مناف وبني زهرة وما بين ركن الحجر واليمانى لبني مخزوم وتيم وقبائل من قريش وكان ظهرها لبنى سهم وجمح وكان سوى الحجر لبني عبد الدار وبني أسد وبني كعب (ثم اتفقوا ان يحكموا أوّل داخل عليهم الى آخره) كان ذلك بمشورة أبى أمية المخزومي وأبى حذيفة بن المغيرة قاله ابن الاثير وغيره (من باب بني شيبة) هو المعروف الآن بباب السلام (وفي) الحديث (الصحيح)

стр. 49

ففعل ﵌ مثلهم فسقط مغشيا عليه قال أهل السير والذى حمل قريشا على بنائها بعد أن هدمها السيل وكانت رضا من حجارة فوق القامة مدة ما تأتي لها من الآلة وذلك أن قيصر بعث الى النجاشى بمركب فيه ضروب من آلات البناء وأمره أن يبنى له كنيسة تعظمها النصارى بالحبشة فانكسر المركب وألقاه البحر على ساحل جدة وايضا كان بمكة صانع من القبط وأيضا كان في البئر التى في جوف الكعبة حية عظيمة تخرج كل يوم اذا طلعت الشمس فتشرف على جدار الكعبة ولا يقرب الكعبة أحد من هيبتها فلما تهيؤا للبناء طلع لها عقاب فاحتملها ومع ذلك قد تهيبوا وفرقوا من هدمها وبدأ الوليد بن المغيرة فاخذ المعول وقال اللهم انا لا نريد الا الخير ثم هدم من ناحية الركنين وتربصوا به تلك الليلة فلما لم يصبه شئ تمادوا في الهدم حتي انتهوا الى حجارة خضر كالاسنمة آخذ بعضها ببعض أساس ابراهيم فاراد أحدهم أن يفصل بين حجرين فانتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك وجعلوه أساس بنائهم الا أنهم قد نقصوا من بنائها قدر ستة أذرع أو سبعة أذرع لقصور نفقتهم وجعلوا لها بابا واحدا ورفعوه عن الارض ليدخلوا من شاؤا ويمنعوا من شاؤا كما ثبت في صحيح البخاري فلما كان في خلافة ابن الزبير في البخاري وغيره من حديث جابر وهو أيضا مرسل صحابي فكأنه سمعه من العباس فانه معروف بروايته (ففعل ﵌ مثلهم) أي بامر عمه العباس (فسقط) الى الارض (مغشيا عليه) حتى رد ازاره فقال له عمه مالك فقال انى نهيت عن التعري زاد ابن اسحاق فما رؤي بعد ذلك عريانا (رضما) بالراء والمعجمة أي مرضوما بعضها فوق بعض (قيصر) لقب لكل من ملك الروم (النجاشي) بفتح النون وكسرها في آخره ياء تشدد وتخفف والتخفيف هو الصواب كما قاله الطبرانى لقب لكل من ملك الحبشة (ضروب) أي أنواع (كنيسة) هى متعبد النصارى والبيعة متعبد اليهود (كان بمكة صانع من القبط) اسمه أقوم بالقاف والواو وكان مولى لبعض قريش وفي القاموس ان اسمه معروف بن مسكان فان صح حمل على ان كلا منهما بنى فيها (تهيبوا وفرقوا) بمعنى أي خافوا (وبدأ) بالهمز ابتدأ (الوليد بن المغيرة) ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو خالد بن الوليد واخوته (المعول) بكسر الميم وسكون المهملة آلة معروفة (اساس ابراهيم) بالجر بدل من حجارة خضر وبالرفع خبر مبتدإ محذوف (فانتفضت) بالفاء والضاد المعجمة أي تحركت واضطربت (ابن الزبير) هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي يكني أبا خبيب وأبا بكر وكان حصره بمكة أوّل ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وحج بالناس الحجاج ولم يطف بالبيت وبين الصفا والمروة ونصب منجنيقا على جبل أبي قبيس فكان يرمي بالحجارة الى المسجد ولم يزل يحاصره حتى خرج عبد الله على الناس وقاتلهم في المسجد وكان لا يحمل على ناحية الا انهزم من فيها من جند الشام فأتاه حجر من ناحية الصفا فوقع بين عينيه فنكس رأسه وهو يقول

стр. 50

وحصره الحصين بن نمير السكونى احترقت الكعبة بحريق خيمة كانت في المسجد وأيضا كان يصيبها حجر المنجنيق. الذى كان يرمى به الحصين وأصحابه ولما أدبر الحصين راجعا الى الشام وأصحابه لموت خليفته يزيد بن معاوية هدمها ابن الزبير وبناها على اساس ابراهيم ﵇ على ما حدثته خالته عائشة عن رسول الله ﵌ وجعل طولها في السماء ثمانية وعشرين ذراعا تقريبا على ما هي عليه اليوم فلما ظفر الحجاج بابن الزبير تركها على ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم اجتمعوا عليه فقتلوه وصلبوه رضى الله عنه وذلك في النصف من جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين ذكر ذلك ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر (الحصين) بمهملتين مصغر (ابن نمير) مصغر أيضا (السكوني) نسبة الى سكون بالمهملة والنون بوزن صبور حى من العرب (المنجنيق) بفتح الميم والجيم وبكسر الميم ذكرهما أبو عبيد القاسم ابن سلام في الغريب. وقال الجوهري المنجنيق الذى يرمى به الحجارة معربة وأصلها بالفارسية من جى نيك أى ما أجودني وهي مؤنثة (يزيد بن معاوية) بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كان من الولاة الجائرين وعليه وعلى أمثاله كعبيد الله بن زياد ومن ينزل منزلتهم من احداث ملوك بني أمية حمل القرطبي وغيره قوله ﷺ هلاك أمتى على يدي أغيلمة من قريش أخرجه أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت رسول الله ﷺ وقتل خيار المهاجرين والانصار بالمدينة ومكة وغيرهما ما هو مشهور (على ما حدثته خالته عائشة) عن رسول الله ﷺ انه قال يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فالزقتها بالارض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ولزدت فيها ستة أذرع من الحجر وفي رواية خمسة أذرع فان قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم في إحدى رواياته (وجعل طولها في السماء ثمانية وعشرين ذراعا) وكان طولها قبل ذلك ثمانية عشر ذراعا فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع كما في صحيح مسلم (الحجاج) بن يوسف الثقفى كان من أفسق الفسقاء وأجرإ الجرآء على اراقة الدماء وقد أخبر به الصادق المصدوق ﷺ حيث قال ان في ثقيف كذابا ومبيرا أخرجه مسلم والترمذي من حديث أسماء بنت أبي بكر وأخرجه الطبراني في الكبير من حديث حذيفة والمبير بضم الميم وكسر الموحدة هو المهلك قال الترمذى في السنن الكذاب المختار ابن أبي عبيد والمبير الحجاج بن يوسف ثم روي بسنده الى هشام بن حسان قال احصوا من قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة وعشرين ألف قتيل انتهى قال النووى اتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد وكان شديد الكذب ومن أقبحه دعواه ان جبريل كان يأتيه انتهي. قال الشمنى وكان المختار واليا على الكوفة وكان يلقب بكيسان واليه تنسب الكيسانية وكان خارجيا ثم صار شيعيا وكان يدعو الى محمد بن الحنفية وكان يتبرأ منه وكان أرسل ابن الاشتر بعسكر الى ابن زياد قاتل الحسين فقتله وقتل كل من كان في قتل الحسين ممن قدر عليه ولما ولى مصعب بن الزبير على البصرة من جهة عبد الله بن الزبير قاتل المختار بن أبي عبيد فقتله (فلما ظفر الحجاج بابن الزبير) فقتله كتب الى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على

стр. 51

ما هى عليه الا أنه أخرج منها ما أدخله ابن الزبير من شاميها وسد الباب الغربي ورفع الشرقى عن الارض بمشاورة عبد الملك بن مروان (فائدة) قال شيخ شيوخنا حافظ الحجاز وقاضيه تقى الدين الفاسي ﵀ في تاريخ مكة بنيت الكعبة المعظمة مرات وفي عدد بنائها خلاف ويتحصل من مجموع ما قيل في ذلك انها بنيت عشر مرات بناها الملائكة وآدم وأولاده وابراهيم ﵈ وبناها العمالقة وجرهم وقصى بن كلاب وقريش وعبد الله بن الزبير والحجاج. قال واطلاق العبارة بانه بني الكعبة تجوز لانه لم يبن الا بعضها والله أعلم* [مطلب في الكلام على أول من بني المسجد الحرام والكلام على أول ما ظهر من لوائح نبوته ﷺ ] وأما المسجد الحرام فاول من بناه عمر وآخر من عمه بالبناء والتحسين الوليد بن عبد الملك وللملوك بعده زيادات تحسين والله أعلم. قال المؤلف وفيما بعد هذه المدة لاحت لوائح النبوة واتسقت آياتها وانتشرت الاخبار عن الاحبار والرهبان والكهان بحلول ميقاتها. من ذلك ما روى أن زيد بن عمرو بن نفيل أس نظر اليه العدول من أهل مكة فكتب اليه عبد الملك انا لسنا من تلطيخ ابن الزبير أى سبه وعيب فعله في شئ أما ما زاد في طوله فاقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده الى بنائه وسد الباب الذي فتحه فنقضه وأعاده الى بنائه (بمشاورة) أصلها من قولهم شرت العسل أى استخرجت ما فيه فكان الشخص يستخرج ما عند صاحبه من الرأى (عبد الملك بن مروان) بن الحكم بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بايع الناس له بالشام لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يعهد الى أحد وبايع الضحاك بن قيس الفهري بالشام أيضا لعبد الله ابن الزبير والتقيا فاقتتلا عند دمشق فقتل الضحاك واستقام الامر بالشام ومصر لعبد الملك بن مروان (تقي الدين) بالفوقية (الفاسي) بالفاء والمهملة نسبة الى فاس مدينة بالمغرب (بناها الملائكة) ذكره السيوطي في التوشيح بصيغة تمريض (وآدم) خرجه عبد الرزاق عن عطاء (وأولاده) ولى ذلك منهم شيث كما روي عن وهب بن منبه ثم رفع البيت زمان الطوفان على عهد نوح فكان الانبياء بعد ذلك يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لابراهيم أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن عمرو (وابراهيم) وبناه على أساس آدم وجعل طوله في السماء تسعة أذرع بذراعهم ودوره في الارض ثلاثين ذراعا بذراعهم وأدخل الحجر في البيت وكان زريبة لغنم اسماعيل ولم يجعل له سقفا وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه يلقى فيها ما يهدى للبيت (وبناها العمالقة) بالمهملة والقاف نسبوا الى جدهم اسمه عمليق كقنديل أو عملاق كقرطاس وهو ابن لاوذ بن ارم ابن سام بن نوح (وجرهم) بضم الجيم والهاء بينهما راء ساكنة هو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ ابن سام بن نوح* قال ابن اسحق كان جرهم وأخوه قيطورا أوّل من تكلم بالعربية عند تبلبل الالسن وفيما بعد هذه المدة (واتسقت آياتها) بالفوقية فالمهملة فالقاف أي انتظمت (زيد بن عمرو بن نفيل) بنون وفاء ابن عبد العزي بن رياح بكسر الراء وبتحتية بن قرط بضم القاف وسكون الراء ثم مهملة بن رزاح بفتح الراء وقيل بضمها وزاي ومهملة ابن عدي بن كعب بن لؤي والد سعيد بن زيد وابن عم عمر بن الخطاب سئل عنه النبي ﷺ فقال يبعث أمة وحده يوم القيامة وكان لا يأكل مما ذبح على النصب ويقول إلهي إله إبراهيم

стр. 52

وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش اجتمعوا وتلاوموا بينهم وضللوا قومهم في عبادتهم الاوثان وتفرقوا في البلاد يطلبون الحنيفية فاما زيد فكان يوحد الله ويبكي ويقول وعزتك لو أعلم الوجه الذى تعبد به لعبدتك به ثم يسجد على كفه فخرج على وجهه الى الشام وسأل جماعة من الاحبار والرهبان فقال له أحدهم بأرض البلقاء قد أطلك زمان نبى يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين ابراهيم فرجع سريعا حتى اذا كان ببلاد لخم عدوا عليه فقتلوه ﵀ قال فيه النبي ﵌ يبعث أمة وحده وترحم عليه وله أشعار كثيرة في التوحيد* [من ذلك خبر زيد بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما] وأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب ووجد صفة النبي ﷺ وقرب مبعثه فأقام بمكة ينتظر ذلك وكان يسأل خديجة رضى الله عنها ويخبرها بما وجد من الصفات وتخبره بما رأت من الدلالات وكان يلقى النبي ﵌ ويقبل وجهه ويقول أشهد انك لنبى هذه الأمة ثم أدرك أوّل النبوة وقص عليه النبى ﷺ خبر ما رأى على ما سيأتى في أوّل وديني دين ابراهيم واجتمع به رسول الله ﷺ بأسفل بلدح قبل الوحي وتوفي قبل مبعثه ﷺ ورثاه ورقة بن نوفل وكان يقول يا معشر قريش إياكم والزنا فانه يورث الفقر (وورقة بن نوفل) بن أسد بن عبد العزي بن قصي ابن عم خديجة واسم أمه هند بنت أبي كثير بن عدي بن قصي ولا عقب له (وعثمان بن الحويرث) تصغير حارث (وعبيد الله بن جحش) هو الذي تنصر بالحبشة وكانت تحته أم حبيبة بنت أبي سفيان كما ذكره المصنف فيما بعد (الاوثان) بمثلثة جمع وثن. قال الجوهري وهو الصنم واحد الاصنام ويقال انه معرب شمن وهو الوثن وقال غيره الوثن الجثة من أجزاء الارض أو الخشب يعبد وفي حديث عدي بن حاتم قدمت على النبي ﷺ وفي عنقى صليب من ذهب فقال لي الق عنك هذا الوثن (الاحبار) جمع حبر بكسر المهملة وفتحها وهو العالم قال في القاموس أو الصالح (والرهبان) جمع راهب وهو المتعبد في الصوامع ونحوها المنقطع عن النساء (البلقاء) بالموحدة والقاف بينهما لام ساكنة مع المد بلد بالشام قريبة من مؤتة (قد أطلك زمان نبى) بالطاء المهملة قال في الديوان يقال أطل عليه اذا أشرف وبالمعجمة أيضا ومعناه اقبل ودنا قدومه (ببلاد لخم) بفتح اللام وسكون المعجمة قبيلة معروفة تنسب الى لخم بن عدي بن الحرث بن مرة بن أزد (وترحم عليه الى آخره) أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث عائشة ان النبى ﷺ قال لا تسبوا ورقة فانه كان له جنة أو جنتان ثم قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين قال ابن الانصاري وفي كتاب الزبير بن بكار من حديث عبد الله بن معاذ الزهري عن عروة قال سئل النبى ﷺ عن ورقة بن نوفل كما بلغنا فقال لقد رأيته في المنام عليه ثياب بيض فقد أظن انه لو كان من أهل النار لم أر عليه البياض وأخرجه الترمذي في كتاب

стр. 53

الباب الثالث ان شاء الله تعالى وتوفى عقيب ذلك وترحم عليه النبي ﵌ وقال رأيت لورقة بن نوفل جنة أو جنتين* ومن شعره حين كان يسأل خديجة ويستبطئ الامر لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما ما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظارى يا خديجا ببطن المكتين على رجائى ... حديثك ان أرى منه خروجا بما خبرتنا عن قول قس ... من الرهبان أكره ان يعوجا بأن محمدا سيسود قوما ... ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية ان تموجا الرؤيا من جامعه من حديث عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت سئل رسول الله ﷺ عن ورقة وقالت له خديجة انه كان صدقك ولكنه مات قبل ان تظهر فقال النبي ﷺ رأيته في المنام وعليه ثياب بيض ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك ثم قال حديث غريب وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي وقال السهيلي في اسناده ضعف لانه يدور على عثمان هذا لكن يقويه قوله ﵇ رأيت القس يعني ورقة وعليه ثياب حرير لانه أوّل من آمن بي وصدقني ذكره ابن اسحق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل وقال المرزباني كان ورقة من علماء قريش وشعرائهم وكان يدعى القس وقال النبي ﷺ رأيته وعليه حلة خضراء يرفل في الجنة انتهى وسيأتي مزيد كلام فيه فيما بعد ان شاء الله تعالى* شعر ورقة (لججت) بكسر الجيم الاولى وسكون الثانية على الافصح كنظائره واللجاج بفتح اللام التمادى في الشيء والاصرار عليه ومنه نذرا للجاج (لجوجا) بفتح اللام فعولا بمعنى فاعل (لهم) أكثرهم لا يفرق بينه وبين الحزن وفرق بعضهم بينهما فقال الحزن يكون على أمر قد وقع والهم على أمر لم يقع بعد وهم ورقة ان تأتيه منيته قبل ادراك منيته من هذا النبي الكريم ﷺ باتباعه ونصرته (بعث) أثار (النشيجا) بألف الاطلاق وهو بنون مفتوحة فمعجمة وجيم بوزن العظيم مصدر نشج ينشج بكسر الشين في الماضى وفتحها في المستقبل والنشيج ما يعرض في حلق الباكى من الغصة وقيل صوت مع ترجيع كترديد الصبي بكاءه في صدره (يا خديجا) بألف الاطلاق ترخيم خديجة (ببطن المكتين) تثنية مكة قيل أرادها والطائف وقيل أرادها وحدها وثناها اما تعظيما لها أولان لها بطاحا وظواهر أو لان عادة العرب تثنية الواحد وجمعه في الشعر (قس) بضم القاف وتشديد المهملة هو رئيس النصارى في العلم كالقسيس ومصدره قسوسة والقسيسة وجمعه قسوس وقسيسون وقساوسة قاله في القاموس (حجيجا) أي محاججا (البرية) بالهمز وتركه الخليقة (ان تموجا) أي تضطرب في دينها وتختلط كما

стр. 54

فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا فياليتى اذا ما كان ذا كم ... شهدت وكنت أولهم ولوجا ولوجا بالذي كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا أرجى بالذى كرهوا جميعا ... الى ذي العرش ان سفلوا عروجا وهل أمر السفاهة غير كفر ... بمن يختار من سمك البروجا فان يبقوا وأبق تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا وان أهلك فكل فتى سيلقى ... من الاقدار متلفة خروجا وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر وحسنت منزلته عنده وتنصر* وأما عبيد الله بن جحش فأدرك الاسلام وأسلم وهاجر مع مهاجرة الحبشة وارتد عن الاسلام ومات بها نصرانيا* [ومن ذلك خبر سلمان الفارسي رضى الله عنه] ومن ذلك ما ذكر في قصة سلمان الفارسى وتنقله من الاحبار واحدا بعد واحد حتى دله آخرهم على مبعث النبي ﵌ ولما قدم المدينة تعرف صفات النبوة يتموج البحر (خسارا) مصدر وضع موضع الاسم أي خاسرا ويجوز أن يكون على بابه والفعل مضمر تقديره فيخسر خسارا (فلوجا) بضم الفاء مصدر يأتى فيه ما مر في الخسار والفلوج الفوز والظفر (فياليتي) أي فياليتنى حذفت نون الوقابة لضرورة الشعر (اذا ما كان) أي وقع (ذاكم) يعني خروجه ﷺ (ولوجا) مصدر ولج يلج (عجيجا) مصدر عج يعج والعجيج رفع الصوت (أرجى بالذي كرهوا جميعا الى آخر البيت) أي رجائى الى الله (ذى العرش ان سفلوا) في العروج أى ان يكونوا كل ما حاولوا رفعة وضعهم الله بسبب كراهتهم للنبي ﷺ ودينه* وسفل مثلث الفاء والضم أشهر (السفاهة) مصدر سفه يسفه سفها وسفاهة والسفه هنا ضعف العقل ورقة الحلم وهو الحامل على الكفر (غير كفر) بالنبى ﷺ الذى اختار عبادة الله على عبادة غيره وهو معنى قوله (بمن يختار) أى يصطفي لعبادته (من سمك) أى رفع (البروجا) بألف الاطلاق وهي الاثنى عشر المشهورة الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت (ضجيحا) مصدر ضج والضجيج رفع الصوت من أمر مفزع (وان أهلك) أى أمت (متلفة) يجوز فيه ضم الميم مع كسر اللام أى ميتة متلفة وفتحهما أى محل تلف (خروجا) بفتح المعجمة أى عظيمة من قولهم ناقة خروج اذا عظم سنامها* ذكر اسلام سلمان الفارسي قال ابن عبد البر أصله من جبا قرية من قرى أصبهان وقيل من رامهرمز وكان أبوه دهقانها وسيدها وسادن نارها (وتنقله) بالجر (من الاحبار واحدا بعد واحد) قال ابن اسحق وغيره ما معناه مر سلمان على النصارى المجاورين للفرس وهم في الكنائس فاعجبه دينهم فلزمهم فقيده أبوه على ذلك وطلب منه خدمة بيت النار ففك القيد وخرج الى الشام فسأل عن عالم النصارى فدل عليه فخدمه واطلع منه على خيانة في دينه فاخبر النصارى بذلك فرجموه وأقاموا مكانه رجلا صالحا فصحبه سلمان حتى قارب

стр. 55

على ما ثبت عنده من الوصف وأسلم* [ومن ذلك ابن الهيبان من يهود الشام] ومن ذلك حديث ابن الهيبان من يهود الشام حين قدم المدينة متوكفا لمخرجه فلما حضره الموت وعلم انه ميت قبله عهد الى ابنى سعية وأسد بن عبيد اخوة بني قريظة بذلك فكان سبب اسلامهم وفلاحهم* [مطلب في تحنثه ﷺ بغار حراء وما قيل في عصمته وما كان يراه من أمارت النبوة] وفي سنة ثمان وثلاثين كان ﵌ يرى الضوء والنور ويسمع صوت النداء ولا يرى أحدا وحبب اليه الخلاء الموت فسأله ان يوصيه فذكر له رجلا صالحا بالموصل فلما مات الاول أتى هذا وصحبه فلما حضرته الوفاة قال له اوصني فذكر له رجلا بعمورية فصحبه فلما أشرف على الوفاة سأله الوصية فقال لا أجد اليوم على مثل ما كنا عليه أحدا ولكن قد أطل زمان نبي يبعث بدين ابراهيم مهاجره بارض ذات نخل له آيات وعلامات لا تخفى بين كتفيه خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فلما مات مر به ركب من العراق من كلب فصحبهم فباعوه بوادي القرى من يهودي ثم اشتراه يهودي آخر من بني قريظة وقدم به الى المدينة فأقام بها الى ان قدم رسول الله ﷺ فأسلم بعد ان رأى الصفات التي وصفت له وكان من خيار الصحابة وسمي سلمان الخير قال فيه النبي ﷺ سلمان منا أهل البيت أخرجه الطبراني والحاكم من حديث عمرو بن عوف. وفي آخر سلمان سابق فارس أخرجه ابن سعد عن الحسن مرسلا توفي سنة خمس وثلاثين في آخر خلافة عثمان أو سنة ست وثلاثين وقيل توفى في خلافة عمر عاش مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين* قال ابن الاثير صح انه أدرك وصى عيسى وقرأ الكتابين وكان له ثلاث بنات بنت باصبهان وابنتان بمصر. وذكر البغوي ان سلمان لما حضره الموت بكى وقال ان رسول الله ﷺ عهد الينا عهدا فتركنا عهده ان تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب فلما مات نظر فيما ترك فاذا نحو من ثلاثين درهما (ابن الهيبان) بفتح الهاء وكسر التحتية المشددة وقد تخفف فموحدة وقد تبدل فاء (متوكفا) أي متلقيا (ابني سعية) بسكون الموحدة وفتح النون تثنية ابن وسعية بمهملتين الاولى مفتوحة والثانية ساكنة بعدها تحتية وهما تغلب بن سعية وأسد بن سعية. قال ابن اسحاق وهم من طهدل ليسوا من قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك وهم بني عم بنى قريظة أسلموا في الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله ﷺ (تنبيه) قد يشكل سعية هذا بزيد بن سعنة بالنون ولزيد بن سعنة هذا قصة مع النبي ﷺ ذكرها عياض في الشفا وذلك انه جاء الى النبي ﷺ يتقاضاه دينا عليه فجبذ ثوبه عن منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له ثم قال انكم يا بني عبد المطلب مطل فانتهره عمر ﵁ وشدد له في القول والنبي ﷺ يتبسم فقال رسول الله ﷺ أنا وهو كنا الى غير هذا منك أحوج يا عمر تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضى ثم قال لقد بقى من أجله ثلاث وأمر عمر ان يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روعه فكان سبب اسلامه وذلك انه كان يقول ما بقي من علامات النبوة شيء الا وقد عرفتها في محمد ﷺ الا اثنتين لم أخبرهما يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل عليه الا حلما فاختبره بهذا فوجده كما وصف. قال النووي في التهذيب شهد اسيد مع رسول الله ﷺ مشاهد كثيرة وتوفى في

стр. 56

فكان يخلو بغار حراء قيل كانت عبادته فيه الفكر وقيل الذكر وهو الصحيح واختلفوا بأى الشرائع كان يدين تلك الايام فقيل بشريعة نوح وقيل ابراهيم وهو الظاهر وقيل موسى ﵈ وقيل غير ملتزم شريعة أحد وهو المختار لظاهر قوله تعالى (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) ولخلوه من دلائل العقل والنقل والاجماع كما أفهمه كلام الامام النووى رحمه الله تعالى واتفقوا انه ﵌ لم يعبد صنما ولم يقارف شيئا من قاذورات الجاهلية وكذلك الانبياء ﵈ جملة معصومون من الكفر والكبائر قبل النبوة وبعدها من الصغائر أيضا عند المحققين. ومما هداه الله اليه فطرة وبديهة من مناهج الهدى قبل النبوة وقبل سماع الصوت والنداء ما روى في صحيح الاخبار ان قريشا خالفت الناس في موقف عرفات وكانوا يقفون بالمشعر الحرام ويقولون نحن أهل الحرم وقطانه لا نخرج منه وكان النبي ﵌ يخالفهم ويقف مع الناس بعرفات على مناسك ابراهيم وكانت الاحجار تسلم عليه قبل النبوة وتناديه بالرسالة كما في صحيح الاخبار انى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل ان أبعث اني لا عرفه الآن غزوة تبوك مقبلا الى المدينة* وفي سنة ثمان وثلاثين (قيل كانت عبادته) بالفتح خبر كان والفكر اسمها ويجوز عكسه (الفكر) نقله الحافظ ابن حجر عن بعض المشايخ من غير تسمية (وقيل الذكر) وهذا هو الصحيح عند الجمهور وقيل اطعام من يرد عليه من المشركين كما في رواية عتبة بن عمير عند ابن اسحاق (فقيل بشريعة نوح) أي لكونه أوّل أولى العزم (وقيل ابراهيم) يؤيده ما في سيرة ابن هشام فيتحنف بالفاء بدل يتحنث أى يتبع الحنيفية وهي دين ابراهيم (ولم يقارف شيئا) هو بمعنى يقترف والاقتراف الاكتساب ويأتي في الخير والشر قال تعالى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ولمن أراد الزنا ونحوه مما يكون فيه المعصية من اثنين كانت المفاعلة على بابها (ومن الصغائر أيضا عند المحققين) من الاصوليين وغيرهم فاعتقاد ذلك واجب* وعن قصة آدم وداود واخوة يوسف أى على القول بنبوتهم أجوبة ذكرها عياض في الشفا ومعصومون أيضا من المكروه كما جزم به غير واحد الا لمعنى كتبيين الجواز لندرة وقوعه من الاتقياء فكيف من الانبياء (فطرة) هي الخلقة (وبديهة) بالموحدة والمهملة بوزن عظيمة أي قبل التعلم والوحي قال صاحب القاموس البديهة أوّل كل شئ وما يفجأ منه وبادهه به مبادهة وبداها فاجاه به ولك البديهة أي لك أن تبدأ (من مناهج) جمع منهج ومنهاج وهو الطريق الواضح (اني لأعرف حجرا الى آخره) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي من حديث جابر بن سمرة قال النووى ففيه معجزة له وفيه اثبات التمييز في بعض الجمادات وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقوله تعالى وان من شىء الا يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وفي هذه الآية خلاف مشهور والصحيح انه يسبح حقيقة ويجعل الله فيه تمييزا يحس به كما ذكرنا ومنه الحجر الذي فر بثوب موسى

стр. 57

وقبل ان يشافهه جبريل بالرسالة بستة أشهر كان وحيه مناما فكان لا يرى رؤيا الاجاءت مثل فلق الصبح وعلى ذلك حمل بعض المحدثين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وذلك باعتبار سني الوحي وهي ثلاث وعشرون سنة والله أعلم ومن غرائب ما ذكر شيخ شيوخنا القاضى مجد الدين الشيرازي ﵀ وعثرت على صحته انه ﵌ لما بلغ تسع سنين امر الله اسرافيل ﵇ ان يقوم بملازمته فكان قريبا منه دائما فلما أن أتم احدى عشرة سنة أمر جبريل ﵇ بملازمته فلازمه تسعا وعشرين سنة بطريق المقاربة والملازمة لكن لم يظهر له قال وفي بعض الروايات الصحيحة ظهر له في ملازمته مرارا وكلمه بكلمة أو كلمتين وقبل نزول الوحي بخمس عشرة سنة كان يسمع صوتا احيانا ولا يرى شخصا وسبع سنين كان يري نورا وكان به مسرورا فسبحان من حفظه وكلام الذراع المسمومة ومشى إحدي الشجرتين الى الاخري حين دعاهما النبى ﷺ وأشباه ذلك انتهى وسيأتي في ذلك مزيد كلام في المعجزات واختلفوا في الحجر الذي كان يسلم عليه فقيل انه الحجر الاسود قال السهيلى روي في بعض المسندات وقال الطبري في غاية الاحكام (قلت) الظاهر انه غيره فان شأن الحجر عظيم ولو كان أياه لذكره ولما نكره واليوم بمكة حجر عند ابنية يعرف بدكان أبي بكر أخبرنا شيخنا أبو الربيع سليمان بن خليل ان أكابر أشياخ مكة أخبروه أنه الحجر الذي كان يسلم على النبي ﷺ انتهي (قلت) والجمع بينهما ان كلا كان يسلم عليه ممكن ومنع الطبرى كونه الحجر الاسود لما ذكره ممنوع اذ التنكير لا يدل على ذلك لغة ولا عرفا (وقبل أن يشافهه) أي يكلمه بدون واسطة كأن كل منهما ينظر الى شفة صاحبه (بستة أشهر) نقل المازري عن بعضهم عدم ثبوت هذا الامد أي في الاحاديث الصحيحة (وعلى ذلك حمل بعض المحدثين) كما نقله احمد بن محمد بن ابراهيم الخطابى (قوله) بالنصب مفعول حمل (رؤيا) المؤمن الى آخره أخرجه احمد والشيخان من حديث أنس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وأخرجه أبو داود والنسائى من حديث عبادة فقط وابن ماجه من حديث أبى هريرة فقط (من ستة وأربعين) طريق معرفة ذلك أن تبسط ثلاثة وعشرين سنة وهي مدة سنى الوحى أنصافا لان ستة أشهر نصف سنة في مخرج النصف وهو اثنان يبلغ ستة وأربعين. والمختار كما قال السيوطي في الديباج ان هذا من الاحاديث المتشابهة التي نؤمن بها ونكل معناها المراد الى قائله ﷺ ولا نخوض في تعيين هذا الجزء من هذا العدد ولا في حكمته لا سيما وقد اختلفت الروايات في كمية العدد ففي رواية من ستة وأربعين وفي أخري من خمسة وأربعين وفي أخري من أربعة وأربعين وفي أخري من تسعة وأربعين وفي أخرى من أربعين وفي أخري من ستة وعشرين وفي أخري من خمسين وفي أخرى من سبعين فالله أعلم بمراد نبيه ﷺ بذلك (مجد الدين) هو محمد ابن يعقوب مصنف القاموس (الشيرازي) نسبة الى شيراز بكسر المعجمة وسكون التحتية بعدها راء فالف فزاي بلد بفارس بناها شيراز بن طهمورث فسميت به

стр. 58

ورعاه بحسن رعايته وتولاه بحسن ولايته اللهم صلي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم وأتحفنا بقربه في جنات النعيم آمين [الباب الثالث في ذكر نبوته وما بعدها الى هجرته ﷺ ] (الباب الثالث) في ذكر نبوته وما بعدها الى هجرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (قال المؤلف غفر الله زلته) وأقال عثرته ولما بلغ ﵌ أربعين سنة وقيل أربعين ويوما وتناهى صفاء قلبه بما اعتمده من الخلوة وتأهلت قواه البشرية لاستجلاء تلك الجلوة وانفض ختام السر المكنون وانكشف الغطاء عن الامر المصون جاءه الأمين جبريل برسالة من الملك الجليل فألقى عليه القول الثقيل على ما ثبت في صحيح أبى عبد الله البخاري ﵀ بروايتي له من طرق عديدة أعلاها وأولاها ما أرويه عن شيخنا الامام القانت الناسك الحافظ مسند الآفاق شرف الدين أبي الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين بن العثمانى المراغي ثم المدنى نضر الله وجهه سماعا عليه لثلاثيات الجامع الصحيح وإجازة ومناولة من يده لجميعه بالمسجد الحرام تجاه بيت الملك العلام سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بسماعه له على الامامين المسندين جمال الدين أبي اسحق ابراهيم بن محمد بن عبد الرحيم اللخمى الاميوطي وبرهان الدين ابي اسحق ابراهيم بن محمد بن صديق الدمشقى قالا أنا به المعمر ملحق (الباب الثالث) (تناهي) أي تتام وتكامل (صفاء) بالمد هو ضد الكدر (الخلوة) مثلث الخاء المعجمة والفتح أشهر (وتأهلت) أي صارت أهلا (قواه) بضم القاف جمع قوة والهاء في موضع جر بالاضافة (البشرية) بالرفع صفة لقواه (الجلوة) بالجيم وفيها ما مر في الخلوة (انفض) بالفاء المعجمة انفتح (ختام) بكسر المعجمة مصدر كالختم وهو الطبع على الشئ (السر المكنون) أى الذى لم يظهر قبل فكانه في كن (جاءه الامين جبريل) . قال ابن الاثير وكان ذلك يوم الجمعة سابع عشر شهر رمضان قال وقال يونس عن بشر بن أبي طالب الكندى الدمشقى عن مكحول ان رسول الله ﷺ قال لبلال ما معناه ألا تصوم يوم الاثنين فاني ولدت فيه وأوحي الى فيه وهاجرت فيه انتهى (قلت) يجمع بينهما بان الايحاء اليه يوم الاثنين كان منا ما ثم يوم الجمعة يقظة (في صحيح أبي عبد الله البخاري) وصحيح مسلم وغيرهما (القانت) أي المطيع أو كثير القيام (الناسك) أي العابد والنسك العبادة (الحافظ) عد بعضهم من خصائص رسول الله ﷺ تسمية ناقلى حديثه حفاظا من بين سائر العلماء (نضر الله وجهه) أى حسنه وجمله كما مر (لثلاثيات الجامع) هي الاحاديث التي بين رسول الله ﷺ فيها وبين البخاري ثلاثة رجال فقط وجملتها تسعة عشر حديثا خمسة عشر عن سلمة بن الاكوع وواحد عن عبد الله بن بشر المازني وثلاثة عن أنس بن مالك (بالمسجد الحرام) يطلق على الكعبة وعلى المسجد حولها وهو المراد هنا وعلى مكة وعلى الحرم كله وعلى ما دون مرحلتين منه (تجاه) بضم الفوقية امام (اللخمي) نسبة الى لخم القبيلة المعروفة (الاميوطي) نسبة الى أميوط بضم الهمزة آخره مهملة بلد بالشام (ابن صديق) بتشديد الدال (الدمشقي) نسبة الى دمشق بكسر الدال وفتح الميم وقد يكسر قال في القاموس قاعدة الشام سميت ببانيها دمشاق بن كنعان (المعمر) بفتح الميم

стр. 59

الاحفاد بالاجداد ابو العباس أحمد بن أبى طالب بن أبي النعم نعمة الله بن على بن بيان الصالحي الحجار سماعا عليه قال انابه أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد الزبيدى انا به أبو الوقت عبد الاول عيسى بن شعيب السجزى قال انا به أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي انا به ابو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه الحموى أنا به أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربرى انا به أمير المؤمنين في علم الحديث النبوى محمد بن اسمعيل البخاري ثنا به يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل (الاحفاد) جمع حفيد وهو ولد الولد (ابن أبى النعم) بضم النون وسكون المهملة (نعمة) بكسر النون وسكون المهملة (ابن بيان) بفتح الموحدة بعدها تحتية (الحجار) بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم آخره راء (الزبيدي) نسبة الى زبيد المعروفة باليمن (السجزي) بكسر المهملة وسكون الجيم ثم زاى قال ابن ماكولا هى نسبة الى سجستان على غير قياس وهو اقليم ذو مدائن بين خراسان والسند وكرمان (ابن حمويه) قال ابن الصلاح أهل العربية يقولونه ونظائره أي كنفطويه وسحنويه وريحويه وفيحويه وعلويه وراهويه بواو مفتوحة مفتوح ما قبلها وساكن ما بعدها ومن ينحو بها نحو الفارسية يقولونها بواو ساكنة مضموم ما قبلها مفتوح ما بعدها قال وسمعت الحافظ عبد القادر بن عبد الله يقول سمعت الحافظ ابا العلاء يقول أهل الحديث لا يحبون ويه أي يقولون نفطويه مثلا بواو ساكنة تفاديا من أن يقع في آخر الكلام ويه (الحموي) بفتح المهملة وضم الميم المشددة وكسر الواو وياء النسبة الى جده حمويه (ابن مطر) كلفظ المطر المعروف (الفربري) بكسر الفاء وفتح الراء بعدها موحدة ساكنة فراء فياء النسبة إلي فربر قرية من قرى بخاري (أمير المؤمنين) في أوّل من سمى بذلك من المحدثين خلاف وأوّل من سمى أمير المؤمنين على الاطلاق عمر بن الخطاب (يحيى بن بكير) بالتصغير هو العبدي قاضى كرمان مات سنة سبع وعشرين ومائتين (حدثنا الليث) هو ابن سعد بن عبد الرحمن الفقيه يكنى أبا الحارث. قال الشمني نقلا عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس يقال انه مولي بنى فهم ثم لآل خالد بن ياسر بن طاعن الفهمي ثم من بني كنانة من فهم وأهل بيته يقولون نحن من الفرس من أهل أصبهان وليس لما قالوه عندنا صحة انتهى. وأخرج ابن يونس من طريق ابن عمرو بن طاهر بن السرح قال سمعت يحيى بن بكير يقول سمعت والد الليث وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه قال يحيي بن بكير سمعت شعيب ابن الليث يقول كان الليث يقول لنا قال بعض أهلى اني ولدت سنة اثنين وتسعين والذي أوقن اني ولدت سنة أربع وتسعين وقال أبو سعيد كاتب الليث سمعت الليث يقول مات عمر بن عبد العزيز ولى سبع سنين وكانت وفاة عمر سنة احدي ومائة وقال أبو نعيم في الحليلة أدرك الليث نيفا وخمسين من التابعين وأسند عن محمد ابن رمح قال كان دخل الليث في كل سنة ثمانين ألف دينار ما أوجب عليه الله درهما قط بزكاة وقال ابن لهيعة احترقت داره وحج بألف دينار فاهدى اليه مالك طبقا فيه رطب فرد اليه على الطبق ألف دينار وكانت وفاته في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة عن احدي وثمانين (عن عقيل) هو ابن خالد الايلى وهو

стр. 60

[مطلب في بدء نبوته صلي الله عليه وسلم وظهور جبريل له بغراء حراء] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت اول ما بدئ به رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه بالمهملة والقاف مصغر كان حافظا مأمونا مات سنة احدى وأربعين ومائة (عن ابن شهاب) هو الزهري محمد ابن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الذي شج رسول الله ﷺ يوم أحد ثم أسلم كان أحد أئمة الدين. قال ابن المديني له نحو ألفى حديث وقال مرة أخري أسند أكثر من ألف حديث وحديثه ألفان ومائتا حديث نصفها مسندة مات في رمضان سنة أربع وعشرين ومائة (عن عائشة) هو مرسل صحابية فانها لم تدرك بدء الوحى فاما أن تكون سمعته منه ﷺ أو من غيره من الصحابة ويؤيد سماعها منه قال الحافظ ابن حجر قولها في اثناء الحديث قال وأخذنى فغطني (أول ما) ما نكرة موصوفة أي أوّل شئ (من الوحي) من بيانية أو تبعيضية أي من أقسام الوحي وأوّل ما بديء به من دلائل النبوة مطلقا أشياء كثيرة وقد مر ذكر بعضها في كلام المصنف منها تسليم الحجر (الرؤيا) مصدر كالرجعي وتختص بالنوم كاختصاص الرأي بالقلب والرؤية بالعين (الصالحة) بالرفع وفي صحيح البخاري في التفسير الصادقة وهما بمعنى وصلاحها اما باعتبار صورتها أو تعبيرها كما أشار اليه الخطابي (فى النوم) صفة موضحة قال في التوشيح أو ليخرج رؤية العين في اليقظة لاحتمال أن يطلق عليها مجازا (مثل) بالنصب على الحال (فلق الصبح) بفتح الفاء واللام وحكي الزمخشري سكونها ويقال فرق بالراء بدل اللام من غير الرواية وفلق الصبح ضياؤه يضرب مثلا للشئ الواضح البين قال العلماء انما ابتدئ بالرؤيا كيلا يفجأه الملك بصريح النبوة بغتة فلا تحتملها قواه البشرية فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامات من صدق الرؤيا وحب العزلة والصبر عليها (حبب اليه الخلاء) بالفتح والمد الخلوة وانما حببت اليه لما فيها من فراغ القلب لما يتوجه اليه (بغار) هو النقب في الجبل وجمعه غيران (حراء) بكسر المهملة في الافصح وتضم وتفتح وفي رواية الاصيلي في البخاري بفتحها مع القصر وأكثرهم يقوله بالمد ويذكر ويؤنث فعلى الاول يصرف وعلى الثانى لا يصرف قال بعضهم حرا وقبا ذكر وأنثهما معا ... ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا ومثلهما مني أيضا لكن ليس في أوله سوي الكسر وحراء جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب من مكة الى مني قال ابن أبى حمزة وانما خصه بالخلوة لان المقيم فيه يمكنه رؤية البيت فيجتمع له الخلوة والتعبد ورؤية البيت (فيتحنث فيه) بمهملة وفي آخره مثلثة أي يتعبد ومعناه القاء الحنث عن نفسه كالتأثم والتحوب القاء الاثم والحوب عن نفسه قال الخطابي وليس في الكلام تفعل القي الشئ عن نفسه غير هذه الثلاثة والباقي بمعنى تكسب وزاد غيره تحرج وتنجس وتجنب وتهجد وتجزع وتجنح اذا ألقي الحرج والنجس والجنابة والهجود أي النوم والجزع والجناح عن نفسه وقيل ان تحنث بمعنى تحنف وقد وقع كذلك في سيرة ابن هشام

стр. 61

وهو التعبد الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع الى أهله ويتزود لذلك ثم ينزع الى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى حتي بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذنى فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطنى الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ بسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم فرجع بها رسول الله ﵌ يرجف فؤاده كما مر (وهو التعبد) مدرج في الحديث قطعا. قال ابن حجر وهو محتمل ان يكون من كلام عروة أو من دونه قال وجزم الطيبى بأنه من تفسير الزهري ولم يذكر دليله (الليالي) بالنصب على الظرف وتعلقه بيتحنث لا بالتعبد لما مر ان التعبد مدرج (ذوات) بكسر التاء منصوب وفي مسلم أولات (العدد) في رواية ابن اسحق انه كان يعتكف شهر رمضان. قال في الديباج وله شاهد قوي وفي صحيح مسلم جاورت نحو شهر (قبل ان ينزع) بالزاي والمهملة كيرجع وزنا ومعنى (الى أهله) يعني خديجة (لمثلها) أي الليالي (جاءه الحق) لمسلم فجئه بكسر الجيم وفتحها وهمزة أي بغته الامر الحق (فجاءه) الفاء للتفسير لا للتعقيب لان مجيء الملك ليس بعد مجيء الحق حتى يعقب به بل هو نفسه (ما) نافية وقيل استفهامية وهو مردود بدخول الباء في الخبر (أنا بقارئ) أى ما أحسن القراءة (فائدة) أخبرنا شيخنا وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الكريم ابن زياد عن شيخه وجيه الدين عبد الرحمن الديبع عن مشايخه انه ورد في بعض المسندات انه ﷺ نطق فيها بقاف الحجاز المترددة بين القاف والكاف (فغطني) بمعجمة فمهملة وللطبري وابن اسحق فغتني بالفوقية بدل الطاء ولابن أبي شيبة فعمني ويروى سأبني والسأب بالمهملة والهمزة والموحدة ومعنى الكل عصرني وضمني وخنقني كما في مسند الطيالسي فأخذ بحلقي (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم وضمها لغتان والفتح أفصح وهو المشقة وبرفع الدال أي بلغ مني الجهد مبلغه وغايته ونصبها أى بلغ جبريل أو الغط مني الجهد والحكمة في ذلك شغله عن الالتفات لشيء آخر واظهار الشدة والجد في الامر تنبيها على ثقل القول الذى سيلقى اليه وقيل ابعاد ظن التخييل والوسوسة لانهما ليسا من صفات الاجسام فلما وقع ذلك بجسمه علم انه من أمر الله وللسهيلي في تأويل الغطات كلام ذكره المصنف وذكر بعضهم ان هذا يعد من خصائصه اذ لم ينقل عن أحد من الانبياء انه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك وذكر ابن اسحق عن عبيد بن عمير انه وقع له قبل ذلك في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والامر بالقراءة وكان ذلك في شهر ربيع الاول كما أفاده بعضهم (ثم أرسلني) أى أطلقني اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أى لا بحولك وقوتك ومعرفتك (الذى خلق) صفة تناسب ما حصل بالغط وجعله توطئة لقوله بعد خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ إيذانا بأن الانسان أشرف المخلوقات عَلَّمَ بِالْقَلَمِ فيه تذكير بأفضل النعم بعد الخلق وفيه اشارة الى حصول العلم له بلا واسطة بأنه ﷺ لم يكن يكتب حتى تعلم بالقلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فيه اشارة الى العلم اللدني الحاصل بدون واسطة وإيذانا بان قوله ﷺ ما أنا بقارئ ما أحسن القراءة بواسطة التعليم بالقلم (فرجع بها) أى بالآيات (يرجف) بضم الجيم أى يخفق ويضطرب (فؤاده) أى قلبه وفي رواية بوادره بالموحدة

стр. 62

فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملونى زملونى فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسى فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق [مطلب في أخبار ﷺ لورقد بن نوفل عن ظهور جبريل له] فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب والمهملة والراء وهي اللحمة بين المنكب والعنق تضطرب عند الفزع (زملوني زملوني) أي غطونى ولفوني وتكرير ذلك دليل على شدة الروع (الروع) بالفتح الفزع (خشيت على نفسي) قيل خشي الجنون وان يكون من جنس الكهانة. قال الاسماعيلي وذلك قبل حصول العلم الضرورى له ان ذلك الذى جاءه ملك وانه من عند الله وقيل الموت من شدة الرعب وقيل المرض وقيل العجز عن حمل اعباء النبوة وقيل عدم الصبر على أذى قومه وقيل ان يقتلوه وقيل ان يكذبوه وقيل ان يعيروه (كلا) هو نفي وابعاد أو قسم (ما) ولمسلم لا (يخزيك الله أبدا) روي في الصحيحين بالمعجمة والتحتية من الخزى وهو الفضيحة والهوان وبالمهملة والنون من الحزن وفي أوله الفتح من حزن لغة قريش والضم من حزن لغة تميم وقرئ بهما معا في القرآن (لتصل الرحم) هو كل من جمعتك أنت وهو أم (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام من لا يستقل بأمره كما قال تعالى وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ وقيل الثقل وقيل ما يتكلف. قال النووى ويدخل في حمل الكل الانفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك (وتكسب المعدوم) بفتح التاء في الاشهر أى تكسب المال المعدوم وتصيب ما لا يصيب غيرك وكانوا يمدحون بكسب المال سيما قريش وكان النبي ﷺ محظوظا في التجارة وروي بضمها وعليه فالمعنى تكسب غيرك المال المعدوم أى تعطيه اياه تبرعا فحذف أحد المفعولين وقيل تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الاخلاق (وتقرى الضيف) بفتح أوله بلا همز (وتعين على نوائب الحق) قال السيوطي هي كلمة جامعة لافراد ما تقدم ولما لم يتقدم. وفي التفسير من طريق يونس عن الزهرى زيادة وتصدق الحديث وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه وتؤدى الامانة انتهى. والنوائب جمع نائبة وهي الحادثة (تنبيه) في الشفا ان الذى قاله له ورقة فان صح حمل على انه قال له أيضا (ورقة) بفتح الراء (ابن عم خديجة) بنصب ابن ويكتب بالالف وهو بدل من ورقة أو صفة أو بيان ولا يجوز جره لئلا يصير صفة لعبد العزي ولا كتبه بغير ألف لانه لم يقع بين علمين (تنصر) بالنون أى صار نصرانيا وحكى الزركشى ان فيه بالموحدة من التبصرة وهو ضعيف (وكان يكتب الكتاب العبراني) بكسر المهملة وسكون الموحدة ثم راء هي لغة اليهود ويقال فيها العبرى ولمسلم والبخاري في التفسير العربى (بالعبرانية) فيها أيضا بالعربية. قال النووى وابن حجر والجميع صحيح لانه كان يعلم العبرانى والعربي من الكتاب واللسان معا

стр. 63

وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة يابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يابن أخى ماذا ترى فاخبره رسول الله ﵌ خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذى أنزل الله على موسى يا ليتنى فيها جذعا يا ليتني أكون حيا اذ يخرجك قومك فقال رسول الله ﵌ أو مخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الاعودى (يابن عم) هو الصواب كما مر في نسبه ووقع في مسلم أي عم قال ابن حجر وهو وهم لانه وان صح ان تقوله توقيرا أي كما زعمه النووى لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فيتعين الحمل على الحقيقة قال وانما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي لانه من كلام الراوي في وصف ورقة واختلفت المخارج فامكن التعدد قال وهذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه. قال في الديباج وعندي انها قالت ابن عم على حذف حرف النداء فتصحف ابن باي (اسمع) بهمز وصل (من ابن أخيك) قالته اما توقيرا لسنه واما لان ورقة ووالده ﷺ في عدد النسب الى قصي بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواء فكان في درجة اخوته (هذا الناموس) أى جبريل فهو اسم من أسمائه كذا في الديباج ونزله منزلة القريب لقرب ذكره والناموس لغة صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر وقيل الناموس صاحب السر مطلقا المطلع على باطن الامر يقال نمست الرجل أي ساررته ونمست السر كتمته (أنزل الله) في رواية الكشميهنى في صحيح البخاري نزل الله وفي التفسير أنزل بالبناء للمفعول (على موسى) في رواية عند أبي نعيم في الدلائل قال السيوطى بسند حسن على عيسى. قال النووي وكلاهما صحيح قال ابن حجر فكانه قال عند إخبار خديجة له على عيسى وعند إخباره ﷺ على موسى (يا ليتنى فيها) أي في أيام النبوة ومدتها (جذعا) أي شابا قويا حتى أقوى على نصرتك وأتمكن منها وهو بفتح الجيم والمعجمة الصغير من البهائم ثم استعير للشاب وهو نصب على الحال قاله السهيلي ورجحه عياض والنووي أو على انه خبر كان المقدرة قال الخطابى أو بتقدير جعلت قاله ابن بري أو على ان ليت تنصب الاسم والخبر وفي رواية الاصيلي في البخارى وابن ماهان في مسلم بالرفع خبر ليت وقال ابن بري المشهور عند أهل اللغة والحديث جذع بسكون العين وهو رجز مشهور عندهم يتمثلون به يقولون يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع (أو مخرجي هم) بهمزة الاستفهام وواو العطف مفتوحة ومخرجى بتشديد الياء جمع مخرج قلبت واو الجمع ياء وأدغمت في ياء الاضافة وهو خبر مقدم وهم مبتدأ مؤخر قال في التوشيح نقلا عن ابن مالك ولا يجوز العكس لئلا يلزم الاخبار بالمعرفة عن النكرة لان اضافة مخرجى غير محضة قال ويجوز كون هم فاعلا سد مسد الخبر ومخرجى مبتدأ على لغة أكلونى البراغيث قال ولو روي بتخفيف الياء على انه مفرد لجاز وجعل مبتدا وما بعده فاعل سد مسدا الخبر انتهي. ولابن هشام ان ورقة قال لرسول الله ﷺ ليكذبنك فلم يقل شيئا ثم قال وليؤذنك فلم يقل شيئا ثم قال وليخرجنك قال أو مخرجي هم قال ففي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس وأيضا فانه حرم الله وجوار بيته فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج بخلاف ما قبل

стр. 64

وان يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحى وذكره البخارى في موضع آخر وزاد في السورة الى قوله تعالى عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ وزاد في آخره قال وفتر الوحى فترة حتي حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا يتردى من رؤس شواهق الجبال فكلما أو في بذروة لكى يلقى نفسه منها تبدا له جبريل فقال يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فاذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك فاذا أوفي بذروة جبل تبداله جبريل فقال له مثل ذلك. ونقل القاضى مجد الدين في كتابه سفر السعادة أن جبريل أخرج له قطعة نمط من حرير مرصعة بالجواهر ووضعها في يده وقال اقرأ قال والله ما أنا بقاريء ولا أرى في هذه الرسالة كتابة قال فضمنى إليه وغطنى وذكر الحديث الى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ ثم قال انزل عن الجبل فنزلت معه الى قرار الارض فأجلسنى على درنوك وعلىّ ثوبان أخضران [مطلب في تعليم جبريل له ﵊ الوضوء والصلاة] ثم ضرب برجله الارض فنبعت عين ماء فتوضأ جبريل منها وتمضمض واستنشق وغسل كل عضو ثلاثا وأمر النبى ﵌ أن يفعل ذلك فقال أو مخرجي هم والموضع الدال على تحرك النفس ادخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الاخراج بالسؤال عنه وذلك ان الواو ترد الى الكلام المتقدم وتشعر المخاطب بان الاستفهام على جهة الانكار والتفجع لكلامه والتألم منه (وان) شرطية (يدركنى) مجزوم به (يومك) أي وقت خروجك زاد البخاري في التفسير حين ولابن اسحاق وان أدركت ذلك اليوم (انصرك) مجزوم بالجزاء (مؤزرا) بهمزة قد تسهل أي بالغا قويا من الازر وهو الشدة والقوة وأنكر الفراء أن يكون في اللغة مؤزرا من الازر وانما هو موزر من وازره أي عاونه. وقال السيوطي نقلا عن أبي شامة يحتمل أن يكون ذلك من الازار أشار بذلك الى تشميره في نصرته (ينشب) بفتح المعجمة أي يلبث وأصل النشوب التعلق فكانه لم يتعلق بشيء غير ما ذكر (وفتر الوحي) كانت مدة فترته ثلاث سنين كما نقله أحمد بن حنبل في تاريخه عن الشعبي وبه جزم ابن اسحاق. قال في الديباج وورد عن ابن عباس ان مدتها كانت أياما وعن الشعبي كانت سنتين ونصفا وبه حزم السهيلي انتهي ولا ينافيه ما مر اذ لعل ذلك على عادة العرب من تسمية البعض باسم الكل (بذروة) بكسر الذال وضمها ويجوز الفتح كما سبق نظيره وهى أعلاه (تبدا) بلا همز أى ظهر وهو بمعنى بدا (جأشه) بجيم فهمزة ساكنة فمعجمة أى قلبه (وتقر) بكسر القاف وفتحها (نفسه) بسكون الفاء (سفر السعادة) بكسر المهملة وسكون الفاء اسم الكتاب (نمط) بفتح النون والميم ثم مهملة والنمط نوع من البسط ولا يستعمل في غيره الا مقيدا (مرصعة) بالنصب صفة لقطعة والترصيع بالمهملة التحلية (على درنوك) بضم المهملة والنون بينهما راء ساكنة هو بساط ذو خمل يشبه الفروة

стр. 65

مثله فلما تم وضوؤه أخذ جبريل كفا من ماء فرش به فرجه ثم قام فصلى ركعتين والنبي ﵌ مقتدبه ثم قال الصلاة هكذا فجاء النبى ﷺ الى مكة وقص ذلك على خديجة وعلمها الوضوء والصلاة (قال المؤلف غفر الله زلته) وأقال عثرته وفي سيرة ابن اسحاق أن تعليم الوضوء والصلاة كان في مرة أخرى وقد التقيا بأعلا مكة وفيها ما يدل على أن فرض الصلوات الخمس كان يومئذ وليس كذلك فان فرضها انما كان ليلة الاسراء وكان الواجب أولا قيام بعض الليل كما في صدر سورة المزمل ثم نسخ بآخرها فاقرؤا ما تيسر منه ثم نسخ الجميع بفرض الخمس ليلة الاسراء ذكره النووى ﵀ في فتاويه [فصل: في صفة جبريل ﵇ وانه سفير الانبياء وعدد نزوله على النبى صلي الله عليه وسلم وبيان كيفيات الوحي] (فصل) واعلم أن جبريل ﵇ ملك عظيم ورسول كريم مقرب عند الله أمين على وحيه وهو سفيره الى أنبيائه كلهم ورسوله باهلاك من طغى من أممهم ووصفه الله تعالى في القرآن العظيم بالقوة والامانة وقرب المنزلة عنده وعظم المكانة وأخبر بطاعة الملائكة له في (فرش به فرجه) أي الجهة التى فيها الفرج من الآدميين ويحتمل ان يخلق الله له فرجا عند تصوره في صورة الآدميين تتميما للخلقة ثم اذا أعاده الى صورته التى جبل عليها زال عنه ذلك فلا يستدل به على وجود فرج لجبريل ولا لغيره من الملائكة مع قيامهم في صورهم الجبلية وانما فعل ذلك ليعلم النبى ﷺ . ففي سنن ابن ماجه من حديث زيد بن حارثة علمني جبريل الوضوء وأمرنى ان أنضح تحت ثوبي مما يخرج من البول وفيه ندب فعل ذلك للمتوضيء (ثم قام فصلي ركعتين) قد يؤخذ منه ندب سنة الوضوء وعددها (وكان الواجب) بالرفع اسم كان (قيام) بالنصب خبرها ويجوز عكسه (فصل واعلم ان جبريل) بكسر الجيم بوزن زنبيل وفتحها بوزن مهليل وبالهمز فيهما مع المد واثبات الياء وحذفها وجبرال بالكسر والفتح أيضا وجبرايل بالتحتية معهما وجبرال بتشديد اللام وجبراييل بألف وتحتيتين وجبراين بالنون قيل ان جبروميك واسراف معناها العبد بالسريانية وال وايل اسمان لله تعالى ورده أبو علي الفارسي بان ايل وال لا يعرفان من أسماء الله وانه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية ولكان آخره مجرورا أبدا كعبد الله. قال النووي وهذا هو الصواب انتهى. قال في الديباج ورد في أثر ان تفسير جبريل عبد الله وميكائيل عبد الله واسرافيل عبد الرحمن وذكر الجزولي من المالكية ان اسرافيل سمى بذلك لكثرة أجنحته وميكائيل لكونه وكل بالمطر والنبات يكيله ويزنه. وذكر المجد في الصلاة والبشر ان جبريل يكني أبا الفتوح واسرافيل أبا الغنائم (وهو سفيره) بالسين المهملة والفاء بوزن عظيم هو الرسول (من طغي) أي جاوز الحد بالكفر (ووصفه الله تعالى في القرآن العظيم بالقوة والامانة الى آخره) أى على القول بأنه المراد في قوله تعالى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وهو ما قاله أكثر المفسرين وقال على بن موسى وغيره انه محمد ﷺ فجميع الاوصاف بعد هذا له وعليه يبطل استدلال الزمخشرى بالآية على تفضيل جبريل على نبينا ﷺ بل وعلى الاول فان الثناء على

стр. 66

السماء وانه يؤيد به عباده الانبياء وسماه روح القدس والروح الامين واختصه لوحيه من بين الملائكة المقربين وحكى في قوله تعالى في حق النبى ﵌ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ان النبي ﵌ قال لجبريل هل أصابك من هذه الرحمة شيء قال نعم كنت أخشى العاقبة فامنت لثناء الله علىّ بقوله ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ووصفه الله بالقدس لانه لم يقترف ذنبا وسماه روحا للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو مسبب حياة القلوب* وأما عدد نزوله على النبى ﵌ فرأيت في بعض التواريخ أنه نزل عليه ستا وعشرين ألف مرة ولم يبلغ أحد من الانبياء هذا العدد وأما صفة مجيئه الى النبي ﵌ فثبت في صحيح البخارى عن عائشة ان الحرث بن هشام سأل رسول الله ﵌ فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله ﵌ أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس شخص لا يلزم منه تفضيله على من سواه (وسماه روح القدس) في قوله تعالى إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ على القول بأن الروح جبريل وقوله تعالى قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ والقدس بضم القاف وفي الدال الضم والسكون الطهارة سمي جبريل بذلك لانه لم يقارف ذنبا (وحكي في قوله تعالى في حق النبى ﵌ الى آخره) ذكره عياض في الشفا بهذه الصيغة (كنت أخشى العاقبة) قبل بعثتك فلما بعثت أثنى الله علي في الكتاب المنزل عليك بقوله ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (فامنت) العاقبة (لثناء الله على) الذى كنت السبب في معرفتي اياه فكنت رحمة لي من هذه الحيثية كسائر العالمين (نزل عليه ستا وعشرين ألف مرة) الذى ذكره ابن عادل أربعا وعشرين ألفا (ولم يبلغ أحد من الانبياء هذا العدد) بل كان نزوله على آدم اثنتي عشرة مرة وعلى ادريس أربع مرات وعلى ابراهيم اثنين وأربعين مرة وعلى نوح خمسين مرة وعلى موسى أربعمائة مرة وعلى عيسى عشر مرات ذكر ذلك ابن عادل أيضا (فثبت في صحيح البخارى) وصحيح مسلم وغيرهما ان الحرث بن هشام هو شقيق أبي جهل أسلم يوم الفتح وحسن اسلامه واستشهد يوم اليرموك أيام عمر في رجب سنة خمس عشرة وقيل في طاعون عمواس سنة سبع عشرة أو خمس عشرة قولان وظاهر ذلك ان الحديث في مسند عائشة وعليه اعتمد أصحاب الاطراف فكانها حضرت القصة ويحتمل كما قال السيوطي وغيره ان يكون الحرث أخبرها بذلك ويكون مرسل صحابي وحكمه الوصل ويؤيده ان في مسند أحمد وغيره من طريق عامر بن صالح الزبيرى عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحرث ابن هشام قالت سألت ولكن عامر بن صالح ضعيف اعتضد بمتابعه عند ابن منده (صلصلة) بفتح المهملتين وهي في الاصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ثم أطلق على كل صوت له طنين وقيل هو صوت متدارك لا يفهم في أوّل وهلة. قال النووى قال العلماء والحكمة في ذلك ان يتفرغ سمعه ولا يبقى فيه ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك انتهى وقيل انما كان يأتيه كذلك اذا نزلت آية وعيد أو تشديد والصلصلة المذكورة هي صوت الملك بالوحي وقيل صوت خفق أجنحته (الجرس) بفتح الجيم والراء آخره مهملة

стр. 67

وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا أى يسيل وورد في الصحيح أيضا انه كان يأتي النبي ﵌ بين أصحابه فيكلمه في صورة سائل مستفت على صورة دحية بن خليفة وأصله من الجرس بفتح الجيم وسكون الراء وهو الصوت الخفي ويقال بكسر أوله (وهو أشده على) قال السيوطي سبب هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى والدرجات (فيفصم عني) بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة من فصم أى يقلع وينجلي ما يغشاني والفصم هو القطع بلا ابانة وأما القصم بالقاف فقطع مع ابانة وانفصال ومعنى الحديث ان الملك يفارقه على ان يعود ولا يفارقه مفارقة قاطع لا يعود ويروى بضم أوله من افصم ويروى بالبناء للمفعول (وعيت) بفتح المهملة أى فهمت وحفظت ويقال في المال والمتاع أوعيت (يتمثل) أى يتصور بتصوير الله (الملك) اللام فيه للعهد أى جبريل كما صرح به في رواية عبيد بن سعيد (رجلا) أي مثل رجل فنصبه على المصدر وقيل تمييز وقيل حال على تأويله بمشتق أي مرئيأ محسوسا قال المتكلمون الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا أي باذن الله وقال عبد الملك إمام الحرمين معنى تمثل جبريل ان الله تعالى أفنى الزائد من خلقه وأزاله عنه ثم يعيده اليه وجزم ابن عبد السلام بالازالة دون الفناء وقال البلقيني يجوز ان يكون أتى بشكله الاصلي من غير فناء ولا ازالة الا انه انضم فصار على قدر هيئة الرجل واذا ترك ذلك عاد الى هيئته ومثال ذلك القطن اذا جمع بعد أن كان منتفشا فانه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير وهذا على سبيل التقريب. قال السيوطى والحق ان تمثل الملك رجلا ليس معناه ان ذاته انقلبت رجلا بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه والظاهر أيضا ان القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائى فقط (فيكلمنى) بالكاف وصحفه البيهقى بالعين (فاعي ما يقول) عبر فى الشق الاول بلفظ الماضى وهنا بلفظ المستقبل قال السيوطى لان الوعى حصل في الاول قبل الفصم وفي الثاني عقب المكالمة وكان هذا أهون عليه كما أخرجه أبو عوانة في صحيحه وروي ابن سعد من طريق ابن سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبي ﷺ كان يقول كان الوحي يأتينى على نحوين يأتينى به جبريل فيلقيه على كما يلقى الرجل على الرجل فذاك ينفلت منى ويأتينى في مثل صلصلة الجرس حتى يخالط قلبى فذاك الذي لا ينفلت منى (الشديد البرد) بالاضافة غير المحضة (ليتفصد) بالفاء وتشديد المهملة من الفصد وهو قطع العرق لاسألة الدم وصحف من رواها بالقاف. قال العسكري ان ثبت فهو من قولهم تقصد الشيء اذا تكسر وتقطع ولا يخفي بعده (عرقا) بالنصب على التمييز (أي يسيل) سيلان العرق المفصود من كثرة العرق (وورد في) الحديث (الصحيح) في الصحيحين وغيرهما (دحية) بكسر الدال وفتحها وسكون الحاء المهملتين ثم تحتية مخففة هو (ابن خليفة) بالمعجمة والفاء بوزن عظيمة ابن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن عامر

стр. 68

الكلبى أو غيره وكان دحية رجلا جميلا ولم يره النبي ﵌ على صورته التي جبل عليها وهى ستمائة جناح الامرتين مرة في الارض في الافق الاعلى وهى ناحية المشرق من حراء ومرة في السماء عند سدرة المنتهي على ما تضمنته سورة النجم* ولم يره أحد من الانبياء ﵈ على تلك الصورة الا محمد ﵌ ومرة كان يأتيه الوحي ﵌ مناما ومرة ينفث في (الكلبي) بالجر منسوب الى كلب بن وبرة الخزج بفتح المعجمة وسكون الزاى ثم جيم شهد دحية أحدا وما بعدها أخرج ابن سعد عن الشعبي مرسلا دحية الكلبي يشبه جبريل وعروة بن مسعود الثقفى يشبه عيسى بن مريم وعبد العزى يشبه الدجال ويشهد لذلك حديث البخاري وغيره (التى جبل) أي خلق والجبلة الخلقة (وهى ستمائة جناح) قال السهيلي قال العلماء في أجنحة الملائكة انها ليست كما يتوهم مثل أجنحة الطير وانما هي صفة ملكية وقوة ربانية لا تفهم الا بالمعاينة واحتجوا بقوله تعالى أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فكيف تكون كاجنحة الطير ولا يري طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة فكيف ستمائة جناح فدل على انها صفة لا تنضبط كيفيتها بالفكر انتهي وسيأتي في ذلك مزيد كلام في ذكر جعفر ذي الجناحين (مرة في الارض في الافق الاعلى) أى الناحية العليا (وهى ناحية المشرق من حراء) قال البغوى في معالم التنزيل وذلك ان جبريل كان يأتي النبي ﷺ في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين فسأله رسول الله ﷺ أن يريه نفسه على صورته التى جبل عليها فاراه نفسه مرتين مرة في الافق الاعلى ومرة في السماء فاما التى في الارض ففى الافق الاعلى والمراد بالاعلى جانب المشرق وذلك ان النبي ﷺ كان بحراء وطلع له جبريل من المشرق فسد الافق الى المغرب فخر رسول الله ﷺ مغشيا عليه فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه الى نفسه وجعل يمسح التراب عن وجهه (عند سدرة المنتهى) سيأتي الكلام على محلها وعلى سبب تسميتها بذلك. قال الشمني ان قيل لما اختيرت سدرة المنتهى لهذا الامر دون غيرها من الاشجار. أجيب بان شجرة السدر تختص بالظل المديد والطعم اللذيذ والرائحة الطيبة (ولم يره أحد من الأنبياء الى آخره) أي لعدم اطاقتهم رؤيته في تلك الصورة (ومرة كان يأتيه الوحي مناما) ولم يذكره في حديث الحرث بن هشام. قال النووى لان مقصود السائل ما يختص به النبي ﷺ ويخفى فلا يعرف الا من جهته وأما الرؤيا فمشتركة معروفة انتهى ثم هل أنزل عليه شيء من القرآن في المنام أم لا قال الرافعى في أماليه الاشبه لا وأما الحديث المشهور في سورة الكوثر انه اغفى اغفاءة فقال الاولي أن تفسر الاغفاءة بالحالة التى كانت تعتريه عند الوحي ويقال لها برحاء الوحى فانه كان يؤخذ عن الدنيا (ومرة ينفث) بالفاء والمثلثة مبني للمفعول والنفث تفل خفيف لا ريق معه فعبر به عن الالقاء اللطيف والنافث جبريل كما في الحديث ان روح القدس نفث في روعى ان نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي امامة (فى

стр. 69

روعه الكلام نفثا وأخرى يكلمه ربه من وراء حجاب إما في اليقظة وإما في النوم. وقد قدمنا أن اسرافيل وكل به قبل جبرائيل مدة (عدنا الى ما نحن بصدده) [مطلب في تاريخ رسالته الى الخلق على ما حكاه أهل التاريح والدعوة اليها سرا] قال أهل التواريخ والسير جاء جبريل النبى ﵌ ليلة السبت ثم ليلة الاحد وخاطبه بالرسالة يوم الاثنين لثمان أو لعشر خلون من ربيع الاول بعد بنيان قريش الكعبة لخمس سنين وبعد قتل كسرى النعمان بن المنذر بسبعة أشهر وقيل كان ذلك في رمضان ولم يذكر ابن اسحق غيره. وذلك لستة آلاف سنة ومائة سنة وثلاث وعشرين سنة من هبوط آدم ذكره المسعودى قال وذكر مثل هذا عن بعض حكماء العرب في صدر الاسلام ممن قرأ في الكتب السالفة على حسب ما استخرج من غار الكنز وفي ذلك يقول في أرجوزة له طويلة فى رأس عشرين من السنينا ... الى ثلاث حصلت يقينا والمائة المعدودة التمام ... الى ألوف سدست نظام أرسله الله لنا رسولا ... فنسخ التوراة والانجيلا ولما بعث ﵌ أخفى أمره وجعل يدعو أهل مكة ومن أتاه اليها سرا فاتبعه أناس من عامتهم ضعفاء من الرجال والنساء والموالى وهم أتباع الرسل كما في حديث روعه) بضم الراء وبمهملة والروع القلب واما بفتح الراء فالفزع (نفثا) مصدر أكد به لدفع توهم ان الالقاء اللطيف يشتبه بحديث النفس (من وراء حجاب) أي وهولا يراه (فائدة) مما ينبغي التنبيه عليه ما ذكره عياض في الشفا وغيره ان الحجاب في حق المخلوق أما الخالق فمنزه عنه اذ الحجاب انما يحجبه بمقدار محسوس ولكن حجبه على ابصار خلقه وبصائرهم وادراكاتهم بما شاء ومتي شاء (بصدده) هو من صد للامر يصد صدا وصددا اذا تعرض له (ليلة السبت) كان يسمى في الجاهلية شيار و (الاحد) أول و (الاثنين) أهون وهو بوصل الهمزة على بابه. وقال بعضهم الاولي فصلها ليكون فرقا بين اليوم والعدد. والثلاثاء جبار والاربعاء دبار والخميس مؤنس والجمعة عروبة والصحيح ان ترتيب أيام الاسبوع كما ذكرنا ويؤيده قوله ﷺ خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الاحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر الى الليل أخرجه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة وما ذكره المصنف من مجئ جبريل بالرسالة يوم الاثنين مر أوّل الباب بما فيه (لعشر خلون من ربيع الاول) كان مجيء جبريل اليه حينئذ مناما لا يقظة فلا ينافى ما ذكره ابن اسحاق وغيره ان ذلك كان في رمضان (وذلك لستة آلاف الى آخر ما ذكره عن المسعودى) أصح منه ما نقله هشام الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس انه ستة آلاف ومائة واحدى وستون سنة فمن آدم الي نوح ألفان ومائتا سنة ومنه الى ابراهيم ألف ومائة وثلاث وأربعون سنة ومنه الى موسى

стр. 70

أبي سفيان مع هر قل فلقوا من المشركين في ذات الله أنواع البلاء فما ارتد أحد منهم عن دينه ولا التوى [الكلام على حديث ان هذا الدين بدأ غريبا وسيعود كما بدأ] (قال المؤلف غفر الله له) والى هذا الحال والله أعلم الاشارة بقوله ﵌ إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء فاما غربته خمسمائة وخمس وسبعون سنة ومنه الى داود خمسمائة وتسعون سنة ومنه الى عيسى ألف وثلاث وخمسون سنة ومنه الى محمد ﷺ وعليهم أجمعين ستمائة سنة والله أعلم (أبى سفيان) هو صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يكنى أبا حنظلة بابن له قتل يوم بدر كافرا وأسلم أبو سفيان عام الفتح كما سيأتي وشهد حنينا وفقئت عينه يوم الطائف فلم يزل أعور حتي فقئت عينه الاخرى يوم اليرموك أصلها حجر فشدخها فعمى ومات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان وهو ابن ثمانين أو بضع وتسعين سنة ذكر ذلك ابن عبد البر وابن مندة وأبو نعيم (هرقل) بكسر ففتح فسكون القاف كدمشق وقيل بسكون الراء وكسر القاف كخروع (فلقوا) بضم القاف (في ذات الله) أى في الله والذات يكنى بها عن نفس الشيء وحقيقته ويطلق على الخلق والصفة وأصلها اسم الاشارة للمؤنث فمن ثم وقع خلاف للاصوليين في جواز اطلاقها على الله والاصح الجواز وقد استعملها خبيب ﵁ في شعر مشهور فقال وذلك في ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع (أنواع) بالنصب مفعول لقوا (ولا التوي) أي ولا انثنى ولا رجع (ان هذا الدين الي آخره) أخرجه مسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس وأخرجه الطبراني من حديث عثمان وسهل بن سعد وابن عباس (بدأ) بالهمزة من الابتداء (غريبا) أي في آحاد من الناس وقلة ثم انتشر وظهر ولا حمد عن رجل ان الاسلام بدأ جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سدسا ثم بازلا (وسيعود غريبا كما بدأ) أى وسينتقص ويختل حتي لا يبقي الا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ (فطوبي) هي فعلي بالضم من الطيب قيل معناه فرح وقرة عين وسرور لهم وغبطة وقيل دوام الخير وقيل الجنة وعن ابن عباس انه اسم الجنة بالحبشية وقال الربيع بستان بلغة الهند وقيل انها شجرة في الجنة تظل الجنان كلها أصلها في دار النبي ﷺ وفي كل دار منها وغرفة غصن لم يخلق الله لونا ولا زهرة الا وفيها منها الا السوداء ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة الا وفيها منها. وأخرج أحمد وابن حبان من حديث أبى سعيد طوبي شجرة في الجنة مسيرة خمسمائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من اكمامها وأخرج ابن جرير من حديث قرة بن اياس طوبي شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت بالحلى والحلل وان أغصانها لترى من وراء سور الجنة وأخرجه ابن مردويه من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا من حديث ابن عمر وزاد فيه يقع عليها الطير كامثال البخت ولاحمد والبخارى والترمذى من حديث أنس ان في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها. وأخرجه الشيخان من حديث سهل بن سعد وأخرجه احمد والشيخان والترمذى من حديث أبي سعيد وأخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة (للغرباء) فسروه في الحديث بالنزاع من القبائل قاله النووى وقال الهروى أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا

стр. 71

الاولى فقد انتعشت على يدي المصطفى وأصحابه النجباء الاتقياء الذين قواه بهم المولى ووصفهم في التوراة بأنهم أشداء على الكفار فيما بينهم رحماء وفي الانجيل كزرع على سوقه استوى وما أحسن قول شرف الدين محمد بن سعيد الابوصيرى ﵀ حتى غدت ملة الاسلام وهى بهم ... من بعد غربتها موصولة الرحم مكفولة أبدا منهم بخير أب ... وخير بعل فلم تيتم ولم تئم أوطانهم الي الله (قلت) وأحسن ما يفسر به الغرباء ما أخرجه احمد من حديث عبد الله بن عمرو طوبي للغرباء أناس صالحين في أناس سوء كثير من يبغضهم أكثر ممن يطيعهم وهو قريب المعنى مما أخرجه ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر في الاستيعاب من حديث عبد الرحمن بن سنة بفتح المهملة وتشديد النون قالوا يا رسول الله ما الغرباء قال الذين يصلحون اذا فسد الناس (انتعشت) أي ارتفعت وقامت (وأصحابه النجباء) جمع نجيب وهو الفاضل الكريم وهو بهذا الاعتبار وصف لجميع أصحاب رسول الله ﷺ وهو الذى أراده المصنف (فائدة) قد عرف بهذا الاسم مضافا الى رسول الله ﷺ أربعة عشر صحابيا وهم أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر والحسن والحسين والمقداد بن عمرو وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي وبلال بن رباح كما في الشفا وغيره من حديث علي لكن ليس فيه الا تسمية أبي بكر وعمر وابن مسعود وعمار وذكر أسماء بقيتهم في الكوكب الدرى وقد نظمتهم فقلت عتيق وفاروق علي وجعفر ... وحمزة والسلطان مقداد الكندى حذيفة سلمان بلال وجندب ... وعمار الموعود من فاز بالوعد كذاك ابن مسعود فهم ضعف سبعة ... كما عن علي القدر ذي الفضل والمجد فهم نجباء المصطفى ذي الفضائل ال ... عديدة والاحسان والشرف العد (الاتقياء) جمع تقى وهو ممتثل الاوامر مجتنب النواهي ما استطاع أو هو من لا يرى نفسه خيرا من أحد أو هو من يرى كل أحد خيرا منه أو هو من خزن لسانه عن التمضمض باعراض الخلق أو هو تارك مالا بأس به حذرا مما به بأس أقوال كلها جديرة بالتصحيح (على سوقه) أي أصوله (استوى) أى تم وتلاحق نباته (وما أحسن قول) بالنصب على التعجب (محمد بن سعيد) بن حماد بن محسن بن عبد الله بن صنهاج بكسر المهملة وسكون النون آخره جيم ابن هلال الامام العارف الهمام المتفنن المتقن المحقق البليغ الاديب المدقق إمام الشعراء وأشعر العلماء بليغ الفصحاء وأفصح البلغاء ناظم البردة كان أحد أبويه من بوصير الصعيد والآخر من دلاص فركبت النسبة منهما فقيل الدلاصيري ثم اشتهر بالبوصيرى ويقال (الا بوصيري) بفتح الهمزة وضم الموحدة قيل ولعلها بلد أبيه فغلبت عليه ولد سنة ثمان وستمائة وأخذ عنه العلم الامام أبو حيان وابن سيد الناس والعز بن جماعة وغيرهم وتوفى سنة ست أو سبع وتسعين وستمائة على ما قاله المقريزي لكن صوب الحافظ ابن حجر العسقلاني انه سنة أربع وتسعين (وخير بعل) بالموحدة والمهملة أي. زوج (فلم تيتم) أي لم تكن يتيمة وهي التي لا أب لها (ولم تئم) أي لم تصر ايما وهي المرأة التي لا زوج لها أو

стр. 72

والبلاء كل البلاء عند غربته الاخرى حيث لا تتناهى ولا ينتهى الأمر منها الى مدى ولا يزال في انتكاس مرة بعد أخرى الى انقضاء الدنيا والله المستعان فلا حول ولا قوة الا بالله حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم إنا نعوذ بك من الفتن وأن يدركنا البلاء والمحن ونسألك باسمك العظيم ونور وجهك الكريم ان تميتنا على ملة نبينا غير مبدلين ولا محرفين ولا فاتنين ولا مفتونين آمين آمين. [مطلب في ذكر أول من آمن به صلي الله عليه وسلم] وممن أسلم اولا خديجة ثم علي ثم زيد بن حارثة ثم ابو بكر والمشهور التي مات عنها زوجها قولان (في انتكاس) افتعال من النكوس والانتكاس ان يخر الشخص على رأسه وان يسقط فيستقل سقطته حتى يسقط أخرى (لا حول ولا قوة الا بالله) أي لا حول عن معصية الله الا بعصمته وحفظه ولا قوة على طاعته الا بتوفيقه ومعونته والحول القوة وقيل الحركة وقد تبدل واوه ياء (وحسبنا) أي يكفينا (ونعم) فعل وضع للمدح كبئس للذم وفيه أربع لغات نعم بوزن حقب ونعم بوزن كبد ونعم بوزن رجل ونعم بوزن حمل (الوكيل) أي المعين والكفيل أو الحفيظ أو الموكول اليه كل أمر أو المفوض اليه أقوال (نعوذ بك) أى نعتصم ونمتنع من الفتن أي مضلاتها (باسمك العظيم) هو الله كما عليه أكثر العلماء فمن ثم كان اسما للذات دون غيره من سائر الاسماء الحسنى وانما لم يستحب بعض الدعاء به لعدم استجماعه شروطه (ونور وجهك الكريم) الوجه صفة من صفاته تعالى عن التجسيم ويعبر به عن ذاته (وممن أسلم أولا خديجة) أي لمامر أولا في ابتداء الوحي من رجوعه ﷺ اليها وقوله لها زملونى وأوّل امرأة أسلمت بعدها أم الفضل لبابة بنت الحارث زوج العباس أو فاطمة بنت عمر بن الخطاب أخت عمر (ثم علي) ابن أبي طالب بن عبد المطلب أي لانه كان كثير الملازمة لرسول الله ﷺ قبل النبوة وسبب ذلك ما ذكره ابن عبد البر وغيره ان قريشا أصابتهم أزمة شديدة أى جوع وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه وكان من أيسر بنى هاشم يا عباس ان أخاك أبا طالب كثير العيال فانطلق بنا فنخفف عنه من عياله فقال نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له انا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى يكشف الله عن الناس ما هم فيه فقال لهم أبو طالب اذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمه اليه وأخذ العباس جعفرا فضمه اليه فلم يزل علي مع رسول الله ﷺ حتى ابتعثه الله نبيا وحتى زوجه ابنته فاطمة (ثم زيد بن حارثة) بن شراحيل بن كعب بن عبد العزي ابن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمر ابن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان هكذا نسبه ابن الكلبي وغيره وسيأتى الكلام على كيفية دخوله في ملك النبي ﷺ في محله ان شاء الله تعالى (فوائد) الاولى أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب عن الليث بن سعد قال بلغنى ان زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف فاشترط عليه المكرى أن ينزله حيث شاء قال فمال به الى خربة فقال له انزل فنزل فاذا في الخربة قتلى كثيرة

стр. 73

أن ترتيب اسلامهم كما ذكرناه قيل وطريق الجمع بين الروايات الاولية أن يقال اول من اسلم من النساء خديجة ومن الصبيان علي ﵇ ومن الرجال البالغين ابو بكر ومن الموالى زيد ابن حارثة وقد تنوزع في إسلام علي ﵁ فقال قوم لم يشرك قط فيستأنف الاسلام قال فلما أراد أن يقتله قال له دعني أصلى ركعتين قال صل فقد صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيأ قال فلما صليت أتانى ليقتلني فقلت يا أرحم الراحمين قال فسمع صوتا لا تقتله قال فهاب ذلك فخرج يطلب فلم ير شيأ فرجع الي فناديت يا أرحم الراحمين ففعل ذلك ثلاثا فاذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسه شعلة من نار فطعنه بها فأنفذه من ظهره فوقع ميتا ثم قال لي لما دعوت المرة الاولى يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك وفي ذلك منقبة ظاهرة لزيد بن حارثة وقيل دليل لاثبات كرامات الاولياء الذي أجمع علماء أهل السنة عليه (الثانية) ضابط الكرامة انها أمر خارق للعادة غير مقارن لدعوى النبوة على يد من عرفت ديانته واشتهرت ولايته باتباع نبيه ﷺ في جميع ما جاء به والا كانت استدراجا أو سحرا أو اذلالا كما وقع لمسيلمة الكذاب تفل في بئر قوم سألوه تبركا فملح ماؤها ومسح رأس صبي فقرع قرعا فاحشا ودعا لرجل في ابنين له بالبركة فرجع الى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فانتصبت عيناه وجاءه أعور ليدعو له فدعاله فعميت الصحيحة أيضا ذكر ذلك السهيلي وغيره وسمى ذلك اهانة وربما ظهر الخارق على يد عاص تخليصا له من نفسه ويسمى معونة (الثالثة) قال العلماء ضابط الولي انه المداوم على فعل الطاعات واجتناب المعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات ويظهر ان هذا ضابط الولي الكامل اما أصل الولاية فتحصل لمن وجدت فيه صفة العدالة الباطنة لاجتماع الشروط المذكورة عند الفقهاء (تنبيه) قال الحافظ زين الدين العراقي ينبغي أن يقال أوّل من أسلم من الرجال ورقة بن نوفل لما في الصحيحين من حديث عائشة في قصة بدء الوحي بان فيه أن الوحي تتابع في حياة ورقة وانه آمن به. وقد ذكر ابن مندة ورقة في الصحابة انتهى ولما نقل الذهبي كلام ابن مندة قال والاظهر انه مات قبل الرسالة وبعد النبوة انتهى (قلت) يكفى ذلك في عده في الصحابة كما هو ظاهر كلامهم حيث عدوا من لقى النبي ﷺ ولو مرة مؤمنا ومات على ذلك صحابيا وقد علم مما مر ايمان ورقة وتمنيه نصرة رسول الله ﷺ (الاولية) بفتح الهمزة والواو المشددة وكسر اللام وتشديد التحتية (ومن الصبيان علي) كانت سنه يوم أسلم اثنتي عشرة سنة قاله ابن الزارع في مواليد أهل البيت وهذا مبني على ما صوبه ان مدة عمره خمس وستون سنة أما على الصحيح وهو ثلاث وستون فيكون سنه يوم أسلم عشر سنين وقد قيل ان سنه يومئذ كانت ثمان سنين وقيل أربع عشرة وشذ من قال خمس عشرة أو ست عشرة (وقد تنوزع) أى اختلف (فيستأنف الاسلام)

стр. 74

وقال قوم بخلاف ذلك وقد ذكرنا كيفية إسلامه والخلاف فيه مستوفى في كتابنا الرياض المستطابه في جملة من روى في الصحيحين من الصحابه. ولما أسلم أبو بكر جعل يدعو الناس الى الاسلام وكان رجلا مألوفا بخلقه ومعروفه فمن قبل منه جاء به الى النبى ﷺ فاسلم على يديه. وممن أسلم بدعائه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وطلحة بن عبيد الله. وفي السنة الرابعة نزل قوله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فامتثل ﷺ ما أمر به وأظهر دعوة الحق وكفاه الله المستهزئين كما وعده وهم خمسة نفر الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي وأبو زمعة الاسود بن المطلب والاسود بن عبد يغوث والحارث بن قيس بن عيطلة قيل وكان بفتح الفاء جواب لم (وقال قوم بخلاف ذلك) أي بخلاف قول من قال انه لم يكن مشركا بحكم التبعية وان لم تعلم له عبادة غير الله وعليه فالجواب عن استشكال صحة اسلامه مع صباه ان أحكام الصحبة انما أنيطت بالبلوغ بعد الهجرة عام الخندق وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز (ومن الرجال البالغين أبو بكر) كان سنه اذ ذاك سبعا وثلاثين سنة واشهرا كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الله قاله الزبير بن بكار (مألوفا لخلقه) أي لحسنها قال عياض الخلق مخالقة الناس باليمين والبشر والتودد لهم والاشفاق عليهم واحتمالهم والحلم عنهم والصبر عليهم في المكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة وقال الحسن بن أبي الحسن كيسان حسن الخلق بذل المعروف وترك الاذى وطلاقة الوجه واختلف السلف فيه هل هو غريزة أو مكتسب كما سيذكره المصنف (عثمان بن عفان) ابن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف (والزبير بن العوام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي (وعبد الرحمن بن عوف) بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب (وسعد بن أبى وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة (وطلحة بن عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة وفي السنة الرابعة (فاصدع بما تؤمر) أصل الصدع الفصل والفرق ومعناه هنا أظهر قاله ابن عباس ويروي عنه امضه أو العن قاله الضحاك أو افرق بين الحق والباطل قاله الاخفش أو اقض قاله سيبويه وروي عن عبد الله بن عبيدة قال كان رسول الله ﷺ مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه ذكر ذلك البغوي وغيره (وأعرض عن المشركين) هذه الآية منسوخة بآية القتال (كما وعده) أي بقوله إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الوليد بن المغيرة) قال البغوي وكان رأسهم (والعاص بن وائل) بالمد والتحتية بوزن فاعل (وأبو زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم ثم مهملة (الاسود بن المطلب) بن حارث ابن أسد بن عبد العزي بن قصي قال المفسرون وكان رسول الله ﷺ قد دعا عليه فقال اللهم اعم بصره وأثكله بولده (والاسود بن عبد يغوث) بن وهب بن عبد مناف بن زهرة (والحارث بن قيس) بن

стр. 75

موتهم في يوم واحد بادواء متنوعة وقيل ان العاص والوليد ماتا بعد الهجرة على ما سيأتي ان شاء الله تعالى قال ابن اسحاق بعد أن عد الذين أسلموا أولا نحو أربعين قال ثم دخل الناس في الاسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا الاسلام بمكة وتحدث به [الكلام على منابذة قريش له حين أمره الله باظهار الدعوة وان يصدع بما يؤمر] ثم ان الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه وأن ينادي الناس بأمره وأن يدعو اليه وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستسر به الى أن أمره الله باظهاره ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه ثم قال له اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وقال وأنذر عشيرتك الاقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقل إنى أنا النذير المبين وقال وقل إني برىء مما تعملون وكان أصحاب رسول الله ﷺ اذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر معه يصلون إذ ظهر عليهم نفر من المشركين فناكروهم حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين بلحيي بعير فشجه فكان أوّل دم أهريق في الاسلام. ولما أظهر النبى ﵌ دعوة الحق لم يتفاحش أمرهم حتى ذكر عيب آلهتهم فاشتدوا عليه وأجمعوا الشر له فحدب عليه عمه أبو طالب وعرض نفسه عيطلة بفتح العين والطاء المهملتين بينهما تحتية ساكنة وأصل العيطلة الطويلة العنق في حسن الجسم قاله في القاموس (بادواء) مصروف وهو جمع داء (متنوعة) أى نوع داء كل واحد غير نوع داء الآخر قال الواحدي في التفسير أومأ جبريل بأصبعه الى ساق الوليد والى عين أبي زمعة والى رأس الاسود والى بطن الحارث والى قدم العاص بن وائل وقال للنبي ﷺ كفيت أمرهم فمر الوليد على قين الخزاعة وهو يجر ثيابه فعلقت بثوبه شوكة فمنعه الكبر ان يخفض رأسه فينزعها فجعلت تضرب ساقه فخدشته حتى قطعت كساءه فلم يزل مريضا حتى مات ووطيء العاص على شبرقة فحكت رجله فلم يزل يحكها حتى مات وعمي أبو زمعة وأخذت الاكلة رأس الاسود وأخذ الحارث ألم في بطنه فمات حينا (ارسالا) أي أفواجا (فشا) بالفاء والمعجمة أي ظهر (وتحدث به) مبني للمفعول (وأنذر) أي أعلم مع تخويف (واخفض جناحك) أي ألن جنابك (واستخفوا) من الاستخفاء ضد الاستظهار (فبينا) قال في القاموس هي بين اتسعت فتحتها فجذبت الفا وبين أو بينما من حروف الابتداء والاصمعي يخفض بعد بينا اذا صلح موضعه بين وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر (فناكروهم) أي أنكروا ذلك عليهم (بلحيي) تثنية لحي بفتح اللام أفصح من كسرها (فكان أوّل) بالنصب خبر كان واسمها مضمر فيها أي فكان ذلك الضرب (أهريق) بضم الهمزة وفتح الهاء وسكونها أى صب (فحدب) بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين قال الجوهري حدب عليه يحدب أي يعطف (أبو طالب) اسمه عبد مناف على الصحيح وقيل اسمه كنيته (وعرض نفسه) أي جعل نفسه
следующие страницы →