Полный текст (880 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الى طريقه ولا علموا في اساليب الا وذان منهجه واكبر على الكوائن والاحداث ومخبآت الضمائر بما ظهر فيه صدقه واعترف المخبر عنه بصحة ذلك وان كان اعدى الاعادي وابطل الكهانة التى تصدق مرة وتكذب عشرا ثم اجتثها من اصلها برجم الشهب ورصد النجوم وجاء من الاخبار عن القرون السالفة وانباء الانبياء والامم البائدة والحوادث ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على ما سيأتي في الوجهين الآخرين ان شاء الله تعالى الوجه الثالث من اعجازه على يد النبي ﷺ ما انطوى عليه من الاخبار بالمغيبات وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي اخبر كاخباره عن الفتح وعن غلبة الروم واستخلاف الله المؤمنين في الارض وقوله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وغير ذلك من كشف اسرار المنافقين واليهود وهتك استارهم الى غير ذلك مما اخبر به من الكوائن والاحداث في العصور الآتية ومن آية ذلك انه لم يمرّ عصر ولا زمن الا ويظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما اخبر فيتجدد الايمان ويتظاهر البرهان وليس الخبر كالعيان والمشاهدة زيادة في اليقين والنفس أشد طمأنينة الى عين اليقين منها الى علم اليقين وان كان كل واحد عندها حقا وسائر معجزات الانبياء صلوات الله عليهم انقرضت بانقراضهم وعدمت بعدم ذواتها ومعجزة نبينا ﷺ لا تبيد ولا تنقطع وآياته تجدد ولا تضمحل والى هذا أشار ﷺ بقوله ما من نبي من الانبياء الا أعطي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر وانما كان ما أوتيت وحيا أوحاه الله اليّ فارجو ان اكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. الوجه الرابع من اعجازه ما أنبأ به بالمعجمة والقاف (الى طريقه) بهاء الضمير (ثم اجتثها) بهمز وصل وسكون الجيم وفتح الفوقية وتشديد المثلثة أى قطعها (ورصد النجوم) بفتح الصاد (البائدة) بالموحدة والتحتية والمهملة الهالكة ويجوز ابدال الدال راء بمعناه (وقوله) بالجر معطوف على كاخباره (مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة أى ما أخبر به (ليس الخبر كالعيان) هو حديث أخرجه الطبرانى في الاوسط عن أنس وأخرجه الخطيب عن أبي هريرة وأخرجه أحمد والطبراني في الاوسط أيضا والحاكم عن ابن عباس وزاد وان الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الالواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الالواح فانكسرت (والنفس أشد طمأنينة الى عين اليقين منها الى علم اليقين) فمن ثم سأل ابراهيم ربه ان يريه كيف يحيى الموتي وكان في أعلا درجات العلم بقدرة الله تعالى على الاشياء (ولا تضمحل) باعجام الضاد واهمال الحاء أى لا تذهب (ما من نبي من الانبياء الا أعطى من الآيات الى آخرها) أخرجه الشيخان وغيرهما (وانما كان ما) أي الذى (أوتيت وحيا أوحاه الله الي) وانما
стр. 667
من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة الا الفذ من اخبار أهل الكتاب الذى قطع عمره في تعلم ذلك وقد علم انه ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة وقد كان علماء الكتاب يقترحون عليه السؤالات فينزل الوحى باخبارهم كقصص الانبياء مع قومهم وخبر موسى والخضر ويوسف واخوته وأصحاب الكهف وذى القرنين ولقمان وابنه واشباه ذلك مما صدقه فيه علماء الكتاب وأذعنوا له ولم يحك عن أحد منهم مع شدة عداوتهم وحسدهم انه كذبه في شيء من ذلك ولا أظهر خلاف قوله من كتبه ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه قال الله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الآيتين هذا تلخيص ما ذكره القاضي من الوجوه الاربعة مع تقديم وتأخير وزيادة في بعض الألفاظ ونقص من بعضها وذكر هو وغيره وراء ذلك من براهينه وآياته وبركاته وجوها (منها) ان الله سبحانه حافظه من التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقص على تطاول الدهور وانقضاء الفصول وكثرة الحاسد والمعاند قال الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقال لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (ومنها) الروعة التي تعترى سامعيه من الابرار والفجار فاما الفاجر فيستثقله خصه مع ان له معجزات كثيرة أخر لانه أعظم المعجزات ولبقائه بعده ﷺ (الا الفذ) بفتح الفاء وتشديد المعجمة أى الفرد الواحد (ولا مثافنة) بالمثلثة قبل الالف والنون بعد الفاء قال الجوهرى يقال ثافن فلانا أي جالسه ويقال اشتقاقه من الثفنة واحده ثفنات بالقصر وهي ما يقع على الارض من اعضائه اذا استناخ كالركبتين كانك الصقت ثفنة ركبتك بثفنة ركبته (وابنه) أى ابن لقمان واسمه أنعم أو مسكم قولان (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) يعنى القرآن (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) قال بعض العلماء تولى الله حفظ كتاب نبيه محمد ﷺ بنفسه فلم يجد المعاندون سبيلا الي تحريفه ولا تبديله وسائر الانبياء استحفظوا كتبهم كما قال الله تعالي بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وشأن المخلوق العجز فمن ثم وصل اليها التحريف والتبديل (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ) أى الشيطان قاله قتادة والسدي (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) أي لا يستطيع أن يغيره ولا ان يزيد فيه ولا ينقص قال الزجاج انه محفوظ من النقص فيأتيه الباطل من بين يديه ومن الزيادة فيه فيأتيه الباطل من خلفه وقال مقاتل لا يأتيه تكذيب من الكتب السالفة ولا يأتى بعده
стр. 668
ويزيده نفورا وأما المؤمن فيقشعر جلده ويكسبه ذلك هشاشة وبشاشة وقد مات كثير من الصلحاء عند سماعه واعترت جماعة ممن رام معارضته روعة وهيبة حملتهم على التوبة
[الوجه الثالث وردت بتعجيز قوم في قضايا خاصة بمن هو في مقدورهم]
(ومنها) أي وردت بتعجيز قوم في قضايا خاصة بمن هو في مقدورهم فلم يقدروا كقصة تمنى الموت والمباهلة
[الوجه الرابع انه لا يزال غضا طريا لا تمجه الاسماع ولا تستثقله الطباع]
(ومنها) انه لا يزال غضا طريا لا تمجه الاسماع ولا تستثقله الطباع وغيره من الكلام لو بلغ في الحسن أي مبلغ يمل مع الترديد ويعادي اذا أعيد (ومنها) جمعه لعلوم معارف لم يحط بها أحد من علماء الامم ولا أحاطت بها كتبهم فجمع فيه من بيان علم الشرائع والتنبيه على طريق الحجج العقليات والرد على فرق الأمة ببراهين قوية وأدلة بينة سهلة الالفاظ موجزة المقاصد كقوله تعالى أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ. وقل يحييها الذي أنشأها أول مرة. لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا الى ما حواه من علوم السير وأنباء الأمم والمواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الاداب والشيم «قال الله جلّ اسمه» ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وقال ﷺ ان الله أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا وسنة خالية ومثلا مضروبا فيه نباؤكم وخبر ما كان قبلكم ونباء ما بعدكم كتاب فينسخه (وقد مات كثيرون من الصلحاء عند سماعه) أو عند تلاوته منهم زرارة بن أوفا مات عند تلاوة قوله تعالى فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ الآية وروي القشيري في الرسالة عن ابن الجلاء قال كان بالمغرب شيخان كل له أصحاب وتلامذة يقال لاحدهما حبلة والثاني رزيق فزار رزيق يوما جبلة في أصحابه فقرأ رجل من أصحاب رزيق شيأ فصاح واحد من أصحاب جبلة ومات فلما أصبحوا قال جبلة لرزيق أين الذي قرأ بالامس فليقرأ آية فقرأ فصاح جبلة صيحة فمات القارئ فقال جبلة واحد بواحد والبادى أظلم وأسند أيضا الى عبد الواحد بن علوان قال كان شاب يصحب الجنيد فكان اذا سمع شيأ يتغير ويضبط نفسه حتى كانت كل شعرة من بدنه تقطر بدم فسمع يوما من الايام قارئا يقرأ فصاح صيحة تلفت نفسه وكان ابن أبي الجوارى اذا قريء عنده القرآن يصيح ويصعق وفي روض الرياحين لليافعي ذكر جماعة ممن مات لذلك (كقصة تمني الموت) قال تعالى فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وقال ﷺ والله لو تمنوا الموت لنص كل بريقه وما بقي على وجه الارض يهودي الامات أخرجه البيهقي في الدلائل (غضا) بالمعجمتين أي رطبا (موجزة) بضم الميم وسكون الواو وفتح الجيم بعدها زاي أى مختصرة (ان الله أنزل هذا القرآن الى آخره) أخرجه بمعناه الترمذى عن على (آمرا) بمد الهمزة اسم فاعل (وزاجرا) أي ناهيا وأقسام القرآن جمعها مجد الدين الشيرازى فقال
ألا انما القرآن تسعة أحرف ... أتيت بها في بيت شعر بلا خلل
стр. 669
وحكم ما بينكم لا يخلقه طول الرد ولا تنقضى عجائبه هو الحق ليس بالهزل من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم به فلج ومن قسم به أقسط ومن عمل به أجر ومن تمسك به هدى الى صراط مستقيم ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ومن حكم بغيره قصمه الله هو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم وحبل الله المتين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد (ومنها تيسير) حفظه لمتعلميه وتقريبه على متحفظيه قال الله تعالى وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وقال الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ وكتب الله القديمة كان لا يحفظها الا الواحد الفذ من أهلها والقرآن تيسر حفظه للغلمان في أقرب مدة (ومنها) مشاكلة بعض أجزائه بعضا وحسن ائتلاف أنواعها والتئام أقسامها وحسن التخلص من قصة الى أخري والخروج من باب الى غيره على اختلاف معانيه وانقسام السورة الواحدة على أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد واثبات نبوءة وتوحيد وتعزير وترغيب وترهيب الى غير ذلك من فوائده وعوارفه ولطائفه التي لا تحصى ولا تعد ولا تستقصى* قال بعضهم جميع كلمات القرآن نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف وأقل ما وقع به التحدى سورة
حلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير قصة عظة مثل
(لا يخلقه) بضم أوله وكسر تاليه لا غير أي لا تبليه ويصير خلفا (فلج) بالجيم وفتحات أى ظهر وفاز (أقسط) رباعى أي عدل وأما الثلاثي فمعناه جار وحكي انه من الاضداد يأتى بمعنى جار وبمعنى عدل (قصمه الله) بالقاف والمهملة أي أهلكه (وحبل الله) قال ابن الاثير حبل الله نور هداه وقيل عهده وأمانه الذى يؤمن به من العذاب والحبل العهد والميثاق (المتين) بالفوقية أي القوى (فيقوم) بالنصب جواب النهي (فيستعتب) بالنصب أيضا (ولا يخلق) بفتح أوله وضم ثالثه وبضم أوله وكسر ثالثه أى لا يبلى والمراد انه لا تذهب جلاوته وجلالته زاد البغوي في رواية ولا تلتبس به الالسنة ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تدريه الجن اذ سمعته حين قالوا انا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد زاد في رواية أخرى من حديث عبد الله ابن مسعود فاتلوه فان الله يأجركم على تلاوته بكل حرف منه عشر حسنات اما اني لا أقول ألم حرف ولكن الالف حرف واللام حرف والميم حرف (قال بعضهم جميع كلمات القرآن نحو من سبعة وسبعين أنف كلمة ونيف) وهو تسعمائة وأربع وثلاثون كما روي عن ابن مسعود هذه الكلمات وأما الحروف فروي عنه أيضا ثلثمائة ألف وأربعة آلاف وسبعمائة وأربعون واخرج الطبراني في الاوسط عن عمر القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف فمن قرأ صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين (التحدي) بفتح الفوقية والحاء وكسر الدال المهملتين وهو الاستعجاز يقال فلان يتحدى فلانا أي ينازعه ليغلبه
стр. 670
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ وكلماتها عشر ونسبتها من القرآن أزيد من سبعة آلاف جزء كل واحد منهما معجز في نفسه ثم اعجاز كل جزء بوجهين بطريق النظم وطريق البلاغة فيتضاعف العدد من هذا الوجه الى غير ذلك من وجوه التضعيف التي تفهم بمن حاول احصاؤها انها صفة من صفة الله لا تشبه الصفات كما ان ذاته سبحانه لا تشبه الذوات ولقد أحسن صاحب البردة حيث يقول في وصف آيات القرآن العظيم وفي تحقيق معنى ما قدمناه أيضا:
آيات حق من الرحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم
لم تقترن بزمان وهى تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن إرم
دامت لدينا ففاقت كل معجزة ... من النبيين اذ جاءت ولم تدم
محكمات فما تبقين من شبه ... لدى شقاق وما تبقين من حكم
ما حوربت قط إلا عاد من حرب ... أعدى الا عادي اليها ملقى السلم
ردت بلاغتها دعوى معارضها ... رد الغيور يد الجانى على الحرم
لها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهره في الحسن والقيم
فما تعد ولا تحصي عجائبها ... ولا تسام على الاكثار بالسأم
قرت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
ان تتلها خيفة من حر نار لظى ... أطفأت نار لظي من ورده الشبم
كأنها الحوض تبيض الوجوه به ... من العصاة وقد جاؤه كالحمم
(وكلماتها عشر) باسقاط البسملة (محدية) أى ابدالا وهو معني قوله تعالى ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ان أريد بالذكر القرآن فان أريد ما يترتب عليه من الذكر فظاهر (صفة) الله (الموصوف بالقدم) وجل قديم الذات ان يكون صفاته محدثة (دامت) أى بقيت (لدينا) أي عندنا (ففاقت) أي فضلت (كل معجزة من) معجزات (النبيين اذ جاءت) معجزاتهم (ولم تدم) كدوام القرآن بل ذهبت بذهابهم (محكمات) بالتشديد وهو بمعنى محكمات بالتخفيف (ما يتعين) أى ما يطلبن (من حكم) زيادة على ما فيهن بل حزن الحكم جميعها (من حرب) بفتح المهملة والراء أى هلاك (ملقى) بالنصب على الحال (رد الغيور) بفتح المعجمة أى الذي يغير به الغيرة وهي الانفة (عن الحرم) بضم المهملة وفتح الراء كموج (البحر) أي في الكثرة (وفوق جوهره) أى جوهر البحر (بالسام) أي بالملل (من وردها) بكسر الواو أى مائها (الشبم) بفتح المعجمة وكسر الموحدة أى النادر (كالحمم) بضم المهملة وفتح الميم جمع حممة وهى الفحم (معدلة) بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين أى عدلا
стр. 671
وكالصراط وكالميزان معدلة ... فالقسط من غيرها في الناس لم يقم
لا تعجبن بحسود راح ينكرها ... تجاهلا وهو غير الحاذق الفهم
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
[فصل ومن معجزاته ﷺ سوى القرآن الآيات السماوية]
(فصل) ومن معجزاته ﷺ سوى القرآن الآيات السماوية
[فمن ذلك انشقاق القمر]
فمن ذلك انشقاق القمر وهو ما أثبته القرآن العظيم ورواه العدد الكثير من الصحابة قال الله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. روينا في صحيح البخاري عن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله ﷺ اشهدوا* وعن أنس قال سئل أهل مكة النبي ﷺ ان يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين حتى رأوا حراء بينهما قال بعضهم وفي انشقاق القمر له مناسبة لشق قلبه حين شقه الملكان ولذلك قال صاحب البردة:
(فصل) ومن معجزاته ﷺ (اقتربت الساعة وانشق القمر) ما ساقه المصنف من ان المراد بانشقاق القمر انشقاقه لرسول الله ﷺ هو ما عليه جمهور العلماء من المفسرين وغيرهم قال القرطبي ومن العلماء من قال معني وانشق القمر أى ينشق كقوله تعالى أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ أي يأبي ونقل عن الحليمى انه قال رأي الهلال وهو ابن ليلتين منشقا نصفين عرض كل منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس ومازلت أنظر اليهما حتى اتصلا كما كانا ولكنهما في شكل اترجة ولم أمل طرفي عنهما الي ان غابا وكان معى ليلتئذ جمع من الناس وكلهم رأي ما رأيت وأخبرني من أثق به انه رأي الهلال وهو ابن ثلاث منشقا نصفين قال الحليمى فقد ظهر ان قول الله تعالى وَانْشَقَّ الْقَمَرُ انما خرج علي الانشقاق الذي هو من اشراط الساعة دون الذي جعله الله تعالى آية لرسوله (روينا في صحيح البخارى) وصحيح مسلم وسنن الترمذي وغيرهم (عن ابن مسعود) وقد روي ذلك جماعة من الصحابة سوى ابن مسعود منهم أنس وابن عباس وابن عمر وحذيفة وعلى وجبير بن مطعم (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ زاد الاعمش عن ابن مسعود ونحن بمنى ومسروق عنه ونحن بمكة وزاد فقال كفار قريش سحركم ابن أبي كبشة فقال رجل منهم ان محمدا ان كان سحر القمر فانه لا يبلغ من سحره ان يسحر الارض كلها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا مثل هذا فاتوا فسألوهم فاخبروهم انهم رأوا مثل ذلك (مرتين) زعم بعضهم أخذا بظاهر هذا الحديث ان الانشقاق وقع مرتين وليس كذلك كما قاله ابن قيم الجوزية وانما المراد بمرتين فلقتين وان كانت المراة أكثر ما يستعمل في الافعال فقد يستعمل في الاعيان أيضا قال عياض في الشفاء أكثر طرق أحاديث انشقاق القمر صحيحة والآية مصرحة به ولا يلتفت الى اعتراض مخذول بانه لو كان هذا لم يخف على أهل الارض ثم دفع حجتهم باجوبة منها ان القمر ليس في حد واحد لجميع أهل الارض فقد يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين أو يحول بينهم وبينه حائل وأيضا عادة الناس بالليل الهدو والسكون
стр. 672
أقسمت بالقمر المنشق أن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
[ومن ذلك احتباس الشمس]
ومن ذلك احتباس الشمس وذلك انه ﷺ أخبر قريشا بقدوم غيرهم من الشام يوم الاربعاء فولى النهار ولم تجئ فدعى فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس ومن ذلك ما روت اسماء بنت عميس انه ﷺ أوحى اليه ورأسه في حجر على وفوّت علىّ صلاة العصر لمراعاته فلما أفاق ﷺ قال اللهم انه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت اسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقفت على الجبال والارض وذلك بالصهباء في خيبر.
وايجاف الابواب وقطع البصر ولا يكاد يعرف من أمور السماء شيأ الا من رصد ذلك (فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس) كما رواه ابن اسحاق في السيرة ورواه غيره أيضا ومعناه أوقفت له حتى تقدم العير قبل غروبها كما أخبر (ومن ذلك ما) أخرجه الطحاوي في مشكل الحديث من طريقين ثابتين ورواتهما ثقات قال (روت أسماء بنت عميس) الى آخره (فلما أفاق ﷺ قال أصليت يا على قال لا (اللهم انه كان في طاعتك) الى آخره (ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت) قال بعضهم هذا ابلغ في المعجزة من وقوفها المذكور في الحديث الاول وقال آخرون بل ذاك أبلغ لان طلوع الشمس من مغربها أمر سيكون بخلاف وقوف الشمس في مجراها فانه لم يعهد ولا يكون وكانت صلاة سيدنا على هذه اداء والا لما كان رجوعها بعد غروبها بالنسبة اليه (فائدة) وان كان فيه اظهار المعجزة الا ان سياق القصة يقتضى ان عودها كان سببه (وذلك بالصهبا) بفتح المهملة والموحدة وبالمد موضع على مرحلتين من خيبر قال عياض في الشفا وحكي الطحاوي ان أحمد ابن صالح كان يقول لا ينبغي لمن سبب له العلم التخلف عن حديث اسما لانه من علامات النبوة انتهى (قلت) وفي حديثها من الفوائد تقديم الاهم عند تعارض المصالح فمن ثم ترك سيدنا على الصلاة مراعاة له ﷺ وذلك من خصائصه ان من فوت شيأ من الصلاة بسببه يكون معذورا ومنها ان محل الوعيد في تفويت العصر لمن فوتها لغير عذر وذلك ظاهر ومنها انه لا بأس بان يجعل نحو الامام رأسه في حجر بعض اتباعه سيما مع علم محبتهم ذلك وبلوغه رتبة من يتبرك به وفيه فضيلة لسيدنا على كرم الله وجهه ورضي عنه حيث ردت الشمس بسببه (فائدة) قد حبست الشمس لنبينا ﷺ في بعض أيام الخندق كما ذكره عياض في الشفاء وغيره وقد حبست الشمس ليوشع بن نون حيث قال لها انك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست وذكر الخطيب في كتاب النجوم بسند ضعيف انها حبست لداود وردت لسليمان بعد ان توارت بالحجاب أى غربت كما حكاه البغوى وغيره من المفسرين عن على فيحصل في الشمس معجزتان رجوعها بعد غروبها ووقوفها في مجراها وجمعنا لنبينا ﷺ ولم يحصل لغيره سوي واحدة منهما
стр. 673
[فصل ومن معجزاته ﷺ تكثير القليل من الطعام ونبع الماء من بين أصابعه]
(فصل) ومن معجزاته ﷺ تكثير القليل من الطعام ونبع الماء من بين أصابعه وتفجيره وتكثيره ببركته من ذلك حديث أبى طلحة المشهور في الصحاح واطعامه ﷺ ثمانين أو سبعين رجلا من أقراص شعير حملها أنس تحت ابطه ومنه حديث جابر انه ذبح عناقا وطحنت زوجته صاعا من شعير ودعا النبي ﷺ بجميع اهل الخندق وهم الف فبصق ﷺ في عجينهم وبرمتهم وبرك قال جابر فاقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانخرفوا وان برمتنا لتغط كما هي وان عجيننا لنخبزه. قلت هذا ما صخ من حديث جابر واما ما اولع به المداح من احياء بسطية وشاته فهو مختلق لا اصل له والله اعلم. ومن ذلك حديث ابى هريرة حين اشتد به الجوع وجلس في طريق المسجد يتعرض لمن مر به ويستقريهم الآيات فلم يقعوا على حاجته فلما مر ﷺ ضحك في وجهه ثم استتبعه فوجد في بيته قدح لبن قد اهدى له فقال ادع لى اهل الصفة قال ابو هريرة قلت ما هذا اللبن فيهم كنت احق به ان اصيب منه بشربة أتقوى بها ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد قال فدعوتهم فشربوا حتى رووا أجمعون ثم قال له النبي ﷺ اشرب فشرب وما زال يقولها حتى قال والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا فأخذ ﷺ القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة. ومنه حديث سمرة بن جندب قال أتى رسول الله ﷺ بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون. ومنه حديث عبد الرحمن بن ابى بكر قال كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائه وذكر في الحديث انه عجن صاع من (فصل) ومن معجزاته تكثير القليل من الطعام (المشهور) في الاحاديث (الصحاح) في الصحيحين وغيرهما (ومنه حديث جابر) في الصحيحين أيضا (انه ذبح عناقا) في رواية بهيمة (وبرك) أي دعا بالبركة (حتى تركوه) أي من الشبع (وانحرفوا) أى رجعوا (لغط) بفتح أوله وكسر المعجمة ثم مهملة أي يعلي ويسمع لها صوت قال النووي قد تضمن حديث جابر علمين من اعلام النبوة أحدهما تكثير الطعام القليل والثاني علمه ﷺ بان هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسة أنفس سيكثر ويكفي ألفا وزيادة فدعا له ألف قبل أن يصل اليه وقد علم انه صاع وبهيمة (مختلق) كذب (ومن ذلك حديث أبي هريرة) وهو في البخاري والترمذى (مسلكا) بفتح الميم واللام أى مساغا (الفضلة) بفتح الفاء وسكون المعجمة الباقى وفي هذا مع المعجزة ندب كون ساقي القوم آخرهم شربا كما جاء في روايات متعددة (حتى الليل) بالكسر (حديث عبد الرحمن بن أبي بكر) في الصحيحين أيضا
стр. 674
طعام وصنعت شاة فشوى سواد بطنها قال وأيم الله ما من الثلاثين ومائة الا وقد حزله حزة من من سواد بطنها ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون وفضل من القصعتين فحملته على البعير ومنه حديث سلمة بن الاكوع وأبو هريرة وعمر بن الخطاب ذكروا ان الناس أصابهم مخمصة شديدة في بعض الغزوات فدعا النبي ﷺ ببقية الازواد فجاء الرجل بالحثية من الطعام وفوق ذلك وأعلاهم من جاء بالصاع من التمر فجمع على نطع قال سلمة فحزرته كربطة العنز فما بقى في الجيش وعاء الا ملؤه وبقى منه. ومنه حديث أبي أيوب الانصارى في أول الهجرة انه صنع لرسول الله ﷺ ولأبى بكر من الطعام زهاء ما يكفيهما فقال له النبي ﷺ ادع ثلاثين من أشراف الانصار فدعاهم فأكلوا حتى تركوه ثم قال ادع ستين وكان مثل ذلك ثم قال ادع سبعين فأكلوا حتى تركوا وما خرج فيهم أحد حتى أسلم وبايع قال أبو أيوب فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا وعن ابى هريرة قال امرنى رسول الله ﷺ ان ادعو له اهل الصفة فتتبعتهم حتى جمعتهم فوضعت بين ايدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا وهى مثلها حين وضعت الآن فيها اثر الاصابع* وعن علىّ بن أبي طالب ﵁ قال جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وكانوا اربعين منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق فصنع لهم مدا من الطعام فأكلوا حتى شبعوا وبقى كما هو ثم دعا بعس فشربوا حتى رووا وبقى كانه لم يشرب وامر ﷺ عمر بن الخطاب ان يزودوا اربعمائة راكب من احمس من قليل تمر قدر الفصيل الرابض فزودهم منه وبقى على حاله ومن ذلك حديث جابر وشكى (حزة) بضم المهملة وتشديد الزاى أي قطعة (في بعض الغزوات) في صحيح مسلم انها في غزوة تبوك (على نطع) فيه أربع لغات أشهرها كسر النون مع فتح المهملة والثانية بفتحهما والثالثة فتح النون مع سكون الطاء والرابعة كسر النون مع سكون الطاء (أهل الصفة) للبخاري من حديث أبي هريرة لقد رأيت سبعين من أهل الصفة وعد أبو نعيم في الحلية منهم مائة وسبعا وفي عوارف المعارف انهم كانوا نحو أربعمائة (كربضة) بالموحدة والمعجمة أي محل ربوض والاشهر في الراء الفتح وقال ابن دريد الكسر (العنز) بالمهملة فالنون فالزاى (أبي أيوب) اسمه خالد بن زيد كما مر (زهاء) بضم الزاي مع المد أي قرب (حين وضعت) بالبناء للمفعول (أثر الاصابع) بالنصب (بعس) بضم العين وتشديد السين المهملتين وهو قدح ضخم (ومن ذلك حديث جابر) في البخارى وسنن أبي داود
стр. 675
الى النبي ﷺ اشتداد غرماء أبيه عليه في ديونهم وكان بذل لهم اصل ماله فلم يقبلوه وكان ثمره لا يفي بخلاصهم سنين فأمر النبي ﷺ ان يجدّ تمره وان يبدر كل نوع على حدته ففعل فجلس النبي ﷺ حول أعظمها بيدرا وأمره أن يوفيهم منه فاوفاهم الذي لهم وبقى كانه لم ينقص منه تمرة وسلمت البيادر كلها. ومنه حديث أبى هريرة قال أصاب الناس مخمصة فقال لى رسول الله ﷺ هل من شيء قلت نعم شيء من التمر في المزود قال فأتني به فادخل يده فاخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة ثم قال ادع عشرة فاكلوا حتى شيعوا ثم عشرة كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا قال خذ ما جئت به وادخل يدك واقبض منه ولا تكبه فقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر الى أن قتل عثمان فانتهب منى فذهب وفي رواية قال فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله وهذا الباب واسع وأكثره من الصحاح وكذلك معجزاته في الماء* فمنها حديث الاستسقاء وآيته عظيمة وسبق ذكره في تواريخ السنين. ومنها حديث أنس قال جاءت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله ﷺ باناء فيه ما يغمر أصابعه أو لا يكاد يغمر فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الاناء يده وأمر الناس ان يتوضؤا والنسائى (اشتداد غرماء أبيه) في الشفاء انهم كانوا يهود فعجبوا من ذلك (ان يجد) بالمعجمة والمهملة أى يقطع (وان يبدر) بضم أوله أوله وفتح الموحدة وسكون التحتية وكسر المهملة بعدها راء يصير بيدرا بفتح الموحدة والمهملة بينهما تحتية ساكنة (وبقي كانه لم ينقص منه تمرة) زاد أبو داود فاتا جابر رسول الله ﷺ ليخبره فوجده يصلى العصر فلما انصرف أخبره بالفضل قال أخبر بذلك ابن الخطاب فذهبت اليه فاخبرته فقال عمر قد علمت حين مشى فيه رسول الله ﷺ ليباركن فيها (ومنه حديث أبى هريرة) في سنن الترمذى (مخمصة) أى مجاعة (المزود) بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الواو ثم مهملة الاناء الذي يتزود فيه (ولا تكبه) كذا في الشفاء وفي سنن الترمذى ولا تنبزنبزا فقوله هنا تكبه تصحيف (وأطعمت حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر) زاد الترمذى وكان لا يفارق حقوي (فانتهب) وللترمذى فانقطع زاد رزين فخرنت عليه (وفي رواية) في الشفاء وغيره (فقد حملت من ذلك الثمر الى آخره) زاد في الشفاء وذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك وان التمر كان بضع عشرة تمرة وكذلك معجزاته في الماء (ومنها حديث أنس) في الصحيحين وسنن الترمذى والنسائي (وحانت) أي جاء (حينها) أى وقتها (الوضوء) بفتح الواو على المشهور وهو الماء الذي يتوضأ به (ما يغمر أصابعه أو لا يكاد يغتمر)
стр. 676
منه قال فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضؤا من عند آخرهم قال له قتادة كم كنتم قال زهاء من ثلاثمائة ومثله عن ابن مسعود وعن جابر قال عطش الناس يوم الحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة فتوضأ منها واقبل الناس نحوه وقال ليس عندنا الا ما في ركوتك فوضع رسول الله ﵌ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كامثال العيون قال سالم بن أبى الجعد لجابركم كنتم قال لو كنا مائة الف لكفانا كنا خمس عشر مائة ونحوه عن جابر أيضا في غزوة بواط وذكر حديثها الطويل وفيه قال قال لى رسول الله ﵌ يا جابر ناد بالوضوء فأتى بقطرة في عزلاء شجب فغمزه رسول الله ﷺ بكفه وتكلم بشيء لا أدرى ما هو وقال ناد بجفنة الركب فأتيتها فوضعتها بين يديه وبسط رسول الله ﵌ يده في الجفنة وفرق بين اصابعه وصب جابر عليه وقال بسم الله قال فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلئت وامر الناس بالاستسقاء فاستقوا حتى رووا فقلت هل بقى احد له حاجة فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهى ملآنة قال الترمذي وفي الباب عن عمران بن حصين. واما تفجير الماء روي المهلب انه كان بمقدار وضوء رجل واحد (فرأيت الماء ينبع) بتثليث الموحدة أى يخرج من بين (أصابعه) حكي عياض في كيفية هذا النبع قولين أحدهما وهو ما قاله أكثر العلماء ان الماء كان يخرج من نفس أصابعه الكريمة وينبع من ذاتها ويؤيد هذا رواية فرأيت الماء ينبع من أصابعه والثانى يحتمل ان الله تعالي كثر الماء في ذاته فصار يفور من بين الاصابع لا من ذاتها ولا شك ان كليهما معجزة ظاهرة (من عند آخرهم) من هنا بمعنى الى وهو لغة (زهاء ثلاثمائة) في رواية لمسلم عن أنس ما بين الستين الى الثمانين وقال الحفاظ هما قضيتان جرتا في وقتين (عن ابن مسعود عن جابر) في الصحيحين (كنا خمس عشرة فانه) سبق الكلام على الخلاف في كميتهم يومئذ مع الجمع بين الاقوال في غزوة الحديبية فراجعه (ونحوه عن جابر أيضا) في آخر في صحيح مسلم (ناد بالوضوء) بفتح الواو (بقطرة) بفتح القاف أي شيء يسير من الماء (في عزلاء) بفتح المهملة وسكون الزاي وبالمد أي في فم (شجب) بفتح المعجمة وسكون الجيم ثم موحدة وهو السقاء (فغمزه) بالمعجمة والزاي أى عصره (بكفه) ليس هذا في صحيح مسلم بل في نسخة بيديه وفي أخرى بيده (وتكلم بشيء) لعله دعا الله بالبركة (ناد بحفنة الركب) بفتح الجيم (بسم الله) أي توضؤا قائلين ذلك ففيه ندب التسمية للوضوء وان هذا أقلها وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم (قال الترمذى وفي الباب عند عمران بن حصين) أي له حديث أيضا في تكثير الماء وان الناس شكوا الى
стр. 677
فروي معاذ بن جبل في قصة غزوة تبوك انهم وردوا العين وهى تبض بشيء من ماء مثل الشراك فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله ﷺ فيه وجهه ويديه ثم اعاده فيها فانخرق من الماء ماله حس كحس الصواعق ثم قال يوشك يا معاذ ان طالت بك حياة ان ترى ماء ها هنا قد ملأ جنانا ونحوه في غزوة الحديبية من رواية سلمة بن الاكوع والبراء بن عازب وفي الحديث انهم وجدوا في بئرها ماء قليل فجلس رسول الله ﷺ على جباها وأتى بدلو فبصق ودعا فيها فجاشت فروا أنفسهم وركائبهم وفي رواية أنه أخرج سهما من كنانته فوضع في قعر قليب ليس فيه ماء فروى الناس حتى ضربوا بعطن ومن المشهور في الصحيح حديث ميضأة ابن أبى قتادة وحديث صاحبة المزادتين.
رسول الله ﷺ العطش في بعض أسفاره فدعا بالميضاء فجعلها في سننه ثم التقم فمها فالله أعلم نفث فيها أم لا فشرب الناس حتى رووا وملأوا كل أناء معهم فخيل الى انها كما أخذها مني وكانوا اثنين وسبعين رجلا وروى مثل هذه القصة لابي قتادة أيضا (فروي معاذ بن جبل) في الموطأ وصحيح مسلم (وهي تبض) بفتح الفوقية وكسر الموحدة وتشديد المعجمة وروي باهمالها أي تبرق (مثل الشراك) بكسر المعجمة وهو سير النعل والمعني ماء قليل جدا (فانخرق) بالمعجمة والقاف (ماء له حس كحس الصواعق) هذا لفظ ابن اسحاق في السيرة ولفظ مسلم فجرت العين بماء منهمر أى كثير (قدملا جنانا) جمع جثة وهي البستان وهذا أيضا من المعجزات (ونحوه في غزوة الحديبية) وسبق الكلام عليه ثم (ميضأة أبي قتادة) روي حديثها مسلم في أبواب الصلاة عند ذكر نومه ﷺ بالوادي وفيه أنه قال لابي قتادة احفظ على ميضأتك فانه سيكون لها نباء والميضأة بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المعجمة الاناء الذى يتوضأ منه قال عياض في الشفاء وذكر الطبري حديث أبي قتادة على غير ما ذكره أهل الصحيح وأن النبى ﷺ خرج بهم ممدا لاهل مؤتة عند ما بلغه قتل الامراء (وصاحبة المزادتين) حديثها مروى في الصحيحين وغيرهما عن عمران بن حصين حاصله مع الاختصار أنه ﷺ وجد عليا وعمران بعد أن أصابهم عطش شديد وأعلمها أنهما يجدان امرأة بمكان كذا معها بعير عليه مزادتان فوجداها وأتيا بها الى النبى ﷺ فجعل في اناء من مزادتيها فقال فيه ما شاء الله ان يقول ثم أعاد الماء في المزادتين ثم فتحت عداليهما وأمر الناس فملؤا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيأ الا ملاؤه ثم جمع للمرأة من الازواد حتى ملأ ثوبها وقال اذهبى فانا لم نأخذ من مائك شيأ ولكن الله هو الذى سقانا (خاتمة) ذكر عياض في الشفاء عن عمرو بن شعيب أن أبا طالب قال للنبى ﷺ وهو رديفه بذي المجاز عطشت وليس عندي ماء فنزل النبي ﷺ وضرب بقدمه الارض فخرج الماء فقال اشرب.
стр. 678
[فصل في نطق الجمادات له ﷺ ]
«فصل» في نطق الجمادات له ﷺ
[من ذلك قصة حنين الجزع]
من ذلك قصة حنين الجزع وهو حديث مشتهر منتشر متواتر رواه من الصحابة بضع عشرة ورواه عنهم اضعافهم من التابعين وقد قدمنا ذكره عند ذكر المنبر وفي الخبر عنه انه كان النبي ﷺ يخطب عليه فلما اتخذ المنبر وعدل عنه سمعوا له صوت كصوت العشار وارتج المسجد لخواره وكثر بكاء الناس لما رأوا ما به فوضع ﷺ يده عليه فسكت وقال ان هذا بكى لما فقد من الذكر والذى نفسى بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا الى يوم القيامة تحزنا على رسول الله ﷺ فامر رسول الله ﷺ فدفن تحت المنبر وفي احدى رواياته أن النبي ﷺ قال ان شئت ان أردك الى الحائط الذى كنت فيه ينبت لك عروقك ويكمل خلقك وان شئت اغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك ثم اصغي اليه النبي ﷺ يستمع ما يقول فقال بل تغرسني في الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه فسمعه ما يقول من يليه فقال النبي ﷺ قد فعلت ثم قال اختار دار البقاء على دار الفناء وكان الحسن البصرى اذا حدث بهذا الحديث بكى وقال يا عباد الله الخشبة تحن الى رسول الله ﷺ شوقا اليه لمكانه من الله فانتم أحق أن تشتاقوا الى لقائه (فصل) في نطق الجمادات (رواه من الصحابة بضعة عشر) زاد في الشفاء منهم أبى بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسهل بن سعد وأبو سعيد الخدري وبريدة وأم سلمة والمطلب بن أبي وداعة (ورواه عنه أضعافهم من التابعين) قال في الشفاء رواه عن جابر حفص بن عبيد الله بن حفص وأيمن وأبو نضرة وابن المسيب وسعيد بن أبى كرب وكريب وأبو صالح ورواه عن أنس ابن مالك الحسن وثابت واسحاق بن أبي طلحة ورواه عن ابن عمر نافع وأبو حسن ورواه عن أبى سعيد أبو نضرة وأبو الوداك ورواه عن ابن عباس عمار بن أبى عمار ورواه عن سهل بن سعد ابنه عباس بن سهل وأبو حازم ورواه عن المطلب كثير بن زيد ورواه عن بريدة ابنه عبد الله ورواه عن أبى ابنه الطفيل (وارتج) بهمز وصل وسكون الراء وفتح الفوقية وتشديد الجيم أى سمع رجة أي صوت (لخواره) يضم المعجمة وتخفيف الواو وهو صوت الشاة والظبي والبقر وبضم الجيم وفتح الهمزة صوت الناس والبقر (تحزنا) بفتح الفوقية والمهملة وضم الزاى ثم نون تفعلا من الحزن (فدفن تحت المنبر) قال السهيلى انما دفنه ﷺ لانه صار حكمه حكم المؤمن لحبه وحنينه الى النبي ﷺ وهذا ينضم الى قوله تعالى كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الآية والى قوله ﷺ في النخلة مثلها كمثل المؤمن (وفي احدي رواياته) وهى رواية بريدة بن الحصيب الاسلمي (من ثمرك) بفتح المثلثة والميم وروي البخاري والترمذي والنسائي
стр. 679
وعن عبد الله بن مسعود قال كنا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيحه وقال أنس أخذ النبي ﷺ كفا من حصى فسبحن في يد رسول الله ﷺ حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد أبى بكر فسبحن ثم في أيدينا فما سبحن*
[ومنه تكليم الذراع له واخباره بأن فيه السم]
ومنه تكليم الذراع له واخباره بأن فيه السم وقال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه في الجنة كنا بمكة مع رسول الله ﷺ فخرج الى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل الا قال السلام عليك يا رسول الله وقال ﷺ انى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث انى أعرفه الآن وحديث العباس اذ اشتمل عليه النبى ﷺ وعلى بنيه بملاءة ودعا لهم بالستر من النار كستره اياهم بملاءته فامنت اسكفة الباب وحوائط البيت آمين آمين* ويقرب من هذا رجفان أحد وحراء به وباصحابه وسقوط الاصنام التى كانت حول البيت لاشارته وقد كانت مشدودة بالرصاص وروي ابن عمر أن النبي ﷺ قرأ على المنبر وَما قَدَرُوا
(وعن عبد الله بن مسعود) قال كنا نعد الآيات وأنتم تعدونها نحونا كنا مع النبى ﷺ في سفر فقل الماء فقال أطلبوا فضلة من ماء فجاؤا باناء فيه ماء قليل فادخل يده فيه ثم قال حي على الطهور المبارك والبركة من الله تعالى قال فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه ولقد (كنا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيحه) الضمير للطعام ففي رواية ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن) زاد في الشفاء من حديث أبي ذر اذ لم يصرح يبقي ذلك بالنسبة الى عمر وعثمان بل لو صرح بذلك في حديثه لما كان فيه نفي ذلك عنهما لاحتمال أن أبا ذر سمع دونه أوان ذلك كان في قصة أخري (وقال على) كما حكاه عنه عياض في الشفاء بهذه الصيغة أخرجه أحمد ومسلم والترمذي عن جابر ابن سمرة كما مر مع الكلام عليه (انى لاعرف حجرا بمكة الى آخره) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي عن جابر ابن سمرة كما مر مع الكلام عليه (وحديث العباس) هو ما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ للعباس يا عم اذا كان غداة الاثنين فأتنى أنت وولدك أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك قال فغد او غدونا معه فألبسنا كساء ثم قال اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا اللهم احفظه في ولده أخرجه الترمذي وقال حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه وزاد رزين في في رواية واجعل الخلافة باقية في عقبه وما ذكره المصنف هو لفظ الشفاء (بملآة) بضم الميم مع المد وهى الملحفة وجمعها ملاء (أسكفة الباب) عتبته السفلى وهى بضم الهمزة والكاف بينهما مهملة ساكنة وتشديد الفاء ويقال فيها أسكوفة (آمين آمين) فيها لغات أشهرها مد الهمزة وتليها مدها مع الامالة وتليها القصر مع تخفيف الميم وتليها المد مع تشديد الميم وتليها القصر مع تشديد الميم وهي اسم فعل معناه اللهم استجب وقيل
стр. 680
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ثم قال يمجد الجبار نفسه أنا الجبار أنا الجبار أنا الكبير المتعال فرجف المنبر حتى قلنا ليخرن عنه.
[وأما المعجزات في الشجر وشهادتها له وانفيادها لأمرة]
وأما المعجزات في الشجر وشهادتها له وانفيادها لأمرة ففي الصحيح عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال ذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فلم يرى شيئا يستتر به فاذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله ﷺ الى أحدهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي باذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده وفعل بالأخرى كذلك حتى اذا كان بالمنصف قال التئما علىّ باذن الله فالتأمتا وفي رواية أنه أمر جابرا أن يأمر احداهما ان تلحق بصاحبتها ولما قضى رسول الله ﷺ حاجته رجعت الى منبتها وأمر ﷺ أسامة بن زيد أن يأتى الى نخلات واحجار فيأمرهن ان يتقاربن لقضاء حاجته فأمرهن قال اسامة فو الذي بعثه بالحق نبيا لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن والحجارة تتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهن فلما قضي حاجته قال لى قل لهن يفترقن فو الذي نفسي بيده لرأيتهن يفترقن حتى عدن الى افعل كذلك يكون وقيل لا تخيب رجاءنا وقيل غير ذلك (يمجد) أى يعظم (الجبار) سمى بذلك قيل لانه يجير خلقه على ما أراد وقيل من قولهم جبرت الكسر اذا أصلحته (الكبير) هو ذو الكبرياء وهى كمال الذات والصفات (المتعالى) هو بمعني العلى مع نوع من المبالغة والعلي هو الذى لا رتبة فوق رتبته وجميع المراتب منحطة عنه (ليخرن) أى ليقعن واللام لام القسم ففي الحديث (الصحيح) في صحيح مسلم (عن جابر بن عبد الله) في حديثه الطويل في غزوة بواط (كالبعير المخشوش) باعجام الخاء والشين المكررة هو الذى يحصل في أنفه خشاش بكسر أوله وهو نحو عود يجعل في أنف البعير الصعب ويشد فيه حبل ليذل وينقاد (الذى يصانع قائده) بالمهملتين والنون أى الذى يذهب برأسه عن قائده يمينا وشمالا لصعوبته (بالمنصف) بفتح الميم والمهملة بينهما نون ساكنة وفي آخره فاء وهو نصف المسافة (التئما) بفتح الفوقية وكسر الهمزة أي اجتمعا (رجعت كل واحدة منهما الى منبتها) من تتمة الحديث انه لما انتهي الى جابر قال يا جابر هل رأيت مقامي قال قلت نعم يا رسول الله قال فانطلق الى الشجرتين فاقطع من كل منهما غصنا فاقبل بهما حتى اذا قمت من مقامي فارسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك قال جابر فقمت فاخذت حجرا فحسرته فاندلق لى قال فاتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله ﷺ أرسلت غصنا عن يمينى وغصنا عن يسارى ثم لحقت فقلت قد فعلت يا رسول الله نعم ذاك قال اني مررت بقبرين يعذبان فاحببت بشفاعتي ان يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين (نخلات) جمع نخلة (والحجارة) بالنصب
стр. 681
مواضعهن* ومنه عن يعلي بن مرة وغيلان بن سلمة الثقفي وفي خبر الجن أنهم قالوا له من شهد لك قال هذه الشجرة تعالى يا شجرة فجاءت تجر عروقها لها قعاقع ونحوه في اعرابي قال له من يشهد لك قال هذه الشجرة فاقبلت تخد الارض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت انه كما قال ثم رجعت الى مكانها وسئله اعرابى آية فامره أن يدعوا له شجرة هنالك فتمايلت من كل جانب فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد الارض تجر عروقها مغيرة حتي وقعت بين يديه فقالت السلام عليك يا رسول الله قال الاعرابي مرها فلترجع الى منبتها فرجعت فدلت عروقها فاستوت فقال الاعرابي أتأذن لى أن أسجد لك قال لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها قال فاذن لى ان أقبل يدك ورجلك فاذن له. وذكر انه ﷺ سار في غزوة الطائف ليلا وهو وسن فاعترضته سدرة فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما وبقيت على ساقين وأصلهما واحد. وقال ﷺ لأعرابي أرأيت ان دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله قال (عن يعلي بن مرة) ويقال له ابن سيابة بفتح المهملة وتخفيف التحتية وبعد الالف موحدة وهي أمه ومرة أبوه ولهم أيضا يعلى بن أمية التميمى هو ابن منبه بضم الميم وسكون النون ثم تحتية وهي أمه أيضا وأمية أبوه (غيلان) بفتح المعجمة وسكون التحتية مات في آخر خلافة عمر قال المزي وغيره من الحفاظ ليس في الرواة عيلان بالمهملة الا في قيس عيلان بن ضمر (ابن سلمة) بفتح اللام (وفي خبر الجن) كما نقله عياض في الشفاء عن ابن مسعود (تعالى) بفتح اللام (لها قعاقع) بتكرير القاف والمهملة بوزن منابر أي صوت كصوت السلاح (ونحوه في اعرابي) رواه في الشفاء مسندا عن ابن عمر (قال هذه الشجرة) زاد في الشفاء السمرة (وسأله اعرابى آية الى آخره) رواه الحاكم عن بريدة (تخد الارض) أى تشقها وهو باعجام الخاء واهمال الدال المشددة (مغيرة) أى مسرعة (لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها) رواه الترمذي عن أبى هريرة ورواه أحمد عن معاذ ورواه أبو داود والحاكم عن قيس بن سعد بلفظ لا مرت النساء أن يسجدن لازواجهن لما جعل لهم عليهم من الحق وفي الحديث تحريم السجود بلا سبب مطلقا وكذا الركوع وفيه تأكد حق الزوج على المرأة (فاذن له) فيه انه لا بأس بتقبيل يد العلماء والصلحاء وتقبيل أرجلهم تبركا وتعظيما لحرمات الله لا رياء ولا سمعة (وذكر انه ﷺ سار في غزوة الطائف الى آخره) حكاه عياض في الشفاء عن ابن فورك (وسن) بفتح الواو وكسر المهملة أي نعسان (وبقيت على ساقين) زاد في الشفاء عن ابن فورك الي وقتنا وهي هناك معروفة معظمة (وقال ﷺ لاعرابى الى آخره) أخرجه الترمذي عن ابن عباس وقال حديث صحيح (العذق) بكسر المهملة
стр. 682
نعم فدعاه فجعل ينقز حتى أتاه فقال ارجع فعاد الى مكانه.
[فصل فيما جاء به من المعجزات في ضروب الحيوانات]
(فصل) فيم جاء به من المعجزات في ضروب الحيوانات من ذلك ما روت عائشة قالت كان عندنا داجن فاذا كان عندنا رسول الله ﷺ قر وثبت مكانه فلم يجىء ولم يذهب فاذا خرج رسول الله ﷺ جاء وذهب وروي عن عمر بن الخطاب قال كان رسول الله ﷺ في محفل من أصحابه إذ جاء اعرابى قد صاد ضبا فقال من هذا قالوا رسول الله ﷺ قال واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب وطرحه بين يدى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ يا ضب فأجابه بلسان عربى مبين لبيك وسعديك يا زين من وافي القيامة قال من تعبد قال الذى في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عذابه قال فمن أنا قال رسول رب العالمين وخاتم النبيين قد أفلح من صدقك وخاب من كذبك فأسلم الاعرابى. ومنه قصة كلام الذئب المشهورة عن أبى سعيد الخدري وغيره وفيها طول واختلاف بين الرواة وسكون المعجمة ثم فاء وهي الكناسة قال الجوهري وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب (ينقز) بضم القاف بعدها زاى أى يثب
(فصل) في معجزاته في الحيوانات (ما روت عائشة) كما أسنده عنها عياض في الشفاء (داجن) بالمهملة والجيم المكسورة وهى ما تألف البيت من الحيوانات كما مر (ضبا) هو بفتح المعجمة وتشديد الموحدة دويبة شبه الورل ذكروا من عجائبه ان له ذكرين في أصل واحد وانه يعيش نحو سبعمائة سنة ولا يشرب الماء بل يكتفي بالنسيم ويبول في كل أربعين يوما قطرة ولا يسقط له سن وذكر الزركشى في شرح البخارى على قوله ﷺ لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه انه انما خص الضب لان العرب تقول هو قاضي الطيور والبهائم وانها اجتعت اليه لما خلق الله الانسان فوصفوه له فقال الضب وصفتم خلقا ينزل الطير من السماء ويخرج الحوت من البحر فما كان ذا جناح فليطر وما كان ذا مخلب فليحتفر (أو) بمعنى حتى (يؤمن) بالنصب بها (عن أبي سعيد وغيره) كابى هريرة (وفيها طول) حاصلها ان الذئب لما عرض للراعي وأخذ شاة من الغنم استنقذها الراعي منه فاقعى الذئب وقال للراعى ألا تتقى الله حلت بينى وبين رزقى قال الراعى العجب من ذئب يتكلم بكلام الانس فقل الذئب الا أخبرك باعجب من ذلك رسول الله ﷺ بين الحرتين يحدث الناس بانباء من قد سبق فاتي الراعي النبي ﷺ فاخبره فقال قم فحدثهم ثم قال صدق (واختلاف بين الرواة) في اللفظ فقط ففي حديث أبي هريرة فقال الذئب أنت أعجب واقف بين غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله نبيا قط أعظم منه قدرا قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم وما بينك وبينه الا هذا الشعب فتصير في جنود الله وفي الحديث ان الذئب حفظ الغنم للراعي
стр. 683
قال ابن عبد البر كلم الذئب من الصحابة رافع بن عميرة وسلمة بن الاكوع وأهبان بن أوس السلمى قلت وكلم أيضا أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية حين كانا مشركين ومثله لابى جهل بن هشام ويتضمن كلام كلهم معجزة لرسول الله ﷺ وتنبيها لكل منهم على نبوئته وحثا على اتباعه. ومنه حديث الجمل وهو حديث مشهور اخرجه الحاكم وصححه ورواه عن النبي ﷺ ثعلبة بن مالك وجابر بن عبد الله ويعلى ابن مرة وعبد الله بن جعفر قال وكان لا يدخل أحد الحائط الا شد عليه الجمل فلما دخل النبي ﷺ دعاه فوضع مشفره في الارض وبرك بين يديه فخطمه وقال ما بين السماء والأرض شيء الا يعلم انى رسول الله الاعاصى الجن والانس وفي رواية أنه جاء وعيناه تذرفان وفي أخرى انه سجد وأخرى قال أتدرون ما يقول زعم انه خدم مواليه أربعين وفي أخرى عشرين حتى كبر فنقصوا من علفه وزادوا في عمله حتى اذا كان لهم غرض أرادوا ان ينحروه غدا فأمرهم أن يحسنوا اليه حتى يأتى أجله. ومثله انقياد الفحلين له وقد تغلبا على صاحبهما فلما جاء ﷺ بركا بين يديه فخطمهما ودفعهما اليه أخرجه ابو نعيم الحافظ.
ومنه ما روى انه ﷺ لما اراد ان ينحر البدن ازدلفن اليه بأيهن يبدأ. وروي أن حمام حتي ذهب فاسلم ثم رجع فوجدها كما هى لم يأخذ الذئب منها شيأ (ابن عميرة) بفتح المهملة وكسر الميم (وسلمة ابن) عمرو بن (الاكوع) زاد عياض وانه كان صاحب هذه القصة وسبب اسلامه (واهبان) بضم الهمزة وسكون الهاء ثم موحدة (ابن أوس) زاد عياض وانه كان صاحب القصة والمحدث بها وتكلم الذئب (السلمى) بضم السين (أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية) نقله في الشفاء عن ابن وهب (حين كانا مشركين) وكانت القصة انهما وجدا ذئبا قد أخذ ظبيا فدخل الظبى الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك فقال الذئب أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم الى الجنة وتدعونه الى النار (و) وقع (مثله) أي مثل هذا المحكي (لابي جهل بن هشام) حكاه عياض في الشفاء بصيغة روى (مشفره) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء قال الجوهري المشفر للبعير كالجحفة للفرس وهي لذى الحافر كالشفة للانسان (من علفه) بفتح اللام اسم ما يعلف به وبالسكون المصدر (تغلبا) أى امتنعا من السير وغلباه (اخرجه أبو نعيم) اسمه أحمد بن عبد الله الاصبهاني ولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ومات في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة باصبهان (ومنه ما روي) عن صدقة بن قرظ بضم القاف وفتح الراء ثم معجمة قال ابن عبد البر كان اسمه في الجاهلية شيطانا فسماه رسول الله ﷺ عبد الله (فازدلفن) بالزاي والفاء أي تفدين (وروى ابن حمام
стр. 684
مكة اظلت عليه يوم الفتح فدعا لها بالبركة وان حما متين وقفنا على فم الغارحين طلبه المشركون ونسجت على فم الغار العنكبوت. ومنه حديث الظبية وقد اخرجه الدارقطني والطبراني والبيهقى بالفاظ مختلفة وحاصلها ان النبي ﷺ وجدها موثقة قد صادها أعرابى فسألته ان يطلقها حتى ترضع أولادها وترجع فاطلقها فذهبت ورجعت فاوثقها الاعرابى فشفع اليه في اطلاقها فاطلقها فخرجت تعدو في الصحراء وتقول أشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله ﷺ . ومنه قصة الاسد مع سفينة مولى رسول الله ﷺ وهي قصة مشهورة وقصة العضباء ونداء الوحوش ها إنك لمحمد وروي أنها لم تأكل بعد النبي ﷺ حتى ماتت. وكلام الحمار الذي أصابه بخيبر وقوله اسمي يزيد بن شهاب فسماه النبي ﷺ يعفورا وكان يوجهه الى دور أصحابه فيستدعيهم له وروى انه لمات النبي ﷺ تردى في بئر جزعا وحزنا فمات. وحديث الناقة التي شهدت لصاحبها عند النبي ﷺ انه ما سرقها وأنها ملكه. والشاة التي حلبها لعسكره وهم زهاء ثلاثمائة فاروتهم ثم قال لرافع اربطها وما أراك فربطها فوجدها قد ذهبت فقال ان الذي جاء بها هو الذي ذهب بها ونزل عن فرس له ليصلي وقال له لا تذهب بارك الله فيك فما حرك عضوا وأخذ ﷺ باذن شاة فبقى اثريده كالميسم وكان في دراريها.
[فصل في كلام الموتي والصبيان ﷺ ]
«فصل» في كلام الموتي والصبيان روي أنس ان شابا من الأنصار توفى وله أم عجوز عمياء قال فسجيناه وعزيناها به فقالت مات ابني قلنا نعم فقالت اللهم ان كنت تعلم اني هاجرت اليك والى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملني على هذه المصيبه فما مكة الى آخره) ذكره في الشفاء عن ابن وهب (ومنه حديث الظبية) وهو حديث صحيح كما قاله الزركشى والقاضي زكريا وغيرهما (وقد رواه الدار قطنى والطبراني والبيهقى) كلهم عن أم سلمة (وقصة العضباء) ذكرها عياض في الشفاء عن الاسفرائيني (لم تأكل) زاد في الشفاء ولم تشرب (وكلام الحمار الذى أصابه بخيبر) رواه في الشفاء عن ابراهيم بن حماد بسنده (اسمى يزيد) وقيل زياد ومن كلامه كان في ابائى ستون حمارا كلهم ركبه نبي وأنت نبي الله فلا يركبني أحد بعدك ذكره السهيلى في كتاب التعريف (ما أراك) بالضم أى ما أظنك (لا تذهب بارك الله فيك) زاد عياض في الشفاء وجعله قبلته (كالميسم) بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المهملة.
(فصل) في كلام الموتي (روي أنس) كما ذكره عنه في الشفاء (فلا تحملن) بفتح أوله وسكون ثانيه
стр. 685
برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمناه واستشهد ثابت بن قيس بن شماس باليمامة فلما أدخل القبر سمعوه يقول محمد رسول الله صدق أبو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان البر الرحيم* وحسر زيد بن حارثة الثوب عن وجهه بعد الموت وقال محمد رسول الله النبي الامي وخاتم النبيين ذلك في الكتاب الاول ثم قال صدق صدق وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ثم عاد ميتا* وأما كلام الاطفال فمنه حديث مبارك اليمامة وفيه انه كلم النبى ﷺ يوم ولد ثم لم يتكلم بعدها حتى شب فكان يسمى مبارك اليمامة* ومنه حديث الصبية التى طرحها أبوها بواد وأضلها فانطلق معه النبي ﷺ الى الوادى وناداها يا فلانة اجيبي باذن الله فخرجت وهى تقول لبيك وسعديك فقال لها ان أبويك قد أسلما فان أحببت ان أردك عليهما فقالت لا حاجة لى بهما وجدت الله خيرا لى منهما.
[فصل في ابراء المرضى وذوى العاهات .]
(فصل) في ابراء المرضى وذوى العاهات. من ذلك ما روى أهل الصحاح أنه ﷺ تفل في عيني على كرم الله وجهه في الجنة يوم خيبر وبه رمد شديد فبرأ من حينه ولم يرمد بعدها. ورد ﷺ عين قتادة بن النعمان يوم أحد وقد برزت على خده وكسر ثالثه (واستشهد ثابت بن قيس الى آخره) حكاه عياض في الشفاء عن عبد الله بن عبيد الله الانصارى وانه كان فيمن دفنه (باليمامة) كانت وقعتها في خلافة الصديق رضى الله عنه (وحسر زيد بن حارثة الي آخره) حكاه عياض عن النعمان بن بشير وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب قال الذهبي زيد بن حارثة المتكلم بعد الموت على الصحيح وقيل المتكلم بعد الموت أبوه وذلك وهم لانه قتل يوم أحد (حديث مبارك اليمامة) أخرجه البيهقى في الدلائل عن معرض بن معيقيب (انه كلم النبي ﷺ يوم ولد) وذلك في حجة الوداع قال له النبي ﷺ من أنا قال رسول الله قال بارك الله فيك (تنبيه) مبارك اليمامة هذا آخر من تكلم في المهد وهم عشرة نبينا ﷺ كما ذكره الواقدي في السير وابراهيم كما ذكره الثعلبي وغيره وعيسي كما هو مشهور ويحيى كما أخرجه الثعلبي عن الضحاك وصاحب جريج قال له من أبوك قال فلان الراعى كما في الصحيحين وغيرهما والطفل المراضع لامه حين مر برجل ذي هيئة فقالت اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الثدى وقال اللهم لا تجعلنى مثله الى آخره كما في الصحيحين أيضا وفي قصة أصحاب الاخدود وجيء بامرأة لتلقى في النار لتكفر ومعها صبي يرضع فتقاعست فقال يا أماه اصبرى فانك على الحق كما في مسلم وشاهد يوسف وابن ماشطة فرعون كما أخرجهما أحمد والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا (ومنه حديث الصبية الى آخره) ذكره عياض عن الحسن البصرى
(فصل) في ابراء المرضى (ورد ﷺ عين قتادة بن النعمان الى آخره) رواه ابن اسحاق في السير عن عاصم بن عمر بن قتادة وأخرجه مالك في الموطأ من حديث جابر وفيه قال ان لى امرأة
стр. 686
وكانت أحسن عينيه ففي ذلك يقول أحد بنيه مفتخرابه:
أنا ابن الذى سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفي أحسن الرد
وروى الدارقطني أن عينيه سقطتا معا. ومنه حديث الاعمى الذى امره أن يتوضأ ويصلى ركعتين ويتوجه الى الله به ﷺ ففعل فرد الله عليه بصره. وأصاب ابن ملاعب الاسنة استسقاء فبعث الى النبى ﷺ فأخذ ﷺ بيده حثوة من الارض وتفل عليها ثم أعطاها رسوله فأتاه بها وهو على شفا حفرة فشربها فشفاه الله. وانكسرت رجل عبد الله بن عتيك حين قتل أبا رافع فلما انتهى الى النبي ﷺ مسح عليها قال فكأنها لم أشتكها قط. ونفث ﷺ على ضربة بساق سلمة بن الاكوع أصيبها يوم خيبر فبرئت. وأثقل خالد بن الوليد بالجراحة يوم حنين فجاء ﷺ يعوده ويقول من يدلنى على رحل خالد فجاء وقد أسند الى مؤخرة رحله فنفث على جرحه فبرأ. وجاءته امرأة بابن لها به جنون فمسح صدره فثع ثعة فخرج من صدره مثل الجر والاسود فشفي.
أحبها واخشى ان رأتنى تقذرني فاخذها رسول الله ﷺ بيده وردها الى موضعها وقال اللهم اكسه جمالا فكانت أحسن عينيه واحدهما نظرا وكانت لا ترمد اذا رمدت الاخرى (ففي ذلك يقول أحد بنيه) أي أحد ذريته (مفتخرا) بعد ان وفد على عمر بن عبد العزيز فسأله عمر من أنت فقال
(أنا ابن الذى سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفي أحسن الرد)
تتمته
فعادت كما كانت لاول أمرها ... فياحسن ما عين ويا حسن مارد
فوصله عمر بن عبد العزيز وقال
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
(وروي الدار قطنى) ومالك في الموطأ (ان عينيه سقطتا) لكن قال الدار قطنى هذا حديث غريب عن مالك تفرد به عمار بن نصر وهو ثقة ورواه عن ابراهيم الحربي عن عمار بن نصر (ومنه حديث الأعمي) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم كلهم عن عثمان بن حنيف وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه من حديث أبى جعفر وهو غير الخطمى (وأصاب ابن ملاعب الاسنة الى آخره) أخرجه بن منده وأبو نعيم وذكره عياض في الشفاء بصيغة روي واسم ملاعب الاسنة هذا عمرو بن مالك واسم ابنه مالك (ثم أعطاها رسوله) زاد في الشفاء فاخذها متعجبا يري أن قد هزئ به (على شفا) بفتح المعجمة والقصر يقال أشفا المريض على الموت وما بقى منه الاشفاء أي قليل (ونفث على ضربة بساق سلمة بن الاكوع) كما أخرجه البخارى في أحد ثلاثياته وأبو داود عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة (وأثقل خالد بن الوليد بالجراحة الى آخره) أخرجه الكشي (وجاءته امرأة الى آخره) ذكر في الشفاء عن ابن عباس (فثع ثعة) بالمثلثة والفاء أى قاء (مثل الجر والاسود) هذا
стр. 687
وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة فمنعته القبض على السيف وعنان الدابة فعركها ﷺ بكفه حتى ارتفعت فلم يبق لها أثر. وسألته ﷺ جارية طعاما وهو يأكل فناولها من بين يديه وكانت قليلة الحياء فقالت انما أريد الذى في فيك فناولها ما في فيه ولم يكن ﷺ يسأل شيئا فيمنعه فلما استقر في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم يكن بالمدينة امرأة أشد حياء منها.
[فصل في إجابة دعائه ﷺ ]
* (فصل) * في اجابة دعائه ﷺ . قال حذيفة كان ﷺ اذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده. فمن ذلك دعاؤه ﷺ لانس ابن مالك وقد سبق ذلك. ومنه دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف بالبركة فاشتهر من يساره ما اشتهر حتى صولحت احدى زوجاته الاربع وهي التى طلقها في مرضه على نيف وثمانين ألفا وأوصى بخمسين ألفا بعد هذا وعدا صدقاته ألفاشية ونفقاته في سبيل الله ألوافية أعتق يوما واحدا ثلاثين عبدا وتصدق مرة بتسعمائة بعير بما تحمل من الخيرات وباقتابها وأحلاسها.
ودعى لسعد بن أبى وقاص أن يكون مستجاب الدعوة فما دعا سعد لاحد أو عليه الا استجيب له. ودعا بعز الاسلام بعمر أو بابى جهل بن هشام فاستجيب له في عمر. وقال للنابغة لا يفضض تصحيف وانما هو مثل الخرء الاسود (شرحبيل) بضم المعجمة وفتح الراء وسكون المهملة بعدها موحدة مكسورة فتحتية ساكنة وقيل ان اسمه شراحيل ذكره في القاموس (الجعفي) بجيم فمهملة ففاء بوزن الكرسى منسوب الى جعفي بوزن كرسى ابن سعد العشيرة الى حي باليمن قاله في القاموس (سلعة) بكسر المهملة وسكون اللام وفتح المهملة زيادة تحدث في الجسد كالغدة تكون من قدر الحمصة الى قدر البطيخة قاله الشمنى فعركها بفتح العين المهملة في المضارع كالماضي (فيمنعه) بالفتح جواب فلم يكن (أشد حياء) بالفتح خبر يكن
(فصل) في اجابة دعائه (قال حذيفة) كما أخرجه عنه أحمد (دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف بالبركة) سبب الدعاء انه جاء الى النبي ﷺ باربعة آلاف درهم فقال كان عندي ثمانية آلاف فامسكت أربعة لنفسى وعيالى وأربعة أقرضتها ربي فقال ﷺ بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت رواه ابن عبد البر وغيره (على نيف وثمانين ألفا) وقيل مائة ألف (اعتق يوما واحدا الى آخره) من جملة تصدقاته الارض التى تصدق بها على أمهات المؤمنين فبيعت باربعين ألفا أخرجه الترمذي وصححه عن عائشة (وأوصى بخمسين ألفا) في سبيل الله كما نقل عن عروة بن الزبير قال الشمنى وقال الزهرى أوصى عبد الرحمن لمن بقي من أهل بدر لكل رجل باربعمائة دينار وكانوا مائة فاخذوها وأخذ عثمان ممن أخذوا وأوصي بالف فرس في سبيل الله (وقال للنابغة) بالنون والموحدة والمعجمة هو الجعدي واسمه قيس بن
стр. 688
الله فاك فعاش عشرين ومائة سنة لم يسقط له سن. وقال لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فسمى بعد ذلك البحر وترجمان القرآن. ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه فما اشترى شيئا الاربح فيه. ودعا بمثل ذلك للمقداد وبمثله لعروة بن الجعد البارقى. قال البخارى وكان لو اشترى التراب ربح فيه. ودعا لعلى أن يكفي الحر والقر فكان يلبس ثياب الشتاء في الصيف وعكسه ولا يبالى. ودعا لفاطمة ابنته أن لا يجيعها الله قالت فما جعت بعد ذلك.
ودعا على مضر بسبع كسبع يوسف فاخذتهم سنة حصّت كل شيء حتى استعطفوه فعطف عليهم. ودعا على كسرى أن يمزق الله ملكه كل ممزق فلم تبق له باقية ولا بقيت لفارس رئاسة. وقال لرجل رآه يأكل بشماله كل بيمينك فقال لا أستطيع فقال لا أسطعت فلم يرفعها الى فيه. ودعا على عتيبة بن أبى لهب أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه فافترسه الاسد. ودعا على قريش حين وضعوا السلا على رقبته وسمى سبعة منهم قال ابن مسعود فلقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم ألقوا في القليب. وكان الحكم بن ابى العاص يختلج بوجهه ويغمز النبي ﷺ بعينيه فقال كذلك كن فلم يزل يختلج حتى مات. ودعا على محلم بن جثامة فلم تقبله الارض يوم مات.
[فصل في كراماته وبركاته وانقلاب الأعيان له فيما لمسه أو باشره ﷺ ]
(فصل) في كراماته وبركاته وانقلاب الاعيان له فيما لمسه أو باشره ﷺ .
من ذلك الآية الباهرة والعبرة الظاهرة وهو ما ثبت في الصحاح من خبر فرس أبى طلحة وجمل جابر. وخفق ﷺ فرسا لجعيل الاشجعي بمخفقة كانت معه فلم يملك رأسها عبد الله وقيل بالعكس قال الشمنى قال الشعر ثم بقي ثلاثين سنة لا يقوله ثم نبغ فيه فسمى النابغة (فعاش عشرين ومائة سنة) زاد في الشفاء وقيل أكثر (لم يسقط له سن) في رواية في الشفاء وكان أحسن الناس ثغرا اذا سقطت له سن نبتت له أخرى (البحر وترجمان) بنصبهما (ودعا بمثل ذلك للمقداد) زاد في الشفاء وكان عنده غرائب من المال (البارقي) بالموحدة والقاف نسبة الى بارق بطن من الازد نزلوا الى جنب جبل يسمى بارقا فنسبوا اليه وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما (كان لو اشترى التراب ربح فيه) قال في الشفاء فقال عروة لقد كنت أقوم بالكناسة فما ارجع حتى اربح أربعين ألفا (القر) بضم القاف وتشديد الراء البرد (حصت) بفتح الحاء وتشديد الصاد المهملتين أي أذهبت (وقال لرجل يأكل بشماله) قال الخطيب هو بسر بن راعى العير الاشجعي صحابي مشهور وغلط من زعم نفاقه وبسر بضم الموحدة وسكون المهملة كما قاله جلال الدين المحلى وغيره وحديثه في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع (ودعا على عتيبة) بالتصغير على الصواب كما سبق (فافترسه) بالمهملة (يختلج) بالمعجمة أي يميل.
(فصل) في كراماته (لجعيل) مصغر وهو ابن سراقة الضمري (بمخفقة) بكسر الميم وسكون
стр. 689
نشاطا وباع من بطنها باثني عشر ألفا. وركب حمارا قطوفا لسعد بن عبادة فكان بعد لا يساير وكانت شعرات من شعره في قلنسوة خالد بن الوليد فكان يستفتح بها في حروبه فيفتح عليه وأعطى الحسن والحسين لسانه فمصاه وكانا يبكيان عطشا فسكتا. وكان يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيكفيهم ريقه الى الليل وكاتب سلمان الفارسى مواليه على ثلاثمائة ودية يغرسها ويعمل عليها حتى تطعم وعلى أربعين أوقية من ذهب فغرسها ﷺ بيده فأطعمت من عامها الا واحدة غرسها غيره فقلعها ﷺ ثم غرسها فاجدت وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من الذهب بعد أن أدارها على لسانه فوزن منها أربعين أوقية وبقى عنده مثل الذى أعطاهم وقال حنش بن عقيل سقانى رسول الله ﷺ شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها فما برحت أجد شبعها اذا جعت وريها اذا عطشت وبردها اذا ظمئت. وانكسر سيف عكاشة يوم بدر فأعطاه رسول الله ﷺ جذل حطب فصار في يده سيفا صارما يشهد به الحروب الى أن استشهد في قتال أهل الردة وكان هذا السيف يسمى العون. ودفع ﷺ لعبد الله بن جحش يوم أحد عرجونا فرجع في يده سيفا ومن بركته ﵌ درة الحوائل كشاة أم معبد وغنم حليمة وشارفها وشاة المقداد. ومسح ﷺ على رأس قيس بن زيد الجذامي ودعا له فمات وهو ابن مائة سنة ورأسه أبيض وما مست يد رسول الله ﷺ أسود فكان يسمى الاغر. ومسح ﷺ على بطن عتيبة بن فرقد وظهره فكان له طيب يعدل طيب نسائه. وسلت الدم على وجه عامر بن عمرو وكان جرح يوم حنين فكانت له غرة كغرة الفرس. ومسح وجه قتادة بن ملحان فكان لوجهه بريق يتراءي فيه كالمرآة. ونضح المعجمة وفتح الفاء ثم قاف وهي الدرة التي يضرب بها (وكاتب سلمان الفارسي) روي قصته الدارمي وابن عبد البر (ودية) بفتح الواو وكسر المهلة وتشديد التحتية هي صغار النخل (أوقية) بضم الهمزة على المشهور وبحذفها في لغة وهي أربعون درهما (فغرسها غيره) روى البخاري في صحيحه ان الذي غرسها سلمان وروي ابن عبد البر ان الذي غرسها عمر وجمع بينهما بانهما غرساها معا فاضاف الراوي مرة غرسها لهذا ومرة لهذا (فاجدت) بالمعجمة والمهملة كما مر نظيره (مثل) بالرفع (حنش) علي لفظ الجنس المعروف (ابن عقيل) مكبر (عكاشة) بتشديد الكاف أشهر من تخفيفها (جذل) بفتح الجيم وسكون المعجمة (العون) بفتح المهملة وسكون الواو (عرجونا) هو أصل العذق الذي يقطع منه الشماريخ فيبقي علي النخل يابسا (وشاة المقداد) زاد في الشفاء وشاة عبد الله بن مسعود وكانت لم ينز عليها فحل (الاغر) بالنصب (ملحان) بكسر الميم وسكون
стр. 690
الماء في وجه ربيبته زينب بنت أم سلمة فاكسبها ذلك جمالا عظيما. وأمر آدر أن ينضحها من عين مج فيها ففعل فبرئ ومج في دلو وصبت في بئر فكان يشم منها رائحة المسك وأحاديث هذا الفصل واسعة وبركاته ﷺ عظيمة عميمة. روينا في سنن أبي داود والترمذى باسناد جيد عن أبى جرىّ جابر بن سليم الهجيمى قال رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيأ الا صدروا عنه قلت من هذا قالوا رسول الله ﷺ قلت عليك السلام يا رسول الله مرتين قال لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية الموتي قل السلام عليك قلت انت رسول الله قال أنا رسول الله الذي اذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك واذا أصابك عام سنة فدعوته انبتها لك وان كنت بأرض قفراء وفلاة فضللت راحلتك فدعوته ردها عليك قال قلت أعهد الى قال لا تسبن أحد قال فما سببت بعده حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة قال ولا تحقرن من المعروف شيئا وان تكلم أخاك وأنت منبسط اليه بوجهك ان ذلك من المعروف وارفع أزارك الى نصف الساق فان أبيت وإياك فالى الكعبين وإياك واسبال الازار فانها من المخيلة وان الله لا يحب المخيلة وان أمرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فانما وبال ذلك عليه وفي اللام بعدها مهملة (فاكسبها ذلك جمالا عظيما) لفظ الشفاء فما يعرف كان في وجه امرأة من الجمال ما بها (آدر) بمد الهمزة ثم مهملة ثم راء من به الادرة وهو انتفاخ الخصيتين (أبى جرى) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد التحتية (ابن سليم) بالتصغير الهجمى نسبة الى بنى الهجم بضم أولها وفتح الجيم قبيلة معروفة (لا تقل عليك السلام) هو نهي تنزيه وتعليم للاكمل والا فهو ينادي به أصل السنة (تحية) بالرفع ووهم من فتحه ظنا انه اسم ان (الموتى) أخذ بهذا القاضي والمتولى فقال اذا سلم على الميت قال عليكم السلام ولا يقول السلام عليكم لانهم ليسوا أهلا للخطاب واستدل الجمهور بما في مسلم ومسند أحمد وغيرهما ان التسليم على الميت كهو على الحي وأجابوا عن الاول بانه اخبار عن عادتهم لا تعليم لهم وبان اخبار السلام عليكم أصح وأكثر وقول القاضي والمتولى ليسوا أهلا للخطاب ممنوع وقد أخرج ابن عبد البر باسناد حسن ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه الا عرفه ورد ﵇ (قلت) هذا التعليل عجيب فان عليك السلام كالخطاب في السلام عليك (أنت رسول الله) بمد الهمزة للاستفهام (عام) بالاضافة (سنة) مجرور بها والسنة عند العرب الجدب (بارض) بالتنوين (قفر) بفتح القاف وسكون الفاء أى خالية (اعهد الي) أي أوصني (واسأل) منصوب على التحذير (من المخيلة) بفتح الميم وكسر المعجمة وسكون التحتية أى الخيلاء وهي العجب بالنفس
стр. 691
معنى حديث ابى جرى قول العفيف بن جعفر حيث يقول:
لذ بالنبي اذا نابتك نائبة ... فعقدها برسول الله محلول
[فصل وأما ما أخبر به من الغيوب فأمر مشتهر والخبر به متواتر والأتيان بجميعه متعذر]
«فصل» وأما ما أخبر به من الغيوب فأمر مشتهر والخبر به متواتر والأتيان بجميعه متعذر. روينا في سنن أبى داود عن حذيفة قال قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك الى قيام الساعة الا حدث به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه اصحابى هؤلاء وانه ليكون منه الشيء فاعرفه واذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل اذا غاب عنه ثم اذا رآه عرفه ثم قال حذيفة ما ادري انسي اصحابى ام تناسوا والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة الى ان تنقضى ايام الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا الا وقد سماه لنا باسمه واسم ابيه وقبيلته وقد خرج اهل الصحاح من ذلك اخبارا واسعة من ذلك اخباره أصحابه بالظهور على أعدائهم وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق وفتح خيبر على يد علىّ في غد يومه واختلاف أمته وافتراقهم على نيف وسبعين فرقة الناجية منها واحدة واخباره ان أمته اذا مشوا المطيطاء وخدمتهم بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم وسلط الله شرارهم على خيارهم وقوله ﵌ زويت لى الارض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى بما زوى لى منها وامتد ملكهم في المشرق (فصل) في ذكر ما أخبر به من الغيوب (في سنن أبي داود عن حذيفة) وخرجه عنه الشيخان أيضا (قام فينا رسول الله ﷺ مقاما) قد جاهد المقام مبينا في حديث عمرو بن أخطب قال صلي بنا رسول الله ﷺ الفجر فصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فاخبر بما كان وما هو كائن فاعلمنا احفظنا خرجه مسلم وللترمذي من حديث أبى سعيد صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر بنهار ثم قام فخطبنا فلم يدع شيأ يكون الى يوم القيامة الا اخبرناه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه (واختلاف أمته الى آخره) خرجه أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة باسانيد صحيحة قال بعضهم أصول هذه الفرق ست الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية وكل فرقة منهم تنقسم الى اثني عشرة فهذه اثنان وسبعون سوي الناجية (الناجية منها) سئل عنها ﷺ فقال ما أنا عليه وأصحابي (اذا مشوا المطيطاء الى آخره) أخرجه الترمذى عن ابن عمر وقال حديث غريب والمطيطاء بضم الميم وفتح الطاء المكررة وسكون التحتية قال ابن الاثير يمد ويقصر وقال الجوهرى بالمد فقط مشية فيها تبختر والمد لليدين ماخوذ من مطيمط اذا مد (زويت لى الارض الى آخره) أخرجه مسلم وأبو داود
стр. 692
والمغرب أعظم من امتداده في الشام واليمن واخباره بملك بني أمية واتخاذهم مال الله دولا وعباده خولا وخروج ولد العباس بالرايات السود وملكهم أضعاف ما ملكوا وخروج المهدى وما ينال أهل بيته وتقتيلهم وتشريدهم وقوله ﷺ لعلى ان أشقاها الذى يخضب هذه من هذه يعني لحيته من رأسه بالدم وان فيه مثلا من ابن مريم أبغضته اليهود حتى بهتوا والترمذى عن ثوبان وزويت بالزاي أي ضمت وجمعت (واخباره بملك بنى أمية) أخرجه الرويانى وابن عساكر عن أبي ذر (وخروج ولد العباس بالرايات السود) من خراسان حتى تنصب بايليا أخرجه الترمذى عن أبي هريرة (وخروج المهدي) أخرجه احمد وأبو داود عن على وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود وقال حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود وعبد الرزاق والترمذى عن أبي سعيد وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة وعن ثوبان وعن عبد الله بن الحارث بن جزء باسانيد صحيحة (تنبيه) أحاديث خروج المهدى معارضة بما أخرجه ابن ماجه ثنا يونس بن عبد الاعلى ثنا محمد بن ادريس الشافعي قال حدثنى محمد بن خالد الجندي عن ابان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لا يزداد الامر الاشدة ولا الدنيا الا ادبارا ولا الناس الا شحا ولا تقوم الساعة الاعلى شرار الخلق ولا مهدي الا عيسى بن مريم وخرجه أبو الحسن الآجرى أيضا وأجاب عنه الحفاظ بانه حديث لا يصح لانه انفرد بروايته محمد بن خالد الجندى وهو مجهول كما قاله البخارى واختلف عليه في اسناده فتارة يرويه عن ابان عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلا مع ضعف وتارة برويه عن ابان عن الحسن عن أنس والاحاديث في خروج المهدى ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم لما دونه (فائدة) كان أهل البيت يزعمون أن محمد بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن هو المهدي وذلك بمواطأة اسمه واسم أبيه اسمه ﷺ واسم أبيه ولولا عدم اجتماع علامات المهدى فيه لقطع به سيما وهو كان يسمى المهدى ويسمى النفس الزكية لان حديث يدفن هاهنا رجل من أهل بيتى نفس زكية فدفن حيث أشار ﷺ وذلك بالمدينة الشريفة قتله جند العباسيين حين قام على المنصور سنة مائة وخمسين من الهجرة (ان أشقاها) أي البرية (الذي يخضب هذه) يريد لحيته (من هذه) يريد ناصيته وهذا الحديث أخرجه ابن عبد البر وغيره عن صهيب قال قال رسول الله ﷺ يا على تدرى من أشقى الاولين قال الذي عقر ناقة صالح قال صدقت قال تدري من أشقى الآخرين قال الله ورسوله أعلم قال الذى يضربك على هذه وأشار الي نافوخه بالمعجمة فيبتل منها هذه وأخذ بلحيته وذهب ابن عبد البر وغيره أن عليا كان عند تراكم الفتن يقول والله لوددت أن لو بعث أشقاها (وأن فيه مثلا من ابن مريم) أخرجه بن عبد البر وغيره عن على (بهتو
стр. 693
أمه وأحبه النصارى حتى أنزلوه المنزلة التى ليست له وأخبر بقتال الزبير له وهو ظالم له وبأن عمار تقتله الفئة الباغية وقال لعبد الله بن الزبير ويل لك من الناس وويل للناس منك وقال في قزمان وكان قد أبلى مع المسلمين وأعجب المسلمون بنفعه انه من أهل النار فقتل نفسه وقال لجماعة من اصحابه آخركم موتا في النار فكان آخر أولئك موتا سمرة بن جندب احترق في نار ومات واخبر ان في ثقيف كذابا ومبيرا وان مسيلمة يعقره الله وان فاطمة اول اهله لحوقا أمه) أى كذبوا عليها ونسبوها الى الفجور قاتلهم الله (حتى أنزلوه المنزلة التي ليس بها) فقالوا هو ابن الله سبحان الله عن الصاحبة والولد وقد ظهر مصداق ما أخبر به ﷺ فقد تدينت الناصبة وأشبهاههم ببغضه حتى أنهم يلعنونه ويسبونه على منابرهم انتقم الله منهم له وأحبته فرق الشيعة حتى غلا بعضهم في محبته وادعي له النبوة وزاد بعضهم في الغلو فادعي له الربوبية وكلا الفرقتين كافر باجماع من يعتبر به (وأخبر بقتال الزبير له وهو ظالم له) خرجه بن عبد البر في الاستيعاب وذكر أن عليا نادى الزبير يوم الجمل يا عبد الله ادن الى أذكرك كلاما سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ فقال علىّ الامان فقال عليك الامان فبرز فاذكره أن رسول الله ﷺ قال له وقد وجدهما يضحكان بعضهما الى بعض أما انك ستقاتل عليا وأنت له ظالم فقال الزبير اللهم اني ما ذكرت هذا الا هذه الساعة وثناعنان فرسه (وبأن عمارا تقتله الفئة الباغية) كما أخرجه الشيخان وغيرهما وقد مر (وقال لعبد الله ابن الزبير الى آخره) أخرجه الدار قطنى في السنن (ويل لك) عذاب يأتيك في الدنيا (من الناس) يعني الحجاج بن يوسف الثقفي (وويل) في الآخرة (للناس) للحجاج (منك) أى بسببك فقتل الحجاج عبد الله وصلبه كما أخرجه مسلم عن أبي نوفل (قزمان) بضم القاف وسكون الزاي هو ابن على الظفرى وقصته مشهورة في الصحيحين وغيرهما (وكان قد أبلي مع المسلمين) يوم خيبر (آخركم) موتا (في النار) أخرجه بن عبد البر في الاستيعاب (احترق في نار ومات فيها) قال ابن عبد البر أصاب سمرة مرض فكان يعالج بالقعود على قدر مملوه ماء حارا فسقط ذا يوم في القدر فمات فيها وذلك بالبصرة سنة ثمان أو سبع وخمسين (وأخبر ان في ثقيف الى آخره) أخرجه مسلم عن أسماء بنت أبي بكر وأخرجه الترمذي عن ابن عمر وأخرجه الطبراني عن حذيفة (كذابا) هو المختار بن أبي عبيد بالاتفاق قال النووى ومن أقبح كذبه دعواه أن جبريل يأتيه قال الشمنى وكان المختار واليا على الكوفة وكان يلقب بكيسان واليه تنسب الكيسانية وكان خارجيا ثم صار زيديا ثم صار شيعيا وكان يدعو الى محمد بن الحنفية ومحمد يتبرأ منه وكان أرسل ابن الاشتر بعسكر الى ابن زياد قاتل الحسين فقتله وقتل من كان في قتل الحسين ممن قدر عليه ولما ولى مصعب بن الزبير على البصرة من جهة عبد الله ابن الزبير قاتل المختار بن عبيد وقتله (ومبيرا) بضم الميم وكسر الموحدة ثم تحتية ساكنة ثم راء أى مهلكا والبوار الهلاك قال تعالى وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً أي هلكا وهذا المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي بالاتفاق أيضا وروى الترمذي عن هشام بن حسان قال أحصى من قتل الحجاج صبرا فوجد مائة ألف وعشرون ألفا
стр. 694
به وبان الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا فكانت كذلك بمدة الحسين وقال للحسن بن على ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين واخبر بقتل الحسين بالطف واخرج بيده تربة وقال فيها مضجعه واخبر بشأن اويس القرنى وبأن الانصار يستأثر عليهم بالدنيا وبأنهم يقلون حتى يكونوا كالملح في الطعام واخبر بكتاب حاطب الى اهل مكة ينذرهم واخبر عمه العباس حين اسر ببدر بماله الذى تركه عند زوجته أم الفضل ولم يعلم به أحد وأخبر أنه يقتل أبي بن خلف فقتله بيده واعلم بمصارع كفار بدر فما ماط أحد عن موضع يده وقال لسعد لعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون وأخبر بقتل أهل مؤتة يوم قتلوا وبموت النجاشى وان اسرع ازواجه لحقوقا به اطولهن يدا فكانت زينب وكان طول يدها (وبأن الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنة وأبو يعلى وابن حبان عن سفينة فكانت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وخلافة عمر عشر سنين وثلاثة أشهر وخلافة عثمان إحدي عشر سنة وإحدى عشر شهرا وخلافة على خمس سنين وخلافة الحسن سبعة أشهر وبها تمت الخلافة وهذا اصح ما قيل ووراء ذلك أقوال أخر (أن أبنى هذا سيد الي آخره) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي بكرة (ولعل الله) هي هنا واجبة ففي رواية خارج الصحيح وسيصلح الله (به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) في الحديث أن البغي لا يزيل اسم الاسلام والمراد به هنا الايمان ليوافق قوله تعالى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية وقد ظهر مصداق ما أخبر به ﷺ وذلك أن سيدنا الحسن ﵁ سار من العراق الى معاوية وسار اليه معاوية ومع كل منهما كتائب أمثال الجبال فلما تقاربا وذلك بناحية الانبار من أرض السواد ورأي الحسن تكاثر الجيوش تحنن عليهم وأخذته رأفة المسلمين فقال عمرو بن العاص اني لاري كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها فقال معاوية أي عمرو ان قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لى بامور المسلمين من لى بضيعتهم فكتب معاوية بالصلح على أن يسلم له الحسن الامر ويكون له من بعده فرضي بذلك وافترق الجمع حسب ما ذكره ابن عبد البر وغيره (وأخبر بقتل الحسين الى آخره) أخرجه أحمد عن أنس بن مالك وأخرجه بن السكن عن أنس بن الحارث وزاد فمن أدركه منكم فلينصره فقتل أنس بن الحارث مع الحسين بن على (بالطف) بفتح المهملة وتشديد الفاء موضع بناحية الكوفة (وأخرج بيده تربة وقال فيها مضجعه) كما زاده أحمد وفيه أن أم سلمة أخذت التربة فصرتها في خمارها قال ثابت بلغنا أنها كربلاء وأخرج الترمذى عن سلمي امرأة من الانصار قالت دخلت على أم سلمة رضى الله عنها وهي تبكي فقلت ما يبكيك قالت رأيت الآن رسول الله ﷺ في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب وهو يبكى فقلت مالك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفا (وأخبر بشأن إويس) بن عامر (القرني) كما أخرجه مسلم عن أسد بن جابر والقرني بفتح القاف والراء نسبة الي قرن بن ردمان ابن ناجية بن مراد قال الكلبي ومراد اسمه جابر بن مالك بن أدد بن يشجب بن يعرب بن زيد بن كهلان بن
стр. 695
الصدقة وقال في يزيد بن صوحان سبقه عضو منه الى الجنة فقطعت يده في الجهاد واخبر بامارات القيامة وأشراطها فمنها ان تلد الأمة ربتها وان ترى الحفاة الرعاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان وتقارب الزمان وقبض العلم وظهور الفتن والهرج وذهاب الامثل فالأمثل من الناس وخروج ثلاثين دجالا كذابا آخرهم الدجال الأعظم وقال ويل للعرب من شر قد اقترب الى ما اخبر به من اسرار المنافقين وهتك استارهم حتى قال بعضهم لصاحبه اسكت فو الله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء الى ما اخبر به من احوال يوم القيامة وتطوره واحداثه والله اعلم. وقال القاضى ﵀:
سبأ وغلط الجوهرى فقال أنه منسوب الى قرن المنازل (ابن صوحان) بالصاد المضمومة والحاء المهملتين (بامارات القيامة) أى علاماتها (ان تلد الامة ربتها) للبخارى في التفسير ربها زاد مسلم يعني السرارى ولاحمد أن تلد الاماء أربابهن والمراد بالرب المالك أو السيد قال الخطابى معناه اتساع الاسلام واستيلاء أهله على بلاد الترك وسبي ذراريهم واتخاذهم سرارى فاذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة سيدها لانه ولده ونقل النووي ذلك عن الاكثرين قال في التوشيح ويقدر من هذا قول وكيع في تفسيره ان تلد العجم العرب ويوجه بان الاماء تلد الملوك فتصير الام من جملة الرعية والملك سيد رعيته وقيل معنى ذلك كثرة العقوق في الاولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الاهانة والضرب والسب والاستخدام فاطلق عليه ربها مجازا وحقيقة بمعنى المربي (العالة) أي الفقراء (رعاء) بكسر الراء مع المد (الشاء) بالمد أيضا (يتطاولون) أي يتفاخرون (في) طول (البنيان) والمراد الاخبار عن تبدل الحال بان يستولى أهل البادية على الامر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم الى تشييد البنيان والتفاخر «١» ذكر معنى ذلك (والهرج) بفتح الهاء وسكون الواء ثم جيم هو القتل (وذهاب الامثل فالامثل) كما أخرجه أحمد والبخارى عن مرداس الاسلمي الامثل الفاضل الخيار (وويل للعرب الى آخره) أخرجه البخاري عن زينب بنت جحش وأخرجه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة وزاد أفلح من كف يده قال القرطبي والمراد بالويل في هذا الحديث الحرب قاله ابن عرفة فأخبر ﷺ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والاموال والامارة وصار ذلك في غيرهم من الترك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته ﵊ ولما جاءهم به من الدين والاسلام فلما لم يشكروا النعمة سلبها الله منهم ونقلها الى غيرهم ومن ثم قالت زينب في سياق هذا الحديث أنهلك وفينا الصالحون قال نعم اذا كثر الخبث.
стр. 696
[فصل ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم]
(فصل) ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين ومعرفته بأمور شرائعه وقوانين دينه وسياسة عباده ومصالح امته وما كان في الامم قبله وقصص الانبياء والرسل والجبابرة والقرون الماضية من لدن آدم الى زمنه وحفظ شرائعهم وكتبهم ووعى سيرهم وسرد أنبائهم وأيام الله فيهم وصفات أعيانهم واختلاف أرائهم والمعرفة بمددهم واعمارهم وحكم حكامهم ومحاجة كل أمة من الكفرة ومعارضة كل فرقة من أهل الكتابين بما في كتبهم واعلامهم باسرارها ومخبآت علومها واخبارهم بما كتموه من ذلك وغيروه الى الاحتواء على لغات العرب وغريب الفاظ فرقها والاحاطة بضروب فصاحاتها والحفظ لايامها وأمثالها وحكمها ومعاني أشعارها والتخصيص بجوامع كلمها الى المعرفة بضرب الامثال الصحيحة والحكم البينة لتقريب التفهيم للغامض والتبيين للمشكل الى تمهيد قواعد الشرع الذى لا تناقض فيه ولا تخاذل مع اشتمال شريعته عن محاسن الاخلاق ومحامد الآداب وكل شيء مستحسن مفضل لم ينكر منه ملحد ذو عقل سليم شيأ الا من جهة الخذلان بل كل جاحد وكافر من الجاهلية به اذا سمع ما يدعوا اليه صوبه واستحسنه دون طلب اقامة برهان عليه ثم ما أحل لهم من الطيبات وحرم عليهم من الخبائث وصان به أنفسهم واعراضهم وأموالهم من المعاقبات والحد ودعا جلا والتخويف بالنار آجلا الى الاحتواء على ضروب العلوم وفنون المعارف كالطب والعبارة والفرائض والحساب والنسب وغير ذلك من العلوم مما اتخذ أهل هذه المعارف كلامه ﷺ فيها قدوة وأصولا في علمهم كقوله ﷺ الرؤيا لاول عابر وهي على رجل طائر (فصل) ومن معجزاته الباهرة (أحل لهم) بفتح الهمزة مبنى للفاعل وكذا وحرم (والعبارة) بكسر المهملة ثم موحدة هي تعبير الرؤيا (والفرائض) جمع فريضة بمعنى مفروضة (الرؤيا لاول عابر) ليس هذا على الاطلاق كما قاله النووى وانما ذلك اذا أصاب وجهها فمن ثم قال ﷺ لسيدنا أبي بكر حين عبر الرؤيا أصبت بعضا وأخطأت بعضا وفي قوله تعالى قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ دليل لذلك فان الرؤيا كانت رؤيا صحيحة على حسب ما فسره سيدنا يوسف ولو كانت لاول عابر مطلقا لما أخطأ أبو بكر في بعض ما عبر ولكانت الرؤيا التى عبرها يوسف أضغاث أحلام (وعلى رجل طائر) تتمة الحديث فاذا عبرت وقعت ولا تقصها الا على وادّ أودى رأي أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم عن ابن رزين ومعنى قوله على رجل طائر كما قاله الهروى على قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر وقال ابن قتيبة أراد انها غير مستقرة يقال للشيء اذا لم يستقر هو على رجل
стр. 697
واذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وقوله ﵇ أصل كل داء البردة أي التخمة وخير ما تداويتم به السعوط واللدود والمشي والحجامة وخير الحجامة يوم تسع عشرة وسبع عشرة واحدى وعشرين وفي العود الهندي سبعة اشفية وفي الحبة السوداء شفاء من كل داء الا السام وقوله من يصبح سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر وقوله في السنا طائر وعلى قرن ظبي وبين مخالب طائر (اذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب) تتمة الحديث وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا أخرجه الشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة والمراد اذا قارب الزمان ان يعتدل ليله ونهاره قاله الخطابي وغيره وقيل المراد اذا قارب القيامة والاول أشهر قاله النووي وقوله وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا هو على الاطلاق ونقل عياض عن بعض العلماء ان هذا يكون في آخر الزمان اذا انقطع العلم ومات العلماء والصالحون ومن يستدل بقوله وعمله فجعله الله له جابرا وعوضا ومنبها لهم قال النووي والاول أظهر لان غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل الي رؤياه (أصل كل داء البردة) أخرجه الدار قطنى بسند ضعيف عن أنس وأخرجه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن على وأبي سعيد وعن الزهرى مرسلا والبردة بفتح الموحدة والراء والمهملة قال الشمني هى التخمة وثقل الطعام على المعدة لان ذلك يبرد المعدة (خير ما تداويتم به الى آخره) أخرجه بمعناه أحمد والطبراني والحاكم عن سمرة وأخرجه أحمد والنسائي عن أنس وأخرجه أبو نعيم في الطب عن على (السعوط) بمهملات وفتح السين ما يتداوى به في الانف وهو الانتشاق أيضا (واللدود) بتكرير المهملة وفتح اللام ومر ذكره في الوفاة (والمشي) بفتح الميم وكسر المعجمة وتشديد التحتية قال ابن الاثير هو الدواء المسهل الذي يحمل صاحبه على المشي والتردد الى الخلاء (وخير الحجامة يوم سبع عشرة الى آخره) أخرجه البزار وأبو نعيم في الطب عن ابن عباس ولابن سعد والطبرانى وابن عدى من حديث معقل بن يسار الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر دواء الداء سنة (عليكم بالعود الهندي الى آخره) قد تقدم الكلام عليه في الوفاة (وفي الحبة السوداء شفاء من كل داء الا السام) أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود عن أبي هريرة والحبة السوداء هو الشونيز بضم المعجمة وفتحها وكسر النون وسكون التحتية ثم زاى قال النووي هذا الصواب المشهور الذي ذكره الجمهور وقيل انها الخردل وقيل الحبة الخضراء وهي البطم والعرب تسمى الاخضر أسود وقوله من كل داء قيل هو على عمومه وانها تدخل في كل دواء بالتركيب وقيل هو من العام الذى أريد به الخاص أي من كل داء يقبل العلاج بها والسام بالمهملة بلا همز وهو الموت (من يصبح سبع تمرات عجوة الى آخره) أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص وأراد تمر المدينة فقط كما جاء في الاحاديث الصحيحة قال النووي تخصيص عجوة المدينة دون غيرها وعدد السبع مما علمه الشارع ﷺ ولا نعلم نحن حكمتها فيجب الايمان بها واعتقاد فضلها والحكمة وهي كاعداد الصلوات ونصب الزكاة وغيرها (سم) مثلث السين والفتح أفصح (وقوله في السناء) بفتح المهملة مع المد والقصر قال في القاموس بنت مسهل
стр. 698
انه حار بارد وسئل عن سبأ ارجل هو أم امرأة أم أرض فقال رجل ولد عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة الحديث بطوله وقال حمير رأس العرب ونابها ومذحج هامتها وغلصمها والازد كاهلها وجمجمتها وهمدان غاربها وذروتها وتعليمه لكاتبه تصوير الحروف باسمائها مع كونه اميالا يكتب وأما جوابه لوفود العرب على اختلافهم وخطاب كل منهم بلغته وتكلمه بالرطانة في بعض الاحيان فامر شائع هذا كله. وهو امي لا يحسب ولا يكتب ولا علّم ولا نقل انه اشتغل بمدارسة كتب ولا بمجالسة احد مما علمها قال تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ وقال تعالى وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
وهذا تلخيص ما ذكره القاضى مع زيادات زدتها والحق بالمعجزات ايضا كفاية الله له وعصمته من الناس في حال اجتماعه وانفراده وكثرة المحاسد والمعاند قال الله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وقال واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا وقال للصفراء والسوداء والبلغم (انه حار بارد) ولابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن أم حرام عليكم بالسناء والسنون فان فيهما شفاء من كل داء الا السام والسنون بفتح المهملة وضم النون أو كسر المهملة وفتح النون وسكون الواو ثم فوقية العسل (وسئل عن سبأ) كما نقله البغوي عن أبى سبرة النخعى عن فروة بن مسيك القطيعي (كان رجلا من العرب) هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (تيامن منهم ستة) وهم كندة والاشعريون والازد ومذحج وانمار وحمير (وتشآم منهم أربعة) وهم عاملة وجراد ولخم وغسان (حمير) بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتية (ونابها) بالنون والموحدة (ومذحج) بفتح الميم وسكون المعجمة وكسر المهملة بعدها جيم كما مر ذكر نسبه (وغلصمها) بفتح المعجمة وسكون اللام وكسر المهملة هو رأس الحلقوم وهو الموضع الثانى في الحلق (وكاهلها) هو ما بين الكتفين (وهمدان) بسكون الميم واهمال الدال كما سبق (وغاربها) ما بين السنام والعنق (وذروتها) بضم المعجمة وكسر التاء أعلاها (ولا علم) بتخفيف اللام (وما كنت تتلو من قبله) أي قبل القرآن (تنبيه) ترك المصنف من المعجزات كثيرا مما ذكره عياض في الشفاء فليراجع فان فيه اشياء من المعجزات وخوارق العادات في كل فنّ من هذه الفنون التى ذكرها المصنف ولولا خوف الاشهار والتطويل في ذكرها لذكرتها (خاتمة) قال ابن الجوزى في المنتخب شارك نبينا ﷺ الانبياء في مناصبهم وزاد سبطه قوله: أين انشقاق البحر من انشقاق القمر أين انفجار الماء من الحجر من انفجاره من الاصابع أين التكليم عند الطور من قاب قوسين أين تسبيح الجبال في أماكنها من تسبيح الحصا في الكف اين علو سليمان بالريح من ليلة المعراج أين احياء عيسى الموتي من تكليم الذراع قال ونقل الرازي عن البيهقى ان الامام الشافعى قيل له ان الله أعطي عيسى احياء الميت فقال الشافعي حنين الجذع أعظم منه ان احياء الخشبة أعظم من احياء الميت وقال فلق القمر أعظم من فلق البحر لان فلق القمر سماوي وخروج الماء من الحجر معتاد بخلاف الاصابع فان خروجه من اللحم والدم أعجب والله أعلم.
стр. 699
اليس الله بكاف عبده وقال انا كفيناك المستهزئين وقال واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين والاخبار في اذى الكفار له ﷺ وحرصهم على الفتك به وتظاهرهم على ذلك واسعة شائعة فلا نطول بسردها والله اعلم.
[القسم الثالث في شمائله وفضائله وأقواله وأفعاله في جميع أحواله]
«القسم الثالث في شمائله وفضائله واقواله وافعاله في جميع احواله» قال المؤلف كان الله له لا خفاء على من مارس شيئا من علوم النقل وزينه الله بادنى مسكة من عقل انه ﷺ قد كان مجبولا على اكرم الخصال واحمدها في المآل وانه قد كان يأتى منها على البديهة بما يشق على غيره وذلك من غير تأديب ولا تعليم فطرة من العزيز العليم وكفي في تعزيز ذلك قوله وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ويتلخص الكلام من هذه الجملة في ثلاثة ابواب حسب ما تقدم
[الباب الأول في عادته وسجيته في المباحثات والمعتادات الضروريات ﷺ ]
«الباب الاول» في عادته وسجيته في المباحثات والمعتادات الضروريات ﷺ وهى لا حقة في حقه بالطاعات وفي حق غيره من قرنها بالنيات الصالحات. فمن ذلك عادته في الغذاء والنوم ولم تزل الحكماء والعلماء اهل الفطن السليمة يتمادحون بالتقلل منهما ويذمون بضده لما يتولد منه من الاذي عاجلا وآجلا وأيضا فان الدواعي الباعثة على التوسع فيهما رديئة وقد كان رسول الله ﵌ آخذا في ذلك بالطريقة المثلى وما هو أو في أما الطعام فكان يتناول منه على حد الضرورة وقوام الجسد من غير تنطع ولا تشبع (القسم الثالث) (مارس) بالراء والمهملة أي خالط (مسكة) مثلث الميم والضم أشهر وسكون المهملة العقل الوافر قاله في القاموس (المآل) بمد الهمزة المرجع (شق) بضم المعجمة وكسرها (من غير تأديب) من أحد من الخلق بل تأديب ربه جل وعلا كما روى السمعاني في أدب الاملاء بسند ضعيف عن ابن مسعود أدبنى ربى فاحسن تأديبي (وانك لعلى خلق عظيم) قال بعض العارفين حقيقة الخلق انه صورة الانسان الباطنة وهي النفس وأوصافها ومعانيها وللنفس أوصاف قبيحة وحسنة وللثواب والعقاب تعلق بتلك الاوصاف الباطنة أكثر مر تعلقها باوصاف الصورة الظاهرة وسبق الكلام أول الخطبة على الخلق العظيم التي أرادها جل وعلا وأثنى على حبيبه ﷺ بها.
(الباب الاول) (في الغذاء) بكسر الغين وفتح الذال المعجمتين والمد ما يتغذى به من الطعام والشراب (رديئة) بالهمز وتركه (بالطريقة المثلى) بضم الميم وسكون المثلثة تأنيث الامثل (تنطع) بفتح الفوقية
стр. 700
قالت عائشة لم يمتل جوف النبى ﷺ شبعا قط وكان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه ان أطعموه أكل وما أطعموه قبل وما سقوه شرب وكان أحب الطعام اليه ما كان على ضفف أي كثرة الايدى (وروى) المقداد بن معدي كرب عنه ﷺ انه قال ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم من أكلات يقمن صلبه فان كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. وفي المتفق عليه عنه ﷺ طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الاربعة وفي رواية لمسلم وطعام الاربعة يكفي الثمانية. وروى أبو داود عن وحشى بن حرب أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا يا رسول الله انا نأكل ولا نشبع قال فلعلكم تتفرقون قالوا نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه. وكان ﷺ يجلس على الطعام مستوفزا مقعيا وربما جثى على ركبتيه ويقول انما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد. وقال له اعرابى ما هذه الجلسة قال ان الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا. وقال والنون وضم الطاء ثم عين مهملتين أي مبالغة (لم يمتل) كذا الرواية بلا همز وهو في الاصل مهموز (على ضفف) بفتح المعجمة والفاء الاولى قاله عياض في الشفاء (أى كثرة الايدي) وهذا قول الخليل بن أحمد وفسره أبو زيد بالضيق والشدة وفسره الاصمعي بان يكون الا كلة أكثر من الطعام (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه الي آخره) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وأبو نعيم كلهم عن المقدام بن معدي كرب (حسب ابن آدم) بفتح الحاء وسكون السين المهملتين أي يكفيه وابن مجرور باضافة حسب اليه (اكلات) بضم الهمزة وفتح الكاف جمع أكلة بضم الهمزة وسكون الكاف وهى اللقمة وزنا ومعنى وأما الاكلة بفتح الهمزة فهي المرة من الاكل كالغدوة والعشوة وأكلات بالضم فاعل حسب (فان كان لا محالة) له عن الاستكثار والزيادة على قدر ما يقوم به الجسد (فثلث) بالرفع أى فحسبه ثلث بضم اللام وسكونها (لنفسه) بفتح الفاء (وفي المتفق عليه) ما رواه الشيخان والترمذي عن أبى هريرة (طعام الاثنين يكفي الثلاثة) وقبله لاحمد ومسلم والترمذى والنسائى عن جابر طعام الواحد يكفي الاثنين (وفي رواية لمسلم) واحمد والترمذي والنسائي عن جابر (وطعام الاربعة يكفي الثمانية) زاد الطبرانى عن ابن عمر فاجتمعوا عليه ولا تفرقوا وفي هذه الاحاديث الحث على المواساة في الطعام وانه وان كان قليلا يحصل منه الكفاية المقصودة ويقع فيه بركة تعم الحاضرين لخصوصية الاجتماع (وروى أبو داود عن وحشى بن حرب) وقد رواه عنه أيضا احمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم بسند صحيح قالوا وليس لو حشى في كتب السنة سوى هذا الحديث (يبارك) مجزوم بجواب الامر (مقعيا) بضم الميم وسكون القاف وكسر المهملة أى جالسا على وركيه محتفزا مستوفزا قاله النضر بن شميل (ويقول انما أنا عبد الي آخره) أخرجه ابن سعد وأبو يعلي عن عائشة (ان الله) تعالى (جعلنى عبدا كريما الى آخره) أخرجه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن بسر بالموحدة واهمال السين (عنيدا) بالنون أي معرضا عن الحق
стр. 701
أما انا فلا آكل مثكئا وكان ﷺ يأمر مواكليه بحسن الأدب في الاكل كما قال لربيبه عمر بن أبى سلمة وكانت يده تطيش في الصحيفة سم الله يا غلام وكل بيمينك وكل مما يليك وقال البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه. وأكل عنده رجل بشماله فقال كل بيمينك قال لا أستطيع قال لا استطعت ما منعه الا الكبر فما رفعها بعد الى فيه رواه مسلم ونهى المتواكلين عن القران في التمر الا أن يستأذن الرجل أخاه. وكان من أدب أصحابه معه اذا وضع الطعام لا يضعون أيديهم حتى يضع يده. وحضروا معه مرة على طعام فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فاخذ رسول الله ﷺ يدها ثم جاء أعرابى كانما يدفع فاخذ بيده فقال رسول الله ﷺ ان الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر عليه اسم الله وانه جاء بهذه الجارية يستحل بها فاخذت بيدها فجاء بهذا الاعرابى يستحل به فاخذت بيده والذي نفسي بيده ان يده في يدى مع أيديهما مجانبا له (اما انا فلا آكل متكئا) أخرجه بهذا اللفظ الترمذى عن أبى حنيفة بسند صحيح قال في الشفاء الاتكاء التمكن للاكل في الجلوس والتقعدد له كالتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته والجالس على هذه الهيئة يستدعى الاكل ويستكثر منه وليس معني الحديث في الاتكاء الميل على شق عند المحققين (وقال لربيبه عمر بن أبي سلمة) كما أخرجه الشيخان والترمذى والنسائي عنه (تطيش) باهمال الطاء واعجام الشين أى يتحرك ويضطرب ويمتد الي نواحى الصحفة ولا يقتصر على موضع واحد (سم الله) فيه ندب التسمية أثناء الطعام اذا ترك في أوله قالوا ولعل ذلك كان قبل أن يسمى غيره ممن حضر الطعام والا كان قد حصلت سنة التسمية لانها سنة كفاية كذا قاله النووى وغيره (قلت) أو لعله أراد تعليمه آداب الاكل وسننه المستحبة مطلقا فمن ثم قال (وكل بيمينك) ولم يكن حينئذ يأكل الا بها (وكل مما يليك) محله في غير الرطب كما ورد في الحديث الصحيح (بركة تنزل من وسط الطعام الى آخره) أخرجه أحمد والبيهقي في السنن عن ابن عباس ولابي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن بسر كلوا من حواليها وذروا ذروتها يبارك فيها ولابن ماجه من حديث واثلة بن الاسقع كلوا باسم الله من حواليها واعفوا رأسها فان البركة تأتيها من فوقها (ونهى المتواكلين عن القران في التمر الى آخره) أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن عمر والنهي للكراهة إن تيقن رضاهم والا فللتحريم وبهذا يجمع بين ما نقله عياض عن أهل الظاهر انه للتحريم وعن غيرهم انه للكراهة (لا يضعون أيديهم حتى يضع يده) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن حذيفة (كأنها تدفع) أي لشدة اسراعها (يستحل الطعام) أي يتمكن منه (أن لا يذكر) بضم أوله وفتح الكاف مبنى للمفعول (مع أيديهما) في بعض نسخ مسلم مع يدها وفي أخري مع يدهما ولابي داود مع
стр. 702
ثم ذكر الله فيها وأكل رواه مسلم. وروي أبو داود والنسائى عن أمية بن مخشى قال كان رسول الله ﷺ جالسا ورجل يأكل فلم يسم الله حتى لم يبق من طعامه الا لقمة فلما رفعها الى فيه قال بسم الله أوله وآخره فضحك النبي ﷺ فقال ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر الله استقاء ما في بطنه. وعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء اعرابى فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ أما انه لو سمي الله لكفاكم رواه الترمذي وصححه. وكان ﷺ يأكل بثلاث أصابع قال أنس كان رسول الله ﷺ اذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث وقال اذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان. وأمرنا أن نسلت القصعة أيديهما (رواه مسلم) وأبو داود والترمذى عن حذيفة الا قوله ثم ذكر الله تعالى وأكل فلمسلم فقط (وروي أبو داود) واللفظ له (والنسائي) والحاكم في المستدرك والدارقطني (عن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية قال الدارقطني لم يسند عن النبي ﷺ غير هذا الحديث (ابن مخشي) بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد التحتية (أوله وآخره) بنصبهما (استقاء ما في بطنه) هو على وجه ضرب المثل لعود البركة المفقودة لفقد التسمية وقد يؤخد منه ندب التسمية لتاركها عقب الفراغ لقصد عود البركة كما قاله بعضهم ويجاب عنه بان الشارع ﷺ انما أخبر بذلك في محل بقاء شيء من الطعام الذى تركت عليه التسمية لاشعار ذكرها آخر الطعام بعدم استغراق الغفلة لهذا الشخص عن ذكر الله وشكره على ما أنعم به فناسب أن تعود له البركة المعبر عنها باستقاء الشيطان بخلاف من ترك التسمية حتى أكل الطعام فان تركها مشعر باستغراق الغفلة فناسب أن يحرم عود البركة المذكورة (أما) بفتح الهمزة مخفف (انه) بكسر الهمزة (رواه الترمذى) وحسنه (وصححه) ورواه أيضا النسائي وابن حبان في صحيحه (كان يأكل بثلاث أصابع) رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن كعب بن مالك ورواه الطبراني عن عامر بن ربيعة وزاد ويستعين بالرابعة وهذه الثلاثة التي كان يأكل بها السبابة والوسطى والابهام (وقال أنس) كما أخرجه البخارى عنه وأخرجه مسلم وأحمد وأبو داود عن كعب بن مالك (لعق) بكسر العين في الماضى وفتحها في المضارع (أصابعه الثلاث) كان يبدأ بالوسطي ثم بالسبابة ثم بالابهام كما أخرجه الطبراني من حديث كعب بن عجرة (اذا سقطت لقمة أحدكم) أخرجه أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه عن جابر (فليمط) بضم التحتية وكسر الميم ثم مهملة أى فلينزل (عنها الاذى) ظاهر الحديث عدم الفرق بين كونه نجسا أو طاهرا لكن ازالة الاول لا تكون الا بالماء (ولا يدعها للشيطان) تتمة الحديث ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها أو يلعقها فانه لا يدري في أى طعامه البركة (أن نسلت) بفتح النون وسكون المهملة وضم اللام ثم فوقية أي نمسح (القصعة) أخرج أحمد والترمذي
стр. 703
وقال انكم لا تدرون في أي طعامكم البركة رواه مسلم. وكان يجب الدباء ويتتبعه من حوالى الصحفة ويحب الحلواء والعسل ويثني على الثريد والخل قالت عائشة قال رسول الله ﷺ نعم الادام الخل وقالت أم هانئ دخل على النبي ﷺ فقال أعندك شيء فقلت لا الا خبز يابس وخل فقال هاتى ما أقفر بيت من ادم فيه خل وكان يحب من الشاة ذراعها ولذلك سم فيه وقال أطيب اللحم لحم الظهر. وكان يسمى أول الطعام ويحمد آخره فيقول الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودّع ولا مستغنى عنه ربنا وقال من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمنى هذا الطعام ورزقنيه من غير حول منى ولا وابن ماجه عن شيبة الهذلى من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة (كان يحب الدباء) أخرجه أحمد والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجه عن أنس (ويتتبعه من حوالي القصعة) أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس والدباء بضم المهملة والمد على المشهور وحكى عياض القصر أيضا هو اليقطين (ويحب الحلواء والعسل) أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر (قالت عائشة) أخرجه عنها مسلم والترمذى وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن جابر (نعم) بكسر النون وسكون المهملة (الادام) بكسر الهمزة ما يؤدم به (وقالت أم هانيء) أخرجه عنها الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية وأخرجه الحاكم عن عائشة (ما) نافية (أقفر) بضم الهمزة والفاء بينهما قاف ساكنة أي ما خلي من الأدم مأخوذ من الارض القفر وهى الخالية (الأدم) بضم الهمزة وسكون الدال جمع إدام (كان يحب من الشاة ذراعها) أخرجه أبو داود عن ابن مسعود وأخرجه أبو نعيم في الطب وابن السنى عن أبي هريرة وزاد أو كتفها (أطيب اللحم لحم الظهر) أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقى في الشعب عن عبد الله ابن جعفر (وكان يسمى أول الطعام) كما أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة في قصة شرب اللبن (ويحمد آخره) بفتح الميم (الحمد لله حمدا كثيرا الى آخره) أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي (غير مكفي) بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد التحتية من الكفاية على الصحيح والضمير فيه عائد الى الله تعالى قاله الخطابي ومعناه أنه تعالى غير مكفي رزق عباده بل هو الذي يكفيهم لا يكفيهم أحد غيره وقال الفراء الضمير للعبد ومعناه أنا غير مكف بنفسى عن الكفاية وقال صاحب المطالع وغيره الضمير للطعام ومكفي بمعنى مقلوب من الاكفاء وهو القلب لانه لا يكفي الا بالاستغناء عنه قال ابن بطال على هذا معناه أنه غير مردود عليه انعامه (غير مودع) بضم الميم وفتح الواو والدال ثم عين مهملتين أى متروك زاد البخارى في رواية ولا مكفور أى مجحود فضله ونعمه (ولا مستغنى) بفتح النون مع التنوين (ربنا) بالرفع خبر مبتدا محذوف أو مبتدا خبره ما سبق وبالنصب باضمار أعنى أو على الاختصاص أو النداء وبالجر على البدل من الضمير في عنه أو من الله (وقال من أكل طعاما فقال الحمد لله الى آخره) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط البخاري
стр. 704
قوة غفر له ما تقدم من ذنبه. وحث على غسل اليد قبل الطعام وبعده وربما مسح يده بالمنديل من غير غسل. وكان يحب الثفل من الطعام يعنى البقايا وأخذ كسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة وقال هذه ادام هذه وأكل ﷺ البطيخ بالرطب بكلتا يديه وقال هما الأطيبان. وقال برد هذا يعدل حر هذا وحر هذا يعدل برد هذا. واكل القثاء بالملح وكان يشتد عليه ان توجد منه رائحة كريهة فلم يأكل ثوما ولا بصلا ولا كراثا قط الا مطبوخا. وكان يعاف اكل ما لم يتعوده ومع ذلك فلم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه وربما مدحه رافعا عنه علة التحقير كما ورد انه كان يعظم النعمة وان دقت وكان ﷺ ربما يأتى عائشة فيقول أعندك غدا فتقول لا فيقول انى صائم قالت فأتي يوما فقلت يا رسول الله اهدي لنا هدية قال وما وقال الترمذي حسن غريب ومن تتمته ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر والحكمة في مغفرة ما تأخر في حديث اللباس دون الطعام أن اللباس أعظم نفعا في الدين من الطعام فكان الشكر عليه أعظم من الشكر على الطعام فزيد في جزائه على جزاء الشكر على الطعام (وحث على غسل اليد قبل الطعام وبعده) بقوله بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن سلمان والمراد الوضوء اللغوي وهو غسل اليد (بالمنديل) بكسر الميم (وكان يحب النفل) أخرجه أحمد والترمذي في الشمائل والحاكم عن أنس والثفل بضم المثلثة وسكون الفاء (وأكل البطيخ بالرطب) اخرجه ابن ماجه عن سهل بن سعد وأخرجه الترمذي عن عائشة وأخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر وأخرجه عنه أيضا أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه بلفظ كان يأكل القثاء بالرطب والقثاء بكسر القاف على المشهور وحكي ضمها (بكلتا يديه) وكان القثاء باليمين والرطب في الشمال فكان يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة كما أخرجه الطبراني في الكبير وأخرج في الاوسط والحاكم وأبو نعيم في الطب عن أنس قال كان رسول الله ﷺ يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ وكان أحب الفاكهة اليه ولا تعارض بين الروايتين بل مرة فعل هذا وأخرى فعل هذا (برد هذا يعدل حر هذا الى آخره) أخرجه أبو داود والبيهقي في السنن عن عائشة بلفظ يكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا (وكان يشتد عليه أن توجد منه رائحة كريهة) أخرجه البخاري عن عائشة (فلم يأكل ثوما الى آخره) أخرجه أبو نعيم في الحلية والخطيب عن أنس (وكان يعاف أكل ما لا يتعوده) كالضب وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما كالمرارة والمثانة والحيا والذكر والانثيين والغدة كما أخرجه الطبراني في الاوسط عن ابن عمر وأخرجه البيهقي في السنن عن ابن عباس وكالكليتين كما أخرجه ابن السني في الطب عن ابن عباس (ذواقا) بفتح المعجمة أى طعاما سمى به لانه يذاق أي يطعم (غداء) بفتح المعجمة مع المد اسم لما يؤكل قبل الزوال (انى صانم) أخذ منه أصحابنا
стр. 705
هى قلت حيس قال أما انى أصبحت صائما ثم أكل وكان يحب الهدية ولا يحقرها ويكافيء عليها ويجيب من دعاه الى الطعام ولو كان صائما فربما أكل وربما لم يأكل وكان اذا دعى الى طعام في عدد معين فتبعهم غبرهم استأذن له. وكان ربما يغشى بعض حوائط الانصار عند الحاجة فيستضيفهم ويؤثر بذلك من يتأهل له. قال جابر بن عبد الله اتانا النبي ﷺ في منزلنا فذبحنا له شاة فقال كأنهم علموا انا نحب اللحم. وكان في صفة أكله اللحم ربما رفع العضو الى فيه فانتهس منه وربما احتز بالسكين وأكل الدجاج والحبارى وجاء الحسن بن علي وابن عباس وابن جعفر الى سلمى مولات رسول الله ﷺ فقالوا لها اصنعي لنا طعاما مما كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله فقالت يا بني لا يشتهنّه اليوم قالوا بلى اصنعيه لنا قال فقامت فطحنت شعير وجعلته في قدر وصبت عليه شبئا من الزيت ودقت عليه الفلفل والتوابل وقربته اليهم وقالت هذا ما كان يعجب رسول الله ﷺ .
[فصل وأما الشراب]
«فصل» وأما الشراب ففي الصحيحين انه ﷺ كان يتنفس فيه ثلاثا. ونهى. ان يتنفس في الاناء وفي جامع الترمذى عنه ﷺ قال لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا اذا أنتم شربتم وأحمدوا اذا أنتم جواز صوم النفل منه قبل الزوال بشرط عدم تقدم مفطر (أما اني أصبحت صائما ثم أكل) فيه جواز الخروج من صوم النفل وعدم وجوب اتمام الصوم عليه بعد شروعه فيه (كان يحب الهدية الى آخره) كما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة (فانتهس) بالمهملة أكل بمقدم أسنانه وبالمعجمة بالاضراس (احتز) أي قطع (الدجاج) مثلث الدال والفتح أشهر (الحبارى) بضم المهملة ثم موحدة ثم ألف ثم راء مفتوحة طائر معروف قال في القاموس يقع على الذكر والانثى والواحد والجمع وألفه للتأنيث. وغلط الجوهري اذ لو لم يكن. للتأنيث لا نصرفت وجمعه. حبارات (وجاء الحسن بن على الي آخره) أخرجه البخاري وغيره (ويحسن أكله) بضم أوله وفتح الحاء (الفلفل) بضم الفائين وكسرهما (والتوابل) بتقديم الفوقية على الموحدة واحدتها تابل كصاحب وتابل كهاجر وتوبل كجوهر وهى ابزار الطعام قاله في القاموس.
(فصل) في صفة شربه (كان يتنفس فيه ثلاثا) كما أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس ورواه الطبرانى وابن السنى عن ابن مسعود وزاد يسمى عند كل نفس ويشكر في آخرهن وللترمذي وابن ماجه عن ابن عباس كان اذا شرب تنفس زاد مسلم ويقول هو أروى وأمرأ وابرأ ومعنى أروى أكثر ريا ومعني ابرأ أي من ألم العطش وقيل أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد ومعني أمرأ أي اكمل انسياغا (ونهى أن يتنفس في الاناء) أي داخله وذلك لانه
следующие страницы →