Полный текст (880 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وهذا حين أذكرها مفصلة من نبينا ﷺ .
[فصل في علمه وحلمه واحتماله وعفوه وصبره ﷺ ]
«فصل» في علمه وحلمه واحتماله وعفوه وصبره ﷺ أما العلم فقال الله تعالى وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. وقال تعالى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. كلت الألسن عن وصف قدر منحته من العلم وأمر بسؤال الزيادة عليها وقال تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
. قال القاضي عياض ولما كان ما كاشفه من ذلك الجبروت وشاهد من عجائب الملكوت لا تحيط به العبارات ولا تستقل لحمل سماع أدناه العقول رمز عنه تعالى بالايماء والكناية الدالة على التعظيم فقال فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
وقال في قوله تعالى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى. انحصرت الافهام عن تفصيل ما أوحى وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى. قال المؤلف واذا أردت ان تعلم مكانته ﷺ من العلم فانظر الى ما تضمنته شريعته من الأصول والفروع ودقائق الاحكام وأسرار المعانى التي جهل وجه الحكمة في أكثرها ولزم الخلق (فصل) في علمه وحلمه (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ) يعنى القرآن (وَالْحِكْمَةَ) يعني القضاء بما أوحي اليه (وَقُلْ رَبِّ) أي يا رب (زِدْنِي عِلْماً) أى بالقرآن ومعانيه أو علما الى علمى قال البغوى وكان ابن مسعود رضى الله عنه اذا قرأ هذه الآية قال اللهم زدنى ايمانا ويقينا (كلت الالسن) أى ضعفت وأعيت (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) وكان الذي أوحاه اليه أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى الى قوله وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قاله سعيد بن جبير وقال ابن عباس وأكثر المفسرين أوحى الله الى جبريل وجبريل الى محمد وذكر عن جعفر بن محمد الصادق قال أوحي الله اليه بلا واسطة وذكر مثله عن الواسطي وحكي عن ابن مسعود وابن عباس والاشعري وقيل أوحي اليه ان الجنة محرمة على الانبياء حتى تدخلها أنت وعلى الامم حتى تدخلها أمتك (قال القاضي) عياض في الشفاء (الجبروت) بفتح الجيم والموحدة وضم الراء ثم واو ثم فوقية هي مقلوب من الجبر وهو القهر (الملكوت) فعلوت من الملك وكذلك الرهبوت من الرهبة والرحموت من الرحمة (ولا تستقل) أى لا تحمل (أدناه) بفتح الهمزة وسكون المهملة (رمز عنه) أي أشار اليه والرمز الاشارة ومنه قوله تعالى أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) قال في الشفاء وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحي والاشارة وهو عندهم أبلغ أبواب الايجاز (لَقَدْ رَأى) هذه لام القسم أى والله لقد رأي محمد ﷺ ليلة الاسراء جملة (مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) أي العظام وأراد ما رآه في مسيره تلك الليلة وعوده بدليل لنريه من آياتنا وقيل معناه لقد رأي من آيات ربه الكبري وأخرج البخاري عن ابن مسعود رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء (انحسرت) أى كلت وانقطعت (وتاهت) تحيرت (ولزم الخلق) بالنصب
стр. 737
الانقياد لها والتسليم فقال تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً الى علمه ﷺ بكتب الله القديمة وحكم الحكماء وسير الامم الخالية وفنون العلم الثابتة كالعبارة والطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك مما قدمنا الاشارة اليه في باب المعجزات* وأما الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة والصبر على ما يكره ومعانيها متقاربة وهى مما يلقاها ﷺ عن أمر ربه بالقبول والاقبال وبلغ فيها أعلى درجات الكمال فقال تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. وروي ان النبي ﷺ لما نزلت عليه سأل جبريل عن تأويلها فقال له (الانقياد) بالرفع (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية) سبب نزولها ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن الزبير انه خاصم رجلا من الانصار قد شهد بدرا الى رسول الله ﷺ في سراج الحرة كانا يسقيان به كلاهما فقال رسول الله ﷺ للزبير يا زبير اسق يا زبير ثم أرسل الى جارك فغضب الانصاري فقال يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر الحديث وهذا الرجل هو حاطب بن أبي بلتعة وهو لخمي أو مذحجي قولان ولكن كان له حلف في قريش وفي الانصار فمن ثم نسب في هذا الحديث الى الانصار وقوله تعالى فَلا أي ليس الامر كما زعموا انهم مؤمنون بك ثم لا يرضون بحكمك وقوله وَرَبِّكَ استئناف قسم قال البغوى ويجوز أن تكون لا صلة كقوله لا أُقْسِمُ (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي يجعلوك حكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أى اختلف واختلط من أمرهم والتبس حكمه عليهم وسمى الشجر لالتفاف اغصانه بعضها الى بعض (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً) من حكمك أى شكا قاله مجاهد أو ضيقا قاله غيره أو اثما بانكارهم قضاءك قاله الضحاك (وَيُسَلِّمُوا) أى ينقادوا الحكمك (تَسْلِيماً) أي انقيادا (وحكم) جمع حكمة (والحلم) قال في الشفاء الحلم حالة توقر وثبات عند الاسباب المحركات (والاحتمال) قال هو حبس النفس عند الآلام والمؤذيات ومثله الصبر (والعفو) قال هو ترك المؤاخذات (ومعانيها متقاربة) لكن يظهر أن الاحتمال أبلغ من الحلم لان من حبس نفسه عند الآلام والمؤذيات سهل عليه التوقر والثبات عند الاسباب المحركات اذ هذا حبس النفس أيضا ولا شك ان العفو أبلغ منهما لان الحليم والمحتمل ربما عاقب بخلاف العفو (خُذِ الْعَفْوَ) أي من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسن وذلك مثل قبول العذر والعفو والمساهلة وترك البحث عن مالا يعنى قاله ابن الزبير ومجاهد او معناه خذ ما عفي لك من الاموال وهو الفضل عن العيال ثم نسخ بفرض الزكاة قاله ابن عباس والسدى والضحاك والكلبي (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) أي بالمعروف وهو كل ما يعرفه الشرع أو لا إله الا الله قولان (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) كابي جهل وأصحابه نسختها آية القتال (روي ان النبي ﷺ الى آخره) هكذا هو في تفسير البغوى والشفاء
стр. 738
حتى اسئل العالم ثم ذهب فأتى فقال يا محمد ان الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعف عمن ظلمك وقال تعالى (وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وقال تعالى (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) فغير خاف على من تأمل أحواله وأقواله وحققها معرفة أنه ﷺ قد نزل من هذه الاخلاق منزله لا ترتقى وامتطى منها مطية لا تمطى وانه كان لا يستخفه كثرة الأذي ولا طيش الجهال وفي بعض كلام عمر بن الخطاب الذى بكى به النبي ﷺ بأبى أنت وأمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون.
[فصل وأما جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته ﷺ ]
«فصل» وأما جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته ﷺ وبين هذه الألفاظ فروق لطيفة ويجمعها بذل المال على وجه التكرم وغير مدافع ان النبي ﷺ بهذه الصيغة (حتى أسئل العالم) بكسر اللام يعنى الله (وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) من الاذى وهذه احدى الجمل الاربع التي أمر لقمان ابنه بها وهي اقامة الصلاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر (فَإِنَّ ذلِكَ) المذكور وهى الخصال الاربع (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أى من الامور التي يعزم عليها لوجوبها (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ) أي ذو والحزم قاله ابن عباس أو ذو والجد والصبر قاله الضحاك ومر ذكر أولى العزم والكاف في قوله كما هي لسبقية أصل الصبر بالصبر والا فمقدار صبره ﷺ لا يبلغه مقدار صبرهم أو معناه اصبر صبرا يناسب حالك كما صبر أولو العزم صبرا يناسب حالهم (فائدة) أخرج أبو الشيخ في مسنده عن عائشة قالت قال لى رسول الله ﷺ يا عائشة ان الدنيا لا ينبغي لمحمد ولآل محمد يا عائشة ان الله لم يرض من أولى العزم الا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ولم يرض الا ان كلفني ما كلفهم فقال فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وانى والله ما يدمن طاعته والله لا صبرن كما صبروا واجهدن ولا حول ولا قوة الا بالله (وامتطى) بهمز وصل وسكون الميم وفتح الفوقية والمهملة والامتطاء الركوب على مطاء الدابة بفتح الميم فالمهملة أى ظهرها (رَبِّ لا تَذَرْ) أي لا تترك (دَيَّاراً) أي دائرا في الارض يذهب فيها ويجيء فيقال من الدوران وقال القتيبي أصله من الدار أي نازل دارا (مثلها) بالنصب (لهلكنا من عند آخرنا) كما هلك الذين دعا عليهم نوح من آخرهم (وطيء ظهرك) هذا مثل لمن يجترأ عليه ويهان ولعله أراد ما فعله عقبة بن أبي معيط من وضع السلا على رقبته.
(فصل) في جوده وكرمه وسخائه وسماحته (فروق لطيفة) فرق بها بعضهم فقال الكرم الانفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه ويسمى حرية وهو ضد الندالة والسخاء سهولة الانفاق وتجنب اكتساب
стр. 739
خص من هذه الخلق بأتمها وأعمها وانه ما سئل شيئا قط فقال لا وأشتهرت الأخبار بجوده وعطاياه في حنين المائتين من الأبل ورده يومئذ على هوازن سباياها وكانوا ستة آلاف رأس وأعطى العباس عمه من الذهب ما لا يطيق حمله وأعطى رجلا يسئله غنما بين جبلين فرجع الى قومه فقال اسلموا فان محمدا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة وحمل اليه تسعين ألف درهم فوضعت على حصير فما قام وثم منها درهم والأخبار في ذلك واسعة وقد قال ﷺ انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
[فصل في شجاعته ونجدته ﷺ ]
«فصل» في شجاعته ونجدته ﷺ لا خلاف انه ﷺ قد كان أشجع الناس وأشدهم شكيمة وانه قد شهد جملة من الحروب وأبلى فيها وحفظت لكل من كماة أصحابه جولة سواه. قال علىّ كرم الله وجهه كنا اذا اشتد البأس واحمرت الحدق أتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب من العدو منه ولقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ به وهو أقربنا الى العدو وقال أنس بن مالك كان النبي ﷺ أحسن الناس واجود الناس واشجع الناس لقد فزع اهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم النبي ﷺ راجعا قد سبقهم الى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة ما لا يحمد وهو الجود وهو ضد التقتير والسماحة التجافي غما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس وهو ضد الشكاسة (فغير مدافع) بفتح الفاء (ما سئل شيأ قط فقال لا) للحاكم من حديث أنس كان لا يسأل شيأ الا أعطاه أو سكت معناه ان كان عنده أعطاه وان لم يكن عنده سكت (فما قام وثم منها درهم) لفظ عياض في الشفاء فما رد سائلا حتى فرغ منها واخرج الترمذى ان رجلا سأله فقال ما عندى شيء ولكن ابتع على فاذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر ما كلفك الله ما لا تقدر عليه فكره مقالة عمر فقال له رجل من الانصار يا رسول الله انفق ولا تخش من ذى العرش اقلالا فتبسم رسول الله ﷺ وعرف البشر في وجهه وقال بهذا أمرت (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق) أخرجه ابن سعد والبخارى في الادب والحاكم والبيهقى في الشعب عن أبي هريرة.
(فصل) في شجاعته ونجدته قال في الشفاء الشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل والنجدة ثقة النفس عند استرسالها الي الموت حيث يحمد فعلها دون خوف (شكيمة) بالمعجمة بوزن عظيمة وهي أن يكون الانسان شديد النفس أنفا أبيا كما مر في ذكر اسلام حمزة (جولة) بفتح الجيم أي نفور وانهزام (البأس) بالهمز الحرب (واحمرت الحدق) كناية عن اشتداد الحرب وتغير حدق الاعين من الفشل (اتقينا برسول الله ﷺ أى جعلناه واقيا وحاجزا بيننا وبين العدو (فما يكون أحد) بالرفع (أقرب) بالنصب (وقال أنس) أخرجه عنه الشيخان والترمذي وابن ماجه (لن تراعوا) أي لن
стр. 740
عرى والسيف في عنقه وهو يقول لن تراعوا وقصة قتله لأبى بن خلف مبينة عن ثبات قلبه وقوة جأشه وقد سبق ذكرها في قسم السير.
[فصل وأما حياؤه وإغضاؤه ﷺ ]
«فصل» واما حياؤه واغضاؤه ﷺ فقد كان اشد الناس حياء واكثرهم عن العورات اغضاء قال الله تعالى إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وعن ابى سعيد الخدرى قال كان رسول الله ﷺ اشد حياء من العذارى في خدرها وكان اذا كره شيئا عرفناه في وجهه وكان ﷺ لا يواجه احدا بما يكره ولا يثبت بصره في وجه احد خافض الطرف نظره الى الأرض اطول من نظره الى السماء جل نظره الملاحظة وكان يكني عما اضطره الكلام اليه مما يستحى من ذكره كقوله تتبعي بها أثر الدم في نظائر له كثيرة قالت عائشة ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قط.
[فصل في حسن عشرته ﷺ لأصحابه وحسن أدبهم معه]
«فصل» في حسن عشرته ﷺ لأصحابه وحسن أدبهم معه كان ﷺ أشد الناس كرامة لأصحابه يؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم يأتيكم روع أو فزع (جأشه) بالجيم والمعجمة والهمز أى قلبه
(فصل) في حياته (واما حياؤه) وهو رقة تعترى وجه الانسان عند فعل ما يتوقع كراهته أو ما يكون تركه خيرا من فعله قاله في الشفاء (واغضاؤه) بكسر الهمزة وسكون الغين ثم ضاد معجمتين مع المد وهو التغافل عما يكره الانسان بطبيعته قاله فيه أيضا (أشد) بالنصب خبر كان واسمها مضمر وكذا وأكثرهم (وعن أبي سعيد الخدرى) أخرجه عنه أحمد والشيخان وابن ماجه (العذراء) بفتح المهملة مع المد هي المرأة التى لم تتزوج (في خدرها) بكسر الخاء أى سترها (كان اذا كره شيأ عرفناه في وجهه) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الاوسط عن أنس (كان لا يواجه أحدا بما يكره) أخرجه أحمد والبخارى في الادب وأبو داود والنسائي عن أنس (ولا يثبت) بضم أوله وسكون المثلثة وكسر الموحدة (بصره) بالنصب (جل نظره) أي معظمه (يكنى) بفتح أوله وسكون ثانيه ويجوز ضم أوله وفتح ثانيه مشددا (كقوله) للسائلة عن دم الحيض وهي أسماء بنت يزيد بن السكن ووقع في مسلم انها فاطمة بنت شكل (تتبعى بها) أي بالفرضة الممسكة (أثر الدم) أي اجعليها في فرجك فكنى عن ذلك بقوله تطهرى بها قالت كيف اتطهر بها يا رسول الله قال سبحان الله تطهرى بها قالت عائشة فاخذتها الى وقلت يعنى تتبعي بها أثر الدم أخرجه الشيخان والنسائى عن عائشة وتتبعي بها أثر الدم من لفظها لا من لفظه ﷺ فقول المصنف كقوله نظرا الى المعنى لا الى اللفظ.
(فصل) (في حسن عشرته) وهي بكسر المهملة أشهر من ضمها وسكون المعجمة المخاطبة والعشير المخالط
стр. 741
ويحذر الناس ويحترس منهم من غير ان يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه ويعطى كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه ان أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف ومن سأله حاجة لم يرده الا بها أو بميسور من القول قد وسع بسطه الناس وخلقه وصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء بهذا وصفه ابن أبى هالة قال وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ وبذلك وصفه ربه فقال فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وقال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وكان ﷺ يمازحهم ويخالطهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويعود مرضاهم ويشهد موتاهم ويقبل عذر المعتذر منهم ويكنيهم ويدعوهم بأحب أسمائهم اليهم ويقبل هداياهم ويكافئ عليها ويجيب من دعاه الى طعام أو الى وليمة ويذهب اليها وكان يشيع مسافرهم ويودعهم ويوصيهم ويتلقى قادمهم واذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته فيتحملهم بين يديه وخلفه وكان يتحمل لأصحابه فضلا عن تحمله لاهله فاذا أراد أن يخرج اليهم نظر في الماء والمرآة وسوى شعره وعدل عمامته ويقول ان الله يحب من عبده اذا خرج الى اخوته ان يتهيأ اليهم ويتجمل وكان يتفقد أصحابه فمن خاف ان يكون وجد في نفسه شيئا قال لعل فلانا وجد علينا في شي أو رأى منا تقصير اذهبوا بنا اليه فينطلق الى منزله وكان ينزل الناس منازلهم فيكرم أهل الشرف من غير تقصير في حق غيرهم وكان لا يدع أحدا يمشى ولا يجلس خلفه ويقول خلوا ظهري للملائكة ولا يمد رجليه بينهم ويوسع عليهم اذا ضاق المكان ولا يقدم ركبتيه أمام ركبهم (ويحذر الناس) بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه (الشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (لا يحسب) بالرفع والضم (أكرم) بالرفع (قاربه) بالموحدة (هو المنصرف) بالفتح وهو صلة (الناس) بالنصب (بسطه وخلقه) بالرفع (سواء) بالنصب (ابن أبي هالة) اسمه هند كما مر (فيما رحمة من الله) أي فبرحمة وما صلة (لنت لهم) أى سهلت اخلاقك لهم واحتملتهم ولم تسرع اليهم بالمعاقبة فيما كان منهم يوم أحد من الفرار (ولو كنت فظا) أي جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال (غليظ القلب) قاسيه (لانفضوا) أي لنفروا (من حولك) وتفرقوا عنك (في حجره) بفتح المهملة وكسرها (كان يتجمل) بالجيم (فضلا) أى زيادة (وجد) أى غضب (خلوا ظهري للملائكة) أخرجه ابن سعد عن جابر
стр. 742
ولا يدع أحدا منهم يمشى معه وهو راكب حتى يحمله فان أبى قال له تقدمني الى المكان الذى يريد وركب ﷺ حمارا عريا الى قبا وأرادان يردف خلفه أبا هريرة فاستمسك برسول الله ﷺ فوقعا جميعا ثم أراد ان يركب ثانية فاستمسك برسول الله ﷺ فوقعا جميعا ثم عرض عليه الثالثة فقال لا والذي بعثك بالحق لا صرعتك ثالثا. وكان ﷺ يكرم الداخل عليه وربما بسط له ثوبه وآثره بالوسادة وكان ﷺ لا يجلس اليه أحد وهو يصلى إلا خفف صلاته وسأل عن حاجته وكان له ﷺ خدم وعبيد واماء فكان لا يترفع عليهم في مأكل ولا ملبس ويخدم من خدمه* قال أنس خدمته نخوا من عشر سنين فكانت خدمته لى أكثر من خدمتى له وأمر ﷺ في بعض الاسفار باصلاح شاة فقال رجل على ذبحها وقال آخر على سلخها فقال ﷺ وعلى جمع الحطب فقالوا نحن نكفيك فقال قد علمت انكم تكفونى ولكنى أكره ان أتميز عليكم ثم قام وجمع الحطب وذهب مرة ليعقل ناقته فقالوا نحن نكفيك فقال لأن يستغنى أحدكم من الناس ولو في قضمة من سواك. وأما أدب أصحابه معه ﷺ فسبق في حديث صلح الحديبية قول عروة بن مسعود لقريش أي قوم لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر والنجاشى وكسرى والله ان رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد والله ان تنخم نخامة الا وقعت في كف رجل الا ذلك بها وجهه وجلده فاذا أمرهم ابتدروا أمره واذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون اليه النظر تعظيما له.
[فصل وأما شفقته ورأفته ورحمته بجميع الخلق]
(فصل) وأما شفقته ورأفته ورحمته بجميع الخلق فقال تعالى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وقال وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فمن شفقته ﷺ تألفه العرب ورؤساء القبائل بالعطايا حتى كان (ولو في قضمة) بفتح القاف وسكون المعجمة والجواب محذوف أى لكان خيرا له.
(فصل) في بيان شفقته ورحمته ورأفته (لقد جاءكم رسول) هو محمد ﷺ (من أنفسكم) تعرفون حسبه ونسبه وقال السدى من العرب من بنى اسماعيل وقد مر أول الكتاب انه قرئ بفتح الفاء (عزيز عليه) أي شديد وعظيم (ما عنتم) قيل ما صلة أى عنتكم وهو دخول المشقة عليكم والمضرة لكم وقال القتبي ما أعنتكم وقال ابن عباس ما ضللتم وقال الكبى ما اثمتم (حريص عليكم) أى على هدايتكم وصلاحكم أو على ضالكم ان يهديه الله (بالمؤمنين رؤف رحيم) قيل رؤف بالمطيعين رحيم بالمذنبين (كان
стр. 743
سبب اسلامهم وفلاحهم قال صفو ان بن أمية والله لقد أعطانى ما أعطانى وانه لا بغض الخلق الى فما زال يعطينى حتى انه لاحب الخلق الى وأعطى اعرابيا عطاء ثم قال له أحسنت اليك قال الاعرابى لا ولا أجملت فغضب المسلمون وقاموا اليه فأشار اليهم ان كفوا فزاده شيأ ثم قال له أحسنت اليك قال نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا فأمره ان يخبرهم بذلك فأخبرهم ثم قال لهم ﷺ مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها الا نفورا فناداهم صاحبها خلوا بينى وبين ناقتى فانى أرفق بها منكم واعلم فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الارض فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وانى لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار وقال ﷺ لا يبلغني أحد منكم على أحد من أصحابي شيأ فانى أحب ان أخرج اليهم وأنا سليم الصدر ومن شفقته ﷺ سؤاله ربه التخفيف عن أمته وتركه أشياء خشية ان تفرض عليهم فيعجزوا عنها فيقعوا في الحرج. وكان ﷺ يدخل في الصلاة يريد اطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخفف خشية ان يشق على أمه وربما أصغى الاناء للهرة فما يرفعه حتى تروى. وروي انه ﷺ لما تناها اذى قريش وحرج صدره سبب) بالفتح (ولا اجملت) بالجيم أي ولا فعلت جميلا (فامره أن يخبرهم بذلك) لفظ الشفاء فقال له النبي ﷺ انك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابى من ذلك شيء فان أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدى حتى يذهب ما في صدورهم عليك قال نعم فلما كان الغداة وقال العبشمى جاء فقال رسول الله ﷺ ان هذا الاعرابي قال ما قال فرددناه فزعم انه رضي أكذلك قال نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا (من قمام الارض) بضم القاف وتخفيف الميم جمع قمامة وفي ذلك من بديع المثل تمثيل عرض الدنيا التى دفعها للاعرابى بالقمامة (وقال لا يبلغنى أحد الى آخره) أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود (سؤاله) بالرفع (ربه) مفعول (التخفيف) مفعول ثان (عن أمته) أي من الصلاة من خمسين الي خمس وغير ذلك (وتركه) بالرفع (أشياء) منها قيام رمضان وترك قول نعم للاقرع بن حابس حين قال له في الحج أكل عام يا رسول الله وغير ذلك (وكان يدخل في الصلاة يريد اطالتها الى آخره) أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه عن أنس (فيسمع بكاء الصبى) أى وتكون أمه في المصلين خلفه ﷺ (فيخفف) كى تسرع الانصراف الى ولدها وهو معنى التجوز في رواية اخرى (حسنة ان يشق على أمه) في رواية اخري مما اعلم من شدة وجد أمه من بكائه (وربما أصغى الاناء للهرة الى آخره) للطبراني في الاوسط وأبي نعيم في الحلية من حديث عائشة كان رسول الله ﷺ يصغي للهرة الاناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها (وروى انه ﷺ لما تناهي أذى قريش الي آخره) أخرجه
стр. 744
لذلك ناداه ملك الجبال وسأله ان يطبق عليهم الاخشبين فأبى ﷺ وقال أرجو ان يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيأ وقال ابن مسعود كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
[فصل وأما خلقه ﷺ في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم]
(فصل) وأما خلقه ﷺ في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم فقد حاز السبق فيها وأبرز خافيها حتى ورد في الصحاح انه كان يكرم صدائق خديجة ويصلهم ويرتاح لهم فسئل عن ذلك فقال ان حسن العهد من الايمان. ومن ذلك فعله ﷺ بأمه وأخته من الرضاعة كما سبق في غزوة حنين وأعتق بسببهم ستة آلاف رأس ومنه ما روي عن عبد الله بن أبى الحمساء قال بايعت النبي ﷺ ببيع قبل ان يبعث وبقيت له بقية فوعدته ان آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فاذا هو في مكانه فقال يافتى لقد شققت على انا هنا منذ ثلاث انتظرك ولقد صدقت فراسة خديجة فيه حيث قالت في ابتداء الوحى ابشر فو الله لا يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق.
الشيخان وغيرهما وقد مر في صدر الكتاب (وقال ابن مسعود) أخرجه عنه البخارى وغيره (يتخولنا) بالمعجمة وتشديد الواو ثم لام أى يتعهدنا وقال أبو عمرو بن العلاء الصواب ينحو بنا بالنون ومعناه يتعهدنا وقال أبو عمرو الشيباني الصواب يتحولنا بالمهملة واللام أي يتطلب أحوالنا التي يبسط فيها للموعظة والصواب من حيث الرواية كما قاله الحافظ ابن حجر في الاول وقد صح المعني فيه (مخافة) كذا في موضع من صحيح البخاري وفي آخر كراهة وزعم في التوشيح انه من تصرف الرواة (السآمة) بالمهملة على وزن المخافة وهى الفتور والملال (علينا) هو ظاهر على رواية مخافة وكذا على رواية كراهة اذهى بمعنى مخافة.
(فصل) في بيان خلقه (السبق) بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر سبق يسبق سبقا وأما بفتح الموحدة فهو المال المبذول في السبق (وابرز) أى أظهر (خافيها) ياؤه في الاصل مفتوحة لانه مفعول ويجوز أن تسكن لمجاورة فيها (وورد في) الاحاديث (الصحاح) في الصحيحين وغيرهما عن عائشة (ويرتاح) أي يستأنس (حسن العهد من الايمان) أخرجه الحاكم عن عائشة (ومنه ما روي) في سنن أبي داوود وغيرها (ابن أبي الحمساء) بفتح المهملة وسكون الميم ثم مهملة مع المد ووقع في بعض النسخ الشفاء الخنساء بالمعجمة والنون قال الشمنى وهو تصحيف وفي بعضها عن أبي الحمساء وهو غلط اذ ابو الحمساء لم يسلم (فراسة) بكسر الفاء والمهملة وهو النظر بالفعل والتدبر به وربّما كانت فيه زيادة قوة بحسب صفاء القلب وكدورته فيصل بسبب التفرس شيء يقع في القلب تسميه أهل الطريقة مكاشفة وفي الحديث اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله أخرجه البخاري في التاريخ والترمذى عن أبى سعيد وأخرج الحكيم وسيبويه
стр. 745
[فصل وأما تواضعه ﷺ على علو منصبه]
«فصل» وأما تواضعه ﷺ على علو منصبه فانه منتشر والخبر به مشهور وحسبك انه خيّر بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا فقال له اسرافيل فان الله قد أعطاك بما تواضعت له انك سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الارض وأول شافع. وكان ﷺ يجيب من دعاه وان كان دنيا بلبيك ويعود المساكين ويسلم على الصبيان اذ امر عليهم ويجالس الفقراء ويجلس بين أصحابه محيطا بهم حيث ما انتهى به المجلس ويعجب مما يعجبون ويضحك مما يضحكون. وقالت عائشة كان في بيته في مهنة أهله يفلى ثوبه ويحلب شاته ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه ويقم البيت ويعقل البعير ويهنئه ومر بغلام يسلخ شاة وما يحسن فقال له تنح حتى أريك فادخل يده ﷺ بين اللحم والجلد فدحس حتى دخلت الى الابط وكان يذبح أضحيته وبدنه ويعلف ناضحه ويأكل مع الخادم ويعجن مع أزواجه ويحمل بضاعته من السوق ودخل عليه ﷺ رجل فارتعد من هيبته فقال هون عليك فانى لست بملك انما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد ودخل ﷺ مكة يوم الفتح مطأطئا رأسه حتى كاد يمس عثنونه قادمة الرحل والطبراني وابن أبى عدى عن أبي امامة وأخرجه ابن جرير عن ابن عمر.
(فصل) في تواضعه ﷺ (وحسبك أنه خير الي آخره) هذا لفظ عياض في الشفاء (ويسلم على الصبيان) فيه استحباب السلام على الصبى المميز وذكر أبو نعيم في كتابه عمل اليوم والليلة أن صفة السلام على الصبيان السلام عليكم يا صبيان (في مهنة أهله) أي خدمتهم وهو بفتح الميم وحكي أبو زيد والكسائي الكسر وانكره الاصمعي وعن المزي أن كسر الميم أحسن ليكون على الخدمة وزنا ومعني (وكان يفلي ثوبه) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن عائشة. قال الشمنى قيل إنه ﵊ لم يقع عليه ذباب قط ولم يكن القمل يؤذيه تكريما له وتفخيما (ويحلب شاته) أخرجه أبو نعيم أيضا عنها وكذا قوله ويخدم نفسه (ويرقع ثوبه ويخصف نعله) أخرجه أحمد عنها والخصف باعجام الخاء واهمال الصاد هو الخرز (ويقم) بضم القاف أي يكنس (البيت) زاد أحمد ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم (ويهنئه) بالنون بوزن يلزمه أى يطلبه بالبناء بالهمز والمد وهو القطران (فدحس) بمهملات (وكان يذبح أضحيته) بيده أخرجه أحمد عن أنس (ناضحه) باعجام الضاد واهمال الحاء أي بعيره وأصل الناضح الذي يستقى عليه ثم استعمل في غيره توسعا (فارتعد من هيبته) ولعياض في الشفاء فاصابته من هيبته رعدة (تأكل) بالفوقية (القديد) اللحم المقدد أي المقطع (عثنونه) بضم المهملة والنون المكررة وسكون المثلثة بينهما قال في القاموس العثنون اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين أو نبت على الذقن وتحته سفلى أو هو طولها أو شعرات
стр. 746
وذلك حين عجب النفوس وحج في حجة الوداع على رحل رث عليه قطيفة ما تساوى أربعة دراهم. وقال اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة واهدى فيها مائة بدنة وعن أنس ان امرأة كان في عقلها شيء جاءت الى النبي ﷺ فقالت ان لى اليك حاجة قال اجلسى يا أم فلان في أى طرق المدينة شئت اجلس اليك قال وكانت الامة تأخذ بيده ﷺ فتنطلق به حيث شاءت وقال أبو هريرة اشترى رسول الله ﷺ سراويل من السوق فذهبت لاحملها عنه فقال صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله ولما جاء أبو بكر بابيه يوم الفتح قال له ﷺ لم عنيت الشيخ الا تركته حتى أكون انا آتيه في منزله وكان ﷺ يقول لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى انما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وقال لا تفضلوا بين الانبياء ولا تفضلونى على يونس بن متى ولا تخيرونى على موسى ونحن أحق بالشك من ابراهيم طوال تحت حنك البعير (رث) بتشديد المثلثة أي خلق بال (وقال) تعليما لامته (اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة) أخرجه ابن ماجه عن أنس (حاجة) بالنصب (يا ام فلان) هي ام زفر بضم الزاى وفتح الفاء ثم راء ماشطة خديجة واسمها شعيرة الحبشية (وقال أبو هريرة) كما أخرجه عنه الطبراني في الاوسط وابن عساكر (سراويل) قال الشمنى لم يثبت أنه ﷺ لبسها ولكنه اشتراها ولم يلبسها وفي الهدى لابن قيم الجوزية انه لبسها قالوا وهو سبق قلم قال واشتراها باربعة دراهم وفي الاحياء أنه اشتراها بثلاثة دراهم (ألا تركته) بالتخفيف على العرض وبالتشديد بمعن هلا (لا تفضلوا بين الانبياء) قال العلماء هو محمول على تفضيل يؤدي الى تنقيص المفضول أو يؤدي الى الخصومة والفتنة كما هو سبب الحديث أو مختص بالتفضيل في نفس النبوة ولا تفاضل فيها وانما التفاضل بالخصائص وفضائل اخرى. قال النووي ولا بد من اعتقاد التفضيل بعد ما قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ (لا تخيروني على موسى) قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل منه أو هضما لنفسه وتواضعا (لا تفضلوني على يونس) في رواية اخرى في الصحيحين من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب وفي الاخرى ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى فاما على الرواية الاولى فالكلام عليه كما سبق في قوله لا تخيرونى على موسى وكذلك في الروايتين الأخيرتين ان قلنا ان الضمير في اناله ﷺ وأما ان قلنا الضمير للقائل فمعناه لا يقول ذلك بعض الجاهلين المجتهدين في نحو العبادة فانه لو بلغ من الفضائل ما بلغ لم يبلغ درجة النبوة (نحن أحق بالشك من ابراهيم) قال في التوشيح قيل هو شك كان قبل النبوة وقال ابن جرير سببه حصول وسوسة من الشيطان لكنها لم تستقر ولا زلزلت الايمان الثابت والمختار خلاف ذلك وأن معنى الحديث نفي ذلك الشك عنه أى لم يحصل لابراهيم شك حين قال ربى أرني كيف تحيى الموتى وأنه لا أعظم من ذلك ولو شك لكنا نحن أحق منه بذلك قال ذلك تواضعا منه أي وقد علمتم اني لم أشك وابراهيم لم يشك وانما أراد طمأنينة القلب بالترقى الى مرتبة عين اليقين التى هي أبلغ من علم اليقين وقيل سأل ذلك
стр. 747
ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاء الداعى لاجبته.
[فصل وأما عدله ﷺ وأمانته وعفته وصدق لهجته]
(فصل) وأما عدله ﷺ وأمانته وعفته وصدق لهجته فكان ﷺ آمن الناس واعدل الناس واعف الناس واصدقهم لهجة منذ كان اعترف به محادوه وعداه وكانوا يسمونه الأمين ولذلك رضوه حكما بينهم في وضع الحجر الاسود وفي سؤال هرقل لابى سفيان هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ان يقول ما قال قال لا وقال ابو جهل للنبى ﷺ انا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به فأنزل الله تعالى فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وفي وصف على له أصدق الناس لهجة وأليتهم عريكة.
وكان ﷺ أعف الناس لم تمس يده يد امرأة قط لا يملك رقها أو نكاحها أو تكون استئنافا ومحبة للمشاهدة حيث استدل بذلك نمروذ في قوله رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وقيل المراد ليطمئن قلبى بالخلة وقيل باجابة دعائي انتهى قال البغوى قيل لما نزلت هذه الآية يعنى قوله وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الآية قال قوم شك ابراهيم ولم يشك نبينا ﷺ فقال ﷺ هذا القول تواضعا منه وتقديما لابراهيم (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف) وهو اثنتي عشرة سنة (لاجبت الداعي) الذى أرسله الملك ليأتي بيوسف فقال ارجع الى ربك ولم يبادر بالخروج مع طول مدة حبسه وحاصل ذلك أنه ﷺ وصف يوسف بقوة الصبر وذلك منه أيضا على سبيل التواضع
(فصل) في عدله وأمانته (آمن الناس) بمد الهمزة وفتح الميم (وأصدقهم لهجة) قال الجوهري اللهجة اللسان قال وقد يحرك فيقال فلان فصيح اللهجة بفتح الهاء واللهجة بسكونها (محادّوه) بالحاء والدال المشددة المهملتين أي مخالفوه (وعداه) بكسر المهملة وضمها والقصر أى أعداءه (يسمونه الامين) بالنصب (رضوه) بضم المعجمة وأصله رضوء فاستثقلت الكسرة مع الياء (وقال أبو جهل) فيما حكاه ناجية بن كعب (انا لا نكذبك) فانك نشأت فينا صغيرا الى أن كبرت وبلغت أشدك فلم نجرب عليك قط كذبا قال البغوي قال السدي التقى الاخنس بن شريق وابو جهل بن هشام فقال الاخنس لابي جهل يا أبا جهل اخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فانه ليس هنا أحد يسمع كلامك غيري فقال أبو جهل والله ان محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن اذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فانزل الله قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ انك كاذب (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) قرأ نافع والكسائي من الاكذاب وهو أن يتخذ الشخص كاذبا وقرأ غيرهم من التكذيب وهو النسبة الى الكذب يعنى انهم لا يكذبونك في السر لانهم قد عرفوا صدقك فيما مضى (وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ) الكافرين (بِآياتِ اللَّهِ) ومنها ان جعلك نبيا (يَجْحَدُونَ) ظاهرا مع اعترافهم اذ هذا حقيقة الجحد (عريكة) بالمهملة
стр. 748
ذارحم محرم وفي وصف عائشة له ما خير بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فان كان إثما كان أبعد الناس منه. قال المبرد قسم كسرى أيامه فقال يصلح يوم الريح للنوم ويوم الغيم للصيد ويوم المطر للشرب واللهو ويوم الشمس للحوائج قال ابن خالويه ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ولكن نبينا ﷺ جزأ نهاره ثلاثة اجزاء جزأ لله وجزأ لاهله وجزأ لنفسه ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس فكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول ابلغونى حاجة من لا يستطيع ابلاغى فانه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع ابلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة.
[فصل وأما وقاره ﷺ وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه]
(فصل) وأما وقاره ﷺ وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه فكان ﷺ أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وامانة لا ترفع فيه الاصوات ولا تؤبن فيه الحرم واذا مشى مشى مجتمعا يعرف في مشيته والراء طبيعة وزنا ومعنى (ما خير بين أمرين الا اختار أيسرهما) قال عياض يحتمل ان يكون تخييره من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فكان يختار الايسر في هذا كله واما قولها (ما لم يكن اثما) فانما يتصور اذا خيره الكفار والمنافقون أو يكون التخيير من الله او من المسلمين ويكون الاستثناء منقطعا (فايدة) أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة انه ﷺ قال ما خير عمار بين أمرين الا اختار أيسرهما قلت لعله يشير الى قصته التى وقعت له من الاكراه فانهم خيروه بين الكفر وبين أن يقتلوه فاختار الكفر ظاهرا وكان هو الايسر لانه سلم من القتل ومن الكفر (المبرد) بضم الميم وفتح الموحدة والراء المشددة ثم مهملة اسمه محمد بن يزيد (ابن خالويه) بالمعجمة وفيه ما مر أول الكتاب في يعطونه ونحوه (يستعين بالخاصة على العامة) قال ابن الاثير أى ان العامة لم تكن تقدر على الوصول اليه في هذا الوقت فكانت الخاصة تخبر العامة بما سمعت منه فكأنه أوصل الفوائد الى العامة بالخاصة (ويقول أبلغوني حاجة من لا يستطيع ابلاغي الى آخره) أخرجه الطبراني بسند حسن عن أبي الدرداء بلفظ أبلغوا حاجة من لا يستطيع ابلاغ حاجته (ثبت الله قدميه) زاد الطبراني على الصراط (يوم القيامة) فيه عظيم فضل معاونة المؤمن وموازرته ولو بنحو ما ذكر. (فصل) في وقاره (كان أوقر الناس في مجلسه الى آخره) أخرجه أبو داود في مراسيله عن خارجة ابن زيد (ولا تؤبن) بضم الفوقية وسكون الهمزة وفتح الموحدة ثم نون قال الجوهري فلان يؤبن بكذا أى يذكر بقبيح وفي مجلسه ﷺ لا يؤبن فيه الحرم أى لا تذكر بسوء انتهى وكذا فسره عياض في الشفاء فما ذكر بعض شراحه أنه بالمثلثة والزاى من الاثر وهو الرمي أو بالموحدة والراء من أبرته العقرب أي لدغته بابرتها وان كان صحيحا في المعني فليس في الرواية زاد عياض بعد هذا ولا تثني فلتاته وهو بالنون
стр. 749
انه غير غرض ولا وكل ان صمت فعليه الوقار وان تكلم سما وعلاه البهاء. وقال عبد الله بن مسعود ان أحسن الهدي هدى محمد وفي وصف ابن ابى هالة انه ﷺ كان يحسن الحسن ويصوبه ويقبح القبح ويوهنه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة ان يغفلوا او يميلوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه الى غيره الذين يلونه من الناس خيارهم وافضلهم عنده اعمهم نصيحة واعظمهم عنده منزلة احسنهم مواساة ومؤازرة وسبق في سيرته مع اصحابه كثير مما يدخل في هذا الفصل.
(فصل) وكان رسول الله ﷺ ازهد الناس ويكفيك في تعريف ذلك ان فقره ﷺ كان فقر اختيار لا فقر اضطرار لانه ﷺ فتحت عليه الفتوح وجلبت اليه الاموال ومات ودرعه مرهونة عند يهودى في نفقة عياله وهو يدعو اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. وقالت عائشة ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله ولو شاء لا عطاه الله ما لا يخطر ببال. وعنها قالت ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا شاة ولا درهما ولا بعيرا ولقد مات وما في بيتى شيء يأكله ذو كبد الاشطر شعير في رق لى وقال لى انى عرض على ربي أن يجعل لى بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب أجوع يوما وأشبع يوما فاما اليوم الذى أجوع فيه فأتضرع اليك وأدعوك وأما اليوم الذى أشبع والمثلثة أى لا يتكلم بغليان أي لم يكن في مجلسه فان كانت من أحد سترت (غير غرض) بفتح الغين المعجمة وكسر الراء ثم معجمة أي غير ضجر ولا قال من الغرض بفتحتين وهو الضجر والملال (ولا وكل) بفتح الواو وكسر الكاف أى عاجز يكل امره الى غيره ويتكل عليه ويقال وكله ويكله ومواكل (ان أحسن الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة أي الطريقة وبضم الهاء وفتح المهملة (يحسن الحسن) بالتشديد (ويوهنه) بالتحتية والنون أى يضعفه (عتاد) بفتح المهملة وتخفيف الفوقية والعتاد ما يهيء للشيء ويعدله
(فصل) في بيان زهده (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) أخرجه مسلم والترمذى وابن ماجه عن أبى هريرة ومعنى قوتا كفافا كما جاء في رواية والكفاف الذى لا زيادة فيه عن قدر الحاجة (ما شبع رسول الله ﷺ الى آخره) أخرجه مسلم عن عائشة (تباعا) بكسر أوله أى متتابعة (ما لم يخطر) بكسر المهملة أى يحدث ويجوز ضمها أي يمر (اني عرض على ربى أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا الى آخره) أخرجه أحمد والترمذى عن أبي امامة وفي حديث آخر أن جبريل نزل عليه فقال له ان الله يقرئك السلام ويقول لك أتحب أن أجعل لك هذه الجبال ذهبا وتكون معك حيث ما كنت فاطرق ساعة ثم قال يا جبريل ان الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له أخرجه أحمد والبيهقي في الشعب
стр. 750
فيه فأحمدك وأثنى عليك. وعنها قالت ان كنا آل محمد لنمكث شهرا ما نستوقد نارا ان هو الا التمر والماء. وعنها قالت لم يمتل جوف النبي ﷺ شبعا قط ولم يبث الى أحد شكوى وكانت الفاقة أحب اليه من الغنى وان كان ليظل جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه من صيام يوم ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الارض وثمارها ورغد عيشها ولقد كنت أبكى له رحمة مما أرى به وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع وأقول نفسى لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك فيقول يا عائشة مالى وللدنيا اخوانى أولوا العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم وأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم وأجدنى أستحى ان ترفهت في معيشتى ان يقصرنى غدا دونهم وما من شيء هو أحب الى من اللحوق باخوانى واخلائى قالت فما أقام بعد الاشهرا ثم توفي ﷺ .
[فصل وأما خوفه ﷺ لربه وطاعته له وشدة عبادته فعلى قدر علمه به]
(فصل) وأما خوفه ﷺ لربه وطاعته له وشدة عبادته فعلى قدر علمه به ولذلك قال فيما رواه أبو هريرة رضى الله عنه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا زاد في رواية أبى ذر ﵁ انى أرى ما لا ترون واسمع ما لا تسمعون أطت السماء عن عائشة مرفوعا وأخرجه البيهقي في الشعب أيضا عن ابن مسعود موقوفا (آل محمد) اختصاص (ان هو) أي ما هو أي مأكولنا الذى نأكله (لم يبث) بالموحدة (الفاقة) بالرفع وهي الحاجة (أحب) بالنصب (الغنى) بكسر المعجمة مقصور (وثمارها) بالنصب عطفا على جميعها وبالجر عطفا على كنوز (ورغد) بفتح المعجمة (يقوتك) بضم أوله وفتح القاف وكسر الواو والمشدد (مآبهم) بمد الهمزة وبالموحدة مرجعهم (أن يقصر) بالبناء للمفعول (هو أحب) بالنصب والرفع.
(فصل) في بيان خوفه (فيما روي أبو هريرة عنه) وأخرجه عنه البخاري وغيره وأخرجه أيضا أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس (لو تعلمون ما أعلم لضحتكم قليلا ولبكيتم كثيرا) أي لازددتم خوفا من الله ولكان حالكم ما ذكر لان خوف المرء على قدر علمه بربه جل وعلا قال تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وأنشد بعضهم:
على قدر علم المرء يعظم خوفه ... فلا عالم الا من الله خائف
فآمن مكر الله بالله جاهل ... وخائف مكر الله بالله عارف
(زاد في رواية أبي ذر) عند الترمذي (اني أرى ما لا ترون) يعني مواقع الفتن (وأسمع ما لا تسمعون) يعنى قوله (أطت السماء الى آخره) وهو بفتح الهمزة والمهملة المشددة ثم فوقية قال ابن الاثير أطيط الاقتاب وأطيط الابل أصواتها وحنينها أي ان كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت وهذا على
стр. 751
وحق لها ان تئط ما فيها موضع أربع أصابع الا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم الى الصعدات تجأرون الى الله بالدعاء ومن خوفه ﷺ بكاؤه عند تلاوة القرآن وفي تهجده وعند سماعه من غيره كما ورد في جملة من الاحاديث وفي حديث ابن أبى اهالة كان رسول الله ﷺ متواصل الاحزان دائم الفكر ليست له راحة وقال إنى لاستغفر الله في اليوم مائة مرة وجماع خلقه ﷺ فيما رواه على كرم الله وجهه قال سألت رسول الله ﷺ عن سنته فقال المعرفة رأس مالى والعقل أصل دينى ضرب المثل لكثرة الملائكة وان لم يكن ثم أطيط وانما هو كلام للتقريب أريد به تقريب عظمة الله تعالى (وحق لها) بضم المهملة وفتح القاف ولابن مردويه من حديث أنس ويحقها (أن تئط) والذى نفسي بيده (ما فيها موضع) شبر بدل (أربع أصابع) في حديث أبي ذر وكلاهما على وجه المثل لكثرة الملائكة قاله ﷺ مرتين قال في مرة أربع اصابع فسمع ذلك ابو ذر فرواه وقال في اخرى موضع شبر فسمعه انس فرواه (ساجدا لله تعالى) زاد ابن مردويه يسبح الله ويحمده (ولبكيتم كثيرا) زاد الحاكم من حديث أبى ذر ولما ساغ لكم الطعام ولا الشراب (الصعدات) بضم الصاد والعين ثم دال مهملات أي الطرقات جمع صعد والصعد جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات وقيل جمع صعدة الظلمة وهي فناء الباب وممر الناس بين يديه (تجأرون) بالجيم فالهمز فالراء بوزن يعلمون أي يرفعون أصواتهم والجؤار رفع الصوت (الى الله تعالى) زاد الطبرانى في الكبير والحاكم والبيهقى في الشعب من حديث أبي الدرداء لا يدرون أينجون أو لا ينجون وللحاكم من حديث أبي هريرة لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكتيم كثيرا يظهر النفاق وترتفع الامانة وتقبض الرحمة ويتهم الامين ويؤتمن غير الامين اناخ بكم الشر والجور الفتن كامثال الليل المظلم (وقال) ﷺ انه ليغان على قلبي (واني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائى عن الاغر المزني قالوا وليس له في الكتب الستة سوي هذا الحديث وقوله ليغان على قلبى بالمعجمة قال السيوطي المختار ان هذا من المتشابه التى لا يخاض في معناه وقد سئل عنه الاصمعي فقال لو كان قلب غير النبي ﷺ لتكلمت عليه ولكن العرب تزعم أن الغين الغيم الرقيق واخرج البخاري والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول والله انى لاستغر الله وأتوب اليه في اليوم أكثر من سبعين مرة وأخرج البخاري في الادب من حديث ابن عمر توبوا الى الله فاني أتوب اليه كل يوم مائة مرة (عن سنته) أي طريقته اللازمة له (والمعرفة) بالله (رأس مالي) أى لان من عرف الله وعرف أنه هو المتكفل بارزاق العباد وان لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وثق به جل وعلا كما يثق صاحب التجارة برأس ماله (والعقل) أراد به الذي ينظر به الشخص في عواقب الامور (أصل ديني) أي لانه الباعث
стр. 752
والحب اساسي والشوق مركبى وذكر الله انيسى والثقة كنزى والحزن رفيقى والعلم سلاحى والصبر زادى والرضى غنيمتى والعجز فخرى والزهد حرفتي واليقين قوتى والصدق شفيعى والطاعة حسبى والجهاد خلقى وقرة عيني في الصلاة وفي حديث آخر وثمرة فؤادي في ذكره وغمى لاجل أمتى وشوقى الى ربى.
«فصل» قال القاضى عياض اذا كانت خصال الكمال والجلال ما ذكرنا ووجدنا الواحد منا يشرف بواحدة منها أو اثنتين ان اتفقا له في كل عصر حتى يعظم قدره وتضرب باسمه الامثال فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال الى ما لا يأخذه عدّ ولا يعبر عنه مقال ولا ينال بكسب ولا حيلة الا بتخصيص الكبير المتعال من فضيلة النبوة والرسالة والخلة والمحبة والاصطفاء والاسراء والرؤية والقرب والدنو والوحى والشفاعة والوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود والبراق والمعراج والبعث الى الاحمر والاسود والصلاة بالانبياء والشهادة بينهم وبين أممهم وسيادة ولد آدم ولواء الحمد والبشارة والنذارة والمكانة عند ذى العرش والطاعة ثم الامانة والهداية ورحمة للعالمين واعطاء الرضا والسؤال والكوثر وسماع القول واتمام النعمة والعفو عن ما تقدم وما تأخر وشرح الصدر ووضع الوزر على الاعمال الصالحة وترك ما يسخط الباري تعالى من المعاصي والخلود الى الدنيا الفانية (والحب) لله (أساسي) أي أصلي كأساس البناء يعني أن خلقتى ركبت في الاصل على المحبة لا أحتاج فيها الى تكلف (والشوق) الى ربي (مركبي) الذى أقطع عليه الطريق اليه وأراد أن شوقى اليه يعيننى على التقرب اليه بطاعته ومجانبة سخطه (وذكر الله أنيسي) الذى آنس به أي لان ذاكر الله تعالى واقف على درجات القرب ومقام المشاهدة والحضور وكيف يدخل الخوف ممن سوى الله على من هو كذلك (والثقة) بالله (كنزي) الذي لا أخاف عليه نفادا كما يخافه صاحب الكنز (والحزن) أى لاجل امتى (رفيقي) أي لا يفارقني (والعلم) بالله واحكامه (سلاحى) الذي أسطوبه على ابليس وجنوده فلا يستطيع أحد منهم أن يكيدني (والصبر) بانواعه (ردائى) أي خلقى وسجيتى فعبر عن ذلك بالرداء (والرضى) بقضاء الله (والزهد) في الدنيا وفيما في أيدي الناس (والصدق) في القول والعمل (والطاعة) لله في اتيان ما أمر به واجتناب ما نهي عنه (حسبي) أي كفايتى (والجهاد) للكفار (وغمي) هو الحزن الذى يأخذ بالنفس.
(فصل) قال القاضي (ووجدنا الواحد) في بعض نسخ الشفاء ورأينا (والخلة) بضم المعجمة (ووضع)
стр. 753
ورفع الذكر وعزة النظر ونزول السكينة والتأييد بالملائكة وايتاء الكتاب والحكمة والسبع المثانى والقرآن العظيم وتزكية الامة والدعاء الى الله تعالى وصلاة الله وملائكته عليه والحكم بين الناس بما آتاه الله ووضع الاصر والاغلال عنهم والقسم باسمه واجابة دعوته وتكليم الجمادات والعجم واحياء الموتى واسماع الصم ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير القليل وانشقاق القمر ورد الشمس وقلب الاعيان والنصر بالرعب والاطلاع على الغيب وظل الغمام وتسبيح الحصا وأبراء الآلام والعصمة من الناس الى ما لا يحويه محتفل ولا يحيط بعلمه الا مانحه ذلك ومفضله به لا إله غيره الى ما اعدله في الدار الآخرة من منازل الكرامة ودرجات القدس ومراتب السعادة والحسني والزيادة التي تقف دونها العقول ويحاردون درايتها الوهم
[الباب الثالث في شماله ﷺ في العبادات المتكررات]
(الباب الثالث في شماله ﷺ في العبادات المتكررات) اعلم علمنا الله واياك ان مما يذم في التقليد التعصب للمذاهب والجمود عليها واستثقال كل بخلاف ما وطن نفسه عليه من تبعية امامه ولا يقبل غيره وان قام الدليل على خلافه حتى كأن الحق منحصر فيه أو كأن امامه نبيه وكل ذلك لعدم الانصاف ولقد انصف الشافعى حيث قدم الى أصحابه ما معناه اذا صح الحديث فاعملوا به ودعوا قولى اشفاقا منه عليهم ان توقعهم العصبية في المخالفة وقد كان له تضلع في علم الحديث فلم يقم الدليل على خلاف مذهبه الا باداء مما لا يعصم البشر عن وقوع مثله وربما اعتل بعض المقلدين عند قيام الحجة الاصر وهو العهد والذنب والثقل (ونزول السكينة) هي فعيلة من السكون وهى الرحمة أو الطمأنينة أو الوقار أو ما يسكن اليه الشخص أقوال (والاغلال) أي المواثيق اللازمة لزوم الغل للعنق (وتكليم الجمادات) جمع جماد وهو ما ليس بحيوان (والعجم) بضم المهملة وسكون الجيم جمع أعجم وهو من لا يقدر على الكلام أصلا (محتفل) بضم الميم وسكون المهملة وفتح الفوقية وكسر الفاء والمحتفل بالشيء هو المعتنى به والمبالغ فيه (ما أعدله) مبنى للفاعل والمفعول
(الباب الثالث) في شمائله في العبادات (التعصب) بالفتح (والجمود) بضم الميم أى الوقوف كوقوف الشيء الجامد (كان الحق) بفتح الهمزة وتشديد النون (اذا صح الحديث فاعملوا به ودعوا قولي) وفي رواية اخرى عنه فهو مذهبي وفي اخرى عنه فاضربوا بمذهبي عرض الحائط (تضلع) باعجام الضاد واهمال العين أى صار ضليعا أي عظيما (اعتل) بهمز وصل وسكون المهملة وفتح الفوقية وتشديد اللام
стр. 754
عليه قال لعل امامي علم في ذلك ما لم اعلمه أو يرى من ينهه عن ذلك لا يتأهل للترجيح والاجتهاد وكل ذلك قصور وتقصير فقد نص جهابذة العلماء على ان الاجتهاد يتجزأ وان يجوز ان يكون الانسان محتهدا من حج في مسئلة أو باب دون غيره ومظنة الترجيح عليه الظن بعد البحث في وجوه الادلة وسيأتي في طي هذا الباب ما يفهمك فائدة تقديم هذه القاعدة جعلنا الله ممن يقبل الهدي أينما كان وعلى لسان من ظهر واصفين منصفين آمين* اعلم رحمك لله واياى ان هذا الباب واسع جدا موضع بسطه الحديث ومبسوطات كتب الفقه وانما أذكر نكتا وعيونا من أسرار عوائده التي واظب عليها ﷺ وكادت لكثرة التسهيل والاهمال ان يذهب أكثرها فأنبه على ذلك على وجه الاختصار والايجاز مستعينا بالله وسائلا منه التوفيق
[فصل في عادته ﷺ في الوضوء]
فمن ذلك عادته ﷺ في الوضوء كان في غالب الأحوال يتوضأ لكل فريضة وقال من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات قال العلماء وانما يحصل هذا الثواب لمن استعمل الوضوء الأول وربما صلى في بعض الأوقات بوضوء واحد عددا من الصلوات وكان ﷺ يغتسل بالصاع بالمد ونهى عن كثرة استعمال الماء وقال لسعد بن أبى وقاص لا تسرف وان كنت على نهر جار وقال ان للوضوء شيطانا يقال له الولهان واعتل بكذا معناه جعله علة له (لا يتأهل) أي لا يصير أهلا (جهابذة) جمع جهبذ بكسر الجيم والموحدة بينهما هاء ساكنة وآخره معجمة النقاد الخبير قاله في القاموس (كان في غالب الاحوال يتوضأ لكل فريضة) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه عن أنس (من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات) أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن ابن عمرو ذلك لان هذا الوضوء من جملة الحسنات وهي مضاعفة الى ما ذكر (وانما يحصل هذا الثواب) ان صح كون الوضوء الثانى عبادة ولا يكون ذلك الا (لمن استعمل الوضوء الاول) أى صلى به صلاة ما ولو ركعة لا سجدة تلاوة ونحوها وليس الطواف في ذلك كالصلاة لان للصلاة أثرا عظيما في هذا الدين فكانت سببا لضعف الوضوء المحوج الى التجديد بخلاف غيرها هذا ان قلنا ان سنية التجديد معقولة وان قلنا تعبدية فكذلك أيضا لان التجديد انما ورد فيها ولا يقاس عليها العظمها (وربما صلى في بعض الاوقات بوضوء واحد عددا من الصلوات) كما فعل يوم الخندق صلى أربع صلوات بوضوء واحد وصلى أيضا يوم فتح مكة الخمس بوضوء واحد (كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد) أخرجه الشيخان وأبو داود عن أنس ولمسلم من حديث سفينة كان يغسله الصاع ويوضئه المد والمد رطل وثلث وهو ربع الصاع وأخرج أبو داود باسناد حسن انه ﷺ توضأ باناء فيه قدر ثلثى مد (ان للوضوء شيطانا الى اخره) أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبىّ بن كعب (الولهان) بفتح الواو واللام
стр. 755
فاتقوا وساوس الماء وقال انه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون بالطهور والدعاء ففي هذه الأخبار ذم الاسراف في صب الماء فانه من الشيطان وقد صحت الأخبار عن محمد المختار انه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وغالب أحواله ثلاثا ثلاثا وكره الزيادة عليها والنقصان منها فكأنها حد بين الاقلال والاكثار وقد كانت أموره ﷺ على حد الاعتدال ويصلح لمن كان على بعض أعضائه اذى أن يغسله قبل الوضوء ثم يتوضأ ليتم له الاقتصار على التثليث مع انه قد صحح الأكثرون ان غسلة واحدة تنوب عنهما وربما ثلث ﷺ في بعض الأعضاء ونقص في بعضها وربما ثلث في الكل وغسل الرجلين بغير عدد وأما الرأس فأكثر الروايات وأصحها على التوحيد في مسحه وروي التثليث في حديث حسن فينبغي التثليث من أجله وكان ﷺ يعم جميع رأسه بالمسح ويقبل بيديه ويدبر وحيث ما اقتصر على بعضه لعمامة ونحوها كمل بالمسح عليها ولم يقتصر (وسواس الماء) بفتح الواو (سيكون في هذه الامة قوم يعتذرون الى آخره) أخرجه أبو داود عن عبد الله بن معقل المزني وأخرجه أيضا عن سعد بدون ذكر الطهور (في الطهور) بضم الطاء (والدعاء) قال الخطابي ليس معني الاعتداء الاكثار وانما هو مثل ما روي عن سعد يعنى انه سمع ابنه يقول اللهم اني اسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا وأعوذبك من النار وسلاسلها واغلالها وكذا وكذا أي ومثل ما روي عن عبد الله بن معقل انه سمع ابنه يقول اللهم إنى أسألك القصر الابيض عن يمين الجنة اذا دخلتها وقال ابن جريج من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح وقال عطية الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل فيقولون اللهم اخزهم اللهم العنهم وقال أبو مجلزهم الذين يسألون منازل الانبياء (وقد صحت الاخبار) في صحيح البخاري وغيره (وكره الزيادة عليها) أى الثلاث (والنقصان منها) بقوله هكذا الوضوء فمن أزاد أو نقص فقد أساء وظلم أخرجه أبو داود باسانيد صحيحة وفي رواية للنسائى فقد أساء وتعدي وظلم قال امام الحرمين أساء معناه ترك الافضل وتعدى السنة وظلم أى وضع الشيء في غير موضعه (ويصلح) بمعني ويسن (اذي) طاهرا كان أو نجسا (صحح الاكثرون) ومنهم النووي وكذا الرافعي في غير النجس (ان غسلة واحدة تنوب عنهما) ما لم تكن نجاسة عينية أو غير نجاسة وصعب وصول الماء الى المحل أولم يمنعه ولكنها غيرته تغيرا يخرج به الماء عن كونه طهورا (وروي التثليث في حديث) أخرجه أبو داود باسناد حسن (و) كان (يقبل بيديه ويدبر) اخرج الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن زيد انه ﷺ مسح بيديه فاقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما الى قفاه ثم ردهما الى المكان الذي بدأ منه قال العلماء واستحباب الرد يختص بمن له شعر ينقلب بالذهاب والرد ليصل البلل الى جميعه والا اقتصر على الذهاب (كمل بالمسح عليها) كما أخرجه مسلم عن المغيرة بن شعبة بلفظ فمسح بناصيته وعلى العمامة ففيه ندب استيعاب
стр. 756
على بعض مسح الرأس من غير تتميم على العمامة أبدا وأما المضمضة والاستنشاق فأصح الروايات على أنه ﷺ جمع بينهما بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها بيمينه ويستنثر بشماله قال ابن الصلاح ولم يثبت في الفصل شيء. قلت رواه أبو داود بسند لم يضعفه فهو حجة عنده والله أعلم. وكان ﷺ يمسح الاذنين ظاهرهما وباطنهما قال شيخ شيوخنا القاضي مجد الدين الشيرازي ولم يثبت في مسح الرقبة حديث (تنبيه) في سنن أبى داود من رواية ابن عباس رضى الله عنهما عن علىّ كرم الله وجهه حين أراه كيفية وضوء النبي ﷺ ففيه انه أدخل يده في الاناء جميعا فغسل وجهه ثلاثا وهو فعل حسن يعرف حسنه بالمشاهدة وفيه انه بعد غسل الوجه أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تشتر على وجهه وكأنه والله أعلم فعل ذلك استظهارا على غسل مقدم الوجه فهاتان سنتان قل من يعمل بهما ويثابر عليهما وفيه انه غسل رجليه في النعلين وفتلهما ليصل الماء الى ما تحت السيور* قال ابن عباس قلت وفي النعلين قال وفي النعلين قال ذلك ثلاثا ففيه تأييد لقوله ﷺ بعثت بالحنيفية السمحة وقد كان ﷺ ربما صلى في نعليه وقال تفقدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم وقد صحح جماعة من أصحابنا جواز الصلاة في الخف المتنجس أسفله اذا دلكه بالارض حتى تذهب العين وكان صلى الناصية ثم التتميم (جمع بينهما بثلاث غرفات الي آخره) أخرجه الشيخان عن عبد الله بن زيد بن عاصم (ويستنثر) بفوقية فنون فمثلثة أى يستخرج الماء من انفه واشتقاقه من النثرة وهي طرف الانف (رواه أبو داود) عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده (بسند لم يضعفه) لكن ضعفه غيره (كان يمسح الاذنين ظاهرهما وباطنهما) أخرجه أبو داود عن ابن عباس وصححه الترمذى وابن حبان وكان يمسحهما بماء خلاف الماء الذي لرأسه أخرجه البيهقى عن عبد الله بن زيد (لم يثبت في مسح الرقبة حديث) وأما خبر مسح الرقبة امان من الغل وأثر ابن عمر من توضأ ومسح عنقه وقى الغلى يوم القيامة فقال النووي وغيره الخبر المذكور موضوع والاثر غير معروف ومسح الرقبة بدعة وتعقب بعض المتأخرين كلام النووي بان الخبر روى بسند ضعيف أي وهو يعمل به في الفضائل وقد صحح الرافعي في الصغير انه سنة (قبضة) بضم القاف اسم للشيء المقبوض وبالفتح المرة من القبض (تشتر) بالمعجمة أي تنصب متفرقة (يثابر) بالمثلثة والموحدة يحافظ وزنا ومعني (وفتلهما) بالفاء أى ادارهما يعنى رجليه (وربما صلى في نعليه) أخرجه أحمد والشيخان والترمذى عن أنس (تفقدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم) أخرجه أبو نعيم في الحلية عر أنس (وقد صحح جماعة من أصحابنا) أحد قولى الشافعي وهو (جواز الصلاة في الخف المتنجس أسفله) نجاسة جافة لا جرم لها ولم يتعمدها (اذا دلكه بالارض حتى تذهب العين) وذلك بالقياس على موضع الاستنجاء والثاني وهو الاصح لا تجزئه كما لو مسح النجاسة عن ثوبه وصلى فيه وفارق الاستنجاء بانه
стр. 757
الله عليه وسلم يرفّع في غسل أعضاء الوضوء وقال ان أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم ان يطيل غرته وتحجيله فليفعل أخرجه الشيخان والغرة مقدم الرأس مع الوجه والتحجيل غسل بعض العضدين مع الذراعين وبعض الساقين مع الرجلين وغايته استيعاب العضد والساق فكان ﷺ يسمى الله أوله ووردت أحاديث تدل على التحتم في التسمية وكلها مؤولة أو ضعيفة وكان يقول في أثنائه ما رواه النسائي وابن السنى باسناد صحيح عن أبى موسى الأشعري قال أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فسمعته يقول اللهم اغفر لى ذنبى ووسع لى في داري وروى في ذاتى وبارك لى في رزقى فقلت يا رسول الله سمعتك تدعو بكذا وكذا قال وهل تركن من شيء وكان يقول بعد فراغه ما رواه عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ من توضأ فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء رواه مسلم وزاد الترمذى فيه اللهم اجعلني يتكرر بخلاف هذا (غرا) بضم المعجمة جمع أغر والغرة بياض يكون في وجه الفرس (محجلين) أى بيض الاوجه والايدى والارجل (أخرجه الشيخان) عن أبي هريرة ولمسلم عنه أيضا أنتم الغر المحجلون الى آخره (مقدم الرأس مع الوجه) وكذا صفحة العنق (استيعاب العضد) بان يغسل الى المنكب (والساق) بان يغسل الى الركبة (فكان يسمى الله أوله) أخرجه النسائي بسند جيد كما في المجموع عن أنس قال طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوأ فلم يجدوا فقال ﷺ هل مع أحد منكم ماء فاتي بماء فوضع يده في الاناء الذى فيه الماء ثم قال توضؤا بسم الله وهذا اقل مجزى فيها والاكمل كما في المجموع بسم الله الرحمن الرحيم لحديث كل أمر ذى بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع أخرجه الخطيب (وورد أحاديث تدل على التحتم في البسملة) كحديث لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والطبرانى والحاكم عن أبي هريرة وأخرجه ابن ماجه عن سعيد بن زيد وأبى سعيد وسهل بن سعد (وكلها مؤولة) بان المراد نفي كمال الوضوء كحديث لا صلاة بحضرة طعام (أو ضعيفة) يرد هذا ان الحاكم صحح اسناده وقال الترمذى قال محمد بن اسماعيل يعنى البخاري أحسن شيء في هذا الباب هذا الحديث (ما رواه النسائي وابن السنى باسناد صحيح) لكن فيه عباد بن عباد بن علقمة وقد وثقه أيضا أبو داود ويحيى بن معين وابن حبان واسم ابن السنى أحمد بن محمد بن اسحاق (عن أبي موسى الاشعرى) وأخرجه الترمذي من حديث أبى هريرة ولم يذكر الوضوء (وروي في ذاتي) بالمعجمة والفوقية أى اجعل ذاتي واسعة لا ضيق فيها (وهل تركن من شيء) ينبغى الدعاء به من امور الدنيا والآخرة (من توضأ) زاد أبو داود والنسائى فاحسن الوضوء (فقال) زاد ابن ماجه من حديث أنس ثلاث مرات (الثمانية) بالرفع (رواه مسلم) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (وزاد الترمذي) من حديث أبي ادريس الخولاني وأبى عثمان النهدى عن
стр. 758
من التوابين واجعلنى من المتطهرين زاد النسائى سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك. وأما الدعاء المفرق على الأعضاء فقد ادعى الامام النووي ﵀ انه لا أصل له واستدرك عليه في هذه العبارة فقد روى فيه ابن حبان حديثا من جهة عباد بن صهيب. وقد قال أبو داود فيه انه صدوق والله أعلم.
[فصل في تيممه ﷺ ]
(فصل) في تيممه ﷺ أصح الاحاديث في كيفيته ما اتفق الشيخان على تخريجه عن عمار بن ياسر قال بعثنا النبى ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال انما يكفيك ان تضرب بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه وفي رواية لهما وضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه ففي هذا الحديث أدل دليل على انه لا يشترط فوق ذلك ولا يجزئ دونه لأنه خرج مخرج التعليم والارشاد الى القدر الكافي في التيمم وبه أخذ عامة المحدثين قيل ولا يعلم في حديث يقطع بصحته اشتراط ضربتين ولا مجاوزة الكفين في المسح وبلوغ المرفقين عمر (فقد ادعى النووى انه لا أصل له) كذا قاله في الروضة والمنهاج ومراده أنه لم يرد فيه شيء عن النبي ﷺ كما صرح به في الاذكار والتنقيح (فقد روي فيه ابن حبان) في التاريخ وابن أبى حاتم في العلل وجمع فيه ابن عساكر جزأ.
(فصل) في تيممه (كما تتمرغ) للبخاري بحذف تاء الاستقبال (ففي هذا الحديث أدل دليل على) ما في القديم واختاره النووي في المجموع والشيخ من حيث الدليل (أنه لا يشترط) بمعنى لا يجب (فوق ذلك) أى فوق مسح اليدين الى الكوعين فقط (ولا يعلم في حديث يقطع بصحته اشتراط ضربتين) الا ما أخرجه الطبراني والحاكم عن ابن عمر موقوفا عليه التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين وأخرج أبو داود أنه ﷺ تيمم بضربتين مسح باحداهما وجهه وبالاخرى ذراعيه لكن فيه راو ليس بالقوي عند أكثر المحدثين ذكره في المجموع فمن ثم صحح ان الضربتين انما هما سنة لكن الثاني هو المعروف من مذهب الشافعى (ولا) يعلم في حديث يقطع بصحته اشتراط (مجاوزة الكفين في المسح وبلوغ المرفقين) الا ما مر في حديث الطبراني والحاكم لكن قال الشافعى صح عنه ﷺ مسح وجهه وذراعيه قال وهذا الذى منعنا أى في القول الجديد أن نأخذ برواية عمار قال وهذا أحفظ وأشبه بالقرآن فانه تعالى أوجب طهارة الاعضاء الاربعة في الوضوء في أول الآية ثم أسقط منها عضوين في التيمم في آخر الآية فبقى العضوان في التيمم على ما ذكر في الوضوء اذ لو اختلفا لبينهما انتهى قال الخطابي الاقتصار على الكفين أصح رواية ووجوب مسح الذراعين أشبه في
стр. 759
ولا التحتم في التيمم لكل فريضة ولأنه لا يجزى غير التراب الذى له غبار بل قال النبى ﷺ جعلت لى الارض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل وفي حديث آخر فحيث ما أدركت رجلا من أمتى الصلاة فعنده مسجده وطهوره والله أعلم.
[فصل في عادته ﷺ في الصلوات]
(فصل) في عادته ﷺ في الصلوات وما اشتملت عليه صلاته من الكيفيات المختلفات والاسرار الخفيات. اعلم ان الصلاة أعظم شعائر الاسلام ولم يعبد بها أحد غير الله ولم يقبل النبي ﷺ اسلام أحد دونها ولهذا ما ورد ان أهل الطائف سألوه ان يقبل اسلامهم ويحط عنهم الصلاة فأبى عليهم وقال لا خير في دين ليس فيه ركوع وقال أول ما يحاسب به العبد الصلاة فهى في هذا الدين كالعنوان أو كأساس البنيان لذلك ما ذكر في أصل مشروعيتها من عظيم الشأن وترديد النبي ﷺ بين موسى وربه في التحطيط منها حتى رجعت من خمسين الى خمس قال تعالى هي خمس وهن خمسون يعني في الثواب كما هو في أم الكتاب ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد. وقد نطق القرآن العظيم بفضلها وعظم موقعها وجلالة قدرها وجاءت السنة بأضعاف ذلك فمن مجموع ذلك انها معينة على قضاء الاصول وأصح في القياس (ولا) يعلم في حديث يقطع بصحته (التحتم في التيمم لكل فريضة) أراد حديثا مرفوعا اليه ﷺ والا فقد أخرج البيهقي باسناد صحيح عن ابن عمر قال يتيمم لكل صلاة وان لم يحدث واستدل لذلك بقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الى أن قال فَتَيَمَّمُوا فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة خرج الوضوء بالسنة فبقى التيمم على مقتضاه وعلله الاصحاب بانه طهارة ضرورة فتتقدر بقدرها (ولا) يعلم في حديث يقطع بصحته (أنه لا يجزي) بفتح أوله بلا همز وضمه مع الهمز (غير التراب الذي له غبار) بل أخذ أصحابنا من قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أى اقصدوا ترابا طاهرا كما نقل عن تفسير ابن عباس وغيره (جعلت لي الارض مسجدا وطهورا) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه عن أبي هريرة وأخرجه أبو داود عن أبي ذر وهو عام خصصه رواية مسلم وتربتها لنا طهورا ورواية الدارقطني وأبي عوانة عن حذيفة وترابها وزيادة الثقة مقبولة.
(فصل) في عادته في الصلاة (غير الله) بالرفع والنصب (أول ما يحاسب به العبد الصلاة) فان صلحت صلح له سائر عمله وان فسدت فسد سائر عمله أخرجه الطبراني في الاوسط والضياء عن أنس ولا يعارض هذا الحديث ما أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء لان هذا فيما بين العباد وذاك فيما بين العبد وبين الله تعالى قاله النووي ويؤيد قول النووى ما أخرجه النسائي
стр. 760
الحاجات المهمات لقوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ومنه قوله تعالى فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتضاعف الحسنات وتغسل ادران الذنوب وترفع الدرجات وجاء فيها انها نور مطلق وشافعة للمصلى عند ربه ومسهلة عليه المرور على الصراط وكاشفة لكربه وكان رسول الله ﷺ اذا حزبه شيء فزع الى الصلاة ثم انها جالبة للرزق كما في قوله تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى وجاء انها شفاء من وجع البطن قم فصل فان الصلاة شفاء وفضلها أجل من ان يحصر وأشهر من ان يذكر ولأجل ما استجمعت من الخيرات ودفع المكروهات قال النبي ﷺ وجعلت قرة عيني في الصلاة. وفي رواية الجائع يشبع والظمآن يروى وأنا لا أشبع من حب الصلاة وقال أقم الصلاة يا بلال وأرحنا بها* وقد قدمنا ما يلحق مفوتها من الوبال والخزي والنكال في صلاة الخوف في طى غزوة ذات الرقاع. ونشرع الآن في مهمات من وجوه تحسينها والأمور المؤدية الى قبولها فركنها الأعظم بعد النية وأعمالها الطاهرة التي لا تصلح الا بها الخشوع والتدبر والخضوع* قال الله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ* وقال تعالى من حديث ابن مسعود أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضي بين الناس في الدماء (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ) أي نادت زكريا (فِي الْمِحْرابِ) أى في الغرفة (وتغسل أدران) بالمهملة والراء أي أو ساخ (الذنوب) ففي الحديث الصحيح أرأيتم لوان نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقي من درنه شيء قالوا لا قال كذلك الصلوات الخمس يكفر الله بهن الخطايا لفظ مسلم (وجاء فيها أنها نور مطلق) أخرجه القضاعى وابن عساكر عن أنس (وكان اذا حزبه أمر فزع الى الصلاة) أخرجه أحمد وأبو داود عن حذيفة وحزبه بالمهملة فالزاى أهمه وانما كان يفزع الي الصلاة امتثالا لامر ربه في قوله وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ (قم فصل فان في الصلاة شفاء) أخرجه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة (وأرحنا بها) أي ادخل علينا الروح والراحة التى نجدها في الصلاة ومناجاة الله تعالى (الخشوع) هو غض البصر وخفض الصوت ومحله القلب وعن علي أن الخشوع أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا وعن ابن جبير أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره وعن عمرو بن دينار هو السكون وحسن الهيئة وعن ابن سيرين هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك وعن عطاء هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة وقيل هو جمع الهيئة والاعراض عما سوى الصلاة (والتدبر) فيما يجرى على لسانه من القراءة والذكر وأصل التدبر اتباع الدبر أي القفا فكان المتدبر يتقفي ما يلفظ به لسانه فيتعقل معناه (والخضوع) قال البغوي هو قريب من الخشوع الا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) أى مخبتون أذلاء قاله ابن عباس
стр. 761
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ قال بعضهم وان كانت الآية في سكر الخمر ففي قوله تعالى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ تنبيه على سكر الدنيا فكم من مصل لم يشرب الخمر وهو لا يعلم ما يقول ولا يدري كم صلى من استغراق همه بالوساوس الدنيوية وربما كانت في معصية فيكون الوبال فيها أعظم. ومثل من انطوت صلاته على هذه القاذورات مثل من اتخذ صناديق المصاحف وعاء للخمر والنجاسات. وروي عنه ﷺ لا ينظر الله الى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه وروي عن الحسن البصرى كل صلاة لم يحضر فيها القلب فهى الى العقوبة أسرع وقد أتى على هذا المعنى الفقيه الفاضل صفي الدين اسماعيل بن أبى بكر المقري في قصيدته الواعظة المشهورة فقال
ذنوبك في الطاعات وهى كثيرة ... اذا عددت تكفيك عن كل زلة
تصلى صلاة يعلم الله أنها ... بفعلك هذا طاعة كالخطيئة
وقد مثلت الصلاة في صورة حيوانية روحها النية والاخلاص وحضور القلب ويديها الاعمال كالقيام والقعود. ورأسها الركوع والسجود والاركان التى لا بد منها. وجوارحها ووجوه تحسينها يجرى مجرى الابعاض والسنن ومثلوا المصلى في توجهه بها الى ربه كمثل من يهدي جارية الى ملك معظم فان أداها بلا نية فهو كمن أهدى الجارية ميتة وان أداها فاقدة الاركان فهى كمن أداها مقطوعة الاعضاء وان أداها فاقدة الابعاض والآداب فهى كمن أداها مشوهة فيكون المهدى في جميع ذلك مستحقا للعقوبة لا للمثوبة لان هديته لمن يعظم قدره ممن هو بهذه الصفات المذمومة فيه نوع استهزاء وتهاون بقدر المهدى اليه. وروى البيهقى وغيره عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ من توضأ فابلغ الوضوء ثم قام الى الصلاة فاتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت حفظك الله كما حفظتنى ثم يصعد بها الى السماء ولها ضوء ونور فتفتح أبواب السماء حتى ينتهى بها الى الله تعالى فتشفع لصاحبها واذا لم يتم ركوعها ولا سجودها ولا القراءة قالت ضيعك الله كما ضيعتنى ثم يصعد بها الى السماء وعليها ظلمة فتغلق دونها أبواب السماء ثم تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب أو خائفون قاله الحسن وقتادة أو متواضعون قاله مقاتل أو ما مر من الأقوال (وان كانت الآية في شرب الخمر) على ما قاله الأكثرون أو في النوم على ما قاله الضحاك (لا ينظر الله) أي لا يقبل (لا للمثوبة) بفتح الميم وضم المثلثة أي الثواب (لمن يعظم) بفتح الياء وسكون المهملة وضم المعجمة (المهدى اليه)
стр. 762
بها وجه صاحبها. وخرج أيضا عن أبى هريرة ذكرت السرقة عند رسول الله ﷺ فقال أى السرقة تعدون أقبح. قالوا الرجل سرق من أخيه فقال رسول الله ﷺ ان أقبح السرقة الذى سرق صلاته قالوا وكيف يسرق أحدنا صلاته قال لا يتم ركوعها وسجودها ولا خشوعها. ومن تخريجه أيضا مرفوعا من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها اذا خلا فتلك استهانة استهان بها ربه. ومن تخريجه أيضا مرفوعا ان الرجل ليصلى الصلاة ماله منها الا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها يعنى بمقدار ما استحضر منها وروى عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ الصلاة ميزان فمن أوفا استوفي ونحوه عن سلمان موقوفا الصلاة مكيال فمن وفا أوفي له ومن نقص فقد علمتم ما للمطففين. وقال عبادة بن الصامت رضى الله عنه أشهد انى سمعت رسول الله ﷺ يقول خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهدا أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهدا ان شاء غفر له وان شاء عذبه رواه أبو داود وغيره. وروي عن عمر بن الخطاب انه قال وهو على المنبر الرجل لتشيب عارضاه في الاسلام وما أكمل الله له صلاة قيل وكيف ذلك قال لا يتم خشوعها وتواضعها واقباله على الله تعالى فيها. وكان الحسن البصري يقول يا ابن آدم أي شيء يعز عليك من دينك اذا هانت عليك صلاتك. وقال أيضا تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء في الصلاة والذكر وقراءة القرآن فان وجدتم والا فاعلموا ان الباب مغلق والاحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة معلومة فانظر يا أخى عظم موقع الصلاة من الدين وما ورد في أصل تفويتها من الوعيد الشديد المفضى الى شقاوة الدارين والعياذ بالله ثم ما ورد في التساهل في أفعالها والتهاون بها من الخسران والخيبة والحرمان والله المستعان فينبغى للعاقل المتصف بالسنة أن يحيط بعلومها بضم الميم وسكون الهاء وفتح الدال المهملة (ومن تخريجه) أي البيهقى عن ابن مسعود (مرفوعا) الى رسول الله ﷺ (من أحسن الصلاة الى آخره) وأخرجه عن ابن مسعود أيضا أبو يعلى وعبد الرزاق في الجامع (استهانة) أي اختيارا (ومن تخريجه أيضا) عن عمار بن ياسر (ان الرجل ليصلى الصلاة الى آخره) وأخرجه أيضا أبو داود وأحمد وابن حبان (تسعها) بضم ثانيه وسكونه وكذا ما بعده الا نصفها فليس فيه سوى السكون (يعنى بمقدار ما استحضر منها) مدرج من كلام الراوي (وروي أيضا) البيهقى في الشعب (فقد علمتم ما للمطففين) وهو الويل المذكور في القرآن (رواه أبو داود وغيره) كالبيهقي في السنن (المفضي) بضم الميم وسكون الفاء وكسر المعجمة أى الموصل
стр. 763
وان يفرغ وسعه في تقويمها ويتعرف الآيات الواردة في فضلها والحث عليها ويراجع تفسيرها ويتأمل المأثور من صلاة النبى ﷺ فبذلك يتجوهر باطنه ويتزين بالشرع ظاهره ويتروح بالعبادات وتخف على قلبه كلف المجاهدات كما قال بعض السادة جاهدت للصلاة عشرين سنة وتنعمت بها بقية العمر وهذا المقام الذي أشار اليه النبى ﷺ بقوله قرة عينى في الصلاة ويا بلال أقم الصلاة وارحنا بها. واعلم ان التفريط والتساهل في أفعال الصلاة ان جرى من العلماء المقتدي بهم الذى تلاحظ العامة أفعالهم عظم خطره وعم ضرره لانهم سبب الهداية والضلال وطباع الناس الى المتابعة في الافعال أميل منها الى المتابعة في الاقوال ومثل من يأمر بالاستقامة وينحرف عنها كمن يكذب بعضه بعضا ويتبع ابرامه نقضا ويحل عليه مقت الله تعالى قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ. قال ابن السماك وعظت الناس يوما فأعجبنى وعظي فسمعت هاتفا يقول
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فاذا انتهت عنه فأنت حكيم
لاتنه عن خلق وتأنى مثله ... عار عليك اذا فعلت عظيم
وقال صاحب البردة:
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به ... وما استقمت فما قولى لك استقم
(وأن يفرغ وسعه) أى يبذل طاقته (يتجوهر باطنه) أى يصبر كالجوهر صافيا لا كدر فيه (ويتروح بالعبادات) أي يستريح بها (كلف) بضم الكاف وفتح اللام جمع كلفة وهي المشقة (ويتبع ابرامه) بالنصب والا برام الاحكام (نقضا) بالنصب مفعول ثان (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) نزلت حين قالوا لو علمنا أحب الاعمال الى الله تعالى لعملناه ولبذلنا أنفسنا وأموالنا فأنزل الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين قاله أكثر المفسرين أو لأن الله أخبر رسوله بثواب شهداء بدر قالت الصحابة لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الآية قاله محمد بن كعب القرظي أو نزلت فيمن قال قاتلت ولم يقاتل وطعنت ولم يطعن وضربت ولم يضرب قاله الضحاك أو نزلت في المنافقين كانوا يعدون المؤمنين بان ينصرون وهم كاذبون قاله ابن زيد (كبر) أي عظم (مقتا) أي بغضا شديدا (ان تقولوا ما لا تفعلون) أي ان تعدوا من أنفسكم شيأ ثم لم توفوا به (ابن السماك) بفتح المهملة وتشديد الميم (وتأتي مثله) بالنصب على جواب النهي (ائتمرت)
стр. 764
وأعظم ما في ذلة العالم من الخطر ان تبقى سنة مأثورة بعده ويدخل في قوله ﷺ من سن في الاسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة وطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه ولذلك قيل ان الصغائر من العلماء كالكبائر من العامة وقال ﷺ أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه وان كان التساهل في الصلاة والاخلال جرى من العامة الجهال فينبغى للعلماء تعريفهم لما أخذ الله على الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقد ردد النبي ﷺ المسئ صلاته ثلاث مرات كل ذلك يقول له ارجع فصل فانك لم تصل وانما لم يعلمه اول مرة ليكون أبلغ في التبكيت وأوقع في النفس. وقال ﷺ لرجل ممن صلى خلفه يا فلان ألا تحسن صلاتك ألا تنظر المصلى اذا صلى كيف يصلى فانما يصلى لنفسه. انى والله لأبصر من ورائى كما أبصر من بين يدى. ورأى حذيفة رجلا يصلى لا يتم ركوعه ولا سجوده فقال حذيفة منذكم صليت قال منذ أربعين سنة قال له حذيفة ما صليت ولو قدمت مت على غير الفطرة التى فطر الله عليها محمد ﷺ كل ذلك مروي في الصحيحين. وقال ميمون بن مهران مثل الذي يرى الرجل يسيء صلاته فلا ينهاه مثل الذي يرى النائم تنهشه حية فلا يوقظه* واعلم ان العالم الذي تنجع موعظته وتؤثر كلمته هو الذي صلحت منه النية وحاز الوراثة النبوية وصدقت عليه الأوصاف الرسولية وصدق عليه المثل الأول من أمثال الغيوب السماوية وكان مقامه في الخلق مقام الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والتسليم ولذلك صار موته ثلمة في الاسلام قال بعضهم اذا صدرت الموعظة من القلب وقعت في وسط القلب واذا صدرت من ظاهر اللسان لم تجاوز الآذان وقيل لبعضهم ما بال علماء السلف كانت تؤثر موعظتهم وليس كذلك علماء الوقت فقال سبب ذلك ان علماء السلف كانوا ايقاظا والناس نياما والمستيقظ يوقظ النائم وعلماء الوقت نيام بياء المتكلم (من سن في الاسلام الى آخره) أخرجه الشيخان وغيرهما (أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه) أخرجه الطبراني في الصغير وابن أبى عدى والبيهقى في الشعب بسند ضعيف عن أبي هريرة (المسىء صلاته) هو خلاد بن رافع الزرقي أخو رفاعة بن رافع (ورأي حذيفة رجلا يصلي) أخرجه البخاري معلقا وأخرجه أحمد مسندا (لا يتم الركوع والسجود) زاد أحمد (فقال له حذيفة منذ كم صليت قال منذ أربعين سنة) قال في التوشيح هذه الزيادة اما شاذة أو وهم وذلك لان حذيفة مات سنة ست وثلاثين والصلاة لم تفرض قبل هذه المدة باربعين سنة انتهى (قلت) لعل حذيفة قال له ذلك قرب موته والصلاة فرضت قبل هذا بسبع وثلاثين سنة فقال منذ أربعين تقريبا لا تحديدا (مقام الانبياء) بالنصب
стр. 765
والناس موتى والنائم لا يوقظ الميت اللهم انا نسئلك التوفيق ونعوذ بك من الخذلان.
[فصل فيما ذكر من صلاة سلف الصالحين ﵏]
(فصل) فيما ذكر من صلاة سلف الصالحين ﵏ من ذلك ما روي ان زين العابدين علىّ بن الحسين رضى الله عنهم كان يتغير عند كل وضوء ويصغر لونه فاذا قام الى الصلاة أخذته رعدة فقيل له في ذلك فقال ما تدرون بين يدى من أقوم ووقعت نار في بيت وهو ساجد فيه فجعلوا يصيحون به فلم يرفع رأسه حتى وقعت النار في جانب البيت ولم تتعداه فلما رفع رأسه كلموه في ذلك فقال الهتني عنها النار الآخرة* وقال عبد الرزاق ما رأيت أحدا أحسن صلاة من ابن جريج يركد كأنه اسطوانة ولا يلتفت يمينا ولا شمالا وكان عبد الله بن الزبير اذا سجد تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه الا جذم حائط من طول السجود وقال سعد بن معاذ رضى الله عنه ثلاث أنا فيهن رجل وما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ما سمعت رسول الله ﷺ يقول شيأ قط الا علمت انه الحق من عند الله لا شك فيه ولا صليت صلاة قط فحدثت نفسى بغيرها حتى أفرغ منها ولا شهدت جنازة قط فحدثت نفسى بغير ما هى قائلة أو مقول لها. وقال الزهرى ﵀ وسعدا أن كان لمؤتمنا على ما قال ولقد بلغنى انها خصال لا يعطاهن الا نبي أو من كان شبيها بنبي. وقال أبو بكر الوراق ربما أصلى فأنصرف منها وأنا أستحى من الله حياء رجل انصرف من الزنا. وحكي عن محمد بن يوسف الفرغانى انه رأى حاتم الأصم واقفا يعظ الناس فقال يا حاتم أراك تعظ الناس فتحسن ان تصلى قال نعم قال كيف تصلى قال أقوم بالأمر وأمشى بالسكينة وأدخل بالهيبة وأكبر بالعظمة وأقرأ بالترتيل وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم على السنة وأسلمها الى ربى وأحفظها أيام حياتى وأرجع (فصل) (فيما ذكر من صلاة السلف الصالحين) (على بن الحسين) بن على بن أبى طالب كان ﵁ نهاية في العلم غاية في العبادة قال الزهرى ما رأيت قرشيا أفضل منه توفي سنة ثلاث وتسعين وجميع الحسنيين من نسله وأمه أم ولد واسمها سلافة قال السهيلى وهى بنت كسرى يزدجرد (رعدة) بكسر الراء كما مر (الهتني) أي شغلتني (اسطوانة) أى دعامة (جذم حائط) بكسر الجيم وسكون المعجمة أي أصل حائط (وقال سعد بن معاذ) أخرجة ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس قال قال سعد فذكره (وقال أبو بكر) اسمه محمد بن عمر (الوراق) بفتح الواو وتشديد الراء آخره قاف الترمذى قال القشيري أقام ببلخ وصحب أحمد ابن حصرويه وغيره وله تصانيف في الرياضات (أصلى فانصرف الي آخره) قال ذلك لعظم الادب عنده ومعرفة كل انسان بأدب الصلاة على قدر حظه من القرب قاله السهروردى في عوارف المعارف (الفرغاني) بفتح الفاء وسكون الراء ثم معجمة وبعد الالف نون منسوب الى فرغانة ناحية بالشرق (بالترتيل) أي بالتنزيل
стр. 766
باللوم على نفسى وأخاف ان لا تقبل مني وأرجو أن تقبل مني وأنا بين الرجاء والخوف وأشكر من علمني وأعلمها من سألني وأحمد ربى إذ هداني. قال له محمد بن يوسف مثلك يصح ان يكون واعظا فرحم الله حاتما ما أحسن ما وصف من حال صلاته ولقد صدق عليه وعلى أمثاله قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ. وقال الشيخ الصالح القانت عبد الله بن خليل المقدسى سمعت بعض العلماء المحدثين يثنى على والدى بأنه يحسن الصلاة قال فتغير باطني لها لما علمت من جلالة قدر والدى وغزارة علمه ومعرفته بالله تعالى ثم بعد ذلك ظهر لى انه قد أبلغ في الثناء. قلت وتصديق ذلك عن بعض المحققين انه قال للصلاة ستمائة أداب ولا يحيط بذلك الا من زين الله باطنه بالمراقبة والخشوع وظاهره باتباع السنة والآن نرجع الى ما نحن بصدده من تسيير صلاة رسول الله ﷺ بحر المعارف ومعدن اللطائف فنذكرها على الولاء من التحريم الى السلام ثم ما يتبعها من الاذكار عنه عليه أفضل الصلاة والتسليم وبالله التوفيق وقبل ذلك انه ﷺ كان اذا فرغ المؤذن من الاقامة وقام الى الصلاة لا بد ان يتخذ سترة بين يديه شيأ خطا أو غيره وكان المقصود من ذلك والله أعلم تهيئة حريم للصلاة حتى يمنع من مرّ دونها ويسكن في حركاته اليها وينكف بصره عليها ثم يأمرهم بتسوية الصفوف وتعديلها والتراص فيها ووصلها وسد الفرج وتقاربها ويحض على ذلك ويبالغ فيه بالقول والفعل والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والتهديد على من خالف ذلك حتى ورد انه ﷺ كان يتخلل الصف من ناحية الى ناحية ويمسح بيده الشريفة مناكبهم وصدورهم ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم (مثلك) بكسر الميم وسكون المثلثة (والذين يؤتون ما أتوا) وقرائة عائشة والذين يأتون ما أتوا أى يعملون ما عملوا من اعمال البر (وقلوبهم وجلة) أى خائفة ان ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وان أعمالهم لا تقبل منهم (انهم الي ربهم راجعون) لانهم يوقنون بالرجوع اليه تعالى قال الحسن عملوا والله بالطاعات واجتهدوا وخافوا ان يرد عليهم وأخرج الثعلبى عن عائشة قالت قلت يا رسول الله والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه (من خال) بالمعجمة مكبر (من تسيير) بتقديم المهملة على التحتية المكررة (لا بد أن يتخذ سترة) أخرج الطبراني عن عصمة بن مالك قال كان لرسول الله ﷺ حربة تسمى بها بين يديه فاذا صلى ركزها بين يديه (وكان المقصود) بالتشديد (والتراص فيها) بفتح الفوقية والراء وتشديد الصاد المهملة أى التلاصق (وسد الفرج) جمع فرجة وهى الخلل في الصف (ويقول) استوواو (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) أخرجه
стр. 767
وانه عدلهم مرة فلما أراد ان يكبر رأي رجلا باديا صدره من الصف فقال عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ووجوهكم حتى كان أحدهم يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه والاحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة منتشرة فهي من السنن المؤكدة التى حض النبي ﷺ على فعلها ولم يرخص في تركها وواظب عليها الخلفاء الراشدون بعده ولما اتسعت دائرة الاسلام في خلافة عمر اتخذ معدلين للصفوف ولا يكبر حتى يخبروه باستوائهم وكذلك فعل عثمان وكان علىّ كرم الله وجهه يقول تقدم يا فلان تأخر يا فلان فينبغى للأئمة الاهتمام بذلك والحرص على الاقتداء برسول الله صلى عليه وسلم وامتثالا لأمره وفرارا من نهيه وأن لا يكبروا حتى يستكمل تعديل الصف كما ورد انه ﷺ كان اذا رأى ان قد استووا كبر ولم ينقل عنه ﷺ منطوقا ولا مفهوما انه تلفظ بالنية ولا بالمنوى ولا دخل في الصلاة بغير التكبير واماما اعتاده الناس أمام التكبير من الشغل بالالفاظ التى تشترط نيتها كقصد فعل الصلاة وتعيينها ومفروضها فلا بأس به وقد قال العلماء يستحب ان يساعد بلسانه قلبه ولا كلام انه ان تكلم بلسانه من غير نية لم يجزه وان نوى بقلبه وتكلم بالتكبير فقط كما هو المنقول عنه ﷺ أجزأه وبعض الناس يزيد في التحريم ألفاظا فيذكر النية واستقبال القبلة وعدد الركعات في تطويل وتهويل أحدثوه ما لم يرد به كتاب ولا سنة ولا أثر عمن تتم به أحمد ومسلم والنسائي عن ابن مسعود ولاحمد والشيخين وأبي داود والنسائى بن حديث أنس سووا صفوفكم فان تسوية الصف من اقامة الصلاة وللطبرانى في الاوسط وأبى نعيم في الحلية منه استووا تسووا قلوبكم تماسوا تراحموا وللدارمي من حديث البراء سووا صفوفكم لا تختلف قلوبكم والمراد بالتسوية اعتدال القائمين على سمت واحد ويطلق أيضا على سد الفرج التى في الصف وقوله فتختلف بالنصب على جواب النهى ومعنى اختلاف القلوب مسخها والعياذ بالله وتحويلها عن صورها وايقاع العداوة والبغضاء بينهم واختلاف القلوب كما يقال بغير وجه فلان على أى ظهر لى من وجهه الكراهة لى وتغير قلبه على وذلك لان مخالفتهم في الصفوف مخالفة في الظواهر وهي سبب لمخالفة البواطن (عباد الله لتسون صفوفكم الى آخره) أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي عن النعمان بن بشير وأخرجه ابن ماجه عنه أيضا بلفظ سووا صفوفكم الى آخره وقوله لتسون بضم الفوقية وفتح المهملة وضم الواو المشددة وتشديد النون وللمستملي في صحيح البخارى لتساوون بواوين واللام لام القسم (أو يخالفن الله بين قلوبكم ووجوهكم) فيه القولان في اختلاف القلوب ويؤيد كونه حقيقيا حديث أحمد أو ليطمسن الوجوه (يلزق) يلصق (امام التكبير) بفتح الهمزة (قلبه) بالنصب
стр. 768
القدوة ومما أحدث أيضا وعم العمل به حتى توهم كثير من الناس انه سنة أو واجب ما اعتاده المأمومون بأجمعهم من التكبير لتكبير احرام امامهم ثم يعيدون ينظمون الالفاظ ويكررونها لا حرام أنفسهم حتى يطول الفصل ويفوتهم فضيلة ادراك تكبيرة احرام الامام وأما حسن تلك التكبيرة الزائدة لو كانت تكبيرة عقد احرامهم وادركوا بها الفضيلة فقد قال محيى الدين النووى رحمه الله تعالى وادراك تكبيرة الاحرام فضيلة وانما تحصل بالاشتغال بالتحريم عقيب تحريم امامه
[فصل في الموسوسين واستحكام إبليس عليهم]
ثم ان طائفة من الموسوسين استحكم عليهم تلبيس ابليس وعدلوا عن المعلوم الى الموهوم وجانبوا المنقول عن الرسول ﷺ وتحققت منهم طاعة اللعين. وصيرتهم الى سنة المجانين. فترى أحدهم يلعب بيديه عند التكبيرة في الهوى ونارة يعركها ويتلجي ويبلو نفسه في تردد عبارة الاحرام ويتلوي حتى كانه يحاول أمرا فادحا أو يتسوغ أجاجا مالحا حتى تفوته فضيلة تكبيرة احرام الامام جملة وربما فاتته الفاتحة فلم يطلقه شيطانه الا على رأس الركوع وربما فاتته الركعة الاولى أو الصلاة جملة فيقع في الخيبة والحرمان ويتحقق عليه استيلاء الشيطان. حتى تتأتى منه التكبيرة بمشقة وصوت فاحش يتآذي به من حوله وربما أذاهم وشوش عليهم بالجهر بالالفاظ السرية ولا يري انه يسمع نفسه الا بذلك فيتضاعف وزره مع مخالفته للسنة* ومنهم من أنكر العيان ومسموع الاذان حتى أنكر شيأ صدر مفعول يساعد (باجمعهم) بضم الميم (تلك التكبيرة) بالنصب على التعجب (لو كانت) اسمها مضمر فيها (عقد احرامهم) خبرها فقد (قال الامام محيى الدين النووي) وهذا لفظه في المنهاج (وادراك تكبيرة الاحرام) مع الامام (فضيلة) لورود الحث على ذلك عن السلف الصالح وأخرج الترمذى بسند منقطع من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الاولى كتبت له ثوابان برآة من النار وبرآة من النفاق (وانما يحصل) بشيئين بحضوره تكبيرة الامام و (بالاشتغال بالتحريم عقب تحريم امامه) من غير تراخ ولا وسوسة ظاهرة كما قاله في المجموع فافهم ان الوسوسة اليسيرة لا تمنع الادراك ودليل اشتراط الحضور يؤخذ من حديث الترمذي المار آنفا لان من أحرم الامام وهو غائب لا يسمى مدركا وكذا من أحرم في حضوره ولم يعقبه ويدل عليه فاذا كبير فكبروا والفاء للتعقيب ومن خشى فوات التكبيرة لم يسن له الاسراع ليدركها بل يمشى بسكينة كما لو لم يخف فوتها لقوله ﷺ اذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم بالسكينة والوقار فما. أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه عن أبي هريرة وكذا لو خشي فوت الجماعة على المنقول خلافا للفارقي وابن أبي عصرون وقضيته كلام الرافعي (استحكم) أى غلبت (تلبيس ابليس) تخليطه وتشكيكه
стр. 769
منه وسمعه غيره وشاهده فضلا عنه حتى اشبه بذلك مذهب السوفسطائية الذين أنكروا حقائق الموجودات والامور المحسوسات الضروريات وربما عظم الضرر باخذ الموسوسين حتى عجز عن النطق ضرورة قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي في كتابه الذي سماه كتاب ذم الوسواس وأهله قال لى انسان منهم قد عجزت عن قول السلام عليكم فقلت له قل مثل ما قلت الآن وقد استوحت ونحو هذا وأوصافهم كثيرة قال وقد بلغ الشيطان منهم الى أن أغواهم في الدنيا وأخرجهم عن اتباع نبيهم المصطفي وأدخلهم في جملة المتنطعين الغالين في الدين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا* واعلم ان مبادئ الوسواس ومنشأ سببه اما ضعف في العقل أو جهل بالسنة واقتدى الجاهلين بالمهملين. وروينا عن السيد الجليل أحمد بن عطاء الروذرباى ﵀ ونفع به قال كان في استقضي في أمر الطهارة وضاق صدري ليلة لكثرة ما صببت من الماء ولم يسكن قلبي فقلت يا رب عفوك عفوك فسمعت هاتفا يقول العفو في العلم فزالت عنى ذلك ونعم لقد صدق ﵀ فلو تأمل طائفة الموسوسين أحوال رسول الله ﷺ أو تعرفوها (الى شبه) بكسر المعجمة وسكون الموحدة (السوفسطائية) بضم المهملة وسكون الواو وفتح الفاء ثم مهملتين وبعد الالف نون فتحتية واشتقاق اسمهم من سوفسطا اسم للحكمة المموهة والعلم المزخزف لان سوفا معناه العلم والحكمة وسطا معناه المزخرف (الذين ينكرون حقائق الموجودات) ويزعمون انها اوهام وخيالات باطلة وهذه فرقة منهم تسمى العبادية ومنهم فرقة تسمى العبدية ينكرون ثبوت الامور ويزعمون انها تابعة للاعتقادات حتى ان اعتقدنا الشيء جوهرا فجوهر أو عرضا فعرض أو قديما فقديم أو حادثا فحادث ومنهم أخرى تسمى اللادرية ينكرون العلم بثبوت شيء ولا بثبوته ويزعم انه شاك وشاك في انه شاك وهلم جرا (والامور) بالنصب عطفا على حقائق وبالجر عطفا على الموجودات (ابن قدامة) بضم القاف ثم مهملة (المقدسى) نسبة الى بيت المقدس (المتنطعين) بالفوقية فالنون فالمهملتين وهم الغالون في الدين المجاوزون حد الاعتدال المبالغون المشددون في غير محل التشديد (الذين ضل سعيهم) أى بطل عملهم الذى عملوه (في الحياة الدنيا) وهم اليهود والنصاري قاله ابن عباس وسعد ابن أبي وقاص أوهم أهل حروراء قاله على بن أبي طالب وقيل هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع (وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا) أي عملا أي يحسبون ان عملهم حسن فاتعبوا أنفسهم فيه يرجون نوالا فنالوا هلاكا وبواوا ووبالا كمن اشترى سلعة يرجو فيها ربحا فخسر وخاب سعيه (أحمد بن عطاء) يكني أبا عبد الله قال القشيري هو ابن اخت أبي على الروذباري شيخ الشام في وقته مات بصور سنة تسع وستين وثلاثمائة (الروذبارى) بضم الراء وسكون الواو وفتح المعجمة والموحدة فالف فراء نسبة الى روذبار مدينة بالشام (كان في) بتشديد الياء (عفوك عفوك)
стр. 770
اذا لم يعلموها من غيرهم وعرفوا يسيره وتيسيره وانه كان يؤاكل الصبيان ويأكل طعام عامة المسلمين وأهل الكتاب والذميين ويتوضأ في آنيتهم من غير بحث ويغتسل هو والمرأة من نسائه من الجنابة في اناء واحد دفعة واحدة تختلف أيديهم فيه وانه صلى مرة وهو حامل امامة بنت أبى العاص بن الربيع على ظهره اذا قام حملها واذا سجد وضعها فانه كان يتوضأ باسار الدواب ويصغى الاناء للهرة حتى تشرب منه وتوضأ هو وأصحابه من مزادة مشتركة وانه لم ينقل انه تردد في التكبير ولا تلفظ بقول أصلى وما بعده وقد أوجب الله علينا اتباعه في الأفعال والأقوال على كل حال فقال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وقال تعالى وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وأخبرنا تعالى ان الشيطان يقعد لنا في طرق الطاعات كما سيوصله لنا في المخالفات فقال تعالى مخبرا عنه لاقعدن لهم صراطك المستقيم منصوب باضمار أسألك (كان يغتسل هو والمرأة من نسائه الى آخره) أخرجه بهذا اللفظ أحمد والبخارى عن أنس (وانه صلى مرة وهو حامل امامة الى آخره) أخرجه الشيخان وغير هما قال العلماء فيه دليل لتغليب الاصل على الظاهر كما هو أحد قولى الشافعى وذلك لان الغالب نجاسة ثوب الصبي وغيره من بدنه وفيه جواز ادخال الصبي غير المميز المسجد اذا أمن منه التنجيس وفيه عدم بطلان الصلاة بالعمل القليل وفيه اللطف بالصغار والرفق بهم (ويصغي) أى يميل (وضوء) بفتح الواو (وتوضأ هو وأصحابه) في حديث ذات المزادتين (من مزادة) بفتح الميم ثم زاى هي القربة العظيمة سميت بذلك لانه يجعل في رأسها زيادة (قُلْ) يا محمد لليهود والنصارى الذين زعموا انهم أبناء الله وأحباؤه أو لقريش الذين زعموا انهم انما يعبدون الاصنام حبا لله تعالى وتقربا اليه (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) فعلامة محبته اتباعي (فَاتَّبِعُونِي) أي اتبعوا شريعتى وسنتي (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فاني رسوله اليكم وحجته عليكم (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بين ذلك كيفية محبته وانها ليست ميل القلب الذي تنزه عنه تعالي وانما المراد ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم (وَأَنَّ) بكسر الالف وتشديد النون على الاستئناف للكسائي وبفتحها لغيره ما عدا ابن عامر فانه يقرأ بكسر الهمزة وتخفيف النون وعلى قراءة الاكثر قال الفراء واتل عليكم ان (هذا) يعنى دين الاسلام (صِراطِي) أى طريقي وديني (مُسْتَقِيماً) أي مستويا لا عوج فيه (فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) أى الطرق المختلفة التى عدا هذه الطريق كسائر ملل الكفر وقيل أراد الاهواء والبدع (فَتَفَرَّقَ) أى فتتفرق أي تميل (بِكُمْ) وتتشتت (عَنْ سَبِيلِهِ) أي طريقه ودينه الذى ارتضى وبه أوصى (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ) أي لا جلسن لبني آدم (صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) أى دينك القائم
стр. 771
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ وقد عظمت عنية أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم في الاعتناء بسنته وحملهم أنفسهم على هديه وطريقته فربما عرض لاحدهم عارض من باب التغليظ في الطهارة والتشديد في الدين ثم تركه لكون النبي ﷺ لم يفعله* فروينا عن عمر انه كان يهم بالأمر ويعزم عليه واذا قيل له لم يفعله رسول الله ﷺ انتهى عنه حتى قال لقد هممت أن أنهى عن لبس الثياب المصبوغة فانه بلغنى انها تصبغ ببول العجائز فقيل له أن رسول الله ﷺ قد لبسها ولبست في زمانه فصدق ذلك وترك وقال مرة لابنه أو لغلامه أبغني ثوبا لخلائى غير ثوب صلاتى فانى رأيت الذباب ربما يقع على الخلاء ثم يقع على الثوب ثم انتبه فقال ما كان لرسول الله ﷺ وأصحابه الا ثوب واحد وترك ما هم به* وروى مثل ذلك لزين العابدين على ابن الحسين ﵃ وهذا ما تأملوه وفهموه من أحوال رسول الله ﷺ على قربهم منه مع اعتبار قوله ﷺ بعثت بالحنيفية السهلة وقوله ﷺ ان هذا الدين متين فاوغل فيه برفق ولا تبغض الى نفسك عبادة الله تعالى (ثم لآتينهم من بين أيديهم) أى قبل الآخرة فاشككهم فيها (ومن خلفهم) أى ارغبهم في دنياهم (وعن أيمانهم) أشبه عليهم أمر دينهم (وعن شمائلهم) اشهى لهم المعاصى قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروي عطية عنه من بين أيديهم من قبل دنياهم يعنى أرمها في قلوبهم ومن خلفهم أي من قبل الآخرة فاقول لا بعث ولا جنة ولا نار وعن أيمانهم من قبل حسناتهم وعن شمائلهم من قبل سيآتهم وقال الحكم من بين أيديهم من قبل الدنيا يزينها لهم ومن خلفهم من قبل الآخرة يثبطهم عنها وعن أيمانهم من قبل الحق يصرفهم عنه وعن شمائلهم من قبل الباطل يزينه لهم وقال قتادة من بين أيديهم أخبرهم ان لا بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من قبل الدنيا فزينها لهم ودعاهم اليها وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيآت والمعاصى ودعاهم اليها أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير انه لم يأتك من فوقك لم يستطع ان يحول بينك وبين رحمة ربك وقال مجاهد من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون (ولا تجد أكثرهم شاكرين) قال الخبيث ذلك ظنا فاصاب قال تعالى وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ (عنية) أي اعتناء واهتماما (بهم) بفتح التحتية وضم الهاء وتشديد الميم (ابغني ثوبا) بالوصل ثلاثى أي اطلب لي وبالقطع من الرباعى أى أعني على الطلب (وقوله ﷺ بالجر (ان هذا الدين متين الى آخره) أخرجه أحمد عن أنس والمتين بالفوقية القوى يعنى انه لقوته يغلبك كما في الحديث الصحيح لن يشاد الدين أحد الاغلبه (فاوغل) بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر المعجمة أي ادخل فيه جادا مجتهدا لكن برفق أى معه فلا تشدد حتى تخرج
стр. 772
فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وقوله ﷺ من أحدث حدثا ليس عليه أمرنا فهو رد* وقوله ﷺ كل بدعة ضلالة* وقوله ﷺ من رغب عن سنتي فليس منى* وقد أمرنا الله عند النزاع بالرجوع الى الكتاب والسنة فقال تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا* وقال تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية وقال تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فانظر كيف حتم الله على الخلق اتباعه في أحكام شريعته وحمل الانفس وان لم تقتضيه هواها على هديه وسنته كما قال ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به وقال السيد كبير الشأن الجنيد ابن محمد البغدادى الطرق كلها مسدودة الاعلى من اقتفى أثر النبي ﷺ وقال الزهري كان من مضي من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة وقال حسان بن عطية ما ابتدع قوم بدعة في دينهم الا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها اليهم الى يوم القيامة فاذا فهمت أيها الموسوس ما قررناه وحررناه وتقرر عندك ان صلاة رسول الله ﷺ وصلاة أصحابه وصلاة الطبقة الأولى من التابعين قد كانت خالية عن مثل ما استحدثه جهلك أو بسوء رأي من اقتديت به وعلمت بالنقل عن رسول الله ﷺ ان مبادئ ذلك من الشيطان كما أخبر رسول الله ﷺ ان شيطان الوضوء اسمه الولهان وشيطان الصلاة اسمه خنزب علمت الي حد الغلو (فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي) والمنبت بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وتشديد الفوقية قال ابن الاثير يقال للرجل اذا انقطع في السفر وعطبت راحلته أنبت من البت وهو القطع يريد انه بقى في طريقه عاجزا عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب ظهره فمثل ﷺ للغالى في الدين بهذا المنبت المنقطع وذلك ان الغالى بمدرج أي يمل وينقطع عمله فيعطب في الطريق اليه تعالى ولا يصل وهذا من بديع الامثال عند أرباب اللسان (وقوله) بالجر أيضا (كل بدعة ضلالة) هذا من العام الذي أريد به الخاص (وقوله) بالجر أيضا (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ) أي اختلفتم (فِي شَيْءٍ) من أمر دينكم (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) أي الى كتابه (وَالرَّسُولِ) مادام حيا وبعد وفاته الي سنته قال البغوي فالرد الى كتاب الله والسنة واجب ان وجد فيهما فان لم يوجد فسبيله الاجتهاد وقيل الرد الى الله والرسول ان يقول لما لا يعلم الله أعلم (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فهذه سبيل أهل الايمان (ذلِكَ) أي الرد الى الله والرسول (خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أى مآلا وعاقبة ومرجعا (وَما آتاكُمُ) أي أعطاكم (الرَّسُولُ) من الفيء والغنيمة (فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ) من الغلول وغيره (فَانْتَهُوا) قال المفسرون الآية نازلة في أموال الفيء وهي عامة في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه (هواها) مقصور (خنزب) بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الزاي وكسرها ويقال أيضا بفتح المعجمة وضمها مع فتح الزاي
стр. 773
ركاكة الحال وماذا بعد الحق الا الضلال وأى خير في صلاة اشتملت على بدعة أو خلاف سنة قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ* وروينا في مسند الدارمي عن هشام بن حجير قال كان طاووس يصلى ركعتين بعد العصر فقال له ابن عباس اتركها قال اتنهى عنها ان يتخذ سلما قال ابن عباس فانه قد نهى عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر لأن الله تعالى يقول وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ* وقال رجل لسعيد بن المسيب وقد نهاه عن ذلك يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة قال لا ولكن يعذبك بخلاف السنة وكم مريد للخير لم يصبه ومتقرب الى الله بما يباعده عنه ومتحبب اليه بما يبغضه عليه قال الله تعالى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً أعاذنا الله من ذلك وبصرنا بعيوبنا وجعلنا ممن يأمر ويأتمر وينهى وينتهى ويقول ويفعل متبعين غير مبتدعين بجاه سيد المرسلين وخاتم النبيين وفيما ذكرنا وسطرنا كفاية لمن وفق وشرح الله صدره فاما من أشرب هواه واتبع أولاه أخراه وحرج صدره فلم يتبع غير مهواه فيري نفسه وشيطانه قد تظاهرا عليه وحسنا له ما يدعو انه اليه فيعنف واعظه ويبذ عليه ويرى انه أسدى اليه سيئة فيكافئه بمثلها ويقول لمثلى تقول هذا فيشبه حينئذ بوصف من قال الله فيه واذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد وكان طريقة السلف ﵏ اذا وعظ أحدهم فوضح له وجه الصواب شكر واعظه ورجع فيهما (ركاكة الحال) أى ضعفه (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أى تأس واقتداء (ابن حجير) بالمهملة فالجيم مصغر (سلما) بضم المهملة وفتح اللام المشددة (وكم) خبرية (مريد) مجرور بها (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) أي زين له الشيطان ذلك بالوسواس نرلت في أبي جهل ومشركى مكة قاله ابن عباس وفي أصحاب الاهواء والبدع قاله سعيد بن جبير قال قتادة منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وأما أهل الكبائر فليسوا منهم لانهم لا يستحلونها ومعنى زين شبه له وموه عليه وحسن له سوء عمله أي قبيحه (فَرَآهُ حَسَناً) وفي الآية حذف أي من كان كذلك يكون كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا وهذا استفهام نفي أي ليس هو كمن ذكر (اشرب هواه) مبنى للمفعول (واتبع أولاه) أي ما كان قبل الموعظة (أخراه) أى ما كان بعدها أي ان حاله سواء ان وعظ وان لم يوعظ (وحرج صدره) أي ضاق (فيعنف واعظه) أي يلومه (ويبذ عليه) بالموحدة فالمعجمة أي يفحش لسانه (أسدي اليه) بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الدال المهملتين أي اصطنع (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ) أي خفه (أَخَذَتْهُ) أي حملته (الْعِزَّةُ) وحمية الجاهلية والعزة التكبر والمنعة (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) أى كافية (وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) أي الفراش قال البغوى قال عبد الله بن مسعود ان من أكبر الذنب عند الله ان يقال للعبد اتق الله فيقول عليك
стр. 774
على نفسه باللوم والعتاب وكان عمر بن الخطاب يقول رحم الله من أهدى الىّ عيوبى واعترضته امرأة في كلام تكلم به في ملأ من الناس فصاح على نفسه بالخطأ. وقال شيخ جهل وامرأة علمت فانظر يا أخى كيف كان حالهم في اقتدائهم بسنة نبيهم ورجوعهم الى الحق بعد معرفته وذلك لقوة ايمانهم وضعف قوى أنفسهم عند ظهور الحق واخناس شيطانهم فدن الله بما دانوا ومت على ما ماتوا تنج وتسلم وتغنم وبالله التوفيق* أما الوسواس في النية التي نحن بصددها فقد قال الشيخ الامام عبد الله بن قدامة المقدسى اعلم ان النية هى القصد والعزم على فعل الشيء ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلا ولذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه في النية لفظا بحال ولا سمعنا عنهم ذلك وهذه العبارات التي حدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة وجعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس يحبسهم عندها ويعذبهم فيها ويوقفهم في طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في اللفظ بها حتى كأنه يحمل ثقلا يدفعه وليست من الصلاة أصلا وانما النية قصد فعل الشيء وكل عازم على فعل شيء فهو ناوله فمن قصد الوضوء فقد نواه ومن قصد الصلاة فقد نواها ولا يكاد عاقل يقصد شيئا من عباداته ولا غيرها بغير نية فالنية أمر لازم لافعال الانسان المقصودة لا يحتاج الى تعب ولو أراد اخلاء أفعاله عنها لعجز عن ذلك ولو كلفه الله تعالى الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيقه ولا يدخل تحت وسعه وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله وان شك في حصولها منه فهو نوع جنون فان علمه بحال نفسه أمر يقيني فكيف يشك فيه عاقل هذا معني كلامه.
[فصل في رقية الوسواس]
(فصل) في رقية الوسواس روينا في صحيح مسلم عن عثمان بن أبى العاص قال قلت يا رسول الله ان الشيطان قد حال بيني وبين صلاتى وقراءتى يلبسها على فقال رسول الله ﷺ ذلك شيطان يقال له خنزب فاذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك بنفسك وروي انه قيل لعمر بن الخطاب اتق الله فوضع خده على الارض تواضعا لله (ورجوعهم الى الحق) بالضم عطفا على حالهم وبالكسر عطفا على اقتدائهم (قوى) بضم القاف وفتح الواو والقصر القوة (واخناس شيطانهم) بالمعجمة فالنون (فدن) أمر من دان يدين بمعنى أطاع (تنج) بالجزم على جواب الامر وكذا ما بعده (ذكر ذلك) بالنصب (معتركا) بضم الميم وسكون المهملة وفتح الفوقية والراء.
(فصل) في رقية الوسواس (حال بيني وبين صلاتي) أى منعنى لذتها والفراغ للخشوع فيها (يلبسها على)
стр. 775
فاذهبه الله تعالى وقال الامام القطب محيى الدين النووى قال بعض العلماء يستحب قول لا إله الا الله لمن ابتلى بالوسوسة في الوضوء والصلاة واشباههما فان الشيطان اذا سمع الذكر خنس والله أعلم.
[فصل في كيفية صلاته ﷺ من ابتدائه في تكبيره الإحرام إلى تشهده]
(فصل) كان رسول الله ﷺ في ابتدائه في تكبيرة الاحرام يرفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ويحاذى بأطرافهما أذنيه ويستقبل ببطونهما القبلة فاذا فرغ من التكبير أرسلهما باناة وقبض بيمينه على ظهر يساره وجعلهما تحت صدره ثم ان كانت الصلاة جهرية سكت سكتة طويلة يأتى فيها بدعاء الاستفتاح وثبت في مجموعة أحاديث كثيرة بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه أي يخلطها على ويشككنى فيها (سمع الذكر خنس) أي تأخر (فائدة) من رقية الوسواس قراءة قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أخرجه أبو داود عن ابن عباس.
(فصل) في صفة صلاته ﷺ (كان رسول الله ﷺ في ابتدائه في تكبيرة الاحرام الي آخره) اخرج الشيخان عن ابن عمر ﵄ كان اذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر فاذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك واذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك ولا يفعله حين يرفع من السجود زاد البخارى ولا يفعل ذلك حين يسجد واذا قام من الركعتين رفع يديه وفي رواية لمسلم كان اذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه أى اعاليهما ولابي داود من حديث وائل ابن حجر رأيت رسول الله ﷺ يرفع ابهاميه في الصلاة الي شحمة أذنيه وجمع الشافعي بين الروايات بانه كان يحاذي بكفيه منكبيه وبابهاميه شحمتي أذنيه وبرؤس أصابعه أعلاهما (باناة) أى برفق (وقبض بيمينه على ظهر يساره) أخرج مسلم من حديث وائل بن حجر انه وضع يده اليمنى على اليسري زاد البزار عند صدره ولابن خزيمة على صدره ولابي داود وضع كفه اليمني على ظهر كفه اليسري والرسغ والساعد وحكمته تسكين اليدين وليجاور بهما القلب الذى خشوعهما بالسكون فرع خشوعه بالمهابة والخشية (ثم ان كانت الصلاة جهرية) وكذا سرية (سكة سكتة) أى ترك الجهر بالاستفتاح ولم يرد السكوت الحقيقى (يأتي فيها بدعاء الافتتاح) أخرج مسلم قال كان اذا افتتح الصلاة كبر ثم قال وجهت وجهي للذى فطر السموات والارض حنيفا زاد ابن حبان مسلما وما أنا من المشركين الى قوله وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (وثبت في مجموعه أحاديث كثيرة) منها سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم عن أبي سعيد وأخرجه الطبراني عن ابن مسعود وعن واثلة بن الاسقع وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم عن عائشة ومنها اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب الى آخره أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ومنها اللهم أنت الملك لا اله الا أنت الى آخره أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى عن علي ومنها الحمد
следующие страницы →