Полный текст (880 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ وقد عظمت عنية أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم في الاعتناء بسنته وحملهم أنفسهم على هديه وطريقته فربما عرض لاحدهم عارض من باب التغليظ في الطهارة والتشديد في الدين ثم تركه لكون النبي ﷺ لم يفعله* فروينا عن عمر انه كان يهم بالأمر ويعزم عليه واذا قيل له لم يفعله رسول الله ﷺ انتهى عنه حتى قال لقد هممت أن أنهى عن لبس الثياب المصبوغة فانه بلغنى انها تصبغ ببول العجائز فقيل له أن رسول الله ﷺ قد لبسها ولبست في زمانه فصدق ذلك وترك وقال مرة لابنه أو لغلامه أبغني ثوبا لخلائى غير ثوب صلاتى فانى رأيت الذباب ربما يقع على الخلاء ثم يقع على الثوب ثم انتبه فقال ما كان لرسول الله ﷺ وأصحابه الا ثوب واحد وترك ما هم به* وروى مثل ذلك لزين العابدين على ابن الحسين ﵃ وهذا ما تأملوه وفهموه من أحوال رسول الله ﷺ على قربهم منه مع اعتبار قوله ﷺ بعثت بالحنيفية السهلة وقوله ﷺ ان هذا الدين متين فاوغل فيه برفق ولا تبغض الى نفسك عبادة الله تعالى (ثم لآتينهم من بين أيديهم) أى قبل الآخرة فاشككهم فيها (ومن خلفهم) أى ارغبهم في دنياهم (وعن أيمانهم) أشبه عليهم أمر دينهم (وعن شمائلهم) اشهى لهم المعاصى قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروي عطية عنه من بين أيديهم من قبل دنياهم يعنى أرمها في قلوبهم ومن خلفهم أي من قبل الآخرة فاقول لا بعث ولا جنة ولا نار وعن أيمانهم من قبل حسناتهم وعن شمائلهم من قبل سيآتهم وقال الحكم من بين أيديهم من قبل الدنيا يزينها لهم ومن خلفهم من قبل الآخرة يثبطهم عنها وعن أيمانهم من قبل الحق يصرفهم عنه وعن شمائلهم من قبل الباطل يزينه لهم وقال قتادة من بين أيديهم أخبرهم ان لا بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من قبل الدنيا فزينها لهم ودعاهم اليها وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيآت والمعاصى ودعاهم اليها أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير انه لم يأتك من فوقك لم يستطع ان يحول بينك وبين رحمة ربك وقال مجاهد من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون (ولا تجد أكثرهم شاكرين) قال الخبيث ذلك ظنا فاصاب قال تعالى وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ (عنية) أي اعتناء واهتماما (بهم) بفتح التحتية وضم الهاء وتشديد الميم (ابغني ثوبا) بالوصل ثلاثى أي اطلب لي وبالقطع من الرباعى أى أعني على الطلب (وقوله ﷺ بالجر (ان هذا الدين متين الى آخره) أخرجه أحمد عن أنس والمتين بالفوقية القوى يعنى انه لقوته يغلبك كما في الحديث الصحيح لن يشاد الدين أحد الاغلبه (فاوغل) بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر المعجمة أي ادخل فيه جادا مجتهدا لكن برفق أى معه فلا تشدد حتى تخرج
стр. 772
فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وقوله ﷺ من أحدث حدثا ليس عليه أمرنا فهو رد* وقوله ﷺ كل بدعة ضلالة* وقوله ﷺ من رغب عن سنتي فليس منى* وقد أمرنا الله عند النزاع بالرجوع الى الكتاب والسنة فقال تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا* وقال تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية وقال تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فانظر كيف حتم الله على الخلق اتباعه في أحكام شريعته وحمل الانفس وان لم تقتضيه هواها على هديه وسنته كما قال ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به وقال السيد كبير الشأن الجنيد ابن محمد البغدادى الطرق كلها مسدودة الاعلى من اقتفى أثر النبي ﷺ وقال الزهري كان من مضي من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة وقال حسان بن عطية ما ابتدع قوم بدعة في دينهم الا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها اليهم الى يوم القيامة فاذا فهمت أيها الموسوس ما قررناه وحررناه وتقرر عندك ان صلاة رسول الله ﷺ وصلاة أصحابه وصلاة الطبقة الأولى من التابعين قد كانت خالية عن مثل ما استحدثه جهلك أو بسوء رأي من اقتديت به وعلمت بالنقل عن رسول الله ﷺ ان مبادئ ذلك من الشيطان كما أخبر رسول الله ﷺ ان شيطان الوضوء اسمه الولهان وشيطان الصلاة اسمه خنزب علمت الي حد الغلو (فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي) والمنبت بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وتشديد الفوقية قال ابن الاثير يقال للرجل اذا انقطع في السفر وعطبت راحلته أنبت من البت وهو القطع يريد انه بقى في طريقه عاجزا عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب ظهره فمثل ﷺ للغالى في الدين بهذا المنبت المنقطع وذلك ان الغالى بمدرج أي يمل وينقطع عمله فيعطب في الطريق اليه تعالى ولا يصل وهذا من بديع الامثال عند أرباب اللسان (وقوله) بالجر أيضا (كل بدعة ضلالة) هذا من العام الذي أريد به الخاص (وقوله) بالجر أيضا (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ) أي اختلفتم (فِي شَيْءٍ) من أمر دينكم (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) أي الى كتابه (وَالرَّسُولِ) مادام حيا وبعد وفاته الي سنته قال البغوي فالرد الى كتاب الله والسنة واجب ان وجد فيهما فان لم يوجد فسبيله الاجتهاد وقيل الرد الى الله والرسول ان يقول لما لا يعلم الله أعلم (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فهذه سبيل أهل الايمان (ذلِكَ) أي الرد الى الله والرسول (خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أى مآلا وعاقبة ومرجعا (وَما آتاكُمُ) أي أعطاكم (الرَّسُولُ) من الفيء والغنيمة (فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ) من الغلول وغيره (فَانْتَهُوا) قال المفسرون الآية نازلة في أموال الفيء وهي عامة في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه (هواها) مقصور (خنزب) بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الزاي وكسرها ويقال أيضا بفتح المعجمة وضمها مع فتح الزاي
стр. 773
ركاكة الحال وماذا بعد الحق الا الضلال وأى خير في صلاة اشتملت على بدعة أو خلاف سنة قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ* وروينا في مسند الدارمي عن هشام بن حجير قال كان طاووس يصلى ركعتين بعد العصر فقال له ابن عباس اتركها قال اتنهى عنها ان يتخذ سلما قال ابن عباس فانه قد نهى عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر لأن الله تعالى يقول وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ* وقال رجل لسعيد بن المسيب وقد نهاه عن ذلك يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة قال لا ولكن يعذبك بخلاف السنة وكم مريد للخير لم يصبه ومتقرب الى الله بما يباعده عنه ومتحبب اليه بما يبغضه عليه قال الله تعالى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً أعاذنا الله من ذلك وبصرنا بعيوبنا وجعلنا ممن يأمر ويأتمر وينهى وينتهى ويقول ويفعل متبعين غير مبتدعين بجاه سيد المرسلين وخاتم النبيين وفيما ذكرنا وسطرنا كفاية لمن وفق وشرح الله صدره فاما من أشرب هواه واتبع أولاه أخراه وحرج صدره فلم يتبع غير مهواه فيري نفسه وشيطانه قد تظاهرا عليه وحسنا له ما يدعو انه اليه فيعنف واعظه ويبذ عليه ويرى انه أسدى اليه سيئة فيكافئه بمثلها ويقول لمثلى تقول هذا فيشبه حينئذ بوصف من قال الله فيه واذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد وكان طريقة السلف ﵏ اذا وعظ أحدهم فوضح له وجه الصواب شكر واعظه ورجع فيهما (ركاكة الحال) أى ضعفه (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أى تأس واقتداء (ابن حجير) بالمهملة فالجيم مصغر (سلما) بضم المهملة وفتح اللام المشددة (وكم) خبرية (مريد) مجرور بها (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) أي زين له الشيطان ذلك بالوسواس نرلت في أبي جهل ومشركى مكة قاله ابن عباس وفي أصحاب الاهواء والبدع قاله سعيد بن جبير قال قتادة منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وأما أهل الكبائر فليسوا منهم لانهم لا يستحلونها ومعنى زين شبه له وموه عليه وحسن له سوء عمله أي قبيحه (فَرَآهُ حَسَناً) وفي الآية حذف أي من كان كذلك يكون كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا وهذا استفهام نفي أي ليس هو كمن ذكر (اشرب هواه) مبنى للمفعول (واتبع أولاه) أي ما كان قبل الموعظة (أخراه) أى ما كان بعدها أي ان حاله سواء ان وعظ وان لم يوعظ (وحرج صدره) أي ضاق (فيعنف واعظه) أي يلومه (ويبذ عليه) بالموحدة فالمعجمة أي يفحش لسانه (أسدي اليه) بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الدال المهملتين أي اصطنع (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ) أي خفه (أَخَذَتْهُ) أي حملته (الْعِزَّةُ) وحمية الجاهلية والعزة التكبر والمنعة (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) أى كافية (وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) أي الفراش قال البغوى قال عبد الله بن مسعود ان من أكبر الذنب عند الله ان يقال للعبد اتق الله فيقول عليك
стр. 774
على نفسه باللوم والعتاب وكان عمر بن الخطاب يقول رحم الله من أهدى الىّ عيوبى واعترضته امرأة في كلام تكلم به في ملأ من الناس فصاح على نفسه بالخطأ. وقال شيخ جهل وامرأة علمت فانظر يا أخى كيف كان حالهم في اقتدائهم بسنة نبيهم ورجوعهم الى الحق بعد معرفته وذلك لقوة ايمانهم وضعف قوى أنفسهم عند ظهور الحق واخناس شيطانهم فدن الله بما دانوا ومت على ما ماتوا تنج وتسلم وتغنم وبالله التوفيق* أما الوسواس في النية التي نحن بصددها فقد قال الشيخ الامام عبد الله بن قدامة المقدسى اعلم ان النية هى القصد والعزم على فعل الشيء ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلا ولذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه في النية لفظا بحال ولا سمعنا عنهم ذلك وهذه العبارات التي حدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة وجعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس يحبسهم عندها ويعذبهم فيها ويوقفهم في طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في اللفظ بها حتى كأنه يحمل ثقلا يدفعه وليست من الصلاة أصلا وانما النية قصد فعل الشيء وكل عازم على فعل شيء فهو ناوله فمن قصد الوضوء فقد نواه ومن قصد الصلاة فقد نواها ولا يكاد عاقل يقصد شيئا من عباداته ولا غيرها بغير نية فالنية أمر لازم لافعال الانسان المقصودة لا يحتاج الى تعب ولو أراد اخلاء أفعاله عنها لعجز عن ذلك ولو كلفه الله تعالى الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيقه ولا يدخل تحت وسعه وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله وان شك في حصولها منه فهو نوع جنون فان علمه بحال نفسه أمر يقيني فكيف يشك فيه عاقل هذا معني كلامه.
[فصل في رقية الوسواس]
(فصل) في رقية الوسواس روينا في صحيح مسلم عن عثمان بن أبى العاص قال قلت يا رسول الله ان الشيطان قد حال بيني وبين صلاتى وقراءتى يلبسها على فقال رسول الله ﷺ ذلك شيطان يقال له خنزب فاذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك بنفسك وروي انه قيل لعمر بن الخطاب اتق الله فوضع خده على الارض تواضعا لله (ورجوعهم الى الحق) بالضم عطفا على حالهم وبالكسر عطفا على اقتدائهم (قوى) بضم القاف وفتح الواو والقصر القوة (واخناس شيطانهم) بالمعجمة فالنون (فدن) أمر من دان يدين بمعنى أطاع (تنج) بالجزم على جواب الامر وكذا ما بعده (ذكر ذلك) بالنصب (معتركا) بضم الميم وسكون المهملة وفتح الفوقية والراء.
(فصل) في رقية الوسواس (حال بيني وبين صلاتي) أى منعنى لذتها والفراغ للخشوع فيها (يلبسها على)
стр. 775
فاذهبه الله تعالى وقال الامام القطب محيى الدين النووى قال بعض العلماء يستحب قول لا إله الا الله لمن ابتلى بالوسوسة في الوضوء والصلاة واشباههما فان الشيطان اذا سمع الذكر خنس والله أعلم.
[فصل في كيفية صلاته ﷺ من ابتدائه في تكبيره الإحرام إلى تشهده]
(فصل) كان رسول الله ﷺ في ابتدائه في تكبيرة الاحرام يرفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ويحاذى بأطرافهما أذنيه ويستقبل ببطونهما القبلة فاذا فرغ من التكبير أرسلهما باناة وقبض بيمينه على ظهر يساره وجعلهما تحت صدره ثم ان كانت الصلاة جهرية سكت سكتة طويلة يأتى فيها بدعاء الاستفتاح وثبت في مجموعة أحاديث كثيرة بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه أي يخلطها على ويشككنى فيها (سمع الذكر خنس) أي تأخر (فائدة) من رقية الوسواس قراءة قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أخرجه أبو داود عن ابن عباس.
(فصل) في صفة صلاته ﷺ (كان رسول الله ﷺ في ابتدائه في تكبيرة الاحرام الي آخره) اخرج الشيخان عن ابن عمر ﵄ كان اذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر فاذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك واذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك ولا يفعله حين يرفع من السجود زاد البخارى ولا يفعل ذلك حين يسجد واذا قام من الركعتين رفع يديه وفي رواية لمسلم كان اذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه أى اعاليهما ولابي داود من حديث وائل ابن حجر رأيت رسول الله ﷺ يرفع ابهاميه في الصلاة الي شحمة أذنيه وجمع الشافعي بين الروايات بانه كان يحاذي بكفيه منكبيه وبابهاميه شحمتي أذنيه وبرؤس أصابعه أعلاهما (باناة) أى برفق (وقبض بيمينه على ظهر يساره) أخرج مسلم من حديث وائل بن حجر انه وضع يده اليمنى على اليسري زاد البزار عند صدره ولابن خزيمة على صدره ولابي داود وضع كفه اليمني على ظهر كفه اليسري والرسغ والساعد وحكمته تسكين اليدين وليجاور بهما القلب الذى خشوعهما بالسكون فرع خشوعه بالمهابة والخشية (ثم ان كانت الصلاة جهرية) وكذا سرية (سكة سكتة) أى ترك الجهر بالاستفتاح ولم يرد السكوت الحقيقى (يأتي فيها بدعاء الافتتاح) أخرج مسلم قال كان اذا افتتح الصلاة كبر ثم قال وجهت وجهي للذى فطر السموات والارض حنيفا زاد ابن حبان مسلما وما أنا من المشركين الى قوله وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (وثبت في مجموعه أحاديث كثيرة) منها سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم عن أبي سعيد وأخرجه الطبراني عن ابن مسعود وعن واثلة بن الاسقع وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم عن عائشة ومنها اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب الى آخره أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ومنها اللهم أنت الملك لا اله الا أنت الى آخره أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى عن علي ومنها الحمد
стр. 776
يستحب الاتيان بجميعها ومن آثر الاختصار لغرض فيحسن اقتصاره على قوله وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ وهذه احدى سكتاته الاربع ﷺ ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم* قال النووي المختار ان يتعوذ في كل ركعة سرية في حال الجهر والاسرار ثم يقول بسم الله الرحمن الرحيم وكان ﷺ ربما جهر بها وربما أخفي وبين العلماء تنازع في وجوبها والجهر بها والأسرار ثم يقرأ الفاتحة ويرتلها ويقف عند آخر كل آية منها ويمد آخر الكلمة. قال أصحابنا وفيها أربع عشر تشديدة يتعين الاتيان بجميعها ويقول بعد الفراغ منها آمين يجهر بها في موضع الجهر ويسر بها في لله حمدا كثيرا طيبا مباركا أخرجه مسلم وأبو داود عن أنس ومنها الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا أخرجه مسلم والترمذي والنسائى عن ابن عمر (يستحب الاتيان بجميعها) لمنفرد وامام محصورين راضيين بالتطويل لم يطرأ عليهم غيرهم ولم يتعلق باعتنائهم حق ولم يكن المصلى مطروقا (وجهت وجهى) أي أخلصت عبادتي (ونسكى) أي عبادتي (ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أخرجه أبو داود والحاكم وابن ماجه وابن حبان وابن عساكر عن جبير بن مطعم (ثم يقول بسم الله الرحمن الرحيم) أخرجه ابن خزيمة والحاكم من حديث أم سلمة بلفظ عد البسملة أنه من الفاتحة وللدار قطني من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال اذا قرأتم الْحَمْدُ لِلَّهِ فاقرؤا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أنها ام القرآن وام الكتاب وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ احدى آياتها (وبين العلماء) ﵏ (تنازع في وجوبها) بحسب تنازعهم في أنها آية من الفاتحة أم لا والقائلون بانها ليست من الفاتحة يستدلون بحديث الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك قال قمت وراء أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فكلهم كانوا لا يقرؤن بسم الله الرحمن الرحيم اذا افتتح الصلاة (و) بهذا يستدل أيضا من قال بعدم (الجهر بها) ومذهب الشافعى والثوري وابن المبارك وطوائف من السلف والخلف أن البسملة آية من الفاتحة وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة وذلك لما مر ولانها كتبت في المصحف باتفاق الصحابة واجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن سوى القرآن وأجمع بعدهم المسلمون على ذلك وأجمعوا على أنها ليست في أول برآة وأنها لا تكتب فيها وأجابوا عن حديث أنس بان أصل روايته وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين يريد سورة الفاتحة وما ذكر في بعض الاحاديث من نفي البسملة فتضرف من بعض الرواة ظنا منه انه المراد فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين يريد سورة الفاتحة أي لا يأتون بالبسملة (ثم يقرأ الفاتحة) أخرج الشيخان وغيرهما لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ولابن خزيمة والدار قطنى لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب (ويرتلها) امتثالا لقوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ (يتعين الاتيان بجميعها) أي التشديدات لان المشدد حرفان فاذا خفف بطل حرف (ويقول بعد الفراغ منها آمين يجهر بها الى آخره) أخرجه أبو داود من
стр. 777
موضع الاسرار. واعلم ان التأمين مستحب للامام والمنفرد داخل الصلاة وخارجها وردت أحاديث كثيرة في فضله وعظيم أجره والسنة ان يؤمن المأمومون بأسرهم لقراءة أمامهم ويقترن تأمينهم بتأمين امامهم لا قبله ولا بعده لانه صح ان الملائكة تؤمن لقراءة الامام فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وليس في الصلاة موضع يستحب ان يقترن فيه قول المأموم بقول الامام الا في التأمين واما باقى الاقوال فيتأخر قول المأموم عن قول الامام والسنة ان يسكت بين الفاتحة والتأمين سكتة لطيفة ليعلم ان أمين ليست من الفاتحة.
[فصل وثبت انه ﷺ كان يسكت بعد التأمين سكتة طويلة]
(فصل) وثبت انه ﷺ كان يسكت بعد التأمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة فهى سنة قل من الأئمة من يستعملها فهى من السنن المهجورة.
(فصل) وثبت انه ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح والأولين من باقى حديث وائل بن حجر قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فقال آمين رفع بها صوته (مستحب للامام) لما مر أنه ﷺ رفع بها صوته (و) المأموم لما أخرجه البيهقى عن عطاء قال أدركت مائتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد اذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين سمعت لهم رجة بآمين وفي البخاري معلقا آمين أمن الزبير ومن خلفه حتى أن للمسجد للجة (والمنفرد) قياسا (ووردت أحاديث كثيرة في فضله وعظيم أجره) كقوله ﷺ وقد سمع داعيا يدعو وجب إن ختم فقال رجل من القوم بأي شيء يختم فقال بآمين فانه ان ختم بآمين فقد أوجب أخرجه أبو داود عن أبى زهير النميرى وأمن ﷺ على دعاء زيد بن ثابت ورجل آخر وأبي هريرة وهم في المسجد يدعون أخرجه النسائي والحاكم عن زيد بن ثابت وأمن ﷺ على المنبر ثلاثا أخرجه الحاكم في المستدرك عن كعب بن عجرة وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن مالك بن الحويرث ودعا ﷺ بدعاء طويل وأمن في تفاصيله أخرجه الحاكم من حديث أم سلمة وأخرج ابن أبي عدي والطبراني من حديث أبي هريرة آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده وأخرج ابن شاهين في السنة من حديث علي أمنوا اذا قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (باسرهم) بفتح الهمزة أى باجمعهم (لانه صح) عنه ﷺ (ان الملآئكة تؤمن لقراءة الامام الى آخره) أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبى هريرة (فمن وافق قوله قول الملائكة) أى وقتا وزمانا أو صفة وخشوعا واخلاصا قولان والمراد بالملآئكة الحفظة او غيرهم لقوله في الحديث الآخر قول أهل السماء قولان (غفر له ما تقدم من ذنبه) المراد غفران الصغائر كما في نظائره زاد الجرجانى في الامالى وما تأخر (الا في آمين) فانه يستحب اقتران قول الامام والمأموم (فهى) أي سكتة الامام بعد التأمين (سنة) قال أصحابنا لكن يشتغل فيها بقراءة وهي أولى أو ذكر فليس هذا سكوتا حقيقيا.
(فصل) في قراءته ﷺ السورة (كان يقرأ في صلاة الصبح والاولتين من باقي
стр. 778
الفرائض سورة بعد الفاتحة فيجعلها في الصبح والظهر من طوال المفصل وفي العصر والعشاء من أوساطه وفي المغرب من قصاره وهذا غالب حالاته في الصلوات وربما غيرها بحسب الحاجات والضرورات فثبت انه ﷺ ربما دخل في الصلاة يريد اطالتها فيسمع بكاء الصبى وأمه من المقتدين به فيخفف مخافة ان يشق على أمه وغضب على معاذ غضبا شديدا حين طول في العشاء وعين له سورة والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الاعلى والليل اذا يغشى وقال اذا أم أحدكم الناس فليخفف فان فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة فاذا صلى وحده فليصل كيف شاء* وثبت انه ﷺ كان يطول في الاولى مالا يطول في الثانية ويبالغ في الاسرار في موضعه حتى لا يعلمون قراءته الا باضطراب لحيته وربما أسمعهم الآية أحيانا وكره ﷺ للمأمومين الجهر بالقراءة خلف أمامهم فثبت في الصحيح انه ﷺ صلى بهم الظهر أو العصر فلما سلم قال أيكم قرأ خلفي سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال بعضهم انا ولم أرد بها الا الخير قال قد علمت ان بعضكم خالجنيها أى نازعنيها لهذا الحديث. قال العلماء تستحب السورة التى بعد الفرائض سورة الى آخره) أخرجه الشيخان في غير المغرب وأخرجه النسائي فيه باسناد حسن وكان يقرأ في غير الاولتين أيضا كما أخرجه الشيخان في الظهر والعصر ومالك في المغرب ومن ثم كان للشافعى قول بسنية السورة في جميع الصلاة وفي ترجيح الاصحاب القول الثاني وهو القراءة في الاوليين فقط تقديم للدليل النافي على الدليل المثبت عكس الراجح في الاصول وجمع بعضهم بينهما بان ذلك بحسب اختلاف المأمومين فحيث آثروا التطويل قرأ السورة في غير الاوليين وحيث كثروا تركها والاوليان تثنية اولى (من طوال) بكسر الطاء فقط (المفصل) سمي بذلك لكثرة فصوله أى لقصر سوره وغير ذلك (وفي العصر والعشاء من أوساطه وفي المغرب من قصاره) وحكمة ذلك أن الصبح والظهر يكونان عقب النوم غالبا فشرع ﷺ التطويل ليدرك من قام من النوم وأن المغرب ضيقة الوقت فشرع لها القصار وأما العصر والعشاء فلأن المذكور في محل التطويل والاختصار لم يوجد فيهما فاختصا بالوسط وآخر المفصل آخر القرآن وفي أوله عشرة أقوال للسلف أصحها انه من الحجرات وقيل من الصافات وقيل من الجاثية وقيل من الفتح وقيل من سورة محمد وقيل من قاف وقيل من الحديد وقيل من الصف وقيل من تبارك الملك (اذا أم أحدكم الناس فليخفف الى آخره) أخرجه أحمد والشيخان والترمذى عن أبي هريرة (العصر) بالنصب وكذا ما بعده (فليصل كيف شاء) في رواية اخرى فليطول ما شاء (وكان يطول في الاولى) زاد أبو داود وغيره فطننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الاولى (خالجنيها) بالمعجمة فالجيم وللترمذي
стр. 779
الفاتحة للمأموم كما تستحب للامام والمنفرد لأن النبي ﷺ أنكر عليه في رفع صوته لا في أصل القراءة وهذا كله فيما يسر به الامام أما ما يجهر به فلا يزيد المأموم فيه على الفاتحة فان لم يسمع قراءة الامام أو سمع هينمة لم يفهمها استحب له السورة بحيث لا يشوش على غيره واعتاد كثير من الناس من الموسوسين وغيرهم الجهر بالقراءة خلف الامام والتشويش على من بقربهم من المصلين وهى عادة سيئة وربما علم بعضهم النهي عن ذلك فلم ينته فيصير علمه حجة عليه وقد قال ﷺ علم لا يعمل به ككنز لا ينفق منه أتعب صاحبه نفسه في جمعه ثم لم يصل الى نفعه.
(فصل) وثبت انه ﷺ كان يسكت بعد الفراغ من القراءة سكتة لطيفة يفصل بها بين القراءة وتكبيرة الهويّ الى الركوع ثم يكبر رافعا يديه كاحرامه ثم يركع فيضع كفيه على ركبتيه ويفرق بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه ويسوي ظهره ورأسه من غير ترفيع ولا تنكيس وينصب ساقيه ولا يثني ركبتيه ثم يقول سبحان ربى العظيم ثلاثا باسناد حسن مالي انازع القرآن أما (ما يجهر به) الامام (فلا يزيد المأموم فيه على) قراءة (الفاتحة) لقوله تعالى وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا (هينمة) بفتح الهاء والنون بينهما تحتية ساكنة هي الصوت الذي لا يفهم (استحب له السورة) لانه اذا لم يسمع الامام فأي معنى لسكوته (علم لا يعمل به ككنز لا ينفق منه) أخرجه ابن عساكر عن أبي هريرة بلفظ لا ينتفع به وله عن ابن عمر لا يقال به وللقضاعي عن ابن مسعود علم لا ينفع ككنز لا ينفق منه.
(فصل) في سكوته بعد الفراغ من الفاتحة (سكتة لطيفة) بقدر سبحان الله (الهوى) بضم الهاء وفتحها وكسر الواو وتشديد التحتية (رافعا يديه كاحرامه) كما مر تخريجه (فيضع كفيه على ركبتيه) أخرجه البخاري من حديث أبى حميد الساعدي وأخرج هو ومسلم عن سعد بن أبي وقاص كنا نطبق في الركوع فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب والتطبيق جعل بطن احدى الكفين على بطن الاخرى ويجعلهما بين ركبتيه وفخذيه وهو منسوخ بحديث سعد هذا عند الجمهور بل قالوا بكراهيته ومذهب ابن مسعود وصاحبيه علقمة والاسود أنه غير منسوخ (ويفرق بين أصابعه) أخرجه الحاكم والبيهقي عن وائل بن حجر (ويجافي مرفقيه عن جنبيه) أخرجه بمعناه البيهقي من حديث البراء بن عازب (ويسوي ظهره ورأسه) أخرجه مسلم عن عائشة (من غير ترفيع) هو معنى قولها لم يشخص رأسه (ولا ينكس) هو معنى قولها ولم يصوبه وأخرج ابن ماجه من حديث وابصة كان اذا ركع سوى ظهره حتى لوصب عليه الماء لاستقر وأخرجه الطبرانى في الكبير عن ابن عباس وأبي برزة وعن أبى مسعود (وينصب ساقيه ولا يثنى ركبتيه) أخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقى (ثم يقول سبحان ربي العظيم) وبحمده (ثلاثا)
стр. 780
فقد جاء في كتب السنن انه ﷺ قال اذا قال أحدكم سبحان ربى العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه* وثبت في صحيح مسلم انه ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح* وثبت في غيره بأسانيد صحيحة عن عوف ابن مالك قال قمت مع النبي ﷺ ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة الا وقف وسأل ولا يمر بآية عذاب الا وقف وتعوذ قال ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة واذكار الركوع واسعة وذهب الامام أحمد بن حنبل وجماعة الى أن الذكر في الركوع واجب فينبغي المحافظة عليه للخروج من الخلاف ولحديث أما في الركوع فعظموا فيه الرب* واعلم ان الركوع ذمام الصلاة وبادراكه تدرك الركعة وبفواته تفوت ولهذا قال العلماء يستحب للامام اذا أحس بداخل وهو راكع أن ينتظره ويمكث حتى يعلم منه الاحرام والركوع والطمأنينة ولا ينتظره فيما بعده من الاركان الا في التشهد الاخير أخرجه أبو داود عن عقبة بن عامر (اذا قال أحدكم سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه) وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث عقبة بن عامر لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال رسول الله ﷺ اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الاعلى قال اجعلوها في سجودكم (وثبت في صحيح مسلم) وسنن أبي داود والنسائي عن عائشة (سبوح قدوس) بضم أولهما على المشهور ومعناهما مسبح ومقدس والمسبح المبرأ من كل النقائص ومن الشريك في الملك والخلق وكل مالا يليق بالباري تعالى (رب الملائكة والروح) قال الخطابي فيه قولان أحدهما أنه جبريل خص بالذكر تفضيلا له على سائر الملائكة والثاني أنه خلق من الملائكة يشبهون الانس في الصور وليسوا انسا وقيل هو ملك عظيم أعظم من الملائكة خلقا انتهى (فائدة) الروح تطلق على القرآن كما قال تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا الآية وعلى عيسى قال تعالى وَرُوحٌ مِنْهُ وعلى روح الانسان وعلى جبريل وعلى ملك آخر من الملائكة قيل وهو المراد بقوله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ وعلى صنف من الملائكة (وثبت في غيره) أي في سنن أبي داود والترمذي في الشمائل والنسائى (وذهب الامام أحمد) بن محمد (ابن حنبل وجماعة) من المحدثين (الى ان الذكر في الركوع) والسجود (واجب) آخذا بظاهر الحديث في الامر به مع قوله ﷺ صلوا كما رأيتموني اصلي أخرجه البخاري وغيره وذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة والجمهور الى عدم وجوبه محتجين بحديث المسىء صلاته فانه ﷺ لم يأمره به وأجابوا بان الامر بالتسبيح محمول على الاستحباب (أما الركوع فعظموا فيه الرب) أخرجه مسلم وغيره عن ابن عباس أى سبحوه ونزهوه ومجدوه (زمام الصلاة) بكسر الزاى أى من أدركه فقد أدرك الصلاة كما أن من أدرك زمام الدابة فقد أدركها (ولهذا قال العلماء يستحب للامام الى آخره) اعلم أن في الانتظار قولين للشافعي أرجحهما ينتظر
стр. 781
فانه يستفاد بادراكه صلاة الجماعة
[فصل وكان رسول الله ﷺ في حال رفعه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده]
(فصل) وكان رسول الله ﷺ في حال رفعه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده ويرفع يديه كما يرفعهما للاحرام. فاذا استوى قائما قال ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملأ السموات والارض وملأ ما بينهما وملأ ما شئت من شيء بعد ووردت عنه ﷺ في الاعتدال عن الركوع اذكار كثيرة وهذا أقل ما يقتصر عليه. قال النووى فان بالغ في الاقتصار اقتصر على سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد فلا أقل من ذلك. واعلم أنه قد صحح كثيرون من أصحابنا ان الاعتدال ركن قصير وهو خلاف المنقول فقد ثبت عن أنس قال كان رسول الله ﷺ اذا قال سمع الله لمن حمده وقام بشروط معروفة وفي حكاية القولين طرق أشهرها طريقان أحدهما أن القولين في الكراهة وعدمها وحكاه الرافعى عن المعظم والثاني أنها في الاستحباب وجرى عليه النووى في زوائد الروضة واقتصر كلامه في المجموع على ترجيحه ومشى عليه في المنهاج ودليل استحباب الانتظار القياس على استحباب ابتداء فعلها لتحصيل الجماعة للغير الثابت في حديث من يتصدق على هذا فيصلي معه وقد قال تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
(فصل) في رفعه من الركوع (كان يقول سمع الله لمن حمده) أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة وأخرجه مسلم أيضا من حديث عبد الله بن أبي أوفي وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي من حديث رفاعة بن رافع ومعنى سمع هنا أجاب ومعناه أن من حمده تعالى متعرضا للثواب استجاب له باعطاء ما تعرض له فانا أقول (ربنا لك الحمد) ليحصل ذلك (حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه) هذا لم يرد أنه ﷺ كان يقوله بل سمع رجلا قاله فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي والطبراني عن رفاعة بن رافع الا قوله بضعة وثلاثين ملكا ففي مسلم بدله اثني عشر ملكا وللطبراني ثلاثة عشر وزاد النسائي كما يحب ربنا ويرضى وهذا الرجل المبهم هو رفاعة بن رافع راوي الحديث كما جاء مصرحا به في رواية النسائي (فائدة) قال النووي وغيره الحكمة في هذا العدد المذكور في البخاري أنه مطابق لعدد الحروف في الذكر المذكور والعدد المذكور في مسلم مطابق لعدد كلماته (ملأ) بالنصب وهو أشهر والرفع وحكى عن الزجاج عدم جواز غيره قال العلماء معناه حمدا لو كان جسما لملأ السموات والارض (وملأ ما بينهما) هذه الزيادة أخرجها مسلم من حديث على ومن حديث ابن عباس (وملأ ما شئت من شيء بعد) أي كالعرش والكرسي وغيرهما مما استأثر تعالى بعلمه (أذكار كثيرة) منها اللهم طهرنى بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الا بيض من الوسخ أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث ابن أبي أوفي ولمسلم في رواية من الدرن بدل الوسخ وفي أخرى من الدنس ومنها أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبدا لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد أخرجه مسلم وأبو داود
стр. 782
حتى يقول القائل قد أوهم وصححه النووى في التحقيق انه ركن طويل والله أعلم. واعلم أن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة ثابتة رواها العدد الكثير من الصحابة منهم العشرة المبشرة ورواها عنهم الجم الغفير من التابعين ومع ذلك فقل من يستعملها ويواظب عليها والله المستعان. واختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين في تكبيرة الاحرام وما بعدها وأحسنها ما روي الشافعي انه قال فعلته اعظاما لله واتباعا لسنة رسول الله ﷺ .
[فصل كان رسول الله ﷺ اذا فرغ من أذكار الاعتدال هوى ساجدا]
(فصل) كان رسول الله ﷺ اذا فرغ من أذكار الاعتدال هوى ساجدا مكبرا فيضع ركبتيه أولا ثم يديه وربما وضع يديه أولا رواه البخاري معلقا موقوفا على ابن عمر ورواه ابن خزيمة والبيهقى موصولا مرفوعا وهو أيسر استعمالا وأليق حالا ثم يضع جبهته وأنفه وكان يضع يديه حذو منكبيه مضمومة الاصابع بخلاف الركوع. وصح انه ﷺ كان اذا سجد جنح وفي رواية خوّى. وفي رواية فرج بين يديه حتى يرى وضح أبطيه. وفي رواية حتى لو شاءت بهيمة أن تمر لمرت فلهذا قال العلماء يسن للمصلى أن يفرق بين ركبتيه ويجافي مرفقيه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه قالوا والحكمة فيه انه أشبه بالتواضع وأبعد والنسائي عن أبي سعيد (قد أوهم) بفتح الهمزة والهاء وسكون الواو أي تشكك (فعلته أعظاما لله واتباعا لسنة رسول الله ﷺ جمع الشافعي ﵀ في هذا الكلام بين الاشارة الى ان الرفع معلل وهو معنى قوله اعظاما لله لان شأن المعظم له تعالى ان يرفع يده الى السماء وبين الاشارة الى انه يقتدي وهو معنى قوله واتباعا لسنة رسول الله ﷺ لان الاتباع مقصود في ذاته وان لم يعقل معناه وقيل ان حكمة الرفع ان المصلى يجمع بين ما يكنه القلب من اعتقاد دعاء وكبرياء لله وعظمته وبين الترجمة عنه باللسان والاظهار بما يمكن اظهاره من الاركان وقيل الاشارة الى طرح ما سوي الله سبحانه والاقبال بالكلية على عبادته ويقرب من هذا قول من قال الاشارة الي طرح اعراض الدنيا ونبذها وراء ظهره والاقبال على صلاته.
(فصل) في هويه للسجود (ربما وضع يديه أولا) هذا منسوخ على ما قيل (رواه البخارى معلقا موقوفا على ابن عمر ورواه) عنه (ابن خزيمة والبيهقي موصولا مرفوعا) وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث وائل بن حجر وصححه ابن خزيمة (ثم يضع) ممكنا (جبهته وأنفه) أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي حميد (وصح) في صحيح مسلم وغيره (جنح) بفتح الجيم والنون المشددة ثم مهملة (خوي) بالمعجمة بوزن جنح (فرج) بالفاء والجيم بوزن ما قبله وللبيهقى من حديث البراء بن عازب وتفاج بفتح الفوقية والفاء وبعد الالف جيم مشددة ومعنى هذه الالفاظ باعد بين مرفقيه وعضديه عن جنبيه (حتى يري) بالبناء للمفعول وبالنون بالبناء للفاعل (وضح) بفتح الواو فالمعجمة فالمهملة أى بياض (أبطيه) وكان أبيض الابط غير متغير اللون أى لا شعر عليه (بهيمة) تصغير بهيمة قال الجوهرى من
стр. 783
من هيئة الكسالى وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف. وينبغي للمتصف بالسنة أن يحرص على سنة المجافاة ويحمل نفسه على فعلها حتى يعتادها فيأتيها بغير مشقة فليس في سنة رسول الله ﷺ الا استعمالها والله الموفق.
(فصل) وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن يزيد الخطمى. قال حدثني البراء بن عازب وهو غير كذوب قال كان رسول الله ﷺ اذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدا ثم نقع سجودا بعده فقيه دليل طول الطمأنينة وتأخر أفعالهم عن فعله ﷺ وحديث رسول الله ﷺ فاذا ركع فاركعوا دليل على ذلك والله أعلم.
[فصل في السجود والقيام واختلاف العلماء في أيهما أفضل]
(فصل) اعلم انه ورد في فضل السجود أحاديث كثيرة واختلف العلماء فيه وفي القيام في الصلاة أيهما أفضل فمذهب الشافعى ان القيام أفضل وذهب غيره الى ان الركوع والسجود أفضل وقال احمد بن حنبل ورد فيه حديثان ولم يقض فيه بشيء وأما أذكاره فوردت فيه أحاديث كثيرة أولاد الضأن وتطلق على الذكر والانثى قال والسخال أولاد المعز (الخطمى) بفتح المعجمة وسكون المهملة منسوب الى خطمة فخذ من الانصار (لم يحن) بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر النون ويجوز ضمها.
(فصل) في فضل السجود (ورد في فضل السجود أحاديث كثيرة) منها أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاكثروا الدعاء أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة (فمذهب الشافعي أن القيام أفضل) وأن تطويله أفضل من تطويل الركوع والسجود لقوله ﷺ أفضل الصلاة طول القنوت أخرجه أحمد ومسلم والترمذى عن جابر وأخرجه الطبراني عن أبي موسى وعن عمر ابن عبسة وعن عمير بن قتادة الليثي والمراد بالقنوت القيام ولان ذكر القيام القراءة وذكر الركوع والسجود التسبيح ولانه نقل عنه ﷺ تطويل القيام أكثر من تطويل الركوع والسجود (وذهب غيره) كابن عمر (الى أن الركوع والسجود أفضل) من القيام وتطويلهما أفضل من تطويله وذلك للحديث المار آنفا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد قال العلماء وذلك لان السجود أعظم أركان الصلاة تواضعا فان الانسان يضع فيه أشرف أعضائه في مواطيء الاقدام والنعال والقائل بتفضيل الركوع يقول هو زمام الصلاة فبادراكه وفواته تدرك الركعة وتفوت وقال اسحاق بن راهويه تكثير الركوع والسجود أفضل نهارا وتطويل القيام أفضل ليلا الا أن يكون له بالليل حزب يأتى عليه فتكثير الركوع والسجود أفضل لأنه يقرأ حزبه ويربح كثرة الركوع والسجود (ولم يقض) بفتح أوله وسكون القاف ثم معجمة (أما اذكاره) أي السجود (فوردت فيه أحاديث كثيرة) منها سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي
стр. 784
وأدنى الكمال من ذلك سبحان ربى الاعلى ثلاثا* روينا في صحيح مسلم عن عائشة قالت افتقدت بالنبي ﷺ ذات ليلة فتحسست فاذا هو راكع أو ساجد يقول سبحانك وبحمدك لا إله الا أنت. وفي رواية وقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول اللهم انى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. قال الخطابى وفيه معنى لطيف وذلك انه استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته والرضى والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمعاقبة. فلما صار الى ذكر ما لا ضد له وهو الله سبحانه استعاذ به منه لا غير. وله شرح طويل* واعلم ان ركن السجود الاعظم الدعاء كما أن ركن الركوع أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة ومنها سبوح قدوس رب الملائكة والروح أخرجه مسلم وأبو داود والنسائى عنها ومنها اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره وعلانيته وسره أخرجه مسلم وأبو داود عن أبى هريرة ودقه وجله بكسر أولهما أى قليله وكثيره ومنها سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة أخرجه أبو داود والترمذي والنسائى في الشمائل عن عوف ابن مالك الاشجعى ومنها سبحان ذى الملك والملكوت سبحان ذى العزة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت أخرجه الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب وقال صحيح على شرط البخاري ومنها اللهم سجد لك سوادي وخيالى وبك آمن فؤادى أبؤ بنعمتك علىّ وهذا ما جنيت على نفسى يا عظيم يا عظيم اغفر لي فانه لا يغفر الذنوب العظيمة الا الرب العظيم أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود (وأدني الكمال من ذلك) ما يستحب لكل من المنفرد والامام مطلقا والمأموم وهو (سبحان ربي الاعلى) ونحوه (ثلاثا) وأكثره احدى عشر فيسن للمنفرد وللامام محصورين بشرطه (وروينا في صحيح مسلم) وسنن النسائي (افتقدت) في رواية اخرى في مسلم فقدت (فتحسست) بالمهملة (وفي رواية) في مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي (فوقعت يدى على بطن قدميه) فيه دليل لابي حنيفة وغيره ممن يقول ان اللمس لا ينقض الوضوء (أعوذ برضاك من سخطك) قال النووى فيه دليل لاهل السنة في جواز اضافة الشر الى الله تعالى كما يضاف اليه الخير (لا احصي ثناء عليك) أي لا اطيقه ولا آتي به وقيل لا أحيط به وقال مالك لا أحصى نعمتك واحسانك والثناء بها عليك وان اجتهدت في الثناء عليك (أنت كما أثنيت على نفسك) قال النووى اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء وانه لا يقدر على بلوغ حقيقته فرد الثناء الى الجملة دون التفصيل والاحصاء والتعيين فوكل ذلك الى الله سبحانه المحيط بكل شيء جملا وتفصيلا وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه لان الثناء تابع للمثنى عليه وكل ثناء اثنى به عليه وان كثر وطال وبالغ فيه فقدر الله تعالى أعظم وسلطانه أعز وصفاته أكثر وأكبر وفضله وديم احسانه أسبغ وأوسع (الاعظم)
стр. 785
تعظيم الرب والله أعلم وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال أمر النبى ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء ونهى أن يكف شعره أو ثيابه وفيه أيضا عنه انه رأى ابن عباس عبد الله بن الحارث يصلى ورأسه معقوص من ورائه فقام فجعل يحله فلما انصرف أقبل الى ابن عباس فقال مالك ولرأسى فقال انى سمعت رسول الله ﷺ يقول انما مثل هذا مثل الذي يصلى وهو مكتوف فانظر الى قوة ايمان أصحاب رسول الله ﷺ وتغيرهم وانكارهم لما رأوه مخالفا لهديه ومبالغتهم مرة بالقول ومرة بالفعل بحسب الحال والمقدرة نفع الله بهم.
[فصل في كيفية رفع رأسه ﷺ من السجود]
(فصل) كان رسول الله ﷺ اذا رفع رأسه من السجود رفع مكبرا حتى يستوى جالسا ويفترش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وربما يجلس مقعيا فيجعل اليتيه على عقبيه وكل سنة وكان يجعل يديه بقرب ركبتيه منشورتين ثم يقول أرب اغفر لى وارحمنى واجبرنى وارفعنى وارزقني واهدنى وعافني* واعلم ان الجلوس بين السجدتين ركن طويل مقصود ثبت عن النبى ﷺ تطويله نحو الركوع والسجود وفي حديث انه كان يطوله حتى يظن انه قد نسى ولهذا اختار المحدثون من الفقهاء تطويله والله أعلم.
بالنصب صفة ركن (وفي صحيح) البخاري وصحيح (مسلم عن ابن عباس) وأخرجه عنه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجه (أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة) هكذا رواية مسلم عن ابن عباس والمراد سبعة أعظم كما في رواية أخري فيه وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وهى الجبهة واليدان والرجلان وأطراف القدمين (ونهى ان يكف شعره أو ثيابه) وهي نهي تنزيه اجماعا كما حكاه محمد بن جرير الطبرى وحكي ابن المنذر وجوب اعادة الصلاة اذا صلى كذلك عن الحسن البصرى قال النووي ومذهب الجمهور النهي مطلقا وقال الدراوردي يختص من فعل ذلك للصلاة والمختار الصحيح الاول والحكم فيه ان الشعر وأطراف ثيابه يسجد معه (وفيه أيضا) أي في صحيح مسلم (عنه) أي عن ابن عباس وأخرجه أيضا عنه أحمد والطبراني (ورأسه معقوص) بالقاف والمهملة أى مربوط (انما مثل هذا مثل الذي يصلى وهو مكتوف) فكما ان المكتوف لا تسجد معه يداه كذلك هذا لا يسجد معه شعره وهو جزء منه بمثابة اليدين ولا ثيابه التي هي ملحقة بالجزء منه في وجوب تطهيرها وعدم جواز السجود عليها (وانكارهم لما رأوه مخالفا لهديه) أى وان لم يكن محرما ومبادرتهم الي ذلك.
(فصل) في رفعه من السجود (وكل سنة) لكن الافتراش أفضل كما مر (رب اغفر لى وارحمنى الى آخره) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس الا اجرني فمن رواية الحاكم (واعلم ان الجلوس بين السجدتين ركن طويل) كما نقله النووي في الروضة عن الجمهور وفي المجموع عن الاكثرين لكن رجح في الروضة والمنهاج كاصلهما انه ركن قصير وفي سجود السهو انه طويل (انه قد نسى) بفتح النون
стр. 786
[فصل في جلسته للاستراحة وقيامه من السجدة الثانية وافتراشه في التشهد الأول]
(فصل) ولم يكن رسول الله ﷺ يقوم بعد السجدة الثانية حتى يستوي جالسا والفقهاء يسمونها جلسة الاستراحة وجعلها بعضهم مسنونة وحملها بعضهم على الحاجة ومعناه انها لا تسن في حق من لم يحتج اليها والصواب الأول فقد ثبت في صحيح البخاري عن مالك بن الحويرث انه رأى النبى ﷺ يصلى فاذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا وقد قال ﷺ صلوا كما رأيتمونى أصلى قال في التتمة ويكون جلوسه فيها بقدر الجلوس بين السجدتين والصواب دون ذلك فقد قالوا الصحيح انه يمد التكبير في الرفع من السجود الى أن يستوي قائما ولا يتصور ذلك مع التطويل قالوا ويسن فيها الافتراش لانها جلسة أستفزاز والله أعلم.
(فصل) وكان رسول الله ﷺ اذا قام من السجدة الثانية ومن كل جلوس في الصلاة اعتمد على يديه قال العلماء وكيفيته أن يجعل بطونهما على الأرض فاذا استوى قائما شرع في القراءة وكان يصلى الثانية كالأولى الا أن الأولى تختص بتكبيرة الاحرام ودعاء الاستفتاح وزيادة في تطويل القراءة والله أعلم.
(فصل) وثبت انه ﷺ كان يفترش في التشهد الاول ويخففه حتى ورد في حديث انه كان اذا صلى جلس فيه كأنما يجلس على الرضف فاذا قام منه قام مكبرا وتخفيف المهملة وبضمها وتشديد المهملة.
(فصل) في جلوسه (والصواب الاول) أى ندب جلسة الاستراحة ولو لمن لم يحتج اليها لان الأصل فيما فعله ﷺ التشريع (فقد ثبت في صحيح البخارى عن مالك بن الحويرث) وأخرجه عنه أيضا أبو داود والترمذى (قال) المتولى (في التتمة) وما قاله جري عليه أكثر الاصحاب في كتبهم الفقهية (بقدر الجلوس بين السجدتين) أى بقدر الواجب منه (ولا يتصور ذلك) أى مدة التكبيرة (مع التطويل) الذي ذكره في التتمة واطلاق منع التصور مردود لانه اذا انقطع نفسه أثناء التكبيرة تنفس ثم عاد الى التكبير ثانيا (جلسة) بفتح الجيم وكسرها.
(فصل) في اعتماده على يديه في القيام من السجود وغيره (اعتمد يديه) كما في صحيح البخاري في رفعه من السجود وقاس عليه أصحابنا القيام عن القعود (وكيفيته ان يجعل بطونهما على الارض) قال في المجموع بلا خلاف وقال وسواء في الاعتماد القوى والضعيف والرجل والمرأة.
(فصل) في صفة جلوسه في التشهد الاول (كان يفترش في التشهد الاول) كما أخرجه البخارى وأبو داود والترمذي عن أبي حميد الساعدي (الرضف) بفتح الراء وسكون المعجمة هو الحجارة المحماة.
стр. 787
رافعا يديه ويمد التكبير الى أن يستوي قائما ورفع اليدين هنا وان لم يقل به أكثر الفقهاء فقد ثبت انه سنة وصح في صحيح البخارى ان النبي ﷺ كان يفعله وهو الموضع الرابع من مواضع الرفع باعتبار تكبيرة الاحرام وقد صنف البخارى تصنيفا عظيما قرر فيه سنة الرفع في هذه المواضع ورد فيه على منكريه وذكر انه رواه سبعة عشر صحابيا وان لم يثبت عن أحد من الصحابة عدم الرفع وقد سبق نحو ذلك قريبا والله أعلم.
[فصل في اقتصاره على الفاتحة في الثالثة والرابعة وأنّه كان يكبر في كل خفض ورفع وتوركه في التشهد الأخير]
(فصل) كان رسول الله ﷺ يقتصر على الفاتحة في الثالثة والرابعة وقد يقرأ فيهما سورة مختصرة على سبيل الندور وثبت فيه حديث في صحيح مسلم والله أعلم.
(فصل) ثبت انه ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع في الصلاة الا رفعه من الركوع وجملة التكبيرات في صلاة الصبح احدى عشرة وفي المغرب سبعة عشرة وفي الرباعية اثنتان وعشرون والسنة أن يجهر الامام بجميع التكبيرات بحيث يسمعه المأمومون ويسن للمأموم بحيث يسمع نفسه والسنة في جميعها المد ومحله بعد اللام من الله ويبالغ في المدالى أن يصل الى الركن الذى بعده لئلا يخلو جزء من صلاته عن الذكر وأما تكبيرة الاحرام فلا تمد ولا تمطط بل يقولها مدرجة مسرعا والله أعلم.
(فصل) كان رسول الله ﷺ يتورك في التشهد الاخير بخلاف سائر الجلسات قبله وسببه انه جلوس لا يتبعه حركة ولا قيام بل يسن بعده المكث للتسبيحات والدعاء للحاضرين وانصراف النسوة ونحو ذلك وافترق الأئمة الاربعة في صفة جلوسه صلى (فصل) في قرائته في الركعتين الاخيرتين (وثبت فيه حديث في صحيح مسلم) وغيره كما مر.
(فصل) في تكبيره (كان يكبر في كل خفض ورفع) أخرجه مسلم عن أبى هريرة وأخرجه أحمد والترمذى والنسائي عن ابن مسعود (الارفعه) بالنصب (وجملة التكبيرات) في الصبح احدى عشرة ست في الاولى وخمس في الثانية وفي المغرب سبع عشرة ست في الاولي وخمس في الثانية وخمس في الثالثة وتكبيرة الانتقال من التشهد الاول الى القيام وفي الرباعية اثنتان وعشرون لان فيها زيادة ركعة على المغرب وفيها خمس تكبيرات الي سبع عشرة التي في الثلاث وهذا الذي ذكره بالنسبة الي الامام والمنفرد اما المأموم فيتصور فيه أكثر لاجل المتابعة.
(فصل) في صفة جلوسه في التشهد الاخير (كان يتورك في التشهد الاخير) أخرجه البخاري وغيره عن أبي حميد ورفعه قبل (وسببه انه جلوس) الى آخره ولان ذلك أقرب الى عدم اشتباه عدد الركعات ولأن المسبوق اذا رأى الامام علم في أي التشهدين هو وصفة الافتراش والتورك مشهور في كتب الفقه (وافترق الائمة الاربعة في صفة جلوسه) فذهب مالك وطائفة الى التورك فيهما وذهب أبو حنيفة وطائفة الى
стр. 788
الله عليه وسلم في التشهدين على أربعة أحوال المختار منها ما قررناه أنه ﷺ كان يفترش في الاول ويتورك في الثانى وهو الموافق للاحاديث الصحيحة واليه ذهب الشافعي وثبت انه ﷺ كان اذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة رواه مسلم. وصفة هذا العقد عند الحساب أن يقبض أصابع يمناه ما عدا المسبحة ويجعل الابهام تحت المسبحة وروى البيهقى انه ﷺ عقد في جلوسه للتشهد الخنصر والبنصر وحلق الوسطى بالابهام وأشار بالسبابة رواه ابن حبان مثله.
[فصل في الأحاديث الواردة في ألفاظ التشهد]
(فصل) وثبت عنه ﷺ في لفظ التشهد أحاديث كثيرة في الصحيحين الافتراش فيهما وذهب أحمد وطائفة الى التورك في الاول والافتراش في الثاني (اذا قعد في التشهد) وغيره اذ رواية مسلم اذا قعد في الصلاة (وعقد ثلاثة وخمسين) شرطه عند أهل الحساب كما قال النووي ان يضع طرف الحنصر على البنصر وليس ذلك مرادا بل المراد انه يضع الحنصر على الراحة ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين (عند الحساب) بضم الحاء وتشديد السين المهملتين جمع حاسب (وحلق) بفتح المهملة واللام المشددة.
(فصل) في تشهده (التشهد) تفعل من شهد سمي بذلك لانه مشتمل على الشهادتين تغليبا لهما على سائر اذكاره لشرفهما (أحاديث كثيرة) منها التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود وفي رواية للنسائي سلام بالتكبير وله في أخرى وان محمدا واخرج البيهقى هذا أيضا عن عائشة ومنها التحيات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي موسي ولفظ النسائي أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله ومنها التحيات الطيبات والصلوات والملك لله أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب ومنها بسم الله وبالله التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله واسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك عن جابر ومنها التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبى ورحمة الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخرجه مالك في الموطأ والحاكم في المستدرك عن عمر موقوفا عليه وقد عد ابن الملقن التشهدات الواردة عنه ﷺ في تخريج أحاديث الرافعى فبلغت
стр. 789
وغيرهما وأفضلها عند الشافعى حديث ابن عباس ﵄ ولفظه التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال الرافعى والمنقول انه كان ثلاثة عشر تشهدا (وأفضلها عند) الامام (الشافعي حديث ابن عباس) الذى أخرجه عنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (التحيات) جمع تحية وهي الكلام الذي يحيى به الملك قال في التوشيح قال ابن قتيبة لم يكن يحيى الا الملك خاصة وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله وقال غيره لم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم فقيل التحيات لله أي انواع التعظيم له (المباركات) أي المحقق فيه بانواع البركات (الصلوات) اي الخمس وأعم منها من الفرائض والنوافل في كل شريعة والمراد العبادات كلها أو الدعوات أو الرحمة أو التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية أقوال (الطيبات) هي العبادات المالية أو كل ما طاب من الكلام وحسن ان يثني به على الله او هي الاعمال الصالحة أقوال (السلام عليك أيها النبى) قال في التوشيح الحكمة في ذكر التحيات منه بلفظ الغيبة والسلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب انه كان بين أظهرهم ففي الاستئذان من الصحيح عن ابن مسعود بعد ان ساق حديث التشهد قال وهو بين ظهر انينا فلما قبض قلنا السلام على النبي وكذا أخرجه أبو عوانة وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم قال السبكى وهذا دليل على ان الخطاب غير واجب فيقال السلام على النبي وكذا قال الاسنوي وغيره وقال ابن حجر ولهذا الحديث شاهد قوى قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج اخبرنى عطاء ان الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حي السلام عليك أيها النبى فلما مات قالوا السلام على النبي واخرج سعيد ابن منصور عن ابن عباس قال انما كنا نقول السلام عليك أيها النبى اذ كان حيا انتهي (السلام علينا) فيه استحباب البداءة بالنفس في الدعاء (وعلى عباد الله الصالحين) الاشهر في تفسير الصالح انه القائم بالواجب عليه من حقوق الله وحقوق العباد ويتفاوت درجاته قال الترمذي الحكيم من أراد أن يحيط بهذا السلام الذي سلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدا صالحا والاحرم هذا الفضل العظيم قال الفاكهى ينبغى أن يستحضر في هذا المحل جميع الانبياء والملائكة والمؤمنين وفي فتاوى القفال ان تارك الصلاة يضر بجميع المسلمين لاخلاله بذكر السلام عليهم (فائدة) قال الترمذى وغيره أصح حديث ورد في التشهد حديث ابن مسعود والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وقال به سفيان الثوري وابن المبارك واحمد واسحق قالوا لانه روى عنه من نيف وأربعين طريقا ولان الرواة عنه من الثقاة لم يختلفوا في الفاظه بخلاف غيره ولانه تلقاه من النبي ﷺ تلقينا ولانه ورد بصيغة الأمر ولانه ﷺ أمره أن يعلمه الناس أخرجه احمد وانما رجح
стр. 790
صلى الله عليه وسلم كان يقول في تشهده وانى رسول الله ذكره في كتاب الأذان. واختلف العلماء في وجوب التشهدين فقال جمهور المحدثين هما واجبان لان النبي ﷺ حافظ عليهما وقد قال صلوا كما رأيتموني أصلى وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء هما سنتان ومذهب الشافعي ان الاول سنة والثانى واجب وهو أقواها دليلا لان النبي ﷺ قام عنه في بعض صلواته ولم يعد اليه وجبره بسجود السهو وأما الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الاخير فاوجبها الشافعى وأحمد واسحاق وبعض أصحاب مالك وخالفهم الجمهور فجعلوها سنة وقد تتبعت دليل الوجوب فلم يظهر لى كل الظهور وجميع روايات التشهد خالية عن ذكرها والله أعلم ولا يجب في الاول بلا خلاف فاما الدعاء بعد التشهد فيثبت كونه سنة بالاحاديث الصحيحة الصريحة وهو السابع من المواطن التى يسن فيها الدعاء في الصلاة ويجوز الدعاء بأمور الآخرة والدنيا لقوله ﷺ حين علمهم التشهد ثم ليختر من الدعاء أعجبه اليه وفي رواية ما شاء ومن المأثور فيه اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا اله الا انت الشافعى حديث ابن عباس لانه أجمع اذ فيه زيادة المباركات وهو الموافق للفظ القرآن (كان يقول في تشهده واني رسول الله) وقال غيره بل المنقول انه كان يقول وان محمدا (فقال جمهور المحدثين هما واجبان) وذهب اليه احمد وطائفة (فاوجبها الشافعى واحمد) في أحد الروايتين عنه (واسحاق وبعض أصحاب مالك) واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ اذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم ليصل على النبى ﷺ ثم ليدع بما شاء أخرجه أبو داود والترمذى وابن حبان والحاكم والبيهقى عن فضالة بن عبيد وبحديث ابن مسعودان بشير بن مسعد قال للنبي ﷺ أمرنا الله ان نسلم عليك فكيف نصلى عليك قال قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد أخرجه الشيخان الا صدره فاخرجه مسلم وفي رواية لاحمد وصحيحا ابن حبان والحاكم كيف نصلي عليك اذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال قولوا الى آخره وهذا يدل على ان فرض الصلاة عليه ﷺ في الصلاة كان معروفا عندهم وزعم عياض في الشفاء ان الشافعي شدد في ذلك قال ولا سلف له في هذا القول ولا شبه يتبعها قال وقد بالغ في انكار هذه المسئلة عليه لمخالفته فيها من تقدمه جماعة وسعوا عليه الخلاف فيها منهم الطبري والقشيرى وغير واحد انتهى قال النووى نقل أصحابنا فريضة الصلاة في التشهد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ونقله الشيخ ابو حامد عن ابن مسعود وأبى سعيد الخدرى ورواه البيهقي عن الشعبى (فائدة) لا بأس بزيادة سيدنا في الصلاة عليه ﷺ لما تقرر انه سيد ولد آدم هذا هو المعتمد وخبر لا تسيدوني في الصلاة لا أصل له (ما قدمت) من الذنوب قبل ان أسئل (وما أخرت) أى اذا وقع منى ذنب بعد ذلك ولا مانع من طلب مغفرة ما سيقع اذا وقع
стр. 791
رواه مسلم ومنه اللهم انى اعوذ بك من عذاب القبر واعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات اللهم انى اعوذ بك من المأثم والمغرم رواه الشيخان. وفي سنن ابو داود باسناد صحيح ان النبي ﷺ قال لرجل كيف تقول في الصلاة قال أتشهد واقول اللهم انى أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما انى لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبى ﷺ حولها يدندون* قال العلماء وهذا كله في التشهد الآخر اما الاول فيكره فيه الدعاء لانه مبني على التخفيف قالوا ويسن أن لا يزيد الدعاء على قدر التشهد والصلاة على النبى ﷺ .
(فصل) ثبت انه ﷺ كان يقول بعد التشهد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرتين يلتفت في الاولى على جانبه الأيمن حتى يرى خده الايمن وكذا في الجانب الايسر وبه يخرج من الصلاة وعلى هذا لازم واستمر عمله عليه حتى توفاه الله. ورواه عنه العدد الكثير من الصحابة وعليه واظبوا. ثم ان مذهب الشافعي انه لا يجب الا تسليمة واحدة والثانية سنة وعنده أيضا ان الالتفات الى الجانبين مسنون غير واجب وقال مالك وآخرون تسن تسليمة واحدة* وقال أبو حنيفة لا يجب السلام وعنده يحصل التحلل من الصلاة بكل شيء كقول الشخص اللهم ان فعلت ذنبا فاغفره لى فلا يحتاج الي تأويل (رواه مسلم) وابو داود والترمذي والنسائي عن أنس عن على (فتنة المحيا) ما يعرض للانسان في حياته من الفتنة بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها أمر الخاتمة عند الموت اعاذنا الله من سوء الخاتمة بمنه وكرمه (و) فتنة (الممات) أي الفتنة عند الممات أو فتنة القبر احتمالان (المأثم) هو الاثم (والمغرم) هو الدين (رواه الشيخان) وأبو داود والنسائي عن عائشة وللنسائي فقالت له عائشة ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال ان الرجل اذا غرم حدث فكذب ووعد فاخلف وهو في غير رواية النسائي مع ابهام السائل قال السيوطى سر دعائه ﷺ بذلك تعليم أمته وسلوك طريق التواضع واظهار العبودية والتزام خوف الله تعالى واعظامه والافتقار اليه والرغبة (وفي سنن أبى داود باسناد صحيح) عن بعض أصحاب النبي ﷺ وروى الحديث ابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبى صالح عن أبي هريرة (قال لرجل) قال الخطيب هو سليم الانصاري السلمي (دندنتك) بفتح الدال المهملة المكررة والنون الثانية والفوقية وبين الدالين نون ساكنة قال الهروى قال أبو عبيد هو أن يتكلم الرجل بالكلام يسمع نغمته ولا يفهم وهو مثل الهينمة والهيلمة الا انها ارفع قليلا منها حولها أى حول هذه الدعوة (خاتمة) من اذكار التشهد اللهم انى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا أنت فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى انك أنت الغفور الرحيم أخرجه الشيخان والترمذي والنسائى وابن ماجه عن أبى بكر
стр. 792
ينافيها وينبغى الاحتياط واستعمال السلام مرتين والالتفات فيها الى الجانبين فهو المنقول عن فعل رسول الله ﷺ دواما وقد روي البخاري انه ﷺ قال صلوا كما رأيتمونى أصلي* وقال الله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فقال ﷺ تحريمها التكبير وتحليلها تسليم السلام والله أعلم.
[فصل في أن جميع الأدعية المروية عنه ﷺ رويت بلفظ التوحيد]
(فصل) جميع الأدعية المروية عنه ﷺ في نفس الصلاة رويت بلفظ التوحيد* قال شيخ شيوخنا القاضى مجد الدين الشيرازي فان قيل ورد انه ﷺ قال لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم فان فعل فقد خانهم ثم نقل عن ابن خزيمة انه قال قال هذا الحديث موضوع وقال بعض العلماء ان ثبت هذا الحديث فيكون المراد به دعاء ورد بلفظ الجمع. قلت وظهر لي والله أعلم ان كل دعاء يدعو به الامام ويدعو المأموم بمثله يكون بلفظ الافراد وكل دعاء يؤمن فيه المأموم لدعاء أمامه يكون بلفظ الجمع فان أفرد وقع في النهى وهذا أولى مما ذكره القاضى مجد الدين لأن الحديث الذي نقل عن ابن خزيمة وضعه خرجه أبو داود والترمذى وقال حديث حسن.
[فصل وكان ﷺ ربما سها في صلاته بزيادة أو نقص]
(فصل) وكان رسول الله ﷺ ربما سهى في صلاته بزيادة أو نقص ولا يمنعه من البناء ما فعله على وجه السهو فيثبت من حديث ذى البدين انه صلى الله عليه الصديق وقوله كثيرا ورد في مسلم بالمثلثة وبالموحدة فينبغي الاتيان بهما ومعني قوله من عندك أي بفضلك وان لم يكن أهلا لها يعمل ومنها التعوذ من عذاب جهنم أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائى عن أبي هريرة ومنها اللهم اني أسئلك بالله الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ان تغفر لى ذنوبي انك أنت الغفور الرحيم أخرجه أبو داود والحاكم في المستدرك عن محجن بن الاذرع ومنها اللهم حاسبنى حسابا يسيرا أخرجه الحاكم في المستدرك عن عائشة وقال صحيح على شرط مسلم فصل في السلام (تحريمها التكبير وتحليلها تسليم السلام) أخرجه الترمذي وصححه.
(فصل) في بيان كيفية دعائه ﷺ (فيخص) بفتح الصاد على جواب النهي (هذا الحديث موضوع) أى مختلق كذب (المراد) اسم كان (دعا) خبرها (خرجه أبو داود والترمذي) وابن ماجه عن ثوبان (وقال) الترمذى (حديث حسن) وأخرجه أبو داود أيضا من حديث أبي هريرة
(فصل) في بيان انه ﷺ كان يسهو في الصلاة (ربما سهي في صلاته بزيادة) كصلاته الظهر خمسا أخرجه الشيخان وغيرهما (أو نقص) كسلامه من ركعتين في إحدى صلاتي العشاء أخرجه الشيخان وغيرهما أيضا (ذي اليدين) سمي بذلك لطول يديه أو لأنه كان يعمل بهما جميعا واسمه الخرباق
стр. 793
وسلم سلم في الرباعية من اثنتين ومشى الى الجذع وخرج السرعان ودخل منزله وخرج فلما ذكر رجع وبنى على صلاته وأتمها* قال النووى عند الكلام على هذا الحديث والمشهور في المذهب يعني مذهب الشافعى ان الصلاة تبطل بذلك قال وهذا مشكل وتأويل الحديث صعب على من أبطلها والله أعلم.
[فصل وكان إذا سلّم من صلاته استغفر ثلاثا]
(فصل) كان رسول الله ﷺ اذا سلم استغفر ثلاثا ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والاكرام وكان يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وقال من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده بكسر الخاء وسكون الراء فالموحدة وبعد الالف قاف ابن عمرو (في الرباعية) وكانت صلاة العصر على الصحيح (من اثنتين) في رواية لمسلم عن عمران بن حصين ان رسول الله ﷺ سلم في ثلاث ركعات قال النووي هي قضية ثالثة في يوم آخر (وخرج السرعان) بفتح السين والراء قيل بسكون الراء وقيل بضم السين وسكون الراء جمع سريع وهم المسرعون الي الخروج (وبني على صلاته وأتمها) وسجد للسهو قبل السلام (ان الصلاة تبطل بذلك) أي بالعمل الكثير ولو مع عذر من جهل أو نسيان (وتأويل الحديث صعب على من أبطلها) فمن ثم اختار في التحقيق عدم بطلان الصلاة بالعمل الكثير مع العذر.
(فصل) في اذكاره بعد السلام (كان اذا سلم) ولفظ الحديث كان اذا انصرف من صلاته (استغفر ثلاثا إلى قوله والاكرام) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن ثوبان زاد البزار بعد قوله استغفر ثلاثا ومسح بيده اليمنى قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي استغفاره ﷺ عقب الفراغ من الصلاة استغفار من رؤية الصلاة (اللهم أنت السلام) أى هذا من جملة أسمائك الحسني التى أمرتنا ان ندعوك بها ومنك السلام أي نطلب منك السلام وقيل منك السلام على أوليائك في الجنة واليك يعود أي يرجع السلام أي منشأه ومبدأه من قبلك لا يرجي الا منك (يا ذا الجلال) كذا بحرف النداء لمسلم عن عائشة ولغيره بحذفها (لا اله الا الله وحده لا شريك له الى قوله قدير) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائى عن عبد الله بن الزبير وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى عن المغيرة بن شعبة مع زيادة (اللهم لا مانع لما أعطيت الى آخره) زاد البخارى والنسائي انه كان يقول التهليل وحده ثلاث مرات (ذا الجد) بفتح الجيم أي ذا الحظ والغنى (منك الجد) أى لا ينفعه منك جده أي حظه وغناه وروي بكسر الجيم وهو بمعنى الهرب أى لا ينفع ذالهرب منك هربه (من سبح الله دبر كل صلاة الى آخره) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة وللنسائي من سبح دبر كل صلاة مكتوبة مائة وكبر مائة
стр. 794
لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت له خطاياه وان كانت مثل زبد البحر وكان يقول في دبر كل صلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة الا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد الا اياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون وكان يتعوذ في دبر كل الصلوات بهؤلاء الكلمات. اللهم انى أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك ان أرد الى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر كل هذه الأحاديث مروية في الصحيحين أو في أحدهما فينبغى الاعتماد عليها وأجلها حديث التسبيح ثلاثا وثلاثين لكونه ورد في الصحيحين من طرق عديدة بوعود مختلفة وأحاديث هذا الباب واسعة ليس هذا موضع بسطها والله أعلم* ويستحب الدعاء عقيب الصلاة لما روى عن أبى امامة قال قيل يا رسول الله صلى الله عليك وسلم أي الدعاء أسمع قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات* قال الترمذى حديث حسن. وروى معاذ بن جبل قال أخذ رسول الله ﷺ بيدى وقال يا معاذ والله انى لأحبك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة. اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك رواه أبو داود والترمذى باسناد صحيح. قال المؤلف كان الله له وهذا ما يسر الله ذكره من شرح صلاة رسول الله ﷺ على سبيل الاختصار والافهى تحتمل مجلدا ضخما بل مجلدات والذى قصدنا وهلل مائة وحمد مائه غفرت ذنوبه وان كانت أكثر من زبد البحر وهو وسخة (لا اله الا الله وحده لا شريك له الى قوله الكافرون) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير (الجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة الخور والضعف (أرذل العمر) أضعفه والسن التى ينتهي فيها الشخص الى الهرم والخرف (اللهم اني أعوذ بك من فتنة الدنيا الى آخره) أخرجه البخارى والترمذي والنسائى عن سعد بن أبي وقاص (وأحاديث هذا الباب واسعة) منها قراءة المعوذات أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان عن عقبة بن عامر وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ومنها لا اله الا الله عشر مرات أخرجه الترمذي عن ابن عباس وقال حسن غريب ومنها قراءة آية الكرسى أخرجه النسائي عن أبي امامة ومنها رب قنى عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن البراء وأخرجه أيضا أبو عوانة عنه وعنده يوم تبعث من غير شك ومنها اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا اله الا أنت أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه عن على وأخرجه مسلم مختصرا (رواه أبو داود والترمذى) والنسائي والحاكم وابن حبان (باسناد صحيح) قال الحاكم على شرط الشيخين (ضخما) بفتح الضاد وسكون الخاء المعجمتين أى
стр. 795
التعريف بالعادات النبوية في الصلوات وما أهمل الناس فيها فهي من السنن المأثورات.
[فصل أذكر فيه أنواعا من الصلوات وأقدم عليه فيما اتفق عليه الشيخان]
(فصل) اذكر فيه أنواعا من الصلوات وأقدم عليه ذكر شيء من رواياته المكتوبات فمنه ما اتفق عليه الشيخان انه ﷺ كان يصلى ركعتين خفيفتين قبل الفجر وركعتين قبل الظهر وكذا بعدهما وركعتين بعد المغرب والعشاء والجمعة. وروى البخارى عن عائشة انه ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر. وروى مسلم عنها انه كان يصليهن في بيته وروى الترمذى انه ﷺ كان يصليهن وقال انها ساعة تفتح فيها أبواب السموات وأحب ان يصعد لى فيها عمل صالح. وروى غيره انهن يعدلن بصلاة السحر وانهن ليس بينهن تسليم. وقال ﷺ من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار رواه الترمذي والحاكم وصححه. وروي الترمذى وحسنه انه صلى الله عظيما (التعريف) بالرفع خبر الذي (خاتمة) أخرج العقيلى بسند فيه ضعف عن أبى سعيد قال كان رسول الله ﷺ اذا سلم من الصلاة قال ثلاث مرات سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين واخرج أبو داود والنسائي عن زيد بن أرقم قال سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر الصلاة اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد انك الرب وحدك لا شريك لك اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد ان محمدا ﷺ عبدك ورسولك أنا شهيد ان العباد كلهم اخوة اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلنى مخلصا لك وأهلى في كل ساعة في الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والاكرام اسمع واجب الله الاكبر الاكبر الاكبر الله نور السموات والارض الله الاكبر الاكبر الاكبر حسبى الله ونعم الوكيل الله الاكبر الاكبر الاكبر وأخرج النسائي والحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط مسلم عن أبى بكرة انه ﷺ كان يقول في دبر الصلاة اللهم انى أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر واخرج الحاكم في المستدرك عن أبي أيوب الانصارى قال ما صليت وراء نبيكم ﷺ الا سمعته حين ينصرف من صلاته يقول اللهم اغفر لى خطاياي وذنوبي كلها اللهم العشنى واحيني وارزقني واهدنى لصالح الاعمال والاخلاق انه لا يهدى لصالحها ولا يصرف سيئها الا أنت.
(فصل) في ذكر أنواع من الصلوات (ما اتفق عليه الشيخان) عن ابن عمر وأخرجه عنه أيضا مالك وأبو داود والنسائى (والجمعة) في رواية وكان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين في بيته (وروى البخاري عن عائشة) أخرجه عنها أبو داود والترمذي (أربعا قبل الظهر) تتمته وركعتين قبل الغداة (وروي غيره انهن يعدلن بصلاة السحر) أخرجه الطبراني في الاوسط عن أنس بلفظ أربع قبل الظهر كعدلهن بعد العشاء وأربع بعد العشاء كعدلهن من ليلة القدر (وانهن ليس بينهن تسليم) أخرجه أبو داود والترمذى في الشمائل وابن ماجه وابن خزيمة عن أبي أيوب (حرمه الله على النار) أي لا يدخلها أبدا فان دخلها لم يخلد ففي ذلك بشارة له بحسن الخاتمة (رواه) أبو داود و (الترمذي) والنسائى وابن ماجه (والحاكم)
стр. 796
عليه وسلم كان يصلى أربعا قبل العصر يفصل بينهما بالتسليم. وروى هو وأبو داود انه ﷺ قال رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا حسنه الترمذى وصححه ابن حبان وسكت عنه أبو داود. وخص رسول الله ﷺ ركعتين قبل المغرب فروى البخارى انه ﷺ قال صلوا قبل صلاة المغرب قالها ثلاثا فقال في الثالثة لمن شاء كراهة ان يتخذها الناس سنة قال المحدثون المراد بالسنة هى الطريقة اللازمة لا المعنى المصطلح عليه. ورواه أبو داود ولفظه صلوا قبل المغرب ركعتين وفي الصحيحين ان كبار الصحابة كانوا يبتدرون السواري لهما اذا أذن للمغرب. وفي رواية لمسلم حتى ان الغريب ليدخل المسجد فيحسب ان الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها وفيهما أيضا حديث بين كل أذانين صلاة وهو ثابت في الصحيحين وهو دليل أيضا على استحباب ركعتين قبل العشاء وبين يدي كل صلاة مكتوبة. قال العلماء شرطهما أن لا تصليا بعد شروع المؤذن في الاقامة ولا يفوتا فضيلة تحرم الامام. قلت تسن المواظبة ما دكرنا أولا مما أتفق عليه الشيخان فهو الموافق لقوله ﷺ من صلى ثنتى عشرة ركعة في يوم وليلة بنى له بهن بيت في الجنة رواه مسلم. وفي رواية له أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وبعد العشاء وقبل صلاة الفجر وأخرج ركعتى الجمعة وهو موافق لهذا العدد أيضا والله أعلم. ومنه الوتر وقد حض النبى ﷺ عليه فقال ان الله وتر يحب الوتر فاوتروا يا أهل القرآن وقال ان الله قد أمركم بصلاة هى خير وصححه عن أم حبيبة (كان يصلي أربعا قبل العصر) أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان عن على ولابي داود عن على أيضا كان يصلي قبل العصر ركعتين ولا معارضة بينهما بل كان يفعل هذا تارة وهذا اخرى (وروى هو) أى الترمذي (وأبو داود) وابن حبان عن ابن عمر (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا) للطبراني من حديث ابن عمر ومن صلى قبل العصر أربعا حرمه الله على النار (فروى البخاري) عن عبد الله بن معقل المزنى (يبتدرون السواري) أى يصلونهما بجنبها (فيحسب ان الصلاة قد صليت) أي وان الناس يصلون راتبة المغرب المؤخرة (بين كل أذانين) يعني بين الاذان والاقامة (شرطهما) أي شرط كونهما مطلوبتين وليس المراد بشرط صحتهما (تصليا) بالفوقية (بعد شروع المؤذن في الاقامة) أو قريبة من الشروع لان ما قارب الشيء أعطى حكمه (ثنتي عشرة ركعة) تطوعا (بنى له بهن بيت) في رواية بنى الله له بيتا (رواه) أحمد و (مسلم) وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أم حبيبة (ومنه الوتر) بفتح الواو وكسرها (فأوتروا يا أهل القرآن) الحكمة في تخصيصهم طلب التيقظ منهم بالليل لدراسته وتلاوته في وترهم (قد أمركم) في رواية أمدكم بالمهملة من الامداد وفي أخرى قد زادكم رواهما أبو داود
стр. 797
لكم من حمر النعم وهى الوتر فاجعلوها فيما بين العشاء الى طلوع الفجر رواهما أبو داود والترمذى. واختلفت عادات النبي ﷺ في وقته فروت عائشة قالت من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أول الليل ومن أوسطه وآخره وانتهى وتره الى السحر متفق عليه. وعن جابر رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فان صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل رواه مسلم. واختلف العلماء في عدده بحسب اختلاف الروايات من ركعة الى ثلاث عشرة وغالب الاحوال ثلاث وعليه العمل أكثر واختلفوا هل الوتر التهجد الذى أمر الله نبيه به أم هو غيره والصواب أنه غيره وانما هما صلاتان مهما سمي أحدها باسم الآخر توسعا وأطلق على ذلك أكثر الروايات. وكان رسول الله ﷺ ربما فصله وربما وصله والفصل أكثر. ومذهب الشافعى ان أفضل الرواتب الوتر ثم ركعتا الفجر وقد قال بعض العلماء بوجوبهما وثبت في صحيح مسلم ان النبى ﷺ قال أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل
[فائدة يشرع القنوت في الفجر والوتر]
(فائدة) يشرع القنوت في الفجر والوتر وفي سائر المكتوبات للنازلة (والترمذى) عن على وروي الاول أيضا ابن ماجه عن ابن مسعود ورواه أبو نصر عن أبي هريرة وعن ابن عمر (ربما فصله) قالت عائشة كان يوتر بخمس لا يجلس الا في آخرها وفي رواية اخرى يصلى تسع ركعات لا يجلس الا في الثامنة ولا يسلم ثم يقوم فيصلى التاسعة ثم يسلم أخرجهما مسلم (وربما وصله) كما في حديث ابن عباس ليلة بات عند خالته ميمونة وفي الصحيحين من حديث عائشة كان يصلى ما بين ان يفرغ من صلاة العشاء الي الفجر احدي عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة (أفضل الرواتب الوتر) للخلاف في وجوبه (ثم ركعتا الفجر) كقوله ﷺ ركعتا الفجر خير من الدنيا وما عليها أخرجه مسلم والترمذى والنسائي عن عائشة ثم باقى الرواتب (وثبت في صحيح مسلم) وسنن أبي داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبي هريرة وفي مسند الرويانى والطبراني في الكبير عن جندب (أفضل الصلاة لغير المكتوبة صلاة الليل) تتمته وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم والحديث في صلاة الليل محمول على النفل المطلق (فائدة) كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر في الركعات الثلاث سبح اسم ربك الاعلى في الاولى والكافرون في الثانية والاخلاص والمعوذتين في الثالثة أخرجه أبو داود والترمذى وحسنه النسائي والدار قطنى عن أبيّ بن كعب (يشرع القنوت في) صلاة (الفجر) للاتباع كما أخرجه أحمد في مسنده عن أنس وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبى هريرة وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن الحسن (و) في (الوتر) لحديث الحسن بن على الآتي (وفي سائر) أى باقى (المكتوبات للنازلة) ففي الصحيحين عن أنس قنت رسول الله ﷺ شهرا في الصلاة يدعو على احياء من العرب رعل
стр. 798
ومحله قبل الركوع عند مالك وبعده عند الشافعى ولكليهما حجة ثابتة في الصحيحين وقد اختار بعض المحدثين ان يقنت في الفجر بعد الركوع وفي الوتر قبله عملا بالأمرين ثم ان مذهب الشافعى أنه لا يندب في الوتر الا في النصف الثانى من رمضان والمختار استمراره في جميع السنة لاطلاق حديث الحسن بن على عن جده ﷺ وهو ما رواه الحفاظ بالاسناد الصحيح عن الحسن بن على رضى الله عنهما. قال علمنى جدى رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر اللهم اهدنى فيمن هديت وذكر الحديث قال الترمذي ولا يعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيأ أحسن من هذا. قال محمد بن الحنفية وهو الذى كان يدعو به في صلاة الفجر
[فائدة فيما كان يقوله ﷺ بعد الوتر]
(فائدة أخرى) رواه ابو داود وغيره باسانيد صحيحة ان النبى ﷺ كان يقول بعد الوتر ثلاث مرات سبحان الملك القدوس ويرفع صوته بالثالثة. واذا قد فرغنا من المكتوبات ورواتها فنشرع الآن في ذكر الصلوات وذكوان وعصية وهم الذين قتلوا السبعين ببئر معونة وأخرجه أبو داود عن ابن عباس والدعاء كان لدفع تمرد القاتلين على المسلمين لا بالنظر الى المقتولين اذ لا يمكن تداركهم (ولكليهما حجة ثابتة في الصحيحين) وغيرهما (لا يندب في الوتر الا في النصف الثاني من رمضان) لان عمر رضى الله عنه جمع الناس على أبيّ بن كعب في التراويح فلم يقنت الا في النصف الثاني أخرجه أبو داود وأخرج المنذري في تخريج أحاديث المهدى وصححه عن عمر قال السنة اذا انتصف رمضان ان يلعن الكفرة في الوتر بعد ما يقول سمع الله لمن حمده (والمختار) في التحقيق وهو أقوي من حيث الدليل قال في المجموع (وهو ما رواه الحفاظ) أبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه (كلمات أقولهن في الوتر) ولاحمد بن الخواس في قنوت الوتر زاد الحاكم اذا رفعت رأسى ولم يبق الا السجود (اللهم اهدنى فيمن هديت وذكر الحديث) أي وعافنى فيمن عافيت وتولنى فيمن توليت وبارك لى فيما أعطيت وقنى شر ما قضيت انك تقضي ولا يقضي عليك وفي الترمذى واحدى روايات النسائي فانك بالفاء وانه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت وزاد النسائي فيه ولا يعز من عاديت وفي رواية له وصلى الله على النبي (وقال محمد بن) على بن (الحنفية) وهي امه واسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة (كان أبي) يعنى عليا (رواه أبو داود وغيره باسانيد صحيحة) عن أبيّ بن كعب وأخرجه عنه أيضا النسائي والدار قطنى في السنن (ويرفع صوته) للدار قطني ويمد صوته (في الثالثة) زاد ويقول رب الملائكة والروح وأخرج أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه عن على ان رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره اللهم انى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك أعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك قال الترمذى حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه من حديث حماد بن سلمة وللنسائي في احدى رواياته اذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه
стр. 799
المتفرقات التى وعدنا بذكرها أولاهن بالذكر أولا الجمعة وقد أمر الله بها وحض النبي ﷺ على فعلها وأوعد العقوبة على تركها وأطنب في وصف يومها. عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من توضأ فاحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغى. وعنه عن النبي صلى وفيها لا أحصي ثناء عليك ولو حرصت ولكن أنت كما أثنيت على نفسك (الجمعة) بضم الميم وسكونها وفتحها وكسرها والاشهر الاول ثم ما يليه على الترتيب سمى بذلك لان كمال الخلائق جمع فيه أخرجه أبو حذيفة والبخاري في المبتدا بسند فيه ضعف أو لجمع خلق آدم فيه أخرجه أحمد وابن خزيمة من حديث سلمان وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند قوي عن أبي هريرة موقوفا وأخرجه عنه أحمد مرفوعا لكن بسند فيه ضعف وأول من سماه بذلك الانصار حين جمع بهم أسعد بن زرارة ذكره عبد بن حميد عن ابن سيرين أو كعب ابن لؤي أخرجه الزبير بن بكار في كتاب النسب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعا أو قصي ذكره تعلب في اماليه او لاجتماع الناس للصلاة فيه ذكره ابن حزم وقال انه اسم اسلامي لم يكن في الجاهلية وانما كان يسمي العروبة ورد هذا بان أهل اللغة ذكروا ان العروبة اسم قديم كان في الجاهلية قيل وأول من سماه العروبة كعب بن لؤى ذكره الفراء وغيره والاكثرون على انها فرضت بالمدينة وبه جزم البغوي في التفسير لكن الصحيح ما قاله الشيخ أبو حامد انها فرضت بمكة زاد غيره ليلة الاسراء مع فرض الصلوات الخمس ويدل عليه حديث أبي داود وابن خزيمة عن كعب بن مالك كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ أسعد بن زرارة وانما لم يصلها رسول الله ﷺ بمكة لعدم التمكن من ذلك فقد كانوا يستخفون بالصلاة فضلا عنها (وقد أمر الله بها) في قوله تعالي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الآية (عن أبي هريرة) أخرجه عنه مسلم (من توضأ) فيه دليل على عدم وجوب غسل الجمعة مع قوله من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائى عن سمرة بن جندب وحسنه الترمذي وصححه أبو حاتم الرازى (فاحسن الوضوء) فيه طلب تحسين الوضوء قال النووى ومعنى احسانه الاتيان ثلاثا ثلاثا وذلك الاعضاء واطالة الغرة والتحجيل وتقديم الميامن والاتيان بسننه المشهورة (فاستمع) أي اصغ (وأنصت) أى سكت وفي بعض نسخ مسلم أنتصت بزيادة فوقية وكذا نقله عياض عن الباجي وآخرين ثم قال وهو وهم قال النووي ليس وهما بل هي لغة صحيحة يقال أنصت ونصت وانتصت بمعني (وزيادة) بالنصب (ثلاثة أيام) قال العلماء لان الحسنة بعشر أمثالها وفعله ما ذكر في يوم الجمعة حسنة فضوعفت الى عشر من الجمعة الى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام (ومن مس الحصي فقد لغي) أخرج هذه الزيادة أيضا ابن ماجه عن أبي هريرة قال النووى فيه النهى عن مس الحصى ونحوه من أنواع العبث في حالة الخطبة وفيه اشارة الى اقبال القلب والجوارح على الخطبة والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود انتهي (وعنه) أى عن أبى هريرة
стр. 800
الله عليه وسلم قال الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن اذا اجتنبت الكبائر. وعنه وعن ابن عمر أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين.
وعنه قال قال رسول الله ﷺ خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها. وعنه ان رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله تعالى شيئا الا أعطاه اياه وأشار (الصلوات الخمس الى آخره) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي (والجمعة الي الجمعة) أي في حق من صلاها وفيمن تركها لعذر قولان (ورمضان الى رمضان) أي في حق من صامه وفيمن تركه لعذر قولان أيضا (اذا اجتنبت الكبائر) ليس المراد ان اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصغائر بل المراد ان الكبائر لا تكفر بذلك بل الصغائر فقط هذا هو الصحيح نعم قال النووي اذا لم يكن له صغائر رجونا أن يخفف عنه من الكبائر (فائدة) قال النووي قد يقال اذا كفر الذنوب الوضوء فماذا تكفر الصلوات والجمعات ورمضان وصوم عرفة وعاشوراء وتأمين الملائكة قال والجواب ما أجاب به العلماء ان كل واحد من المذكورات صالح للتكفير فان وجد ما يكفره من الصغائر كفره وان لم يصادف كبيرة ولا صغيرة كتبت به حسنات ورفعت به درجات (وعنه) أي عن أبي هريرة (وعن ابن عمر) أخرجه عنهما مسلم وأخرجه النسائي عن أبي هريرة فقط (لينتيهن) هى لام القسم (ودعهم) بفتح الواو وسكون المهملة أى اتركهم (أو ليختمن الله على قلوبهم) أي ليطبعن عليها ويعطبها والرين مثل الطبع وقيل الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الاقفال قال عياض اختلف المتكلمون في هذا اختلافا كثيرا فقيل هو اعدام اللطف وأسباب الخير وقيل خلق الكفر في صدورهم وهو قول أكثر متكلمى أهل السنة وقال غيرهم هو الشهادة عليهم وقيل علامة جعلها الله في قلوبهم يعرفهم بها الملائكة (ثم ليكونن) بضم النون (وعنه) أي عن أبى هريرة (خير يوم طلعت عليه الشمس الى آخره) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وابن حبان في صحيحه (فيه خلق آدم الى آخره) قال عياض الظاهر ان هذه الفضائل المعدودة ليست لذكر فضيلة لان اخراج آدم من الجنة وقيام الساعة لا تعد فضيلة وانما هو بيان ما وقع فيه من الامور العظام وما يشفع لتأهب العبد فيه بالاعمال الصالحة لينل رحمة الله تعالى ودفع نقمته وقال ابن العربى في الاحوذي الجمع بين الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والانبياء والصالحين والاولياء ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أو طار ثم يعود اليها وأما قيام الساعة مسبب لتعجيل جزاء النبيين والصديقين والاولياء وغيرهم واظهار كراماتهم وشرفهم (وعنه) أى عن أبي هريرة أخرجه عنه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى وابن ماجه (لا يوافقها) أي يصادفها (وهو قائم) حال منه مرادفة أى مبدأ حاله (يصلى) حال من ضمير يوافقها (سأل الله) حال من ضمير قائم أو جملة تفسيرية لقائم أو بدل منه (شيئا) للمحاري في الطلاق خبرا ولابن ماجه ما لم يسأل حراما ولاحمد ما لم يسأل انما أو قطيعة رحم (وأشار)
стр. 801
بيده يقلبها روى جميعها مسلم والاحاديث في هذا المعنى كثيرة معلومة وبالجملة فهو يوم مشتمل على فوائد وخصائص لا توجد في غيره. ذكر بعضهم في خواصه اثنتين وثلاثين خاصية واختلف العلماء فيه وفي يوم عرفة أيهما أفضل وذلك فيما لو قال لزوجته أنت طالق في أفضل الايام.
واختلفوا أيضا في تعين ساعة الاجابة فيه على أحد عشر قولا أرجحهما ما ثبت في صحيح مسلم أنها ما بين أن يجلس الامام على المنبر الى ان يقضى الصلاة ويتلوه في الرجحان ما ثبت في يعنى رسول الله ﷺ كما أخرجه مالك من رواية أبي مصعب (يقللها) ولمسلم في رواية وهي ساعة حقيقة (روي جميعها مسلم) وغيره ممن ذكرته (ذكر بعضهم) هو ابن قيم الجوزية (اثنتين وثلاثين خاصية) وهى هيئتها وانها يوم عيد ولا يضام منفردا وقراءة الم تنزيل وهل أتي في صبيحتها والجمعة والمنافقين فيها والغسل لها والتطيب والسواك ولبس أحسن ثيابه وتبخير المسجد والتكبير والاشتغال بالعبادة حتى يخرج الخطيب والخطبة والانصات وقراءة الكهف ونفي كراهة النافلة وقت الاستوى ومنع السفر قبلها وتضعيف أجر الذاهب اليها بكل خطوة أجر سنة ونفي حر جهنم في يومها وساعة الاجابة وتكفير الآثام وانها يوم المزيد والشاهد والمدخر لهذه الامة وخير أيام الاسبوع ويجتمع فيه الارواح ولا تخص ليلتها بقيام وقراءة الجمعة والمنافقين في عشاء ليلتها والكافرين والاخلاص في مغرب ليلتها والامان من عذاب القبر لمن مات في يومها وليلتها واختصاص صلاتها بفرض الجماعة في الاولى والعدد المختلف فيه انتهى وفي هذه التى ذكرها أشياء ليست من خصائصها وهي كراهة صوم يومها منفردا فان السبت والاحد مشاركا لها في ذلك والغسل فان العيد والكسوف والاستسقاء وغيرهما مما يحصل فيه الاجتماع يشاركونها فيه والسواك فانه سنة لكل صلاة ولبس أحسن ثيابه كذلك وساعة الاجابة فان الليل فيه ذلك أيضا (ايهما أفضل) والقائلون بتفضيل الجمعة يستدلون بحديث خير يوم طلعت عليه الشمس الى آخره (فيما لو قال لزوجته أنت طالق في أفضل الايام) وفيه وجهان للاصحاب أصحهما انها تطلق يوم عرفة ما لم يقصد يوم الجمعة والا وقعت فيه أما اذا قال أنت طالق في أفضل أيام السنة تطلق يوم عرفة قطعا (واختلفوا أيضا) في ساعة الجمعة هل رفعت أو هي باقية والصحيح الثاني وعليه هل هي في جمعة واحدة من كل سنة أو في كل جمعة والصحيح الثاني وعليه هل هى مبهمة أو معينة والصحيح الثاني وعليه هل يستوعب الوقت أو يبهم فيه والصحيح الثانى وعليه ما ابتداؤه وما انتهاؤه وهل يستمر أو ينتقل وعليه هل يستغرق الوقت أو بعضه (على أحد عشر قولا) بل على نحو خمسة وأربعين قاله في التوشيح قال وقد بسطتها في شرح الموطأ وأقرب ما قيل في تعيينها انها عند أذان الفجر أو من طلوع الفجر الي طلوع الشمس أو أول ساعة بعد طلوع الشمس أو آخر الساعة الثالثة من النهار أو عند الزوال أو عند أذان صلاة الجمعة أو من الزوال الى خروج الامام أو منه الى احرامه بالصلاة أو الى غروب الشمس أو ما بين خروج الامام الى أن تقام الصلاة أو (ما ثبت في صحيح مسلم) عن أبي موسى مرفوعا (انها ما بين ان يجلس الامام على المنبر الى أن يقضى الصلاة) أو ما بين أول الخطبة والفراغ منها أو عند الجلوس بين الخطبتين أو عند
стр. 802
حديث آخر صحيح انها بعد صلاة العصر وأنها آخر ساعة من النهار وعلى هذا اكثر الصحابة والتابعين والله أعلم
[فائدة فيما ذكر من أوقات الإجابة وأماكنها]
(فائدة) حصر الشيخ الامام الحافظ ابو الخير الجزري في كتابه العدة اوقات الاجابة واحوالها واماكنها فقال ليلة عرفة ويوم عرفة وليلة القدر وشهر رمضان وليلة الجمعة ويوم الجمعة وساعة الجمعة وهى ما بين أن يجلس الامام على المنبر الى أن يقضى الصلاة قال والأقرب انها عند قراءته الفاتحة حتى يؤمن وجوف الليل ونصفه الثانى ونصفه الآخر ووقت السحر. وعند النداء بالصلاة وبين الاذان والاقامة وبعد الحيعلتين للمخبت المكروب وعند الاقامة وعند الصف في سبيل الله وعند التحام القتال ودبر الصلوات المكتوبات وفي السجود وعقيب تلاوة القرآن لا سيما الختم وعند قول الامام ولا الضالين وعند شرب ماء زمزم وصياح الديكة واجتماع المسلمين وفي مجالس الذكر وعند تغميض الميت وعند نزول الغيث وبين جلالتي سورة الانعام وعند رؤية الكعبة وفي المساجد الثلاثة وفي الطواف وعند الملتزم وفي داخل البيت وعند زمزم وعند نزول الامام من على المنبر أو عند اقامة الصلاة أو من اقامة الصلاة الي تمامها وورد في سنن الترمذى مرفوعا أو هى الساعة التى كان النبي ﷺ يصلى فيها الجمعة أو من صلاة العصر الى غروب الشمس أو في صلاة العصر أو بعد العصر الى آخر وقت الاختيار أو من حين اصفرار الشمس الى أن تغيب (ما ثبت في حديث آخر صحيح) أخرجه ابو داود والحاكم عن جابر مرفوعا وأصحاب السنن عن عبد الله بن سلام موقوفا (انها آخر ساعة من النهار) أو اذا تدلي نصف الشمس للغروب أخرجه البيهقى وغيره عن فاطمة مرفوعا قال في التوشيح فهذه خلاصة الاقوال وباقيها يرجع اليها انتهى وقال المحب الطبرى أصح الاحاديث فيها حديث أبي موسي وأشهر الاقوال قول عبد الله بن سلام واختلف السلف في ترجيح القولين فرجح البيهقي وابن الغربى والقرطبي الاول قال النووى وهو الصحيح أو الصواب ورجح الثاني ابن حنبل واسحاق بن راهويه وابن عبد البر وجماعة وقد اورد ابو هريرة على عبد الله بن سلام انها ليست ساعة صلاة وقد ورد النص بالصلاة فاجابه ان منتظر الصلاة في حكم المصلي وهذا كما قاله في التوشيح وارد على حديث ابي موسي أيضا اذحال الخطبة ليس ساعة صلاة قال العلماء (فائدة) ابهامها كليلة القدر واسم الله الاعظم بعث الدواعى على التأهب بالاكثار من الصلاة والدعاء وان يدعى الله بجميع أسمائه الحسنى والا لا تكل الناس على ذلك وتركوا ما عداه (ابو الخير) اسمه محمد بن محمد (الجزرى) منسوب الي جزيرة ابن عمر لانه ولد بها وكانت وفاته بشيراز سنة ثلاث وثلاثين وثماثمائة (في العدة) أى عدة الحصن الحصين (ليلة عرفة ويوم عرفة الى آخر ما ذكره) احاديث ذلك مشهورة فلا نطيل بسردها (للمخبت) بالمعجمة فالموحدة فالفوقية (لا سيما) بالتشديد والتخفيف فالواو هي لاولوية ما بعدها بالحكم مما قبلها لا مستثنى بها والا فصح جرما بعدها وتقديم لا عليها بل قال المحققون حذفها لحن والسي لغة الميل وما صلة (وصياح) بضم اوله وكسره (الديكة) جمع الديك وهو بوزن العنبة
стр. 803
الصفا والمروة وخلف المقام وفي عرفات والمزدلفة ومنى وعند الجمرات الثلاث وعند قبور الانبياء ولا يصلح قبر نبي بعينه سوى قبر نبينا محمد ﷺ فقط بالاجماع وقبر ابراهيم ﵊ داخل السورة من غير تعيين. قال وجرب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين بشروط معروفة
[فرع في تعيين وقت الجمعة]
(فرع) وقت الجمعة وقت الظهر وكان ﷺ يبكر بالخروج اليها وكان خروجه متصلا بالزوال وذلك بعد انقضاء الساعة السادسة وحض على التكبير فرواه أبو هريرة ان رسول الله ﷺ قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الاولى فكانما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكانما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكانما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكانما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكانما قرب بيضة فاذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر أخرجه البخارى ومسلم قال مالك وبعض أئمة الشافعية (بشروط معروفة) وفي الخشوع والخضوع واستعمال الادب بترك العبث ونحوه وكمال الاعتقاد واستحضار كونه واسطة بينه وبين ربه (وقت الجمعة وقت الظهر) عند سائر العلماء من الصحابة فمن بعدهم الا ابن حنبل واسحاق فجوزاها قبل الدخول مستدلين بحديث سهل بن سعد ما كنا نقيل ولا سعدا الا بعد الجمعة وهو في الصحيحين وغيرهما وهذا الحديث وما أشبهه من الاحاديث محمول عند الجمهور على المبالغة في تعجيلها وانهم كانوا يؤخرون الغداة والقيلولة في هذا اليوم الى ما بعد صلاة الجمعة لانهم ندبوا الى التكبير فلو اشتغلوا شيئا من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التكبير اليها (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) قال النووى أى كغسل الجنابة في الصفات هذا هو المشهور في تفسيره وقال بعض أصحابنا في كتب الفقه المراد غسل الجنابة حقيقة قالوا ويستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه انتهي قال في الديباج فيه حديث مشهور في شعب الايمان من حديث أبى هريرة مرفوعا أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل جمعة فان له أجرين اثنين اجر غسله وغسل امرأته (ثم راح) أي ذهب أول النهار كما في الموطأ في الساعة الاولى وراح يستعمل في جميع الاوقات بمعنى ذهب قاله الازهري وأنكر على من قال لا يكون الرواح الا بعد الزوال (قرب بدنة) أى تصدق بها متقربا الى الله تعالى أوساقها هديا الى البيت والبدنة هي البعير ذكرا كان أو أنثى والهاء للوحدة لا للتأنيث (كبشا أقرن) انما وصفه بذلك لانه أكمل وأحسن صورة ولان قرنه ينتفع به (دجاجة) بتثليث الدال يقع على الذكر والانثى (بيضة) يقرب ان المراد بها بيضة الدجاجة (حضرت الملائكة يستمعون الذكر) لمسلم في رواية طوو الصحف زاد النسائى فلم يكتبوا أحدا (أخرجه) مالك (والبخاري ومسلم) والنسائى زاد في رواية بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضة وفي أخرى بعد الكبش دجاجة ثم عصفور ثم بيضة اسنادهما صحيح (وبعض أئمة الشافعية)
стр. 804
المراد بالساعات هي لحظات لطيفة بعد الزوال ومذهب الجمهور أنها من أول النهار وانها من طلوع الفجر لا من طلوع الشمس وفي هذا الحديث تأكيد غسل الجمعة وانه يعم الرأس وجميع البدن كغسل الجنابة وقد أوجبه بعض الصحابة وكثيرون من السلف ومذهب الجمهور انه سنة مؤكدة ولكل المذهبين دليل ظاهر من الحديث والله أعلم. ثم اختلف العلماء في العدد الذي ينعقد بهم الجمعة وأين تقام على أقوال كثيرة منتشرة غاية الانتشار مع اتفاقهم انها لا تصح الا في جماعة وبلد جامع قال ابن الصلاح وغيره من أئمة المحدثين لم يثبت في تقدير عدد الجمعة خبر ثابت وأفتى كثيرون من متأخرى أصحاب الشافعى باقامتها بدون أربعين وهو قول قديم للشافعى اختار جماعة منهم ان تصلى جمعة ثم تعاد ظهرا وهو النهاية في الاحتياط والله أعلم (فائدة) يستحب قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة كالقاضي حسين وامام الحرمين (المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال) وعلى ذلك جرى في أهل الروضة لئلا يستوى فيها رجلان جاء في طرفي ساعة ولانه لو أريد ذلك لاختلف الامر في اليوم الثاني في الصائف (ومذهب) الشافعى و (الجمهور انها من أول النهار وانها من طلوع الفجر لا من طلوع الشمس) وعلى ذلك جرى النووي في شرح المهذب ومسلم قال لكن بدنة الأول أكمل من بدنة الاخير وبدنة المتوسط متوسطة كما في درجات صلاة الجماعة القليلة والكثيرة أي فالمراد ساعات النهار الفلكية اثنا عشر ساعة زمانية صيفا كان أو شتاء والعميرة بخمس ساعات منها طال الزمان أو قصر قال الغزالى الساعة الاولى الى طلوع الشمس والثانية الى ارتفاعها والثالثة الى انبساطها حتى يرمض العضال والرابعة والخامسة الى الزوال (فائدة) أول من قدر النهار اثنى عشرة ساعة وكذا الليل نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام حين كان في السفينة أخرجه ابن عساكر في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عباس (وقد أوجبه بعض الصحابة) وبه قال أهل الظاهر (وكثيرون من السلف) كما حكاه بن المنذر عن مالك وحكاه الخطابى عنه وعن الحسن البصرى (ومذهب الجمهور) من السلف والخلف (انه سنة مؤكدة) ليس بواجب (ولكل المذهبين دليل ظاهر من الحديث) اما الاول فدليله نحو قوله غسل الجمعة واجب على كل محتلم واما دليل الثاني فقد مر والجواب عن الاول ان الاحاديث الواردة في الامر محمولة على الاستحباب جمعا بين الادلة وقوله واجب أي متأكد (ثم اختلف العلماء في العدد) فعند الشافعى وجماعة يشترط أربعون وعند مالك وجماعة اثنا عشر وعند أبي حنيفة وجماعة يجوز باثنين (لم يثبت في تقدير عدد الجمعة خبر ثابت) انما استدل الشافعي بما في سنن أبي داود عن كعب بن مالك قال أول من صلى بنا الجمعة في بقيع الخصمان أسعد ابن زرارة وكنا أربعين صححه ابن حبان وغيره (يستحب) سورة (الكهف) والاستكثار منها (في يوم الجمعة) لما أخرجه الحاكم والبيهقى في السنن عن أبي سعيد من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة اضاءله النور
стр. 805
وليلتها وكثرة الصلاة على النبي ﷺ فيهما وان يقول قبل صلاة الغداة في يومها أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب اليه ثلاث مرات وان يجتهد في الدعاء في جميع يومها رجاء مصادفة ساعة الاجابة ويقرأ بعد صلاتها الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين سبعا سبعا وقد جاء في جميع ذلك أحاديث نبوية تركتها اختصارا والله أعلم.
[مطلب في صلاة الجماعة وفضيلتها]
صلاة الجماعة اعلم ان صلاة الجماعة سنة مؤكدة وقيل فرض كفاية للرجال وسنة للنساء وقيل فرض عين وهذان الأخيران قويان من حيث الدليل وعلى كل حال لا رخصة في تركها بالاعذار التى ترخص في ترك الجمعة دليله ما رويناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس قائد يقودنى الى المسجد فسأل رسول الله ﷺ ان يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال له هل تسمع النداء فقال نعم قال فأجب. وروي أبو داود باسناد حسن ان ابن أم مكتوم الأعمى ما بين الجمعتين قال الحاكم صحيح الاسناد (وليلتها) لما أخرجه الدارمى موقوفا عن أبي سعيد من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاءله من النور ما بينه وبين البيت العتيق (وكثرة الصلاة على النبي ﷺ فيها) لحديث أكثروا من الصلاة على في كل يوم جمعة أخرجه البيهقى عن أبى امامة وأخرجه عن أنس وزاد وليلة الجمعة (ويقرأ بعد صلاتها الفاتحة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين سبعا سبعا) فقد ورد ان من فعل ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أخرجه أبو سعيد القشيري في الاربعين عن أنس وأخرجه ابن السنى من حديث عائشة بدون الفاتحة وقال أعاذه الله بها من السوء الى الجمعة الاخري (صلاة الجماعة سنة مؤكدة) لحديث صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة أخرجه أحمد ومالك والشيخان والترمذى والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر ولاحمد والبخارى وابن ماجه من حديث أبي سعيد بخمس وعشرين وكذا لمسلم من حديث أبي هريرة ولا يعارض بين الروايتين وليس في نفي الاقل نفي الاكثر كما في نظائره وعلى هذا وهو كونه سنة جري الرافعى في المحرر (وقيل فرض كفاية) لحديث ما من ثلاثة في قرية الآتي (وقيل فرض عين) كالجمعة لحديث لقد هممت ان آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب فاحرق عليهم بيوتهم بالنار أخرجه الشيخان وغيرهما وعلى الصحيح فالجواب من هذا مستوفا من كتب الفقه (رجل أعمي) هو ابن أم مكتوم الا آتى في رواية أبى داود (فرخص له الى آخره) استدل بهذا من قال ان الجماعة فرض عين وأجاب الجمهور بانه سأل هل له رخصة في ان يصلي في بيته ويحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره فقال لا قال النووي ويؤيد هذا ان حضور الجماعة يسقط بالعذر بالاجماع واما ترخيصه له ثم رده وقوله فاجب فبوحى نزل في الحال أو باجتهاد أو رخص
стр. 806
قال يا رسول الله ان المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال رسول الله ﷺ تسمع حى على الصلاة حى على الفلاح فحى هلا. وفي الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ والذى نفسى بيده لقد هممت ان آمر بحطب فيحطب ثم أمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف الىّ رجال فأحرق عليهم بيوتهم. وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال من سره ان يلقى الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فان الله شرع لنبيكم سنن الهذى ولوانكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المخالف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولو رأيتنا وما يتخلف عنها الا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف رواه مسلم. وفي رواية له عنه أيضا قال ان رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى وان من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. وعن أبى الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من ثلاثة في قرية ولا بلدة لا تقام فيهم الصلاة الا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فانما يأكل الذئب القاصية من الغنم رواه أبو داود باسناد صحيح حسن وكل هذه الأحاديث في الصحيح وما يقاربه وكلها تدل على الحرج والضيق وعدم الرخصة هذا وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة بوعود جليلة وفي صلاة الصبح والعشاء زيادة تخصيص من ذلك قوله ﷺ من صلى العشاء له أولا في دفع الوجوب تم ندبه الى الافضل احتمالات (الهوام) بتشديد الميم ما يدب على الارض من نحو الحية والعقرب (فحي هلا) بتنوين هلا وقيل بلا تنوين أي عليك بالاجابة (فاحرق عليهم بيوتهم) ذكر بعضهم ان الحديث ورد على ما كان في أول الامر من العقوبة بالمال لان تحريق البيوت عقوبه مالية وقد نسخت قال في الديباج وقال بعض المحققين ان هذا الحديث ونحوه باق فيما اذا احتاج انكار المنكر الى ردع شديد لانهماك الناس في الفساد وعدم رجوعهم بما دون ذلك وقد حرق عمر بن الخطاب قصر سعد وحانوت الخمار وغير ذلك واستمر عليه ولاة الامور من بعده انتهى (سنن الهدى) بضم السين وفتحها ومعناهما متقارب أى طريق الهدى والصواب (يهادي بين الرجلين) أى يمسكه رجلان من جنبيه بعضديه يعتمد عليهما (الصلاة) بالنصب اسم ان (استحوذ) أي غلب (القاصية) البعيدة (من الغنم) التى نظر الراعى ليس عليها وشبه النبي ﷺ تارك الجماعة لبعده عن محل رعاية الله تعالى الحاصلة للجماعة بسبب الاجتماع وتسلط ابليس عليه بالشاة البعيدة التي يتسلط عليها الذئب ويتمكن من أخذها (رواه) أحمد و (أبو داود باسناد حسن)
стр. 807
جماعة فكأنما قام الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله رواه مسلم. وعن أبى هريرة ان رسول الله ﷺ قال ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لا توهما ولو حبوا متفق عليه
[مطلب في صلاة الليل وتهجده ﷺ ]
صلاة الليل قال الله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً وقال تعالى تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ الآية وقال تعالى كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وقال تعالى وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً وقال ﷺ عليكم بقيام الليل فانه والنسائي وابن حبان والحاكم (ومن صلى الصبح في جماعة فكانما) قام نصف الليل فبانضمامه الى النصف الحاصل بصلاة العشاء في جماعة كانه (صلي الليل كله) هذا هو الصحيح في تأويله وقيل بل يحصل له بصلاة الصبح فقط قيام الليل كله حتى ان من صلى العشاء والصبح معا في جماعة كانه قام ليلة ونصفا (رواه) أحمد و (مسلم) عن عثمان بن عفان وللطبرانى من حديث أبي امامة من صلى العشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر (لو يعلمون ما فيهما) أي من الفضل والخير (لاتوهما) ان لم يستطيعوا المشي يحبون (حبوا) ولم يفوتوا جماعتهما في المسجد صلاة الليل (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ) أى قم بعد الهجود وهو النوم (نافِلَةً) أي زيادة (لَكَ) وجه تخصيصه مع كونها نافلة له ولغيره على الصحيح ان نوافل غيره كفارة لذنبه وهو ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت نوافله رفع درجات (عَسى) هي من الله واجب (أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ) يوم القيامة (مَقاماً مَحْمُوداً) هو مقام الشفاعة الذي يحمده فيه الاولون والآخرون (تَتَجافى) أي ترتفع (جُنُوبُهُمْ) جمع جنب (عَنِ الْمَضاجِعِ) جمع مضجع وهو الموضع الذي يضطجع عليه يعني الفراش وهو هم المتهجدون بالليل ونزلت هذه الآية في الانصار كانوا يصلون المغرب فلا يرجعون الي رحالهم حتى يصلوا العشاء مع رسول الله ﷺ أو فيمن يصلي صلاة الاوابين بين المغرب والعشاء روي عن أنس أيضا وقال به أبو حازم وابن المنكدر أو هم الذين لا ينامون حتى يصلون عشاء الآخرة قاله عطاء أو هم الذين يصلون العشاء والصبح في جماعة حكي عن أبي الدرداء وأبي ذر وعبادة بن الصامت والاشهر قول الحسن ومجاهد ومالك والاوزاعي وجماعة أن المراد الصلاة بالليل (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) أي ينامون والهجوع النوم بالليل دون النهار وما صلة أي كانوا يهجعون قليلا من الليل أى يصلون أكثره أو معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا قاله ابن جبير عن ابن عباس معنى كانوا أقل ليلة تمر بهم الا صلوا فيها شيأ (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ) في الليل (سُجَّداً) على وجوههم (وَقِياماً) وعلى أقدامهم قال ابن عباس من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما عليكم (بقيام الليل الى آخره) أخرجه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقى في السنن عن بلال وأخرجه الترمذى والحاكم عن أبي امامة وأخرجه ابن عساكر عن أبي الدرداء وأخرجه الطبراني في الكبير عن سلمان وأخرجه بن السنى
стр. 808
دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم الى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الاثم وقال ﷺ من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين ومن صلى بمأتى آية فانه يكتب من الفائزين المخلصين رواهما الحاكم. وقال الأول على شرط البخارى والثانى على شرط مسلم والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة معلومة في الصحيحين وغيرهما ونشرع الآن في ذكر بيان وقته وعدده والمتلو فيه مع فوائد تتعلق بذلك كثيرة. أما الوقت ففي الصحيحين عن عائشة قالت من كل ليلة قد أوتر رسول الله ﷺ من أول الليل ومن أوسطه ومن آخره وانتهى وتره الى السحر وقد سبق ذلك قريبا وموضع الدلالة منه ان وتره ﷺ كان ملازما لتهجده وأفضل الاجزاء الليلية لذلك السدس الرابع والخامس باعتبار قسمة الليل ستة أجزاء لقوله ﷺ أحب الصلاة الى الله تعالى صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه رواه الشيخان. وأما العدد فاختلفت الروايات عنه ﷺ واختلافها يدل على تغاير أحواله ﷺ وذلك بحسب اختلاف الأوقات والأحوال وأغلب العادات النبوية في ذلك ما رويناه في الصحيحين عن عائشة قالت ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على أحد عشر ركعة تصلي أربعا فلا يسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا يسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا فقلت يا رسول الله أتنام قبل ان توتر فقال يا عائشة ان عيني تنامان ولا ينام عن جابر (دأب الصالحين) أي عادتهم (قبلكم) يؤخذ منه ان قيام الليل من الشرائع القديمة (ومكفرة) بفتح الميم والفاء وسكون الكاف ولفظ من مر وتكفير (للسيئات) قال تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ بعد ان قال وَزُلَفاً أى ساعات من الليل (ومنهاة عن الاثم) ان من خاصية الليل تجلى نفحات البارى تعالى على أهل القيام ونزول الرحمة عليهم وشهودهم قربه فيحبب اليهم الطاعات ويبغض اليهم الاثم زاد من مر ومطردة للداء عن الحسد وحكمة ذلك قلة أكلهم وايثار الجوع الذى هو سبب نقلة النوم الذي ألفوه وقد علم ان أصل كل داء الاستبطان وامتلاء المعدة (رواهما الحاكم) اما الاول فقد مر من رواه معه وأما الثاني فاخرجه الحاكم عن أبي هريرة وأخرجه أحمد والنسائي عن تميم بلفظ من قرأ مائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة (المتلو فيه) أى ما يتلى أي يقرأ فيه (رواه) أحمد و (الشيخان) وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو (ما كان يزيد الى آخره) قال في التوشيح فيه دلالة ظاهرة على انه لم يصلي التراويح عشرين ركعة (فلا تسأل) أنت (عن حسنهن وطولهن) أى انهن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيات بظهور
стр. 809
قلبي وورد في كثير من الروايات ثلاث عشرة وأكثر الروايات عن عائشة خمس عشرة وقد كان للسلف عادات في التهجد منهم من كان ورده مائة ركعة وآخرون ألف ركعة ومنهم من قدره بقوته فلا يزال يتهجد حتى يعجز فيأتى فراشه حبوا ذكره ابن خليل في التحفة قلت وهذا الأخير مذموم شرعا وقد ورد في جملة من الأحاديث النهى عنه وتخطئة فاعله فينبغى للانسان ان يأخذ نفسه بالتدريج أولا بركعتين فقد ورد في الحديث انهما خير من الدنيا وما فيها ثم يدرجها في العمل حتى ينتهى الى احدى عشرة أو عدد يقدر عليه فيلازمه ويتخذه وردا يعتاده ويطالب نفسه بأدائه ويتمرن على العمل به وان فات عليه لعارض أصبح مهموما عليه وتدارك قضاءه في النهار فقد روينا في صحيح مسلم عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ اذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل رواه مسلم فينبغي للانسان أن لا يهمل حظه من الليل ولو ركعتين فقد سبق قريبا ما ورد فيهما ومن لم يدرك الخير كله فلا يتركه كله والقليل يجر الكثير والله ولى التوفيق وليحذر كل الحذر أن يستحكم على رأسه عقد الشيطان يبول في أذنيه فيمضى عليه كل الليل بفوائده العظيمة وخيراته العميمة حسنهن وطولهن عن ان يسأل عنهن (ورد في كثير من الروايات) كحديث ابن عباس (ثلاث عشرة) كانه عد الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما صلاة الليل قال عياض لا خلاف انه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه بل صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الاجر وانما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه (وأكثر الروايات عن عائشة خمس عشرة) فقيل الاختلاف منها وقيل من الرواة عنها قال النووي فيحتمل ان اخبارها باحدي عشرة على الاغلب والباقي ربما كان يقع نادرا في بعض الاوقات (يعجز) بكسر الجيم مضارعا وفتحها ماضيا أشهر من عكسه (فيأتي) بالنصب (خير من الدنيا وما فيها) زاد ابن نضر عن حسان بن عطية مرسلا ولولا ان أشق على أمتي لفرضتها عليهم وللديلمي في مسند الفردوس من حديث جابر ركعتان في جوف الليل يكفران الخطايا (فيلازمه) بالنصب (صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة) قال النووى فيه دليل على استحباب المحافظة على الاداء وانها اذا قامت تقضى (من نام عن جزبه) ولأحمد وأصحاب السنن والحاكم عن وبرة (كانما قرأه من الليل) ولهم فليصله اذا ذكره (ويبول في أذنه) أشار الى الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح فقال ذاك رجل بال الشيطان في أذنه وذكره المصنف
стр. 810
ويصبج فقيرا منها خبيث النفس كسلان لا ينبسط ولا ينكف عن شر* روينا في الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال قد يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم اذا هو نائم ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد فان استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة وان توضأ انحلت عقدة فان صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس والا أصبح خبيث النفس كسلان* وروينا فيهما أيضا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليله حتى أصبح فقال ذلك بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنه وليحذر كل الحذر أيضا من ترك تهجدا اعتاده والاعراض عنه بالكلية فيكون أسوأ حالا ممن لم يتهجد رأسا وقد استعاذ النبي ﷺ من الحور بعد الكور في ما بعد وهو على حقيقته أو كناية عن سد الشيطان اذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر أو أن الشيطان ملأ سمعه بالاباطيل فحجبه عن الذكر أو المراد أن الشيطان ازدراه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول أقوال وانما خص الاذن بالذكر مع أن الغير أنسب بالنوم اشارة الى ثقل النوم فان المسامع موارد الانتباه وخص البول لانه أسهل مرحلا في التجاويف وأسرع نفوذا في العروق فيورث الكسل في جميع الاعضاء فيحصل التثبيط عن القيام للصلاة قاله الطبي (الشيطان) هو حقيقة أو كناية عن تثبيط قولان (قافية) بالقاف قبل الفاء (رأس أحدكم) أى مؤخره اذا (هو نام) هو على عمومه أو خصوصه بمن نام قبل صلاة العشاء قاله الملوي وابن حجر زاد ابن حجر ويمكن أن يخص منه أيضا من قراءة آية الكرسي عند نومه فقد ثبت انه تحفظ من الشيطان (يضرب) أي بيده على العقدة تأكيدا لها واحكاما قائلا ذلك أو معناه تحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ قولان (على كل عقدة مكانها) قال في التوشيح وقد اختلف في هذا العقد فقيل على حقيقته وانه كما يعقد الساحر من سحره فيأخذ خيطا يعقد فيه عقدة ويتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور عند ذلك وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها ولابن ماجه على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد ولابن حبان عن جابر ما من ذكر ولا أنثي الا على رأسه جرير معقود حين يرقد وفي فوائد المخلص عن أبى سعيد ما أحد ينام الا ضرب صماخيه بجرير معقود والجرير بالجيم الحبل وقيل مجاز شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور بجامع المنع من التصرف (عليك ليل طويل) لمسلم في أكثر الاصول بالنصب على الاغراء (انحلت عقده) بلفظ الجمع (طيب النفس) أى من سر صلاة الليل فاقل ما يحصل به حل عقد الشيطان ركعتان لحديث ابن خزيمة فحلو عقد الشيطان ولو بركعتين فمن ثم استحب استفتاح صلاة الليل بركعتين حقيقية للامرية في صحيح مسلم مبادرة الى حل العقد وفي فوائد المخلص عن أبي سعيد وان استيقظ ولم يتوضأ ولم يصلى أصبحت العقد كلها كهيئتها وبال الشيطان في أذنه قال في التوشيح فيستفاد منه وقت بول الشيطان (رأسا) على لفظ الرأس أي أصلا (وقد استعاذ النبي ﷺ من الحور بعد الكور) أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه
следующие страницы →