أضعاف طاقة المجموعة الشمسية. كما أن استخراج البشر للحديد من مناجمه في باطن الأرض جعلهم لا يتوقعون أن يكون الحديد قد نزل من السماء إلى الأرض وحملهم على الاعتقاد بأنه خلق مع سائر العناصر الأرضية. لذلك خلت العلوم التجريبية من أي إشارة إلى هذه الحقيقة قبل الربع الأخير من القرن العشرين. وكذلك اضطر كثير من المفسرين إلى تأويل اللفظ القرآني وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ إلى معنى لا يحتمله اللفظ بما فيهم مفسرون معاصرون عاشوا في القرن العشرين. فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الحقيقة التي لم تعرفها البشرية إلا في الربع الأخير من القرن العشرين، والتي خفيت عن كل البشر حتى هذا التاريخ، من؟!، إلا الذي أنزل الحديد وأنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا، القائل: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) [الحديد: ٢٥] «١» .
[٦] أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ:
لقد كانت البحار عالما مجهولا إلى القرن الثامن عشر الميلادي، كما كانت الخرافات والأساطير المتعلقة بالبحار تسود الحضارات القديمة، وكان الرومان يعتقدون بأن قمم الأمواج جياد بيضاء تجر عربة الإله (نبتون) «٢» بزعمهم، وكانوا يقومون بالطقوس والاحتفالات لإرضاء هذه الآلهة، وكانوا يعتقدون
стр. 107
بوجود أسماك مصاصة لها تأثيرات سحرية على إيقاف السفن، وكان لليونانيين مثل هذه الاعتقادات كما كان بحارتهم يعزون سبب الدوامات البحرية إلى وجود وحش يسمونه كاربيدس يمتص الماء ثم يقذفه «١» ، ولم يكن بمقدور الإنسان معرفة أعماق الشواطئ الضحلة والمياه الراكدة، ناهيك عن معرفة البحار العميقة والحركات الداخلية في هذه المياه، كما لم يكن بإمكان الإنسان الغوص في هذه الشواطئ إلا في حدود عشرين مترا ولثواني معدودة ليعاود التنفس من الهواء الجوي، وحتى بعد ابتكار أجهزة التنفس للغواصين لم يتمكن الإنسان من الغوص أكثر من ثلاثين مترا نظرا لازدياد ضغط الماء على جسم الغواص مع زيادة العمق والذي يعادل عند عمق ثلاثين مترا أربعة أضعاف الضغط الجوي على سطح الأرض «٢» وعندئذ يذوب غاز النتروجين في دم الغواص ويؤثر على عمل مخه فيفقده السيطرة على حركاته «٣» ويصاب الغواصون نتيجة لذلك بأمراض تعرف في الطب بأمراض الغواصين، أما إذا نزل الغواص إلى أعماق بعيدة فإن ضغط الماء يكفي لهرس جسمه.
التسلسل الزمني لاكتشاف أعماق البحار:
* في عام ١٣٠٠ م استخدم صيادو اللؤلؤ أول نظارات واقية مصنوعة من صدف السلاحف «٤» .
стр. 108
* في عام ١٨٦٠ م تم اكتشاف أحياء في قاع البحر المتوسط باستخدام حبل حديدي (كيبل) .
* في عام ١٨٦٥ م تم ابتكار مجموعة غطس مستقلة بواسطة كل من (روكايرول ودينايروز) .
* في عام ١٨٩٣ م تمكن بوتان من التقاط صور تحت الماء «١» .
* في عام ١٩٢٠ م تم استخدام طريقة السبر بالصدى (صدى الموجات الصوتية) لمعرفة الأعماق.
* في عام ١٩٣٠ م تمكن كل من بارتون وبيبس من أن يغوصا بأول كرة أعماق حتى عمق ٣٠٢٨ قدما وابتكار (أقنعة الوجه والزعانف وأنبوب التنفس) .
* في عام ١٩٣٨ م تم ابتكار قارورة للتنفس (سكوبا) وابتكار صمام التنفس من قبل الكابتن كوستو ودوماس.
стр. 109
* في عام ١٩٥٨ م تم إجراء تجارب الاختبارات على غواصة الأعماق (الستينيات) وابتكار (ابرس) غلاصم «١» للتنفس تحت الماء وتجربتها لأول مرة.
* وتمكن الإنسان من الغوص إلى أعمق بقعة في المحيط الهادي «٢» ، كما تمكن من البقاء في أعماق البحر لعدة أيام «٣» ، واكتشف الإنسان وجود فوهات في أعماق البحر «٤» ، وصنع الإنسان الغواصة الصفراء «٥»
стр. 110
والغواصات النووية «١» .
معلومات حديثة في علم البحار:
لم تبدأ الدراسات المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر عند ما توفرت الأجهزة المناسبة والتقنيات وصولا إلى ابتكار الغواصات المتطورة. وبعد عام ١٩٥٨ م أي بعد ثلاثة قرون من البحوث والدراسات العلمية وعلى أيدي أجيال متعاقبة من علماء البحار توصل الإنسان إلى حقائق مدهشة منها:
[١] ينقسم البحر إلى قسمين كبيرين:
(أ) البحر السطحي الذي تتخلله طاقة الشمس وأشعتها.
(ب) البحر العميق الذي تتلاشى فيه طاقة الشمس وأشعتها.
стр. 111
[٢] يختلف البحر العميق عن البحر السطحي في الحرارة والكثافة والضغط ودرجة الإضاءة الشمسية، والكائنات التي تعيش في كل منهما ويفصل بينهما موج داخلي.
[٣] الأمواج البحرية الداخلية:
تغطي الأمواج الداخلية البحر العميق وتمثل حدّا فاصلا بين البحر العميق والبحر السطحي، كما يغطي الموج السطحي سطح البحر ويمثل حدّا فاصلا بين الماء والهواء ولم تكتشف الأمواج الداخلية إلا في عام ١٩٠٤ م «١» . ويتراوح طول الأمواج الداخلية ما بين عشرات إلى مئات
стр. 112
الكيلومترات كما يتراوح ارتفاع معدل هذه الأمواج ما بين ١٠ إلى ١٠٠ متر تقريبا.
[٤] اشتداد الظلام في البحر العميق مع ازدياد عمق البحر حتى يسيطر الظلام الدامس الذي يبدأ من عمق (٢٠٠ متر) تقريبا ويبدأ عند هذا العمق المنحدر الحراري الذي يفصل بين المياه السطحية الدافئة ومياه الأعماق الباردة، كما توجد فيه الأمواج الداخلية التي تغطي المياه الباردة في أعماق البحر، وينعدم الضوء تماما على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا.
أما فيما يتعلق بانتشار الظلمات في أعماق البحار فقد أدرك صيادو الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية حتى يختفي تماما مع تزايد العمق وأن نفاذ الضوء يتناسب عكسيا مع ازدياد العمق. وأبسط جهاز علمي لقياس عمق نفاذ الضوء في مياه المحيط هو (قرص سيتشى. «١» (TheSecchiDisk -
ولكن على الرغم من كونه وسيلة سهلة لقياس اختراق الضوء للماء بدرجة تقريبية، وعلى الرغم من استعماله على نطاق واسع فإن قياس الظلمات في ماء البحر بصورة دقيقة لم يتحقق إلا بعد استخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي «٢» ثم بتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهرو ضوئية خلال الثلاثينيات، وبعد اختراع الإنسان أجهزة مكنته من الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة.
стр. 113
وفي الهامش «١» معلومات عن شدة الضوء عند أعماق مختلفة من المحيط.
أما البحار العميقة فالضياء منعدم فيها، والظلمات متراكمة، وتعتمد الكائنات الحية والأسماك التي تعيش فيها على الطاقة الكيميائية لتوليد الضوء الذي تستشعر به طريقها، وهناك أنواع منها عمياء تستخدم وسائل أخرى غير الرؤية لتلمس ما حولها.
وتبدأ هذه الظلمات على عمق ٢٠٠ متر تقريبا وتختفي جميع أشعة الضوء على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا حيث ينعدم الضوء تماما، كما أن أغلب تركيب الأسماك في الأعماق يتكون من الماء لمواجهة الضغوط الهائلة.
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ:
إن الظلام الدامس الذي يشتد من خمسمائة متر إلى ألف متر يتكون في أعماق البحار نتيجة لظلمات بعضها فوق بعض، وتنشأ لسببين رئيسين:
стр. 114
[٢] يختلف البحر العميق عن البحر السطحي في الحرارة والكثافة والضغط ودرجة الإضاءة الشمسية، والكائنات التي تعيش في كل منهما ويفصل بينهما موج داخلي.
[٣] الأمواج البحرية الداخلية:
تغطي الأمواج الداخلية البحر العميق وتمثل حدّا فاصلا بين البحر العميق والبحر السطحي، كما يغطي الموج السطحي سطح البحر ويمثل حدّا فاصلا بين الماء والهواء ولم تكتشف الأمواج الداخلية إلا في عام ١٩٠٤ م «١» . ويتراوح طول الأمواج الداخلية ما بين عشرات إلى مئات
стр. 115
الكيلومترات كما يتراوح ارتفاع معدل هذه الأمواج ما بين ١٠ إلى ١٠٠ متر تقريبا.
[٤] اشتداد الظلام في البحر العميق مع ازدياد عمق البحر حتى يسيطر الظلام الدامس الذي يبدأ من عمق (٢٠٠ متر) تقريبا ويبدأ عند هذا العمق المنحدر الحراري الذي يفصل بين المياه السطحية الدافئة ومياه الأعماق الباردة، كما توجد فيه الأمواج الداخلية التي تغطي المياه الباردة في أعماق البحر، وينعدم الضوء تماما على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا.
أما فيما يتعلق بانتشار الظلمات في أعماق البحار فقد أدرك صيادو الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية حتى يختفي تماما مع تزايد العمق وأن نفاذ الضوء يتناسب عكسيا مع ازدياد العمق. وأبسط جهاز علمي لقياس عمق نفاذ الضوء في مياه المحيط هو (قرص سيتشى. «١» (TheSecchiDisk -
ولكن على الرغم من كونه وسيلة سهلة لقياس اختراق الضوء للماء بدرجة تقريبية، وعلى الرغم من استعماله على نطاق واسع فإن قياس الظلمات في ماء البحر بصورة دقيقة لم يتحقق إلا بعد استخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي «٢» ثم بتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهرو ضوئية خلال الثلاثينيات، وبعد اختراع الإنسان أجهزة مكنته من الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة.
стр. 116
وفي الهامش «١» معلومات عن شدة الضوء عند أعماق مختلفة من المحيط.
أما البحار العميقة فالضياء منعدم فيها، والظلمات متراكمة، وتعتمد الكائنات الحية والأسماك التي تعيش فيها على الطاقة الكيميائية لتوليد الضوء الذي تستشعر به طريقها، وهناك أنواع منها عمياء تستخدم وسائل أخرى غير الرؤية لتلمس ما حولها.
وتبدأ هذه الظلمات على عمق ٢٠٠ متر تقريبا وتختفي جميع أشعة الضوء على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا حيث ينعدم الضوء تماما، كما أن أغلب تركيب الأسماك في الأعماق يتكون من الماء لمواجهة الضغوط الهائلة.
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ:
إن الظلام الدامس الذي يشتد من خمسمائة متر إلى ألف متر يتكون في أعماق البحار نتيجة لظلمات بعضها فوق بعض، وتنشأ لسببين رئيسين:
стр. 117
[١] ظلمات الأعماق:
يتكون شعاع الشمس من سبعة ألوان (الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، النيلي، البنفسجي، الأزرق) ولكل لون طول موجي خاص به «١» وتتوقف قدرة اختراق الشعاع الضوئي للماء على طول موجته؛ فكلما قصر طول الموجة زادت قدرة اختراق الشعاع للماء، لذلك فإن شعاع اللون الأحمر يمتص على عمق ٢٠ مترا تقريبا ويختفي وجوده بعد ذلك، وينشأ عن ذلك ظلمة اللون الأحمر، فلو جرح غواص على عمق ٢٥ مترا تقريبا وأراد أن يرى الدم النازف فسيراه بلون أسود، بسبب انعدام شعاع اللون الأحمر، ويمتص الشعاع البرتقالي على عمق ثلاثين مترا تقريبا فتنشأ ظلمة أخرى تحت ظلمة اللون الأحمر هي ظلمة اللون البرتقالي، وعلى عمق ٥٠ مترا تقريبا يمتص اللون
стр. 118
الأصفر، وعلى عمق ١٠٠ متر تقريبا يمتص اللون الأخضر، وعلى عمق ١٢٥ مترا تقريبا يمتص اللون البنفسجي والنيلي، وآخر الألوان امتصاصا هو اللون الأزرق على بعد ٢٠٠ متر تقريبا من سطح البحر.
وهكذا تتكون ظلمات الألوان لشعاع الشمس بعضها فوق بعض؛ بسبب عمق الماء الذي تمتص فيه الألوان بأعماق مختلفة.
[٢] ظلمات الحوائل:
وتشترك ظلمات الحوائل مع ظلمات الأعماق في تكوين الظلمات الدامسة في البحار العميقة، وتتمثل ظلمات الحوائل فيما يأتي:
(أ) ظلمة السحب:
غالبا ما تغطي السحب أسطح البحار العميقة نتيجة تبخبر الماء، وتمثل حائلا نسبيا لأشعة الشمس «١» ، فتحدث الظلمة الأولى للحوائل والتي نراها ظلالا لتلك السحب على سطح الأرض والبحار.
стр. 119
(ب) ظلمة الأمواج السطحية:
تمثل الأسطح المائلة للأمواج السطحية في البحار سطحا عاكسا لأشعة الشمس، ويشاهد المراقب على الساحل مقدار لمعان الأشعة التي عكستها هذه الأسطح «١» المائلة للأمواج السطحية.
(ج) ظلمة الأمواج الداخلية:
توجد أمواج داخلية تغشى البحر العميق وتغطيه، وتبدأ من عمق ٧٠ مترا إلى ٢٤٠ مترا «٢» ، وتعلق ملايين الملايين من الكائنات الهائمة في البحار على أسطح الموجات الداخلية وقد تمتد الموجة الداخلية إلى سطح البحر فتبدو تلك الكائنات الهائمة كأوساخ متجمعة على سطح البحر، مما يجعلها تمثل مع ميل الموج الداخلي حائلا لنفاذ الأشعة إلى البحر العميق فتنشأ بذلك الظلمة الثالثة تحت ظلمتي السحب والموج السطحي.
الأمواج الداخلية وهي تحمل على سطحها الكائنات الهائمة وقد وصلت إلى سطح البحر على شكل أقواس كبيرة متعاقبة
ويتبين مما سبق أن الظلمات التي تراكمت في البحار العميقة عشر ظلمات وهي:
أ- ظلمات الأعماق: وهي سبع ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ تنشأ من
стр. 120
التلاشي التدريجي لألوان الطيف السبعة.
ب- ظلمات الحوائل الثلاثة:
١- السحب. ٢- الموج السطحي. ٣- الموج الداخلي.
وهي أيضا ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
الاكتشافات العلمية المتعلقة بالآية:
مما سبق يتبين أن العلم التجريبي قد اكتشف في فترة طويلة، خلال القرون الثلاثة الماضية، وبعد توفر الأجهزة الدقيقة، وبتضافر جهود أعداد كبيرة من الباحثين وعلماء البحار، الحقائق الآتية:
وجود ظلمات في البحار العميقة.
* وأن هذه الظلمات بعضها فوق بعض.
* تزداد هذه الظلمات بالتدريج مع زيادة العمق حتى تنعدم الرؤية تماما.
* وجود أمواج داخلية تغشى البحر العميق.
* تعمل الأمواج الداخلية بما عليها من الكائنات الهائمة على حجب الضوء.
* عدد الظلمات المتراكمة في البحار العميقة عشر ظلمات، سبع منها بسبب عمق الماء وثلاث بسبب الحوائل الثلاثة: السحاب، الموج السطحي، الموج العميق.
تنقسم مياه البحر قسمين:
أ- مياه البحر السطحي حيث توجد فيها طاقة الضوء.
ب- مياه البحر العميق التي تراكمت عليها الظلمات.
وصف القرآن لهذه الأسرار والحقائق البحرية:
قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ
стр. 121
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) [النور: ٤٠] .
أثبت القرآن وجود ظلمات في البحر العميق، وقيد وصف البحر بلفظ لُجِّيٍّ ليعلم قارئ القرآن أن هذه الظلمات لا تكون إلا في بحر لجي أي عميق، أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ويخرج بهذا القيد البحر السطحي الذي لا توجد فيه هذه الظلمات.
وقد بين أهل اللغة والتفسير معنى لفظ لُجِّيٍّ، فقال قتادة وصاحب تفسير الجلالين: لجي هو العميق، وقال الزمخشري: اللجي العميق الكثير الماء، وقال الطبري: ونسب البحر إلى اللجة بأنه عميق كثير الماء، وقال البشيري: هو الذي لا يدرك قعره واللجة معظم الماء، والجمع لجج، والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه.
وهذه الظلمات تتكون بسبب العمق في البحر اللجي، وهي ظلمات الأعماق التي سبق الإشارة إليها. قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ.
قال الزمخشري: (بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب) ، وقال الخازن: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ أي عميق كثير الماء ... معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدّا بسبب غمورة الماء) ، وقال المراغي: (فإن البحر يكون مظلم القعر جدّا بسبب غور الماء ... ) .
وذكر القرآن أن للبحر العميق موج يغشاه من أعلاه. قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ.
وذكرت الآية وجود موج آخر فوق الموج الأول، قال تعالى: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ. وهذه صفة للبحر وهي: وجود موجين في وقت واحد أحدهما فوق الآخر، وليست أمواجا متتابعة على مكان واحد بل هي
стр. 122
موجودة في وقت واحد، والموج الثاني فوق الموج الأول.
وتشير الآية إلى أن فوقية الموج الثاني على الموج الأول كفوقية السحاب على الموج الثاني. قال تعالى: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ....
ذكرت الآية وجود موج يغشى البحر العميق ويغطيه كما ذكرت وجود موج ثان فوق الموج الأول، وهذا يستلزم وجود بحر فوق (الموج الأول والبحر العميق) وهو البحر السطحي الذي يغشاه الموج الثاني الذي فوقه السحاب.
وأثبت القرآن دور هذه الحوائل الثلاثة في تكوين الظلمات في البحار العميقة، وأن بعضها فوق بعض كما قال تعالى: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ [النور: ٤٠] وهو ما فهمه بعض المفسرين:
قال الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية: " ظلمة الموج الأول على ظلمة البحر، وظلمة الموج الثاني فوق الموج الأول وظلمة السحاب على ظلمة الموج الثاني".
وقال الإمام ابن الجوزي في تفسيره: " ظُلُماتٍ يعني ظلمة البحر وظلمة الموج الأول، وظلمة الموج الذي فوق الموج، وظلمة السحاب".
اشتملت الآية على ذكر ظلمات الأعماق (السبعة) في أولها وظلمات الحوائل (الثلاثة) في آخرها: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
وذكرت الآية أن هذه الظلمات التي سبق ذكرها بسبب الأعماق أو الحوائل بعضها فوق بعض، واستعمل القرآن لفظ ظلمات الذي تستعمله العرب للدلالة على جمع القلة، من الثلاثة إلى العشرة، فقبلها تقول ظلمة وظلمتان، وبعدها تقول إحدى عشرة ظلمة، ومن ثلاث إلى عشر تقول ظلمات كما هي في الآية، وهذا ما كشفه العلم كما سبق بيانه: سبع ظلمات للألوان متعلقة بالأعماق
стр. 123
وثلاث ظلمات متعلقة بالحوائل (الموج الداخلي، والموج السطحي، والسحاب) .
وبينت الآية التدرج في اشتداد الظلام في البحار العميقة باستعمال فعل من أفعال المقاربة وهو (كاد) وجعلته منفيا. قال تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها.
فدل هذا الاستعمال الدقيق على معنيين:
الأول: أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لا يراها إلا بصعوبة بالغة كما فهم ذلك بعض المفسرين، ومنهم المبرد والطبري.
الثاني: أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لا يراها البتة، لأن فعل المقاربة كاد جاء منفيا، فإذا نفيت مقاربة الرؤية دلت على تمام نفي الرؤية، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين، أمثال الزجّاج وأبو عبيده والفرّاء والنيسابوري.
والآية استعملت تعبيرا يدل على المعنيين معا، فتكون الرؤية بصعوبة في الأعماق القريبة، وتنتفي الرؤية تماما في الأعماق البعيدة، على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا كما مر بنا.
فتأمل كيف جاء التعبير القرآني الموجز دالا على المعاني الصحيحة المتعددة.
وجه الإعجاز:
لقد ذكر القرآن الكريم معلومات دقيقة عن وجود ظلمات في البحار العميقة وأشار إلى سبب تكوينها، ووصفها بأن بعضها فوق بعض، ولم يتمكن الإنسان من معرفة هذه الظلمات إلا بعد عام ١٩٣٠ م. وأخبر القرآن عن وجود موج داخلي في البحار لم يعرفه الإنسان إلا بعد عام ١٩٠٠ م، كما أخبر بأن هذا الموج الداخلي يغطي البحر العميق، الأمر الذي لم يعرف إلا بعد صناعة الغواصات بعد الثلاثينيات من القرن العشرين، كما أخبر القرآن عن دور الموج السطحي،
стр. 124
والموج الداخلي في تكوين ظلمات في البحار العميقة، وهو أمر لم يعرف إلا بعد تقدم العلم في القرون الأخيرة. وما سبق من المعلومات لم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن ابتكر أجهزة للبحث العلمي تمكنه من الوصول إلى هذه الأعماق، ودراسة هذه الظواهر، وبعد أن استغرق البحث فترة طويلة امتدت لثلاثة قرون من الزمن، واحتشد لها مئات الباحثين والدارسين حتى تمكنوا من معرفة تلك الحقائق. فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الأسرار في أعماق البحار في وقت كانت وسائل البحث العلمي فيه معدومة، والخرافة والأسطورة هي الغالبة على سكان الأرض في ذلك الزمان، وبخاصة في مجال البحار؟!.
كيف جاءه هذا العلم الدقيق بهذه الأسرار، وهو الرجل الأمي في أمة أمية وبيئة صحراوية، ولم يتيسر له ركوب البحر طوال حياته؟.
وحين عرضت هذه الحقائق على البرفسور (راو) وسئل عن تفسيره لظاهرة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وكيف أخبر محمد ﵌ بهذه الحقائق منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام أجاب: (من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة العلمية كان موجودا في ذلك الوقت منذ ألف وأربعمائة عام، ولكن بعض الأشياء تتناول فكرة عامة ولكن وصف هذه الأشياء بتفصيل كبير أمر صعب جدا، ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علما بشريا بسيطا. لا يستطيع الإنسان العادي أن يشرح هذه الظواهر بذلك القدر من التفصيل ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة للطبيعة خارج الإنسان، لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعية) «١» .
إنه لدليل قاطع على أن هذا العلم الذي حملته هذه الآية قد أنزله الله الذي يعلم السر في السموات والأرض، كما قال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ
стр. 125
فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) [الفرقان: ٦] .
وكما قال تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) [النساء: ١٦٦] والقائل: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] .
[٧] فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ:
قال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥] ، وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) [فصلت: ٣٩] ، بيّن الله ﵎ في هاتين الآيتين أثر الماء وأهميته، لحياة الأرض وإنباتها من كل زوج بهيج، وسنبين وجه الإعجاز في ربط القرآن الكريم بين نزول الماء واهتزاز التربة، وربوها، وإنباتها من كل زوج بهيج، فالماء مذيب عام للمعادن التي تحتويها التربة، ووسط تدخل من خلاله المواد المذابة إلى النبات وتتحرك خلال أنسجته.
стр. 126
وتتكون الأرض من ثلاثة مكونات هي:
[١] مادة التربة الصلبة المكونة من المواد المعدنية والعضوية.
[٢] محلول التربة المكون من مواد التربة الذائبة في الماء.
[٣] الهواء المتخلل لحبيبات التربة ومساماتها.
وتشتمل المادة الصلبة للتربة على حبيبات ذات أحجام متباينة تتدرج من حبيبات خشنة ذات قطر ٢ مم إلى حبيبات ناعمة جدا يصل قطرها إلى أقل من ميكرون «١» .
وهذه الحبيبات تتكون من صفائح معدنية متراصة بعضها فوق بعض «٢»
ملتصقة في حالة سكونها، وهي ما عبر عنه القرآن بقوله سبحانه: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً.
قوله خاشِعَةً. كما يوجد بين هذه الحبيبات فراغات هوائية.
وتحمل الحبيبة على سطحها شحنات كهربائية سالبة «٣» .
أولا: الاهتزاز:
إذا نزل ماء المطر على التربة يحدث فيها الاهتزاز الدقيق الذي أشار إليه القرآن بقوله: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ.
وذلك بسبب ما يأتي:
(أ) تساقط قطرات المطر على حبيبات التربة، فتنشأ فيها حركة آلية
стр. 127
(ميكانيكية) .
(ب) حركة جزئيات الماء" الحركة البراونية" إذ أن حبيبات التربة الموجودة في الوسط المائي تهتز بسبب حركة جزئيات الماء، وهذا الاهتزاز عملية خفية لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة.
وعلى الرغم من أن الميكروسكوب اخترع عام ١٥٩٠ م فإن ظاهرة اهتزاز الجزيئات في الوسط المائي لم تشاهد إلا في عام ١٨٢٧ م على يد عالم النبات الاسكتلندي روبرت براون، وكان يعتقد في بداية الأمر أن الحركة الاهتزازية الذبذبيّة مقتصرة على حبوب اللقاح الحية في النبات إذا وضعت في وسط مائي، ثم وجد بعد ذلك أن هذه الحركة نفسها تحصل لحبوب اللقاح الميتة. ومع تقدم العلم ثبت أن هذه الاهتزازات تحصل للجسيمات الدقيقة العالقة في الماء ولو كانت جسيمات من الزجاج أو الجرانيت أو الدخان أو
стр. 128
غيرها كحبيبات التربة، وأنها تحصل بسبب اهتزاز جزيئات الماء «١» .
(ج) طرد الماء للهواء الموجود في الفراغات بين تلك الحبيبات، فيحدث اهتزازا في حبيبات التربة، وكلما كانت الحبيبات دقيقة كانت الفراغات بينها أدق تعجز العين المجردة عن إدراكها وإدراك حركة الماء خلالها وما يحدثه الماء من اهتزاز لتلك الحبيبات.
(د) ظهور الشحنة الكهربائية على سطوح الحبيبات بسبب نزول المطر والذي يسبب عدم استقرارها، وحدوث حركات اهتزازية لا يمكن سكونها إلا بعد تعادل هذه الشحنات بأخرى.
ثانيا: الربو: «٢»
فعند ما تهتز الصفائح الصغيرة الرقيقة المكونة لحبيبات التربة فإنها تتيح
стр. 129
الفرصة لدخول الماء وأيونات «١» العناصر الذائبة فيه إلى الشقوق المسطحة بين الصفائح الرقيقة فتتباعد الصفائح وتربو الحبيبات وتنتفخ «٢» بسبب خزن الماء بين صفائح الحبيبات. كما تحاط الحبيبة بأغلفة مائية ممسوكة بقوى الجذب" الكهروستاتيكي" «٣» وهكذا تمتلئ الفراغات بين الحبيبات وبهذا تصبح حبيبات التربة خزانات مائية صغيرة تكون سببا في انتفاخ التربة «٤» وزيادة
стр. 130
حجمها وإمداد جذور النباتات بالماء بعد انقطاع المطر.
ثالثا: إنبات النبات:
وبنزول ماء المطر وخزنه بين صفائح حبيبات التربة وعلى أسطح الحبيبات نفسها يستفيد النبات من ذلك الماء خلال الفترة التي تلي نزول المطر فتبدأ البذور الجافة الموجودة في التربة بامتصاص الماء والمواد المعدنية من الوسط المحيط بها وتتحرك العمليات الكيميائية الحيوية في البذور فتنبت وتنمو الدرنات والأبصال وتصبح مساحة سطحية كبيرة من الشعيرات الجذرية للنباتات معرضة لمحلول التربة مما يسهل عليها عملية امتصاص الماء والعناصر الغذائية.
كما تنشط ملايين الكائنات الحية الموجودة في التربة، فالفطريات والبكتريا تحول بقايا النباتات والحيوانات إلى مواد معدنية تمتصها النباتات عبر الجذور
стр. 131
وتقوم ديدان الأرض بحفر الأنفاق عبر التربة مفسحة المجال لدخول الهواء والماء خلال التربة فتصبح الأرض مخضرة بإنباتها من كل زوج بهيج.
وقد وصف القرآن هذه الحركة الدقيقة لحبيبات التربة والتي لم تشاهد إلا بالمجهر كما وصف ما يحدث من نمو (ربو) لحبيبات التربة الصغيرة بسبب دخول الماء بين الصفائح المكونة لها، ودخوله بين الحبيبات وما ينتج عن ذلك من خزن طويل للماء فيكون سببا لاستمرار إنبات النبات ونموه في وقت انقطاع المطر.
قال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥] .
المعاني اللغوية:
قوله تعالى: هامِدَةً.
يقال في اللغة: " همد" الهاء والميم والدال: أصل يدل على خمود شيء «١» .
وأرض هامدة: لا نبات بها «٢» .
والهمود: الموت «٣» .
قوله تعالى" خاشعة": يقال في اللغة (خشع) : الخاء والشين والعين أصل واحد يدل على التطامن.
و" بلدة خاشعة": مغبرة «٤» .
والخشوع: السكون والتذلل «٥» .
стр. 132
و" خشعت الأرض": يبست لعدم المطر «١» .
والهمود في الأرض: ألّا يكون فيها حياة ولا عود ولا نبت ولا أصابها مطر، وترى الأرض هامِدَةً أي جافة ذات تراب «٢» .
قوله تعالى: اهْتَزَّتْ: يقال في اللغة" هزّ": الهاء والزاء أصل يدل على اضطراب في شئ وحركة «٣» .
اهتز الشيء: تحرك، واهتز النبات: نما وتحرك وطال، والهزّ تحريك الشيء «٤» .
قوله تعالى: وَرَبَتْ الربو: الزيادة والنماء. وربت: انتفخت وعلت.
وربى الشيء: زاد ونما «٥» .
أقوال المفسرين:
هامِدَةً
(أ) يابسة لا تنبت شيئا «٦» .
(ب) جافة ذات تراب «٧» .
(ج) غبراء متهشمة «٨» .
(د) ميتة «٩» .
خاشِعَةً:
(أ) يابسة جدبة «١٠» .
(ب) غبراء متهشمة «١١» .
(ج) هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة «١٢» .
стр. 133
اهْتَزَّتْ:
(أ) يعني بالنبات «١» ؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفيفة فسماه اهتزازا مجازا.
وقال المبرد: المعنى اهتز نباتها فحذف المضاف.
والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض «٢» .
(ب) تحركت لإخراج النبات «٣» .
(ج) اهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء «٤» .
ونلاحظ من كلام المفسرين أنهم عزوا الاهتزاز للنبات، وأوّلوا الآية على غير ظاهرها، وقال بعضهم الاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض، وذلك بسبب نقص المعلومات في زمنهم ولأن الاهتزاز على مستوى التربة وحبيباتها خفي لا تراه العيون المجردة مع أن الآية الكريمة صريحة في نسبة الاهتزاز إلى التربة نفسها بعد إنزال الله المطر عليها.
وَرَبَتْ:
(أ) انتفخت وزادت «٥» .
стр. 134
(ب) ارتعشت قبل أن تنبت «١» .
(ج) ارتفعت قبل أن تنبت «٢» .
(د) انتفخت وعلت لما يتداخلها من الماء ويعلوها من نبات «٣» .
(هـ) انتفخت وعلت ثم تصدعت عن النبات «٤» .
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ: تفرق الغيث في سبختها وربوها «٥» .
وجه الإعجاز:
ذكر القرآن اهتزاز التربة وربوها بعد نزول الماء عليها، وهما عمليتان دقيقتان غير مشاهدتين ولا محسوستين ولا يمكن إدراكهما إلا من خلال استخدام المجهر.
وعملية الاهتزاز والربو لحبيبات التربة يحصل بنزول المطر، وهذا الاهتزاز يمكن الماء بإذن الله من التخلل بين الصفائح المكونة للتربة والفراغات بين الحبيبات، فتنتفخ الحبيبات ويزداد حجمها وتصبح مخازن للماء يستفيد منها النبات. حيث تتشرب البذور الموجودة في التربة الماء وتنبت، وتمتصه الشعيرات الجذرية للنباتات فتنمو برحمة الله.
وتفاصيل العلاقة بين اهتزاز حبيبات التربة وربوها وإنبات الأرض خفية لم يدركها الإنسان إلا بعد تقدم علم التربة وتطور أدواته المعملية.
فأول ملاحظة للاهتزاز كانت في عام ١٨٢٧ م على الرغم من أن الميكروسكوب الضوئي، وهو الأداة التي لوحظ من خلالها الاهتزاز، قد
стр. 135
اخترع «١» عام ١٥٩٠ م، كما أن الميكروسكوب الإلكتروني الماسح والذي يمكن استعماله في فحص الاتحادات البنائية المكونة لحبيبات التربة لم يخترع إلا في عام ١٩٥٢ م «٢» .
ويتجلى السبق العلمي للقرآن بصورة أكثر عند ما نستعرض أقوال المفسرين الذين لم تسعفهم علوم عصرهم في فهم ظاهر الآية الكريمة فاضطر أكثرهم إلى تأويلها وحملها على المجاز.
وإخبار القرآن بكل وضوح عن هذه الأسرار دليل على أنه منزل ممن يعلم السر في السموات والأرض القائل: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) [الفرقان: ٦] والذي وعدنا في كتابه أنه سيرينا آياته بقوله سبحانه: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها [النمل: ٩٣] .
стр. 136
[٨] آية اللبن مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) [النحل: ٦٦] .
مقدمة:
لقد أدرك البشر منذ زمن بعيد العلاقة بين إدرار اللبن وما يتناوله الحيوان من غذاء، وأن الحيوان يهلك إذا ما حرم من الغذاء، ولكنهم لم يعرفوا العملية التي يتم بها تحول هذا الغذاء إلى لبن أو لحم أو عظم أو أي مادة أخرى.
وجاء العلم الحديث ليبين لنا المراحل التي توصلنا إلى تكوين اللبن خالصا سائغا للشاربين فيكشف لنا من آيات الله اللطيف الخبير ما جاء مطابقا لما أخبرنا به القرآن عن أسرار تكون اللبن في بطون الأنعام، ويظهر عظمة إنعام الخالق المنعم على عباده.
التدرج التاريخي للاكتشافات العلمية:
لم يتمكن الإنسان من معرفة كيف يتكون اللبن في بطون الأنعام إلا بعد أن تمكن من اكتشاف أسرار الجهاز الهضمي ومعرفة وظائف أعضائه، وبعد اكتشاف الدورة الدموية وعلاقتها بعملية امتصاص المواد الغذائية من الأمعاء ودخولها في الدم، وقد استغرق ذلك فترة من الزمن لتطوير الأجهزة واكتشاف الأسرار استمرت قرابة خمسة قرون.
أ- تطور الأجهزة وأدوات البحث:
سلك العلم التجريبي طرقا دقيقة لمعرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي بعد أن اخترعت الآلات التي تم بها إجراء التجارب والأبحاث لتحقيق النتائج الدقيقة.
ولم يحصل هذا إلا في وقت متأخر. فقد كان علماء الأحياء والأطباء في القرنين
стр. 137
الرابع عشر والخامس عشر الميلادي عاجزين عن ترجمة ملاحظاتهم العلمية إلى رسوم وصور، كما كانوا أكثر عجزا عن نشرها بين الطلاب لعدم توافر إمكانيات النشر.
وسار التقدم في الأجهزة العلمية التي استعملت في معرفة أسرار عملية الهضم بخطوات متتالية حتى انكشف للباحثين الكثير من أسرار الهضم «١» .
ب- تاريخ معرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي:
تتابعت الاكتشافات العلمية «٢» في معرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي
стр. 138
من عام ١٨٣٣ م إلى أن تم التوصل في القرن العشرين إلى توضيح الأعمال المتتالية لعملية الهضم من تفكك بروتيد البروتينات بواسطة السلاسل الأنزيمية المعدية والمعوية. كما تم توضيح تركيب وتأثير أهم العصائر الهضمية، والتثبت من إنزيمات عديدة ذات دور كبير في عملية هضم الطعام، مثل: اللاكتاز، والليبار والبروتيداز وغيرها، كما اكتشف مفعول الهرمونات المختلفة العاملة في مختلف مراحل عملية الهضم «١» .
وفي عام ١٩٠٢ م، اشترك بايليس) Bayliss) وستارلنغ) Starling (في اكتشاف هرمون السكرتين «٢» .
وفي عام ١٩١١ م أوضح (و. ب. كانون) العوامل الميكانيكية في الهضم وأوضح (ر. غليا نارد) (١٩١٣ م) الدراسة اسينمائية التسجيلية لحركات الأمعاء «٣» .
ج- تاريخ معرفة الدورة الدموية:
اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى وكان يقال قبل ذلك إن الدم ينقى ضمن تجويف في القلب. وقد ترجم اندريا الباغو) Andrea Alpago (عمل ابن النفيس في مطلع القرن السادس عشر إلى اللاتينية، ونشرت الترجمة في البندقية
стр. 139
سنة ١٥٤٧ م «١» .
وجاءت بعد ذلك بحوث هار في حول الدورة الدموية وكانت من أبرز البحوث قبل القرن التاسع عشر «٢» .
وفي عام ١٨٧٧ م اثبت كلود برنار أن مقدار سكر الجلوكوز في الدم ثابت وإن اختلال هذا التوازن يسبب مرض السكر «٣»
، وصحح (كلود برنار) مفهوم (لافوازية) و (لابلاس) بأن الرئتين مركز الاحتراق بقوله أن الاحتراق يتم في الأنسجة المختلفة «٤» .
وعمل ماري ١٩٠٤ -١٨٣٠)) Marey (م) على تحسين التقنيات الخاصة بدراسة عمل القلب والرئتين، كما تناولت أبحاث وأعمال ماري دورة الدم (١٨٦٣، ١٨٨١) ، وفيزيولوجيا الحركة أو الانتقال «٥» .
أما فيزيولوجيا دوران الدم فإنه منذ القرن التاسع عشر جرى التعرف على الأعصاب المعدّلة والمسرعة للقلب وعلى التحرك الوعائي وعلى بعض الظواهر التي تتدخل في الضغط الشرياني، وقد بحثت بتوسع في القرن العشرين.
وبعد استعمال النظائر المشعة تم معرفة المبادلات التي تحدث عند مستوى الشعيرات الدموية بصورة أفضل.
وبعد أن اكتشف الإنسان أسرار الهضم ومراحله ووظائف أعضاء الجهاز الهضمي والدورة الدموية ووظيفة القلب والأوعية الدموية، وسيرها في الجسم وعلاقتها بالجهاز الهضمي وسائر أجزاء الجسم بما فيها ضروع اللبن والغدد اللبنية في الأنعام تمكن الإنسان من معرفة طريقة تكون اللبن من الغذاء الذي تأكله الأنعام.
стр. 140
مراحل تكوين اللبن الخالص السائغ:
يتم تكوين اللبن في الأنعام بالتنسيق المحكم والتدرج الدقيق بين الجهاز الهضمي والجهاز الدوري والجهاز التناسلي عن طريق الغدد اللبنية في الضروع وغيرها من الأجهزة حيث جعل الله لكل جهاز وظيفة وأعمالا خاصة يقوم بها ليتكون- في نهاية المطاف- اللبن الخالص السائغ للشاربين. ويمكن أن نجمل مراحل تكون اللبن كالآتي:
[١] الهضم:) Digestion (
يتم الهضم على عدة أشكال فمنه الهضم «الحركي» والهضم الكيماوي والهضم الميكروبي بواسطة (خمائر) الميكروبات الموجودة في كرش الأنعام.
تبدأ عملية الهضم في الفم بنوعيها: الهضم (الحركي) و (الخمائري) حيث يتم تقطيع مواد العلف بالمضغ وخلطها باللعاب الذي يحتوي على أنزيم (الأميليز) الذي يقوم بهضم مبدئي ثم في المعدة المركبة «١»
حيث يتم هضم
стр. 141
ميكانيكي وميكروبي وكيماوي.
ثم يتم اجترار الكتلة الغذائية من الكرش إلى الفم ليعاد مضغها وخلطها باللعاب ثم إعادة بلعها لتعمل عليها بكتريا الكرش فتحلل (السكريات) «١»
و (البروتينات) «٢»
ثم يحدث الهضم (الخمائري) في المعدة الحقيقية (بالببسين والرنين) . وبعمليات الهضم هذه يتحول العلف إلى فرث. وبانتقال الفرث إلى الأمعاء الدقيقة تستمر عملية الهضم فيتعرض الفرث للإنزيمات الهاضمة «٣»
في الأمعاء والبنكرياس والعصارة الصفراء في الكبد.
وبهذا يتم تحليل الأطعمة المحتوية على الجزئيات المعقدة جدّا إلى جزيئات بسيطة، فالنشاء والسكريات المعقدة تتحول إلى سكريات بسيطة، والدهون تتحول إلى أحماض دهنية، والبروتينات تتحول إلى أحماض أمينية وببتيدات، أما الفيتامينات والأملاح والماء فلا تحتاج إلى هضم قبل امتصاصها.
ويتحول الفرث الصلب بعد هضمه في الأمعاء إلى فرث رائق «٤» .
стр. 142
[٢] الاستخلاص من بين الفرث:
تقوم الخملات «١»
في الأمعاء الدقيقة بامتصاص المواد الغذائية المحللة بعدة طرق «٢» .
وتصل هذه المواد إلى داخل الأوعية الدموية الصغيرة الواقعة تحت النسيج الطلائي، ومنها إلى الأوعية الدموية الأكبر فتدخل في تيار الدورة الدموية.
[٣] الاستخلاص من بين الدم:
ثم يقوم الدم بنقل هذه المواد الغذائية إلى جميع خلايا الجسم والتي منها خلايا الضروع التي يتم فيها امتصاص مكونات الحليب من بين الدم.
[٤] تصنيع اللبن في الضرع:
والضرع مدينة صناعية يتكون من فصوص، وكل فص يتكون من عدد من الفصيصات، وكل فصيص يحتوي ما بين ١٥٠- ٢٢٠ حويصلة مجهرية، والحويصلة المجهرية عبارة عن تركيب يشبه الكيس حيث يصنع اللبن ويفرز. وكل حويصلة تعد وحدة صناعية مستقلة متكونة من تجويف لجمع
стр. 143
اللبن محاط بطبقة واحدة من الخلايا الطلائية (الظهارية) ، وكل خلية في هذه الوحدة الصناعية وحدة متكاملة قائمة بذاتها تحول ما بداخل جوفها من مواد أولية قادمة من الدم إلى قطيرة لبن تفرز في ذلك التجويف.
إن الخلية الطلائية (الظهارية) اللبنية هي التي يجعل الله داخلها جميع عمليات تصنيع اللبن بمكوناته المختلفة، فتصل المكونات الأساسية للبن إلى الغشاء القاعدي للخلية اللبنية فيأخذ كل مكون طريقه عبرها ليصل إلى القسم المناسب داخل الخلية حيث تجري عليه العمليات التي قدرها عالم السر وأخفى سبحانه فيخرج من الجهة العليا للخلية مادة جديدة تشكل مع المواد الآخرى الناتجة لبنا سائغا للشاربين.
فتعال معنا نتتبع مسار كل مادة وردت من الدم وما يحصل لها في رحلتها عبر الخلية اللبنية.
يبين الشكل آليات انتقال مكونات اللبن من الشعيرات الدموية عبر الخلية اللبنية إلى تجويف الحويصلة بعد تعرض قسم منها إلى معالجات تحولها إلى مواد مناسبة لتركيب اللبن وانتقال قسم آخر دون تغيير عبر الخلية أو عبر مسالك يبين الخلايا اللبنية.
[١] الأحماض الأمينية:
تنطلق الأحماض الأمينية التي جاءت من الدم وتتوجه إلى القسم المناسب من المصنع وهو الرايبوسومات المتعددة المنتشرة على الشبكة الإندوبلازمية
стр. 144
الخشنة، كما في الشكل. وهناك ترتبط تساهميّا لتكوين البروتينات، التي تنتقل بعدها إلى جهاز جولجي حيث تتم معالجتها قبل انتقالها إلى خارج الخلية عبر حويصلات إفرازية تتبرعم من جهاز جولجي. وعند الغشاء العلوي للخلية تلتحم الحويصلة الإفرازية بالسطح الداخلي للغشاء العلوي الأمر الذي يؤدي إلى إحداث فتحة تفرع الحويصلة عبرها محتوياتها من البروتينات في تجويف الخلية البنية ١- إفراز خلوي تسربي
٢- دهون
٣- نقل قمي
٤- نقل عبر الخلية
٥- مسلك جوار الخلية
الحويصلة. وهكذا توفرت مكونات اللبن من البروتينات.
[٢] سكر اللبن (اللاكتوز) :
ثمة مادة مهمة أخرى من مكونات اللبن وهي اللاكتوز أو سكر اللبن، الذي يجعل اللبن سائغا للشاربين بإذن الله تعالى.
стр. 145
يدخل سكر الجلوكوز القادم من الدم الخلية عبر غشائها القاعدي الجانبي فيتحول بعضه إلى جالاكتوز ويدخلان معا جهاز جولجي ليتعرضا لتفاعلات تؤدي إلى تكوين (سكر اللبن) (اللاكتوز) ، مما يؤدي إلى سحب الماء إلى داخل الخلية وداخل جهاز جولجي فيكون جزآ من اللبن «١» .
وينضم سكر اللبن والماء إلى البروتينات بانتظار مكونات أخرى مهمة ومنها الدهون.
[٣] الدهون:
تستقبل الخلايا الطلائية الخلات والزبدات والأحماض الدهنية الجاهزة والجليسيرول، القادمة من الدم عبر الغشاء القاعدي الجانبي لتشكل مادة دهنية في الشبكه الأندوبلازمية التي يخرج منها الدهن عندئذ في صورة قطيرات دهنية صغيرة تتجمع لتشكل قطيرة أكبر فأكبر تتجه نحو الغشاء العلوي للخلية حتى إذا ما وصلته هداها ربها للاندفاع بقوة للالتحاق بمكونات اللبن السابقة التي حطت رحالها في تجويف الحويصلة ولكن هذه القطيرة بعد أن سارت عبر الخلية دون غشاء تجرف معها جزآ من غشاء الخلية لتحيط نفسها به فيتم تغليف الحبيبة- بإذن الله- وهي في تجويف الحويصلة، وعندئذ تسمى كرية دهنية لبنية بعد أن كانت مجرد قطيرة دهنية.
[٤] الأجسام المضادة:
تأتي الأجسام المضادة من الدم عبر الغشاء القاعدي الجانبي للخلية اللبنية فتتسلمها مستقبلات موجودة على السطح القاعدي الجانبي للخلية ثم تحملها حويصلات النقل (ناقلات) عبر الخلية لتصل إلى السطح الداخلي للغشاء العلوي للخلية فتطرح هذه الأجسام المضادة المناعية في تجويف الحويصلة دون أن