* وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يميز مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر التي تحرك مياه البحار مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الآخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام مثل الموجات السطحية والداخلية والتيارات المائية والبحرية؟.
ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام (١٣٦١ هـ ١٩٤٢ م) . فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة، والأحياء المائية، والحرارة، وقابلية ذوبان الأوكسجين في الماء.
وبعد عام (١٩٦٢ م) عرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر فيحدث الاختلاط بين البحار الملحة، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز.
ويبين الشكل التالي حدود مياه البحر الأبيض المتوسط الساخنة والملحة، عند دخولها في المحيط الأطلسي ذي المياه الباردة والأقل ملوحة منها.
стр. 72
FIG. ٦. ٧١ Mediterronean Sea Water as it enters the Atontic over the
Gibratar still Shaded portion repnesents Mediterronean water: temperd- tures are in C.) After PH. H. Kuenen. ٣٦٩١. Realns. ofwaterNew York:
Wilev. P. ٧٦ (.
الحاجز بين مياه البحر الأبيض المتوسط ومياه المحيط الأطلسي، ويظهر تميز مياه الحاجز «البرزخ» عن مياه البحرين من حيث درجة الملوحة والمبينة بالخطوط والأرقام والألوان.
* وأخيرا تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار الملحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية، والتي تبين أن مياه البحار وإن بدت جسما واحدا، إلا أن هناك فروقا كبيرة بين الكتل المائية للبحار المختلفة، تظهر بألوان مختلفة تبعا لاختلافها في درجة الحرارة.
стр. 73
وفي دراسة ميدانية «١» للمقارنة بين مياه خليج عمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيميائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما ووجود البرزخ الحاجز بينهما.
خريطة أفقية للخليج العربي وقطاع رأسي يميز منطقة الحاجز بين الخليج العربي وخليج عمان، وذلك باختلاف درجة الملوحة في المناطق الثلاثة.
стр. 74
وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية، وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة، اشترك فيها المئات من الباحثين، واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة.
بينما جلى القرآن الكريم هذه الحقيقة قبل أربعة عشر قرنا، قال تعالى:
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن: ١٩- ٢٢] .
وقال تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً [النمل: ٦١] .
المعاني اللغوية وأقوال المفسرين:
مَرَجَ:
قال ابن فارس: مَرَجَ: الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب، ومرج الخاتم في الإصبع: قلق، وقياس الباب كله منه ومرجت أمانات القوم وعهودهم: اضطربت واختلطت، والمرج: أصله أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب «١» .
الْبَحْرَيْنِ:
قال ابن فارس: الباء والحاء والراء، قال الخليل: سمي البحر بحرا لاستبحاره وهو انبساطه وسعته ... ويقال للماء إذا غلظ بعد عذوبته استبحر، وماء بحري أي مالح «٢» .
وقال الأصفهاني «٣» : وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للماء المالح
стр. 75
دون العذب «١» .
وقال ابن منظور «٢» : وقد غلب على المالح حتى قلّ في العذب «٣» .
فإذا أطلق البحر دل على البحر المالح، وإذا قيّد دل على ما قيّد به.
والقرآن يستعمل لفظ الأنهار للدلالة على المياه العذبة الكثيرة الجارية.
ويستعمل لفظ البحر ليدل على البحر المالح. قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ [إبراهيم: ٣٢] .
وكذلك يستعمل لفظ البحر في الحديث للدلالة على الماء الملح، فقد سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضّأنا به عطشنا أفنتوضّأ من ماء البحر؟
فقال رسول الله ﷺ : «هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته» «٤» .
البرزخ: هو الحاجز: وقد ذهب أكثر المفسرين «٥» إلى أنه لا يرى.
البغي: قال ابن منظور: وأصل البغي مجاوزة الحد «٦» ، وبمثله قال
стр. 76
الجوهري «١» والأصفهاني «٢» .
المرجان: قال ابن الجوزي «٣» : وحكى القاضي أبو يعلي أن المرجان ضرب من اللؤلؤ كالقضبان وروي عن الزجّاج «٤» قوله: المرجان أبيض شديد البياض «٥» .
وقال ابن مسعود: المرجان الخرز الأحمر.
ونقل أبو حيان «٦» عن بعضهم أن المرجان هو الحجر الأحمر «٧» .
وقال القرطبي: وقيل المرجان عظام اللؤلؤ وكباره، قاله علي وابن عباس ﵄ واللؤلؤ صغاره، وعنهما أيضا بالعكس أن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره وقاله الضحاك وقتادة «٨» .
وقال الألوسي «٩» : وأظن أنه إن اعتبر في اللؤلؤ معنى التلألؤ واللمعان، وفي المرجان معنى المرج والاختلاط فالأوفق لذلك ما قيل ثانيا فيهما «١٠» . أي
стр. 77
أن اللؤلؤ ما عظم منه والمرجان اللؤلؤ الصغار.
والحاصل أن المرجان نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة بيضاء وحمراء، ويكون كبيرا وصغيرا، وهو حجر يكون كالقضبان، وقد يكون صغيرا كاللؤلؤ أو الخرز، وهو في الآية غير اللؤلؤ، وحرف العطف بينها يقتضي المغايرة.
هذا والمرجان لا يوجد إلا في البحار الملحة.
والآيات ترينا دقائق الأسرار التي كشف عنها اليوم علم البحار؛ فهي تصف اللقاء بين البحار الملحة ودليل ذلك ما يلي:
أولا: لقد أطلقت الآية لفظ البحرين بدون قيد، فدل ذلك على أن البحرين ملحان.
ثانيا: بينت الآيات في سورة الرحمن أن البحرين يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وقد تبين أن المرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، فدل ذلك على أن الآية تتحدث عن بحرين ملحين، قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ، أي يخرج من كل منهما.
فمن الذي كان يعلم أن البحار الملحة تتمايز فيما بينها رغم اتحادها في الأوصاف الظاهرة التي تدركها الأبصار والحواس؛ فكلها (ملحة، زرقاء، ذات أمواج، وفيها الأسماك وغيرها) وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها؟، والمعروف أن المياه إذا اختلطت في إناء واحد تجانست، فكيف وعوامل المزج في البحار كثيرة من مد وجزر وأمواج وتيارات وأعاصير؟.
والآية تذكر اللقاء بين بحرين ملحين يختلف كل منهما عن الآخر، إذ لو كان البحران لا يختلف أحدهما عن الآخر لكانا بحرا واحدا، ولكن التفريق بينهما في اللفظ القرآني دال على اختلاف بينهما مع كونهما ملحين.
стр. 78
ومَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ أي أن البحرين مختلطان، وهما في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب في منطقة الالتقاء، كما تدل اللغة على ذلك بلفظ مرج، وهذا ما كشفه العلم من وصف لحال البرزخ الذي يكون متعرجا ومتنقلا في الفصول المختلفة بسبب المد والجزر والرياح.
ومن يسمع هذه الآية فقط، يتصور أن امتزاجا واختلاطا كبيرا يحدث بين هذه البحار يفقدها خصائصها المميزة لها، ولكن العليم الخبير يقرر في الآية بعدها: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) أي ومع حالة الاختلاط والاضطراب هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزا يحجز بينهما يمنع كلّا منهما أن يطغى ويتجاوز حده.
وهذا ما شاهده الإنسان بعد ما تقدم في علومه وأجهزته، فقد وجد ماء ثالثا حاجزا بين البحرين يختلف في خصائصه عن خصائص كل منهما.
ومع وجود البرزخ فإن ماء البحرين المتجاورين يختلط ببطء شديد، ولكن دون أن يبغي أحد البحرين على الآخر بخصائصه؛ لأن البرزخ منطقة تقلب فيها المياه العابرة من بحر إلى آخر لتكتسب المياه المنتقلة بالتدريج صفات البحر الذي ستدخل إليه، وتفقد صفات البحر الذي جاءت منه وبهذا لا يبغي بحر على بحر آخر بخصائصه، مع أنهما يختلطان أثناء اللقاء، وصدق الله القائل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) [الرحمن: ١٩- ٢٠] .
ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين هو حاجز من قدرة الله لا يرى «١» .
وقد أشكل على بعض المفسرين الجمع بين اختلاط مياه البحار مع وجود البرزخ؛ إذ أن وجود البرزخ (الحاجز) يقتضي منع الاختلاط، وذكر الاختلاط
стр. 79
(مرج) يقتضي عدم وجود البرزخ، وقد زال الإشكال اليوم باكتشاف أسرار البحر على حقائقها.
أوجه الإعجاز في الآيات السابقة:
مما سبق يتبين:
[١] أنّ القرآن الكريم الذي أنزل قبل أكثر من ١٤٠٠ سنة قد تضمن معلومات دقيقة عن ظواهر بحرية لم تكتشف إلا حديثا بواسطة الأجهزة المتطورة، ومن هذه المعلومات وجود حواجز مائية بين البحار، قال تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) [الرحمن: ١٩- ٢٠] .
[٢] يشهد التطور التاريخي في سير علوم البحار بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار وبخاصة قبل رحلة تشالنجر عام (١٨٧٣ م) فضلا عن وقت نزول القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة الذي نزل على نبيّ أمي عاش في بيئة صحراوية ولم يركب البحر.
[٣] كما أن علوم البحار لم تتقدم إلا في القرنين الأخيرين وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين. وقبل ذلك كان البحر مجهولا مخيفا تكثر عنه الأساطير والخرافات، وكل ما يهتم به راكبوه هو السلامة والاهتداء إلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة، وما عرف الإنسان أن البحار الملحة بحار مختلفة إلا في الثلاثينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية لتحليل عينات من مياه البحار، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة، ونسبة الملوحة، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأوكسجين في مياه البحار في كل المحطات فأدركوا بعدئذ أن البحار الملحة متنوعة.
стр. 80
[٤] وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار الملحة، إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها، وبعد أن قضى وقتا طويلا في تتبع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة، التي تتغير في موقعها الجغرافي بتغير فصول العام.
[٥] وما عرف الإنسان أن مائي البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي، ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق.
[٦] وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين في كل بحار الأرض.
* فهل كان يملك رسول الله ﷺ تلك المحطات البحرية، وأجهزة تحليل كتل المياه، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة؟.
* وهل قام بعملية مسح شاملة، وهو الذي لم يركب البحر قط، وعاش في زمن كانت الأساطير هي الغالبة على تفكير الإنسان وخاصة في ميدان البحار؟.
* وهل تيسر لرسول الله ﷺ في زمنه من أبحاث وآلات ودراسات ما تيسر لعلماء البحار في عصرنا الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحث والدراسة؟.
* إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفا لأدق الأسرار في زمن يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدلّ على مصدره الإلهي، كما قال تعالى:
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) .
[الفرقان: ٦] .
стр. 81
* كما يدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحى إليه وصدق الله القائل:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصلت: ٥٣] .
[٢] الناصية:
وصف القرآن الناصية بأنها كاذبة خاطئة كما قال تعالى: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٦] .
والناصية لا تنطق فكيف يسند إليها الكذب؟ ولا تجترح الخطايا فكيف تسند إليها الخطيئة؟.
لقد أزال البروفيسور محمد يوسف سكر «١» عني هذه الحيرة «٢» عند ما كان يحدثني عن وظائف المخ فقال: إن وظيفة الجزء من المخ الذي يقع في ناصية الإنسان هي توجيه سلوك الإنسان فقلت له: وجدتها!
قال: ماذا وجدت؟.
قلت: وجدت تفسير قوله تعالى: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) .
فقال: دعني أراجع كتبي ومراجعي.
وبعد مراجعته لتلك الكتب والمراجع، أكد الأمر وقال: إن الإنسان إذا أراد أن يكذب فإن القرار يتخذ في الفص الجبهي للمخ الذي هو جبهة الإنسان وناصيته، وإذا أراد الخطيئة فإن القرار كذلك يتخذ في الناصية.
ثم عرضت الموضوع على عدد من العلماء المتخصصين، منهم البرفسور كيث
стр. 82
إل مور «١» الذي أكد أن الناصية هي المسئولة عن المقايسات العليا وتوجيه سلوك الإنسان، وما الجوارح إلا جنود تنفذ هذه القرارات التي تتخذ في الناصية؛ لذلك فالقانون في بعض الولايات الأمريكية «٢» يجعل عقوبة كبار المجرمين الذي يرهقون أجهزة الشرطة هي استئصال الجزء الأمامي من المخ (الناصية) ؛ (لأنه مركز القيادة والتوجيه) ليصبح المجرم بعد ذلك كطفل وديع يستقبل الأوامر من أي شخص.
وبدراسة التركيب التشريحي لمنطقة أعلى الجبهة وجد أنها تتكون من أحد عظام الجمجمة المسمى العظم الجبهي «٣» ، ويقوم هذا العظم بحماية أحد فصوص المخ والمسمى الفص الأمامي أو الفص الجبهي «٤» ، وهو يحتوي على عدة مراكز عصبية تختلف فيما بينها من حيث الموقع والوظيفة.
وتمثل القشرة الأمامية الجبهية الجزء الأكبر من الفص الجبهي للمخ، وترتبط وظيفة القشرة الأمامية الجبهية بتكوين شخصية الفرد، وتعتبر مركزا علويّا من مراكز التركيز والتفكير والذاكرة، وتؤدي دورا منتظما لعمق إحساس الفرد بالمشاعر، ولها تأثير في تحديد المبادأة والتمييز.
وتقع القشرة مباشرة خلف الجبهة؛ أي أنها تختفي في عمق الناصية، وبذلك تكون القشرة الأمامية الجبهية هي الموجه لبعض تصرفات الإنسان التي تنم عن شخصيته، مثل الصدق والكذب والصواب والخطأ ... الخ، وهي التي تميز بين هذه الصفات وبعضها البعض وهي التي تحث الإنسان على المبادأة سواء بالخير أو بالشر «٥» .
стр. 83
المناطق الوظيفية لنصف الكرة الأيسر للحاء المخي وتقع منطقة الناصية عند مقدمة اللحاء المخي
وعندما قدم البرفسور كيث إل مور البحث المشترك بيني وبينه حول الإعجاز العلمي في الناصية، في مؤتمر دولي عقد في القاهرة «١» ، لم يكتف بالحديث عن وظيفة الفص الجبهي في المخ (الناصية) عند الإنسان، بل تطرق إلى بيان وظيفة الناصية في مخاخ الحيوانات المختلفة، وقدم صورا للفصوص الجبهية في عدد من الحيوانات قائلا: إن دراسة التشريح المقارن لمخاخ الإنسان والحيوان تدل على تشابه في وظيفة الناصية، فالناصية هي مركز القيادة والتوجيه عند الإنسان
стр. 84
وكذلك عند كل الحيوانات ذوات المخ، فلفت قوله ذلك انتباهي إلى قوله تعالى:
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) [هود: ٥٦] .
وتذكرت أيضا بعض أحاديث النبي ﷺ في الناصية كقوله: «اللهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ... » «١» .
وكقوله: «أعوذ بك من شرّ كلّ شيء أنت آخذ بناصيته» «٢» .
وكقوله: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» «٣» .
стр. 85
فإذا جمعنا معاني هذه النصوص نستنتج أن الناصية هي مركز القيادة والتوجيه لسلوك الإنسان، وكذا سلوك الحيوان.
الناصية مركز القيادة والتوجيه عند الإنسان، وكذلك عند كل الحيوانات ذوات المخ
المعاني اللغوية للآية وأقوال المفسرين:
قال تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٥- ١٦] .
السفع: هو القبض والجذب، وقيل هو مأخوذ من سفع النار، والشمس إذا غيرت وجهه إلى السواد «١» .
стр. 86
الناصية: هي مقدم الرأس «١» .
أقوال المفسرين: ذهب جمهور المفسرين إلى تأويل الآية بأن وصف الناصية بالكذب والخطيئة ليس وصفا لها بل هو وصف لصاحبها «٢» ، وأمّرها الباقون كما هي بدون تأويل مثل الحافظ ابن كثير.
ويتضح من أقوال المفسرين ﵏ عدم علمهم بأن الناصية هي مركز اتخاذ القرار بالكذب أو الخطيئة، فحملهم ذلك على تأويلها بعيدا عن ظاهر النص، فالنص يصفها بالكذب والخطيئة، وهم أوّلوا وصفها بذلك، فجعلوه وصفا لصاحبها، فأولوا الصفة والموصوف في قوله تعالى: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ.
كانت مضافا ومضاف إليه، والفرق واضح في اللغة بين الصفة والموصوف والمضاف والمضاف إليه.
وأمرّ آخرون من المفسرين الآية كما هي، دون أن يقحموا أنفسهم فيما لا تطيقه معارفهم وعلومهم في ذلك الزمان.
أوجه الإعجاز العلمي:
* يقول البرفسور كيث إل مور مستدلا على هذه المعجزة العلمية: إن المعلومات التي نعرفها عن وظيفة المخ لم تذكر طوال التاريخ، ولا نجد في كتب الطب عنها شيئا؛ فلو جئنا بكتب الطب كلها في عهد النبي ﷺ وبعده بقرون لن نجد ذكرا لوظيفة الفص الجبهي الأمامي (الناصية) ولن نجد له بيانا، ولم يأت الحديث عنه إلا في هذا الكتاب (القرآن الكريم) ، مما يدل على أن هذا من علم الله جل وعلا الذي أحاط بكل شئ علما، ويشهد بأن محمدا رسول الله «٣» .
стр. 87
* ولقد كانت بداية معرفة الناس بوظيفة الفص الأمامي الجبهي في عام ١٨٤٢ م، حين أصيب أحد عمال السكك الحديد في أمريكا بقضيب اخترق جبهته، فأثر ذلك في سلوكه ولم يضر بقية وظائف الجسم، فبدأت معرفة الأطباء بوظيفة الفص الجبهي للمخ، وعلاقته بسلوك الإنسان.
* وكان الأطباء يعتقدون قبل ذلك أن هذا الجزء من المخ الإنساني منطقة صامته لا وظيفة لها. فمن أعلم محمدا ﷺ بأن هذا الجزء من المخ (الناصية) هو مركز القيادة للإنسان والدواب وأنه مصدر الكذب والخطيئة؟!.
* لقد اضطر أكابر المفسرين إلى تأويل النص الظاهر بين أيديهم لعدم إحاطتهم علما بهذا السر، حتى يصونوا القرآن من تكذيب البشر الجاهلين بهذه الحقيقة طوال العصور الماضية، بينما نرى الأمر في غاية الوضوح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في أن الناصية هي مركز القيادة والتوجيه في الإنسان والدواب.
فمن أخبر محمدا ﷺ من بين كل أمم الأرض بهذا السر وبهذا الحقيقة؟!.
إنه العلم الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو شهادة من الله بأن القرآن من عنده؛ لأنه نزل بعلمه سبحانه.
[٣] والجبال أوتاد:
قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) .
[النبأ: ٦- ٧] .
تشير الآية إلى أن الجبال أوتاد للأرض، والوتد يكون منه جزء ظاهر على سطح الأرض، ومعظمه غائر فيها، ووظيفته التثبيت لغيره.
بينما نرى علماء الجغرافيا والجيولوجيا يعرّفون الجبل بأنه: كتلة من الأرض
стр. 88
تبرز فوق ما يحيط بها، وهو أعلى من التل «١» .
ويقول د. زغلول النجار: إن جميع التعريفات الحالية للجبال تنحصر في الشكل الخارجي لهذه التضاريس، دون أدنى إشارة لامتداداتها تحت السطح، والتي ثبت أخيرا أنها تزيد على الارتفاع الظاهر بعدة مرات «٢» .
ثم يقول: ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدم السير جورج ايري بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساسا مناسبا للجبال التي تعلوها، وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزآ طافيا على بحر من الصخور الكثيفة المرنة، وبالتالي فلا بد أن يكون للجبال جذور ممتدة داخل تلك المنطقة العالية الكثافة لضمان ثباتها واستقرارها «٣» .
وقد أصبحت نظرية ايري حقيقة ملموسة مع تقدم المعرفة بتركيب الأرض الداخلي عن طريق القياسات الزلزالية، فقد أصبح معلوما- على وجه القطع- أن للجبال جذورا مغروسة في الأعماق ويمكن أن تصل إلى ما يعادل ١٥ مرة من ارتفاعاتها فوق سطح الأرض، وأن للجبال دورا كبيرا في إيقاف الحركة الأفقية الفجائية لصفائح طبقة الأرض الصخرية. هذا وقد بدأ فهم هذا الدور في إطار تكتونية الصفائح منذ أواخر الستينيات.
стр. 89
شكل توضيحي آخر يبين كيف تشبه الجبال الأوتاد في شكلها بسبب جذورها العميقة.
ويعرف الدكتور زغلول الجبال في ضوء المعلومات الحديثة فيقول: إن الجبال ما هي إلا قمم لكتل عظيمة من الصخور تطفو في طبقة أكثر كثافة كما تطفو
стр. 90
جبال الجليد في الماء «١» .
ولقد وصف القرآن الجبال شكلا ووظيفة، فقال تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النبأ: ٧] .
وقال تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [لقمان: ١٠] .
وقال تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) [الأنبياء: ٣١] والجبال أوتاد بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشرة الأرض.
وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل، فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقة لزجة نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية «٢» .
ولقد تنبه المفسرون- ﵏ إلى هذه المعاني فأوردوها في تفسيرهم لقوله تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً واليك أمثلة من ذلك:
[١] قال ابن الجوزي: وَالْجِبالَ أَوْتاداً للأرض لئلا تميد «٣» .
[٢] وقال الزمخشري «٤» : وَالْجِبالَ أَوْتاداً أي أرسيناها بالجبال كما يرسى
стр. 91
البيت بالأوتاد.
[٣] وقال القرطبي: وَالْجِبالَ أَوْتاداً أي لتسكن ولا تتكفأ بأهلها «١» .
[٤] وقال أبو حيان: وَالْجِبالَ أَوْتاداً أي ثبّتنا الأرض بالجبال كما يثبت البيت بالأوتاد «٢» .
[٥] وقال الشوكاني «٣» : وَالْجِبالَ أَوْتاداً الأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرسى البيت بالأوتاد «٤» .
أول الجبال خلقا: البركانية:
عند ما خلق الله القارات بدأت في شكل قشرة صلبة رقيقة تطفو على مادة الصهير الصخري، فأخذت تميد وتضطرب، فخلق الله الجبال البركانية التي كانت تخرج من تحت تلك القشرة، فترمي بالصخور خارج سطح الأرض، ثم تعود منجذبة إلى الأرض وتتراكم بعضها فوق بعض مكونة الجبال، وتضغط بأثقالها المتراكمة على الطبقة اللزجة فتغرس فيها جذرا من مادة الجبل، الذي يكون سببا لثبات القشرة الأرضية واتزانها.
وفي قوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ [لقمان: ١٠] إشارة إلى الطريقة التي تكونت بها الجبال البركانية بإلقاء مادتها من باطن الأرض إلى الأعلى ثم عودتها لتستقر على سطح الأرض.
ويجلي حديث الرسول ﷺ هذه الكيفية، فقد روى أنس بن مالك «٥»
стр. 92
عن النبي ﷺ أنه قال: «لّما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فعاد بها عليها ... » الحديث «١» .
فتأمل في قول النبي ﷺ المبين لكيفية خلق الجبال: " فعاد بها عليها"، أي أن خلقها كان بخروجها من الأرض وعودتها عليها.
стр. 93
أوجه الإعجاز:
إن من ينظر إلى الجبال على سطح الأرض لا يرى لها شكلا يشبه الوتد أو المرساة، وإنما يراها كتلا بارزة ترتفع فوق سطح الأرض، كما عرفها الجغرافيون والجيولوجيون. ولا يمكن لأحد أن يعرف شكلها الوتدي، أو الذي يشبه المرساة إلا إذا عرف جزءها الغائر في الصهير البركاني في منطقة الوشاح، وكان من المستحيل لأحد من البشر أن يتصور شيئا من ذلك حتى ظهرت نظرية (سيرجورج ايري) عام ١٨٥٥ م.
فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الحقيقة الغائبة في باطن القشرة الأرضية وما تحتها على أعماق بعيدة تصل إلى عشرات الكيلومترات، قبل معرفة الناس لها بثلاثة عشر قرنا؟!.
ومن أخبر محمدا ﷺ بوظيفة الجبال، وأنها تقوم بعمل الأوتاد والمراسي، وهي الحقيقة التي لم يعرفها الإنسان إلا بعد عام ١٩٦٠ م؟.
وهل شهد الرسول ﷺ خلق الأرض وهي تميد؟ وتكوين الجبال البركانية عن طريق الإلقاء من باطن الأرض وإعادتها عليها لتستقر الأرض؟!.
ألا يكفي ذلك دليلا على أن هذا العلم وحي أنزله الله على رسوله النبي الأمي في الأمة الأمية، في العصر الذي كانت تغلب عليه الخرافة والأسطورة؟.
إنها البينة العلمية الشاهدة بأن مصدر هذا القرآن هو خالق الأرض والجبال، وعالم أسرار السموات والأرض القائل: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) [الفرقان: ٦] .
стр. 94
[٤] فأخرجنا منه خضرا نّخرج منه حبّا مّتراكبا:
قدر الله أن تعتمد النباتات وكذا الإنسان والحيوانات في غذائها على ما ينتجه النبات في مصانعه الخضراء.
وهذه المصانع الخضراء يخرجها النبات بأمر ربه عند بداية نموه وتسمى في كتب العلوم النباتية" البلاستيدات الخضراء" والتي تحتوي على الكلوروفيل الذي عبّر عنه القرآن بالخضر «١» ، حيث يقوم بالاستفادة من الطاقة الضوئية ويحولها إلى طاقة كيمائية ينتج عنها تكوين الحبوب والثمار المختلفة وسائر أجزاء النبات التي نراها في الحدائق والبساتين.
ويدلنا القرآن على هذه الحقائق في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) [الأنعام: ٩٩] .
التفسير والمعنى اللغوي:
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً: أي المطر.
فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ: أي فأخرجنا بالمطر كل صنف من النبات.
فَأَخْرَجْنا مِنْهُ: أي من الماء وقيل من النبات.
خَضِراً: أي شيئا غضّا أخضر «٢» .
نُخْرِجُ مِنْهُ: أي من الخضر «٣» .
стр. 95
حَبًّا مُتَراكِباً: أي بعضه على بعض.
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها «١» : الطلع: غلاف يشبه الكوز ينفتح عن حبّ منضود فيه مادة إخصاب النخلة.
قِنْوانٌ: جمع قنو وهو العذق الذي هو عنقود النخل.
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ: أي وأخرجنا جنات من أعناب.
الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ: متشبها ورقها مختلفا ثمرها «٢» ، وقيل متشابه في المنظر، مختلف في المطعم «٣» .
انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: أي انظروا بأعينكم نظر اعتبار لا نظر الإبصار المجرد عن التفكير، ونبه على حالين: بالابتداء وهو وقت ابتداء الإثمار، والانتهاء وهو وقت نضجه، أي كيف يخرجه ضئيلا لا يكاد ينتفع به وكيف يعود نضيجا مشتملا على منافع «٤» ، والثمر في اللغة: جنى الشجر.
وَيَنْعِهِ: نضجه، يقال: ينع وأينع إذا نضج.
وقال ابن العربي: قال مالك: الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش، قال مالك:
والنقش أن ينقش أهل البصرة الثمر حتى يرطب. يريد: يثقب فيه بحيث يسرع دخول الهواء إليه فيرطب معجلا، فليس ذلك الينع المراد في القرآن وإنما هو ما يكون من ذاته بغير محاولة «٥» .
إذا فهذه المصانع الخضراء تخرج من النبات عند بدء نموه، والنبات يخرجه الماء من بذوره وأصوله. فالله أنزل من السماء ماء، فأخرج به
стр. 96
نبات كل شئ، وأخرج من النبات هذه المصانع الخضراء التي منها تخرج المواد الغذائية التي تتكون منها الحبوب والثمار بل وسائر أجزاء النبات.
لكن هذه الحقيقة جهلتها البشرية، ولم تعرفها إلا بعد بحث استغرق ثلاثمائة عام، بداية من عام ١٦٠٠ م، حيث أجرى علماء فسيولوجيا النبات" علم وظائف الأعضاء" أبحاثا وتجارب كثيرة لمعرفة عملية البناء الضوئي.
ففي عام ١٨٠٤ م نشر" دي سواسير" أن هناك نوعين من التبادل الغازي، أحدهما يحدث في الضوء والآخر في الظلام، وأن الأجزاء الخضراء هي التي تمتص ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأوكسجين في الضوء" «١» . واستمرت الاكتشافات المتواصلة في هذا المجال.
وفي عام ١٩٤٢ م قال" ماير": إن المصدر النهائي للطاقة المستخدمة في كل من النبات والحيوان هي الشمس وإن الطاقة الضوئية عند ما تمتص في النباتات تتحول إلى طاقة كيماوية عن طريق التمثيل الضوئي" «٢» .
وقال جلاس ١٩٦١ م إن المركبات الأكثر أهمية في تحويل الطاقة الضوئية إلى طاقة كيميائية في النبات هي الصبغات التي توجد داخل البلاستيدات الخضراء" أو حاملات الصبغات" «٣» .
ويبدأ النبات عملية التمثيل الضوئي من خلال هذه المكونات والعضيات.
انظر الشكل «١» .
وينشأ من ذلك كله خلق المواد الكربوهيدراتية والتي تدخل في عمليات حيوية معقدة ينتج عنها بناء خامات الجدار الخلوي والأحماض النووية والبروتينات والدهون والهرمونات النباتية والصبغات ... الخ، وهذه المواد هي
стр. 97
أساس تكوين جميع أجزاء النباتات والتي يتغذى عليها الإنسان والحيوانات أنظر الشكل (٢- ٣) .
يقوم النبات بالاستفادة من الطاقة الضوئية فيحولها إلى طاقة كيميائية فيما يسمى بالفسفرة الضوئية داخل الخضر في البلاستيدة الخضراء وينتج عنه طاقة كيميائية في صورة NADPH ,ATP والتي يستخدمها النبات فيما يسمى بدورة كالفن وبنسون، وينتج عنها الكاربوهيدرات (السكريات) والتي لا تتحطم أو تتكسر تكسيرا كاملا ولكنها تستخدم كأصول لبناء المواد الخلوية الآخرى، بجانب دخولها في عملية تنفس النبات وهذا يؤدي بطريقة مباشرة إلى بناء خامات الجدار الخلوي والأحماض النووية والبروتينات والدهون والهرمونات النباتية والصبغات ... إلخ.
ويمكن تلخيص العملية بالمعادلة التالية:
المادة الخضراء «الخضر» ثاني أكسيد كربون ماء- سكرجلوكوز أوكسجين ضوء الشمس
стр. 98
أوجه الإعجاز:
إن العلماء الباحثين في مجال فسيولوجيا النبات اكتشفوا أن المادة الخضراء" الخضر" هي التي تقوم بامتصاص الطاقة الضوئية، وتحويلها إلى طاقة كيماوية ينتج عنها تكوين الثمار المختلفة.
وكان هذا الاكتشاف بعد دراسات متواصلة، وتجارب متنوعة استغرقت قرونا ثلاثة امتدت إلى القرن العشرين.
إن هذه العملية في تكوين الحبوب والثمار والأشجار كانت سرّا مجهولا يختفي في أعماق الثيلاكويد داخل البلاستيدة الخضراء التي لا ترى بالعين المجردة، عرفها علماء النبات بعد سلسلة طويلة من البحوث والدراسات المتواصلة
стр. 99
التي تجند لها العلماء طوال بضعة قرون.
وبعد أن توافرت لهم وسائل البحث العلمي الدقيقة قرروا في نهاية المطاف:
أن في النبات مادة خضراء، وأن هذه المادة الخضراء تخرج المواد الكربوهيدراتية التي هي أساس لتكوين جميع المواد المكونة للثمار والأشجار والزروع.
وهذا ما قرره القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة عام، على لسان نبي أمي، عاش في بيئة صحراوية، وفي أمة أمية وفي عصر لم تتوافر فيه آلات البحث العلمي.
ولقد كان بالإمكان أن تغافل الآية الكريمة ذكر المادة الخضراء ولن يعترض أحد على ذلك الإغفال إلا من يعلم الدور الأساس لتلك المادة، غير أن ذكرها يدل على علم القائل بأنها صاحبة الدور الرئيس في تكوين وإنتاج الحبوب والثمار وسائر الأشجار والزروع. ومن عظمة القرآن الكريم أن يذكر الحقيقة وأن يأخذ بأيدي الناس للوقوف على أول الطريق لمن أراد معرفة السر فيقول: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ، فهو يوجه النظر إلى بداية تكون الثمرة وعلاقتها بالإيناع الذي يتوقف عنده إنتاج تلك الثمار بسبب اصفرار أوراق بعض النباتات وموت خلاياها.
فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الحقيقة؟، وهو النبي الأمي الذي عاش في تلك البيئة الأمية، وفي زمان لم توجد فيه أبسط الأجهزة فضلا عن امتلاك ما تتطلبه معرفة هذه الحقائق من الأجهزة المتطورة ومراكز ومعامل الأبحاث في مجال فسيولوجيا النبات.
إن اشتمال القرآن على هذه المعلومات النباتية الدقيقة يشهد أنه من عند الله القائل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) [النساء: ١٦٦] .
[٥] وأنزلنا الحديد:
قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] .
تتحدث هذه الآية عن وجود الحديد في الأرض وأنه وجد فيها بعملية إنزال من السماء، وهذا يسوقنا إلى دراسة كيفية تكوين الحديد في الكون.
وقد درس العلماء المتخصصون هذا الأمر فوجدوا أن ٩٨ من الكون يتكون من الهيدروجين والهليوم، وهما أخف العناصر «١» ، وأن ال ٢ الباقية تشكل العناصر الأثقل وعددها مائة وخمسة عناصر، مما حمل الدارسين على استنباط حقيقة تكون المواد الأثقل وزنا ذريّا من المواد الأخف، وأن ذلك يتم عن طريق الاندماج النووي «٢» الذي تصحبه طاقة هائلة، ووجد الباحثون أن هناك نجوما تصل درجة حرارتها من ٣٠٠ ألف مليون درجة إلى ٤٠٠ ألف مليون درجة مئوية «٣» تسمح بأن يتكون الحديد بداخلها. فإذا وصلت كمية الحديد إلى ٥٠ من كتلة النجم وأصبح قلب النجم كله حديدا تتوقف العملية بالكامل وعندئذ ينفجر النجم، وإذا انفجر تناثرت أشلاؤه في صفحة الكون ودخلت بقدر الله في مجال جاذبية أجرام سماوية أخرى تحتاج إلى هذا الحديد، ونرى ذلك يحدث الآن كما نرى نيازك حديدية تصل إلى الأرض مثل ما حدث في جنوب السودان حين نزل في مدينة جوبا نيزك كتلته (٩٠ طنا) . وأغلب النيزك يحترق باحتكاكه بالغلاف الغازي، ووصول (٩٠ طنا) من الحديد الصافي يعني أن كتلة هذا النيزك كانت أكبر من ذلك بأضعاف كثيرة.
стр. 102
ونحن نرى النيازك الحديدية تصل إلى الأرض وتصل إلى القمر وإلى المجموعات الآخرى، مما دفع العلماء إلى تصور أن الأرض حينما انفصلت عن الشمس لم تكن سوى كومة من الرماد.
ويقول المختصون إن الأرض تشكلت قبل أربعة بلايين ونصف بليون عام، وكانت النيازك والمذنبات تقصفها بشدة وعنف بحيث كانت الحرارة المنبعثة من هذا التصادم والقصف الفائق السرعة كافيه لإذابة الكوكب بأكمله، ثم بدأت تبرد بعد ذلك واستمرت تبرد إلى اليوم، وأخذت المواد الأكثر كثافة مثل الحديد والقادمة من تلك النيازك طريقها إلى قلب ومركز الأرض، بينما صعدت السيليكات الأخف وزنا وكذلك مركبات الأوكسجين الآخرى والماء القادم من المذنبات إلى قرب السطح. ويكون الحديد أكثر من ٣٥ من كتلة الأرض حيث تتكون الأرض من قلب صلب من الحديد ثم يليه قلب منصهر أغلبه من الحديد، ثم أربعة أوشحة متمايزة يشكل الحديد فيها نسبة عالية ثم الغلاف الصخري للأرض وفيه نسبة جيدة من الحديد، ويوضح الشكل الآتي تركز المعادن في طبقات الأرض المختلفة.
стр. 103
ونلاحظ أن القلب الداخلي يتكون في معظمه من الحديد في حالته الصلبة بينما يتكون القلب الخارجي الذي يحيط به من الحديد و ١٠ من الكبريت، وبهذا يكون الحديد عنصرا مهما من مكونات طبقات الأرض السبع.
وقال البرفسور آرمسترونج «١» أحد مشاهير علم الفلك في أمريكا والذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا حين سألناه كيف تكون الحديد: (سأحدثكم كيف تكونت كل العناصر على الأرض. لقد اكتشفناها، بل لقد أقمت عددا من التجارب لإثبات ما أقول لكم. إن العناصر المختلفة تجتمع فيها الجسيمات المختلفة من إلكترونات وبروتونات وغيرها، لكي تتحد هذه الجسميات في ذرة كل عنصر تحتاج إلى طاقة. وعند حسابنا للطاقة اللازمة لتكوين ذرة الحديد وجدنا أن الطاقة اللازمة يجب أن تكون كطاقة المجموعة الشمسية أربع مرات، ولذلك يعتقد العلماء أن الحديد عنصر
стр. 104
غريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها.
وعند سؤاله متى اكتشف العلماء التجريبيون حقيقة إنزال الحديد إلى الأرض؟ قال: (بأنها لم تعرف عن العلماء التجريبيين إلا في الربع الأخير من القرن العشرين وأنه لم يشر أحد من العلماء المتخصصين والباحثين إلى شيء من ذلك، ولم تشر كتب العلم التجريبي إلى هذه الحقيقة قبل هذا التاريخ) .
إن علماء الفيزياء قد تمكنوا من أن يوجدوا عناصر أثقل من عناصر أخف «١» واستطاعوا أن يحسبوا الطاقة اللازمة لتكوين كل عنصر من هذه العناصر وقد وجدوا أن الطاقة اللازمة لتكوين ذرة واحدة من الحديد تحتاج إلى أربعة أضعاف
стр. 105
الطاقة الموجودة في المجموعة الشمسية مما جعلهم يجزمون بأن الحديد لا يمكن أن يكون قد خلق في الأرض أو في المجموعة الشمسية بل لابد أن يكون قد خلق في نجم خارج المجموعة الشمسية ونزل إلى الأرض في صورة حديد.
أقوال المفسرين:
وهيا لنرى ما قاله علماء التفسير في هذه الآية:
لقد انقسم المفسرون إلى فريقين:
فمنهم من فسر اللفظ على ظاهره فقالوا: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ بمعنى أن الله أنزل الحديد كما أنزل آدم من السماء إلى الأرض، وهو قول ابن عباس وعكرمة وإليه ذهب الطبري والقرطبي والواحدي.
ومنهم من اضطر إلى تأويل اللفظ عن ظاهره لاستبعاد إمكانية تصور نزول الحديد إلى الأرض من السماء ولما يشاهدونه في أزمنتهم وبيئاتهم من استخراج الحديد من باطن الأرض فقالوا: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ بمعنى أنشأناه وخلقناه وهو قول الحسن وإليه ذهب ابن كثير والثعالبي والشوكاني.
ونرى من أقوالهم أنهم أوّلوا لفظ أنزلنا إلى خلقنا وجعلنا، وفرق بين الإنزال والخلق والجعل لكنها المعارف البشرية المحدودة في تلك الأزمنة التي كانت تحمل المفسرين على صرف اللفظ عن ظاهره.
وجه الإعجاز:
لم يتمكن الإنسان من معرفة حقيقة أن الحديد نزل من السماء إلى الأرض إلا بعد أن امتلك من الوسائل العلمية ما تمكن به من معرفة ما جرى ويجري في أعماق النجوم البعيدة لتكوين مادة الحديد، وبعد أن تمكن من تحويل بعض العناصر الخفيفة إلى عناصر ثقيلة وحساب ما يحتاج إليه ذلك من طاقة، وعجزه عن تكوين مادة الحديد من مواد أخف منه؛ إذ يتطلب ذلك طاقة تساوى أربعة
стр. 106
أضعاف طاقة المجموعة الشمسية. كما أن استخراج البشر للحديد من مناجمه في باطن الأرض جعلهم لا يتوقعون أن يكون الحديد قد نزل من السماء إلى الأرض وحملهم على الاعتقاد بأنه خلق مع سائر العناصر الأرضية. لذلك خلت العلوم التجريبية من أي إشارة إلى هذه الحقيقة قبل الربع الأخير من القرن العشرين. وكذلك اضطر كثير من المفسرين إلى تأويل اللفظ القرآني وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ إلى معنى لا يحتمله اللفظ بما فيهم مفسرون معاصرون عاشوا في القرن العشرين. فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الحقيقة التي لم تعرفها البشرية إلا في الربع الأخير من القرن العشرين، والتي خفيت عن كل البشر حتى هذا التاريخ، من؟!، إلا الذي أنزل الحديد وأنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا، القائل: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) [الحديد: ٢٥] «١» .
[٦] أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ:
لقد كانت البحار عالما مجهولا إلى القرن الثامن عشر الميلادي، كما كانت الخرافات والأساطير المتعلقة بالبحار تسود الحضارات القديمة، وكان الرومان يعتقدون بأن قمم الأمواج جياد بيضاء تجر عربة الإله (نبتون) «٢» بزعمهم، وكانوا يقومون بالطقوس والاحتفالات لإرضاء هذه الآلهة، وكانوا يعتقدون
стр. 107
بوجود أسماك مصاصة لها تأثيرات سحرية على إيقاف السفن، وكان لليونانيين مثل هذه الاعتقادات كما كان بحارتهم يعزون سبب الدوامات البحرية إلى وجود وحش يسمونه كاربيدس يمتص الماء ثم يقذفه «١» ، ولم يكن بمقدور الإنسان معرفة أعماق الشواطئ الضحلة والمياه الراكدة، ناهيك عن معرفة البحار العميقة والحركات الداخلية في هذه المياه، كما لم يكن بإمكان الإنسان الغوص في هذه الشواطئ إلا في حدود عشرين مترا ولثواني معدودة ليعاود التنفس من الهواء الجوي، وحتى بعد ابتكار أجهزة التنفس للغواصين لم يتمكن الإنسان من الغوص أكثر من ثلاثين مترا نظرا لازدياد ضغط الماء على جسم الغواص مع زيادة العمق والذي يعادل عند عمق ثلاثين مترا أربعة أضعاف الضغط الجوي على سطح الأرض «٢» وعندئذ يذوب غاز النتروجين في دم الغواص ويؤثر على عمل مخه فيفقده السيطرة على حركاته «٣» ويصاب الغواصون نتيجة لذلك بأمراض تعرف في الطب بأمراض الغواصين، أما إذا نزل الغواص إلى أعماق بعيدة فإن ضغط الماء يكفي لهرس جسمه.
التسلسل الزمني لاكتشاف أعماق البحار:
* في عام ١٣٠٠ م استخدم صيادو اللؤلؤ أول نظارات واقية مصنوعة من صدف السلاحف «٤» .
стр. 108
* في عام ١٨٦٠ م تم اكتشاف أحياء في قاع البحر المتوسط باستخدام حبل حديدي (كيبل) .
* في عام ١٨٦٥ م تم ابتكار مجموعة غطس مستقلة بواسطة كل من (روكايرول ودينايروز) .
* في عام ١٨٩٣ م تمكن بوتان من التقاط صور تحت الماء «١» .
* في عام ١٩٢٠ م تم استخدام طريقة السبر بالصدى (صدى الموجات الصوتية) لمعرفة الأعماق.
* في عام ١٩٣٠ م تمكن كل من بارتون وبيبس من أن يغوصا بأول كرة أعماق حتى عمق ٣٠٢٨ قدما وابتكار (أقنعة الوجه والزعانف وأنبوب التنفس) .
* في عام ١٩٣٨ م تم ابتكار قارورة للتنفس (سكوبا) وابتكار صمام التنفس من قبل الكابتن كوستو ودوماس.
стр. 109
* في عام ١٩٥٨ م تم إجراء تجارب الاختبارات على غواصة الأعماق (الستينيات) وابتكار (ابرس) غلاصم «١» للتنفس تحت الماء وتجربتها لأول مرة.
* وتمكن الإنسان من الغوص إلى أعمق بقعة في المحيط الهادي «٢» ، كما تمكن من البقاء في أعماق البحر لعدة أيام «٣» ، واكتشف الإنسان وجود فوهات في أعماق البحر «٤» ، وصنع الإنسان الغواصة الصفراء «٥»
стр. 110
والغواصات النووية «١» .
معلومات حديثة في علم البحار:
لم تبدأ الدراسات المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر عند ما توفرت الأجهزة المناسبة والتقنيات وصولا إلى ابتكار الغواصات المتطورة. وبعد عام ١٩٥٨ م أي بعد ثلاثة قرون من البحوث والدراسات العلمية وعلى أيدي أجيال متعاقبة من علماء البحار توصل الإنسان إلى حقائق مدهشة منها:
[١] ينقسم البحر إلى قسمين كبيرين:
(أ) البحر السطحي الذي تتخلله طاقة الشمس وأشعتها.
(ب) البحر العميق الذي تتلاشى فيه طاقة الشمس وأشعتها.