← Сира

Сира · id 9781

بينات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته

عبد المجيد الزندانى

Полный текст (403 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أما الأذرع التي ظهرت على شكل براعم في نهاية الأسبوع الرابع، فتصبح أكثر طولا بعد اليوم الثاني والأربعين، وتظهر أصابع واضحة لم تكن موجودة قبل ذلك، أما مؤخرة العمود الفقري البارزة، فتتراجع، وتعتدل تاركة أثرا لا يكاد يلاحظ؛ وللمقارنة بين الجنين الإنساني قبل اليوم الثاني والأربعين وبعده انظر شكل (٧- ٢) وشكل (٧- ٤) . أما البدايات الأولية للأعضاء التناسلية الخارجية فتكون متشابهة في بادئ الأمر بين الذكور والإناث، وتبدأ التطور قبل اليوم الثاني والأربعين؛ في الأسبوع الرابع إلا أن الحديبة التناسلية والانتفاخ الشفري العجزي، والطيات البولية التناسلية؛ المنشئة للخواص الجنسية المميزة (لفرج الذكر والأنثى) ، لا تظهر إلا في الأسبوع التاسع (أي بعد الليلة الثانية والأربعين) ، كما أنه لا يمكن التفريق بين الأعضاء التناسلية الخارجية المذكرة، والمؤنثة؛ إلا بعد الأسبوع الثاني عشر. ثم يقول بروفيسور برساد: " وقد ذكر الرسول- ﷺ كل هذه التطورات التي وصفت فيما تقدم، ومواعيدها في الحديث الذي رواه مسلم عن حذيفة". وذكر نص الحديث، ثم قال بروفيسور" برساد": فهذا الحديث الشريف يوضح أهمية اليوم الثاني والأربعين في حياة الجنين داخل الرحم، كما يبين التطورات الدقيقة التي تظهر بعد هذا اليوم.

стр. 177

وقد أظهرت الدراسات الجنينية الحديثة أن الجنين يكتسب شكله الآدمي خلال هذه الفترة، ويظهر على الجنين كل ما ورد ذكره في الحديث الشريف منذ أربعة عشر قرنا" «١» . صورة رقم ١ هاتان الصورتان منقولتان من كتاب: «من الحمل إلى الولادة (From Conception (to Birth) « لمؤلفه الكساندر تسياراس (Alexander Tsiaras) . صورة رقم ٢

стр. 178

وقد أخذت هاتان الصورتان بكاميرا خاصة يمكنها رؤية الجسم البشري أو أي جزء منه ومسحه أو تكبيره أو تدويره، والتحكم بشفافيته بحيث يمكننا رؤية ما في داخل الكائن الحي وإضاءته من كل زاوية والصورة رقم (١) للجنين في اليوم الثاني والأربعين حين دخول الملك؛ والثانية بعد دخول الملك بيومين والصورتان تبينان صدق ما أخبر به الرسول من عمل الملك في هذا الزمن المحدد كما جاء في حديث حذيفة الذي رواه مسلم. وهكذا جاء التقدم العلمي مصدقا لما أخبر به الرسول- ﷺ بعد مرور أربعة عشر قرنا من الزمان، فدلنا ذلك على أن العلم الذي حمله لنا الحديث الشريف، لا يمكن أن يكون من مصدر بشري، وأنه لابد أن يكون من عند الله المحيط علما بكل شيء. لأن البشرية لم تقف على هذه الحقائق إلا في القرون الثلاثة الأخيرة: الثامن عشر، والتاسع عشر والقرن العشرين كما مر بنا. ولأن الرسول- ﷺ بعث قبل ألف وأربعمائة عام، في عصر كانت الجهالة هي السائدة، والخرافة هي الغالبة، والأساطير هي الرائجة. ولأن الرسول ﷺ عاش في أمة أمية، غرقت أفكارها في عبادة الأصنام، وتاهت عقولها مع مزاعم العرافين والمنجمين، وكان لها من الأساطير والخرافات والضلالات الحظ الكبير. ولم يكن للعرب يومذاك اشتغال بالعلم، وإذا وجد فيهم من يقرأ ويكتب ويركب الخيل فهو الرجل الكامل عندهم. أما أدوات الكتابة إن وجدت عند أحدهم؛ فهي بعض قطع من الجلد، أو

стр. 179

العظام، أو الأحجار الرقيقة، أو عسب «١» النخل التي كانوا يكتبون عليها. ولم ينقل عنهم في أقوالهم، أو شعرهم الجاهلي «٢» الذي كان محل عنايتهم قبل الإسلام وبعده- ما يدل على عنايتهم بالعلم؛ أو اشتغالهم به؛ فكيف بعلم الأجنة الغائب عن أبصارهم، داخل جدر ثلاثة، لها ظلمات ثلاث؟!، وهو علم لم تنكشف حقائقه للبشرية إلا بعد النهضة العلمية الحديثة، وطوال قرون ثلاثة من البحث والدراسة! وبعد أن توفرت الآلات الحديثة التي ما كان لها وجود قبل قرون النهضة الحديثة!!. وبهذا التطابق بين ما أخبر به النبي ﷺ من دقائق علم الأجنة، وبين ما كشفه العلم الحديث من حقائق؛ يتضح برهان من براهين صدق الرسول ﷺ . إنه برهان العلم الإلهي، الذي تلقاه النبي الأمي، فانفرد بالإخبار به من بين جميع البشر فجاء تقدم العلم في عصرنا مصدقا لكل ما قاله الرسول ﷺ ، ولم يخطئ في واحدة مما أخبر به النبي ﷺ . وهل كان أحد يستطيع أن يكذبه- في عصره أو بعد عصره بقرون- لو أنه حدد ليلة أخرى غير الليلة الثانية والأربعين، أو أعضاء غير الأعضاء التي أخبر عن تكونها؟!. وهل كان النبي- ﷺ يحتاج إلى ذكر هذه الحقائق ليصدقه قومه يومذاك وهم لا يعلمون من الأمر شيئا؟!. لكنه الوحي من الخالق العليم سبحانه الذي نزل إلى الرسول بالعلم الإلهي،

стр. 180

وهو المعجزة المدخرة لأجيال عصر الاكتشافات العلمية. وهو الشهادة الإلهية بصدق الرسول ﷺ : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦] .

стр. 181

الفصل الثالث التحدي بالقرآن * البينة القرآنية* فصاحة القرآن وبلاغته* علامات إلهية في القرآن

стр. 182

من بينات الرسالة البينة القرآنية لقد اقتضت حكمة الله سبحانه أن يؤيد رسله ببينات تدل على صدق رسالتهم، وأدلة تقوم بها الحجة على الناس اصطلح العلماء على تسميتها بالمعجزات، وسميت في كتاب الله بينات، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ [الحديد: ٢٥] «١» . وتنوعت البينات والمعجزات بتنوع الأقوام والأمم، فجعل الله لكل قوم بينة تناسب مستواهم الثقافي والفكري ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة على الناس، ولما كان محمد ﷺ مرسلا إلى الناس كافة، فقد أيده الله سبحانه ببينات متنوعة تتناسب مع جميع من أرسل إليهم من الأقوام، ومع جميع الأجيال إلى قيام الساعة على اختلاف ثقافاتهم ومداركهم. فكانت الفصاحة والبلاغة من بيناته المناسبة للعرب الفصحاء البلغاء. * ومن بيناته ما يتناسب مع أهل الأديان كالبشارات به في الكتب السابقة. * ومن بيناته ما عجز أهل الأنظمة والقوانين عن المجيء بمثله من تشريعات حكيمة تناسب جميع البيئات والعصور. * ومن البينات الخوارق المشاهدة كخارقة انشقاق القمر التي سجلت عند بعض الأمم ولا تزال آثارها ظاهرة إلى اليوم.

стр. 183

* ومنها معجزة الإخبار بالغيب الماضي والحاضر والمستقبل، والتي لا تزال تنكشف إلى يومنا هذا. * ومنها الخوارق للعادة التي دونت في أوثق سجل عرفه البشر، وهو القرآن الكريم والحديث النبوي. * ومنها ما يتناسب مع أهل الكشوف العلمية في عصرنا كالإعجاز العلمي في القرآن والسّنّة. وقد جعل الله سبحانه القرآن المتضمن لكثير من أنواع هذه المعجزات أكبر بينة لمحمد ﷺ ، قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] . وقال النبي ﷺ : " ما من الأنبياء نبيّ إلّا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" «١» . يشير الحديث الشريف إلى طبيعة المعجزة في الوحي الذي أنزله الله على محمد ﵌ فيبقى بعد موته ويتجدد إعجازه على مرّ العصور. وشهادة القرآن بصدق رسالة محمد ﷺ متمثلة بما احتوى عليه من الإعجاز في ألفاظه، والإعجاز في العلم الذي جاء به. قال تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) [النساء: ١٦٦] قال الخازن عند تفسير هذه الآية: " لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة

стр. 184

بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك". وقال ابن كثير- ﵀: " فالله يشهد لك يا محمد بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم ... ولهذا قال تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل". وقال أبو العباس ابن تيمية: «فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله، وليس خبرا عمن دونه، وهذا كقوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) [هود: ١٤] وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين» «١» . فالبينة القرآنية تتمثل في العلم الذي تضمنته آياته، وهو الإعجاز العلمي، أما ما تحمله ألفاظه وتراكيبه فهو إعجاز الفصاحة والبلاغة.

стр. 185

فصاحة القرآن وبلاغته قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر: ٢٣] ، بين الله سبحانه أن القرآن العظيم أحسن الكلام وأجوده لأنه نزل بعلمه، وذلك أن الله سبحانه يعلم أي لفظة هي أدل على المعنى المقصود، وأي لفظة تصلح أن تليها أو تسبقها، بل ومناسبة كل حرف لموضعه، فجاء القرآن العظيم في غاية الفصاحة والبلاغة في مفرداته وتراكيبه «١» . سر فصاحة القرآن وبلاغته: لقد كان القرآن العظيم غاية في الفصاحة والبلاغة؛ لأنه كلام الله الذي يحمل العلم الإلهي، وينم عن العظمة والصفات الإلهية التي لاتحد بحد، فأعجز الفصحاء والبلغاء فلم يجدوا إلا أن يقولوا: إنه سحر، كما حكى الله عنهم قولهم: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) [المدثر: ٢٤] . ومن وجوه فصاحته وبلاغته ما يأتي: [أ] تضمنه أصح المعلومات وأدقها وأكملها، وأصدق المعاني وأوضحها، وأحسن الكلام والتعبير بأفصح المفردات والتراكيب وأبلغها وأعذبها، وسريان ذلك فيه من أوله إلى آخره، وإنه ليستحيل على بشر أن يصل إلى هذا السمو، فإنه إن راعى دقة المعلومة فاته رونق اللفظ وعذوبته غالبا، وإن أراد تنميق الألفاظ وتزيينها لم يصل إلى مراده في دقة المعلومة التي يوردها. وإنك لتلاحظ عذوبة ألفاظه حتى في المواضع العقدية والتشريعية التي تستلزم البعد عن اللفظ البديع غالبا.

стр. 186

[ب] جمعه بين صفتي العذوبة والجزالة «١» : مع كونهما كالصفتين المتضادتين لا تكادان تجتمعان في الكلام. [ج] إرواؤه لمطلب العقل والعاطفة معا: بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. [د] قصده في اللفظ مع الوفاء بحق المعنى: فإنه يجلي المعنى كاملا واضحا في كلمات وعبارات قاصدة ليست بالطويلة المملة، أما البشر فإنه إن أراد الاقتصاد في اللفظ قصر في التعبير عن المعنى المطلوب، وإن أحب تجلية المعنى قاده ذلك إلى التطويل في العبارة، وإن قدّر أنه ضبط اللفظ مع المعنى في جملة أو جملتين، فإن الكلل والإعياء سيلحقه بعد ذلك في بقية الكلام، وندر أن يصادفه هذا التوفيق مرة ثانية إلا الفينة بعد الفينة. [هـ] جودة سبكه وإحكام سرده: مع أنه حوى موضوعات كثيرة مختلفة شاملة لحاجات البشر في الدنيا والآخرة من تشريع وقصص ومواعظ وبراهين عقلية ووجدانية ومناقشات وأمثال وحكم وغير ذلك، فقد سبك هذه الموضوعات جميعا وغيرها سبكا حكيما، فتراه مترابطا ترابط الجسم الواحد والروح الواحدة. [و] إشباعه العامة والخاصة على السواء: فالجميع يتذوق حلاوته ويجد فيه من بغيته ما يمتع عقله وقلبه، فالعامة يلتذون به ويفهمون منه على قدر استعدادهم وما تبلغه عقولهم وقلوبهم، والخاصة يجدون حلاوته ويفهمون منه أكثر مما تفهم منه العامة، بخلاف غيره من كلام البشر فتجد منه ما يرضي العامة لسهولته ولكن الخاصة تمجّه لكونه دون مستواهم، وإن أرضى الخاصة لارتفاع مستواه لم يرض العامة لكونهم لا يفهمونه.

стр. 187

[ز] مسحته اللفظية المميزة: فهي مسحة خلابة عجيبة، تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي، فأما نظامه الصوتي فإنك تجده متسقا مؤتلفا في حركاته وسكناته ومدوده وغنّاته، واتصالاته وسكتاته، اتساقا عجيبا وائتلافا رائعا، يسترعي الأسماع ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور. فجرسه الصوتي يجذب السامع له ويلفت انتباهه، حتى لو كان أعجميا لا يعرف اللغة العربية، ولعل هذا هو الذي حمل بعض العرب في عهد النبوة أن يقولوا: إنه شعر، ثم عادوا إلى أنفسهم فعلموا أنّه فوق الشعر وأنه لا يسير على منهج الشعر ومنواله فقالوا: هو سحر. وأما جماله اللغوي فيظهر فيما امتاز به في رصف حروفه وترتيب كلماته ترتيبا بديعا، بحيث أنك تجد لذة حين تسمع حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة، فحرف يصفر وآخر ينقر، وهذا يخفى وذاك يظهر، وهذا يهمس وذاك يجهر، فخرج للناس بمجموعة مختلفة مؤتلفة، جامعة بين اللبن والشدة، والخشونة والرقة، والجهر والخفية على وجه دقيق محكم، وضع كلا من الحروف المتقابلة في موضعه بميزان، حتى تألف من مجموع ذلك قالب لفظي مدهش بلغ جماله اللغوي قمة الإعجاز، بحيث لو أدخل في القرآن شيء من كلام الناس لاعتل مذاقه في أفواه قارئيه واختل نظامه في آذان سامعيه «١» . [ح] إحكام ترابطه وكمال تناسقه: مع كونه قد نزل مفرقا حسب الحوادث في ثلاث وعشرين عاما، بينما البشر يعجزون أن يصنفوا كلاما مترابطا كترابط القرآن إذا كان قد قيل في مناسبات مختلفة وفي أزمنة متباعدة.

стр. 188

وقال الخطابي ﵀: القرآن صار معجزا، لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، متضمنا أصح المعاني ... «١» . اعتراف العرب الفصحاء ببلاغة القرآن وفصاحته: وقد اعترف العرب الفصحاء بعظيم نظم القرآن وبلاغته وأسلوبه من خلال تأثرهم به، حتى كانوا يحذّرون من قدم إلى مكة من سماع القرآن خشية أن يتأثر به فيسلم، بل تواصوا فيما بينهم باللغو (التشويش) عند سماع القرآن حتى لا يتأثر به السامع. قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصلت: ٢٦] . قال مجاهد: الغوا فيه بالمكاء «٢» والتصدية «٣» والتخليط في الكلام حتى يصير لغوا. قال الشوكاني: عارضوه باللغو الباطل، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارئ له «٤» . ولما جاء الطفيل بن عمرو إلى مكة لم يزل به الكفار يحذرونه من سماع القرآن حتى وضع في أذنيه قطنا خشية أن يسمع شيئا من القرآن، وأبى الله سبحانه إلا أن يسمعه شيئا منه مع وجود ذلك القطن، فهدى الله قلبه لسماع القرآن ومن ثمّ شرح الله صدره للإسلام «٥» . ولما سمع الوليد بن المغيرة القرآن فكأنّه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه

стр. 189

فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوه لك، فإنك أتيت محمدا لتعرّض لما قبله «١» ، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا! قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، قال: وماذا أقول؟!، فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، وو الله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته!!. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه!!. قال: فدعني حتى أفكر فيه، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره!! فنزلت الآيات في الوليد قال تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) [المدثر: ١١- ٢٦] «٢» . فقول الوليد: إن القرآن سحر، يبين عميق التأثير الذي أحدثه القرآن في نفسه. وقال الزهري: حدّثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله ﷺ ، وهو يصلي بالليل في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فلما طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض

стр. 190

سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألّا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذينا «١» على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه «٢» . فحرصهم على الحضور ليلا لسماعه مما يدّلّ على تأثرهم به وتعجبهم منه لكونه ليس ككلام البشر، ولكن العناد والمكابرة حملهم على تركه كما قال أبو جهل. ومما يدل على تميز القرآن الذاتي عن كلام العرب ما شهد به أنيس بن جنادة

стр. 191

الغفاري قبل إسلامه، حيث سأله أخوه أبو ذرّ عما يقول الناس في النبي ﵌ فقال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر- وكان أنيس أحد الشعراء- قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء «١» الشعر فما يلتئم على لسان أحد أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون ... " «٢» . وقدم جبير بن مطعم ﵁ إلى المدينة قبل إسلامه في فداء أسارى بدر فسمع النّبيّ ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور «٣» قال: فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن «٤» ، وفي رواية: وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي «٥» . فهؤلاء من قريش أفصح العرب يشهدون ببلاغة القرآن وفصاحته من خلال تأثرهم به «٦» . وما أحسن ما سطره الرافعي في تصويره تأثير القرآن في العرب الذين كانت الفصاحة والبلاغة من أبرز مفاخرهم، وأنه لولا فصاحة ألفاظه التي بلغت حد

стр. 192

الإعجاز لما استطاع التأثير فيهم لأنه قد قامت فيهم بالفصاحة" دولة الكلام ولكنها بقيت بلا ملك حتى جاءهم القرآن" «١» . تحدي الكافرين أن يأتوا بمثله: قال تعالى مبينا عجز الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بمثل القرآن الكريم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨] . وهذه الآية مكية، نزلت في وقت قلة عدد المؤمنين وضعفهم، وإقدام النبي ﷺ على هذا الخبر العظيم عن جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة أنهم لا يقدرون على الإتيان بمثل القرآن، بل يعجزون عنه، لا يقدم عليه وهو يدعو الناس لتصديقه إلا وهو واثق أن الأمر كذلك، ولا يقدم عاقل على مثل هذا الخبر وهو يشك فيه، في مثل ظرف النبي ﷺ في ذلك الوقت، ولم يكن هذا اليقين حاصلا للنبي ﷺ ، إلا بإعلام الله سبحانه له «٢» . وقد تحدى الله الكفار أن يأتوا بمثله إن ظنوا أنه من قول محمد ﷺ ، قال سبحانه: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) [الطور: ٣٤] . وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) [هود: ١٣] . ثم تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله فلم يقدروا، وأخبرهم أنهم لن يفعلوا، قال سبحانه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ

стр. 193

وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) [البقرة: ٢٣- ٢٤] . ولو كان القرآن من كلام الرسول ﵌ لما جزم بعدم استطاعة أحد أن يأتي بمثله، وتحقق هذا الجزم بعد ذلك دليل على أن القرآن كلام الله المعجز. وكان بإمكانهم أن يكذبوا القرآن لو استجابوا للتحدي وأتوا بسورة مثل القرآن. ولمّا رأينا أنهم تركوا الاستجابة للتحدي مع أنه أمر لا يكلفهم كثيرا من التبعات واختاروا الطريق الوعر لمواجهة الرسول وهو الحرب وإزهاق الأنفس وإهدار الأموال علمنا علما يقينيا عجزهم عن الإتيان بمثله مع كونهم أساطين الفصاحة والبلاغة. ولو قدّرنا أن رجلا ألف كتابا، أو قال شعرا ثم تحدى الكتاب والشعراء، فقال: عارضوني وإن لم تعارضوني فأنتم كفار مأواكم النار، ودماؤكم لي حلال!! فمن المستحيل أن يحجم الجميع عن معارضته لإنقاذ أنفسهم من القتل، ولدفع وعيده لهم بدخول النار، فإذا لم يعارضوه رغم توافر الدواعي لمعارضته كان ذلك من أبلغ العجائب الخارقة للعادة الدالة على صدقه في تحديه «١» . وهذه البينة (المعجزة) قائمة دائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها «٢» .

стр. 194

علامات إلهية في القرآن هناك علامات واضحة بينة في القرآن تدل قارئه وسامعه أنه من عند الله ويستحيل أن يكون من عند غيره ومنها: [١] الجدة الدائمة: إذا أعجبتك قصيدة من عيون الشعر وطربت نفسك عند سماعها فإنها تفقد رونقها وجمالها إذا كررت على سمعك عدة مرات، مع أن اللسان الذي قالها وكررها واحد، والأذن التي سمعتها واحدة، ذلك لأن كلام البشر يفقد رونقه وجماله بالتكرار، ويلمس قارئ القرآن أثرا من إعجازه حين يقرأ القرآن ويعيد قراءته، فكلما قرأه وجده جديدا مهما تكرر على اللسان أو السمع، وكم كرر المسلمون ويكررون سورة الفاتحة وقصار السور كل يوم، وكلهم يجمعون على أن القرآن الكريم لا يزال جديدا على ألسنتهم، وهذه علامة

стр. 195

تخضع للممارسة من كل قارئ للقرآن في أي زمان وفي أي مكان، كما أنها علامة إلهية في كل سورة. ولقد نطق أحد كبار المستشرقين بهذه الحقيقة، وهو المستشرق" ليون" فقال: حسب القرآن جلالة ومجدا أن الأربعة عشر قرنا التي مرت عليه لم تستطع أن تخفف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضّا كأن عهده بالوجود أمس. [٢] كونه روحا من أمر الله: يكون الكلام انعكاسا لشخصية المتكلم وعلمه وخبرته وصفاته، وقارئ القرآن يقع في نفسه شعور بأن المتكلم إليه هو الله سبحانه. قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] ، فهناك سر خاص وسلطان خاص يحمله القرآن إلى قارئه يدله على أنه كلام الله. [٣] أنه كلام فريد: كلام البشر درجات وطبقات متقاربة ويمكن دمج كلام بعضهم ببعض، لكن القرآن يمثل درجة متميزة، وطبقة من الكلام خاصة، تتميز عن سائر كلام البشر، فإذا تكلم الخطيب أو كتب الكاتب، واستشهد بايات من كتاب الله تحس بالفارق الجلي بين مستوى كلام الله وكلام البشر، يشعر به السامع والقارئ، بينما كل كلام للبشر يمكن دمجه بغيره دون الإحساس بفارق «١» . [٤] قوة تأثيره والروعة والهيبة التي تلحق قارئه وسامعه: فإذا قرأ القارئ ما شاء من كلام البشر في موضوع ما، ثم قرأ من كتاب الله آيات في نفس الموضوع، فسيشعر بالفرق الكبير في التأثير بين كلام الله وكلام

стр. 196

البشر. وانظر الفرق بين أثر ما تسمعه من وعظ الواعظ بكلام الله، وبين وعظه بكلامه. بل جرب أن تعظ الناس بكلامك ثم تعظهم بكلام الله، ثم انظر الفرق في وجوه المستمعين وفي نفسك، بشرط شرحك للألفاظ القرآنية التي لا يعرفها العامة في هذا الزمان. ولقد أدرك أحد المستشرقين هذه العلامة الإلهية كما أدركها غيره، فقال: " إن أسلوب القرآن جميل وفياض، ومن العجب أنه يأسر بأسلوبه أذهان المسيحيين، يجذبهم إلى تلاوته، سواء في ذلك الذين آمنوا به، أو من لم يؤمنوا به وعارضوه. " وقد ذكرنا مدى تأثيره في كفار قريش، ويكفي المتأمل ما أحدثه من تأثير هائل في حياة العرب الأميين حتى جعل منهم خير أمة أخرجت للناس قادت البشرية بالعلم والعدل والحق، وصهرت الشعوب في بوتقتها، رغم اختلاف أجناسها وألوانها. تجربة في تأثير القرآن على التوتر العصبي: أجرى الدكتور أحمد القاضي تجربة في عيادات (أكبر) «١» لإثبات ما إذا كان للقرآن أي أثر على وظائف أعضاء الجسد وقياس هذا الأثر إن وجد، واستعملت أجهزة المراقبة الإلكترونية المزودة بالكمبيوتر لقياس أي تغيرات فسيولوجية عند عدد من المتطوعين الصم أثناء استماعهم لتلاوة القرآن وقد تم تسجيل وقياس أثر القرآن عند عدد من المسلمين المتحدثين باللغة العربية وبغير العربية وكذلك عند عدد من غير المسلمين متحدثين بالعربية أو غير متحدثين بها

стр. 197

وتليت عليهم مقاطع من القرآن الكريم كما تليت عليهم ترجمه لهذه المقاطع باللغة الإنجليزية وفي كل هذه المجموعات أثبتت التجارب المبدئية وجود أثر مهدى مؤكد للقرآن في ٩٧ في التجارب المجراة، وهذا الأثر ظهر في شكل تغيرات فسيولوجية تدل على تخفيف توتر الجهاز العصبي التلقائي «١» وقد ظهر من الدراسات المبدئية أن تأثير القرآن المهدئ للتوتر يمكن أن يعزى إلى عاملين: [١] صوت الكلمات القرآنية بغض النظر عما إذا كان المستمع قد فهمها أم لم يفهمها؛ آمن بها أم لم يؤمن بها. [٢] معنى المقاطع القرآنية ولو كانت مقتصرة على الترجمة الإنجليزية بدون الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم، ولذلك أجرى بحوث المرحلة الثانية التي تضمنت دراسات مقارنة لمعرفة إذا ما كان أثر القرآن المهدئ للتوتر وما يصاحبه من تغيرات فسيولوجية عائدا لتلاوة القرآن وليس لعوامل أخرى مثل الصوت أو رنة القراءة القرآنية العربية أو معرفة السامع بأن ما يقرأ عليه هو جزء من كتاب مقدس أي أن هدف الدراسة تحقيق الافتراض القائل بأن الكلمات القرآنية في حد ذاتها لها تأثير فسيولوجي بغض النظر عما إذا كانت مفهومة لدى السامع وقد أجريت هذه التجارب خلال اثنين وأربعين جلسة علاجية، تضمنت كل جلسة خمس تجارب وبلغ المجموع الكلي للتجارب مائتين وعشرة تجربة تليت على المتطوعين فيها قراءات قرآنية خلال خمس وثمانين تجربة، كما تليت عليهم قراءات عربية غير قرآنية باللغة العربية مجودة لتطابق القراءات القرآنية من حيث

стр. 198

الصوت واللفظ والوقع على الأذن خلال خمس وثمانين تجربة أخرى ولم يستمع المتطوعون لأي قراءة خلال أربعين تجربة بحيث كانوا جالسين جلسة مريحة وأعينهم مغمضة خلال تجارب الصمت وهي نفس الحالة التي كانوا عليها أثناء التجارب السابقة ولقد ظهر بوضوح أن التجارب الصامته لم يكن لها أي تأثير مهدئ للتوتر، وكانت النتائج إيجابية في ٦٥ من تجارب القراءات القرآنية بينما لم يظهر هذا الأثر إلا في ٣٣ فقط من تجارب القراءات غير القرآنية. وقد ذكر لي أحد كبار المسئولين في اليمن أنه إذا أوقظ من نومه في الليل يأتيه أرق يمنعه من النوم ثانية، فيلجأ إلى سماع القرآن لإذهاب ما أصابه من توتر والعودة إلى النوم، ويمكن لكل شخص يقع في مثل هذه الحالة أن يعالج نفسه بنفس العلاج، وإن كثيرا من المجهدين بالتوتر العصبي إذا استمعوا إلى كلام الله ارتخت أعصابهم ورأيت النعاس يداعب أجفانهم، إن هذه القوة المؤثرة في الأعصاب تدل على مصدرها الإلهي العظيم. قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] . تأثر الشاعر المعاصر نقولا حنّا: حيث كان نصرانيا، ثم أعلن إيمانه بالقرآن وبالرسول ﷺ . قال: قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت به ففتنّي، ثم أعدت القراءة فآمنت.. آمنت بالقرآن الإلهي العظيم، وبالرسول من حمله، النّبيّ العربي الكريم ... إلى أن يقول: وكيف لا أومن ومعجزة القرآن بين يديّ انظرها وأحسها كل حين؟! هي معجزة لا كبقية المعجزات ... معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدث عنها أو يبشر بها.

стр. 199

وقال: وكم احتاجت وتحتاج الأديان السابقة إلى علماء ومبشرين وشواهد وحجج وبراهين لحض الخلق على اعتناقها. إذ ليس لديها ما هو منظور محسوس يثبت أصولها في القلوب.. أما الإسلام فقد غني عن كل ذلك بالقرآن فهو أعلم معلّم وأهدى مبشر، وهو أصدق شاهدا وأبلغ حجة وأدمغ برهانا.. هو المعجزة الخالدة خلود الواحد الأزلي المنظورة المحسوسة في كل زمان. ثم نظم قصيدة يبين فيها إعجاز القرآن وعظمته «١» . [٥] خلوه من التناقض والاضطراب: للناس آراء ومقررات في حالات الضعف أو الخوف أو الضيق أو الفقر أو القلة أو نقص المعلومات، وترى تلك الآراء والمقررات تتغير إذا تبدل حال الإنسان إلى العكس مما سبق، وترى هذا في كل عمل بشري، لكن لا تجد أثرا لشيء من هذا الاختلاف في كتاب الله. لأنه من كلام الذي لا تغيره الأحوال سبحانه، ولا يشوب علمه النقص، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [النساء: ٨٢] . مع أن القرآن كتاب ضمّ طوال السور وقصارها، ونزل في فترات متقطعة، وفي ظروف مختلفة وشمل علوما متعددة، وتحدث عن آفاق واسعة، تجده يصدق بعضه بعضا ويكمل آخره أوله «٢» .

стр. 200

[٦] علومه الواسعة: اشتمل القرآن على علوم ومعارف تهدي البشر إلى طريق الحق والصواب والسعادة في جميع شؤونهم في حياتهم الدنيا والآخرة، وتجنبهم الشر بحذافيره، في كل زمان ومكان، وقد بلغت هذه العلوم من دقة المعلومات، وصحة الأخبار، ونبالة القصد، ونصاعة الحجة، وحسن الأثر، وعموم النفع مبلغا يستحيل على محمد ﷺ وهو رجل أمّي نشأ بين أمّيين- أن يأتي بها من عند نفسه، بل يستحيل على أهل الأرض جميعا من علماء وأدباء وفلاسفة وأخلاقيين أن يأتوا بمثلها من تلقاء أنفسهم ولو تظاهروا على ذلك «١» ، فالعلوم التي في القرآن تدل كل عاقل ومنصف على أنه من عند الله، ولا يمكن أن تكون من عند غيره، ونضرب لك ثلاثة أمثلة مما احتوى عليه من العلوم: (أ) إخباره بالغيب الماضي والحاضر والمستقبل: «٢» فمن إخباره بالغيب الماضي: إخباره بقصص الأمم السابقة التي لم يشهدها محمد ﵌ أو قومه، مثل قصة نبي الله نوح ﵇ مع أمته التي كانت من أقدم الأمم على الأرض. فقد دعا نوح ﵇ قومه إلى عبادة الله سبحانه وترك عبادة غيره، واستمر على ذلك مدة طويلة بلغت ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع ذلك لم يستجب له إلا قليل من الناس، فدعا ربه أن ينصره على من عاداه، فأنزل الله مطرا غزيرا من السماء وفجر الأرض عيونا فاغرق الكافرين، ونجى الله المؤمنين على سفينة مع نوح ﵇. وأخبر الله سبحانه نبيه في القرآن بعد أن ذكر قصة نوح ﵇ مع قومه في سورة هود أن هذه القصة من أخبار الغيب التي لم يكن محمد ﷺ يعلمها ولا

стр. 201

قومه، وإنما ساقها الله للعبرة ولتسلية نبيه محمد ﷺ . قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) [هود: ٤٩] . ولو أن الكفار في عهد النبي ﷺ كانوا يعلمون شيئا من ذلك لكانت فرصة لتكذيب النبي ﵌، ولكنهم لاذوا بالصمت. قصة هامان: ورد ذكر" هامان" ست مرات في القرآن الكريم، كما ورد اسمه متصلا باسم فرعون كشخص من المقربين إليه ويسند فرعون إليه أعمال البناء، حيث أمره ببناء صرح عال يصعد عليه، قال تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ (٣٧) [غافر: ٣٦- ٣٧] . فهاتان الآيتان تثبتان وجود شخص اسمه هامان مقرب إلى فرعون، ويكلفه بعمل البناء. بينما لم يرد ذكر لهامان في التوراة، ولم يرد ذكره في أي من المقاطع (الروايات) التي تحكي حياة نبي الله موسى ﵇، لكن ورد اسم" هامان" في أحد كتب العهد القديم «١» . لكن هذا الكتاب ذكر أن" هامان" شخص مساعد لملك بابل، وبابل في العراق، وأنه أوقع الكثير من الضرر بالإسرائيليين، ولكن هذه الأحداث كانت

стр. 202

بعد نبي الله موسى بمدة طويلة تبلغ ١١٠٠ عام. ويدّعى بعض الطاعنين في الإسلام «١» أن محمدا ﵌ هو الذي كتب القرآن، وأنه نسخ قصص الأمم السابقة من التوراة والإنجيل، فأخطأ في شخصية هامان فذكر أنه وزير فرعون، بينما هو- حسب دعواهم- مساعد ملك بابل. وجاءت الكشوف الحديثة في علم الآثار لتظهر صدق ما جاء في القرآن الكريم وبطلان تلك الدعاوى المزعومة بعد أن حلت رموز وحروف الكتابة الهيرو غليفية المصرية القديمة، التي ورد فيها ذكر شخصية هامان وطبيعة عمله. وتوجد الإشارة إلى هذا الاسم في نصب في متحف هوف في فيينا «٢» ، كما ظهر في كتاب بعنوان «٣» (in the new Kingdom people) في شعب المملكة الجديدة) الذي تم إعداده استنادا إلى مجموعة من النقوش كما ظهرت في هذه النقوش وظيفة وطبيعة عمل هامان وهو أنه كان: (رئيس عمال الحجارة) " ورد الاسم مذكرا، من المملكة الجديدة. وترجمت المهنة إلى اللغة

стр. 203

الألمانية بمعنى رئيس أو مراقب العمال في مقالع الحجر «١» . وهذا كله يثبت حقيقة ما جاء في القرآن من أن هامان كان في مصر وأنه كان مسئولا عن أعمال البناء وهذه المعلومات لم تكن متوفرة في عهد نبوة محمد ﵌؛ لأن الكتابة الهيروغليفية قد تركت منذ زمن قديم حيث يرجع آخر مثال معروف لاستخدامها إلى عام ٣٩٤ بعد الميلاد «٢» ، ثم نسيت هذه اللغة ولم يكن هناك أحد يستطيع أن يخل رموزها أو يفهمها إلى حوالي ٢٠٠ سنة مضت في عام ١٧٩٩ م تم اكتشاف" حجر رشيد (Rosetta () Stone "الذي يرجع تاريخه إلى ١٩٦ قبل الميلاد، وبواسطته تم حل شفرة الكتابة المصرية القديمة، ومن خلالها توفرت المعلومات عن الحضارة المصرية القديمة وجوانبها الدينية والاقتصادية والتاريخية وغيرها، ومن ذلك معرفة شخصية" هامان" وطبيعة عمله، كما ذكر ذلك في القرآن الكريم. فمن أين لمحمد ﵌ هذا العلم الذي خفي على البشرية في وقته وإلى عصرنا الحاضر حتى قبل ٢٠٠ سنة تقريبا، إن الإخبار باسم شخص كان يعيش مع فرعون والإخبار عن وظيفته عند فرعون، مع أن هذا الإسلام قد سقط عند أهل الكتب المقدسة ونسي من ذاكرة التاريخ، ولم يعثر على هذا الاسم إلا بعد نزول القرآن باثني عشر قرنا بعد أن تم اكتشاف حجر رشيد الذي تمكن به علماء الآثار من فك رموز لغة الفراعنة (الهيروغليفية) فوجدوا اسم هامان يذكر في النقوش الفرعونية وأنه وزير فرعون للبناء تماما كما أخبر القرآن، إن ذلك يدل على أن

стр. 204

مصدر هذا الخبر الغيبي قد نزل في القرآن من علم الله، إنه من الله العليم بكل شيء «١» . غيب في زمن النبي ﷺ : وكما أخبر القرآن بالغيب الماضي فقد أخبر ببعض الحوادث التي لم يشهدها رسول الله ﷺ وهي في زمنه فكانت غيبا بالنسبة له- فأطلعه الله عليها، ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسر إلى بعض أزواجه أنه قد حرم على نفسه شرب العسل الذي عند بعض نسائه، لما ظن أن فيه رائحة غير مستحسنة «٢» ، وأمرها ألا تخبر بذلك أحدا، فأخبرت بعض نسائه بذلك، فأطلعه الله سبحانه على ذلك وأخبرها به، فسألته عمن أخبره بذلك الغيب فأخبرها أنه الله سبحانه. قال تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ «٣» عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ «٤» فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) [التحريم: ٣] . ومن أمثلته كذلك ما كان يخفيه المنافقون من بغضهم للإسلام وطعنهم فيه فيطلع الله عليه نبيه، وكان المنافقون يعلمون ذلك ويخشون أن ينزل القرآن ببيان ما أسروا في قلوبهم. قال تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) [التوبة: ٦٤]

стр. 205

كما قال تعالى مبينا كذب المنافقين في اعتذارهم في التخلف عن الجهاد: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [التوبة: ٩٤] «١» . وقد قال أحدهم في النبي ﵌ كلمة كفر بها، حيث كان النبي ﵌ يخطب فقال المنافق: إن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: هو والله صادق وأنت شر من الحمار، ولما نقلت كلمته إلى النبي ﵌ جحدها، فنزل القرآن الكريم بإثبات تلك الكلمة عليه. قال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التوبة: ٧٤] «٢» . وهكذا كان الوحي يكشف للرسول ﵌ ما يدور بعيدا عنه مما يحاك حوله وما يدور في خفايا النفوس. غيب المستقبل: وهناك نوع آخر من الغيب كشفه الوحي لرسول الله ﵌، وهو الغيب المكنون في المستقبل الذي لا سبيل لأحد من البشر أن يعرفه. ومن أمثلته ما وعد الله به المؤمنين من الاستخلاف في الأرض مع أنهم كانوا قلة مستضعفة، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النور: ٥٥] .

стр. 206

وقد تحقق ذلك الوعد فخلال قرن من الزمان انتصر المؤمنون على الدولتين العظيمتين في ذلك الوقت وفتحوا الأرض شرقا وغربا ودانت لهم شعوبها بالإسلام ودخلوا في دين الله أفواجا. ومن أمثلة الإخبار بغيب المستقبل أن يقرر القرآن أن أشخاصا معينين بأسمائهم لن يسلموا وأنهم سيموتون على الكفر، وكان بإمكانهم أن يكذبوا القرآن ولو تظاهروا بالإسلام تظاهرا، ولكنهم لم يخرجوا عما قرره القرآن في حقهم، بالرغم من إسلام الأعداد الكثيرة ممن كانوا أشد الناس عداوة له. ومن ذلك ما ذكره سبحانه عن أبي لهب أنه من أهل النار. قال تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) [المسد: ١- ٤] وكذلك إخباره عن الوليد بن المغيرة أنه سيصلى النار قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) [المدثر: ٢٦] وكان الأمر كذلك فمات أبو لهب كافرا، ومات الوليد كافرا، إلى غير ذلك من الأمثلة «١» . ب- الشريعة العظيمة التي احتوى عليها: لا يستطيع أحد أن ينظم بدقة وإحاطة أمر مصنوع من المصنوعات إلا إذا كان على علم بأسرار ذلك المصنوع فتأتي إرشاداته وتوجيهاته محققة للسير الصحيح. ومن تأمل في أحوال البشرية وجدها في اضطراب وفساد على الدوام، لكنها عند ما طبقت شريعة الله التي جاء بها رسله استقر أمرها وصلح حالها وختم الله

стр. 207

الشرائع بشريعة محمد ﵌ التي شيّدت عليها أثبت الحضارات التي عرفها البشر خلال التاريخ الإنساني، وسعدت البشرية في ظل تلك الشريعة التي وحدت بين الأجناس المختلفة والبيئات المتباينة والعصور المتعاقبة، وشهد بذلك الدارسون من أهل الاختصاص، مما يدل على أن هذه الشريعة من قبل خالق الإنسان، الذي يعلم أسرار خلقته وفطرته. فإلى جانب ما احتوى عليه القرآن من الهدى والنور في جانب الاعتقاد والإيمان الذي نزل من أجله، فقد اشتمل على أفضل وأرقى التشريعات التي تكفل سعادة الفرد والمجتمع بل والعالم بأكمله في جميع شؤون حياتهم في جوانب السياسية والقضاء والحكم وإقامة العدل، وفي جوانب الاقتصاد والمال والمعاملات، وفي جوانب الاجتماع والتكافل والأخلاق والآداب والفضائل، وفي جوانب الفكر والبحث والعلم، وفي جوانب الصحة وحماية الأعراض واستتباب الأمن، وفي جوانب العقل والبدن والأسرة والمرأة والمجتمع، وفي جوانب الحرب والسلم والعلاقات بين سائر بني الإنسان، وبيان الحقوق والواجبات فلم يبق جانبا من جوانب الحياة إلا وقد بيّن فيه سبيل الحق والهدى والصواب كما قال تعالى لرسوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] . ومن الأدلة على ذلك أن الأمة الإسلامية قد عاشت أكثر من ألف وأربعمائة عام غنية بما لديها من التشريعات، ولا تزال بعض الدول الإسلامية تتحاكم إليها في محاكمها ولم تحتج في يوم من الأيام إلى قوانين مستوردة من خارج الشريعة الإسلامية، لأن الجهاز التشريعي الضخم قد أغناها عن الحاجة لغيرها.

стр. 208

محاورة مع سفير فرنسا: في أثناء زيارة سفير فرنسا لي، سألني قائلا: هل اكتملت الحياة وصورها؟ * فقلت: لا. * فقال: وهل اكتمل الدين؟. * فقلت: نعم. * فقال: فكيف يتسع الدين المحدود الذي اكتمل لحاجات الحضارة وصورها المتجددة؟!. * فقلت له: هل تركيب عينك هو نفس تركيب أعين من كانوا يعيشون في عصر محمد وفي عصر المسيح ﵉؟. * فقال: التركيب واحد لم يتغير. * فقلت له: هل تركيب أعضاء جسمك، هو نفس تركيب أعضاء أجسام من كانوا يعيشون في عهد النبي محمد وفي عهد المسيح ﵉؟. * فقال: نعم، تركيب أجسامنا لم يتغير ولم يتبدل. * فقلت له: هل تحب، وتكره، وتخاف، وتطمع؟. * قال: نعم. * قلت له: الذين كانوا يعيشون في عصر النبي محمد ﷺ وفي عصر المسيح هل هم مثلنا يحبون ويكرهون ويخافون ويطمعون؟. * قال: نعم. * فقلت له: إذن التركيب النفسي لنا ولهم لم يتغير ولم يتبدل!. * قال: نعم هذا صحيح.

стр. 209

* فقلت له: التركيب النفسي والبدني لمن يعيشون اليوم هو نفس التركيب النفسي والبدني لمن كانوا يعيشون في عهد النبي محمد وفي عهد المسيح ﵉. * فقال: هذا صحيح. * ثم قلت له: لو أن لدينا مليون سيارة مرسيدس، بتصميم هندسي واحد (موديل واحد) ، قد صنعت طبقا لخطة هندسية واحدة، ولها كتاب إرشاد (كتالوج) واحد، فهل يصلح كتاب الإرشاد (الكتالوج) الواحد لتسيير وتشغيل أي سيارة من هذه المليون السيارة؟! * فقال: طالما الموديل واحد والصنعة واحدة، فلابد أن يكون (الكتالوج) واحدا، والكتالوج الواحد يصلح لأي سيارة من هذه السيارات. * فقلت له: ولو وزعناها على القارات في آسيا، وأوروبا، وأمريكا؟! * فقال: ولو وضعت في أي مكان على الأرض، فإنها لا تعمل إلا بنفس (الكتالوج) الذي صنعت طبقا له ما لم يتغير تركيبها. * فقلت له: ولو أننا أخرجنا من مخزن السيارات مائة سيارة بعد عشر سنوات، فهل لا يزال (الكتالوج) يصلح لها؟! * فقال: لا يزال يصلح لها، لأنها لم يحدث لها أي تغيير في تركيبها. * فقلت له: ولو أخرجناها بعد مائة سنة فهل لا يزال الكتالوج يصلح لها. * فقال: يصلح لها ما دام تركيبها لم يتغير. * فقلت له: ولو أخرجناها بعد ألف وأربعمائة عام، فهل لا يزال (الكتالوج) نافعا لها ويصلح لتشغيلها؟!

стр. 210

* فقال: نعم، لا يزال يصلح لها ما لم يتغير تركيبها!. * فقلت له: إذا كانت الإرشادات (الكتالوج) التي تقدمها مصانع السيارات تصلح لتشغيل تلك السيارات من نفس تلك الصنعة (الموديل) مهما اختلف الزمان والمكان، فكذلك الشريعة والدين الذي جاء من عند الله متعلقا بفطرة الإنسان البدنية والنفسية التي لم تتبدل ولم تتغير بتغير الزمان والمكان، لا يزال صالحا لفطرة الإنسان التي خلق الله الناس عليها، وصالحا للبشرية الموحدة في فطرتها وخلقتها كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: ٣٠] . * ثم قلت له: والدين الذي جاءنا من عند الله جاء في صورة قواعد كلية هادية تستوعب كل الصور المتجددة لتطورات الحياة، ويقوم العلماء المجتهدون بتنزيل أحكام الدين على صوره المتجددة، كما يقوم الخياط الذي يفصل الملابس وفق قواعد الخياطة فيجعلها متناسبة مع أحجام الناس ونوعية القماش، ومناسبة لفصول السنة وفقا لقواعد التفصيل والخياطة، والبيئة التي يعمل فيها الإنسان. ولو قام المجتهدون بعملهم كاملا لما قصرت الشريعة عن إيجاد حلّ لأي مشكلة تستجد للفطرة الإنسانية الثابتة. وهكذا تعلقت الشريعة بالفطرة الثابتة التي لا تتغير وكانت مرنة بعمل المجتهدين الذين يستنبطون من قواعدها الأحكام المناسبة للصور المتجددة. [ج] الإعجاز العلمي الذي احتوى عليه القرآن: القرآن لا تنقضي عجائبه، فكلما مر الزمن اكتشفت البشرية وجها جديدا من إعجازه، فما إن دخل الناس في عصر العلوم الكونية حتى وجدوا في

стр. 211

كتاب الله نبأ صدق ما وعدهم في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣] . وإذا بالوعد يتحقق، [انظر فصل: البينة العلمية] . [٧] حفظه من التغيير والتبديل: ومن العلامات الإلهية في القرآن كونه محفوظا من التغيير والتبديل، مع مرور الأزمنة المتطاولة على نزوله، وكثرة المعادين والحاقدين والخصوم المتربصين به وبأهله، ومع ذلك لم تنله يد التغيير والتبديل، وما حصل من محاولات التحريف باءت جميعها بالفشل. فهو محفوظ على مستوى الحرف الواحد بل على مستوى حركة الحرف الواحد، وإنك لتسمع القرآن اليوم يذاع من إذاعات العالم المختلفة ومن الدول المعادية للإسلام «١» ، فإذا هو القرآن المعروف الذي أنزل على محمد ﷺ . وهذا كله تصديق لوعد الله سبحانه الذي تكفل بحفظه فقال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] . [٨] علامات أخرى: وهناك علامات أخرى تدل المنصف العاقل أن القرآن ليس من عند محمد ﵌ ومن ذلك: ما نزل من القرآن بعد طول انتظار: فقد حصلت في عهد النّبيّ ﵌ حوادث مهمة وحرجة كانت تستدعي بيانا سريعا لها، وكان النّبيّ ﵌ يقع في موقف حرج فيها، ومع ذلك كان ينتظر حتى يأتيه الوحي والبيان من الله لتلك

стр. 212

المواقف. ولو فرضنا أن القرآن كان من عنده ﵌ لأنقذ نفسه من الحرج دون حاجة إلى التأخير: ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما قاله أهل الإفك في زوجته السيدة الطاهرة عائشة ﵂ أم المؤمنين، ومكث النّبيّ ﷺ قرابة شهر وأهل الإفك يخوضون في باطلهم ومع ذلك لم يتبين له الأمر حتى نزل الوحي من السماء ببراءة أم المؤمنين ﵂، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) [النور: ١١- ١٨] ، ولو كان القرآن من عنده ﷺ لأمكنه أن يتلو على الناس بعض الآيات فور ظهور مقالة أهل الإفك في مثل هذه الحادثة التي لا تستدعي أقل وقت للتأخير، وذلك ليبرئ ساحته وعرض أهله، ولكنه لم يفعل لأنه ما كان ليفتري الوحي من دون الله «١» .

стр. 213

آيات العتاب له ﵌: ولو كان لمحمد ﵌ تصرف في القرآن لحجب آيات العتاب الإلهي له في بعض اجتهاداته ﷺ . ومن أمثلة هذا العتاب: أن النبي ﵌ أذن لبعض الناس في التخلف عن الجهاد نظرا لما أبدوه من أعذار، فعاتبه الله سبحانه على ذلك مبينا له أن بعض الذين استأذنوه كانوا غير صادقين، فلم يكن ينبغي أن يأذن لهم. قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) [التوبة: ٤٣] . وقد عاتبه- سبحانه- عند قبوله الفداء في أسارى بدر مبينا له أنه ما كان ينبغي له قبول الفداء منهم والإسلام مازال في حالة ضعف. قال سبحانه ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) [الأنفال: ٦٧] ، وعاتبه ربه سبحانه عند إعراضه عن عبد الله بن أمّ مكتوم الأعمى لما جاءه ليتعلم منه، لكونه منشغلا بدعوة بعض رؤساء قريش، قال سبحانه عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) [عبس: ١- ٤] . وعاتبه ربه سبحانه عند تحريمه العسل على نفسه- كما مر معنا «١» - قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) [التحريم: ١] . ولو كان القرآن من كلام محمد ﵌ لما سجّل على نفسه هذا العتاب، يتلوه الناس بل ويتقربون إلى الله بتلاوته حتى يوم المآب.

стр. 214

* الآيات التي تجرد الرسول ﵌ من نسبة الوحي إليه إذا قرأت القرآن وجدت فيه الآيات التي تجرد النبي ﷺ من أن يكون له في القرآن مشاركة أو نصيب في تأليفه، بل يصفه القرآن بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ويمتن عليه بأن الله آتاه الكتاب والحكمة، بل يذكر أنّه لم يكن له رجاء في نزول الوحي عليه. قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١٣] . وقال سبحانه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] . وقال سبحانه: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. [القصص: ٨٦] فلو كان القرآن العظيم بما احتوى عليه من معجزات بهرت البشر من تأليف محمد ﵌ لما تنصّل من نسبته إليه، بل لكان أعظم مفخرة له أن ينسب إلى نفسه ما تفوّق به على جميع البشر ولكنه لم يفعل، بل تلا على الناس ما أنزله الله عليه من أنه لو قال شيئا من قبل نفسه ونسبه إلى الله سبحانه لعاقبه ربه- سبحانه- على ذلك أشد العقوبة. قال سبحانه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) [الحاقة: ٤٤- ٤٧] ، أي لو كان محمد- ﵌ مفتريا علينا كما يزعم الكافرون ... لأخذنا منه بيمينه ثم لقطعنا منه العرق المتصل بالقلب (الوتين) ، ولا يستطيع أحد من البشر عندئذ

стр. 215

أن يدفع عنه «١» . فليتأمل المنصف: أيسرّ أحدا أن يقول هذا عن نفسه في كتاب هو من تأليفه وإنشائه. واقرأ إن شئت قوله تعالى قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) [يونس: ١٥- ١٦] . والمعنى: إن هذا القرآن فوق طاقتي وليس من مقدوري وما أنا إلا ناقل له اتبع ما يوحى إليّ منه، وإني أخاف سطوة منزل هذا الكتاب إذا أنا تلاعبت بنصوصه أو غيّرت فيه، فالقرآن كلامه، ولو أراد ألا أكون رسولا بينه وبينكم ما تلوته عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه، فقد نشأت بينكم وعرفتم حالي حضرا وسفرا مدة أربعين سنة قبل نزوله- وهو عمر طويل- وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ ولا أكتب ولا تعلمت من أحد مثله أو قريبا منه، بل أنا أمّي، لم تسمعوا مني مطلقا مثل هذا الكلام المعجز، ولم تجربوا عليّ كذبة واحدة في حياتي، فكيف أفتري على الله سبحانه وأكذب عليه بعد هذا العمر الطويل، أفلا تعقلون؟! «٢» . وصدق الله القائل: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨] .
следующие страницы →