← Сира

Сира · id 9781

بينات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته

عبد المجيد الزندانى

Полный текст (403 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كتاب الله نبأ صدق ما وعدهم في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣] . وإذا بالوعد يتحقق، [انظر فصل: البينة العلمية] . [٧] حفظه من التغيير والتبديل: ومن العلامات الإلهية في القرآن كونه محفوظا من التغيير والتبديل، مع مرور الأزمنة المتطاولة على نزوله، وكثرة المعادين والحاقدين والخصوم المتربصين به وبأهله، ومع ذلك لم تنله يد التغيير والتبديل، وما حصل من محاولات التحريف باءت جميعها بالفشل. فهو محفوظ على مستوى الحرف الواحد بل على مستوى حركة الحرف الواحد، وإنك لتسمع القرآن اليوم يذاع من إذاعات العالم المختلفة ومن الدول المعادية للإسلام «١» ، فإذا هو القرآن المعروف الذي أنزل على محمد ﷺ . وهذا كله تصديق لوعد الله سبحانه الذي تكفل بحفظه فقال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] . [٨] علامات أخرى: وهناك علامات أخرى تدل المنصف العاقل أن القرآن ليس من عند محمد ﵌ ومن ذلك: ما نزل من القرآن بعد طول انتظار: فقد حصلت في عهد النّبيّ ﵌ حوادث مهمة وحرجة كانت تستدعي بيانا سريعا لها، وكان النّبيّ ﵌ يقع في موقف حرج فيها، ومع ذلك كان ينتظر حتى يأتيه الوحي والبيان من الله لتلك

стр. 212

المواقف. ولو فرضنا أن القرآن كان من عنده ﵌ لأنقذ نفسه من الحرج دون حاجة إلى التأخير: ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما قاله أهل الإفك في زوجته السيدة الطاهرة عائشة ﵂ أم المؤمنين، ومكث النّبيّ ﷺ قرابة شهر وأهل الإفك يخوضون في باطلهم ومع ذلك لم يتبين له الأمر حتى نزل الوحي من السماء ببراءة أم المؤمنين ﵂، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) [النور: ١١- ١٨] ، ولو كان القرآن من عنده ﷺ لأمكنه أن يتلو على الناس بعض الآيات فور ظهور مقالة أهل الإفك في مثل هذه الحادثة التي لا تستدعي أقل وقت للتأخير، وذلك ليبرئ ساحته وعرض أهله، ولكنه لم يفعل لأنه ما كان ليفتري الوحي من دون الله «١» .

стр. 213

آيات العتاب له ﵌: ولو كان لمحمد ﵌ تصرف في القرآن لحجب آيات العتاب الإلهي له في بعض اجتهاداته ﷺ . ومن أمثلة هذا العتاب: أن النبي ﵌ أذن لبعض الناس في التخلف عن الجهاد نظرا لما أبدوه من أعذار، فعاتبه الله سبحانه على ذلك مبينا له أن بعض الذين استأذنوه كانوا غير صادقين، فلم يكن ينبغي أن يأذن لهم. قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) [التوبة: ٤٣] . وقد عاتبه- سبحانه- عند قبوله الفداء في أسارى بدر مبينا له أنه ما كان ينبغي له قبول الفداء منهم والإسلام مازال في حالة ضعف. قال سبحانه ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) [الأنفال: ٦٧] ، وعاتبه ربه سبحانه عند إعراضه عن عبد الله بن أمّ مكتوم الأعمى لما جاءه ليتعلم منه، لكونه منشغلا بدعوة بعض رؤساء قريش، قال سبحانه عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) [عبس: ١- ٤] . وعاتبه ربه سبحانه عند تحريمه العسل على نفسه- كما مر معنا «١» - قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) [التحريم: ١] . ولو كان القرآن من كلام محمد ﵌ لما سجّل على نفسه هذا العتاب، يتلوه الناس بل ويتقربون إلى الله بتلاوته حتى يوم المآب.

стр. 214

* الآيات التي تجرد الرسول ﵌ من نسبة الوحي إليه إذا قرأت القرآن وجدت فيه الآيات التي تجرد النبي ﷺ من أن يكون له في القرآن مشاركة أو نصيب في تأليفه، بل يصفه القرآن بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ويمتن عليه بأن الله آتاه الكتاب والحكمة، بل يذكر أنّه لم يكن له رجاء في نزول الوحي عليه. قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١٣] . وقال سبحانه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] . وقال سبحانه: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. [القصص: ٨٦] فلو كان القرآن العظيم بما احتوى عليه من معجزات بهرت البشر من تأليف محمد ﵌ لما تنصّل من نسبته إليه، بل لكان أعظم مفخرة له أن ينسب إلى نفسه ما تفوّق به على جميع البشر ولكنه لم يفعل، بل تلا على الناس ما أنزله الله عليه من أنه لو قال شيئا من قبل نفسه ونسبه إلى الله سبحانه لعاقبه ربه- سبحانه- على ذلك أشد العقوبة. قال سبحانه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) [الحاقة: ٤٤- ٤٧] ، أي لو كان محمد- ﵌ مفتريا علينا كما يزعم الكافرون ... لأخذنا منه بيمينه ثم لقطعنا منه العرق المتصل بالقلب (الوتين) ، ولا يستطيع أحد من البشر عندئذ

стр. 215

أن يدفع عنه «١» . فليتأمل المنصف: أيسرّ أحدا أن يقول هذا عن نفسه في كتاب هو من تأليفه وإنشائه. واقرأ إن شئت قوله تعالى قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) [يونس: ١٥- ١٦] . والمعنى: إن هذا القرآن فوق طاقتي وليس من مقدوري وما أنا إلا ناقل له اتبع ما يوحى إليّ منه، وإني أخاف سطوة منزل هذا الكتاب إذا أنا تلاعبت بنصوصه أو غيّرت فيه، فالقرآن كلامه، ولو أراد ألا أكون رسولا بينه وبينكم ما تلوته عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه، فقد نشأت بينكم وعرفتم حالي حضرا وسفرا مدة أربعين سنة قبل نزوله- وهو عمر طويل- وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ ولا أكتب ولا تعلمت من أحد مثله أو قريبا منه، بل أنا أمّي، لم تسمعوا مني مطلقا مثل هذا الكلام المعجز، ولم تجربوا عليّ كذبة واحدة في حياتي، فكيف أفتري على الله سبحانه وأكذب عليه بعد هذا العمر الطويل، أفلا تعقلون؟! «٢» . وصدق الله القائل: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨] .

стр. 216

الفصل الرابع المعجزة الخارقة * خوارق العادات. * من دلائل النبوة الخارقة للعادة في العهد المكي. * من دلائل النبوة الخارقة للعادة في العهد المدني. * خوارق ازدياد الطعام والماء. * معجزات الرسول ﷺ في تكثير الماء القليل. * معجزات شفاء المرض وخوارقها. * شهادة الشجر برسالة النبي ﷺ . * معجزات خارقة في شهادة الحيوان وانقياده. * معجزات خارقة متفرقة.

стр. 217

تمهيد: كما أيد الله سبحانه رسوله محمدا ﵌ بالقرآن الذي هو أعظم بيناته، فقد أيده بمعجزات خارقة للعادة أجراها على يده وشاهدها المعاصرون له من أصحابه وأعدائه، فكانت دليلا للجميع على صدقه ﵌ فيما بلّغ عن ربه، وعلى تأييد الله سبحانه له، كما أن هذه الحوادث الخارقة التي وقعت لا تزال دليلا بينا لكل عاقل في أيّ زمان ومكان على صحة نبوة محمد ﵌، لأنّها قد نقلت إلينا نقلا صحيحا أمينا، ووثقت توثيقا بالغا لا يوجد مثله في تاريخ الأمم قديمها وحديثها فكأن السامع لها يراها بين يديه آية بينة تدل على صدق محمد ﵌ لدقة توثيقها فيطمئن بها قلبه وعقله. دقة توثيق أخبار المعجزات (خوارق العادات) : إن دلائل النبوة الخارقة للعادة قد سجلت في القرآن الكريم، وفي كتب السّنّة النبوية المطهرة، بأدق طرق التوثيق والنقل، فلننظر كيفية توثيقها في كليهما: أولا: توثيق المعجزات في القرآن الكريم: كانت معجزات النبي ﵌ (الخارقة للعادة) تحصل، فيراها العشرات والمئات وربما الالآف من أتباعه المؤمنين به ﷺ ، ومن أعدائه المعاندين له، ثم ينزل القرآن العظيم ذاكرا لهذه الخوارق والحوادث مستخلصا العبر منها؛ لأنه كان ينزل منجما حسب الأحداث. وبعد نزول القرآن بذكر هذه الخوارق والحوادث صدقها المؤمنون وازدادوا إيمانا وثباتا على دينهم، ولم يتطرق إليهم أدنى شك في وقوع هذه الخوارق التي شاهدوها.

стр. 218

ولم يملك أعداؤه ﵌ سوى الصمت تجاه ما يسمعون من آيات القرآن التي تذكر تلك الخوارق والحوادث. ولو افترضنا جدلا أنّها لم تقع لكان أعداء النبي ﵌ أول المشنّعين عليه بذلك، ولكانت فرصة سانحة ليثبتوا- حسب زعمهم- كذبه ﵌ (وحاشاه من ذلك) ، لاسيما مع حرصهم الشديد على تكذيبه وتوافر الدواعي لديهم لذلك، واجتماع هممهم للطعن في نبوته، والقدح في صدق رسالته، والتشكيك في أخباره، ولتشكك المسلمون في دينهم وارتدوا عنه. لكن شيئا من ذلك لم يقع، بل ازداد المؤمنون إيمانا وثباتا على دينهم وتصديقا لما سجل في كتاب ربهم، وصمت الكفار أمام ما شاهدوا من خوارق وقعت وسجلها القرآن فدخلوا في دين الله أفواجا، فعلمنا علما يقينيا وقوع تلك الخوارق والحوادث المؤيدة للنبوة والرسالة والشاهدة بصدق النبي ورسالته، وعلمنا أن أولئك العشرات أو المئات أو الآلاف الذين كانوا يشاهدون المعجزة هم الموقعون على محضر المعجزة، وهم الشهود المباشرون لها الشاهدون بصدق وقوعها. محضر الخارقة المعجزة: لقد كان ذكر القرآن الكريم لهذه الخوارق وتسجيله لها حين نزوله وسماع المئات والآلاف من المسلمين والكافرين لما ذكر فيه، بمثابة محضر أقره جميع الحاضرين من المؤمنين والكافرين المشاهدين لتلك الخوارق والحوادث، والسامعين لما سجل عنها في كتاب الله، فكان ثبات المؤمنين على إيمانهم بمثابة التوقيع منهم على صدق ما سجل في القرآن، كما كان سكوت الكافرين وعدم معارضتهم لما سجّل في القرآن، بل وتحول الكثير منهم إلى الإيمان بمثابة التوقيع أيضا على

стр. 219

مطابقة القرآن لما شاهدوه في الواقع. مثال في العهد المكي: حادثة انشقاق القمر: في العهد المكي طلب كفار قريش من النبي ﵌ أن يريهم آية (علامة على صحة نبوته) فشق الله له القمر نصفين، وذكر القرآن الكريم ذلك وسجّله. قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] . فلو أن ذلك لم يحصل لتشكك المسلمون في دينهم وخرجوا منه، ولقال الكفار: إن محمدا يكذب علينا فما انشق القمر ولا رأينا شيئا من ذلك، ولكن الذي حدث أن زاد المؤمنين إيمانا، وتحير الكافرون أمام هذه المعجزة التي لم يملكوا سوى أن يفسروها بأنها سحر مستمر!! «١» . قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) [القمر: ١- ٣] «٢» . التوثيق التاريخي لانشقاق القمر: سجل تاريخ الهند اسم ملك من ملوكهم هو: (جاكرواني فرماس) وأنه شاهد حادثة انشقاق القمر، فسجلت إحدى المخطوطات التاريخية الهندية مايلي: " شاهد ملك ما جبار" مالابار" بالهند (جاكرواني فرماس) انشقاق القمر؛ الذي وقع لمحمد، وعلم عند استفساره عن انشقاق القمر بأن هناك نبوة عن مجيء رسول من جزيرة العرب، وحينها عين ابنه خليفة له، وانطلق لملاقاته. وقد اعتنق الإسلام على يد النبي، وعندما عاد إلى وطنه- بناء على توجيهات النبي- وتوفي في ميناء ظفار" «٣» وهذه المعلومات في مخطوطة هندية محفوظة في

стр. 220

مكتبة دائرة الهند تحتوي على عدة تفصيلات أخرى عن (جاكرواني فرماس) . وقد جاء في كتب الحديث ذكر الملك الهندي؛ الذي وصل إلى النبي ﷺ ففي مستدرك الحاكم: " عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: ثم أهدى ملك الهند إلى رسول الله ﷺ جرة فيها زنجبيل، فأطعم أصحابه قطعة قطعة، وأطعمني منها قطعة. قال الحاكم ولم أحفظ في أكل رسول الله ﷺ الزنجبيل سواه" «١» . ومن المعلوم أن هذا الملك قد صار صحابيا؛ بملاقته الرسول- ﷺ وإيمانه به وموته على ذلك. وقد حفظت المراجع الإسلامية قصة هذا الصحابي الذي قدم من الهند. فذكره الإمام ابن حجر العسقلاني في الإصابة، وفي لسان الميزان «٢» وقال إن اسمه (سربانك) وهذا هو الاسم الذي عرف به عند العرب. مثال في العهد المدني: إرسال الرياح والجنود على الأحزاب: اجتمع آلاف الكفار لغزو المدينة النبوية في معركة الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريحا باردة أطفأت نيرانهم وكفأت قدورهم واقتلعت خيامهم وهدمت أبنيتهم وشردت خيولهم وإبلهم، وأرسل الله عليهم جنودا لا ترى لتزلزلهم حتى اضطروا للعودة من حيث جاءوا، وفكّ الحصار عن المدينة النبوية، وأنزل الله تعالى ذكر هذه الحادثة ممتنّا على المؤمنين. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) [الأحزاب: ٩] . ولو كانت هذه المعجزة لم تقع لتشكك المسلمون في القرآن، وربما ارتدوا

стр. 221

عن دينهم، وقالوا: كيف نصدق ما لم يقع؟!، ولازداد الكفار عتوّا ونفورا ولقالوا: محمد يكذب علينا وعلى الناس!!، ولكن شيئا من ذلك لم يحصل، بل ازداد المؤمنون إيمانا وثباتا على دينهم، وصمت الكفار، ثم دخل معظمهم بعد ذلك في دين الله أفواجا، وبهذا يكون القرآن السجل الصادق- الذي لا يتطرق إليه شك- لما وقع من الخوارق والمعجزات التي أيد الله بها رسوله محمدا ﵌. حفظ القرآن (السجل الصادق للمعجزات) : وعندما كان الوحي ينزل بالآيات القرآنية على رسول الله ﵌ كان يأمر بكتابتها فيتسابق المسلمون من أجل حفظها وكتابتها والتعبد بتلاوتها ونشرها بين الناس، وكان للنبي ﵌ كتاب يكتبون له الوحي حتى اكتمل نزول القرآن وكتبه المسلمون في المصحف، ومن المصحف نسخت مصاحف كثيرة ووزعت في الأقطار آنذاك، ثم في سائر أقطار العالم. إن هؤلاء الصحابة الذين حفظ الله بهم القرآن ونقلوا هاتين الحادثتين: حادثة انشقاق القمر، وهزيمة الأحزاب بالرياح وغيرهما من خوارق العادات التي سجلها القرآن سواء ممن كان مسلما وقت وقوع الحادثة أو أسلم بعد ذلك، كانوا يقرءون القرآن صباح مساء، في صلاتهم ومجالسهم وحلق علمهم ويدونونه ويحفظونه ويتدارسونه فيما بينهم ويتخلقون بأخلاقه ويتحاكمون إلى شريعته، مقرين به ومصدقين له، وعلموه لأبنائهم وأهليهم ومن تبعهم، فمن المستحيل عقلا أن يجتمعوا جميعا على نقله وحفظه وهو لم يقع. وقد حفظ الله القرآن في صدور هؤلاء الذين شاهدوا المعجزات وفي صحفهم، وفي صدور أبنائهم وما دونوه من صحف آبائهم، ونقله الآلاف وعشرات الآلاف بل والملايين وعشرات الملايين عبر العصور المتلاحقة مصدقين به.

стр. 222

ولقد أجمعت أمة العرب على النص القرآني الذي تلقته عن النبي ﵌، وجمع في عهد الخليفة الأول، ونقلت تلك النسخة من بيته إلى بيوت الخلفاء الراشدين الثاني والثالث، وعممت نسخته في زمن عثمان ﵁ على سائر الأمصار والبلدان التي دخلت في دين الإسلام، فتلقت الأمم في مشارق الأرض ومغاربها هذا المصحف عن أمة العرب، وكتبته برسمه العثماني، وتعلمت نطقه العربي جيلا بعد جيل، على اختلاف لغات الشعوب الإسلامية التي شرحت القرآن بلغاتها المختلفة. فترى المصحف الذي يقرؤه الصيني أو الروسي أو الأوروبي أو الأمريكي أو الفارسي أو التركي أو الأفريقي أو العربي هو نفس المصحف الذي تذيعه إذاعة لندن أو إذاعة إسرائيل أو أي إذاعة أو محطة تلفزيون في العالم. ولا يزال الملايين من أبناء المسلمين يتلقون القرآن مشافهة وقراءة وفق الرسم العثماني بسند متصل إلى النبي ﵌، عن أمين الوحي جبريل ﵇، عن رب العالمين . وإذا أخذت نسخة من المصحف في أي زمان ومكان لوجدتها تحكي المعجزات كما هي لأن الله سبحانه قد تعهد بحفظ القرآن كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] ولا يزال المسلمون يحفظونه في الصدور والسطور، والملايين منهم يحفظون القرآن عن ظهر قلب وعلى مستوى الحرف الواحد منه، بل وعلى مستوى ضبط حركة الحرف الواحد. ولو فتحت أيّ مصحف على وجه الأرض سواء كان من المطبوع حديثا أو من المخطوط قديما، وفتحت سورة الأحزاب لوجدت الآية التاسعة منه تحكي قصة الرياح والجنود التي نصر الله بها محمدا ﷺ ، وبهذا تعلم ويعلم كل منصف أن القرآن الذي بين أيدينا هو الذي أنزل على محمد صلى الله عليه

стр. 223

وآله وسلم وسجّل معجزاته، فكأنك تراها الآن رأي العين. ثانيا: توثيق هذه المعجزات في السنة النبوية: وقد حفظت لنا كتب السنة النبوية الموثقة كثيرا من تفاصيل المعجزات التي سجلها القرآن، كما سجلت كثيرا من الخوارق والمعجزات التي لم تذكر في القرآن، وكان التوثيق في تلك الكتب بالغ الدقة، لا يقبل تشكيك مشكك، فكأنك ترى المعجزات المذكورة فيها رأي العين. وذلك لأن النبي ﵌ كان محط أنظار أصحابه، الذين أمرهم الله بالاقتداء به في قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] ، كما أمرهم الله بطاعته واتباع أمره واجتناب نهيه. قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] . وقال تعالى: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: ٥٦] ، ولا تتحقق الأسوة والطاعة إلا بتتبع أقواله وأفعاله وأحواله ﵌. وكان ﵌ يحثهم على الأخذ عنه ومراقبة أفعاله ومتابعتها، كقوله ﷺ : " عليكم بسّنّتي" «١» ، وقوله: " خذوا عني مناسككم" «٢» ، وقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي" «٣» ونحو ذلك من

стр. 224

النصوص التي تحث على ملاحظة أقواله وأفعاله ﷺ . ولذلك كانت أعماله ﵌ وأقواله وحركاته وسكناته ومعجزاته الشاهدة بصدق رسالته محل مراقبة من أصحابه لأنها دين يتلقى، ويتوقف دخولهم الجنة، ونجاتهم من النار على اتباعه. ولما كان الصحابة ﵃ هم الشهود المباشرون لتلك المعجزات النبوية والناقلون لها، وجب علينا أن نعلم مكانتهم من الضبط والعدالة والتوثيق. الصحابة حملة الدين الثقات: (أ) شهادة القرآن والسنة لهم: لقد قيض الله لخاتم الأنبياء والمرسلين جيلا من الصحابة الصادقين المؤهلين لحفظ الدين، وأخبر سبحانه أنّه قد أعدّ هؤلاء الصحابة إعدادا إيمانيا رفيعا، ليكونوا أهلا لشرف الصحبة وحمل الرسالة. قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) [الحجرات: ٧] . وشهد الله لهؤلاء الصحابة الكرام من مهاجرين وأنصار بصدق الإيمان فقال سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) [الأنفال: ٧٤] . وأخبر سبحانه أنه قد رضي عنهم فقال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) [التوبة: ١٠٠] . وقال تعالى مبينا فضل المهاجرين والأنصار ومثنيا عليهم: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ

стр. 225

اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ «١» وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) . [الحشر: ٨- ٩] . وقال تعالى عن أهل بيعة الرضوان «٢» : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) [الفتح: ١٨] أي فعلم ما في قلوبهم من صدق النية والوفاء بالبيعة. وقال النبي ﵌ لأصحابه حينذاك: " أنتم خير أهل الأرض" «٣» . واستخلفهم الله تعالى في الأرض لتمكين دينه ونشره بين الناس، كما قال تعالى مخاطبا نبيه وأصحابه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) [النور: ٥٥] . كما قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤١] .

стр. 226

وأثنى الله سبحانه عليهم فقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [عمران: ١١٠] والخطاب في الآيات يدخل فيه الصحابة ﵃ دخولا أوليّا. لأنهم أول من خوطب بهذه الآيات الكريمات من الأمة المحمدية، ولتحقق التمكين لهم في الأرض كما وعدهم الله. وجعل الله سبحانه الصحابة والأمة من بعدهم شهودا على الأمم، وذلك لفضلهم وخيريتهم كما قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] . ومعنى الوسطية هنا كونهم عدولا وأخيارا، كما قال النبي ﵌ «يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم يا ربّ، فتسأل أمّته هل بلّغكم فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمّد وأمّته، فيجاء بكم فتشهدون. ثمّ قرأ رسول الله ﵌ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال عدلا: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] «١» والصحابة أول الأمة دخولا في هذه الآية. وقال النبي ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» «٢» . وقال ﵌: «لا تسبّوا أصحابي فلو أنّ أحدكم أنفق

стр. 227

مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١» . وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن الصحابة: " ... كانوا خير هذه الأمة: أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﵌، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﵌ وكانوا على الهدى المستقيم" «٢» . وقال عبد الله ابن مسعود ﵁: " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ" «٣» . (ب) شهادة الأمة بعدالة الصحابة ﵃: قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: " وقد أثنى الله- ﵎ على أصحاب رسول الله ﵌ في القرآن والتوراة والإنجيل «٤» ، وسبق لهم على لسان رسول الله ﵌ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنّأهم بما آتاهم

стр. 228

من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدّوا إلينا سنن رسول الله ﵌ عامّا وخاصا وعزما وإرشادا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر «١» . وقال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: فأما أصحاب رسول الله ﵌ فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله- لصحبة نبيه ﷺ ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه ﵌ ما بلغهم عن الله- وما سنّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينة رسول الله ﵌ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله- بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشكّ والكذب والغلط والرّيبة والغمز، وسمّاهم عدول الأمة، فقال- في محكم كتابه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] . ففسر النبي ﵌ عن الله- عز ذكره- قوله: وَسَطاً قال: " عدلا" «٢» فكانوا عدول الأمة وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسّنّة، وندب الله- إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم، والسلوك لسبيلهم، والاقتداء بهم، فقال: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ

стр. 229

لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) [النساء: ١١٥] ووجدنا النبي ﵌ قد حضّ على التبليغ في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها منها: أن دعا لهم فقال: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها فوعاها وحفظها وبلّغها فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» «١» وقال ﵌ في خطبته: «فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب» . «٢» وقال ﵌: «بلّغوا عنّي ولو آية ... » . «٣» . ثم تفرقت الصحابة ﵃ في النواحي والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبثّ كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ ، وحكموا بحكم الله- وأمضوا الأمور على ما سنّ رسول الله ﵌، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله ﵌ عن نظائرها من المسائل، وجرّدوا أنفسهم- مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقّدس اسمه- لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله- رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين" «٤» .

стр. 230

(ج) شهادة الأمم: ولقد شهدت البشرية شعوبا وقبائل وأمما- ممن احتك بهم الصحابة والتابعون- في شمال الأرض وجنوبها وشرقها وغربها بصدق ما أخبر به القرآن عن أولئك الصحابة الذين خبروهم «١» في حال السلم والحرب. وبالرغم من أن الصحابة قد جاءوهم فاتحين مقاتلين، إلا أنهم سرعان ما أحبوهم وتعلقت قلوبهم بهم، بعد أن رأوهم في الصورة المثلى للمؤمن الصادق، ونقلت هذه الشعوب إلى أهلها وأبنائها وذراريها من بعدها حب أولئك الأصحاب، فأنشأت علاقة الفتح في قلوب الأمم والشعوب والقبائل التي فتحت المحبة والمودة والتبجيل والثناء والتأسي الحسن بأولئك الأصحاب والتابعين الفاتحين. وهذا بعكس ما شهد ويشهد به تاريخ البشرية من العلاقة السيئة المملوءة بالحقد والكراهية والبغضاء التي تنشأ بين الشعوب المغزوّة والجيوش الغازية. والسر في ذلك هو أن هؤلاء الفاتحين ما جاءوا يريدون دنيا الناس، ولكن جاءوا ليخرجوا هذه الشعوب- بإذن الله- من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام متمثلين قول الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) [القصص: ٨٣] . وقوله سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] . وهذا الجيل الصادق من الصحابة ومن بعدهم ممن تبعهم بإحسان هم الذين رووا لنا ما شاهدوا من البينات والخوارق والمعجزات التي كانت سببا في زيادة إيمانهم وتيقنهم من صدق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 231

(د) دقة توثيق الصحابة ﵃: لقد كانت أعين هؤلاء الصحب الكرام كعدسات الكميرات، وآذانهم كأجهزة التسجيل الدقيقة التي تلتقط كل شيء لأنهم يعلمون أنّ دخولهم الجنة متوقف على تأسيهم بأفعاله وأحواله ﷺ ، وطاعتهم لأقواله، فكانت أعينهم شديدة المراقبة لحركات الرسول وسكناته، وكانت آذانهم مرهفة السمع لأقواله، وكانت قلوبهم متلهفة ومتعطشة لسماع الحق والنور والهدى ومعرفته وقبوله فنقلوا لنا فيما نقلوا بينات رسالته، وأحوال عبادته، وحديثه وهديه وسنته، ودقائق أحواله الشخصية وتصرفاته ﵊، مع أصحابه وأهله وأعدائه، وتفاصيل عادته في يقظته ونومه وطعامه وشرابه وسائر شؤونه، وتصرفه في أحرج اللحظات التي مرت به وكذا في أوج انتصاراته، وحين المكاره، وتفاصيل محاولات الكفار والمنافقين لخداعه ومساوماتهم له، فكانت سيرته العطرة ﷺ نورا مشاهدا لمن حوله. ثم نقل لنا هؤلاء الأصحاب ما رأوه وشاهدوه وسمعوه من معجزات نبيهم ﵌ وأقواله وأفعاله، يحدوهم الشوق للأجر في تبليغ العلم والدين كقوله ﵌: «نضّر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمعه» «١» ، وتحثهم طاعتهم لرسولهم ﵌ إلى المسارعة في نشر العلم، فهو القائل: «بلّغوا عنّي ولو آية» «٢» ، ويدفعهم القرآن

стр. 232

إلى الحذر من كتمان العلم كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) [البقرة: ١٥٩- ١٦٠] . وكقوله ﵊: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» «١» . وقد نقلوا ما نقلوه بدقة بالغة وأمانة عالية، لأنهم يعلمون حرمة الكذب في دين الإسلام عامة، وحرمته بشكل أشد على الرسول ﷺ . كيف وقد رووا عنه قوله ﵌: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» «٢» ، حتى كان بعضهم يتحرج من الرواية عنه ﵌ خشية أن يخطئ فينقل ما لم يسمع «٣» ، مما يدلنا على مدى التوثيق البالغ لسّنّة النبي ﵌: دقة توثيق التابعين: وجاء الجيل الذي بعدهم وهم التابعون ناقلين لبينات رسول الله ﵌ ومعجزاته وأقواله وأفعاله، يدفعهم شوقهم للأجر الكبير في

стр. 233

طلب العلم كقوله ﵌: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» «١» . وقوله: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له طريقا إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم» «٢» . فكان هؤلاء التابعون أرضا صالحة طيبة تتشرب نصوص السّنّة النبوية وأخبارها، تحفزهم دوافع التلقي نفسها التي كانت تحفز الصحابة على التلقي وأخذ الدين، ويحثهم على الضبط والإتقان ما كان يحث الصحابة الكرام على ذلك، وكانوا يعوضون ما فاتهم من مشاهدة الرسول ﵌ وسماعه بكثرة اسئلتهم لشيوخهم من الصحابة ودقة حفظهم، فكانوا كأدق آلات التسجيل حفظا، يخشون أي زيادة أو نقص في الدين، واستعانوا بالتدوين لحفظ ما سمعوا من أقوال وأفعال ومعجزات الرسول ﷺ ، وهكذا من جاء بعدهم من تابعيهم ومن بعدهم إلى أن اكتمل تدوين علم الحديث النبوي، ودونت معه المعجزات وبينات الرسالة في الكتب المصنفة التي تناقلتها الآلاف المؤلفة من المسلمين جيلا بعد جيل عن طريق الحفظ والكتابة معا، بحيث يستحيل معه التشكيك فيها وفي نسبتها إلى مؤلفيها. وقد اشترط المحدثون للحديث الصحيح شروطا بالغة الدقة كما سيأتي بيانه ومنها أن يكون جميع رواة الحديث عدولا سالمين مما يقدح في دينهم، ضابطين لما نقلوه من العلم حفظا وكتابة مما يبعث على الثقة في نقلهم.

стр. 234

هذا مع ما بذله حملة الحديث ﵏ من جهود عظيمة لجمع الحديث النبوي وتصنيفه وتأليفه، وحفظه عن ظهر قلب، فقد كانوا يسافرون المسافات الطويلة ويتحملون مشاق السفر والاغتراب لجمع الحديث النبوي، والبحث عن الأسانيد العالية «١» ولقاء أكابر العلماء ويبذلون في ذلك أموالهم وأوقاتهم وجهودهم رخيصة في سبيل جمعه، ويسافر أحدهم الليالي والأيام لطلب الحديث الواحد «٢» ويقيمون المجالس العلمية لسماع الحديث النبوي وإملائه واختبار حفاظه، وإقامة المدارس لمدارسته وتعليمه للأبناء، مع ما يبذلون من جهود في تدوينه وترتيبه وتبويبه والفحص عن العلل التي قد تكون في إسناده أو متنه، والتحري في ألفاظه وجمع رواياته، والبحث في أحوال رواته وسيرتهم للتوثق من صحة ما ينقلونه من الحديث، حتى وجد في الأمة من يحفظ عشرات الآلاف من الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلب، وكل ذلك يعملونه بنفوس راضية مطمئنة مستبشرة بما تناله من الأجر من الله سبحانه على ذلك، لأنه يشكّل بالنسبة لهم دينهم الذي تقوم عليه سعادتهم في الدنيا والآخرة، ممتثلين أمر ربهم القائل سبحانه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] . منهج نقد الرواية: ولما ظهر بعد جيل الصحابة بعض من لا يوثق بروايته، قيض الله أئمة الحديث والجرح والتعديل الذين شيدوا علم الرجال والتاريخ والجرح والتعديل، الذي ضم آلاف الرواة مبينا حال كل راو من حيث أنه معروف أو مجهول، ومن حيث مدى

стр. 235

حفظه وضبطه وإتقانه وشيوخه وتلاميذه وسنة ولادته وسنة موته، وهل بقي حفظه كما هو أم تغير في آخر عمره لكبر سنّه، أو لحادث أصابه، وما أشبه ذلك من مقاييس الجرح والتعديل، بل وصل الأمر إلى جمع روايات الثقات العدول ومقارنتها لمعرفة إن كان أحدهم قد وهم في لفظة أو جملة، إلى أن استقر الأمر عند علماء الحديث والسّنّة فوضعوا شروطا للحديث الصحيح المقبول عن رسول الله ﷺ ، وهي كون الحديث المروي: [١] منقولا بنقل العدول الضابطين «١» . [٢] متصل الإسناد بأن يكون كل راو قد سمع الحديث من شيخه، فلا يكون منقطعا. [٣] سالما من الشذوذ «٢» . [٤] ومن العلة القادحة «٣» . فاستبعد علماء الحديث ﵏ في تعريفهم الحديث الصحيح من كان مجروحا من الرواة بأي سبب من أسباب الجرح، والتي لخصت في عشرة أسباب: [١] الكذب. [٢] الجهالة سواء كانت جهالة عين أو جهالة حال «٤» .

стр. 236

[٣] التهمة بالكذب. [٤] فحش الغلط. [٥] الفسق. [٦] سوء الحفظ. [٧] البدعة. [٨] الغفلة. [٩] الوهم. [١٠] مخالفة الثقات «١» . ومما يبين صحة منهج المحدثين ﵏ ومنهجيتهم العلمية الدقيقة: عدم قبولهم الخبر المكذوب الذي زعم واضعه أنه قصد بوضعه نصرة الدين الإسلامي أو الحث على بعض فضائل الأعمال، بل اعتبروا ذلك ضلالا من فاعله وابتداعا في الدين «٢» . وبهذا يظهر لنا تميز منهج النقد والتوثيق في الحديث النبوي، الذي يشترط الشروط الدقيقة في الرواية، حتى يطمئن المحدث بأن كل من في سند الرواية عدل أمين في روايته، ضابط دقيق في نقله، كأن عينه آلة تصوير، وأذنه آلة تسجيل، وذاكرته وكتابه شريط صاف سجلت عليه الكلمات، وبهذه الطريقة الأمينة الدقيقة نقلت إلينا السّنّة النبوية، وأخبار المعجزات، ووجدنا المعجزة تروى من عدة طرق لرواتها عن الذين حضروها وشاهدوها، فتتكامل تلك الروايات ويصدّق بعضها بعضا، وتلتقي مع ما ذكره القرآن أو أشار إليه. وليس هناك شخص في التاريخ توفرت لأمته تلك الدوافع والحوافز وقواعد الضبط والتحري لنقل أقواله وأفعاله غير محمد ﵌؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين الذي جعله الله حجة على العالمين وتكفل بحفظ بيناته ومعجزاته في سجلات صادقة موثوقة لتقوم بها الحجة على من يأتي بعده إلى قيام الساعة.

стр. 237

فهيّا بنا نستعرض ما تيسر من تلك البينات الخارقة للعادة التي ذكرها الله سبحانه في كتابه الكريم، والتي رواها لنا حملة السنة الثقات، وسنحاول عرضها حسب تسلسلها التاريخي ما أمكن. أ- من دلائل النبوة الخارقة للعادة في العهد المكي: حادثة الفيل: كانت هذه الحادثة المعجزة مقدمة لبعثة محمد ﷺ ، فقد أراد نصارى الحبشة الذين كانوا باليمن هدم الكعبة انتصارا لكنيستهم التي كانت باليمن عند ما لطخها بعض العرب، فانطلقوا إلى مكة ومعهم فيل لهدم الكعبة، فردهم الله تعالى على أعقابهم خاسرين وأهلكهم، وكان ذلك عام مولد النبي ﷺ . وأنزل الله سبحانه سورة في كتابه تذكر هذه الحادثة العجيبة التي أهلك الله فيها أصحاب الفيل بصورة غير متوقعة عند كل من يسمعها، حيث حبس الله الفيل عن دخول مكة «١» وأرسل على المعتدين طيرا تحمل حجارة من سجيل فأهلكهم. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) [الفيل: ١- ٥] «٢» .

стр. 238

فكانت هذه الحادثة توطئة لنبوة محمد ﷺ . قال ابن تيمية- ﵀: وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير من دينهم، فعلم بذلك أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ، بل كانت لأجل البيت، أو لأجل النبي ﵌ الذي ولد في ذلك العام عند البيت، أو لمجموعهما، وأيّ ذلك كان، فهو من دلائل نبوته، وذلك أنه ليس من أهل الملل من يحج إلى هذا البيت ويصلي إليه إلا أمة محمد ﵌، التي فرض الله عليها ذلك برسالة محمد ﷺ ، ولذا أهلك الله النصارى أهل الكنائس الذين أرادوا هدم البيت، فتعين بذلك أن أمة محمد ﷺ خير من النصارى، وذلك يستلزم أن نبيهم ﷺ صادق فيما أتى به من ربه «١» . انشقاق القمر: سأل كفار مكة النبي ﵌ أن يريهم علامة تدل على صدق نبوته. قال أنس ﵁: سأل أهل مكة رسول الله ﵌ أن يريهم آية (أي علامة على صدق نبوته) فأراهم القمر شقّتين، حتّى رأوا حراء «٢» بينهما «٣» . وقال عبد الله بن مسعود ﵁: انشقّ القمر ونحن مع النّبيّ ﵌ فصار فرقتين فقال لنا: اشهدوا اشهدوا «٤» . وفي رواية عنه: أنهم

стр. 239

كانوا وقت انشقاقه مع النبي ﵌ بمنى «١» . وعن عبد الله بن عباس ﵄: إن القمر انشق في زمان النبي ﷺ «٢» ، وقال عبد الله بن عمر ﵄: انفلق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﵌: اشهدوا «٣» . ونزل القرآن العظيم ذاكرا هذه الحادثة العظيمة قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) [القمر: ١] . ومع ذلك كذب الكفار هذه الآية العظيمة وزعموا أنهّا سحر «٤» . قال ابن حجر- ﵀: وقد ورد انشقاق القمر من حديث علي وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم.

стр. 240

وقال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث جماعة كبيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير إلى أن انتهى إلينا، ويؤيد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر. وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شئ من آيات

стр. 241

الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر «١» . «٢» . حماية الله لنبيه ﷺ : (أ) حراسة النبي ﷺ بالملائكة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفّرنّ وجهه في التّراب! قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلّي زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلّا وهو ينكص «٣» على عقبيه ويتّقي بيديه! قال فقيل له ما لك؟ فقال إنّ بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة!! فقال رسول الله ﷺ : لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا!!، وفي ذلك قوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق: ٩- ١٩] «٤» .

стр. 242

(ب) حماية الله لرسوله ممن أراد قتله: ومما حصل من حماية الله له في العهد المدني ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ أنّه غزا مع رسول الله ﵌ قبل نجد فلمّا قفل «١» رسول الله ﷺ قفل معه فأدركتهم القائلة «٢» في واد كثير العضاه «٣» فنزل رسول الله ﵌ وتفرّق النّاس يستظلّون بالشّجر فنزل رسول الله ﵌ تحت سمرة «٤» وعلّق بها سيفه ونمنا نومة فإذا رسول الله ﵌ يدعونا وإذا عنده أعرابي فقال إنّ هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا «٥» فقال من يمنعك منّي فقلت الله ثلاثا ولم يعاقبه وجلس «٦» . وفي رواية «٧» : " فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﵌ فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فرجع فقال: جئتكم من عند خير الناس.

стр. 243

(ج) قصة الشاة المسمومة: لما فتح النبي ﵌ خبير، أهدت له امرأة يهودية شاة وجعلت فيها سما؛ فقال النبي ﵌: اجمعوا لي من كان هاهنا من يهود فجمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيّ عنه فقالوا: نعم، قال لهم النبي ﵌: من أبوكم؟ قالوا: فلان فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان! قالوا: صدقت. قال: فهل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألت عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: من أهل النار قالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفونا فيها، فقال النبي ﵌ اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه سمّا، قالوا: نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟، قالوا: إن كنت كاذبا نستريح وإن كنت نبيا لم يضرك «١» . وكان النبي ﵌ قد أكل من الشاة، وأكل منها بشر بن البراء بن معرور، وقال النبي ﵌: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة (يعني الشاة) ، ومات بشر بن البراء «٢» . حادثة الإسراء والمعراج: قال الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) [الإسراء: ١] .

стр. 244

أسرى «١» الله بنبيه محمد ﵌، في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، ثم عاد فأصبح في مكة المكرمة، ولم يكن من الممكن لأحد في ذلك الزمان قطع هذه المسافة من مكة إلى بيت المقدس إلا في نحو شهر من الزمان ذهابا، وشهر إيابا، وقد اختبرت قريش النبي ﵌ في هذه الحادثة: فعن جابر بن عبد الله ﵄ أنّه سمع رسول الله ﵌ يقول: «لّما كذّبتني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» «٢» . وفي رواية عبد الله بن عباس: أنهم بعد أن نعت ووصف المسجد الأقصى لهم قالوا: أمّا النّعت فو الله لقد أصاب «٣» . تأييد الله لرسوله ﷺ أثناء هجرته: خرج النبي ﵌ وصاحبه أبو بكر الصديق مهاجرين إلى المدينة النبوية، واختفيا في غار ثور ثلاثة أيام، وصعد المشركون إلى الغار بحثا عن النبي ﵌ وأبي بكر، فحمى الله نبيه وأبا بكر منهما، قال أبو بكر: قلت للنبي ﵌ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال النبي ﷺ : «يا أبا بكر، ما

стр. 245

ظنك باثنين الله ثالثهما» «١» ، وأشار القرآن إلى ذلك فقال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ «٢» عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) [التوبة: ٤٠] .

стр. 246

وفي طريقهما إلى المدينة لحقهما سراقة بن مالك على فرس له حتى كاد أن يصل إليهما، وسمع قراءة النبي ﷺ ، وكان رسول الله ﵌ لا يلتفت إليه، وأبو بكر ﵁ يكثر الالتفات، فدعا عليه النبي ﷺ فعثرت به فرسه، وخرّ عنها، ثم قام وركب عليها، فساخت «١» يدا الفرس في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخرّ عنها، ثم زجرها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان «٢» ساطع في السماء مثل الدخان، فعندئذ ناداهما بالأمان فوقفا له، قال سراقة: ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله، وعرضت عليهما الزاد والمتاع، فلم يرزآني «٣» ، ولم يسألاني إلا أن قال: اخف عنا، فرجع سراقة يردّ من يريد اللحاق بالنبي ﵌ وأبي بكر، ويقول: قد كفيتم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلا ردّه» .

стр. 247

[ب] من دلائل النبوة الخارقة للعادة في العهد المدني: معجزات في غزوة بدر: بعد أن أخرج الكفار المسلمين من ديارهم وأموالهم، كانت وقعة بدر أول لقاء مسلح كبير بين الكفر والإيمان، حيث خرج كفار قريش في بطر ورياء وغطرسة لحماية قافلتهم التجارية من هجوم المسلمين. استعد النبي ﷺ وأصحابه لقتال حراس القافلة ذوى العدد المحدود، وكان المشركون قد استعدوا للحرب، فبلغ عددهم ما يقرب من الألف ومعهم سبعون فارسا، والجيش الإسلامي لا يتعدى ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا تقريبا، ومعهم فارسان فقط. ولما كان الجيشان غير متكافئين، واللقاء حتمي بينهما، أيد الله جيش الإسلام والنبوة بآيات خارقة للسنن المعروفة، ومن ذلك: (أ) إنزال المطر عليهم: حيث أنزل الله سبحانه من السماء ماء كان رحمة على المؤمنين. قال تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: ١١] ، فذكر سبحانه أنّه أنزل المطر على المؤمنين لأربعة أسباب: للتطهير من الحدث، ولإذهاب وسوسة الشيطان، ولتثبيت القلوب، ولتلبيد الأرض الرملية في بدر لتثبت عليها أقدام المؤمنين في سيرهم. قال مجاهد: أنزل الله المطر فأطفأ الغبار وتلبدت الأرض وطابت نفوسهم وثبتت أقدامهم «١» ، وقال عروة بن الزبير: بعث الله السماء وكان الوادي دهسا «٢» ، فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه

стр. 248

مالبّد «١» لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا أن يرحلوا معه «٢» . وكان نزول المطر سببا في إذهاب وسوسة الشيطان الذي أراد به تثبيط المؤمنين عن القتال بعد احتلامهم بالليل حيث كانوا يصلون مجنبين، فحين نزول المطر وجد الماء الذي اغتسلوا به من الجنابة، وأذهب الله بذلك رجز الشيطان «٣» . ولقد أثبت العلم الحديث أن عضلات القلب عبارة عن ألياف عضلية في شكل خيوط طولية وعرضية تلف القلب، فإذا أفرزت مادة (الأدرينالين) عملت على ارتخاء عضلات القلب وبالتالي ترتخي تلك الألياف والحبال العضلية، كما تعمل على ارتعاش الأطراف، وقد وجد أن من أسرع الوسائل لتخفيض مادة (الأدرينالين) هو أن يرش الجسم بالماء فيربط على القلب بتلك الحبال العضلية بانقباض العضلات، ويزول الارتخاء، كما تثبت الأقدام من ارتعاشها، وصدق الله القائل: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: ١١] . [ب] تقليل عدد كل فريق في نظر الفريق الآخر ومن آيات الله في هذه المعركة أن جعل كل فريق يرى عدد الفريق الآخر قليلا، وذلك لحكمة أرادها الله تعالى وهي أن تتم هذه المعركة وينتصر الحق على الباطل. قال تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) [الأنفال: ٤٤] .

стр. 249

قال عبد الله بن عباس ﵄: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين وقلل المشركين في أعين المسلمين «١» . (ج) إنزال الملائكة للقتال مع المؤمنين: فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ نظر إلى المشركين يوم بدر وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فدعا الله سبحانه مادّا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، أن ينصره على المشركين قائلا: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا، وأتاه أبو بكر وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربّك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله سبحانه قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) [الأنفال: ٩] «٢» . فخرج النبي ﵌ وهو يثب في الدرع ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: ٤٥] «٣» . بل إنه ﵌ كان يحدد مواضع قتل المشركين، فيقول: هذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا وويضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا وويضع يده على الأرض، فكان الأمر

стр. 250

كما قال ﷺ «١» . وأمد الله المسلمين في تلك الغزوة بألف من الملائكة الكرام وأمرهم بالقتال مع المؤمنين وأوحى إليهم أن يثبتوا المؤمنين، ووعد سبحانه أنه سيلقي الرعب في قلوب الكافرين. قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) [الأنفال: ١٢] قال عبد الله بن عباس ﵄: إن النبي ﵌ قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب «٢» . وقال ابن عباس ﵄: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط من فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه «٣» ، وشقّ وجهه، كضربة السوط، فاخضرّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﵌ فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة «٤» . وقال أبو داود المازني: إنّي لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنّه قد قتله غيري «٥» .
следующие страницы →