← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قَالَ: دعاني مصقلة إِلَى رحله فقدم عشاؤه، فطعمنا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يسألني هَذَا المال، وَلا أقدر عَلَيْهِ، فقلت: وَاللَّهِ لو شئت مَا مضت عَلَيْك جمعة حَتَّى تجمع جميع المال، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كنت لأحملها قومي، وَلا أطلب فِيهَا إِلَى أحد ثُمَّ قَالَ: أما وَاللَّهِ لو أن ابن هند هُوَ طالبني بِهَا أو ابن عفان لتركها لي، ألم تر إِلَى ابن عفان حَيْثُ أطعم الأشعث من خراج أذربيجان مائة ألف فِي كل سنة! فقلت لَهُ: إن هَذَا لا يرى هَذَا الرأي، لا وَاللَّهِ مَا هُوَ بباذل شَيْئًا كنت أخذته، فسكت ساعة، وسكت عنه، [فلا وَاللَّهِ مَا مكث إلا ليلة واحدة بعد هَذَا الكلام حَتَّى لحق بمعاوية وبلغ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: ما له برحه اللَّه، فعل فعل السيد، وفر فرار العبد، وخان خيانة الفاجر! أما وَاللَّهِ لو أنه أقام فعجز مَا زدنا عَلَى حبسه، فإن وجدنا لَهُ شَيْئًا أخذناه، وإن لم نقدر عَلَى مال تركناه] ثُمَّ سار إِلَى داره فنقضها وهدمها، وَكَانَ أخوه نعيم بن هبيرة شيعيا، ولعلي مناصحا، فكتب إِلَيْهِ مصقلة من الشام مع رجل من النصارى من بني تغلب يقال لَهُ حلوان: أَمَّا بَعْدُ، فإني كلمت مُعَاوِيَة فيك، فوعدك الإمارة، ومناك الكرامة، فأقبل إلي ساعة يلقاك رسولي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والسلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي، فسرح بِهِ إِلَى علي، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يد النصراني، فمات، وكتب نعيم إِلَى أخيه مصقلة: لا ترمين هداك اللَّه معترضا ... بالظن مِنْكَ فما بالي وحلوانا! ذاك الحريص عَلَى مَا نال من طمع ... وَهْوَ البعيد فلا يحزنك إذ خانا ماذا أردت إِلَى إرساله سفها ... ترجو سقاط امرى لم يلف وسنانا عرضته لعلي إنه أسد ... يمشي العرضنة من آساد خفانا قَدْ كنت فِي منظر عن ذا ومستمع ... تحمي العراق وتدعى خير شيبانا

стр. 2592

حَتَّى تقحمت أمرا كنت تكرهه ... للراكبين لَهُ سرا وإعلانا لو كنت أديت مَا للقوم مصطبرا ... للحق أحييت أحيانا وموتانا لكن لحقت باهل الشام ملتمسا ... فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا فاليوم تقرع سن الغرم من ندم ... ماذا تقول وَقَدْ كَانَ الَّذِي كانا! أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة ... لم يرفع اللَّه بالبغضاء إنسانا فلما وقع الكتاب إِلَيْهِ علم أن رسوله قَدْ هلك، ولم يلبث التغلبيون إلا قليلا حَتَّى بلغهم هلاك صاحبهم حلوان، فأتوا مصقلة فَقَالُوا: إنك بعثت صاحبنا فأهلكته، فإما أن تحييه وإما أن تديه، فَقَالَ: أما أن أحييه فلا استطيع، ولكنى ساديه، فواداه. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: لما بلغ عَلِيًّا مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قَالَ: هوت أمه! مَا كَانَ أنقص عقله، وأجرأه عَلَى ربه! فإن جائيا جاءني مرة فَقَالَ لي: فِي أَصْحَابك رجال قَدْ خشيت أن يفارقوك، فما ترى فِيهِمْ؟ فقلت لَهُ: إني لا آخذ عَلَى التهمة، وَلا أعاقب عَلَى الظن، وَلا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة، ولست مقاتله حَتَّى أدعوه وأعذر إِلَيْهِ، فإن تاب ورجع إلينا قبلنا مِنْهُ، وَهُوَ أخونا، وإن أبى إلا الاعتزام عَلَى حربنا استعنا عَلَيْهِ اللَّه، وناجزناه فكف عني مَا شاء اللَّه ثُمَّ جاءني مرة أخرى فَقَالَ لي: قَدْ خشيت أن يفسد عَلَيْك عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي وزَيْد بن حصين، انى سمعتهما يذكر انك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عَلَيْهَا حَتَّى تقتلهما أو توبقهما، فلا تفارقهما من حبسك أبدا، فقلت: إني مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني بِهِ؟ قَالَ: فإني آمرك أن تدعو بهما، فتضرب رقابهما، فعلمت أنه لا ورع وَلا عاقل، فقلت: وَاللَّهِ مَا أظنك ورعا وَلا عاقلا

стр. 2593

نافعا، وَاللَّهِ لقد كَانَ ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول: اتق اللَّه، لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك! وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة قثم بن العباس من قبل على ع. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بن ثَابِت، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر. وَكَانَ قثم يَوْمَئِذٍ عامل علي عَلَى مكة، وَكَانَ عَلَى اليمن عُبَيْد اللَّهِ بن العباس، وعلى الْبَصْرَة عَبْد اللَّهِ بن العباس. واختلف فِي عامله عَلَى خُرَاسَان فقيل: كَانَ خليد بن قرة اليربوعي، وقيل: كَانَ ابن أبزى، وأما الشام ومصر فانه كان بهما معاويه وعماله

стр. 2594

سنة تسع وثلاثين ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث فمما كَانَ فِيهَا من الأحداث المذكورة: تفريق مُعَاوِيَة جيوشه فِي أطراف علي فوجه النُّعْمَان بن بشير- فِيمَا ذكر عَلِيّ بن محمد بن عوانة- فِي ألفي رجل إِلَى عين التمر، وبها مالك بن كعب مسلحة لعلي فِي ألف رجل، فأذن لَهُمْ، فأتوا الْكُوفَة، وأتاه النُّعْمَان، ولم يبق مَعَهُ إلا مائة رجل، فكتب مالك إِلَى علي يخبره بأمر النُّعْمَان ومن مَعَهُ، فخطب علي الناس، وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا، وواقع مالك النُّعْمَان، والنعمان فِي ألفي رجل ومالك فِي مائة رجل، وأمر مالك أَصْحَابه أن يجعلوا جدر القرية فِي ظهورهم، واقتتلوا. وكتب إِلَى مخنف بن سليم يسأله أن يمده وَهُوَ قريب مِنْهُ، فقاتلهم مالك بن كعب فِي العصابة الَّتِي مَعَهُ كأشد القتال، ووجه إِلَيْهِ مخنف ابنه عبد الرَّحْمَن فِي خمسين رجلا، فانتهوا إِلَى مالك وأَصْحَابه، وَقَدْ كسروا جفون سيوفهم، واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام وَذَلِكَ عِنْدَ المساء، ظنوا أن لَهُمْ مددا وانهزموا، وتبعهم مالك، فقتل مِنْهُمْ ثلاثة نفر، ومضوا عَلَى وجوههم. حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، قَالَ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ فِي أَلْفَيْنِ، فَأَتَوْا عَيْنَ التَّمْرِ، فَأَغَارُوا عَلَيْهَا، وَبِهَا عَامِلٌ لِعَلِيٍّ يُقَالُ لَهُ ابن فلان الارحبى في ثلاثمائة، فَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَنْهَضُوا إِلَيْهِ، فَتَثَاقَلُوا، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَنِي بِالتَّشَهُّدِ وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 2595

يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، كُلَّمَا سَمِعْتُمْ بِمِنْسَرٍ مِنْ مناسر اهل الشام اظلكم واغلق بابه انجحر كل امرئ منكم في بيته انْجِحَارَ الضَّبِّ فِي جُحْرِهِ وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا، الْمَغْرُورُ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَلَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الأَخْيَبِ. لا أَحْرَارٌ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَلا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! مَاذَا مُنِيتُ بِهِ مِنْكُمْ! عُمْيٌ لا تُبْصِرُونَ، وَبُكْمٌ لا تَنْطِقُونَ، وَصُمٌّ لا تَسْتَمِعُونَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. رجع الحديث إِلَى حديث عوانة قَالَ: ووجه مُعَاوِيَة فِي هَذِهِ السنة سُفْيَان بن عوف فِي ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، وأن يغير عَلَيْهَا، ثُمَّ يمضى حَتَّى يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها، فسار حَتَّى أتى هيت فلم يجد بِهَا أحدا، ثُمَّ اتى الأنبار وبها مسلحه لعلى تكون خمسمائة رجل، وَقَدْ تفرقوا فلم يبق مِنْهُمْ إلا مائة رجل، فقاتلهم، فصبر لَهُمْ أَصْحَاب علي مع قلتهم، ثُمَّ حملت عَلَيْهِم الخيل والرجالة، فقتلوا صاحب المسلحة، وَهُوَ أشرس بن حسان البكري فِي ثَلاثِينَ رجلا، واحتملوا مَا كَانَ فِي الأنبار من الأموال وأموال أهلها، ورجعوا إِلَى مُعَاوِيَةَ [وبلغ الخبر عَلِيًّا، فخرج حَتَّى أتى النخيلة، فَقَالَ لَهُ الناس: نحن نكفيك، قَالَ: مَا تكفونني وَلا أنفسكم،] وسرح سَعِيد ابن قيس فِي أثر القوم، فخرج فِي طلبهم حَتَّى جاز هيت، فلم يلحقهم فرجع. قَالَ: وفيها وجه مُعَاوِيَة أَيْضًا عَبْد اللَّهِ بن مسعده الفزارى في الف وسبعمائة رجل إِلَى تيماء، وأمره أن يصدق من مر بِهِ من أهل البوادي، وأن يقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله، ثُمَّ يأتي مكة والمدينة والحجاز،

стр. 2596

يفعل ذَلِكَ، واجتمع إِلَيْهِ بشر كثير من قومه، فلما بلغ ذَلِكَ عَلِيًّا وجه المسيب ابن نجبة الفزاري، فسار حَتَّى لحق ابن مسعدة بتيماء، فاقتتلوا ذَلِكَ الْيَوْم حَتَّى زالت الشمس قتالا شديدا، وحمل المسيب عَلَى ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات، كل ذَلِكَ لا يلتمس قتله ويقول لَهُ: النجاء النجاء! فدخل ابن مسعدة وعامة من مَعَهُ الحصن، وهرب الباقون نحو الشام، وانتهب الأعراب إبل الصدقة الَّتِي كَانَتْ مع ابن مسعدة، وحصره ومن كَانَ مَعَهُ المسيب ثلاثة أيام، ثُمَّ ألقى الحطب عَلَى الباب، وألقى النيران فِيهِ، حَتَّى احترق، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا عَلَى المسيب فَقَالُوا: يَا مسيب، قومك! فرق لَهُمْ، وكره هلاكهم، فأمر بالنار فأطفئت، وَقَالَ لأَصْحَابه: قَدْ جاءتني عيون فأخبروني أن جندا قَدْ أقبل إليكم من الشام، فانضموا فِي مكان واحد فخرج ابن مسعدة فِي أَصْحَابه ليلا حَتَّى لحقوا بِالشَّامِ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن شبيب: سر بنا فِي طلبهم، فأبى ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: غششت أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وداهنت فِي أمرهم وفيها أَيْضًا وجه مُعَاوِيَة الضحاك بن قيس، وأمره أن يمر بأسفل واقصة، وأن يغير عَلَى كل من مر بِهِ ممن هُوَ فِي طاعة علي من الأعراب، ووجه مَعَهُ ثلاثة آلاف رجل، فسار فأخذ أموال الناس، وقتل من لقي من الأعراب، ومر بالثعلبية فأغار عَلَى مسالح علي، وأخذ أمتعتهم، ومضى حَتَّى انتهى إِلَى القطقطانة، فأتى عَمْرو بن عميس بن مسعود، وَكَانَ فِي خيل لعلي وأمامه أهله، وَهُوَ يريد الحج، فأغار عَلَى من كَانَ مَعَهُ، وحبسه عن المسير، فلما بلغ ذَلِكَ عَلِيًّا سرح حجر بن عدي الكندي فِي أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضحاك بتدمر فقتل مِنْهُمْ تسعة عشر رجلا، وقتل من أَصْحَابه رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأَصْحَابه، ورجع حجر ومن معه

стр. 2597

وفيها سار مُعَاوِيَة بنفسه إِلَى دجلة حَتَّى شارفها، ثُمَّ نكص راجعا، ذكر ذَلِكَ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حدثني ابن جريح، عن ابن أبي مليكة قَالَ: لما كَانَتْ سنة تسع وثلاثين أشرف عَلَيْهَا مُعَاوِيَة. وَحَدَّثَنِي أحمد بْن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عِيسَى، عن أبي معشر مثله. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فقال بعضهم: حج بِالنَّاسِ فِيهَا عُبَيْد اللَّهِ بن عباس من قبل علي وَقَالَ بعضهم: حج بهم عبد الله ابن عباس، فَحَدَّثَنِي أَبُو زَيْد عُمَر بن شَبَّةَ، قَالَ: يقال إن عَلِيًّا وجه ابن عَبَّاس ليشهد الموسم ويصلي بِالنَّاسِ فِي سنة تسع وثلاثين، وبعث معاويه يزيد ابن شجرة الرهاوي. قَالَ: وزعم أَبُو الْحَسَنِ أن ذَلِكَ باطل، وأن ابن عَبَّاس لم يشهد الموسم في عمل حتى قتل على ع، قَالَ: والذي نازعه يَزِيد بن شجرة قثم ابن العباس، حَتَّى أنهما اصطلحا عَلَى شيبة بن عُثْمَانَ، فصلى بِالنَّاسِ سنة تسع وثلاثين. وكالذي حكيت عن أبي زَيْد عن أبي الْحَسَن، قَالَ أَبُو معشر فِي ذَلِكَ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أحمد بْن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إِسْحَاق بن عِيسَى عنه. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: بعث علي عَلَى الموسم فِي سنة تسع وثلاثين عُبَيْد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، وبعث مُعَاوِيَة يَزِيد بن شجرة الرهاوي ليقيم لِلنَّاسِ الحج، فلما اجتمعا بمكة تنازعا، وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه، فاصطلحا عَلَى شيبة بن عُثْمَانَ بن أبي طَلْحَة. وكانت عمال علي فِي هَذِهِ السنة عَلَى الأمصار الَّذِينَ ذكرنا أَنَّهُمْ كَانُوا عماله فِي سنة ثمان وثلاثين غير ابن عَبَّاس، كَانَ شخص فِي هَذِهِ السنة عن عمله بِالْبَصْرَةِ، واستخلف زيادا- الَّذِي كَانَ يقال لَهُ: زياد بن أَبِيهِ- عَلَى الخراج، وأبا الأسود الدولى على القضاء

стр. 2598

ذكر توجيه ابن عباس زيادا الى فارس وكرمان. وفي هَذِهِ السنة وجه ابن عَبَّاس زيادا عن أمر علي إِلَى فارس وكرمان عِنْدَ منصرفه من عِنْدَ علي من الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة. ذكر سبب توجيهه إِيَّاهُ إِلَى فارس: حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس عَلَى علي، طمع أهل فارس وأهل كَرْمَان فِي كسر الخراج، فغلب أهل كل ناحية عَلَى مَا يليهم، وأخرجوا عمالهم. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ كَثِيرٍ، أَنَّ عَلِيًّا اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي رَجُلٍ يُوَلِّيهِ فَارِسَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الْخَرَاجِ، فَقَالَ لَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ: أَلا أَدُلُّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى رَجُلٍ صَلِيبِ الرَّأْيِ، عَالِمٍ بِالسِّيَاسَةِ، كَافٍّ لِمَا وُلِّيَ؟ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زِيَادٌ، قَالَ: هُوَ لَهَا، فَوَلاهُ فَارِسَ وَكِرْمَانَ، وَوَجَّهَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ، فَدَوَّخَ تِلْكَ الْبِلادَ حَتَّى اسْتَقَامُوا. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمَّا انْتَقَضَ أَهْلُ الْجِبَالِ وَطَمِعَ أَهْلُ الْخَرَاجِ فِي كَسْرِهِ، وَأَخْرَجُوا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ مِنْ فَارِسَ- وَكَانَ عَامِلا عَلَيْهَا لِعَلِيٍّ- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعَلِيٍّ: أَكْفِيكَ فَارِسَ، فَقَدِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْبَصْرَةَ، وَوَجَّهَ زِيَادًا إِلَى فَارِسَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَوَطِئَ بِهِمْ أَهْلَ فَارِسَ، فَأَدَّوُا الْخَرَاجَ. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَدْرَكْتُ زِيَادًا وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى فَارِسَ وَهِيَ تُضْرِمُ نَارًا، فَلَمْ يَزَلْ بِالْمُدَارَاةِ حَتَّى عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالاسْتِقَامَةِ، لَمْ يَقَفْ مَوْقِفًا لِلْحَرْبِ، وَكَانَ أَهْلُ فَارِسَ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا سيره اشبه بسيره كسرى انو شروان مِنْ سِيرَةِ هَذَا الْعَرَبِيِّ فِي اللِّينِ وَالْمُدَارَاةِ وَالْعِلْمِ بِمَا يَأْتِي

стр. 2599

قَالَ: ولما قدم زياد فارس بعث إِلَى رؤسائها، فوعد من نصره ومناه، وخوف قوما وتوعدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودل بعضهم عَلَى عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضا، وصفت لَهُ فارس، فلم يلق فِيهَا جمعا وَلا حربا، وفعل مثل ذَلِكَ بكرمان، ثُمَّ رجع إِلَى فارس، فسار فِي كورها ومناهم، فسكن الناس إِلَى ذَلِكَ، فاستقامت لَهُ البلاد، وأتى إصطخر فنزلها وحصن قلعة بها ما بين بيضاء اصطخر واصطخر، فكلت تسمى قلعة زياد، فحمل إِلَيْهَا الأموال، ثُمَّ تحصن فِيهَا بعد ذَلِكَ منصور اليشكري، فهي اليوم تسمى قلعه منصور

стр. 2600

سنة أربعين ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث فمما كَانَ فِيهَا من ذَلِكَ توجيه مُعَاوِيَة بسر بن أبي أرطاة فِي ثلاثة آلاف من المقاتلة إِلَى الحجاز. فذكر عن زياد بن عَبْدِ اللَّهِ البكائي، عن عوانة، قال: ارسل معاويه ابن أَبِي سُفْيَانَ بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطاة- وَهُوَ رجل من بني عَامِر بن لؤي فِي جيش- فساروا من الشام حَتَّى قدموا الْمَدِينَة، وعامل علي عَلَى الْمَدِينَة يَوْمَئِذٍ أَبُو أيوب الأَنْصَارِيّ، ففر مِنْهُمْ أَبُو أيوب، فأتى عَلِيًّا بالكوفة، ودخل بسر الْمَدِينَة، قَالَ: فصعد منبرها ولم يقاتله بِهَا أحد، فنادى عَلَى الْمِنْبَر: يَا دينار، ويا نجار، ويا زريق، شيخي شيخي! عهدي بِهِ بالأمس، فأين هُوَ! يعني عُثْمَان، ثُمَّ قَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة، وَاللَّهِ لولا مَا عهد إلي مُعَاوِيَة مَا تركت بِهَا محتلما إلا قتلته ثُمَّ بايع أهل الْمَدِينَة، وأرسل إِلَى بني سلمة، فَقَالَ: وَاللَّهِ ما لكم عندي من أمان وَلا مبايعة حَتَّى تأتوني بجابر بن عَبْدِ اللَّهِ، فانطلق جابر إِلَى أم سلمة زوج النبي ص فَقَالَ لها: ماذا ترين؟ إني قَدْ خشيت ان اقتل، وهذه بيعه ضلاله، قالت: أَرَى أن تبايع، فإني قَدْ أمرت ابني عُمَر بن أبي سلمة أن يبايع، وأمرت ختني عَبْد اللَّهِ بن زمعة- وكانت ابنتها زينب ابنة أبي سلمة عِنْدَ عَبْد اللَّهِ بن زمعة- فأتاه جابر فبايعه، وهدم بسر دورا بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ مضى حَتَّى أتى مكة، فخافه أَبُو مُوسَى أن يقتله، فَقَالَ لَهُ بسر: مَا كنت لأفعل بصاحب رَسُول الله ص ذَلِكَ، فخلى عنه، وكتب أَبُو مُوسَى قبل ذَلِكَ إِلَى اليمن: أن خيلا مبعوثة من عِنْدَ مُعَاوِيَة تقتل الناس، تقتل من أبى أن يقر بالحكومة ثُمَّ مضى بسر إِلَى اليمن، وَكَانَ عَلَيْهَا عُبَيْد اللَّهِ بن عباس عاملا لعلي، فلما بلغه مسيره فر إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى أتى عَلِيًّا، واستخلف عَبْد اللَّهِ بن عبد المدان الحارثي عَلَى اليمن، فأتاه بسر

стр. 2601

فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عُبَيْد اللَّهِ بن عباس وفيه ابنان لَهُ صغيران، فذبحهما وَقَدْ قَالَ بعض الناس: إنه وجد ابني عُبَيْد اللَّهِ بن عباس عِنْدَ رجل من بني كنانة من أهل البادية، فلما اراد قتلهما قال الكنانى: علام تقتل هَذَيْنِ وَلا ذنب لهما! فإن كنت قاتلهما فاقتلني، قَالَ: أفعل، فبدأ بالكناني فقتله، ثُمَّ قتلهما ثُمَّ رجع بسر إِلَى الشام وَقَدْ قيل: إن الكناني قاتل عن الطفلين حَتَّى قتل، وَكَانَ اسم أحد الطفلين اللذين قتلهما بسر: عبد الرَّحْمَن، والآخر قثم وقتل بسر فِي مسيره ذَلِكَ جماعة كثيرة من شيعة علي باليمن وبلغ عَلِيًّا خبر بسر، فوجه جارية بن قدامة فِي ألفين، ووهب بن مسعود فِي ألفين، فسار جارية حَتَّى أتى نجران فحرق بِهَا، وأخذ ناسا من شيعة عُثْمَان فقتلهم، وهرب بسر وأَصْحَابه مِنْهُ، واتبعهم حَتَّى بلغ مكة، فَقَالَ لَهُمْ جارية: بايعونا، فَقَالُوا: قَدْ هلك أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فلمن نبايع؟ قَالَ: لمن بايع لَهُ أَصْحَاب علي، فتثاقلوا، ثُمَّ بايعوا ثُمَّ سار حَتَّى أتى الْمَدِينَة وأبو هُرَيْرَةَ يصلي بهم، فهرب مِنْهُ، فَقَالَ جارية: وَاللَّهِ لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثُمَّ قَالَ لأهل الْمَدِينَة: بايعوا الْحَسَن بن علي، فبايعوه وأقام يومه، ثُمَّ خرج منصرفا إِلَى الْكُوفَةِ، وعاد أَبُو هُرَيْرَةَ فصلى بهم. وفي هَذِهِ السنة- فِيمَا ذكر- جرت بين علي وبين مُعَاوِيَة المهادنة- بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب- عَلَى وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما عَلَى صاحبه فِي عمله بجيش وَلا غارة وَلا غزو. قَالَ زياد بن عَبْدِ اللَّهِ، عن أبي إِسْحَاق: لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة كتب مُعَاوِيَة إِلَى علي: أما إذا شئت فلك العراق ولي الشام، وتكف السيف عن هَذِهِ الأمة، وَلا تهريق دماء الْمُسْلِمِينَ، ففعل ذَلِكَ، وتراضيا عَلَى ذَلِكَ، فأقام مُعَاوِيَة بِالشَّامِ بجنوده يجبيها وما حولها، وعلى بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده

стр. 2602

خروج ابن عباس من البصره الى مكة وفيها خرج عَبْد اللَّهِ بن العباس مِنَ الْبَصْرَةِ ولحق مكة فِي قول عامة أهل السير، وَقَدْ أنكر ذَلِكَ بعضهم، وزعم أنه لم يزل بِالْبَصْرَةِ عاملا عَلَيْهَا من قبل امير المؤمنين على ع حَتَّى قتل، وبعد مقتل علي حَتَّى صالح الْحَسَن مُعَاوِيَة، ثُمَّ خرج حينئذ إِلَى مكة. ذكر الخبر عن سبب شخوصه إِلَى مكة وتركه العراق: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أَبِي الْكَنُودِ، قَالَ: مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عباس على ابى الأسود الدولى، فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ مِنَ الْبَهَائِمِ كُنْتَ جَمَلا، وَلَوْ كُنْتَ رَاعِيًا مَا بَلَغْتَ مِنَ الْمَرْعَى، وَلا أَحْسَنْتَ مِهْنَتَهُ فِي الْمَشْيِ قَالَ: فَكَتَبَ أَبُو الأَسْوَدِ إِلَى عَلِيٍّ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلا جَعَلَكَ وَالِيًا مُؤْتَمَنًا، وَرَاعِيًا مُسْتَوْلِيًا، وَقَدْ بَلَوْنَاكَ فَوَجَدْنَاكَ عَظِيمَ الأَمَانَةِ، نَاصِحًا للرعية، توفر لهم فيئهم، وَتُظَلِّفُ نَفْسَكَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، فَلا تَأْكُلْ أَمْوَالَهُمْ، وَلا تَرْتَشِي فِي أَحْكَامِهِمْ، وَإِنَّ ابْنَ عَمِّكَ قَدْ أَكَلَ مَا تَحْتَ يَدَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمِكَ، فَلَمْ يَسَعَنِي كِتْمَانَكَ ذَلِكَ، فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ فِيمَا هُنَاكَ، وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِرَأْيِكَ فِيمَا أَحْبَبْتُ أَنْتَهِ إِلَيْكَ وَالسَّلامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ: أَمَّا بَعْدُ، فَمِثْلُكَ نَصَحَ الإِمَامَ وَالأُمَّةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَدَلَّ عَلَى الْحَقِّ، وَقَدْ كَتَبْتَ إِلَى صَاحِبِكَ فِيمَا كَتَبْتَ إِلَيَّ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَمْ أَعْلَمْهُ أَنَّكَ كَتَبْتَ، فَلا تَدَعْ أَعْلامِي بِمَا يَكُونُ بِحَضْرَتِكَ مِمَّا النَّظَرُ فِيهِ لِلأُمَّةِ صَلاحٌ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ جَدِيرٌ، وَهُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْكَ، وَالسَّلامُ. وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي بَلَغَكَ بَاطِلٌ، وَإِنِّي لِمَا تَحْتَ يَدِي ضَابِطٌ قَائِمٌ لَهُ وَلَهُ حَافِظٌ، فَلا تُصَدِّقِ الظُّنُونَ، وَالسَّلامُ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَعْلِمْنِي مَا أَخَذْتَ مِنَ الْجِزْيَةِ،

стр. 2603

وَمِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ؟ وَفِيمَ وَضَعْتَ؟ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ فَهِمْتُ تَعْظِيمَكَ مَرْزَأَةَ مَا بَلَغَكَ أَنِّي رَزَأْتُهُ مِنْ مَالِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، فَابْعَثْ إِلَى عَمَلِكَ مَنْ أَحْبَبْتَ، فَإِنِّي ظَاعِنٌ عَنْهُ وَالسَّلامُ. ثُمَّ دعا ابن عَبَّاس أخواله بني هلال بن عَامِر، فجاءه الضحاك بن عَبْدِ اللَّهِ وعبد الله بن رزين بن ابى عمرو الهلاليان، ثُمَّ اجتمعت مَعَهُ قيس كلها فحمل مالا. قَالَ أَبُو زَيْد: قَالَ أَبُو عبيدة: كَانَتْ أرزاقا قَدِ اجتمعت، فحمل مَعَهُ مقدار مَا اجتمع لَهُ، فبعثت الأخماس كلها، فلحقوه بالطف، فتواقفوا يريدون أخذ المال، فَقَالَتْ قيس: وَاللَّهِ لا يوصل إِلَى ذَلِكَ وفينا عين تطرف. وَقَالَ صبرة بن شيمان الحداني: يَا معشر الأزد، وَاللَّهِ إن قيسا لإخواننا فِي الإِسْلام، وجيراننا فِي الدار، وأعواننا عَلَى العدو، وإن الَّذِي يصيبكم من هَذَا المال لو رد عَلَيْكُمْ لقليل، وهم غدا خير لكم من المال قَالُوا: فما ترى؟ قَالَ: انصرفوا عَنْهُمْ ودعوهم، فأطاعوه فانصرفوا، فَقَالَتْ بكر وعبد القيس: نعم الرأي رأي صبرة لقومه، فاعتزلوا أَيْضًا، فَقَالَتْ بنو تميم: وَاللَّهِ لا نفارقهم، نقاتلهم عَلَيْهِ فَقَالَ الأحنف: قَدْ ترك قتالهم من هُوَ أبعد مِنْكُمْ رحما، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لنقاتلنهم، فَقَالَ: إذا لا أساعدكم عَلَيْهِم، فاعتزلهم، قَالَ: فرأسوا عَلَيْهِم ابن المجاعة من بني تميم، فقاتلوهم، وحمل الضحاك عَلَى ابن المجاعة فطعنه، واعتنقه عَبْد اللَّهِ بن رزين، فسقطا إِلَى الأرض يعتركان، وكثرت الجراح فِيهِمْ، ولم يكن بينهم قتيل، فَقَالَتِ الأخماس: مَا صنعنا شَيْئًا، اعتزلناهم وتركناهم يتحاربون، فضربوا وجوه بعضهم عن بعض، وقالوا لبنى تميم: لنحن أسخى مِنْكُمْ أنفسا حين تركنا هَذَا المال لبني عمكم، وَأَنْتُمْ تقاتلونهم عَلَيْهِ، إن القوم قَدْ حملوا وحموا، فخلوهم، وإن أحببتم فانصرفوا ومضى ابن عَبَّاس وَمَعَهُ نحو من عشرين رجلا حَتَّى قدم مكة

стр. 2604

وَحَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ- وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ- أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يبرح من البصره حتى قتل على ع، فَشَخَصَ إِلَى الْحَسَنِ، فَشَهِدَ الصُّلْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَثِقَلُهُ بِهَا، فَحَمَلَهُ وَمَالا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَلِيلا، وَقَالَ: هِيَ أَرْزَاقِي. قَالَ أَبُو زَيْد: ذكرت ذَلِكَ لأبي الْحَسَن فأنكره، وزعم أن عَلِيًّا قتل وابن عباس بمكة، وأن الَّذِي شهد الصلح بين الْحَسَن ومعاوية عُبَيْد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ ذكر الخبر عن مقتل عَلِيّ بن أبي طالب وفي هَذِهِ السنة قتل على بن ابى طالب ع، واختلف فِي وقت قتله، فَقَالَ أَبُو معشر مَا حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن ثَابِت، قَالَ: حدثت عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قَالَ: قتل علي فِي شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة خلت مِنْهُ سنة أربعين، وكذلك قَالَ الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِث، عن ابن سعد عنه، وَأَمَّا أَبُو زَيْدٍ فَحَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أنه قَالَ: قتل عَلِيّ بن أبي طالب بالكوفة يوم الجمعة لإحدى عشرة قَالَ: ويقال: لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين قَالَ: وَقَدْ قيل فِي شهر ربيع الآخر سنة أربعين. ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله: حدثنى موسى بن عثمان بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ المسروقي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن الحراني أَبُو عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أَخْبَرَنَا اسماعيل بن راشد، قال: كان من حديث ابن ملجم وأَصْحَابه أن ابن ملجم والبرك بن عَبْدِ اللَّهِ وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا عَلَى ولاتهم، ثُمَّ ذكروا أهل النهر، فترحموا عَلَيْهِم، وَقَالُوا: مَا نصنع بالبقاء بعدهم شَيْئًا! إخواننا الَّذِينَ كَانُوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كَانُوا لا يخافون فِي اللَّه لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا مِنْهُمُ

стр. 2605

البلاد، وثأرنا بهم إخواننا! فَقَالَ ابن ملجم: أنا أكفيكم عَلِيّ بن أبي طالب- وَكَانَ من أهل مصر- وَقَالَ البرك بن عَبْدِ اللَّهِ: أنا أكفيكم مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ، وَقَالَ عَمْرو بن بكر: أنا أكفيكم عَمْرو بن الْعَاصِ فتعاهدوا وتواثقوا بِاللَّهِ لا ينكص رجل منا عن صاحبه الَّذِي توجه إِلَيْهِ حَتَّى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم، فسموها، واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد مِنْهُمْ عَلَى صاحبه الَّذِي توجه إِلَيْهِ، وأقبل كل رجل مِنْهُمْ إِلَى المصر الَّذِي فِيهِ صاحبه الَّذِي يطلب. فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده فِي كندة، فخرج فلقي أَصْحَابه بالكوفة، وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شَيْئًا من أمره، فإنه رَأَى ذات يوم أَصْحَابا من تيم الرباب- وَكَانَ علي قتل مِنْهُمْ يوم النهر عشرة- فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذَلِكَ امرأة من تيم الرباب يقال لها: قطام ابنة الشجنه- وَقَدْ قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال- فلما رآها التبست بعقله، ونسي حاجته الَّتِي جَاءَ لها، ثُمَّ خطبها، فَقَالَتْ: لا أتزوجك حَتَّى تشفي لي قَالَ: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل عَلِيّ بن أبي طالب، قَالَ: هُوَ مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني! قالت: بلى، التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عِنْدَ اللَّه خير من الدنيا وزينتها وزينه أهلها، قال: فو الله مَا جَاءَ بي إِلَى هَذَا المصر إلا قتل علي، فلك مَا سألت قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك، ويساعدك عَلَى أمرك، فبعثت إِلَى رجل من قومها من تيم الرباب يقال لَهُ: وردان فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال لَهُ شبيب بن بجرة فَقَالَ لَهُ: هل لك فِي شرف الدُّنْيَا والآخرة؟ قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: قتل عَلِيّ بن أبي طالب، قَالَ: ثكلتك أمك! لقد جئت شَيْئًا إدا، كيف تقدر عَلَى علي! قَالَ: أكمن لَهُ في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شد دنا عَلَيْهِ فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما

стр. 2606

عِنْدَ اللَّه خير من الدُّنْيَا وما فِيهَا قَالَ: ويحك! لو كَانَ غير علي لكان أهون علي، قَدْ عرفت بلاءه فِي الإِسْلام، وسابقته مع النبي ص وما أجدني أنشرح لقتله قَالَ: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين! قَالَ: بلى، قَالَ: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه- فجاءوا قطام- وَهِيَ فِي المسجد الأعظم معتكفة- فَقَالُوا لها: قَدْ أجمع رأينا عَلَى قتل علي، قالت: فإذا أردتم ذَلِكَ فأتوني، ثُمَّ عاد إِلَيْهَا ابن ملجم فِي ليلة الجمعة الَّتِي قتل فِي صبيحتها علي سنة أربعين- فَقَالَ: هَذِهِ الليلة الَّتِي واعدت فِيهَا صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لَهُمْ بالحرير فعصبتهم بِهِ، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة الَّتِي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف. فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم فِي قرنه بالسيف. وهرب وردان حَتَّى دخل منزله، فدخل عَلَيْهِ رجل من بني أَبِيهِ وَهُوَ ينزع الحرير عن صدره، فَقَالَ: مَا هَذَا الحرير والسيف؟ فأخبره بِمَا كَانَ وانصرف فَجَاءَ بسيفه فعلا بِهِ وردان حَتَّى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة فِي الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال لَهُ عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجثم عَلَيْهِ الحضرمي، فلما رَأَى الناس قَدْ أقبلوا فِي طلبه، وسيف شبيب فِي يده، خشي عَلَى نفسه، فتركه، ونجا شبيب فِي غمار الناس، فشدوا عَلَى ابن ملجم فأخذوه، إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب رجله، فصرعه، [وتأخر علي، ورفع فِي ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بِالنَّاسِ الغداة، ثُمَّ قَالَ علي: علي بالرجل، فأدخل عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أي عدو اللَّه، ألم أحسن إليك! قَالَ: بلى، قَالَ: فما حملك عَلَى هَذَا؟ قَالَ: شحذته أربعين صباحا، وسألت اللَّه أن يقتل به شر خلقه، فقال ع: لا أراك إلا مقتولا بِهِ، وَلا أراك إلا من شر خلقه] . وذكروا أن ابن ملجم قَالَ قبل أن يضرب عَلِيًّا- وَكَانَ جالسا في بنى بكر ابن وائل إذ مر عَلَيْهِ بجنازة أبجر بن جابر العجلي أبي حجار، وَكَانَ نصرانيا،

стр. 2607

والنصارى حوله، وأناس مع حجار لمنزلته فِيهِمْ يمشون في جانب وفيهم شقيق ابن ثور- فَقَالَ ابن ملجم: مَا هَؤُلاءِ؟ فأخبر الخبر، فأنشأ يقول: لَئِنْ كَانَ حجار بن أبجر مسلما ... لقد بوعدت مِنْهُ جنازة أبجر وإن كَانَ حجار بن أبجر كافرا ... فما مثل هَذَا من كفور بمنكر أترضون هَذَا أن قيسا ومسلما ... جميعا لدى نعش، فيا قبح منظر! فلولا الَّذِي أنوي لفرقت جمعهم ... بأبيض مصقول الدياس مشهر ولكنني أنوي بذاك وسيلة ... إِلَى اللَّهِ أو هَذَا فخذ ذاك او ذر وذكر ان محمد بن الحنفيه، قال: كنت والله انى لا صلى تِلَكَ الليلة الَّتِي ضرب فِيهَا علي فِي المسجد الأعظم، فِي رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريبا من السدة، مَا هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إِلَى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أَيُّهَا النَّاسُ، الصَّلاة الصَّلاة! فما أدري أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا! فنظرت إِلَى بريق، وسمعت: الحكم لِلَّهِ يَا علي لا لك وَلا لأَصْحَابك، فرأيت سيفا، ثُمَّ رأيت ثانيا، ثُمَّ سمعت عَلِيًّا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عَلَيْهِ من كل جانب [قَالَ: فلم أبرح حَتَّى أخذ ابن ملجم وأدخل عَلَى علي، فدخلت فيمن دخل مِنَ النَّاسِ، فسمعت عَلِيًّا يقول: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فِيهِ رأيي] وذكر أن الناس دخلوا عَلَى الْحَسَن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وَهِيَ تبكي: أي عدو اللَّه، لا بأس عَلَى أبي، وَاللَّهِ مخزيك! قَالَ: فعلى من تبكين؟ وَاللَّهِ لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كَانَتْ هَذِهِ الضربة عَلَى جميع أهل المصر مَا بقي مِنْهُمْ أحد. [وذكر أن جندب بن عَبْدِ اللَّهِ دخل عَلَى علي فسأله، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إن فقدناك- وَلا نفقدك- فنبايع الْحَسَن؟ فَقَالَ: مَا آمركم

стр. 2608

وَلا أنهاكم، أنتم أبصر فرد عَلَيْهِ مثلها، فدعا حسنا وحسينا، فَقَالَ: أوصيكما بتقوى اللَّه، وألا تبغيا الدُّنْيَا وإن بغتكما، وَلا تبكيا عَلَى شَيْء زوي عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم ناصرا، واعملا بِمَا فِي الكتاب، ولا تأخذ كما فِي اللَّه لومة لائم ثُمَّ نظر إِلَى محمد بن الحنفية، فَقَالَ: هل حفظت] [مَا أوصيت بِهِ أخويك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما عَلَيْك، فاتبع أمرهما، وَلا تقطع أمرا دونهما. ثُمَّ قَالَ: أوصيكما بِهِ، فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وَقَدْ علمتما أن أباكما كَانَ يحبه] [وَقَالَ للحسن: أوصيك أي بني بتقوى اللَّه، وإقام الصَّلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عِنْدَ محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، وَلا تقبل صلاه من مانع زكاه، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عِنْدَ الجهل، والتفقه فِي الدين، والتثبت فِي الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش] . فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، هَذَا مَا أوصى بِهِ عَلِيّ بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* ثُمَّ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أوصيك يَا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى اللَّه ربكم، وَلا تموتن إلا وَأَنْتُمْ مسلمون، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا، فإني سمعت أبا القاسم ص يقول: [إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصَّلاة والصيام!] [انظروا إِلَى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون اللَّه عَلَيْكُمُ الحساب، اللَّه اللَّه فِي الأيتام، فلا تعنوا أفواههم، وَلا يضيعن بحضرتكم. وَاللَّهِ اللَّه فِي جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم ص، مَا زال يوصي

стр. 2609

بِهِ حَتَّى ظننا أنه سيورثه وَاللَّهِ اللَّه فِي القرآن، فلا يسبقنكم إِلَى العمل بِهِ غيركم، وَاللَّهِ اللَّه فِي الصَّلاة، فإنها عمود دينكم وَاللَّهِ اللَّه فِي بيت ربكم فلا تخلوه مَا بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، وَاللَّهِ اللَّه فِي الجهاد فِي سبيل اللَّه بأموالكم وأنفسكم، وَاللَّهِ اللَّه فِي الزكاة، فإنها تطفئ غضب الرب، وَاللَّهِ اللَّه فِي ذمة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم، وَاللَّهِ اللَّه فِي أَصْحَاب نبيكم، فإن رَسُول اللَّهِ أوصى بهم، وَاللَّهِ اللَّه فِي الْفُقَرَاء والمساكين فأشركوهم فِي معايشكم، وَاللَّهِ اللَّه فِيمَا ملكت أيمانكم الصَّلاة الصَّلاة لا تخافن فِي اللَّه لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عَلَيْكُمْ وقولوا لِلنَّاسِ حسنا كما أمركم اللَّه،] [وَلا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الأمر شراركم، ثُمَّ تدعون فلا يستجاب لكم] [وَعَلَيْكُمْ بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ حفظكم اللَّه من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم أستودعكم اللَّه، وأقرأ عَلَيْكُمُ السلام ورحمة اللَّه] . ثُمَّ لم ينطق إلا بلا إله إلا اللَّه حَتَّى قبض ﵁، وَذَلِكَ فِي شهر رمضان سنة أربعين، وغسله ابناه الْحَسَن والحسين وعبد اللَّه بن جَعْفَر، وكفن فِي ثلاثة أثواب ليس فِيهَا قميص، وكبر عَلَيْهِ الْحَسَن تسع تكبيرات، ثُمَّ ولي الْحَسَن ستة أشهر. [وَقَدْ كَانَ علي نهى الْحَسَن عن المثلة، وَقَالَ: يَا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء الْمُسْلِمِينَ، تقولون: قتل أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، قتل أَمِير الْمُؤْمِنِينَ! أَلا لايقتلن الا قاتلى انظر يا حسن، ان انامت من ضربته هَذِهِ فاضربه ضربة بضربة، وَلا تمثل بالرجل،] [فانى سمعت رسول الله ص: يقول: إياكم والمثلة، ولو أنها بالكلب العقور] فلما قبض ع بعث الْحَسَن إِلَى ابن ملجم، فَقَالَ للحسن: هل لك فِي خصلة؟ إني وَاللَّهِ مَا أعطيت اللَّه عهدا إلا وفيت بِهِ، إني كنت قَدْ أعطيت اللَّه عهدا عِنْدَ الحطيم أن أقتل عَلِيًّا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك اللَّه علي إن لم أقتله- أو قتلته ثُمَّ بقيت- أن آتيك

стр. 2610

حَتَّى أضع يدي فِي يدك [فَقَالَ لَهُ الْحَسَن: أما وَاللَّهِ حَتَّى تعاين النار فلا ثُمَّ قدمه فقتله، ثُمَّ أخذه الناس فأدرجوه فِي بواري، ثُمَّ أحرقوه بالنار] . وأما البرك بن عَبْدِ اللَّهِ، فإنه فِي تِلَكَ الليلة الَّتِي ضرب فِيهَا علي قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عَلَيْهِ بسيفه، فوقع السيف فِي أليته، فأخذ، فَقَالَ: إن عندي خيرا أسرك بِهِ، فإن أخبرتك فنافعي ذَلِكَ عندك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إن أخا لي قتل عَلِيًّا فِي مثل هَذِهِ الليلة، قَالَ: فلعله لم يقدر عَلَى ذَلِكَ! قَالَ: بلى، إن عَلِيًّا يخرج ليس مَعَهُ من يحرسه، فأمر بِهِ مُعَاوِيَة فقتل وبعث مُعَاوِيَة إِلَى الساعدي- وَكَانَ طبيبا- فلما نظر إِلَيْهِ قَالَ: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع مِنْكَ الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فَقَالَ مُعَاوِيَة: أما النار فلا صبر لي عَلَيْهَا، وأما انقطاع الولد فإن فِي يَزِيد وعبد اللَّه مَا تقر به عيني فسقاه تِلَكَ الشربة فبرأ، ولم يولد لَهُ بعدها، وأمر مُعَاوِيَة عِنْدَ ذَلِكَ بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرطه عَلَى رأسه إذا سجد. وأما عَمْرو بن بكر فجلس لعمرو بن الْعَاصِ تِلَكَ الليلة، فلم يخرج، وَكَانَ اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة، وَكَانَ صاحب شرطته، وَكَانَ من بني عَامِر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عَلَيْهِ وَهُوَ يرى أنه عَمْرو، فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا بِهِ إِلَى عَمْرو يسلمون عَلَيْهِ بالإمرة، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَمْرو، قَالَ: فمن قتلت؟ قَالُوا: خارجة بن حذافة، قَالَ: أما وَاللَّهِ يَا فاسق مَا ظننته غيرك، فَقَالَ عَمْرو: أردتني وأراد اللَّه خارجة، فقدمه عَمْرو فقتله، فبلغ ذَلِكَ مُعَاوِيَة، فكتب إِلَيْهِ: وقتل وأسباب المنايا كثيرة ... منية شيخ من لوى بن غالب فيا عَمْرو مهلا إنما أنت عمه ... وصاحبه دون الرجال الأقارب نجوت وَقَدْ بل المرادي سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب

стр. 2611

ويضربني بالسيف آخر مثله ... فكانت علينا تِلَكَ ضربة لازب وأنت تناغي كل يوم وليلة ... بمصرك بيضا كالظباء السوارب ولما انتهى إِلَى عَائِشَة قتل علي- ﵁ قالت: فألقت عصاها واستقرت بِهَا النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر فمن قتله؟ فقيل: رجل من مراد، فَقَالَتْ: فإن يك نائيا فلقد نعاه ... غلام ليس فِي فِيهِ التراب فَقَالَتْ زينب ابنة أبي سلمة: ألعلي تقولين هَذَا؟ فَقَالَتْ: إني أنسى، فإذا نسيت فذكروني وَكَانَ الَّذِي ذهب بنعيه سُفْيَان بن عبد شمس بن أَبِي وَقَّاص الزُّهْرِيّ: وَقَالَ ابن ابى عباس المرادي فِي قتل علي ونحن ضربنا يَا لك الخير حيدرا ... أبا حسن مأمومة فتفطرا ونحن خلعنا ملكه من نظامه ... بضربة سيف إذ علا وتجبرا ونحن كرام فِي الصباح أعزة ... إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا وَقَالَ أَيْضًا: ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... وَلا قتل إلا دون قتل ابن ملجم وَقَالَ أَبُو الأسود الدؤلي: أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن حرب ... فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طرا أجمعينا!

стр. 2612

قتلتم خير من ركب المطايا ... ورحلها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا إذا استقبلت وجه أبي حُسَيْن ... رأيت البدر راع الناظرينا لقد علمت قريش حَيْثُ كَانَتْ ... بأنك خيرها حسبا ودينا واختلف فِي سنة يوم قتل، فَقَالَ بعضهم: قتل وَهُوَ ابن تسع وخمسين سنة. [وحدثت عن مُصْعَب بن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ الْحَسَن بن علي يقول: قتل أبي وَهُوَ ابن ثمان وخمسين سنة] . وَحَدَّثَنَا عن بعضهم، قَالَ: قتل وَهُوَ ابن خمس وستين سنة. وَحَدَّثَنِي أَبُو زيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أيوب بن عُمَرَ بن أبي عَمْرو، [عن جَعْفَر بن مُحَمَّدٍ، قَالَ: قتل علي وَهُوَ ابن ثلاث وستين سنة قَالَ: وَذَلِكَ أصح مَا قيل فِيهِ] حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قال: قتل على ع وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ هِشَامٌ: ولى على وهو ابن ثمان وخمسين سنه واشهر، وكانت خلافته خمس سنين الا ثلاثة اشهر، ثُمَّ قَتَلَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ- وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن عَمْرٍو- فِي رَمَضَانَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْهُ، وَكَانَتْ وِلايَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقُتِلَ سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة. وَحَدَّثَنِي الْحَارِث، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قتل على ع وَهُوَ ابن ثلاث وستين سنة صبيحة ليلة الجمعه لسبع

стр. 2613

عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، ودفن عِنْدَ مسجد الجماعة فِي قصر الإمارة. حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عُمَرَ، قَالَ: ضرب على ع ليلة الجمعة، فمكث يوم الجمعة وليلة السبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين وَهُوَ ابن ثلاث وستين سنة. وَحدثني الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَكْرٍ السَّبْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، قَالَ: سمعت محمد بن الحنفيه يقول سنه الجحاف حين دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ هَذِهِ وَلِي خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، قَدْ جَاوَزْتُ سِنَّ أَبِي، قِيلَ: وَكَمْ كَانَتْ سِنُّهُ يَوْمَ قُتِلَ؟ قَالَ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَارِثُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الثَّبْتُ عِنْدَنَا . ذكر الخبر عن قدر مدة خلافته حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ، قال: حدثت عن إسحاق بْن عيسى، عن أَبِي مَعْشَرٍ، قَالَ: كَانَتْ خِلافَةُ عَلِيٍّ خَمْسَ سِنِينَ إِلا ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ. وَحَدَّثَنِي الْحَارِث، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن سعد قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْن عُمَرَ: كَانَتْ خلافة علي خمس سنين إلا ثلاثة اشهر

стр. 2614

حدثنى أَبُو زَيْد، قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: كَانَتْ ولاية علي أربع سنين وتسعة أشهر، ويوما أو غير يوم . ذكر الخبر عن صفته حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بْن عبد الله بْن أبي سبرة، [عن إسحاق بن عبد الله ابن أَبِي فَرْوَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، قُلْتُ: مَا كَانَتْ صِفَةُ عَلِيٍّ ع؟ قَالَ: رَجُلٌ آدَمُ شَدِيدُ الأَدَمَةِ ثَقِيلُ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمُهُمَا، ذُو بَطْنٍ، أَصْلَعُ، هُوَ إِلَى الْقِصَرِ اقرب] . ذكر نسبه ع هُوَ عَلِيّ بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، وأمه فاطمه بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف . ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده فأول زوجة تزوجها فاطمه بنت رسول الله ص، ولم يتزوج عَلَيْهَا حَتَّى توفيت عنده، وَكَانَ لها مِنْهُ من الولد: الْحَسَن والحسين، ويذكر أنه كَانَ لها مِنْهُ ابن آخر يسمى محسنا توفي صغيرا، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى. ثُمَّ تزوج بعد أم البنين بنت حزام- وَهُوَ أَبُو المجل بن خَالِد بن ربيعه ابن الوحيد بن كعب بن عَامِر بن كلاب- فولد لها مِنْهُ العباس، وجعفر، وعبد اللَّه، وعثمان، قتلوا مع الحسين ع بكربلاء، وَلا بقية لَهُمْ غير العباس. وتزوج لَيْلَى ابنة مسعود بن خَالِد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل

стр. 2615

ابن نهشل بن دارم بْن مالك بْن حنظلة بْن مالك بْن زَيْد مناة بن تميم، فولدت لَهُ عُبَيْد اللَّهِ وأبا بكر فزعم هِشَام بن مُحَمَّد أنهما قتلا مع الْحُسَيْن بالطف وأما مُحَمَّد بن عُمَرَ فإنه زعم أن عُبَيْد اللَّهِ بن علي قتله المختار بن أبي عبيد بالمذار، وزعم أنه لا بقية لعبيد اللَّه وَلا لأبي بكر ابني على ع. وتزوج أسماء ابنة عميس الخثعمية، فولدت لَهُ- فِيمَا حدثت عن هِشَام بن مُحَمَّد- يَحْيَى ومُحَمَّدا الأصغر، وَقَالَ: لا عقب لهما. وأما الْوَاقِدِيّ فإنه قَالَ فِيمَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ أن أسماء ولدت لعلي يَحْيَى وعونا ابني علي ويقول بعضهم: محمد الاصغر لام ولد، وكذلك قَالَ الْوَاقِدِيّ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: قتل مُحَمَّد الأصغر مع الْحُسَيْن. وله من الصهباء- وَهِيَ أم حبيب بنت رَبِيعَة بن بجير بن العبد بن علقمه ابن الْحَارِث بن عتبة بن سَعْدِ بْنِ زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو ابن غنم بن تغلب بن وائل، وَهِيَ أم ولد من السبى الذين أصابهم خالد ابن الْوَلِيد حين أغار عَلَى عين التمر عَلَى بني تغلب بِهَا- عُمَر بن علي، ورقية ابنة علي، فعمر عُمَر بن علي حَتَّى بلغ خمسا وثمانين سنة، فحاز نصف ميراث على ع، ومات بينبع. وتزوج أمامة بنت أبي العاصي بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شمس ابن عبد مناف وأمها زينب بنت رَسُول اللَّهِ ص، فولدت لَهُ مُحَمَّدا الأوسط. وله مُحَمَّد بن على الاكبر، الذى يقال له: محمد بن الحنفية، أمه خولة ابنة جَعْفَر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبه بن الدول ابن حنيفة بن لجيم بن صعب بن عَلِيّ بن بكر بن وائل، توفي بالطائف فصلى عَلَيْهِ ابن عَبَّاس. وتزوج أم سَعِيد بنت عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، فولدت لَهُ أم الْحَسَن ورملة الكبرى

стр. 2616

وَكَانَ لَهُ بنات من أمهات شتى لم يسم لنا أسماء أمهاتهن، منهن أم هاني، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جَعْفَر، وجمانة، ونفيسة بنات علي ع، أمهاتهن أمهات أولاد شتى وتزوج محياة ابنة امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب ابن عليم من كلب، فولدت لَهُ جارية، هلكت وَهِيَ صغيرة قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ تخرج إِلَى الْمَسْجِدِ وَهِيَ جارية فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول وه، وه- تعني كلبا. فجميع ولد علي لصلبه أربعة عشر ذكرا، وسبع عشرة امرأة. حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ عن الْوَاقِدِيّ، قَالَ: كَانَ النسل من ولد علي لخمسة: الْحَسَن، والحسين، ومحمد بن الحنفيه، والعباس بن الكلابية، وعمر بن التغلبية . ذكر ولاته وَكَانَ واليه عَلَى الْبَصْرَة فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن العباس، وَقَدْ ذكرنا اختلاف المختلفين فِي ذَلِكَ، وإليه كَانَتِ الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها، وَكَانَ يستخلف بِهَا إذا شخص عنها على ما قد بينت قبل. وَكَانَ عَلَى قضائها من قبل علي أَبُو الأسود الدؤلي، وَقَدْ ذكرت مَا كَانَ من توليته زيادا عَلَيْهَا، ثُمَّ إشخاصه إِيَّاهُ إِلَى فارس لحربها وخراجها، فقتل وَهُوَ بفارس، وعلى مَا كَانَ وجهه عَلَيْهِ. وَكَانَ عامله عَلَى البحرين وما يليها واليمن ومخاليفها عُبَيْد اللَّهِ بن العباس، حَتَّى كَانَ من أمره وأمر بسر بن أبي أرطاة مَا قَدْ مضى ذكره. وَكَانَ عامله عَلَى الطائف ومكة وما اتصل بِذَلِكَ قثم بن العباس

стр. 2617

وَكَانَ عامله عَلَى الْمَدِينَة أَبُو أيوب الأَنْصَارِيّ، وقيل: سَهْل بن حنيف، حَتَّى كَانَ من أمره عِنْدَ قدوم بسر مَا قَدْ ذكر قبل . ذكر بعض سيره ع حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، [عَنْ عَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّهُ كان خازنا لعلى ع عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ: فَدَخَلَ يَوْمًا وَقَدْ زُيِّنَتِ ابْنَتُهُ، فَرَأَى عَلَيْهَا لُؤْلُؤَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَدْ كَانَ عَرَفَهَا، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَهَا هَذِهِ؟ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْطَعَ يَدَهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ جِدَّهُ فِي ذَلِكَ قُلْتُ: أَنَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زَيَّنْتُ بِهَا ابْنَةَ أَخِي، وَمِنْ أَيْنَ كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَيْهَا لَوْ لَمْ أَعْطِهَا! فَسَكَتَ] . حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ نَاجِيَةَ الْقُرَشِيِّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عُثْمَانَ، [قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ع خَارِجًا مِنْ هَمْدَانَ، فَرَأَى فِئَتَيْنِ يَقْتَتِلانِ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ مَضَى فَسَمِعَ صَوْتًا يَا غَوْثًا بِاللَّهِ! فَخَرَجَ يَحْضُرُ نَحْوَهُ حَتَّى سَمِعْتُ خَفْقَ نَعْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَتَاكَ الْغَوْثُ، فَإِذَا رَجُلٌ يُلازِمُ رَجُلا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِعْتُ هذا ثوبا بتسعه دراهم، وشرطت عليه الا يُعْطِيَنِي مَغْمُوزًا وَلا مَقْطُوعًا- وَكَانَ شَرْطَهُمْ يَوْمَئِذٍ- فَأَتَيْتُهُ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ لِيُبَدِّلَهَا لِي فَأَبَى، فَلَزِمْتُهُ فَلَطَمَنِي، فَقَالَ: أَبْدِلْهُ، فَقَالَ: بَيِّنَتُكَ عَلَى اللَّطْمَةِ، فَأَتَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَأَقْعَدَهُ ثُمَّ قَالَ: دُونَكَ فَاقْتَصَّ، فقال: انى

стр. 2618

قَدْ عَفَوْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَحْتَاطَ فِي حَقِّكَ، ثُمَّ ضَرَبَ الرَّجُلَ تِسْعَ دِرَّاتٍ، وَقَالَ: هَذَا حَقُّ السُّلْطَانَ] . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: [حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ نَاجِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا قِيَامًا عَلَى بَابِ الْقَصْرِ، إِذْ خَرَجَ عَلِيٌّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ تَنَحَّيْنَا عَنْ وَجْهِهِ هَيْبَةً لَهُ، فَلَمَّا جَازَ صِرْنَا خَلْفَهُ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى رَجُلٌ يَا غَوْثًا بِاللَّهِ! فَإِذَا رَجُلانِ يَقْتَتِلانِ، فَلَكَزَ صَدْرَ هَذَا وَصَدْرَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: تَنَحَّيَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا اشْتَرَى مِنِّي شَاةً، وَقَدْ شَرَطْتُ عَلَيْهِ أَلا يُعْطِيَنِي مَغْمُوزًا وَلا مُحْذَفًا، فَأَعْطَانِي دِرْهَمًا مَغْمُوزًا، فَرَدَدْتُهُ عَلَيْهِ فَلَطَمَنِي، فَقَالَ لِلآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: صَدَقَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَأَعْطِهِ شَرْطَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلاطِمِ اجْلِسْ، وَقَالَ لِلْمَلْطُومِ: اقْتَصَّ قَالَ: أَوْ أَعْفُو يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: ذَاكَ إِلَيْكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَازَ الرَّجُلُ قَالَ عَلِيٌّ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، خُذُوهُ، قَالَ: فَأَخَذُوهُ، فَحُمِلَ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ كَمَا يُحْمَلُ صِبْيَانُ الْكُتَّابِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ دِرَّةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا نَكَالٌ لِمَا انْتُهِكَتْ مِنْ حُرْمَتِهِ] . حَدَّثَنِي ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قال: حدثنا سكين ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي خَالِدُ بْنُ جَابِرٍ، قَالَ: سمعت الحسن يقول: لما قتل على ع وَقَدْ قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: لَقَدْ قَتَلْتُمُ اللَّيْلَةَ رَجُلا فِي لَيْلَةٍ فِيهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَفِيهَا رفع عيسى بن مريم ع، وَفِيهَا قُتِلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَتَى مُوسَى ع وَاللَّهِ مَا سَبَقَهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ، وَلا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ يَكُونُ بَعْدَهُ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ رسول الله ص لَيَبْعَثُهُ فِي السَّرِيَّةِ وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ صَفْرَاءَ وَلا بيضاء الا ثمانمائه- او سبعمائة- ارصدها لخادمه

стр. 2619

ذكر بيعة الْحَسَن بن علي وفي هَذِهِ السنة- أعني سنة أربعين- بويع للحسن بن على ع بالخلافة، [وقيل: إن أول من بايعه قيس بن سَعْدٍ، قَالَ لَهُ: ابسط يدك أبايعك عَلَى كتاب اللَّه ، وسنة نبيه، وقتال المحلين، فَقَالَ لَهُ الْحَسَن ﵁: عَلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه، فإن ذَلِكَ يأتي من وراء كل شرط، فبايعه وسكت، وبايعه الناس] . وَحدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: جَعَلَ عَلِيٌّ ع قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى قِبَلِ أَذْرَبِيجَانَ، وَعَلَى أَرْضِهَا وَشُرْطَةِ الخميس الذى ابتدعه من العرب، وكانوا اربعين ألفا، بايعوا عليا ع على الموت، ولم يزل قيس يدارى ذلك البعث حتى قتل على ع، واستخلف اهل العراق الحسن بن على ع عَلَى الْخِلافَةِ، وَكَانَ الْحَسَنُ لا يَرَى الْقِتَالَ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ يَدْخُلَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَعَرَفَ الْحَسَنُ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ لا يُوَافِقُهُ على رايه، فنزعه وامر عبيد اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا عَلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بن عباس بالذي يريد الحسن ع أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ الأَمَانَ، وَيَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ عَلَى الأَمْوَالِ الَّتِي أَصَابَهَا، فَشَرَطَ ذَلِكَ لَهُ مُعَاوِيَةُ

стр. 2620

وَحدثني مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَوِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ الْخُزَاعِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: بَايَعَ الناس الحسن بن على ع بِالْخِلافَةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ الْمَدَائِنَ، وَبَعَثَ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشام حتى نزل مسكين، فَبَيْنَا الْحَسَنُ فِي الْمَدَائِنِ إِذْ نَادَى مُنَادٍ فِي الْعَسْكَرِ: أَلا إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قَدْ قُتِلَ، فَانْفِرُوا، فَنَفَرُوا وَنَهَبُوا سُرَادِقَ الْحَسَنِ ع حَتَّى نَازَعُوهُ بِسَاطًا كَانَ تَحْتَهُ، وَخَرَجَ الْحَسَنُ حَتَّى نَزَلَ الْمَقْصُورَةَ الْبَيْضَاءَ بِالْمَدَائِنِ، وَكَانَ عَمُّ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَامِلا عَلَى الْمَدَائِنِ، وَكَانَ اسْمُهُ سَعْدَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ: هَلْ لَكَ فِي الْغِنَى وَالشَّرَفِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تُوثِقُ الْحَسَنَ، وَتَسْتَأْمِنُ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ، أَثِبُ عَلَى ابْنِ بنت رسول الله ص فَأُوثِقُهُ! بِئْسَ الرَّجُلُ أَنْتَ! فَلَمَّا رَأَى الْحَسَنُ ع تَفَرُّقَ الأَمْرِ عَنْهُ بَعَثَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَطْلُبُ الصُّلْحَ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عامر وعبد الرحمن ابن سمره بن حبيب بن عبد شمس، فقد ما عَلَى الْحَسَنِ بِالْمَدَائِنِ، فَأَعْطَيَاهُ مَا أَرَادَ، وَصَالَحَاهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ خَمْسَةَ آلافِ أَلْفٍ فِي أَشْيَاءَ اشْتَرَطَهَا [ثُمَّ قَامَ الْحَسَنُ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ: يَا أهل العراق، إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث: قَتْلُكُمْ أَبِي، وَطَعْنُكُمْ إِيَّايَ، وَانْتِهَابُكُمْ مَتَاعِي]

стр. 2621

وَدَخَلَ النَّاسُ فِي طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ، وَدَخَلَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ قَالَ زياد بن عَبْدِ اللَّهِ، عن عوانة، وذكر نحو حديث المسروقي، عن عُثْمَان بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا، وزاد فِيهِ: وكتب الْحَسَن إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي الصلح، وطلب الأمان، وَقَالَ الْحَسَن للحسين ولعبد اللَّه بن جَعْفَر: إني قَدْ كتبت إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي الصلح وطلب الأمان، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: نشدتك اللَّه أن تصدق أحدوثة مُعَاوِيَة، وتكذب أحدوثة علي! فَقَالَ لَهُ الْحَسَن: اسكت، فأنا أعلم بالأمر مِنْكَ فلما انتهى كتاب الْحَسَن بن على ع إِلَى مُعَاوِيَةَ، أرسل مُعَاوِيَة عَبْد اللَّهِ بن عامر وعبد الرحمن بن سمره، فقد ما المدائن، وأعطيا الْحَسَن مَا أراد، فكتب الْحَسَن إِلَى قيس بن سَعْد وَهُوَ عَلَى مقدمته فِي اثني عشر ألفا يأمره بالدخول فِي طاعة مُعَاوِيَة، فقام قيس بن سَعْد فِي الناس فَقَالَ: يا أيها الناس، اختاروا الدخول فِي طاعة إمام ضلالة، أو القتال مع غير إمام، قَالُوا: لا، بل نختار أن ندخل فِي طاعة إمام ضلالة. فبايعوا لمعاوية، وانصرف عَنْهُمْ قيس بن سَعْد، وَقَدْ كَانَ صالح الْحَسَن مُعَاوِيَة عَلَى أن جعل لَهُ ما في بيت ماله وخراج دارا بجرد على الا يشتم علي وَهُوَ يسمع فأخذ مَا فِي بيت ماله بالكوفة، وَكَانَ فِيهِ خمسة آلاف ألف وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ حَدَّثَنِي مُوسَى بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَان بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخزاعي أَبُو عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بن راشد قَالَ: لما حضر الموسم- يعني فِي العام الذى قتل فيه على ع- كتب الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ كتابا افتعله عَلَى لسان مُعَاوِيَة، فأقام لِلنَّاسِ الحج سنة أربعين، ويقال: إنه عرف يوم التروية، ونحر يوم عرفة، خوفا أن يفطن بمكانه وَقَدْ قيل: إنه إنما فعل ذَلِكَ الْمُغِيرَة لأنه بلغه أن عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ مصبحه واليا على

стр. 2622

الموسم، فعجل الحج من أجل ذَلِكَ. وفي هَذِهِ السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيلياء، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَان بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل ابن راشد- وَكَانَ قبلُ يدعى بِالشَّامِ أميرا- وحدثت عن أبي مسهر، عن سَعِيد بن عَبْدِ العزيز، قال: كان على ع يدعى بِالْعِرَاقِ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مُعَاوِيَة يدعى بالشام: الأمير، فلما قتل على ع دعى معاويه: امير المؤمنين

стр. 2623

ثم سنة إحدى وأربعين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كَانَ فِيهَا من ذلك تسليم الحسن بن على ع الأمر إِلَى مُعَاوِيَةَ ودخول مُعَاوِيَة الْكُوفَة، وبيعة أهل الْكُوفَة مُعَاوِيَة بالخلافة. ذكر الخبر بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن أحمد المروزي، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: بَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَن بْنَ عَلِيٍّ بِالْخِلافَةِ، فَطَفِقَ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِمُ الْحَسَنُ: إِنَّكُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، تُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ، وَتُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ، فَارْتَابَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي أَمْرِهِمْ حِينَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ هَذَا الشَّرْطَ، وَقَالُوا: مَا هَذَا لَكُمْ بِصَاحِبٍ، وَمَا يُرِيدُ هَذَا الْقِتَالَ، فَلَمْ يَلْبَثِ الْحَسَنُ ع بَعْدَ مَا بَايَعُوهُ إِلا قَلِيلا حَتَّى طُعِنَ طَعْنَةً أَشْوَتْهُ، فَازْدَادَ لَهُمْ بُغْضًا، وَازْدَادَ مِنْهُمْ ذُعْرًا، فَكَاتَبَ مُعَاوِيَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِشُرُوطٍ، قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي هَذَا فَأَنَا سَامِعٌ مُطِيعٌ، وَعَلَيْكَ أَنْ تَفِيَ لِي بِهِ وَوَقَعَتْ صَحِيفَةُ الْحَسَنِ فِي يَدِ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ هَذَا إِلَى الْحَسَنِ بِصَحِيفَةٍ بَيْضَاءَ، مَخْتُومٌ عَلَى أَسْفَلِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنِ اشْتَرِطْ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي خَتَمْتُ أَسْفَلَهَا مَا شِئْتَ فَهُوَ لَكَ. فَلَمَّا أَتَتِ الْحَسَنَ اشْتَرَطَ أَضْعَافَ الشُّرُوطِ الَّتِي سَأَلَ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمْسَكَهَا عِنْدَهُ، وامسك معاويه صحيفه الحسن ع الَّتِي كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ مَا فِيهَا، فَلَمَّا التقى معاويه والحسن ع، سَأَلَهُ الْحَسَنُ أَنْ يُعْطِيَهُ الشُّرُوطَ الَّتِي شَرَطَ فِي السِّجِلِ الَّذِي خَتَمَ مُعَاوِيَةُ فِي أَسْفَلِهِ، فَأَبَى مُعَاوِيَةُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَكَ ما كنت كتبت الى او لا تَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ، فَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكَ حِينَ جاءني كتابك قال الحسن ع: وانا قد

стр. 2624

اشْتَرَطْتُ حِينَ جَاءَنِي كِتَابُكَ، وَأَعْطَيْتَنِي الْعَهْدَ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا فِيهِ فَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ، فَلَمْ ينفذ للحسن ع مِنَ الشُّرُوطِ شَيْئًا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ اجْتَمَعُوا بِالْكُوفَةِ قَدْ كَلَّمَ مُعَاوِيَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْحَسَنَ أَنْ يَقُومَ وَيَخْطُبَ النَّاسَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ، وَقَالَ: مَا تُرِيدُ إِلَيَّ ان يخطب النَّاسَ! فَقَالَ عَمْرٌو: لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَبْدُوَ عِيُّهُ لِلنَّاسِ، فَلَمْ يَزَلْ عَمْرٌو بِمُعَاوِيَةَ حَتَّى أَطَاعَهُ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَمَرَ رجلا فنادى الحسن بن على ع، فَقَالَ: قُمْ يَا حَسَنُ فَكَلِّمِ النَّاسَ، فَتَشْهَدْ فِي بَدِيهَةِ أَمْرٍ لَمْ يُرَوِّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِأَوَّلِنَا، وَحَقَنَ دِمَاءَكُمْ بِآخِرِنَا، وَإِنَّ لِهَذَا الأَمْرِ مُدَّةٌ، وَالدُّنْيَا دُوَلٌ، وَإِنَّ الله تعالى قال لنبيه ص: «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ» ، فَلَمَّا قَالَهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ: اجْلِسْ، فَلَمْ يَزَلْ ضَرَمًا عَلَى عَمْرٍو، وَقَالَ: هَذَا مِنْ رَأْيِكَ ولحق الحسن ع بِالْمَدِينَةِ. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد، قال: سلم الحسن بن على ع إِلَى مُعَاوِيَةَ الْكُوفَة، ودخلها مُعَاوِيَة لخمس بقين من ربيع الأول، ويقال من جمادى الأولى سنه احدى واربعين. ذكر خبر الصلح بين معاويه وقيس بن سعد وفي هَذِهِ السنة جرى الصلح بين مُعَاوِيَة وقيس بن سَعْد بعد امتناع قيس من بيعته. ذكر الخبر بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان ابن الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حِينَ عَلِمَ مَا يُرِيدُ الْحَسَنُ مِنْ مُعَاوِيَةَ مِنْ طَلَبِ الأَمَانِ لِنَفْسِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ الأَمَانَ، وَيَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ عَلَى الأَمْوَالِ الَّتِي قَدْ أَصَابَ،

стр. 2625

فشرط ذلك له معاويه، بعث اليه معاويه ابن عَامِرٍ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عُبَيْدُ اللَّهِ لَيْلا حَتَّى لَحِقَ بِهِمْ، وَنَزَلَ وَتَرَكَ جُنْدَهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لا أَمِيرَ لَهُمْ، فيهم قيس بن سعد، واشترط الحسن ع لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ، وَأَمَّرَتْ شُرْطَةُ الْخَمِيسِ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى أَنْفُسُهِمْ، وَتَعَاهَدُوا هُوَ وَهُمْ عَلَى قِتَالِ مُعَاوِيَةَ حَتَّى يَشْتَرِطَ لِشِيعَةِ على ع وَلِمَنْ كَانَ اتَّبَعَهُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَمَا أَصَابُوا فِي الْفِتْنَةِ، فَخَلَصَ مُعَاوِيَةُ حِينَ فَرَغَ من عبيد الله ابن عباس والحسن ع إِلَى مُكَايَدَةِ رَجُلٍ هُوَ أَهَمُّ النَّاسِ عِنْدَهُ مُكَايَدَةً، وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَقَدْ نَزَلَ مُعَاوِيَةُ بِهِمْ وَعَمْرٌو وَأَهْلُ الشَّامِ، وَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ يُذَكِّرُهُ اللَّهَ وَيَقُولُ: عَلَى طَاعَةِ مَنْ تُقَاتِلُ، وَقَدْ بَايَعَنِي الَّذِي أَعْطَيْتُهُ طَاعَتَكَ؟ فَأَبَى قَيْسٌ أَنْ يَلِينَ لَهُ، حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِسِجِلٍّ قَدْ خَتَمَ عَلَيْهِ فِي أَسْفَلِهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ فِي هَذَا السِّجِلِ مَا شِئْتَ، فَهُوَ لَكَ. قَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: لا تُعْطِهِ هَذَا، وَقَاتِلْهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: عَلَى رسلك! فانا لا نخلص الى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أَعْدَادُهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ! وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أُقَاتِلُهُ أَبَدًا حَتَّى لا أَجِدُ مِنْ قِتَالِهِ بُدًّا فَلَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِذَلِكَ السِّجِلِ اشْتَرَطَ قَيْسٌ فِيهِ لَهُ وَلِشِيعَةِ عَلِيٍّ الأَمَانَ عَلَى مَا أَصَابُوا مِنَ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ، وَلَمْ يَسْأَلْ مُعَاوِيَةَ فِي سِجِّلِهِ ذَلِكَ مَالا، وَأَعْطَاهُ مُعَاوِيَةُ مَا سَأَلَ، فَدَخَلَ قَيْسٌ وَمَنْ مَعَهُ فِي طَاعَتِهِ، وَكَانُوا يَعِدُّونَ دُهَاةَ النَّاسِ حِينَ ثَارَتِ الْفِتْنَةُ خَمْسَةَ رَهْطٍ، فَقَالُوا: ذَوُو رَأْيِ الْعَرَبِ وَمَكِيدَتُهُمْ: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ قيس وابن بديل مع على ع، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَعَمْرٌو مَعَ مُعَاوِيَةَ، إِلا أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَانَ مُعْتَزِلا بِالطَّائِفِ حَتَّى حُكِّمَ الْحَكَمَانِ، فَاجْتَمَعُوا بِأَذْرُحَ. وَقِيلَ: إِنَّ الصُّلْحَ تم بين الحسن ع وَمُعَاوِيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، وَدَخَلَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ فِي غُرَّةِ جُمَادَى الأُولَى مِنْ هَذِهِ

стр. 2626

السَّنَةِ، وَقِيلَ: دَخَلَهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ، وهذا قول الواقدى . دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفه وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا على ع مُنْصَرِفِينَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ذكر الخبر بذلك: ولما وقع الصلح بين الحسن ع وبين مُعَاوِيَة بمسكن، قام- فِيمَا حدثت عن زياد البكائي، عن عوانة- خطيبا فِي الناس فقال: يا أهل العراق، إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي قَالَ: ثُمَّ إن الْحَسَن والحسين وعبد اللَّه بن جَعْفَر خرجوا بحشمهم وأثقالهم حَتَّى أتوا الْكُوفَة، فلما قدمها الْحَسَن وبرأ من جراحته، خرج إِلَى مسجد الْكُوفَة فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، اتقوا اللَّه فِي جيرانكم وضيفانكم، وفي اهل بيت نبيكم ص الَّذِينَ أذهب اللَّه عَنْهُمُ الرجس وطهرهم تَطْهِيراً فجعل الناس يبكون، ثُمَّ تحملوا إِلَى الْمَدِينَة قَالَ: وحال أهل الْبَصْرَة بينه وبين خراج دارابجرد، وقالوا: فيئنا، فلما خرج إِلَى الْمَدِينَة تلقاه ناس بالقادسية فقالوا: يا مذل العرب! ذكر خروج الخوارج على معاويه وفيها خرجت الخوارج الَّتِي اعتزلت أيام علي ع بشهرزور عَلَى مُعَاوِيَة. ذكر خبرهم: حدثت عن زياد، عن عوانة، قَالَ: قدم مُعَاوِيَة قبل أن يبرح الْحَسَن من الْكُوفَة حَتَّى نزل النخيله، فقالت الحرورية الخمسمائة الَّتِي كَانَتِ اعتزلت

стр. 2627

بشهرزور مع فروة بن نوفل الأشجعي: قَدْ جَاءَ الآن مَا لا شك فِيهِ، فسيروا إِلَى مُعَاوِيَةَ فجاهدوه فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حَتَّى دخلوا الْكُوفَة، فأرسل إِلَيْهِم مُعَاوِيَة خيلا من خيل أهل الشام، فكشفوا أهل الشام، فَقَالَ مُعَاوِيَة لأهل الْكُوفَة: لا أمان لكم وَاللَّهِ عندي حَتَّى تكفوا بوائقكم، فخرج أهل الْكُوفَة إِلَى الخوارج فقاتلوهم، فَقَالَتْ لَهُمُ الخوارج: ويلكم! مَا تبغون منا! أليس مُعَاوِيَة عدونا وعدوكم! دعونا حَتَّى نقاتله، وإن أصبناه كنا قَدْ كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قَدْ كفيتمونا، قَالُوا: لا وَاللَّهِ حَتَّى نقاتلكم، فَقَالُوا: رحم اللَّه إخواننا من أهل النهر، هم كَانُوا أعلم بكم يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وأخذت أشجع صاحبهم فروة بن نوفل- وَكَانَ سيد القوم- واستعملوا عَلَيْهِم عَبْد اللَّهِ بن أبي الحر- رجلا من طيئ- فقاتلوهم، فقتلوا، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَة عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَلَى الْكُوفَة، فأتاه الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ وَقَالَ لمعاوية: استعملت عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو عَلَى الْكُوفَة وعمرا عَلَى مصر، فتكون أنت بين لحيي الأسد! فعزل عبد الله، وَاسْتَعْمَلَ الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَة، وبلغ عمرا مَا قَالَ الْمُغِيرَة لمعاوية، فدخل عَمْرو عَلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ: استعملت الْمُغِيرَة عَلَى الْكُوفَة؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: أجعلته عَلَى الخراج؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: تستعمل الْمُغِيرَة عَلَى الخراج فيغتال المال، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ مِنْهُ شَيْئًا، استعمل عَلَى الخراج من يخافك ويهابك ويتقيك فعزل الْمُغِيرَة عن الخراج، واستعمله عَلَى الصَّلاة، فلقي الْمُغِيرَة عمرا فَقَالَ: أنت المشير عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أشرت بِهِ فِي عَبْد اللَّهِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هَذِهِ بتلك، ولم يكن عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو بن الْعَاصِ مضى فِيمَا بلغني الى الكوفه ولا أتاها

стр. 2628

ذكر ولايه بسر بن ابى ارطاه على البصره وفي هَذِهِ السنة غلب حمران بن أبان عَلَى الْبَصْرَة، فوجه إِلَيْهِ مُعَاوِيَة بسرا، أمره بقتل بني زياد. ذكر الخبر عما كَانَ من أمره فِي ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لما صالح الحسن بن على ع مُعَاوِيَة أول سنة إحدى وأربعين، وثب حمران ابن أبان عَلَى الْبَصْرَة فأخذها، وغلب عَلَيْهَا، فأراد مُعَاوِيَة أن يبعث رجلا من بني القين إليها، فكلمه عبيد الله بن عباس الا يفعل ويبعث غيره، فبعث بسر بن أبي أرطاة، وزعم أنه أمره بقتل بني زياد. فَحَدَّثَنِي مسلمة بن محارب، قَالَ: أخذ بعض بني زياد فحبسه- وزياد يَوْمَئِذٍ بفارس، كَانَ على ع بعثه إِلَيْهَا إِلَى أكراد خرجوا بِهَا، فظفر بهم زياد، وأقام بإصطخر- قَالَ: فركب أَبُو بكرة إِلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ بالكوفة، فاستأجل بسرا، فأجله أسبوعا ذاهبا وراجعا، فسار سبعة أيام، فقتل تحته دابتين، فكلمه، فكتب مُعَاوِيَة بالكف عَنْهُمْ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بعض علمائنا، أن أبا بكرة أقبل فِي الْيَوْم السابع وَقَدْ طلعت الشمس، وأخرج بسر بني زياد ينتظر بهم غروب الشمس ليقتلهم إذا وجبت، فاجتمع الناس لذلك وأعينهم طامحة ينتظرون أبا بكرة، إذ رفع علم عَلَى نجيب أو برذون يكده ويجهده، فقام عَلَيْهِ، فنزل عنه، وألاح بثوبه، وكبر وكبر الناس، فأقبل يسعى عَلَى رجليه حَتَّى أدرك بسرا قبل أن يقتلهم، فدفع إِلَيْهِ كتاب مُعَاوِيَة، فأطلقهم. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: خطب بسر عَلَى منبر

стр. 2629

البصره، فشتم عليا ع، ثم قال: نشدت الله رجلا علم أني صادق إلا صدقني، أو كاذب إلا كذبني! قَالَ: فَقَالَ أَبُو بكرة: اللَّهُمَّ إنا لا نعلمك إلا كاذبا، قَالَ: فأمر بِهِ فخنق، قَالَ: فقام أَبُو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عَلَيْهِ، فمنعه، فأقطعه أَبُو بكرة بعد ذَلِكَ مائة جريب. قَالَ: وقيل لأبي بكرة: مَا أردت إِلَى مَا صنعت! قَالَ: أيناشدنا بِاللَّهِ ثُمَّ لا نصدقه! قَالَ: فأقام بسر بِالْبَصْرَةِ ستة أشهر، ثُمَّ شخص لا نعلمه ولى شرطته أحدا. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنِ الْجَارُودِ بْنِ أَبِي سبره، قال: صالح الحسن ع مُعَاوِيَةَ، وَشَخَصَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَزِيَادٌ مُتَحَصِّنٌ بِفَارِسَ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ: إِنَّ فِي يَدَيْكَ مَالا مِنْ مَالِ اللَّهِ، وَقَدْ وُلِّيتَ وِلايَةً فَأَدِّ مَا عِنْدَكَ مِنَ الْمَالِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدِي شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ صَرَفْتُ مَا كَانَ عِنْدِي فِي وَجْهِهِ، وَاسْتَوْدَعْتُ بَعْضَهُ قَوْمًا لِنَازِلَةٍ إِنْ نَزَلَتْ، وَحَمَلْتُ مَا فَضُلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵀ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: أَنْ أَقْبِلْ إِلَيَّ نَنْظُرُ فِيمَا وُلِّيتَ، وَجَرَى عَلَى يَدَيْكَ، فَإِنِ اسْتَقَامَ بَيْنَنَا أَمْرٌ فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلا رَجَعْتَ الى ما منك، فَلَمْ يَأْتِهِ زِيَادٌ، فَأَخَذَ بُسْرٌ بَنِي زِيَادٍ الأَكَابِرِ مِنْهُمْ، فَحَبَسَهُمْ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ، وَعَبَّادًا، وَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ: لَتَقْدَمَنَّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ لأَقْتُلَنَّ بَنِيكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: لَسْتُ بَارِحًا مِنْ مَكَانِي الَّذِي أَنَا بِهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِكَ، فَإِنْ قَتَلْتَ مَنْ فِي يَدَيْكَ مِنْ وَلَدِي فَالْمَصِيرُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ وَرَائِنَا وَوَرَائِكُمُ الْحِسَابُ، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» فَهَمَّ بِقَتْلِهِمْ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَخَذْتَ وَلَدِي وَوَلَدَ أَخِي غِلْمَانًا بِلا ذَنْبٍ، وَقَدْ صَالَحَ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَمَانِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ حَيْثُ كَانُوا، فَلَيْسَ لَكَ عَلَى هَؤُلاءِ وَلا عَلَى أَبِيهِمْ سَبِيلٌ، قَالَ: إِنَّ عَلَى أَخِيكَ أَمْوَالا قَدْ أَخَذَهَا فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا، قَالَ: مَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَاكْفُفْ

стр. 2630

عَنْ بَنِي أَخِي حَتَّى آتِيكَ بِكِتَابٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِتَخْلِيَتِهِمْ فَأَجِّلْهُ أَيَّامًا، قَالَ لَهُ: إِنْ أَتَيْتَنِي بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ بِتَخْلِيَتِهِمْ وَإِلا قَتَلْتُهُمْ أَوْ يُقْبِلُ زِيَادٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَأَتَى أَبُو بَكْرَةَ مُعَاوِيَةَ فَكَلَّمَهُ فِي زِيَادٍ وَبَنِيهِ، وكتب معاويه الى بسر بالكف عنه وَتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، فَخَلاهُمْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شَيْخٌ مِنْ ثَقِيفٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا بَكْرَةَ، أَزَائِرًا جِئْتَ أَمْ دَعَتْكَ إِلَيْنَا حَاجَةٌ؟ قَالَ: لا أَقُولُ بَاطِلا، مَا أَتَيْتُ إِلا فِي حَاجَةٍ! قَالَ: تَشَفَّعْ يَا أَبَا بَكْرَةَ وَنَرَى لَكَ بِذَلِكَ فضلا، وأنت لذلك أَهْلٌ، فَمَا هُوَ؟ قَالَ: تُؤَمِّنُ أَخِي زِيَادًا، وَتَكْتُبُ إِلَى بُسْرٍ بِتَخْلِيَةِ وَلَدِهِ وَبِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، فَقَالَ: أَمَّا بَنُو زِيَادٍ فَنَكْتُبُ لَكَ فِيهِمْ مَا سَأَلْتَ، وَأَمَّا زِيَادٌ فَفِي يَدِهِ مَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا أَدَّاهُ فَلا سَبِيلَ لَنَا عَلَيْهِ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلَيْسَ يَحْبِسُهُ عَنْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ لأَبِي بَكْرَةَ إِلَى بُسْرٍ أَلا يَتَعَرَّضَ لأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ زِيَادٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لأَبِي بَكْرَةَ: أَتَعْهَدُ إِلَيْنَا عَهْدًا يَا أَبَا بَكْرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَعْهَدُ إِلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَنْظُرَ لِنَفْسِكَ وَرَعِيَّتِكَ، وَتَعْمَلَ صَالِحًا فَإِنَّكَ قَدْ تَقَلَّدْتَ عَظِيمًا، خِلافَةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ لَكَ غَايَةً لا تَعْدُوهَا، وَمِنْ وَرَائِكَ طَالِبٌ حَثِيثٌ، فَأَوْشِكْ أَنْ تَبْلُغَ الْمَدَى، فَيَلْحَقَ الطَّالِبُ، فَتَصِيرَ إِلَى مَنْ يَسْأَلُكَ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، وَإِنَّمَا هِيَ مُحَاسَبَةٌ وَتَوْقِيفٌ، فَلا تؤثرن على رضا اللَّهِ شَيْئًا. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: كَتَبَ بُسْرٌ إِلَى زِيَادٍ: لَئِنْ لَمْ تُقْدِمْ لأَصْلُبَنَّ بَنِيكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ تَفْعَلْ فَأَهْلُ ذلك أَنْتَ، إِنَّمَا بَعَثَ بِكَ ابْنُ آكِلَةِ الأَكْبَادِ فَرَكِبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطُوكَ بَيْعَتَهُمْ عَلَى قَتْلِ الأَطْفَال، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا بَكْرَةَ؟ قَالَ: بُسْرٌ يُرِيدُ قَتْلَ أَوْلادِ زِيَادٍ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى
следующие страницы →