← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

السَّنَةِ، وَقِيلَ: دَخَلَهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ، وهذا قول الواقدى . دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفه وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا على ع مُنْصَرِفِينَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ذكر الخبر بذلك: ولما وقع الصلح بين الحسن ع وبين مُعَاوِيَة بمسكن، قام- فِيمَا حدثت عن زياد البكائي، عن عوانة- خطيبا فِي الناس فقال: يا أهل العراق، إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي قَالَ: ثُمَّ إن الْحَسَن والحسين وعبد اللَّه بن جَعْفَر خرجوا بحشمهم وأثقالهم حَتَّى أتوا الْكُوفَة، فلما قدمها الْحَسَن وبرأ من جراحته، خرج إِلَى مسجد الْكُوفَة فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، اتقوا اللَّه فِي جيرانكم وضيفانكم، وفي اهل بيت نبيكم ص الَّذِينَ أذهب اللَّه عَنْهُمُ الرجس وطهرهم تَطْهِيراً فجعل الناس يبكون، ثُمَّ تحملوا إِلَى الْمَدِينَة قَالَ: وحال أهل الْبَصْرَة بينه وبين خراج دارابجرد، وقالوا: فيئنا، فلما خرج إِلَى الْمَدِينَة تلقاه ناس بالقادسية فقالوا: يا مذل العرب! ذكر خروج الخوارج على معاويه وفيها خرجت الخوارج الَّتِي اعتزلت أيام علي ع بشهرزور عَلَى مُعَاوِيَة. ذكر خبرهم: حدثت عن زياد، عن عوانة، قَالَ: قدم مُعَاوِيَة قبل أن يبرح الْحَسَن من الْكُوفَة حَتَّى نزل النخيله، فقالت الحرورية الخمسمائة الَّتِي كَانَتِ اعتزلت

стр. 2627

بشهرزور مع فروة بن نوفل الأشجعي: قَدْ جَاءَ الآن مَا لا شك فِيهِ، فسيروا إِلَى مُعَاوِيَةَ فجاهدوه فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حَتَّى دخلوا الْكُوفَة، فأرسل إِلَيْهِم مُعَاوِيَة خيلا من خيل أهل الشام، فكشفوا أهل الشام، فَقَالَ مُعَاوِيَة لأهل الْكُوفَة: لا أمان لكم وَاللَّهِ عندي حَتَّى تكفوا بوائقكم، فخرج أهل الْكُوفَة إِلَى الخوارج فقاتلوهم، فَقَالَتْ لَهُمُ الخوارج: ويلكم! مَا تبغون منا! أليس مُعَاوِيَة عدونا وعدوكم! دعونا حَتَّى نقاتله، وإن أصبناه كنا قَدْ كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قَدْ كفيتمونا، قَالُوا: لا وَاللَّهِ حَتَّى نقاتلكم، فَقَالُوا: رحم اللَّه إخواننا من أهل النهر، هم كَانُوا أعلم بكم يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وأخذت أشجع صاحبهم فروة بن نوفل- وَكَانَ سيد القوم- واستعملوا عَلَيْهِم عَبْد اللَّهِ بن أبي الحر- رجلا من طيئ- فقاتلوهم، فقتلوا، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَة عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَلَى الْكُوفَة، فأتاه الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ وَقَالَ لمعاوية: استعملت عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو عَلَى الْكُوفَة وعمرا عَلَى مصر، فتكون أنت بين لحيي الأسد! فعزل عبد الله، وَاسْتَعْمَلَ الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَة، وبلغ عمرا مَا قَالَ الْمُغِيرَة لمعاوية، فدخل عَمْرو عَلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ: استعملت الْمُغِيرَة عَلَى الْكُوفَة؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: أجعلته عَلَى الخراج؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: تستعمل الْمُغِيرَة عَلَى الخراج فيغتال المال، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ مِنْهُ شَيْئًا، استعمل عَلَى الخراج من يخافك ويهابك ويتقيك فعزل الْمُغِيرَة عن الخراج، واستعمله عَلَى الصَّلاة، فلقي الْمُغِيرَة عمرا فَقَالَ: أنت المشير عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أشرت بِهِ فِي عَبْد اللَّهِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هَذِهِ بتلك، ولم يكن عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو بن الْعَاصِ مضى فِيمَا بلغني الى الكوفه ولا أتاها

стр. 2628

ذكر ولايه بسر بن ابى ارطاه على البصره وفي هَذِهِ السنة غلب حمران بن أبان عَلَى الْبَصْرَة، فوجه إِلَيْهِ مُعَاوِيَة بسرا، أمره بقتل بني زياد. ذكر الخبر عما كَانَ من أمره فِي ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لما صالح الحسن بن على ع مُعَاوِيَة أول سنة إحدى وأربعين، وثب حمران ابن أبان عَلَى الْبَصْرَة فأخذها، وغلب عَلَيْهَا، فأراد مُعَاوِيَة أن يبعث رجلا من بني القين إليها، فكلمه عبيد الله بن عباس الا يفعل ويبعث غيره، فبعث بسر بن أبي أرطاة، وزعم أنه أمره بقتل بني زياد. فَحَدَّثَنِي مسلمة بن محارب، قَالَ: أخذ بعض بني زياد فحبسه- وزياد يَوْمَئِذٍ بفارس، كَانَ على ع بعثه إِلَيْهَا إِلَى أكراد خرجوا بِهَا، فظفر بهم زياد، وأقام بإصطخر- قَالَ: فركب أَبُو بكرة إِلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ بالكوفة، فاستأجل بسرا، فأجله أسبوعا ذاهبا وراجعا، فسار سبعة أيام، فقتل تحته دابتين، فكلمه، فكتب مُعَاوِيَة بالكف عَنْهُمْ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بعض علمائنا، أن أبا بكرة أقبل فِي الْيَوْم السابع وَقَدْ طلعت الشمس، وأخرج بسر بني زياد ينتظر بهم غروب الشمس ليقتلهم إذا وجبت، فاجتمع الناس لذلك وأعينهم طامحة ينتظرون أبا بكرة، إذ رفع علم عَلَى نجيب أو برذون يكده ويجهده، فقام عَلَيْهِ، فنزل عنه، وألاح بثوبه، وكبر وكبر الناس، فأقبل يسعى عَلَى رجليه حَتَّى أدرك بسرا قبل أن يقتلهم، فدفع إِلَيْهِ كتاب مُعَاوِيَة، فأطلقهم. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: خطب بسر عَلَى منبر

стр. 2629

البصره، فشتم عليا ع، ثم قال: نشدت الله رجلا علم أني صادق إلا صدقني، أو كاذب إلا كذبني! قَالَ: فَقَالَ أَبُو بكرة: اللَّهُمَّ إنا لا نعلمك إلا كاذبا، قَالَ: فأمر بِهِ فخنق، قَالَ: فقام أَبُو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عَلَيْهِ، فمنعه، فأقطعه أَبُو بكرة بعد ذَلِكَ مائة جريب. قَالَ: وقيل لأبي بكرة: مَا أردت إِلَى مَا صنعت! قَالَ: أيناشدنا بِاللَّهِ ثُمَّ لا نصدقه! قَالَ: فأقام بسر بِالْبَصْرَةِ ستة أشهر، ثُمَّ شخص لا نعلمه ولى شرطته أحدا. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنِ الْجَارُودِ بْنِ أَبِي سبره، قال: صالح الحسن ع مُعَاوِيَةَ، وَشَخَصَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَزِيَادٌ مُتَحَصِّنٌ بِفَارِسَ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ: إِنَّ فِي يَدَيْكَ مَالا مِنْ مَالِ اللَّهِ، وَقَدْ وُلِّيتَ وِلايَةً فَأَدِّ مَا عِنْدَكَ مِنَ الْمَالِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدِي شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ صَرَفْتُ مَا كَانَ عِنْدِي فِي وَجْهِهِ، وَاسْتَوْدَعْتُ بَعْضَهُ قَوْمًا لِنَازِلَةٍ إِنْ نَزَلَتْ، وَحَمَلْتُ مَا فَضُلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵀ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: أَنْ أَقْبِلْ إِلَيَّ نَنْظُرُ فِيمَا وُلِّيتَ، وَجَرَى عَلَى يَدَيْكَ، فَإِنِ اسْتَقَامَ بَيْنَنَا أَمْرٌ فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلا رَجَعْتَ الى ما منك، فَلَمْ يَأْتِهِ زِيَادٌ، فَأَخَذَ بُسْرٌ بَنِي زِيَادٍ الأَكَابِرِ مِنْهُمْ، فَحَبَسَهُمْ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ، وَعَبَّادًا، وَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ: لَتَقْدَمَنَّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ لأَقْتُلَنَّ بَنِيكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: لَسْتُ بَارِحًا مِنْ مَكَانِي الَّذِي أَنَا بِهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِكَ، فَإِنْ قَتَلْتَ مَنْ فِي يَدَيْكَ مِنْ وَلَدِي فَالْمَصِيرُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ وَرَائِنَا وَوَرَائِكُمُ الْحِسَابُ، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» فَهَمَّ بِقَتْلِهِمْ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَخَذْتَ وَلَدِي وَوَلَدَ أَخِي غِلْمَانًا بِلا ذَنْبٍ، وَقَدْ صَالَحَ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَمَانِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ حَيْثُ كَانُوا، فَلَيْسَ لَكَ عَلَى هَؤُلاءِ وَلا عَلَى أَبِيهِمْ سَبِيلٌ، قَالَ: إِنَّ عَلَى أَخِيكَ أَمْوَالا قَدْ أَخَذَهَا فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا، قَالَ: مَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَاكْفُفْ

стр. 2630

عَنْ بَنِي أَخِي حَتَّى آتِيكَ بِكِتَابٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِتَخْلِيَتِهِمْ فَأَجِّلْهُ أَيَّامًا، قَالَ لَهُ: إِنْ أَتَيْتَنِي بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ بِتَخْلِيَتِهِمْ وَإِلا قَتَلْتُهُمْ أَوْ يُقْبِلُ زِيَادٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَأَتَى أَبُو بَكْرَةَ مُعَاوِيَةَ فَكَلَّمَهُ فِي زِيَادٍ وَبَنِيهِ، وكتب معاويه الى بسر بالكف عنه وَتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، فَخَلاهُمْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شَيْخٌ مِنْ ثَقِيفٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا بَكْرَةَ، أَزَائِرًا جِئْتَ أَمْ دَعَتْكَ إِلَيْنَا حَاجَةٌ؟ قَالَ: لا أَقُولُ بَاطِلا، مَا أَتَيْتُ إِلا فِي حَاجَةٍ! قَالَ: تَشَفَّعْ يَا أَبَا بَكْرَةَ وَنَرَى لَكَ بِذَلِكَ فضلا، وأنت لذلك أَهْلٌ، فَمَا هُوَ؟ قَالَ: تُؤَمِّنُ أَخِي زِيَادًا، وَتَكْتُبُ إِلَى بُسْرٍ بِتَخْلِيَةِ وَلَدِهِ وَبِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، فَقَالَ: أَمَّا بَنُو زِيَادٍ فَنَكْتُبُ لَكَ فِيهِمْ مَا سَأَلْتَ، وَأَمَّا زِيَادٌ فَفِي يَدِهِ مَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا أَدَّاهُ فَلا سَبِيلَ لَنَا عَلَيْهِ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلَيْسَ يَحْبِسُهُ عَنْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ لأَبِي بَكْرَةَ إِلَى بُسْرٍ أَلا يَتَعَرَّضَ لأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ زِيَادٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لأَبِي بَكْرَةَ: أَتَعْهَدُ إِلَيْنَا عَهْدًا يَا أَبَا بَكْرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَعْهَدُ إِلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَنْظُرَ لِنَفْسِكَ وَرَعِيَّتِكَ، وَتَعْمَلَ صَالِحًا فَإِنَّكَ قَدْ تَقَلَّدْتَ عَظِيمًا، خِلافَةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ لَكَ غَايَةً لا تَعْدُوهَا، وَمِنْ وَرَائِكَ طَالِبٌ حَثِيثٌ، فَأَوْشِكْ أَنْ تَبْلُغَ الْمَدَى، فَيَلْحَقَ الطَّالِبُ، فَتَصِيرَ إِلَى مَنْ يَسْأَلُكَ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، وَإِنَّمَا هِيَ مُحَاسَبَةٌ وَتَوْقِيفٌ، فَلا تؤثرن على رضا اللَّهِ شَيْئًا. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: كَتَبَ بُسْرٌ إِلَى زِيَادٍ: لَئِنْ لَمْ تُقْدِمْ لأَصْلُبَنَّ بَنِيكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ تَفْعَلْ فَأَهْلُ ذلك أَنْتَ، إِنَّمَا بَعَثَ بِكَ ابْنُ آكِلَةِ الأَكْبَادِ فَرَكِبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطُوكَ بَيْعَتَهُمْ عَلَى قَتْلِ الأَطْفَال، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا بَكْرَةَ؟ قَالَ: بُسْرٌ يُرِيدُ قَتْلَ أَوْلادِ زِيَادٍ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى

стр. 2631

بُسْرٍ: أَنْ خَلِّ مَنْ بِيَدِكَ مِنْ وَلَدِ زِيَادٍ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ كَتَبَ إِلَى زِيَادٍ بعد قتل على ع يتوعده. فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي، عَنْ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ حِينَ قُتِلَ عَلِيٌّ ع إِلَى زِيَادٍ يَتَهَدَّدُهُ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: الْعَجَبُ مِنَ ابْنِ آكِلَةِ الأَكْبَادِ، وَكَهْفِ النِّفَاقِ، وَرَئِيسِ الأحزاب، كَتَبَ إِلَيَّ يَتَهَدَّدُنِي وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ابْنَا عَمِّ رسول الله ص- يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ- فِي تِسْعِينَ أَلْفًا، وَاضِعِي سُيُوفِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، لا يَنْثَنُونَ، لَئِنْ خَلَصَ إِلَيَّ الأَمْرُ لَيَجِدُنِي أَحْمَزَ ضَرَّابًا بِالسَّيْفِ فَلَمْ يَزَلْ زِيَادٌ بِفَارِسَ وَالِيًا حتى صالح الحسن ع مُعَاوِيَةَ، وَقَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ، فَتَحَصَّنَ زِيَادٌ فِي القلعة التي يقال لها قلعه زياد . ولايه عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ الْبَصْرَةَ وَحَرْبُ سِجِسْتَانَ وخراسان وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ الْبَصْرَةَ وَحَرْبُ سِجِسْتَانَ وَخُرَاسَانَ. ذكر الخبر عن سبب ولاية ذَلِكَ وبعض الكائن فِي أيام عمله لمعاوية بِهَا: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: أراد مُعَاوِيَة توجيه عتبة. ابن أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْبَصْرَة، فكلمه ابن عَامِر وَقَالَ: إن لي بِهَا أموالا وودائع، فإن لم توجهني عَلَيْهَا ذهبت فولاه الْبَصْرَة، فقدمها فِي آخر سنة إحدى وأربعين وإليه خُرَاسَان وسجستان، فأراد زَيْد بن جبلة عَلَى ولاية شرطته فأبى، فولى حبيب بن شهاب الشامي شرطته- وقد قيل: قيس ابن الهيثم السلمي- واستقضى عميرة بن يثربي الضبي، أخا عَمْرو بن يثربي الضبي. حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: خرج فِي ولاية

стр. 2632

ابن عامر لمعاوية يزيد مالك الباهلي، وَهُوَ الخطيم- وإنما سمي الخطيم لضربة أصابته عَلَى وجهه- فخرج هُوَ وسهم بن غالب الهجيمي فأصبحوا عِنْدَ الجسر، فوجدوا عبادة بن قرص اللَّيْثِيّ أحد بني بجير- وكانت لَهُ صحبة- يصلي عِنْدَ الجسر، فأنكروه فقتلوه، ثُمَّ سألوه الأمان بعد ذَلِكَ، فآمنهم ابن عامر، وكتب الى معاويه: قَدْ جعلت لَهُمْ ذمتك فكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة: تِلَكَ ذمة لو أخفرتها لا سئلت عنها، فلم يزالوا آمنين حَتَّى عزل ابن عَامِر. وفي هَذِهِ السنة ولد عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ- وقيل: ولد فِي سنة اربعين قبل ان يقتل على ع، وهذا قول الْوَاقِدِيّ. وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ فِي قول أبي معشر، حَدَّثَنِي بذلك أحمد بْن ثابت عمن حدثه، عن إِسْحَاق بن عِيسَى، عنه. وأما الْوَاقِدِيّ فإنه ذكر عنه أنه كَانَ يقول: حج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة- أعني سنة إحدى وأربعين- عنبسة بن أَبِي سُفْيَانَ

стр. 2633

ثُمَّ دخلت سنة اثنتين وأربعين (ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففيها غزا الْمُسْلِمُونَ اللان، وغزوا أَيْضًا الروم، فهزموهم هزيمة منكرة- فِيمَا ذكروا- وقتلوا جماعة من بطارقتهم. وقيل: في هذه السنه ولدا الحجاج بن يُوسُفَ. وولى مُعَاوِيَة فِي هَذِهِ السنة مَرْوَان بن الحكم الْمَدِينَة، فاستقضى مَرْوَان عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث بن نوفل وعلى مكة خَالِد بن الْعَاصِ بن هِشَام، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَة من قبله الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ، وعلى القضاء شريح، وعلى الْبَصْرَة عَبْد اللَّهِ بن عَامِر، وعلى قضائها عَمْرو بن يثربي، وعلى خُرَاسَان قيس بن الهيثم من قبل عَبْد اللَّهِ بن عَامِر. وذكر عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الفضل العبسي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بعث عَبْد اللَّهِ بن عَامِر قيس بن الهيثم عَلَى خُرَاسَان حين ولاه مُعَاوِيَة الْبَصْرَة وخراسان، فأقام قيس بخراسان سنتين. وَقَدْ قيل فِي أمر ولاية قيس مَا ذكره حمزة بن أبي صالح السلمي، عن زياد بن صالح، قَالَ: بعث مُعَاوِيَة حين استقامت له الأمور قيس ابن الهيثم إِلَى خُرَاسَان، ثُمَّ ضمها إِلَى ابن عامر، فترك قيسا عليها. ذكر الخبر عن تحرك الخوارج وفي هَذِهِ السنة تحركت الخوارج الَّذِينَ انحازوا عمن قتل مِنْهُمْ بالنهروان ومن كَانَ ارتث من جرحاهم بالنهروان، فبرءوا، وعفا عَنْهُمْ عَلِيّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

стр. 2634

ذكر الخبر عما كَانَ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ السنة: ذكر هِشَام بْن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، قال: حدثنى النضر بن صالح ابن حبيب، عن جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسي، عن أبيّ بن عمارة العبسي، أن حيان بن ظبيان السلمي كَانَ يرى رأي الخوارج، وَكَانَ ممن ارتث يوم النهروان، فعفا عنه على ع في الاربعمائه الَّذِينَ كَانَ عفا عَنْهُمْ من المرتثين يوم النهر، فكان فِي أهله وعشيرته، فلبث شهرا أو نحوه ثُمَّ إنه خرج إِلَى الري فِي رجال كَانُوا يرون ذَلِكَ الرأي، فلم يزالوا مقيمين بالري حَتَّى بلغهم قتل علي كرم اللَّه وجهه، فدعا أَصْحَابه أُولَئِكَ- وكانوا بضعة عشر رجلا، أحدهم سَالم بن رَبِيعَة العبسي- فأتوه، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الإخوان مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إنه قَدْ بلغني أن أخاكم ابن ملجم أخا مراد قعد لقتل عَلِيّ بن أبي طالب عِنْدَ أغباش الصبح مقابل السدة الَّتِي فِي المسجد مسجد الجماعة، فلم يبرح راكدا ينتظر خروجه حَتَّى خرج عَلَيْهِ حين أقام المقيم الصَّلاة صلاة الصبح، فشد عَلَيْهِ فضرب رأسه بالسيف، فلم يبق إلا ليلتين حَتَّى مات، فَقَالَ سَالم بن رَبِيعَة العبسي: لا يقطع اللَّه يمينا علت قذاله بالسيف، قَالَ: فأخذ القوم يحمدون الله على قتله ع ورضي اللَّه عنه وَلا رضي عَنْهُمْ وَلا رحمهم! قَالَ النضر بن صالح: فسألت بعد ذَلِكَ سَالم بن رَبِيعَة فِي إمارة مُصْعَب ابن الزبير عن قوله ذلك في على ع، فأقر لي بِهِ، وَقَالَ: كنت أَرَى رأيهم حينا، ولكن قَدْ تركته، قَالَ: فكان فِي أنفسنا أنه قَدْ تركه، قَالَ: فكان إذا ذكروا لَهُ ذَلِكَ يرمضه قَالَ: ثُمَّ إن حيان بن ظبيان قَالَ لأَصْحَابه: إنه وَاللَّهِ ما يبقى على الدهر باق، وما تلبث الليالي والأيام والسنون والشهور عَلَى ابن آدم حَتَّى تذيقه الموت، فيفارق الإخوان الصالحين، ويدع الدُّنْيَا الَّتِي لا يبكي عَلَيْهَا إلا العجزة، ولم تزل ضارة لمن كَانَتْ

стр. 2635

لَهُ هما وشجنا، فانصرفوا بنا رحمكم اللَّه إِلَى مصرنا، فلنأت إخواننا فلندعهم إِلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذر لنا فِي القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الَّذِينَ قتلوا إخواننا فِي المجالس آمنون، فإن يظفرنا اللَّه بهم نعمد بعد إِلَى الَّتِي هي أهدى وأرضى وأقوم، ويشفي اللَّه بِذَلِكَ صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فإن فِي مفارقة الظالمين راحة لنا، ولنا بأسلافنا أسوة فَقَالُوا لَهُ: كلنا قائل مَا ذكرت، وحامد رأيك الَّذِي رأيت، فرد بنا المصر فإنا معك راضون بهداك وأمرك، فخرج وخرجوا مَعَهُ مقبلين إِلَى الْكُوفَةِ، فذلك حين يقول: خليلي مَا بي من عزاء وَلا صبر ... وَلا إربة بعد المصابين بالنهر سوى نهضات فِي كتائب جمة ... إِلَى اللَّهِ مَا تدعو وفي اللَّه مَا تفري إذا جاوزت قسطانة الري بغلتي ... فلست بسار نحوها آخر الدهر ولكنني سار وإن قل ناصري ... قريبا فلا أخزيكما مع من يسري قَالَ: وأقبل حَتَّى نزل الْكُوفَة، فلم يزل بِهَا حَتَّى قدم مُعَاوِيَة، وبعث الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ واليا عَلَى الْكُوفَة، فأحب العافية، وأحسن فِي الناس السيرة، ولم يفتش أهل الأهواء عن أهوائهم، وَكَانَ يؤتى فيقال لَهُ: إن فلانا يرى رأي الشيعة، وإن فلانا يرى رأي الخوارج وَكَانَ يقول: قضى اللَّه أَلا تزالون مختلفين، وسيحكم اللَّه بين عباده فِيمَا كَانُوا فِيهِ يختلفون فأمنه الناس، وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان ويرون أن فِي الإقامة الغبن والوكف، وأن فِي جهاد أهل القبلة الفضل والأجر. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي النضر بن صالح، عن أبي بن عمارة، أن الخوارج فِي أيام الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ فزعوا إِلَى ثلاثة نفر، مِنْهُمُ المستورد بن علفة، فخرج فِي ثلاثة رجل مقبلا نحو جرجرايا عَلَى شاطئ دجلة. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي جَعْفَر بن حُذَيْفَة الطَّائِيّ من آل عَامِر بن

стр. 2636

جوين، عن المحل بن خليفة، أن الخوارج فِي أيام الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ فزعوا إِلَى ثلاثة نفر، منهم المستورد بن علفه التميمى من تيم الرباب، وإلى حيان بن ظبيان السلمي، وإلى معاذ بن جوين بن حصين الطَّائِيّ السنبسي- وَهُوَ ابن عم زَيْد بن حصين، وكان زيد ممن قتله على ع يوم النهروان، وَكَانَ معاذ بن جوين هَذَا في الاربعمائه الذين ارتثوا من قتلى الخوارج، فعفا عنهم على ع- فاجتمعوا فِي منزل حيان بن ظبيان السلمي، فتشاوروا فيمن يولون عَلَيْهِم قَالَ: فَقَالَ لَهُمُ المستورد: يا أيها الْمُسْلِمُونَ والمؤمنون، أراكم اللَّه مَا تحبون، وعزل عنكم مَا تكرهون، ولوا عليكم من احببتم، فو الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور مَا أبالي من كَانَ الوالي علي مِنْكُمْ! وما شرف الدُّنْيَا نريد، وما إِلَى البقاء فِيهَا من سبيل، وما نريد إلا الخلود فِي دار الخلود فَقَالَ حيان بن ظبيان: أما أنا فلا حاجة لي فِيهَا وأنا بك وبكل امرئ من إخواني راض، فانظروا من شئتم مِنْكُمْ فسموه، فأنا أول من يبايعه فَقَالَ لَهُمْ معاذ بن جوين بن حصين: إذا قلتما أنتما هَذَا وأنتما سيدا الْمُسْلِمِينَ وذوا أنسابهم فِي صلاحكما ودينكما وقدركما، فمن يرئس الْمُسْلِمِينَ، وليس كلكم يصلح لهذا الأمر! وإنما ينبغي أن يلي عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذا كَانُوا سواء فِي الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقههم فِي الدين، وأشدهم اضطلاعا بِمَا حمل، وأنتما بحمد الله ممن يرضى بهذا الأمر، فليتوله أحدكما قَالا: فتوله أنت، فقد رضيناك، فأنت والحمد لِلَّهِ الكامل فِي دينك ورأيك، فَقَالَ لهما: أنتما أسن مني، فليتوله أحدكما، فَقَالَ حينئذ جماعة من حضرهما من الخوارج: قَدْ رضينا بكم أيها الثلاثة، فولوا أيكم أحببتم، فليس فِي الثلاثة رجل إلا قَالَ لصاحبه: تولها أنت، فإني بك راض، وإني فِيهَا غير ذي رغبة. فلما كثر ذَلِكَ بينهم قَالَ حيان بن ظبيان، فإن معاذ بن جوين قَالَ: إني لا ألي عَلَيْكُمَا وأنتما أسن مني، وأنا أقول لك مثل مَا قَالَ لي ولك، لا ألي عَلَيْك وأنت أسن مني، ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه، ثُمَّ بايعه معاذ بن جوين، ثُمَّ بايعه القوم جميعا، وَذَلِكَ فِي جمادى الآخرة فاتعد القوم أن يتجهزوا ويتيسروا ويستعدوا، ثُمَّ يخرجوا فِي غرة الهلال هلال

стр. 2637

شعبان سنة ثلاث وأربعين، فكانوا فِي جهازهم وعدتهم. وقيل: فِي هَذِهِ السنة سار بسر بن أبي أرطاة العامري إِلَى الْمَدِينَة ومكة واليمن، وقتل من قتله فِي مسيره ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ قول الْوَاقِدِيّ، وَقَدْ ذكرت من خالفه فِي وقت مسيره هَذَا السير. وزعم الْوَاقِدِيّ أن دَاوُد بن حيان حدثه، عن عطاء بن أبي مَرْوَان، قَالَ: أقام بسر بن أبي أرطأة بِالْمَدِينَةِ شهرا يستعرض الناس، ليس أحد ممن يقال هَذَا أعان عَلَى عُثْمَانَ إلا قتله. وَقَالَ عطاء بن أبي مَرْوَان: أَخْبَرَنِي حنظلة بن علي الأسلمي، قال: وجد قوما من بنى كعب وغلمانهم على بئر لهم فالقاهم في البئر ذكر قدوم زياد على معاويه وفي هَذِهِ السنة قدم زياد- فِيمَا حَدَّثَنِي عُمَرُ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عن سُلَيْمَان بن أَرْقَمَ، قدم عَلَى مُعَاوِيَة من فارس، فصالحه عَلَى مال يحمله إِلَيْهِ. وَكَانَ سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس، مَا حَدَّثَنِي عمر قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عن مسلمة بن محارب، قَالَ: كَانَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة يلي مَا كَانَ لزياد بِالْبَصْرَةِ، فبلغ مُعَاوِيَة أن لزياد أموالا عِنْدَ عبد الرَّحْمَن، وخاف زياد عَلَى أشياء كَانَتْ فِي يد عبد الرَّحْمَن لزياد، فكتب إِلَيْهِ يأمره بإحرازها، وبعث مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ لينظر فِي أموال زياد، فقدم الْمُغِيرَة، فأخذ عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ أساء إلي أبوك لقد أحسن زياد وكتب إِلَى مُعَاوِيَةَ: إني لم أصب فِي يد عبد الرَّحْمَن شَيْئًا يحل لي أخذه فكتب مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغِيرَة أن عذبه قَالَ: وَقَالَ بعض المشيخة: إنه عذب عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة إذ كتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة، وأراد أن يعذر ويبلغ مُعَاوِيَة ذَلِكَ، فَقَالَ: احتفظ بِمَا أمرك بِهِ عمك، فألقى عَلَى وجهه حريرة ونضحها بالماء، فكانت تلتزق بوجهه، فغشي عَلَيْهِ، ففعل ذَلِكَ

стр. 2638

ثلاث مرات، ثُمَّ خلاه، وكتب إِلَى مُعَاوِيَةَ: إني عذبته، فلم أصب عنده شَيْئًا، فحفظ لزياد يده عنده. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالُوا: دَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهِ. إِنَّمَا مَوْضِعُ سِرِّ الْمَرْءِ إِنْ ... بَاحَ بِالسِّرِّ أَخُوهُ لَمُنْتَصِحْ فَإِذَا بُحْتَ بِسِرٍّ فَإِلَى ... نَاصِحٍ يَسْتُرْهُ أَوْ لا تَبُحْ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ تَسْتَوْدِعْنِي تَسْتَوْدِعْ نَاصِحًا شَفِيقًا وَرِعًا وَثِيقًا، فَمَا ذَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ زِيَادًا وَاعْتِصَامَهُ بِأَرْضِ فَارِسٍ، وَامْتِنَاعَهُ بِهَا، فَلَمْ أَنَمْ لَيْلَتِي، فَأَرَادَ الْمُغِيرَةُ أَنْ يُطَأْطِئَ مِنْ زِيَادٍ، فَقَالَ: مَا زِيَادٌ هُنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ معاويه: بئس الوطء الْعَجْزَ، دَاهِيَةُ الْعَرَبِ مَعَهُ الأَمْوَالُ، مُتَحَصِّنٌ بِقِلاعِ فَارِسَ، يُدْبِرُ وَيُرَبِّصُ الْحِيَلَ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يُبَايِعَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَعَادَ عَلَيَّ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَتَأْذَنُ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي اتيانه؟ قال: نعم، فاته وتلطف لَهُ، فَأَتَى الْمُغِيرَةُ زِيَادًا، فَقَالَ زِيَادٌ حِينَ بَلَغَهُ قُدُومُ الْمُغِيرَةَ: مَا قَدِمَ إِلا لأَمْرٍ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَهْوٍ لَهُ مُسْتَقْبِلٌ الشَّمْسَ، فَقَالَ زِيَادٌ: أَفْلَحَ رَائِدٌ! فَقَالَ: إِلَيْكَ يَنْتَهِي الْخَبَرُ أَبَا الْمُغِيرَةِ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَخَفَّهُ الْوَجَلُ حَتَّى بَعَثَنِي إِلَيْكَ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَحَدًا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى هَذَا الأَمْرِ غَيْرَ الْحَسَنِ، وَقَدْ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ، فخذ لنفسك قبل التوطين، فيستغنى عنك معاويه، قَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ، وَارْمِ الْغَرَضَ الأَقْصَى، وَدَعْ عَنْكَ الْفُضُولَ، فَإِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: فِي مَحْضِ الرَّأْيِ بَشَاعَةٌ، وَلا خَيْرَ فِي الْمَذِيقِ، أَرَى أَنْ تَصِلَ حَبْلَكَ بِحَبْلِهِ، وَتَشْخَصَ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَى وَيَقْضِي اللَّهُ. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، قال:

стр. 2639

أَقَامَ زِيَادٌ فِي الْقَلْعَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فكتب اليه معاويه: علام تهلك نفسك؟ إِلَيَّ فَأَعْلِمْنِي عِلْمَ مَا صَارَ إِلَيْكَ مِمَّا اجْتَبَيْتَ مِنَ الأَمْوَالِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ يَدَيْكَ، وَمَا بَقِيَ عِنْدَكَ، وَأَنْتَ آمِنٌ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ الْمُقَامَ عِنْدَنَا أَقَمْتَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَرْجِعَ الى ما منك رَجَعْتَ فَخَرَجَ زِيَادٌ مِنْ فَارِسَ، وَبَلَغَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَنَّ زِيَادًا قَدْ أَجْمَعَ عَلَى إِتْيَانِ مُعَاوِيَةَ، فَشَخَصَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ قَبْلَ شُخُوصِ زِيَادٍ مِنْ فَارِسَ، وَأَخَذَ زِيَادٌ مِنْ اصطخر الى ارجان، فاتى ماه بهزاذان، ثُمَّ أَخَذَ طَرِيقَ حُلْوَانَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدَائِنَ، فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ بِقُدُومِ زِيَادٍ، ثُمَّ قَدِمَ زِيَادٌ الشَّامَ، وَقَدِمَ الْمُغِيرَةُ بَعْدَ شَهْرٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا مُغِيرَةُ، زِيَادٌ أَبْعَدُ مِنْكَ بِمَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَخَرَجْتَ قَبْلَهُ وَسَبَقَكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الأَرِيبَ إِذَا كَلَّمَ الأَرِيبَ أَفْحَمَهُ، قَالَ: خُذْ حِذْرَكَ، واطو عنى سرك، فقال: ان زيادا قدم يَرْجُو الزِّيَادَةَ، وَقَدِمْتُ أَتَخَوَّفُ النُّقْصَانَ، فَكَانَ سَيْرُنَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ زِيَادًا عَمَّا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ فَارِسَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا حَمَلَ مِنْهَا إِلَى عَلِيٍّ ﵁، وَمَا أَنْفَقَ مِنْهَا فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى النَّفَقَةِ، فَصَدَّقَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى مَا أَنْفَقَ، وَمَا بَقِيَ عِنْدَهُ، وَقَبَضَهُ مِنْهُ، وَقَالَ: قَدْ كُنْتَ أَمِينَ خُلَفَائِنَا. حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِخْنَفٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَصْبَهَانِيُّ وَسَلَمَةُ بْنُ عُثْمَانَ وَشَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ وَهُوَ بِفَارِسَ يَسْأَلَهُ الْقُدُومَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ زِيَادٌ مِنْ فَارِسَ مَعَ الْمِنْجَابِ بْنِ رَاشِدٍ الضَّبِّيِّ وَحَارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الْغُدَانِيِّ، وَسَرَّحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى فَارِسَ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ تَلْقَى زِيَادًا فِي طَرِيقِكَ فَتَأْخُذُهُ فَسَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى فَارِسَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقِيَهُ بِسُوقِ الأَهْوَازِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقِيَهُ بِأَرَّجَانَ، فَأَخَذَ ابْنُ خَازِمٍ بِعِنَانِ زِيَادٍ، فَقَالَ: انْزِلْ يَا زِيَادُ، فصاح به المنجاب بن راشد: تنح يا بن سَوْدَاءَ، وَإِلا عَلَّقْتُ يَدَكَ بِالْعِنَانِ قَالَ: وَيُقَالُ: انْتَهَى إِلَيْهِمُ ابْنُ خَازِمٍ وَزِيَادٌ

стр. 2640

جَالِسٌ، فَأَغْلَظَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ، فَشَتَمَ الْمِنْجَابُ بْنُ خَازِمٍ، فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: مَا تُرِيدُ يا بن خَازِمٍ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَجِيءَ إِلَى الْبَصْرَةِ، قَالَ: فَإِنِّي آتِيهَا، فَانْصَرَفَ ابْنُ خَازِمٍ اسْتِحْيَاءً مِنْ زِيَادٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْتَقَى زِيَادٌ وَابْنُ خَازِمٍ بِأَرَّجَانَ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ مُنَازَعَةٌ، فَقَالَ زِيَادٌ لابْنِ خَازِمٍ قَدْ أَتَانِي أَمَانُ مُعَاوِيَةَ، فَأَنَا أُرِيدُهُ، وَهَذَا كِتَابُهُ إِلَيَّ. قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلا سَبِيلَ عَلَيْكَ، فمضى ابن خازم إِلَى سابور، ومضى زياد إِلَى ماه بهزاذان، وقدم عَلَى مُعَاوِيَة، فسأله عن أموال فارس، فَقَالَ: دفعتها يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أرزاق وأعطيات وحمالات، وبقيت بقية أودعتها قوما، فمكث بِذَلِكَ يردده، وكتب زياد كتبا إِلَى قوم مِنْهُمْ شعبة بن القلعم: قَدْ علمتم مَا لي عندكم من الأمانة، فتدبروا كتاب اللَّهُ ، «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ» الآية، فاحتفظوا بِمَا قبلكم وسمى فِي الكتب بالمبلغ الَّذِي اقربه لمعاوية، ودس الكتب مع رسوله، وأمره أن يعرض لبعض من يبلغ ذَلِكَ مُعَاوِيَة، فتعرض رسوله حَتَّى انتشر ذَلِكَ، وأخذ فأتي بِهِ مُعَاوِيَة، فَقَالَ مُعَاوِيَة لزياد: لَئِنْ لم تكن مكرت بي إن هَذِهِ الكتب من حاجتي فقرأها، فإذا هي بمثل مَا أقر بِهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَة: أخاف أن تكون قَدْ مكرت بي، فصالحني عَلَى مَا شئت، فصالحه عَلَى شَيْء مما ذكره إنه عنده، فحمله، وَقَالَ زياد: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ كَانَ لي مال قبل الولاية، فوددت أن ذَلِكَ المال بقي، وذهب مَا أخذت من الولاية ثُمَّ سأل زياد مُعَاوِيَة أن يأذن لَهُ فِي نزول الْكُوفَة فأذن لَهُ، فشخص إِلَى الْكُوفَةِ، فكان الْمُغِيرَة يكرمه ويعظمه، فكتب مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغِيرَة: خذ زيادا وسُلَيْمَان بن صرد وحجر بن عدي وشبث بن ربعي وابن الكواء وعمرو بن الحمق بالصلاة فِي الجماعة، فكانوا يحضرون مَعَهُ فِي الصَّلاة. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عن سُلَيْمَان بن أَرْقَمَ، قَالَ: بلغني أن زيادا قدم الْكُوفَة، فحضرت الصَّلاة، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَة: تقدم

стр. 2641

فصل، فَقَالَ: لا أفعل، أنت أحق مني بالصلاة فِي سلطانك قَالَ: ودخل عَلَيْهِ زياد وعند الْمُغِيرَة أم أيوب بنت عمارة بن عُقْبَةَ بن أبي معيط، فأجلسها بين يديه، وقال: لا تسترى من أَبِي الْمُغِيرَةِ، فلما مات الْمُغِيرَة تزوجها زياد وَهِيَ حدثة، فكان زياد يأمر بفيل كَانَ عنده، فيوقف، فتنظر إِلَيْهِ أم أيوب، فسمي باب الفيل. وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عنبسة بن أَبِي سُفْيَانَ، كذلك حَدَّثَنِي أحمد بْن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عِيسَى، عن أبي معشر

стр. 2642

ثُمَّ دخلت سنة ثلاث وأربعين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذَلِكَ غزوة بسر بن أبي أرطاة الروم ومشتاه بأرضهم حَتَّى بلغ القسطنطينية- فِيمَا زعم الْوَاقِدِيّ- وَقَدْ أنكر ذاك قوم من أهل الأخبار، فَقَالُوا: لَمْ يَكُنْ لبسر بأرض الروم مشتى قط. وفيها مات عَمْرو بن الْعَاصِ بمصر يوم الفطر، وقبل كَانَ عمل عَلَيْهَا لعمر ابن الْخَطَّابِ ﵁ أربع سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهرا. وفيها ولى مُعَاوِيَة، عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو بن الْعَاصِ مصر بعد موت أَبِيهِ، فوليها لَهُ- فِيمَا زعم الْوَاقِدِيّ- نحوا من سنتين وفيها مات مُحَمَّد بن مسلمة فِي صفر بِالْمَدِينَةِ، وصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم. خبر قتل المستورد بن علفه الخارجي وفيها قتل المستورد بن علفة الخارجي، فِيمَا زعم هِشَام بن مُحَمَّدٍ وَقَدْ زعم بعضهم أنه قتل فِي سنة اثنتين وأربعين. ذكر الخبر عن مقتله: قَدْ ذكرنا مَا كَانَ من اجتماع بقايا الخوارج الَّذِينَ كَانُوا ارتثوا يوم النهر، ومن كَانَ مِنْهُمُ انحاز إِلَى الري وغيرهم إِلَى النفر الثلاثة الَّذِينَ سميت قبل، الَّذِينَ أحدهم المستورد بن علفة، وذكرنا بيعتهم المستورد، واجتماعهم عَلَى الخروج فِي غرة هلال شعبان من سنة ثلاث وأربعين. فذكر هِشَام، عن أبي مخنف، أن جَعْفَر بن حُذَيْفَة الطَّائِيّ حدثه عن المحل بن خليفة، أن قبيصة بن الدمون أتى الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ- وَكَانَ عَلَى شرطته- فَقَالَ: إن شمر بن جعونة الكلابي جاءني فخبرني أن الخوارج قَدِ اجتمعوا فِي منزل حيان بن ظبيان السلمي، وَقَدِ اتعدوا أن يخرجوا إليك

стр. 2643

فِي غرة شعبان، فَقَالَ الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ لقبيصة بن الدمون- وَهُوَ حليف لثقيف، وزعموا أن أصله كَانَ من حضرموت من الصدف: سر بالشرطة حَتَّى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني بِهِ، وهم لا يرون إلا أنه أَمِير تِلَكَ الخوارج فسار قبيصة فِي الشرطة وفي كثير مِنَ النَّاسِ، فلم يشعر حيان بن ظبيان إلا والرجال مَعَهُ فِي داره نصف النهار، وإذا مَعَهُ معاذ بن جوين ونحو من عشرين رجلا من أَصْحَابهما، وثارت امرأته، أم ولد لَهُ، فأخذت سيوفا كَانَتْ لَهُمْ، فألقتها تحت الفراش، وفزع بعض القوم إِلَى سيوفهم فلم يجدوها، فاستسلموا، فانطلق بهم الى المغيره ابن شُعْبَةَ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُغِيرَة: مَا حملكم عَلَى مَا أردتم من شق عصا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالُوا: مَا أردنا من ذَلِكَ شَيْئًا، قَالَ: بلى، قَدْ بلغني ذَلِكَ عنكم، ثُمَّ قَدْ صدق ذَلِكَ عندي جماعتكم، قَالُوا لَهُ: أما اجتماعنا في هذا المنزل فان حيان ابن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده فِي منزله فنقرأ القرآن عَلَيْهِ. فَقَالَ: اذهبوا بهم إِلَى السجن، فلم يزالوا فِيهِ نحوا من سنة، وسمع إخوانهم بأخذهم فحذروا، وخرج صاحبهم المستورد بن علفة فنزل دارا بالحيرة إِلَى جنب قصر العدسيين من كلب، فبعث إِلَى إخوانه، وكانوا يختلفون إِلَيْهِ ويتجهزون، فلما كثر اختلاف أَصْحَابه إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ صاحبهم المستورد بن علفة التيمي: تحولوا بنا عن هَذَا المكان، فإني لا آمن أن يُطَّلَعَ عَلَيْكُمْ فإنهم فِي ذَلِكَ يقول بعضهم لبعض: نأتي مكان كذا وكذا، ويقول بعضهم: نأتي مكان كذا وكذا، إذ أشرف عَلَيْهِم حجار بن أبجر من دار كَانَ هُوَ فِيهَا وطائفة من أهله، فإذا هم بفارسين قَدْ أقبلا حَتَّى دخلا تِلَكَ الدار الَّتِي فِيهَا القوم، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بأسرع من أن جَاءَ آخران فدخلا، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إلا قليل حَتَّى جَاءَ آخر فدخل، ثُمَّ آخر فدخل، وَكَانَ ذَلِكَ يعنيه، وَكَانَ خروجهم قَدِ اقترب، فَقَالَ حجار لصاحبة الدار الَّتِي كَانَ فِيهَا نازلا وَهِيَ ترضع صبيا لها: ويحك! مَا هَذِهِ الخيل الَّتِي أراها تدخل هَذِهِ الدار؟ قالت: والله

стр. 2644

مَا أدري مَا هم! إلا أن الرجال يختلفون إِلَى هَذِهِ الدار رجالا وفرسانا لا ينقطعون، وَلَقَدْ أنكرنا ذَلِكَ منذ أيام، وَلا ندري من هم! فركب حجار فرسه، وخرج مَعَهُ غلام لَهُ، فأقبل حَتَّى انتهى إِلَى باب دارهم، فإذا عَلَيْهِ رجل مِنْهُمْ، فكلما أتى إنسان مِنْهُمْ إِلَى الباب دخل إِلَى صاحبه فأعلمه، فأذن لَهُ، فإن جاءه رجل من معروفيهم دخل ولم يستأذن، فلما انتهى إِلَيْهِ حجار لم يعرفه الرجل، فَقَالَ: من أنت رحمك اللَّه؟ وما تريد؟ قَالَ: أردت لقاء صاحبي، قَالَ لَهُ: وما اسمك؟ قَالَ لَهُ: حجار بن أبجر، قَالَ: فكما أنت حَتَّى أوذنهم بك ثُمَّ أخرج إليك فَقَالَ لَهُ حجار: ادخل راشدا! فدخل الرجل، واتبعه حجار مسرعا، فانتهى إِلَى باب صفة عظيمة هم فِيهَا، وَقَدْ دخل إِلَيْهِم الرجل فَقَالَ: هَذَا رجل يستأذن عَلَيْك أنكرته فقلت لَهُ: من أنت؟ فَقَالَ: أنا حجار بن أبجر، فسمعهم يتفزعون ويقولون: حجار بن أبجر! وَاللَّهِ مَا جَاءَ حجار بن أبجر بخير فلما سمع القول مِنْهُمْ أراد أن ينصرف ويكتفي بِذَلِكَ من الاسترابة بأمرهم، ثُمَّ أبت نفسه أن ينصرف حَتَّى يعاينهم، فتقدم حَتَّى قام بين سجفي باب الصفة وَقَالَ: السلام عَلَيْكُمْ، فنظر فإذا هُوَ بجماعة كثيرة، وإذا سلاح ظاهر ودروع، فَقَالَ حجار: اللَّهُمَّ اجمعهم عَلَى خير، من أنتم عافاكم اللَّه؟ فعرفه عَلِيّ بن ابى شمر ابن الحصين، من تيم الرباب- وَكَانَ أحد الثمانية الَّذِينَ انهزموا من الخوارج يوم النهر، وَكَانَ من فرسان العرب ونساكهم وخيارهم- فَقَالَ لَهُ: يا حجار ابن أبجر، إن كنت إنما جَاءَ بك التماس الخبر فقد وجدته، وإن كنت إنما جَاءَ بك أمر غير ذَلِكَ فادخل، وأخبرنا مَا أتى بك، فَقَالَ: لا حاجة لي فِي الدخول، فانصرف، فَقَالَ بعضهم لبعض: أدركوا هَذَا فاحبسوه، فإنه مؤذن بكم، فخرجت مِنْهُمْ جماعة فِي إثره- وَذَلِكَ عِنْدَ تطفيل الشمس للإياب- فانتهوا إِلَيْهِ وَقَدْ ركب فرسه، فَقَالُوا لَهُ: أَخْبِرْنَا خبرك، وما جَاءَ بك؟ قَالَ: لم آت لشيء يروعكم وَلا يهولكم، فَقَالُوا لَهُ: انتظر حَتَّى ندنو مِنْكَ ونكلمك، أو تدنو منا، أَخْبِرْنَا فنعلمك أمرنا، ونذكر حاجتنا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا أنا بدان مِنْكُمْ، وَلا أريد أن يدنو مني مِنْكُمْ أحد، فَقَالَ لَهُ

стр. 2645

عَلِيّ بن أبي شمر بن الحصين: أفمؤمننا أنت من الإذن بنا هَذِهِ الليلة وأنت محسن، فإن لنا قرابة وحقا؟ قَالَ: نعم، أنتم آمنون من قبلي هَذِهِ الليلة وليالي الدهر كلها، ثُمَّ انطلق حَتَّى دخل الْكُوفَة وأدخل أهله مَعَهُ وَقَالَ الآخرون بعضهم لبعض: إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هَذَا، فأخرجوا بنا من هَذَا الموضع ساعتنا هَذِهِ، قَالَ: فصلوا المغرب، ثُمَّ خرجوا من الحيرة متفرقين، فَقَالَ لَهُمْ صاحبهم: الحقوا بي فِي دار سليم بن محدوج العبدي من بني سلمة، فخرج من الحيرة، فمضى حَتَّى أتى عبد القيس، فأتى بني سلمة، فبعث إِلَى سليم بن محدوج- وَكَانَ لَهُ صهرا- فأتاه، فأدخله وأَصْحَابا لَهُ خمسة أو ستة، ورجع حجار بن أبجر إِلَى رحله، فأخذوا ينتظرون مِنْهُ أن يبلغهم مِنْهُ ذكر لَهُمْ عِنْدَ السلطان أو الناس، فما ذكرهم عِنْدَ أحد مِنْهُمْ، وَلا بلغهم عنه فِي ذَلِكَ شَيْء يكرهونه فبلغ الخبر الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ أن الخوارج خارجة عَلَيْهِ فِي أيامه تِلَكَ، وأنهم قَدِ اجتمعوا عَلَى رجل مِنْهُمْ، فقام الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ فِي الناس، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فقد علمتم أَيُّهَا النَّاسُ أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية، وأكف عنكم الأذى، وإني وَاللَّهِ لقد خشيت أن يكون ذَلِكَ أدب سوء لسفهائكم، فأما الحلماء الأتقياء فلا، وايم اللَّه لقد خشيت الا أجد بدا من أن يعصب الحليم التقي بذنب السفيه الجاهل، فكفوا أَيُّهَا النَّاسُ سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم وَقَدْ ذكر لي أن رجالا مِنْكُمْ يريدون أن يظهروا فِي المصر بالشقاق والخلاف، وايم اللَّه لا يخرجون فِي حي من أحياء العرب فِي هَذَا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم، فنظر قوم لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هَذَا المقام إرادة الحجة والإعذار. فقام إِلَيْهِ معقل بن قيس الرياحي فَقَالَ: أيها الأمير، هل سمي لك أحد من هَؤُلاءِ القوم؟ فإن كَانُوا سموا لك فأعلمنا من هم؟ فإن كَانُوا منا كفيناكهم، وإن كَانُوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل

стр. 2646

مصرنا، فأتتك كل قبيلة بسفهائها، فَقَالَ: مَا سمي لي أحد مِنْهُمْ، ولكن قَدْ قيل لي: إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر، فَقَالَ لَهُ معقل: أصلحك اللَّه! فإني أسير فِي قومي، وأكفيك مَا هم فِيهِ، فليكفك كل امرئ من الرؤساء قومه فنزل الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ، وبعث إِلَى رؤساء الناس فدعاهم، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إنه قَدْ كَانَ من الأمر مَا قَدْ علمتم، وَقَدْ قلت مَا قَدْ سمعتم، فليكفني كل امرئ من الرؤساء قومه، والا فو الذى لا اله الا غيره لا تحولن عما كنتم تعرفون إِلَى مَا تنكرون، وعما تحبون إِلَى مَا تكرهون، فلا يلم لائم إلا نفسه، وَقَدْ أعذر من أنذر فخرجت الرؤساء إِلَى عشائرهم، فناشدوهم اللَّه والإسلام إلا دلوهم عَلَى من يرون أنه يريد أن يهيج فتنة، أو يفارق جماعة، وجاء صعصعة بن صُوحَانَ فقام فِي عبد القيس. قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الأسود بن قيس العبدي، عن مرة بن النُّعْمَانِ، قَالَ: قام فينا صعصعة بن صُوحَانَ وَقَدْ وَاللَّهِ جاءه من الخبر بمنزل التيمي وأَصْحَابه فِي دار سليم بن محدوج، ولكنه كره عَلَى فراقه إياهم وبغضه لرأيهم، أن يؤخذوا فِي عشيرته، وكره مساءة أهل بيت من قومه، فَقَالَ: قولا حسنا، ونحن يَوْمَئِذٍ كثير أشرافنا، حسن عددنا، قَالَ: فقام فينا بعد مَا صلى العصر، فَقَالَ: يَا معشر عباد اللَّه، إن اللَّه- وله الحمد كثيرا- لما قسم الفضل بين الْمُسْلِمِينَ خصكم مِنْهُ بأحسن القسم، فأجبتم إِلَى دين اللَّه الَّذِي اختاره اللَّه لنفسه، وارتضاه لملائكته ورسله، ثُمَّ أقمتم عَلَيْهِ حتى قبض الله رسوله ص، ثُمَّ اختلف الناس بعده فثبتت طائفة، وارتدت طائفة، وأدهنت طائفة، وتربصت طائفة، فلزمتم دين اللَّه إيمانا بِهِ وبرسوله، وقاتلتم المرتدين حَتَّى قام الدين، وأهلك اللَّه الظالمين، فلم يزل اللَّه يزيدكم بِذَلِكَ خيرا فِي كل شَيْء، وعلى كل حال، حَتَّى اختلفت الأمة بينها، فَقَالَتْ طائفة: نريد طَلْحَة وَالزُّبَيْر وعائشة، وقالت طائفه:

стр. 2647

نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي، راسب الأزد، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل البيت الَّذِينَ ابتدأنا اللَّه من قبلهم بالكرامة، تسديدا من اللَّه لكم وتوفيقا، فلم تزالوا عَلَى الحق لازمين لَهُ، آخذين بِهِ، حَتَّى أهلك اللَّه بكم وبمن كَانَ عَلَى مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر- وسكت عن ذكر أهل الشام، لأن السلطان كَانَ حينئذ سلطانهم- وَلا قوم أعدى لِلَّهِ ولكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة الْمُسْلِمِينَ من هَذِهِ المارقة الخاطئة، الَّذِينَ فارقوا إمامنا، واستحلوا دماءنا، وشهدوا علينا بالكفر، فإياكم ان تووهم فِي دوركم، أو تكتموا عَلَيْهِم، فإنه ليس ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة مِنْكُمْ، وَقَدْ وَاللَّهِ ذكر لي أن بعضهم فِي جانب من الحي، وأنا باحث عن ذَلِكَ وسائل، فإن كَانَ حكي لي ذَلِكَ حقا تقربت إِلَى اللَّهِ تعالى بدمائهم، فإن دماءهم حلال ثُمَّ قَالَ: يَا معشر عبد القيس، إن ولاتنا هَؤُلاءِ هم أعرف شَيْء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لَهُمْ عَلَيْكُمْ سبيلا، فإنهم أسرع شَيْء إليكم وإلى أمثالكم ثُمَّ تنحى فجلس، فكل قومه قَالَ: لعنهم اللَّه! وَقَالَ: برئ اللَّه مِنْهُمْ، فلا وَاللَّهِ فلا نؤويهم، ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عَلَيْهِم، غير سليم بن محدوج، فإنه لم يقل شَيْئًا، فرجع إِلَى قومه كئيبا واجما، يكره أن يخرج أَصْحَابه من منزله فيلوموه، وَقَدْ كَانَتْ بينهم مصاهرة، وَكَانَ لَهُمْ ثقة، ويكره أن يطلبوا فِي داره فيهلكوا ويهلك وجاء فدخل رحله، وأقبل أَصْحَاب المستورد يأتونه، فليس مِنْهُمْ رجل إلا يخبره بِمَا قام بِهِ الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ فِي الناس وبما جاءهم رؤساؤهم، وقاموا فِيهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: اخرج بنا، فو الله مَا نأمن أن نؤخذ فِي عشائرنا قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: أما ترون رأس عبد القيس قام فِيهِمْ كما قامت رؤساء العشائر فِي عشائرهم؟ قالوا:

стр. 2648

بلى وَاللَّهِ نرى قَالَ: فإن صاحب منزلي لم يذكر لي شَيْئًا، قَالُوا: نرى وَاللَّهِ انه استحياء منك، فدعاه فأتاه، فقال: يا بن محدوج، إنه قَدْ بلغني أن رؤساء العشائر قاموا اليهم، وتقدموا إِلَيْهِم فِيَّ وفي أَصْحَابي، فهل قام فيكم أحد يذكر لكم شَيْئًا من ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: نعم، قَدْ قام فينا صعصعة ابن صوحان، فتقدم إلينا في الا نؤوي أحدا من طلبتهم، وَقَالُوا أقاويل كثيرة كرهت أن أذكرها لكم فتحسبوا أنه ثقل علي شَيْء من أمركم، فَقَالَ لَهُ المستورد: قَدْ أكرمت المثوى، وأحسنت الفعل، ونحن إِنْ شَاءَ اللَّهُ مرتحلون عنك، ثُمَّ قَالَ: أما وَاللَّهِ لو أرادوك فِي رحلي مَا وصلوا إليك وَلا إِلَى أحد من أَصْحَابك حَتَّى أموت دونكم، قَالَ: أعاذك اللَّه من ذَلِكَ! وبلغ الَّذِينَ فِي محبس الْمُغِيرَة مَا أجمع عَلَيْهِ أهل المصر من الرأي فِي نفي من كَانَ بينهم من الخوارج وأخذهم، فَقَالَ معاذ بن جوين بن حصين فِي ذَلِكَ: أَلا أيها الشارون قَدْ حان لامرئ ... شرى نفسه لِلَّهِ أن يترحلا أقمتم بدار الخاطئين جهالة ... وكل امرئ مِنْكُمْ يصاد ليقتلا فشدوا على القوم العداه فإنما ... أقامتكمُ للذبح رأيا مضللا أَلا فاقصدوا يَا قوم للغاية الَّتِي ... إذا ذكرت كَانَتْ أبر وأعدلا فيا ليتني فيكم عَلَى ظهر سابح ... شديد القصيرى دارعا غير أعزلا ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم ... فيسقيَني كأس المنية أولا يعز علي أن تخافوا وتطردوا ... ولما أجردْ فِي المحلين منصلا ولما يفرقْ جمعهم كل ماجد ... إذا قلت قَدْ ولى وأدبر أقبلا مشيحا بنصل السيف فِي حمس الوغى ... يرى الصبر فِي بعض المواطن أمثلا وعز علي أن تضاموا وتنقصوا ... وأصبح ذا بث أسيرا مكبلا

стр. 2649

ولو أنني فيكم وَقَدْ قصدوا لكم ... أثرت إذًا بين الفريقين قسطلا فيا رُبّ جمع قَدْ فللتُ وغارة ... شهدتُ وقرن قَدْ تركت مجدلا فبعث المستورد إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ لَهُمُ: اخرجوا من هَذِهِ القبيلة لا يصب امرأ مسلما فِي سببنا بغير علم معرة وَكَانَ فِيهِمْ بعض من يرى رأيهم، فاتعدوا سورا، فخرجوا إِلَيْهَا متقطعين من أربعة وخمسة وعشرة، فتتاموا بها ثلاثمائة رجل، ثُمَّ ساروا إِلَى الصراة، فباتوا بِهَا ليله. ثم إن الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ أخبر خبرهم، فدعا رؤساء الناس، فَقَالَ: إن هَؤُلاءِ الأشقياء قَدْ أخرجهم الحين وسوء الرأي، فمن ترون أبعث إِلَيْهِم؟ قَالَ: فقام إِلَيْهِ عدي بن حاتم، فَقَالَ: كلنا لَهُمْ عدو، ولرأيهم مسفه، وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إِلَيْهِم. فقام معقل بن قيس، فَقَالَ: إنك لا تبعث إِلَيْهِم أحدا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعا مطيعا، ولهم مفارقا، ولهلاكهم محبا، وَلا أَرَى أصلحك اللَّه أن تبعث إِلَيْهِم أحدا مِنَ النَّاسِ أعدى لَهُمْ وَلا أشد عَلَيْهِم مني، فابعثني إِلَيْهِم فإني أكفيكهم بإذن اللَّه، فَقَالَ اخرج عَلَى اسم اللَّه، فجهز مَعَهُ ثلاثة آلاف رجل. وَقَالَ الْمُغِيرَة لقبيصة بن الدمون: الصق لي بشيعة علي، فأخرجهم مع معقل بن قيس، فإنه كَانَ من رءوس أَصْحَابه، فإذا بعثت بشيعته الَّذِينَ كَانُوا يعرفون فاجتمعوا جميعا، استأنس بعضهم ببعض وتناصحوا، وهم أشد استحلالا لدماء هَذِهِ المارقة، وأجرأ عَلَيْهِم من غيرهم، وَقَدْ قاتلوا قبل هَذِهِ المرة. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الأسود بن قيس، عن مرة بن منقذ بن النُّعْمَانِ، قَالَ: كنت أنا فيمن ندب مَعَهُ يومئذ، قال: لقد كان صعصعة ابن صُوحَانَ قام بعد معقل بن قيس وَقَالَ: ابعثني إِلَيْهِم أيها الأمير،

стр. 2650

فأنا وَاللَّهِ لدمائهم مستحل، وبحملها مستقل، فَقَالَ: اجلس، فإنما أنت خطيب، فكان أحفظه ذَلِكَ، وإنما قَالَ ذَلِكَ لأنه بلغه أنه يعيب عُثْمَان بن عَفَّانَ ﵁، ويكثر ذكر علي ويفضله، وَقَدْ كَانَ دعاه، فَقَالَ: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عُثْمَان عِنْدَ أحد مِنَ النَّاسِ، وإياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شَيْئًا من فضل علي علانية، فإنك لست بذاكر من فضل علي شَيْئًا أجهله، بل أنا أعلم بِذَلِكَ، ولكن هَذَا السلطان قَدْ ظهر، وَقَدْ أخذنا بإظهار عيبه لِلنَّاسِ، فنحن ندع كثيرا مما أمرنا بِهِ، ونذكر الشيء الَّذِي لا نجد مِنْهُ بدا، ندفع بِهِ هَؤُلاءِ القوم عن أنفسنا تقية، فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أَصْحَابك وفي منازلكم سرا، وأما علانية فِي المسجد فإن هَذَا لا يحتمله الخليفة لنا، ولا يعذرنا به، فكان يقول لَهُ: نعم أفعل، ثُمَّ يبلغه أنه قَدْ عاد إِلَى مَا نهاه عنه، فلما قام إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: ابعثني إِلَيْهِم، وجد الْمُغِيرَة قَدْ حقد عَلَيْهِ خلافه إِيَّاهُ، فَقَالَ: اجلس فإنما أنت خطيب، فأحفظه، فَقَالَ لَهُ: أوما أنا إلا خطيب فقط! أجل وَاللَّهِ، إني للخطيب الصليب الرئيس، أما وَاللَّهِ لو شهدتني تحت راية عبد القيس يوم الجمل حَيْثُ اختلفت القنا، فشئون تفرى، وهامة تختلى، لعلمت أني أنا الليث الهزبر، فَقَالَ: حسبك الآن، لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا، ولم يلبث قبيصة بن الدمون أن أخرج الجيش مع معقل، وهم ثلاثة آلاف نقاوة الشيعة وفرسانهم. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي النضر بن صالح، عن سَالم بن رَبِيعَة، قَالَ: إني جالس عِنْدَ الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ حين أتاه معقل بن قيس يسلم عَلَيْهِ ويودعه، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَة: يَا معقل بن قيس، إني قَدْ بعثت معك فرسان أهل المصر، أمرت بهم فانتخبوا انتخابا، فسر إِلَى هَذِهِ العصابة المارقة الذين فارقوا جماعتنا، وشهدوا عليها بالكفر، فادعهم إِلَى التوبة، وإلى الدخول فِي الجماعة، فإن فعلوا فاقبل مِنْهُمْ، واكفف عَنْهُمْ، وإن هم لم يفعلوا فناجزهم، واستعن بِاللَّهِ عليهم

стр. 2651

فَقَالَ معقل بن قيس: سندعوهم ونعذر، وايم اللَّه مَا أَرَى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل مِنْهُمُ الباطل، هل بلغك- أصلحك اللَّه- أين منزل القوم؟ قَالَ: نعم، كتب إلي سماك بن عبيد العبسي- وَكَانَ عاملا لَهُ عَلَى المدائن- يخبرني أَنَّهُمُ ارتحلوا من الصراة، فأقبلوا حَتَّى نزلوا بهرسير، وأنهم أرادوا أن يعبروا إِلَى الْمَدِينَة العتيقة الَّتِي بِهَا منازل كسرى وأبيض المدائن، فمنعهم سماك أن يجوزوا، فنزلوا بمدينة بهرسير مقيمين، فاخرج إِلَيْهِم، وانكمش فِي آثارهم حَتَّى تلحقهم، وَلا تدعهم والإقامة فِي بلد ينتهي إِلَيْهِم فِيهِ أكثر من الساعة الَّتِي تدعوهم فِيهَا، فإن قبلوا وإلا فناهضهم، فإنهم لن يقيموا ببلد يومين إلا أفسدوا كل من خالطهم. فخرج من يومه فبات بسورا، فأمر الْمُغِيرَة مولاه ورادا، فخرج إِلَى النَّاسِ فِي مسجد الجماعة، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إن معقل بن قيس قَدْ سار إِلَى هَذِهِ المارقة، وَقَدْ بات الليلة بسورا، فلا يتخلفن عنه أحد من أَصْحَابه. أَلا وأن الأمير يخرج عَلَى كل رجل مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، ويعزم عَلَيْهِم أن يبيتوا بالكوفة، أَلا وأيما رجل من هَذَا البعث وجدناه بعد يومنا بالكوفة فقد أحل بنفسه. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب، عن عَبْد اللَّهِ بن عُقْبَةَ الغنوي، قَالَ: كنت فيمن خرج مع المستورد بن علفة، وكنت أحدث رجل فِيهِمْ قَالَ: فخرجنا حَتَّى أتينا الصراة، فأقمنا بِهَا حَتَّى تتامت جماعتنا، ثُمَّ خرجنا حَتَّى انتهينا إِلَى بهرسير، فدخلناها ونذر بنا سماك بن عبيد العبسي، وَكَانَ فِي الْمَدِينَة العتيقة، فلما ذهبنا لنعبر الجسر إِلَيْهِم قاتلنا عَلَيْهِ، ثُمَّ قطعه علينا، فأقمنا ببهرسير قَالَ: فدعاني المستورد بن علفه، فقال: اتكتب يا بن أخي؟ قلت: نعم، فدعا لي برق ودواة، وَقَالَ: اكتب: من عَبْد اللَّهِ

стр. 2652

المستورد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِلَى سماك بن عبيد، أَمَّا بَعْدُ، فقد نقمنا عَلَى قومنا الجور فِي الأحكام، وتعطيل الحدود، والاستئثار بالفيء، وإنا ندعوك إِلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه ص، وولاية أبي بكر وعمر رضوان اللَّه عليهما، والبراءة من عُثْمَان وعلي، لإحداثهما فِي الدين، وتركهما حكم الكتاب، فإن تقبل فقد أدركت رشدك، والا تقبل فقد بالغنا فِي الإعذار إليك، وَقَدْ آذناك بحرب، فنبذنا إليك عَلَى سواء، إن اللَّه لا يحب الخائنين قَالَ: فَقَالَ المستورد: انطلق إِلَى سماك بهذا الكتاب فادفعه إِلَيْهِ، واحفظ مَا يقول لك، والقَني قَالَ: وكنت فتى حدثا حين أدركت، لم أجرب الأمور، وَلا علم لي بكثير منها، فقلت: أصلحك اللَّه! لو أمرتني أن أستعرض دجلة فألقي نفسي فِيهَا مَا عصيتك، ولكن تأمن علي سماكا أن يتعلق بي، فيحبسني عنك، فإذا أنا قَدْ فاتني ما اترجاه من الجهاد! فتبسم وقال: يا بن أخي، إنما أنت رسول، والرسول لا يعرض لَهُ، ولو خشيت ذَلِكَ عَلَيْك لم أبعثك، وما أنت عَلَى نفسك بأشفق مني عَلَيْك قَالَ: فخرجت حَتَّى عبرت إِلَيْهِم فِي معبر، فأتيت سماك بن عبيد، وإذا الناس حوله كثير قَالَ: فلما أقبلت نحوهم أبدوني أبصارهم، فلما دنوت مِنْهُمُ ابتدرني نحو من عشرة، وظننت وَاللَّهِ أن القوم يريدون أخذي، وأن الأمر عندهم ليس كما ذكر لي صاحبي، فانتضيت سيفي، وقلت: كلا، والذي نفسي بيده، لا تصلون إلي حَتَّى أعذر إِلَى اللَّهِ فيكم، قَالُوا لي: يَا عَبْد اللَّهِ، من أنت؟ قلت: أنا رسول أَمِير الْمُؤْمِنِينَ المستورد بن علفة،، قَالُوا: فلم انتضيت سيفك؟ قلت: لابتداركم إلي، فخفت أن توثقوني وتغدروا بي قَالُوا: فأنت آمن، وإنما أتيناك لنقوم إِلَى جنبك، ونمسك بقائم سيفك، وننظر مَا جئت له، وما تسال، قال: فقلت لهم: لست آمنا حَتَّى تردوني إِلَى أَصْحَابي؟ قَالُوا: بلى، فشِمْتُ سيفي، ثُمَّ أتيت حَتَّى قمت عَلَى راس سماك بن عبيد واصحابه

стр. 2653

قد ائتشبوا بي، فمنهم ممسك بقائم سيفي، ومنهم ممسك بعضدي، فدفعت إِلَيْهِ كتاب صاحبي، فلما قرأه رفع رأسه إلي، فَقَالَ: مَا كَانَ المستورد عندي خليقا لما كنت أَرَى من إخباته وتواضعه أن يخرج عَلَى الْمُسْلِمِينَ بسيفه، يعرض عَلَيَّ المستورد البراءة من علي وعثمان، ويدعوني إِلَى ولايته! فبئس وَاللَّهِ الشيخ أنا إذا! قَالَ: ثُمَّ نظر إلي فَقَالَ: يَا بني، اذهب إِلَى صاحبك فقل لَهُ: اتق اللَّه وارجع عن رأيك، وادخل فِي جماعة الْمُسْلِمِينَ، فإن أردت أن أكتب لك فِي طلب الأمان إِلَى الْمُغِيرَة فعلت، فإنك ستجده سريعا إِلَى الإصلاح، محبا للعافية: قَالَ: قلت لَهُ، وإن لي فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ بصيرة، هيهات! إنما طلبنا بهذا الأمر الَّذِي أخافنا فيكم فِي عاجل الدُّنْيَا الأمن عِنْدَ اللَّه يوم الْقِيَامَة، فَقَالَ لي: بؤسا لك! كيف أرحمك! ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابه: إِنَّهُمْ خلوا بهذا ثُمَّ جعلوا يقرءون عَلَيْهِ القرآن ويتخضعون ويتباكون، فظن بهذا أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء من الحق، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا، وَاللَّهِ مَا رأيت قوما كَانُوا أظهر ضلالة، وَلا أبين شؤما، من هَؤُلاءِ الَّذِينَ ترون! قلت: يَا هَذَا إنني لم آتك لأشاتمك وَلا أسمع حديثك وحديث أَصْحَابك، حَدّثني، أنت تجيبني إِلَى مَا فِي هَذَا الكتاب أم لا تفعل فارجع إِلَى صاحبي؟ فنظر إلي ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابه: أَلا تعجبون إِلَى هَذَا الصبي! وَاللَّهِ إني لأراني أكبر من أَبِيهِ، وَهُوَ يقول لي: أتجيبني إِلَى مَا فِي هَذَا الكتاب! انطلق يَا بني إِلَى صاحبك، إنما تندم لو قَدِ اكتنفتكم الخيل، وأشرعت فِي صدوركم الرماح، هُنَاكَ تمنى لو كنت فِي بيت أمك! قَالَ: فانصرفت من عنده فعبرت إِلَى أَصْحَابي، فلما دنوت من صاحبي قَالَ: مَا رد عَلَيْك؟ قلت: مَا رد خيرا، قلت لَهُ: كذا وَقَالَ لي: كذا، فقصصت عَلَيْهِ القصة، قَالَ: فَقَالَ المستورد: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ»

стр. 2654

قَالَ: فلبثنا بمكاننا ذاك يومين أو ثلاثة ايام، ثم استبان لنا مسير معقل ابن قيس إلينا قَالَ: فجمعنا المستورد، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن هذا الخرق معقل بن قيس قَدْ وجه إليكم وَهُوَ من السبئيه المفترين الكاذبين، وَهُوَ لِلَّهِ ولكم عدو، فأشيروا علي برأيكم قَالَ: فَقَالَ لَهُ بعضنا: وَاللَّهِ مَا خرجنا نريد إلا اللَّه، وجهاد من عادى اللَّه، وَقَدْ جاءونا فأين نذهب عَنْهُمْ! بل نقيم حَتَّى يحكم اللَّه بيننا وبينهم وَهُوَ خير الحاكمين وقالت طائفة أخرى: بل نعتزل ونتنحى، ندعو الناس ونحتج عَلَيْهِم بالدعاء. فَقَالَ: يَا معشر الْمُسْلِمِينَ، إني وَاللَّهِ مَا خرجت ألتمس الدُّنْيَا وَلا ذكرها وَلا فخرها وَلا البقاء، وما أحب أنها لي بحذافيرها، وأضعاف مَا يتنافس فِيهِ منها بقبال نعلي! وما خرجت إلا التماس الشهادة، وأن يهديني اللَّه إِلَى الكرامة بهوان بعض أهل الضلالة، وإني قَدْ نظرت فِيمَا استشرتكم فِيهِ فرأيت الا اقيم لهم حتى يقدموا على وهم جامون متوافرون، ولكن رأيت أن أسير حَتَّى أمعن، فإنهم إذا بلغهم ذَلِكَ خرجوا فِي طلبنا، فتقطعوا وتبددوا، فعلى تِلَكَ الحال ينبغي لنا قتالهم، فاخرجوا بنا عَلَى اسم اللَّه . قَالَ: فخرجنا فمضينا عَلَى شاطئ دجلة حَتَّى انتهينا إِلَى جرجرايا، فعبرنا دجلة، فمضينا كما نحن فِي أرض جوخى حَتَّى بلغنا المذار، فأقمنا فِيهَا، وبلغ عَبْد اللَّهِ بن عَامِر مكاننا الَّذِي كنا فِيهِ، فسأل عن الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ، كيف صنع فِي الجيش الَّذِي بعث إِلَى الخوارج؟ وكم عدتهم؟ فأخبر بعدتهم، وقيل لَهُ: إن الْمُغِيرَة نظر إِلَى رجل شريف رئيس قَدْ كَانَ قاتل الخوارج مع على ع، وَكَانَ من أَصْحَابه، فبعثه وبعث مَعَهُ شيعة علي لعداوتهم لَهُمْ، فَقَالَ: أصاب الرأي، فبعث إِلَى شريك بن الأعور الحارثي- وَكَانَ يرى راى على ع- فَقَالَ لَهُ: اخرج إِلَى هَذِهِ المارقة فانتخب ثلاثة آلاف رجل مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ أتبعهم حتى تخرجهم

стр. 2655

من أرض الْبَصْرَة أو تقتلهم وَقَالَ لَهُ بينه وبينه: اخرج إِلَى أعداء اللَّه بمن يستحل قتالهم من أهل الْبَصْرَة، فظن شريك به انما يعنى شيعه على ع، ولكنه يكره أن يسميهم، فانتخب الناس، وألح عَلَى فرسان رَبِيعَة الَّذِينَ كَانَ رأيهم فِي الشيعة، وَكَانَ تجيبه العظماء مِنْهُمْ ثُمَّ إنه خرج فِيهِمْ مقبلا إِلَى المستورد بن علفة بالمذار. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِث، عَنْ أَبِيهِ عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث، قَالَ: كنت فِي الَّذِينَ خرجوا مع معقل بن قيس، فأقبلت مَعَهُ، فو الله مَا فارقته ساعة من نهار منذ خرجت، فكان أول منزل نزلناه سورا. قَالَ: فمكثنا يَوْمًا حَتَّى اجتمع إِلَيْهِ جل أَصْحَابه، ثُمَّ خرجنا مسرعين مبادرين لعدونا أن يفوتنا، فبعثنا طليعة، فارتحلنا فنزلنا كوثى، فأقمنا بِهَا يَوْمًا حَتَّى لحق بنا من تخلف، ثُمَّ أدلج بنا من كوثى، وَقَدْ مضى من الليل هزيع، فأقبلنا حَتَّى دنونا من المدائن، فاستقبلنا الناس فأخبرونا أَنَّهُمْ قَدِ ارتحلوا، فشق علينا وَاللَّهِ ذَلِكَ، وأيقنا بالعناء وطول الطلب. قَالَ: وجاء معقل بن قيس حَتَّى نزل باب مدينة بهرسير، ولم يدخلها، فخرج إِلَيْهِ سماك بن عبيد، فسلم عَلَيْهِ، وأمر غلمانه ومواليه فأتوه بالجزر والشعير وألقت، فجاءوه من ذَلِكَ بكل مَا كفاه وكفى الجند الَّذِينَ كَانُوا معه. ثُمَّ إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثا جمع أَصْحَابه فَقَالَ: إن هَؤُلاءِ المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا عَلَى وجوههم إرادة أن تتعجلوا فِي آثارهم، فتقطعوا وتبددوا، وَلا تلحقوا بهم إلا وَقَدْ تعبتم ونصبتم، وأنه ليس شَيْء يدخل عَلَيْكُمْ من ذَلِكَ إلا وَقَدْ يدخل عَلَيْهِم مثله، فخرج بنا من المدائن، فقدم بين يديه ابو الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس، فاتبع آثارهم، فخرج معقل فِي أثره، فاخذ ابو الرواع يسأل عَنْهُمْ، ويركب الوجه الَّذِي أخذوا فِيهِ، حَتَّى عبروا جرجرايا فِي آثارهم، ثُمَّ سلك الوجه

стр. 2656

الَّذِي أخذوا فِيهِ، فاتبعهم، فلم يزل ذَلِكَ دأبه حَتَّى لحقهم بالمذار مقيمين، فلما دنا مِنْهُمُ استشار أَصْحَابه فِي لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ بعضهم: أقدم بنا عَلَيْهِم فلنقاتلهم، وَقَالَ بعضهم: وَاللَّهِ مَا نرى أن تعجل إِلَى قتالهم حَتَّى يأتينا أميرنا، ونلقاهم بجماعتنا. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي تليد بن زَيْد بن راشد الفائشي أن أباه كَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: فَقَالَ لنا أَبُو الرواغ: إن معقل بن قيس حين سرحني أمامه أمرني أن أتبع آثارهم، فإذا لحقتهم لم أعجل إِلَى قتالهم حَتَّى يأتيني. قَالَ: فَقَالَ لَهُ جميع أَصْحَابه: فالرأي الآن بيّن، تنح بنا فلنكن قريبا مِنْهُمْ حَتَّى يقدم علينا صاحبنا، فتنحينا- وَذَلِكَ عِنْدَ المساء- قَالَ: فبتنا ليلتنا كلها متحارسين حَتَّى أصبحنا، فارتفع الضحى، وخرجوا علينا، قَالَ: فخرجنا إِلَيْهِم وعدتهم ثلاثمائة ونحن ثلاثمائة، فلما اقتربوا شدوا علينا، فلا وَاللَّهِ مَا ثبت لَهُمْ منا إنسان، قَالَ: فانهزمنا ساعة، ثُمَّ إن أبا الرواغ صاح بنا وَقَالَ: يَا فرسان السوء، قبحكم اللَّه سائر الْيَوْم! الكرة الكرة! قَالَ: فحمل وحملنا مَعَهُ، حَتَّى إذا دنونا من القوم كر بنا، فانصرفنا وكروا علينا، وكشفونا طويلا، ونحن عَلَى خيل معلمة جياد، ولم يصب منا أحد، وَقَدْ كَانَتْ جراحات يسيرة، فَقَالَ لنا أَبُو الرواغ: ثكلتكم أمهاتكم! انصرفوا بنا فلنكر قريبا مِنْهُمْ، لا نزايلهم حَتَّى يقدم علينا أميرنا، فما أقبح بنا أن نرجع إِلَى الجيش، وَقَدِ انهزمنا من عدونا ولم نصبر لَهُمْ حَتَّى يشتد القتال وتكر القتلى قَالَ: فَقَالَ رجل منا يجيبه: إن اللَّه لا يستحيي من الحق، قَدْ وَاللَّهِ هزمونا، قَالَ أَبُو الرواغ: لا أكثر اللَّه فينا ضربك! إنا مَا لم ندع المعركة فلم نهزم، وإنا متى عطفنا عَلَيْهِم وكنا قريبا مِنْهُمْ فنحن عَلَى حال حسنة حَتَّى يقدم علينا الجيش، ولم نرجع عن وجهنا، إنه وَاللَّهِ لو كَانَ يقال: انهزم أَبُو حمران حمير بن بجير الهمداني، مَا باليت، أنما

стр. 2657

يقال: انهزم أَبُو الرواغ، فقفوا قريبا، فإن أتوكم فعجزتم عن قتالهم فانحازوا، فإن حملوا عَلَيْكُمْ فعجزتم عن قتالهم فتأخروا وانحازوا إِلَى حامية، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عَلَيْهِم، وكونوا قريبا مِنْهُمْ، فإن الجيش آتيكم إِلَى ساعة قَالَ: فأخذت الخوارج كلما حملت عَلَيْهِم انحازوا وهم كَانُوا حامية، وإذا أخذوا فِي الكرة عَلَيْهِم فتفرق جماعتهم قرب أَبُو الرواغ وأَصْحَابه عَلَى خيلهم فِي آثارهم، فلما رأوا أَنَّهُمْ لا يفارقونهم، وَقَدْ طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إِلَى الأولى فلما حضرت صلاة الظهر نزل المستورد للصلاة، واعتزل أَبُو الرواغ وأَصْحَابه عَلَى رأس ميل مِنْهُمْ أو ميلين، ونزل أَصْحَابه فصلوا الظهر، وأقاموا رجلين ربيئة، وأقاموا مكانهم حَتَّى صلوا العصر ثُمَّ إن فتى جاءهم بكتاب معقل بن قيس الى ابن الرواغ، وكان اهل القرى وعابر والسبيل يمرون عَلَيْهِم ويرونهم يقتتلون، فمن مضى مِنْهُمْ عَلَى الطريق نحو الوجه الَّذِي يأتي من قبله معقل استقبل معقلا فأخبره بالتقاء أَصْحَابه والخوارج، فيقول: كيف رأيتموهم يصنعون؟ فيقولون: رأينا الحرورية تطرد أَصْحَابك، فيقول: أما رأيتم أَصْحَابي يعطفون عَلَيْهِم ويقاتلونهم؟ فيقولون: بلى، يعطفون عَلَيْهِم وينهزمون: فَقَالَ: إن كَانَ ظني بأبي الرواغ صادقا لا يقدم عَلَيْكُمْ منهزما أبدا ثُمَّ وقف عَلَيْهِم، فدعا محرز بن شهاب بن بجير بن سُفْيَان بن خَالِد بن منقر التميمي فَقَالَ لَهُ: تخلف فِي ضعفة الناس، ثُمَّ سر بهم عَلَى مهل، حَتَّى تقدم بهم علي، ثُمَّ ناد فِي أهل القوة: ليتعجل كل ذي قوة معي، اعجلوا إِلَى إخوانكم، فإنهم قَدْ لاقوا عدوهم، وإني لأرجو أن يهلكهم اللَّه قبل أن تصلوا إِلَيْهِم. قَالَ: فاستجمع من أهل القوة والشجاعة وأهل الخيل الجياد نحو من سبعمائة، وسار فأسرع، فلما دنا من أبي الرواغ قَالَ أَبُو الرواغ: هَذِهِ

стр. 2658

غبرة الخيل، تقدموا بنا إِلَى عدونا حَتَّى يقدم علينا الجند، ونحن مِنْهُمْ قريب، فلا يرون اننا تنحينا عنهم ولاهبناهم قَالَ: فاستقدم أَبُو الرواغ حَتَّى وقف مقابل المستورد وأَصْحَابه، وغشيهم معقل فِي أَصْحَابه، فلما دنا مِنْهُمْ غربت الشمس، فنزل فصلى بأَصْحَابه، ونزل أَبُو الرواغ فصلى بأَصْحَابه فِي جانب آخر، وصلى الخوارج أَيْضًا ثُمَّ إن معقل بن قيس أقبل بأَصْحَابه حَتَّى إذا دنا من أبي الرواغ دعاه فأتاه، فَقَالَ لَهُ: أحسنت أبا الرواغ! هكذا الظن بك، الصبر والمحافظة فَقَالَ: أصلحك اللَّه! إن لَهُمْ شدات منكرات، فلا تكن أنت تليها بنفسك، ولكن قدم بين يديك من يقاتلهم، وكن أنت من وراء الناس ردءا لَهُمْ، فَقَالَ: نعم ما رايت! فو الله مَا كَانَ إلا ريثما قالها حَتَّى شدوا عَلَيْهِ وعلى أَصْحَابه، فلما غشوه انجفل عنه عامة أَصْحَابه، وثبت ونزل، وَقَالَ: الأرض الأرض يَا أهل الإِسْلام! ونزل مَعَهُ أَبُو الرواغ الشاكري وناس كثير من الفرسان وأهل الحفاظ نحو مائتي رجل، فلما غشيهم المستورد وأَصْحَابه استقبلوهم بالرماح والسيوف، وانجفلت خيل معقل عنه ساعة، ثُمَّ ناداهم مسكين بن عَامِر بن أنيف بن شريح بن عَمْرو بن عدس- وَكَانَ يَوْمَئِذٍ من أشجع الناس وأشدهم بأسا- فَقَالَ: يَا أهل الإِسْلام، أين الفرار، وَقَدْ نزل أميركم! ألا تستحيون! أن الفرار مخزاة وعار ولؤم، ثُمَّ كر راجعا، ورجعت مَعَهُ خيل عظيمة، فشدوا عَلَيْهِم ومعقل بن قيس يضاربهم تحت رايته مع ناس نزلوا مَعَهُ من أهل الصبر، فضربوهم حَتَّى اضطروهم إِلَى البيوت، ثُمَّ لم يلبثوا إلا قليلا حَتَّى جاءهم محرز بن شهاب فيمن تخلف مِنَ النَّاسِ، فلما أتوهم أنزلهم ثُمَّ صف لَهُمْ، وجعل ميمنة وميسرة، فجعل أبا الرواغ عَلَى ميمنته ومحرز بن بجير بن سُفْيَان عَلَى ميسرته ومسكين بن عَامِر عَلَى الخيل، ثُمَّ قَالَ لهم: لا تبرحوا مصافكم حَتَّى تصبحوا، فإذا أصبحتم ثرنا إِلَيْهِم فناجزناهم، فوقف الناس مواقفهم عَلَى مصافهم. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب، عن عَبْد اللَّهِ بن

стр. 2659

عُقْبَةَ الغنوي، قَالَ: لما انتهى إلينا معقل بن قيس قَالَ لنا المستورد: لا تدعوا معقلا حَتَّى يعبي لكم الخيل والرجل، شدوا عَلَيْهِم شدة صادقة، لعل اللَّه يصرعه فِيهَا قَالَ: فشددنا عَلَيْهِم شدة صادقة، فانكشفوا فانفضوا ثُمَّ انجفلوا ووثب معقل عن فرسه حين رَأَى إدبار أَصْحَابه عنه، فرفع رايته، ونزل مَعَهُ ناس من أَصْحَابه، فقاتلوا طويلا، فصبروا لنا، ثُمَّ إِنَّهُمْ تداعوا علينا، فعطفوا علينا من كل جانب، فانحزنا حَتَّى جعلنا البيوت فِي ظهورنا، وَقَدْ قاتلناهم طويلا، وكانت بيننا جراحة وقتل يسير قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أن عمير بن أبي أشاءة الأَزْدِيّ قتل يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ فيمن نزل مع معقل بن قيس، وَكَانَ رئيسا. قَالَ: وكنت أنا فيمن نزل معه، فو الله مَا أنسى قول عمير بن أبي أشاءة ونحن نقتتل وَهُوَ يضاربهم بسيفه قدما: قَدْ علمت أني إذا مَا أقشعوا ... عني والتاث اللئام الوضع أحوس عِنْدَ الروع ندب أروع. وقاتل قتالا شديدا مَا رأيت أحدا قاتل مثله، فجرح رجالا كثيرا، وقتل وما أدري أنه قتل، مَا عدا واحدا وَقَدْ علمت أنه اعتنقه، فخر عَلَى صدره فذبحه، فما حز رأسه حَتَّى حمل عَلَيْهِ رجل مِنْهُمْ فطعنه بالرمح فِي ثغرة نحره، فخر عن صدره، وانجدل ميتا، وشددنا عَلَيْهِم، وحزناهم إِلَى القرية، ثُمَّ انصرفنا إِلَى معركتنا، فأتيته وأنا أرجو أن يكون بِهِ رمق، فإذا هُوَ قَدْ فاظ، فرجعت إِلَى أَصْحَابي فوقفت فِيهِمْ قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب، عن عَبْد اللَّهِ بن عُقْبَةَ

стр. 2660

الغنوي، قَالَ: إنا لمتواقفون أول الليل إذ أتانا رجل كنا بعثناه أول الليل، وَكَانَ بعض من يمر الطريق قَدْ أَخْبَرَنَا أن جيشا قَدْ أقبل إلينا مِنَ الْبَصْرَةِ، فلم نكترث، وقلنا لرجل من أهل الأرض وجعلنا لَهُ جعلا: اذهب فاعلم هل أتانا من قبل الْبَصْرَة جيش؟ فَجَاءَ ونحن مواقفو أهل الْكُوفَة، وَقَالَ لنا: نعم، قَدْ جاءكم شريك بن الأعور، وَقَدِ استقبلت طائفة عَلَى رأس فرسخ عِنْدَ الأولى، وَلا أَرَى القوم إلا نازلين بكم الليلة، او مصبحيكم غدوه فأسقط فِي أيدينا. وَقَالَ المستورد لأَصْحَابه: ماذا ترون؟ قلنا: نرى مَا رأيت، قَالَ: فإني لا أَرَى أن أقيم لهؤلاء جميعا، ولكن نرجع إِلَى الوجه الَّذِي جئنا مِنْهُ، فإن أهل الْبَصْرَة لا يتبعونا إِلَى أرض الْكُوفَة، وَلا يتبعنا حينئذ إلا أهل مصرنا، فقلنا لَهُ: ولم ذاك؟ فَقَالَ: قتال أهل مصر واحد أهون علينا من قتال أهل المصرين، قَالُوا: سر بنا حَيْثُ أحببت، قَالَ: فانزلوا عن ظهور دوابكم فأريحوا ساعة، وأقضموها، ثُمَّ انظروا مَا آمركم بِهِ، قَالَ: فنزلنا عنها، فأقضمناها، قَالَ: وبيننا وبينهم حينئذ ساعة قَدِ ارتفعوا عن القرية مخافة أن نبيتهم، قَالَ: فلما أرحناها وأقضمناها أمرنا فاستوينا عَلَى متونها، ثُمَّ قَالَ: ادخلوا القرية، ثُمَّ اخرجوا من ورائها، وانطلقوا معكم بعلج يأخذ بكم من ورائها، ثُمَّ يعود بكم حَتَّى يردكم إِلَى الطريق الَّذِي مِنْهُ أقبلتم، ودعوا هَؤُلاءِ مكانهم، فإنهم لم يشعروا بكم عامة الليل، أو حَتَّى تصبحوا قَالَ: فدخلنا القرية وأخذنا علجا، ثُمَّ خرجنا بِهِ أمامنا، فقلنا: خذ بنا من وراء هَذَا الصف حَتَّى نعود إِلَى الطريق الَّذِي مِنْهُ أقبلنا ففعل ذَلِكَ، فَجَاءَ بنا حَتَّى أقامنا عَلَى الطريق الَّذِي مِنْهُ أقبلنا، فلزمناه راجعين، ثُمَّ أقبلنا حَتَّى نزلنا جرجرايا. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْد اللَّهِ بن الحارث، قَالَ: إني أول من فطن لذهابهم، قَالَ: فقلت: أصلحك

стр. 2661

اللَّه! لقد رابني أمر هَذَا العدو منذ ساعة طويلة، إِنَّهُمْ كَانُوا مواقفين نرى سوادهم، ثُمَّ لقد خفي علي ذَلِكَ السواد منذ ساعة، وإني لخائف أن يكونوا زالوا من مكانهم ليكيدوا الناس، فَقَالَ: وما تخاف أن يكون من كيدهم؟ قلت: أخاف أن يبيتوا الناس، قَالَ، وَاللَّهِ مَا آمن ذَلِكَ، قَالَ: فقلت لَهُ: فاستعد لذلك، قَالَ: كما أنت حَتَّى أنظر يَا عتاب، انطلق فيمن أحببت حَتَّى تدنو من القرية فتنظر هل ترى منهم أحدا او تسمع لهم ركزا! وسل أهل القرية عَنْهُمْ. فخرج فِي خمس الغزاة يركض حَتَّى نظر القرية فأخذ لا يرى أحدا يكلمه، وصاح بأهل القرية، فخرج إِلَيْهِ مِنْهُمْ ناس، فسألهم عَنْهُمْ، فَقَالُوا: خرجوا فلا ندري كيف ذهبوا! فرجع إِلَيْهِ عتاب فأخبره الخبر، فَقَالَ معقل: لا آمن البيات، فأين مضر؟ فجاءت مضر فقال: قفوا هاهنا، وَقَالَ: أين رَبِيعَة؟ فجعل رَبِيعَة فِي وجه وتميما فِي وجه وهمدان فِي وجه، وبقية أهل اليمن فِي وجه آخر، وَكَانَ كل ربع من هَؤُلاءِ فِي وجه وظهره مما يلي ظهر الربع الآخر، وجال فِيهِمْ معقل حَتَّى لم يدع ربعا إلا وقف عَلَيْهِ، وقال: ايها الناس، لو أتوكم فبدءوا بغيركم فقاتلوهم فلا تبرحوا أنتم مكانكم أبدا حَتَّى يأتيكم أمري، وليغن كل رجل مِنْكُمُ الوجه الَّذِي هُوَ فِيهِ، حَتَّى نصبح فنرى رأينا فمكثوا متحارسين يخافون بياتهم حَتَّى أصبحوا، فلما أصبحوا نزلوا فصلوا، وأتوا فأخبروا أن القوم قَدْ رجعوا فِي الطريق الَّذِي أقبلوا مِنْهُ عودهم عَلَى بدئهم، وجاء شريك بن الأعور فِي جيش من أهل الْبَصْرَة حَتَّى نزلوا بمعقل بن قيس فلقيه، فتساءلا ساعة، ثُمَّ إن معقلا قَالَ لشريك: أنا متبع آثارهم حَتَّى ألحقهم لعل اللَّه أن يهلكهم، فإني لا آمن إن قصرت فِي طلبهم أن يكثروا فقام شريك فجمع رجالا من وجوه أَصْحَابه، فِيهِمْ خَالِد بن مَعْدَانَ الطَّائِيّ وبيهس بن صهيب الجرمي، فَقَالَ لَهُمْ: يَا هَؤُلاءِ، هل لكم فِي خير؟ هل لكم فِي أن تسيروا مع إخواننا من أهل الْكُوفَة فِي طلب هَذَا العدو الَّذِي هُوَ عدو لنا ولهم حَتَّى يستأصلهم

стр. 2662

اللَّه ثُمَّ نرجع؟ فَقَالَ خَالِد بن مَعْدَانَ وبيهس الجرمي: لا وَاللَّهِ، لا نفعل، إنما أقبلنا نحوهم لننفيهم عن أرضنا، ونمنعهم من دخولها، فان كفانا الله مئونتهم فإنا منصرفون إِلَى مصرنا، وفي أهل الْكُوفَة من يمنعون بلادهم من هَؤُلاءِ الأكلب، فَقَالَ لَهُمْ: ويحكم! أطيعوني فِيهِمْ، فإنهم قوم سوء، لكم فِي قتالهم أجر وحظوة عِنْدَ السلطان، فقال له بيهس الجرمي: نحن وَاللَّهِ إذا كما قَالَ أخو بني كنانة: كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بِذَلِكَ مرقعا أما بلغك أن الأكراد قَدْ كفروا بجبال فارس! قَالَ: قَدْ بلغني، قَالَ: فتأمرنا أن ننطلق معك نحمي بلاد أهل الْكُوفَة، ونقاتل عدوهم، ونترك بلادنا، فَقَالَ لَهُ: وما الأكراد! إنما يكفيهم طائفة مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُ: وهذا العدو الَّذِي تندبنا إِلَيْهِ إنما يكفيه طائفة من أهل الْكُوفَة، إِنَّهُمْ لعمري لو اضطروا إِلَى نصرتنا لكان علينا نصرتهم، ولكنهم لم يحتاجوا إلينا بعد، وفي بلادنا فتق مثل الفتق الَّذِي فِي بلادهم، فليغنوا مَا قبلهم، وعلينا أن نغني مَا قبلنا، ولعمري لو أنا أطعناك فِي اتباعهم فاتبعتهم كنت قَدِ اجترأت عَلَى أميرك، وفعلت مَا كَانَ ينبغي لك أن تطلع فِيهِ رأيه، مَا كَانَ ليحتملها لك فلما رَأَى ذَلِكَ قَالَ لأَصْحَابه: سيروا فارتحلوا، وجاء حَتَّى لقي معقلا- وكانا متحابين عَلَى رأي الشيعة متوادين عَلَيْهِ- فَقَالَ: أما وَاللَّهِ لقد جهدت بمن معي أن يتبعوني حَتَّى أسير معكم إِلَى عدوكم فغلبوني، فَقَالَ لَهُ معقل: جزاك اللَّه من أخ خيرا! إنا لم نحتج إِلَى ذَلِكَ، أما وَاللَّهِ إني أرجو أن لو قَدْ جهدوا لا يفلت مِنْهُمْ مخبر. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الصقعب بن زهير، عن ابى امامه عبيد الله

стр. 2663

ابن جُنَادَة، عن شريك بن الأعور، قَالَ: حَدَّثَنَا بهذا الحديث شريك ابن الأعور قَالَ: فلما قَالَ: وَاللَّهِ إني لأرجو أن لو جهدوا لا يفلت مِنْهُمْ مخبر، كرهتها وَاللَّهِ لَهُ، وأشفقت عَلَيْهِ، وحسبت أن يكون شبه كلام البغي، قَالَ: وايم اللَّه مَا كَانَ من أهل البغي. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث الأَزْدِيّ، قَالَ: لما أتانا أن المستورد بن علفة وأَصْحَابه قَدْ رجعوا عن طريقهم سررنا بِذَلِكَ، وقلنا: نتبعهم ونستقبلهم بالمدائن، وإن دنوا من الْكُوفَة كَانَ أهلك لَهُمْ، ودعا معقل بن قيس أبا الرواغ فَقَالَ لَهُ: اتبعه فِي أَصْحَابك الَّذِينَ كَانُوا معك حَتَّى تحبسه علي حَتَّى ألحقك، فَقَالَ لَهُ: زدني مِنْهُمْ فإنه أقوى لي عَلَيْهِم إن هم أرادوا مناجزتي قبل قدومك، فإنا كنا قَدْ لقينا مِنْهُمْ برحا، فزاده ثلاثمائة، فاتبعهم في سمائه، وأقبلوا سراعا حَتَّى نزلوا جرجرايا، وأقبل أَبُو الرواغ فِي إثرهم مسرعا حَتَّى لحقهم بجرجرايا، وَقَدْ نزلوا، فنزل بهم عِنْدَ طلوع الشمس، فلما نظروا إذا هم بأبي الرواغ فِي المقدمة، فَقَالَ بعضهم لبعض: إن قتالكم هَؤُلاءِ أهون من قتال من يأتي بعدهم. قَالَ: فخرجوا إلينا، فأخذوا يخرجون لنا العشرة فرسان مِنْهُمْ والعشرين فارسا، فنخرج لَهُمْ مثلهم، فتطارد الخيلان ساعة ينتصف بعضنا من بعض، فلما رأوا ذَلِكَ اجتمعوا فشدوا علينا شدة واحدة صدقوا فِيهَا الحملة. قَالَ: فصرفونا حَتَّى تركنا لَهُمُ العرصة ثُمَّ إن أبا الرواغ نادى فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا فرسان السوء، يَا حماة السوء، بئس مَا قاتلتم القوم! إليّ إليّ!

стр. 2664

فعالج نحوا من مائة فارس، فعطف عَلَيْهِم، وَهُوَ يقول: إن الفتى كل الفتى من لم يهل ... إذا الجبان حاد عن وقع الأسل. قَدْ علمت أني إذا البأس نزل ... أروع يوم الهيج مقدام بطل ثُمَّ عطف عَلَيْهِم فقاتلهم طويلا، ثُمَّ عطف أَصْحَابه من كل جانب، فصدقوهم القتال حَتَّى ردوهم إِلَى مكانهم الَّذِي كَانُوا فِيهِ، فلما رَأَى ذَلِكَ المستورد وأَصْحَابه ظنوا أن معقلا إن جاءهم على تفئه ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دون قتله لَهُمْ شَيْء، فمضى هُوَ وأَصْحَابه حَتَّى قطعوا دجلة، ووقعوا فِي أرض بهرسير، وقطع أَبُو الرواغ فِي آثارهم فاتبعهم، وجاء معقل بن قيس فاتبع إثر أبي الرواغ، فقطع فِي أثره دجلة، ومضى المستورد نحو الْمَدِينَة العتيقة، وبلغ ذَلِكَ سماك بن عبيد، فخرج حَتَّى عبر إِلَيْهَا، ثُمَّ خرج بأَصْحَابه وبأهل المدائن، فصف عَلَى بابها، وأجلس رجالا رماة عَلَى السور، فبلغهم ذَلِكَ، فانصرفوا حَتَّى نزلوا ساباط، وأقبل أَبُو الرواغ فِي طلب القوم حَتَّى مر بسماك ابن عبيد بالمدائن، فخبره بوجههم الَّذِي أخذوا فِيهِ، فاتبعهم حَتَّى نزل بهم ساباط. قَالَ أَبُو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عَبْد اللَّهِ بن عُقْبَةَ الغنوي، قَالَ: لما نزل بنا أَبُو الرواغ دعا المستورد أَصْحَابه، فَقَالَ: إن هَؤُلاءِ الَّذِينَ نزلوا بكم مع أبي الرواغ هم حر أَصْحَاب معقل، وَلا وَاللَّهِ مَا قدم إليكم إلا حماته وفرسانه، والله لو اعلم انى إذا بادرت أَصْحَابه هَؤُلاءِ إِلَيْهِ أدركته قبل أن يفارقوه بساعة لبادرتهم إِلَيْهِ، فليخرج مِنْكُمْ خارج فيسأل عن معقل أين هُوَ؟ وأين بلغ؟ قَالَ: فخرجت أنا فاستقبلت علوجا أقبلوا من المدائن، فقلت لَهُمْ: مَا بلغكم عن معقل بن قيس؟ قَالُوا: جَاءَ فيج لسماك بن عبيد من قبله كَانَ سرحه ليستقبل معقلا فينظر أين انتهى؟ وأين يريد أن ينزل؟ فجاءه فَقَالَ: تركته نزل ديلمايا- وَهِيَ قرية من قرى

стр. 2665

إستان بهرسير إِلَى جانب دجلة، كَانَتْ لقدامة بن العجلان الأزدي- قال: لَهُ:: كم بيننا وبينهم من هَذَا المكان؟ قَالُوا: ثلاثة فراسخ، أو نحو ذَلِكَ. قَالَ: فرجعت إِلَى صاحبي فأخبرته الخبر، فَقَالَ لأَصْحَابه: اركبوا، فركبوا، فأقبل حَتَّى انتهى بهم إِلَى جسر ساباط- وَهُوَ جسر نهر الملك، وَهُوَ من جانبه الَّذِي يلي الْكُوفَة- وأبو الرواغ وأَصْحَابه مما يلي المدائن، قَالَ: فجئنا حَتَّى وقفنا عَلَى الجسر، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لنا: لتنزل طائفة مِنْكُمْ: قَالَ: فنزل منا نحو من خمسين رجلا، فَقَالَ: اقطعوا هَذَا الجسر، فنزلنا فقطعناه، قَالَ: فلما رأونا وقوفا عَلَى الخيل ظنوا أنا نريد أن نعبر إِلَيْهِم، قَالَ: فصفوا لنا، وتعبوا، واشتغلوا بِذَلِكَ عنا فِي قطعنا الجسر ثُمَّ إنا أخذنا من أهل ساباط دليلا فقلنا لَهُ: احضر بين أيدينا حَتَّى ننتهي إِلَى ديلمايا، فخرج بين أيدينا يسعى، وخرجنا تلمع بنا خيلنا، فكان الخبب والوجيف، فما كَانَ إلا ساعة حَتَّى أطللنا عَلَى معقل وأَصْحَابه وهم يتحملون، فما هو الا أن بصر بنا وَقَدْ تفرق أَصْحَابه عنه، ومقدمته ليست عنده، وأَصْحَابه قَدِ استقدم طائفة مِنْهُمْ، وطائفة تزحل، وهم غارون لا يشعرون فلما رآنا نصب رايته، ونزل ونادى: يَا عباد اللَّه، الأرض الأرض! فنزل مَعَهُ نحو من مائتي رجل، قَالَ: فأخذنا نحمل عَلَيْهِم فيستقبلونا بأطراف الرماح جثاة عَلَى الركب فلا نقدر عَلَيْهِم فَقَالَ لنا: المستورد: دعوا هَؤُلاءِ إذا نزلوا وشدوا عَلَى خيلهم حَتَّى تحولوا بينها وبينهم، فإنكم إن أصبتم خيلهم فإنهم لكم عن ساعة جزر، قَالَ: فشددنا عَلَى خيلهم، فحلنا بينهم وبينها، وقطعنا أعنتها، وَقَدْ كَانُوا قرنوها، فذهبت فِي كل جانب، قَالَ: ثُمَّ ملنا عَلَى الناس المتزحلين والمتقدمين، فحملنا عَلَيْهِم حَتَّى فرقنا
следующие страницы →