← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فَقَالَ لَهُ: ويحك يَا قرة! الق حسينا فسله مَا جَاءَ بِهِ؟ وماذا يريد؟ قَالَ: فأتاه قرة بن قيس، فلما رآه الْحُسَيْن مقبلا قَالَ: أتعرفون هَذَا؟ فَقَالَ حبيب بن مظاهر: نعم، هَذَا رجل من حنظلة تميمي، وَهُوَ ابن أختنا، وَلَقَدْ كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هَذَا المشهد، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى سلم عَلَى الْحُسَيْن، وأبلغه رساله عمر بن سعد اليه له، [فقال الْحُسَيْن: كتب إلي أهل مصركم هَذَا إن اقدم، فاما إذ كرهوني فأنا أنصرف عَنْهُمْ،] قَالَ: ثُمَّ قَالَ لَهُ حبيب بن مظاهر: ويحك يَا قرة ابن قيس! أنى ترجع إِلَى القوم الظالمين! انصر هَذَا الرجل الَّذِي بآبائه أيدك اللَّه بالكرامة وإيانا معك، فَقَالَ لَهُ قرة: ارجع إِلَى صاحبي بجواب رسالته، وأرى رأيي، قَالَ: فانصرف إِلَى عُمَر بن سَعْد فأخبره الخبر، فَقَالَ لَهُ عُمَر بن سَعْد: إني لأرجو أن يعافيني اللَّه من حربه وقتاله. قَالَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي النضر بن صالح بن حبيب ابن زهير العبسي، عن حسان بن فائد بن بكير العبسي، قَالَ: أشهد أن كتاب عُمَر بن سَعْد جَاءَ إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد وأنا عنده فإذا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ، فإني حَيْثُ نزلت بالحسين بعثت إِلَيْهِ رسولي، فسألته عما أقدمه، وماذا يطلب ويسأل، فَقَالَ: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني به رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فاما إذ كرهوني فبدا لَهُمْ غير مَا أتتني بِهِ رسلهم فأنا منصرف عَنْهُمْ، فلما قرئ الكتاب عَلَى ابن زياد قَالَ: الآن إذ علقت مخالبنا بِهِ ... يرجو النجاة ولات حين مناص! قَالَ: وكتب إِلَى عُمَر بن سَعْد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فقد بلغني كتابك، وفهمت مَا ذكرت، فاعرض عَلَى الْحُسَيْن أن يبايع ليزيد بن مُعَاوِيَة هُوَ وجميع أَصْحَابه، فإذا فعل ذَلِكَ رَأَيْنَا رَأْيَنَا، والسلام

стр. 2872

قَالَ: فلما أتى عُمَر بن سَعْد الكتاب، قال: قد حسبت الا يقبل ابن زياد العافية. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأَزْدِيّ، قَالَ: جَاءَ من عُبَيْد اللَّهِ بن زياد كتاب إِلَى عُمَر بن سَعْد: أَمَّا بَعْدُ، فحل بين الْحُسَيْن وأَصْحَابه وبين الماء، وَلا يذوقوا مِنْهُ قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بن عَفَّانَ قَالَ: فبعث عُمَر بن سَعْد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا عَلَى الشريعة، وحالوا بين حُسَيْن وأَصْحَابه وبين الماء أن يسقوا مِنْهُ قطرة، وَذَلِكَ قبل قتل الْحُسَيْن بثلاث. قَالَ: ونازله عَبْد اللَّهِ بن أبي حصين الأَزْدِيّ- وعداده فِي بجيلة- فَقَالَ: يَا حُسَيْن، أَلا تنظر إِلَى الماء كأنه كبد السماء! وَاللَّهِ لا تذوق مِنْهُ قطرة حَتَّى تموت عطشا، فَقَالَ حُسَيْن: اللَّهُمَّ اقتله عطشا، وَلا تغفر لَهُ أبدا. قَالَ حميد بن مسلم: وَاللَّهِ لعدته بعد ذلك في مرضه، فو الله الَّذِي لا إله إلا هُوَ لقد رأيته يشرب حَتَّى بغر، ثُمَّ يقيء، ثُمَّ يعود فيشرب حَتَّى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دابه حتى لفظ عصبه يعني نفسه- قَالَ: ولما اشتد عَلَى الْحُسَيْن وأَصْحَابه العطش دعا العباس بن عَلِيّ بن أبي طالب أخاه، فبعثه فِي ثَلاثِينَ فارسا وعشرين راجلا، وبعث معهم بعشرين قربة، فجاءوا حَتَّى دنوا من الماء ليلا واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الْجَمَلِيّ، فَقَالَ عَمْرو بن الحجاج الزبيدى: من الرجل؟ فجيء فقال: مَا جَاءَ بك؟ قَالَ: جئنا نشرب من هَذَا الماء الَّذِي حلأتمونا عنه، قَالَ: فاشرب هنيئا، قَالَ: لا وَاللَّهِ، لا أشرب مِنْهُ قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أَصْحَابه، فطلعوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: لا سبيل إِلَى سقي هَؤُلاءِ، إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فلما دنا مِنْهُ أَصْحَابه قَالَ لرجاله: املئوا قربكم، فشد الرجالة فملئوا قربهم، وثار إِلَيْهِم عَمْرو بن الحجاج وأَصْحَابه، فحمل عَلَيْهِم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفوهم، ثُمَّ انصرفوا إِلَى رحالهم، فَقَالُوا: امضوا، ووقفوا دونهم، فعطف

стр. 2873

عَلَيْهِم عَمْرو بن الحجاج وأَصْحَابه واطردوا قليلا ثُمَّ إن رجلا من صداء طعن من أَصْحَاب عَمْرو بن الحجاج، طعنه نافع بن هلال، فظن أنها ليست بشيء، ثُمَّ إنها انتقضت بعد ذَلِكَ، فمات منها، وجاء أَصْحَاب حُسَيْن بالقرب فأدخلوها عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو جناب، عن هانئ بن ثبيت الحضرمي- وَكَانَ قَدْ شهد قتل الْحُسَيْن، قَالَ: بعث الحسين ع إِلَى عُمَر بن سَعْد عَمْرو بن قرظة بن كعب الأنصاري: ان القنى الليل بين عسكري وعسكرك. قَالَ: فخرج عُمَر بن سَعْد فِي نحو من عشرين فارسا، وأقبل حُسَيْن فِي مثل ذَلِكَ، فلما التقوا أمر حُسَيْن أَصْحَابه أن يتنحوا عنه، وأمر عُمَر بن سَعْد أَصْحَابه بمثل ذَلِكَ، قَالَ: فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما وَلا كلامهما، فتكلما فأطالا حَتَّى ذهب من الليل هزيع، ثُمَّ انصرف كل واحد منهما إِلَى عسكره بأَصْحَابه، وتحدث الناس فِيمَا بينهما، ظنا يظنونه أن حسينا قَالَ لعمر بن سَعْد: اخرج معي إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة وندع العسكرين، قَالَ عمر: إذن تهدم داري، قَالَ: أنا أبنيها لك، قَالَ: إذن تؤخذ ضياعي، قَالَ: إذن أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز قَالَ: فتكره ذَلِكَ عمر، قَالَ: فتحدث الناس بِذَلِكَ، وشاع فِيهِمْ مِنْ غَيْرِ أن يكونوا سمعوا من ذَلِكَ شَيْئًا وَلا علموه. قَالَ أَبُو مخنف: وأما مَا حَدَّثَنَا بِهِ الْمُجَالِدُ بن سَعِيدٍ والصقعب بن زهير الأَزْدِيّ وغيرهما من المحدثين، فهو مَا عَلَيْهِ جماعة المحدثين، قَالُوا: إنه قَالَ: اختاروا مني خصالا ثلاثا: إما أن أرجع إِلَى المكان الَّذِي أقبلت مِنْهُ، وإما أن أضع يدي فِي يد يَزِيد بن مُعَاوِيَة فيرى فِيمَا بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إِلَى أي ثغر من ثغور الْمُسْلِمِينَ شئتم، فأكون رجلا من أهله، لي مَا لَهُمْ وعلي مَا عَلَيْهِم. قَالَ أَبُو مخنف: فأما عبد الرَّحْمَن بن جندب فَحَدَّثَنِي عن عقبة بن سمعان قَالَ: صحبت حسينا فخرجت مَعَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مكة، ومن مكة إِلَى

стр. 2874

العراق، ولم أفارقه حَتَّى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بِالْمَدِينَةِ وَلا بمكة وَلا فِي الطريق وَلا بِالْعِرَاقِ وَلا فِي عسكر إِلَى يوم مقتله إلا وَقَدْ سمعتها أَلا وَاللَّهِ مَا أعطاهم مَا يتذاكر الناس وما يزعمون، من أن يضع يده فِي يد يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وَلا أن يسيروه إِلَى ثغر من ثغور الْمُسْلِمِينَ، ولكنه قَالَ: دعوني فلأذهب فِي هَذِهِ الأرض العريضة حَتَّى ننظر مَا يصير أمر الناس. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الْمُجَالِد بن سَعِيد الهمداني والصقعب بن زهير، أنهما كانا التقيا مرارا ثلاثا أو أربعا، حُسَيْن وعمر بن سَعْدٍ، قَالَ: فكتب عمر ابن سَعْد إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد: أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه قَدْ أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هَذَا حُسَيْن قَدْ أعطاني أن يرجع إِلَى المكان الَّذِي مِنْهُ أتى، أو أن نسيره إِلَى أي ثغر من ثغور الْمُسْلِمِينَ شئنا، فيكون رجلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ، وعليه مَا عَلَيْهِم، أو أن يأتي يَزِيد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فيضع يده فِي يده، فيرى فِيمَا بينه وبينه رأيه، وفي هَذَا لكم رضا، وللأمة صلاح قَالَ: فلما قرأ عُبَيْد اللَّهِ الكتاب قَالَ: هَذَا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق عَلَى قومه، نعم قَدْ قبلت قَالَ: فقام إِلَيْهِ شمر بن ذي الجوشن، فَقَالَ: أتقبل هَذَا مِنْهُ وَقَدْ نزل بأرضك إِلَى جنبك! وَاللَّهِ لَئِنْ رحل من بلدك، ولم يضع يده فِي يدك، ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هَذِهِ المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل عَلَى حكمك هُوَ وأَصْحَابه، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كَانَ ذَلِكَ لك، وَاللَّهِ لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سَعْد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: نعم مَا رأيت! الرأي رأيك. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قَالَ: ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فَقَالَ لَهُ: اخرج بهذا الكتاب إِلَى عُمَر بن سَعْد فليعرض عَلَى الْحُسَيْن وأَصْحَابه النزول عَلَى حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع لَهُ وأطع، وإن هُوَ أبى فقاتلهم، فأنت أَمِير الناس، وثب عَلَيْهِ فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه

стр. 2875

قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو جناب الكلبي، قال: ثم كتب عبيد الله ابن زياد إِلَى عُمَر بن سَعْد: أَمَّا بَعْدُ، فإني لم أبعثك إِلَى حُسَيْن لتكف عنه وَلا لتطاوله، وَلا لتمنيه السلامة والبقاء، وَلا لتقعد لَهُ عندي شافعا انظر، فإن نزل حُسَيْن وأَصْحَابه عَلَى الحكم واستسلموا، فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إِلَيْهِم حَتَّى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل حُسَيْن فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق، قاطع ظلوم، وليس دهري فِي هَذَا أن يضر بعد الموت شَيْئًا، ولكن علي قول لو قَدْ قتلته فعلت هَذَا بِهِ إن أنت مضيت لأمرنا فِيهِ جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قَدْ أمرناه بأمرنا، والسلام قَالَ أَبُو مخنف: عن الْحَارِث بن حصيرة، عن عَبْد اللَّهِ بن شريك العامري، قَالَ: لما قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب قام هُوَ وعبد اللَّه بن أبي المحل- وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عِنْدَ على بن ابى طالب ع، فولدت لَهُ العباس وعبد اللَّه وجعفرا وعثمان- فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن أبي المحل بن حزام بن خَالِد بن رَبِيعَة بن الوحيد بن كعب بن عَامِر بن كلاب: أصلح اللَّه الأمير! إن بني أختنا مع الْحُسَيْن، فإن رأيت أن تكتب لَهُمْ أمانا فعلت، قَالَ: نعم ونعمة عين فأمر كاتبه، فكتب لَهُمْ أمانا، فبعث بِهِ عَبْد اللَّهِ بن أبي المحل مع مولى لَهُ يقال لَهُ: كزمان، فلما قدم عَلَيْهِم دعاهم، فَقَالَ: هَذَا أمان بعث بِهِ خالكم، فَقَالَ لَهُ الفتية: أقرئ خالنا السلام، وقل له: أن لا حاجة لنا فِي أمانكم، أمان اللَّه خير من أمان ابن سمية قَالَ: فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عُبَيْد اللَّهِ بن زياد الى عمر ابن سَعْد، فلما قدم بِهِ عَلَيْهِ فقرأه قَالَ لَهُ عمر: مَا لك ويلك! لا قرب اللَّه دارك، وقبح اللَّه مَا قدمت بِهِ علي! وَاللَّهِ إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل مَا كتبت بِهِ إِلَيْهِ، أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم وَاللَّهِ حُسَيْن، إن نفسا أبية لبين جنبيه، فَقَالَ لَهُ شمر: أَخْبِرْنِي مَا أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه، وإلا فخل بيني وبين الجند

стр. 2876

والعسكر، قَالَ: لا وَلا كرامة لك، وأنا أتولى ذَلِكَ، قَالَ: فدونك، وكن أنت عَلَى الرجال، قَالَ: فنهض إِلَيْهِ عشية الخميس لتسع مضين من المحرم، قَالَ: وجاء شمر حَتَّى وقف عَلَى أَصْحَاب الْحُسَيْن، فَقَالَ: أين بنو أختنا؟ فخرج إِلَيْهِ العباس وجعفر وعثمان بنو على، فقالوا له: مالك وما تريد؟ قَالَ: أنتم يَا بني أختي آمنون، قَالَ لَهُ الفتية: لعنك اللَّه ولعن أمانك! لَئِنْ كنت خالنا أتؤمننا وابن رَسُول اللَّهِ لا أمان لَهُ! قَالَ: ثُمَّ إن عُمَر بن سَعْد نادى: يَا خيل اللَّه اركبي وأبشري فركب فِي الناس، ثُمَّ زحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه، إذ خفق برأسه عَلَى ركبتيه، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها، فَقَالَتْ: يَا أخي، أما تسمع الأصوات قَدِ اقتربت! قَالَ: [فرفع الْحُسَيْن رأسه فَقَالَ: انى رايت رسول الله ص فِي المنام فَقَالَ لي: إنك تروح إلينا، قَالَ] : فلطمت أخته وجهها وقالت: يَا ويلتا! فَقَالَ: ليس لك الويل يَا أخية، اسكني رحمك الرحمن! وَقَالَ العباس بن علي: يَا أخي، أتاك القوم، قَالَ: فنهض، ثُمَّ قَالَ: يَا عباس، اركب بنفسي أنت يَا أخي حَتَّى تلقاهم فتقول لَهُمْ: مَا لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جَاءَ بهم؟ فأتاهم العباس، فاستقبلهم فِي نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب ابن مظاهر، فَقَالَ لَهُمُ العباس: مَا بدا لكم؟ وما تريدون؟ قَالُوا: جَاءَ أمر الأمير بأن نعرض عَلَيْكُمْ أن تنزلوا عَلَى حكمه أو ننازلكم، قَالَ: فلا تعجلوا. حَتَّى أرجع إِلَى أبي عَبْد اللَّهِ فأعرض عَلَيْهِ مَا ذكرتم، قَالَ: فوقفوا ثُمَّ قَالُوا: القه فأعلمه ذَلِكَ، ثُمَّ القنا بِمَا يقول، قَالَ: فانصرف العباس راجعا يركض الى الحسين يخبره بالخبر، ووقف أَصْحَابه يخاطبون القوم، فَقَالَ حبيب ابن مظاهر لزهير بن القين: كلم القوم إن شئت وإن شئت كلمتهم، فَقَالَ لَهُ زهير: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلمهم، فَقَالَ لَهُ حبيب بن مظاهر: أما وَاللَّهِ لبئس القوم عِنْدَ اللَّه غدا قوم يقدمون عَلَيْهِ قَدْ قتلوا ذرية نبيه ﵇ وعترته واهل بيته ص وعباد أهل هَذَا المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرين اللَّه كثيرا، فَقَالَ لَهُ عزرة بن قيس: انك لتزكى

стр. 2877

نفسك مَا استطعت، فَقَالَ لَهُ زهير: يَا عزرة، إن اللَّه قَدْ زكاها وهداها، فاتق اللَّه يَا عزرة فإني لك من الناصحين، أنشدك اللَّه يَا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال عَلَى قتل النفوس الزكية! قَالَ: يَا زهير، مَا كنت عندنا من شيعة أهل هَذَا البيت، إنما كنت عثمانيا، قَالَ: أفلست تستدل بموقفي هَذَا أني مِنْهُمْ! أما وَاللَّهِ مَا كتبت إِلَيْهِ كتابا قط، وَلا أرسلت إِلَيْهِ رسولا قط، وَلا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رايته ذكرت به رسول الله ص ومكانه مِنْهُ، وعرفت مَا يقدم عَلَيْهِ من عدوه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون فِي حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظا لما ضيعتم من حق اللَّه وحق رسوله ع قَالَ: وأقبل العباس بن علي يركض حَتَّى انتهى إِلَيْهِم، فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، إن أبا عبد الله يسألكم ان تنصرفوا هَذِهِ العشية حَتَّى ينظر فِي هَذَا الأمر، فإن هَذَا أمر لم يجر بينكم وبينه فِيهِ منطق، فإذا أصبحنا التقينا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فإما رضيناه فأتينا بالأمر الَّذِي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه، وإنما أراد بِذَلِكَ أن يردهم عنه تِلَكَ العشية حَتَّى يأمر بأمره، ويوصي أهله، فلما أتاهم العباس بن علي بِذَلِكَ قَالَ عُمَر بن سَعْد: مَا ترى يَا شمر؟ قَالَ: مَا ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك، قَالَ: قَدْ أردت الا أكون، ثُمَّ أقبل عَلَى الناس فَقَالَ: ماذا ترون؟ فَقَالَ عَمْرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان اللَّه! وَاللَّهِ لو كَانُوا من الديلم ثُمَّ سألوك هَذِهِ المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إِلَيْهَا، وَقَالَ قيس بن الأشعث: أجبهم إِلَى مَا سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة، فَقَالَ: وَاللَّهِ لو أعلم أن يفعلوا مَا أخرجتهم العشية، قَالَ: وَكَانَ العباس بن علي حين أتى حسينا بِمَا عرض عَلَيْهِ عُمَر بن سَعْدٍ [قَالَ: ارجع إِلَيْهِم، فإن استطعت أن تؤخرهم إِلَى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قَدْ كنت أحب الصَّلاة لَهُ وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار!] قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بن حصيرة، عن عَبْد اللَّهِ بن شريك

стр. 2878

العامري، [عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن قَالَ: أتانا رسول من قبل عُمَر بن سَعْد فقام مثل حَيْثُ يسمع الصوت فَقَالَ: إنا قَدْ أجلناكم إِلَى غد، فإن استسلمتم سرحنا بكم إِلَى أميرنا عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم] . قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عاصم الفائشي، عن الضحاك بن عَبْدِ اللَّهِ المشرقي- بطن من همدان- ان الحسين بن على ع جمع أَصْحَابه. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي أَيْضًا الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، [عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن، قَالا: جمع الحسين اصحابه بعد ما رجع عُمَر بن سَعْد، وَذَلِكَ عِنْدَ قرب المساء، قَالَ عَلِيّ بن الْحُسَيْن: فدنوت مِنْهُ لأسمع وأنا مريض، فسمعت أبي وَهُوَ يقول لأَصْحَابه: أثني عَلَى اللَّه ﵎ أحسن الثناء، وأحمده عَلَى السراء والضراء، اللَّهُمَّ إني أحمدك عَلَى أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا فِي الدين، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين، أَمَّا بَعْدُ، فإني لا أعلم أَصْحَابا أولى وَلا خيرا من أَصْحَابي، وَلا أهل بيت أبر وَلا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم اللَّه عني جميعا خيرا، أَلا وإني أظن يومنا من هَؤُلاءِ الأعداء غدا، أَلا وإني قَدْ رأيت لكم فانطلقوا جميعا فِي حل، ليس عَلَيْكُمْ مني ذمام، هَذَا ليل قَدْ غشيكم، فاتخذوه جملا] . قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن عاصم الفائشي- بطن من همدان- عن الضحاك بن عَبْدِ اللَّهِ المشرقي، قَالَ: قدمت ومالك بن النضر الأرحبي عَلَى الْحُسَيْن، فسلمنا عَلَيْهِ، ثُمَّ جلسنا إِلَيْهِ، فرد علينا، ورحب بنا، وسألنا عما جئنا لَهُ، فقلنا: جئنا لنسلم عَلَيْك، وندعو اللَّه لك بالعافية، ونحدث بك عهدا، ونخبرك خبر الناس، وإنا نحدثك أَنَّهُمْ قَدْ جمعوا عَلَى حربك فر رأيك [فقال الحسين ع: حسبي اللَّه ونعم الوكيل!] قَالَ: فتذممنا وَسَلَّمنا عَلَيْهِ، ودعونا اللَّه لَهُ، قَالَ: فما يمنعكما من نصرتي؟ فقال مالك ابن النضر: عليّ دين، ولي عيال، فقلت لَهُ: إن علي دينا، وإن لي لعيالا، ولكنك إن جعلتني فِي حل من الانصراف إذا لم أجد مقاتلا قاتلت

стр. 2879

عنك مَا كَانَ لك نافعا، وعنك دافعا! قَالَ: قَالَ: فأنت فِي حل، فأقمت مَعَهُ، فلما كَانَ الليل قَالَ: [هَذَا الليل قَدْ غشيكم، فاتخذوه جملا، ثُمَّ ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من اهل بيتى، تفرقوا فِي سوادكم ومدائنكم حَتَّى يفرج اللَّه، فإن القوم إنما يطلبوني، ولو قَدْ أصابوني لهوا عن طلب غيري،] فَقَالَ لَهُ إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر: لم نفعل لنبقى بعدك، لا أرانا اللَّه ذَلِكَ أبدا، بدأهم بهذا القول العباس بن علي ثُمَّ إِنَّهُمْ تكلموا بهذا ونحوه، [فقال الحسين ع: يَا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم،] اذهبوا قَدْ أذنت لكم، قَالُوا: فما يقول الناس! يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، وَلا ندري مَا صنعوا! لا وَاللَّهِ لا نفعل، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حَتَّى نرد موردك، فقبح اللَّه العيش بعدك! قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن عاصم، عن الضحاك بن عَبْدِ اللَّهِ المشرقي، قَالَ: فقام إِلَيْهِ مسلم بن عوسجة الأسدي فَقَالَ: أنحن نخلي عنك ولما نعذر إِلَى اللَّهِ فِي أداء حقك! أما وَاللَّهِ حَتَّى أكسر فِي صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي مَا ثبت قائمه فِي يدي، وَلا أفارقك، ولو لَمْ يَكُنْ معي سلاح أقاتلهم بِهِ لقذفتهم بالحجارة دونك حَتَّى أموت معك. قَالَ: وَقَالَ سَعِيد بن عَبْدِ اللَّهِ الحنفي: وَاللَّهِ لا نخليك حَتَّى يعلم اللَّه أنا حفظنا غيبه رسول الله ص فيك، وَاللَّهِ لو علمت أني أقتل ثُمَّ أحيا ثُمَّ أحرق حيا ثُمَّ أذر، يفعل ذَلِكَ بي سبعين مرة مَا فارقتك حَتَّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذَلِكَ! وإنما هي قتلة واحدة، ثُمَّ هي الكرامة الَّتِي لا انقضاء لها أبدا. قَالَ: وَقَالَ زهير بن القين: وَاللَّهِ لوددت أني قتلت ثُمَّ نشرت ثُمَّ قتلت حَتَّى أقتل كذا ألف قتلة، وأن اللَّه يدفع بِذَلِكَ القتل عن نفسك وعن أنفس

стр. 2880

هَؤُلاءِ الفتية من أهل بيتك قَالَ: وتكلم جماعة أَصْحَابه بكلام يشبه بعضه بعضا فِي وجه واحد، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنا وفينا، وقضينا مَا علينا. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بن كعب وابو الضحاك، [عن على ابن الْحُسَيْن بن علي قَالَ: إني جالس فِي تِلَكَ العشية الَّتِي قتل أبي صبيحتها، وعمتي زينب عندي تمرضني، إذ اعتزل أبي بأَصْحَابه فِي خباء لَهُ، وعنده حوي، مولى أبي ذر الْغِفَارِيّ، وَهُوَ يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول: يَا دهر أف لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إِلَى الجليل ... وكل حي سالك السبيل قال: فأعادها مرتين او ثلاثا حَتَّى فهمتها، فعرفت مَا أراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي ولزمت السكون، فعلمت أن البلاء قَدْ نزل،] [فأما عمتي فإنها سمعت مَا سمعت، وَهِيَ امرأة، وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها، وانها لحاسره حتى انتهت اليه، فقالت: وا ثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! الْيَوْم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي، يَا خليفة الماضي، وثمال الباقي، قَالَ: فنظر إِلَيْهَا الْحُسَيْن ع فَقَالَ: يَا أخية، لا يذهبن حلمك الشَّيْطَان،] قالت: بأبي أنت وأمي يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ! استقتلت نفسي فداك، فرد غصته، وترقرقت عيناه، وَقَالَ: لو ترك القطا ليلا لنام، قالت: يا ويلتى، افتغصب نفسك اغتصابا، فذلك أقرح لقلبي، وأشد عَلَى نفسي! ولطمت وجهها، وأهوت إِلَى جيبها وشقته، وخرت مغشيا عَلَيْهَا، فقام إِلَيْهَا الْحُسَيْن فصب عَلَى وجهها الماء، [وَقَالَ لها: يَا أخية، اتقي اللَّه وتعزي بعزاء اللَّه،، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ

стр. 2881

إلا وجه اللَّه الَّذِي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وَهُوَ فرد وحده، أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول اللَّه أسوة، قَالَ: فعزاها بهذا ونحوه، وَقَالَ لها: يَا أخية، إني أقسم عَلَيْك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيبا، وَلا تخمشي علي وجها، وَلا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت،] قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بِهَا حَتَّى أجلسها عندي، وخرج إِلَى أَصْحَابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها فِي بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الَّذِي يأتيهم مِنْهُ عدوهم. قَالَ أَبُو مخنف: عن عَبْد اللَّهِ بن عاصم، عن الضحاك بن عَبْدِ اللَّهِ المشرقي، قَالَ: فلما أمسى حُسَيْن وأَصْحَابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون، ويدعون ويتضرعون، قَالَ: فتمر بنا خيل لَهُمْ تحرسنا، وإن حسينا ليقرأ: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» فسمعها رجل من تِلَكَ الخيل الَّتِي كَانَتْ تحرسنا، فَقَالَ: نحن ورب الكعبة الطيبون، ميزنا مِنْكُمْ. قَالَ: فعرفته فقلت لبرير بن حضير: تدري من هَذَا؟ قَالَ: لا، قلت هَذَا أَبُو حرب السبيعي عَبْد اللَّهِ بن شهر- وَكَانَ مضحاكا بطالا، وَكَانَ شريفا شجاعا فاتكا، وَكَانَ سَعِيد بن قيس ربما حبسه فِي جناية- فَقَالَ لَهُ برير بن حضير: يَا فاسق، أنت يجعلك اللَّه فِي الطيبين! فَقَالَ لَهُ: من أنت؟ قَالَ: أنا برير بن حضير، قَالَ: إنا لِلَّهِ! عز علي! هلكت وَاللَّهِ، هلكت وَاللَّهِ يَا برير! قَالَ: يَا أَبَا حرب، هل لك أن تتوب إِلَى الله من ذنوبك العظام! فو الله إنا لنحن الطيبون، ولكنكم لأنتم الخبيثون، قَالَ: وأنا عَلَى ذَلِكَ من الشاهدين، قلت: ويحك! أفلا ينفعك معرفتك! قَالَ: جعلت فداك! فمن ينادم يَزِيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل! قال: ها هو ذا معي، قَالَ: قبح اللَّه رأيك عَلَى كل حال! أنت سفيه قَالَ: ثُمَّ انصرف

стр. 2882

عنا، وَكَانَ الَّذِي يحرسنا بالليل فِي الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وَكَانَ عَلَى الخيل، قَالَ: فلما صلى عُمَر بن سَعْد الغداة يوم السبت- وَقَدْ بلغنا أَيْضًا أنه كَانَ يوم الجمعة، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْم يوم عاشوراء- خرج فيمن مَعَهُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ: وعبأ الْحُسَيْن أَصْحَابه، وصلى بهم صلاة الغداة، وَكَانَ مَعَهُ اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، فجعل زهير بن القين فِي ميمنة أَصْحَابه، وحبيب بن مظاهر فِي ميسرة أَصْحَابه، وأعطى رايته العباس بن علي أخاه، وجعلوا البيوت فِي ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كَانَ من وراء البيوت يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم قال: وكان الحسين ع أتي بقصب وحطب إِلَى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية، فحفروه فِي ساعة من الليل، فجعلوه كالخندق، ثُمَّ ألقوا فِيهِ ذَلِكَ الحطب والقصب، وقالوا: إذا عدوا علينا فقاتلونا ألقينا فِيهِ النار كيلا نؤتى من ورائنا، وقاتلنا القوم من وجه واحد ففعلوا، وَكَانَ لَهُمْ نافعا. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج الكندي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشر، عن عَمْرو الحضرمي، قَالَ: لما خرج عُمَر بن سَعْد بِالنَّاسِ كَانَ عَلَى ربع أهل الْمَدِينَة يَوْمَئِذٍ عَبْد اللَّهِ بن زهير بن سليم الأَزْدِيّ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرَّحْمَن بن أبي سبرة الجعفي، وعلى ربع رَبِيعَة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يَزِيدَ الرياحي، فشهد هَؤُلاءِ كلهم مقتل الْحُسَيْن إلا الحر بن يَزِيدَ فإنه عدل إِلَى الْحُسَيْن، وقتل مَعَهُ وجعل عمر عَلَى ميمنته عَمْرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شُرَحْبِيل بن الأعور بن عُمَرَ بن مُعَاوِيَة- وَهُوَ الضباب بن كلاب- وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي الرياحي، وأعطى الراية ذويدا مولاه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عَمْرو بن مُرَّةَ الْجَمَلِيّ، عن أبي صالح الحنفي،

стр. 2883

عن غلام لعبد الرَّحْمَن بن عبد ربه الأَنْصَارِيّ، قَالَ: كنت مع مولاي، فلما حضر الناس وأقبلوا إِلَى الْحُسَيْن، أمر الْحُسَيْن بفسطاط فضرب، ثُمَّ أمر بمسك فميث فِي جفنة عظيمة أو صحفة، قَالَ: ثُمَّ دخل الْحُسَيْن ذَلِكَ الفسطاط فتطلى بالنورة قَالَ: ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير ابن حضير الهمداني عَلَى باب الفسطاط تحتك مناكبهما، فازدحما أيهما يطلي عَلَى أثره، فجعل برير يهازل عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن: دعنا، فو الله مَا هَذِهِ بساعة باطل، فَقَالَ لَهُ برير: وَاللَّهِ لقد علم قومي أني مَا أحببت الباطل شابا وَلا كهلا، ولكن وَاللَّهِ إني لمستبشر بِمَا نحن لاقون، وَاللَّهِ إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هَؤُلاءِ علينا بأسيافهم، ولوددت أَنَّهُمْ قَدْ مالوا علينا بأسيافهم قَالَ: فلما فرغ الْحُسَيْن دخلنا فاطلينا، قَالَ: ثُمَّ إن الْحُسَيْن ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه، قَالَ: فاقتتل أَصْحَابه بين يديه قتالا شديدا، فلما رأيت القوم قَدْ صرعوا أفلت وتركتهم قَالَ أَبُو مخنف، عن بعض أَصْحَابه، عن أبي خَالِد الكاهلي، قَالَ: لما صبحت الخيل الْحُسَيْن رفع الْحُسَيْن يديه، فَقَالَ: [اللَّهُمَّ أنت ثقتي فِي كل كرب، ورجائي فِي كل شدة، وأنت لي فِي كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فِيهِ الفؤاد، وتقل فِيهِ الحيلة، ويخذل فِيهِ الصديق، ويشمت فِيهِ العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة مني إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة] . قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عاصم، قَالَ: حَدَّثَنِي الضحاك المشرقي، قَالَ: لما أقبلوا نحونا فنظروا إِلَى النار تضطرم فِي الحطب والقصب الَّذِي كنا ألهبنا فِيهِ النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا مِنْهُمْ رجل يركض عَلَى فرس كامل الأداة، فلم يكلمنا حَتَّى مر عَلَى أبياتنا، فنظر إِلَى أبياتنا فإذا هُوَ لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فِيهِ، فرجع راجعا، فنادى بأعلى صوته: يَا حُسَيْن، استعجلت النار فِي الدُّنْيَا قبل يوم الْقِيَامَة! [فَقَالَ

стр. 2884

الْحُسَيْن: من هَذَا؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن! فَقَالُوا: نعم، أصلحك اللَّه! هُوَ هُوَ، فقال: يا بن راعية المعزى، أنت أولى بِهَا صليا،] فَقَالَ له مسلم بن عوسجة: يا بن رَسُول اللَّهِ، جعلت فداك! أَلا أرميه بسهم! فإنه قَدْ أمكنني، وليس يسقط مني سهم، فالفاسق من أعظم الجبارين، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم، وَكَانَ مع الْحُسَيْن فرس لَهُ يدعى لاحقا حمل عَلَيْهِ ابنه عَلِيّ بن الْحُسَيْن، قَالَ: فلما دنا منه القوم عاد براحلته فركبها، ثم نادى باعلى صوته دعاء يسمع جل الناس: أَيُّهَا النَّاسُ، اسمعوا قولي، وَلا تعجلوني حَتَّى أعظكم بِمَا لحق لكم علي، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عَلَيْكُمْ، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأعطيتموني النصف، كنتم بِذَلِكَ أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ» ، «إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» قَالَ: فلما سمع أخواته كلامه هَذَا صحن وبكين، وبكى بناته فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس ابن علي وعليا ابنه، وَقَالَ لهما: أسكتاهن، فلعمري ليكثرن بكاؤهن، قَالَ: فلما ذهبا ليسكتاهن قَالَ: لا يبعد ابن عَبَّاس، قَالَ: فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن، لأنه قَدْ كَانَ نهاه أن يخرج بهن، فلما سكتن حمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ، وذكر اللَّه بِمَا هو اهله، وصلى على محمد ص وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر من ذَلِكَ مَا اللَّه أعلم وما لا يحصى ذكره. قَالَ: فو الله مَا سمعت متكلما قط قبله وَلا بعده أبلغ فِي منطق مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فانسبوني فانظروا من أنا، ثُمَّ ارجعوا إِلَى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا، هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم ص وابن وصيه وابن عمه، وأول الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ والمصدق لِرَسُولِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ من عِنْدَ ربه! او ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي! أوليس جَعْفَر الشهيد الطيار

стр. 2885

ذو الجناحين عمى! [او لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ لي ولأخي: هَذَانِ سيدا شباب أهل الجنة!] فإن صدقتموني بِمَا أقول- وَهُوَ الحق- فو الله مَا تعمدت كذبا مذ علمت أن اللَّه يمقت عَلَيْهِ أهله، ويضر بِهِ من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذَلِكَ أخبركم، سلوا جابر بن عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيّ، أو أبا سَعِيد الخدري، أو سَهْل بن سَعْد الساعدي، أو زَيْد بن أَرْقَمَ، أو أنس بن مالك، يخبروكم أَنَّهُمْ سمعوا هذه المقاله من رسول الله ص لي ولأخي. أفما فِي هَذَا حاجز لكم عن سفك دمي! فَقَالَ لَهُ شمر بن ذي الجوشن: هُوَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ان كان يدرى ما يقول! فَقَالَ لَهُ حبيب بن مظاهر: وَاللَّهِ إني لأراك تعبد اللَّه عَلَى سبعين حرفا، وأنا أشهد أنك صادق مَا تدري مَا يقول، قَدْ طبع اللَّه عَلَى قلبك، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ الْحُسَيْن: فإن كنتم فِي شك من هَذَا القول أفتشكون أثرا مَا أني ابن بنت نبيكم! فو الله مَا بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري مِنْكُمْ وَلا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة. أخبروني، أتطلبوني بقتيل مِنْكُمْ قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ قَالَ: فأخذوا لا يكلمونه، قَالَ: فنادى: يَا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يَزِيد بن الْحَارِث، ألم تكتبوا إلي أن قَدْ أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم عَلَى جند لك مجند، فأقبل! قَالُوا لَهُ: لم نفعل، فَقَالَ: سبحان اللَّه! بلى وَاللَّهِ، لقد فعلتم، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إِلَى مأمني من الأرض، قَالَ: فَقَالَ لَهُ قيس بن الاشعث: او لا تنزل عَلَى حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلا مَا تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الْحُسَيْن: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل، [لا وَاللَّهِ لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، وَلا أقر إقرار العبيد عباد اللَّه، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ

стр. 2886

أعوذ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يؤمن بيوم الحساب، قَالَ:] ثُمَّ إنه أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حنظلة بن أسعد الشامي، عن رجل من قومه شهد مقتل الْحُسَيْن حين قتل يقال لَهُ كثير بن عَبْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيّ، قَالَ: لما زحفنا قبل الحسين خرج إلينا زهير بن قين عَلَى فرس لَهُ ذنوب، شاك فِي السلاح، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، نذار لكم من عذاب اللَّه نذار! إن حقا عَلَى المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حَتَّى الآن إخوة، وعلى دين واحد وملة واحدة، مَا لم يقع بيننا وبينكم السيف، وَأَنْتُمْ للنصيحة منا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وَأَنْتُمْ أمة، إن اللَّه قَدِ ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد ص لينظر مَا نحن وَأَنْتُمْ عاملون، إنا ندعوكم إِلَى نصرهم وخذلان الطاغية عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فإنكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كله، ليسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم عَلَى جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأَصْحَابه، وهانئ بن عروة وأشباهه، قَالَ: فسبوه، وأثنوا عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، ودعوا لَهُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نبرح حَتَّى نقتل صاحبك ومن مَعَهُ، أو نبعث بِهِ وبأَصْحَابه إِلَى الأمير عُبَيْد اللَّهِ سلما، فَقَالَ لَهُمْ: عباد اللَّه، إن ولد فاطمة رضوان اللَّه عَلَيْهَا أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بِاللَّهِ أن تقتلوهم، فخلوا بين الرجل وبين ابن عمه يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فلعمري إن يَزِيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الْحُسَيْن، قَالَ: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وَقَالَ: اسكت أسكت اللَّه نأمتك، أبرمتنا بكثرة كلامك! فَقَالَ لَهُ زهير: يا بن البوال عَلَى عقبيه، مَا إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة، وَاللَّهِ مَا أظنك تحكم من كتاب اللَّه آيتين، فأبشر بالخزي يوم الْقِيَامَة والعذاب الأليم، فَقَالَ لَهُ شمر: إن اللَّه قاتلك وصاحبك عن ساعة، قَالَ: أفبالموت تخوفني!

стр. 2887

فو الله للموت مَعَهُ أحب إلي من الخلد معكم، قَالَ: ثُمَّ أقبل عَلَى الناس رافعا صوته، فَقَالَ: عباد اللَّه، لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فو الله لا تنال شفاعه محمد ص قوما هراقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم، قَالَ: فناداه رجل فَقَالَ لَهُ: إن أبا عَبْد اللَّهِ يقول لك: أقبل، فلعمري لَئِنْ كَانَ مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ فِي الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ! قَالَ أَبُو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة، قَالَ: ثُمَّ إن الحر بن يَزِيدَ لما زحف عُمَر بن سَعْدٍ قَالَ لَهُ: أصلحك اللَّه! مقاتل أنت هَذَا الرجل؟ قَالَ: إي وَاللَّهِ قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي، قَالَ: أفما لكم فِي واحدة من الخصال الَّتِي عرض عَلَيْكُمْ رضا؟ قَالَ عُمَر بن سَعْد: أما وَاللَّهِ لو كَانَ الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قَدْ أبى ذَلِكَ، قَالَ: فأقبل حَتَّى وقف مِنَ النَّاسِ موقفا، وَمَعَهُ رجل من قومه يقال لَهُ قرة بن قيس، فَقَالَ: يَا قرة، هل سقيت فرسك الْيَوْم؟ قَالَ: لا، قَالَ: إنما تريد أن تسقيه؟ قَالَ: فظننت وَاللَّهِ أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذَلِكَ، فيخاف أن أرفعه عَلَيْهِ، فقلت لَهُ: لم أسقه، وأنا منطلق فساقيه، قَالَ: فاعتزلت ذَلِكَ المكان الَّذِي كَانَ فِيهِ، قَالَ: فو الله لو أنه أطلعني عَلَى الَّذِي يريد لخرجت مَعَهُ إِلَى الْحُسَيْن، قَالَ: فأخذ يدنو من حُسَيْن قليلا قليلا، فَقَالَ لَهُ رجل من قومه يقال له المهاجر ابن أوس: ما تريد يا بن يَزِيدَ؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذه مثل العرواء، فقال له يا بن يَزِيدَ؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذه مثل العرواء، فقال له يا بن يَزِيدَ، وَاللَّهِ إن أمرك لمريب، وَاللَّهِ مَا رأيت مِنْكَ فِي موقف قط مثل شَيْء أراه الآن، ولو قيل لي: من أشجع أهل الْكُوفَة رجلا مَا عدوتك، فما هَذَا الَّذِي أَرَى مِنْكَ! قَالَ: إني وَاللَّهِ أخير نفسي بين الجنه والنار، وو الله لا أختار عَلَى الجنة شَيْئًا ولو قطعت وحرقت، ثم ضرب فرسه فلحق بحسين ع، فقال له: جعلني الله فداك يا بن رَسُول اللَّهِ! أنا صاحبك الَّذِي حبستك عن الرجوع، وسايرتك فِي الطريق،

стр. 2888

وجعجعت بك فِي هَذَا المكان، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا ظننت أن القوم يردون عَلَيْك مَا عرضت عَلَيْهِم أبدا، وَلا يبلغون مِنْكَ هَذِهِ المنزلة فقلت فِي نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم فِي بعض أمرهم، وَلا يرون أني خرجت من طاعتهم وأما هم فسيقبلون من حُسَيْن هَذِهِ الخصال التي يعرض عليهم، وو الله لو ظننت أَنَّهُمْ لا يقبلونها مِنْكَ مَا ركبتها مِنْكَ، وإني قَدْ جئتك تائبا مما كَانَ مني إِلَى ربي، ومواسيا لك بنفسي حَتَّى أموت بين يديك، أفترى ذَلِكَ لي توبة؟ قَالَ: نعم، يتوب اللَّه عَلَيْك، ويغفر لك، مَا اسمك؟ قَالَ: أنا الحر بن يَزِيدَ، [قَالَ: أنت الحر كما سمتك أمك، أنت الحر إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخرة، انزل، قَالَ: أنا لك فارسا خير مني راجلا، أقاتلهم عَلَى فرسي ساعة، وإلى النزول مَا يصير آخر أمري قَالَ الْحُسَيْن: فاصنع يرحمك اللَّه مَا بدا لك] فاستقدم أمام أَصْحَابه ثُمَّ قَالَ: أيها القوم، أَلا تقبلون من حُسَيْن خصلة من هَذِهِ الخصال الَّتِي عرض عَلَيْكُمْ فيعافيكم اللَّه من حربه وقتاله؟ قَالُوا: هَذَا الأمير عُمَر بن سَعْد فكلمه، فكلمه بمثل مَا كلمه بِهِ قبل، وبمثل ما كلم بِهِ أَصْحَابه، قَالَ عمر: قَدْ حرصت، لو وجدت إِلَى ذَلِكَ سبيلا فعلت، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم اسلمتموه، وزعمتم انكم قاتلو أنفسكم دونه، ثُمَّ عدوتم عَلَيْهِ لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم بِهِ من كل جانب، فمنعتموه التوجه فِي بلاد اللَّه العريضة حَتَّى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح فِي أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا، وَلا يدفع ضرا، وحلأتموه ونساءه وأصيبيته وأَصْحَابه عن ماء الفرات الجاري الَّذِي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرغ فِيهِ خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قَدْ صرعهم العطش، بئسما خلفتم مُحَمَّدا فِي ذريته! لا سقاكم اللَّه يوم الظمإ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عَلَيْهِ من يومكم هَذَا فِي ساعتكم هَذِهِ فحملت عَلَيْهِ رجالة

стр. 2889

لَهُمْ ترميه بالنبل، فأقبل حَتَّى وقف أمام الْحُسَيْن. قَالَ أَبُو مخنف، عن الصقعب بن زهير وسُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قَالَ: وزحف عُمَر بن سَعْد نحوهم، ثم نادى: يا ذويد، أدن رايتك، قَالَ: فأدناها ثُمَّ وضع سهمه فِي كبد قوسه، ثُمَّ رمى فَقَالَ: اشهدوا أني أول من رمى. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو جناب، قَالَ: كَانَ منا رجل يدعى عَبْد اللَّهِ بن عمير، من بني عليم، كَانَ قَدْ نزل الْكُوفَة، واتخذ عِنْدَ بئر الجعد من همدان دارا، وكانت مَعَهُ امراه له من النمر بن قاسط يقال لها أم وهب بنت عبد، فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إِلَى الْحُسَيْن، قَالَ: فسأل عَنْهُمْ، فقيل لَهُ: يسرحون إِلَى حُسَيْن بن فاطمة بنت رسول الله ص، فَقَالَ: وَاللَّهِ لقد كنت عَلَى جهاد أهل الشرك حريصا، وإني لأرجو أَلا يكون جهاد هَؤُلاءِ الَّذِينَ يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثوابا عِنْدَ اللَّه من ثوابه إياي فِي جهاد المشركين، فدخل إِلَى امرأته فأخبرها بِمَا سمع، وأعلمها بِمَا يريد، فَقَالَتْ: أصبت أصاب اللَّه بك أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك، قَالَ: فخرج بِهَا ليلا حَتَّى أتى حسينا، فأقام مَعَهُ، فلما دنا مِنْهُ عُمَر بن سَعْدٍ ورمى بسهم ارتمى الناس، فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أَبِي سُفْيَانَ وسالم مولى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فقالا: من يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم، قَالَ: فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير، فَقَالَ لهما حُسَيْن: اجلسا، فقام عَبْد اللَّهِ بن عمير الكلبي فَقَالَ: أبا عَبْد اللَّهِ، رحمك اللَّه! ائذن لي فلأخرج إليهما، فرأى حُسَيْن رجلا آدم طويلا شديد الساعدين بعيد مَا بين المنكبين، فَقَالَ حُسَيْن: إني لأحسبه للأقران قتالا، اخرج إن شئت، قَالَ: فخرج إليهما، فقالا لَهُ: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن حضير، ويسار مستنتل أمام سَالم، فَقَالَ لَهُ الكلبى: يا بن الزانية، وبك رغبة عن مبارزة أحد مِنَ النَّاسِ، وما يخرج إليك أحد مِنَ النَّاسِ الا وهو

стр. 2890

خير مِنْكَ، ثُمَّ شد عَلَيْهِ فضربه بسيفه حَتَّى برد، فإنه لمشتغل بِهِ يضربه بسيفه إذ شد عَلَيْهِ سَالم، فصاح بِهِ: قَدْ رهقك العبد، قَالَ: فلم يأبه لَهُ حَتَّى غشيه فبدره الضربة، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى، فأطار أصابع كفه اليسرى، ثُمَّ مال عَلَيْهِ الكلبي فضربه حَتَّى قتله، وأقبل الكلبي مرتجزا وَهُوَ يقول، وَقَدْ قتلهما جميعا: إن تنكروني فانا ابن كلب حسبي بيتى في عليم حسبي انى امرو ذو مرة وعصب ولست بالخوار عِنْدَ النكب إني زعيم لك أم وهب بالطعن فِيهِمْ مقدما والضرب ضرب غلام مؤمن بالرب. فأخذت أم وهب امرأته عمودا، ثُمَّ أقبلت نحو زوجها تقول لَهُ: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيبين ذرية مُحَمَّد، فأقبل إِلَيْهَا يردها نحو النساء فأخذت تجاذب ثوبه، ثُمَّ قالت: إني لن أدعك دون أن أموت معك، [فناداها حُسَيْن، فَقَالَ: جزيتم من أهل بيت خيرا، ارجعي رحمك اللَّه إِلَى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس عَلَى النساء قتال، فانصرفت إليهن] . قَالَ: وحمل عَمْرو بن الحجاج وَهُوَ عَلَى ميمنة الناس فِي الميمنة، فلما أن دنا من حُسَيْن جثوا لَهُ عَلَى الركب، وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم عَلَى الرماح، فذهبت الخيل لترجع، فرشقوهم بالنبل، فصرعوا مِنْهُمْ رجالا، وجرحوا مِنْهُمْ آخرين. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي حُسَيْن أَبُو جَعْفَر، قَالَ: ثُمَّ إن رجلا من بني تميم- يقال لَهُ عَبْد اللَّهِ بن حوزة- جَاءَ حَتَّى وقف أمام الْحُسَيْن، فَقَالَ: يَا حُسَيْن، يَا حُسَيْن! فَقَالَ حُسَيْن: مَا تشاء؟ قَالَ: أبشر بالنار، [قَالَ: كلا، إني أقدم عَلَى رب رحيم، وشفيع مطاع، من هَذَا؟ قَالَ لَهُ أَصْحَابه: هَذَا ابن حوزة، قَالَ: رب حزه إِلَى النار،] قَالَ: فاضطرب بِهِ فرسه فِي

стр. 2891

جدول فوقع فِيهِ، وتعلقت رجله بالركاب، ووقع راسه في الارض، ونفر الفرس، فاخذ يمر بِهِ فيضرب برأسه كل حجر وكل شجرة حَتَّى مات. قَالَ أَبُو مخنف: وأما سويد بن حية، فزعم لي أن عَبْد اللَّهِ بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى فِي الركاب، وارتفعت اليمنى فطارت، وعدا بِهِ فرسه يضرب رأسه كل حجر وأصل شجرة حَتَّى مات قَالَ أَبُو مخنف عن عطاء بن السَّائِب، عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي، عن أخيه مسروق بن وائل، قَالَ: كنت فِي أوائل الخيل ممن سار إِلَى الْحُسَيْن، فقلت: أكون فِي أوائلها لعلي أصيب رأس الْحُسَيْن، فأصيب بِهِ منزلة عِنْدَ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، قَالَ: فلما انتهينا إِلَى حُسَيْن تقدم رجل من القوم يقال لَهُ ابن حوزة، فَقَالَ: أفيكم حُسَيْن؟ قَالَ: فسكت حُسَيْن، فقالها ثانية، فأسكت حَتَّى إذا كَانَتِ الثالثة قَالَ: قولوا لَهُ: نعم، هَذَا حُسَيْن، فما حاجتك؟ قَالَ: يَا حُسَيْن، أبشر بالنار، قَالَ: كذبت، [بل أقدم عَلَى رب غفور وشفيع مطاع، فمن أنت؟] قَالَ: ابن حوزة، قَالَ، فرفع الْحُسَيْن يديه حَتَّى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حزه إِلَى النار، قَالَ: فغضب ابن حوزة، فذهب ليقحم إِلَيْهِ الفرس وبينه وبينه نهر، قَالَ: فعلقت قدمه بالركاب، وجالت بِهِ الفرس فسقط عنها، قَالَ: فانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلقا بالركاب قَالَ: فرجع مسروق وترك الخيل من ورائه، قَالَ: فسألته، فَقَالَ: لقد رأيت من أهل هَذَا البيت شَيْئًا لا أقاتلهم أبدا، قَالَ: ونشب القتال. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس- وَكَانَ قَدْ شهد مقتل الْحُسَيْن- قَالَ: وخرج يَزِيد بن معقل من بني عميرة بن رَبِيعَة وَهُوَ حليف لبني سليمة من عبد القيس، فقال: يا برير ابن حضير، كيف ترى اللَّه صنع بك! قَالَ: صنع اللَّه وَاللَّهِ بي خيرا،

стр. 2892

وصنع اللَّه بك شرا، قَالَ: كذبت، وقبل الْيَوْم مَا كنت كذابا، هل تذكر وأنا أماشيك فِي بني لوذان وأنت تقول: إن عُثْمَان بن عَفَّانَ كَانَ عَلَى نفسه مسرفا، وإن مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ ضال مضل، وإن إمام الهدى والحق عَلِيّ بن أبي طالب؟ فَقَالَ لَهُ برير: أشهد أن هَذَا رأيي وقولي، فَقَالَ لَهُ يَزِيد بن معقل: فإني أشهد أنك من الضالين، فَقَالَ لَهُ برير بن حضير: هل لك فلا باهلك، ولندع اللَّه أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل، ثُمَّ اخرج فلأبارزك، قَالَ: فخرجا فرفعا أيديهما إِلَى اللَّهِ يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحق المبطل، ثُمَّ برز كل واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يَزِيد بن معقل برير بن حضير ضربة خفيفة لم تضره شَيْئًا، وضربه برير بن حضير ضربة قدت المغفر، وبلغت الدماغ، فخر كأنما هوى من حالق، وان سيف ابن حضير لثابت فِي رأسه، فكأني أنظر إِلَيْهِ ينضنضه من رأسه، وحمل عَلَيْهِ رضي بن منقذ العبدي فاعتنق بريرا، فاعتركا ساعة ثُمَّ إن بريرا قعد عَلَى صدره فَقَالَ رضي: أين أهل المصاع والدفاع؟ قَالَ: فذهب كعب بن جابر بن عَمْرو الأَزْدِيّ ليحمل عَلَيْهِ، فقلت: إن هَذَا برير بن حضير القارئ الَّذِي كَانَ يقرئنا القرآن فِي المسجد، فحمل عَلَيْهِ بالرمح حَتَّى وضعه فِي ظهره، فلما وجد مس الرمح برك عَلَيْهِ فعض بوجهه، وقطع طرف انفه، فطعنه كعب ابن جابر حَتَّى ألقاه عنه، وَقَدْ غيب السنان فِي ظهره، ثُمَّ أقبل عَلَيْهِ يضربه بسيفه حَتَّى قتله، قَالَ عفيف: كأني أنظر إِلَى العبدي الصريع قام ينفض التراب عن قبائه، ويقول: أنعمت علي يَا أخا الأزد نعمة لن أنساها أبدا، قَالَ: فقلت: أنت رأيت هَذَا؟ قَالَ: نعم، رأي عيني وسمع أذني. فلما رجع كعب بن جابر قالت لَهُ امرأته، أو أخته النوار بنت جابر:

стр. 2893

أعنت عَلَى ابن فاطمة، وقتلت سيد القراء، لقد أتيت عظيما من الأمر، وَاللَّهِ لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا. وَقَالَ كعب بن جابر: سلي تخبري عني وأنت ذميمة ... غداة حُسَيْن والرماح شوارع ألم آت أقصى مَا كرهت ولم يخل ... علي غداة الروع مَا أنا صانع معي يزني لم تخنه كعوبه ... وأبيض مخشوب الغرارين قاطع فجردته فِي عصبة ليس دينهم ... بديني وإني بابن حرب لقانع ولم تر عيني مثلهم فِي زمانهم ... وَلا قبلهم فِي الناس إذ أنا يافع أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى ... أَلا كل من يحمي الذمار مقارع وَقَدْ صبروا للطعن والضرب حسرا ... وَقَدْ نازلوا لو أن ذَلِكَ نافع فأبلغ عُبَيْد اللَّهِ إما لقيته ... بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثُمَّ حملت نعمة ... أبا منقذ لما دعا: من يماصع؟ قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب، قَالَ: سمعته فِي إمارة مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يقول: يَا رب إنا قَدْ وفينا، فلا تجعلنا يَا رب كمن قَدْ غدر، فَقَالَ لَهُ أبي: صدق، ولقد وفى وكرم، وكسبت لنفسك شرا، قَالَ: كلا، إني لم أكسب لنفسي شرا، ولكني كسبت لها خيرا. قَالَ: وزعموا أن رضي بن منقذ العبدي رد بعد عَلَى كعب بن جابر جواب قوله، فَقَالَ: لو شاء ربي مَا شهدت قتالهم ... وَلا جعل النعماء عندي ابن جابر لقد كَانَ ذاك الْيَوْم عارا وسبة ... يعيره الأبناء بعد المعاشر فيا ليت أني كنت من قبل قتله ... ويوم حُسَيْن كنت فِي رمس قابر

стр. 2894

قَالَ: وخرج عَمْرو بن قرظة الأَنْصَارِيّ يقاتل دون حُسَيْن وَهُوَ يقول: قَدْ علمت كتيبة الأنصار ... أني سأحمي حوزة الذمار ضرب غلام غير نكس شاري ... دون حُسَيْن مهجتي وداري قَالَ أَبُو مخنف: عن ثَابِت بن هبيرة، فقتل عَمْرو بن قرظة بن كعب، وَكَانَ مع الْحُسَيْن، وَكَانَ علي أخوه مع عُمَر بن سعد، فنادى على بن قريظة: يَا حُسَيْن، يَا كذاب ابن الكذاب، أضللت أخي وغررته حتى قتله [قَالَ: إن اللَّه لم يضل أخاك، ولكنه هدى أخاك وأضلك،] قَالَ: قتلني اللَّه إن لم أقتلك أو أموت دونك، فحمل عَلَيْهِ، فاعترضه نافع بن هلال المرادي، فطعنه فصرعه، فحمله أَصْحَابه فاستنقذوه، فدووي بعد فبرأ. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي النضر بن صالح أَبُو زهير العبسي أن الحر بن يَزِيدَ لما لحق بحسين قَالَ رجل من بني تميم من بني شقرة وهم بنو الْحَارِث بن تميم، يقال لَهُ يَزِيد بن سُفْيَان: أما وَاللَّهِ لو أني رأيت الحر بن يَزِيدَ حين خرج لأتبعته السنان، قَالَ: فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحر بن يَزِيدَ يحمل عَلَى القوم مقدما ويتمثل قول عنترة: مَا زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حَتَّى تسربل بالدم قَالَ: وإن فرسه لمضروب عَلَى أذنيه وحاجبه، وإن دماءه لتسيل، فَقَالَ الحصين بن تميم- وَكَانَ عَلَى شرطة عُبَيْد اللَّهِ، فبعثه إِلَى الْحُسَيْن، وَكَانَ مع عُمَر بن سَعْدٍ، فولاه عمر مع الشرطة المجففة- ليزيد بن سُفْيَان: هَذَا الحر بن يَزِيدَ الَّذِي كنت تتمنى، قَالَ: نعم فخرج إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: هل لك يَا حر بن يَزِيدَ فِي المبارزة؟ قَالَ: نعم قَدْ شئت، فبرز لَهُ، قَالَ: فأنا سمعت الحصين بن تميم يقول: وَاللَّهِ لأبرز لَهُ، فكأنما كَانَتْ نفسه فِي يده،

стр. 2895

فما لبثه الحر حين خرج إِلَيْهِ أن قتله. قال هشام بن مُحَمَّد، عن أبي مخنف، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ هانئ بن عروة، أن نافع بن هلال كَانَ يقاتل يَوْمَئِذٍ وَهُوَ يقول: أنا الْجَمَلِيّ، أنا عَلَى دين علي. قَالَ: فخرج إِلَيْهِ رجل يقال لَهُ مزاحم بن حريث، فَقَالَ: أنا عَلَى دين عُثْمَان، فَقَالَ لَهُ: أنت عَلَى دين شيطان، ثم حمل عليه فقتله، فصاح عمرو ابن الحجاج بِالنَّاسِ: يَا حمقى، أتدرون من تقاتلون! فرسان المصر، قوما مستميتين، لا يبرزن لَهُمْ منكم احد، فإنهم قليل، وقلما يبقون، وَاللَّهِ لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم، فَقَالَ عُمَر بن سَعْد: صدقت، الرأي مَا رأيت، وأرسل إِلَى النَّاسِ يعزم عَلَيْهِم أَلا يبارز رجل مِنْكُمْ رجلا مِنْهُمْ. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بن عُقْبَةَ المرادي، قَالَ: الزبيدي: إنه سمع عَمْرو بن الحجاج حين دنا من أَصْحَاب الْحُسَيْن يقول: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، الزموا طاعتكم وجماعتكم، وَلا ترتابوا فِي قتل من مرق من الدين، وخالف الإمام، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: يَا عَمْرو بن الحجاج، أعلي تحرض الناس؟ أنحن مرقنا وَأَنْتُمْ ثبتم عَلَيْهِ؟ أما وَاللَّهِ لتعلمن لو قَدْ قبضت أرواحكم، ومتم عَلَى أعمالكم، أينا مرق من الدين، ومن هُوَ أولى بصلي النار! قَالَ: ثُمَّ إن عَمْرو بن الحجاج حمل عَلَى الْحُسَيْن فِي ميمنة عُمَر بن سَعْد من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أول أَصْحَاب الْحُسَيْن، ثُمَّ انصرف عَمْرو بن الحجاج وأَصْحَابه، وارتفعت الغبرة، فإذا هم بِهِ صريع، فمشى إِلَيْهِ الْحُسَيْن فإذا بِهِ رمق، [فَقَالَ: رحمك ربك يَا مسلم بن عوسجة، «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] » . ودنا مِنْهُ حبيب بن مظاهر فَقَالَ: عز علي مصرعك يَا مسلم، أبشر بالجنة، فَقَالَ لَهُ مسلم قولا ضعيفا: بشرك اللَّه بخير! فَقَالَ لَهُ حبيب: لولا أني

стр. 2896

أعلم أني فِي أثرك لاحق بك من ساعتي هَذِهِ لأحببت أن توصيني بكل مَا أهمك حَتَّى أحفظك فِي كل ذَلِكَ بِمَا أنت أهل لَهُ فِي القرابة والدين، قَالَ: بل أنا أوصيك بهذا رحمك اللَّه- وأهوى بيده إِلَى الْحُسَيْن- أن تموت دونه، قَالَ: أفعل ورب الكعبة، قَالَ: فما كَانَ بأسرع من أن مات فِي أيديهم، وصاحت جارية له فقالت: يا بن عوسجتاه! يَا سيداه! فتنادى أَصْحَاب عَمْرو بن الحجاج: قتلنا مسلم بن عوسجة الأسدي، فَقَالَ شبث لبعض من حوله من أَصْحَابه: ثكلتكم أمهاتكم! إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذللون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة! أما والذي أسلمت لَهُ لرب موقف لَهُ قَدْ رأيته فِي الْمُسْلِمِينَ كريم! لقد رأيته يوم سلق أذربيجان قتل ستة من المشركين قبل تتام خيول الْمُسْلِمِينَ، أفيقتل مِنْكُمْ مثله وتفرحون! قَالَ: وَكَانَ الَّذِي قتل مسلم بن عوسجة مسلم بن عَبْدِ اللَّهِ الضبابي وعبد الرَّحْمَن بن أبي خشكارة البجلي قَالَ: وحمل شمر بن ذي الجوشن فِي الميسرة عَلَى أهل الميسرة فثبتوا لَهُ، فطاعنوه وأَصْحَابه، وحمل عَلَى حُسَيْن وأَصْحَابه من كل جانب، فقتل الكلبي وَقَدْ قتل رجلين بعد الرجلين الأولين، وقاتل قتالا شديدا، فحمل عَلَيْهِ هانئ بن ثبيت الحضرمى وبكير ابن حي التيمي من تيم اللَّه بن ثعلبة، فقتلاه، وَكَانَ القتيل الثاني من أَصْحَاب الْحُسَيْن، وقاتلهم أَصْحَاب الْحُسَيْن قتالا شديدا، وأخذت خيلهم تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارسا، وأخذت لا تحمل عَلَى جانب من خيل أهل الْكُوفَة إلا كشفته، فلما رَأَى ذَلِكَ عزرة بن قيس- وَهُوَ عَلَى خيل أهل الْكُوفَة- أن خيله تنكشف من كل جانب، بعث الى عمر بن سعد عبد الرحمن ابن حصن، فَقَالَ: أما ترى مَا تلقى خيلي مذ الْيَوْم من هَذِهِ العدة اليسيرة! أبعث إِلَيْهِم الرجال والرماة، فَقَالَ لشبث بن ربعي: أَلا تقدم إِلَيْهِم! فَقَالَ: سبحان اللَّه! أتعمد الى شيخ مضر وأهل المصر عامة تبعثه فِي الرماة! لم تجد من تندب لهذا ويجزى عنك غيري! قَالَ: وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله قَالَ: وَقَالَ أَبُو زهير العبسي: فأنا سمعته فِي إمارة مصعب

стр. 2897

يقول: لا يعطي اللَّه أهل هَذَا المصر خيرا أبدا، وَلا يسددهم لرشد، أَلا تعجبون أنا قاتلنا مع عَلِيّ بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سُفْيَان خمس سنين، ثُمَّ عدونا عَلَى ابنه وَهُوَ خير أهل الأرض نقاتله مع آل مُعَاوِيَة وابن سمية الزانية! ضلال يَا لك من ضلال! قَالَ: ودعا عُمَر بن سَعْد الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية، فأقبلوا حَتَّى إذا دنوا من الْحُسَيْن وأَصْحَابه رشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وصاروا رجالة كلهم. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي نمير بن وعلة أن أيوب بن مشرح الخيواني كَانَ يقول: أنا وَاللَّهِ عقرت بالحر بن يَزِيدَ فرسه، حشأته سهما، فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحر كأنه ليث والسيف فِي يده وَهُوَ يقول: إن تعقروا بي فأنا ابن الحر ... أشجع من ذي لبد هزبر قَالَ: فما رأيت أحدا قط يفري فريه، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أشياخ من الحي: أنت قتلته؟ قال: لا والله ما انا قتلته، ولكن قتله غيري، وما أحب أني قتلته، فَقَالَ لَهُ أَبُو الوداك: ولم؟ قَالَ: إنه كان زعموا من الصالحين، فو الله لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ إثما لأن ألقى اللَّه بإثم الجراحة والموقف أحب إلي من أن ألقاه بإثم قتل أحد مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الوداك: مَا أراك إلا ستلقى اللَّه بإثم قتلهم أجمعين، أرأيت لو أنك رميت ذا فعقرت ذا، ورميت آخر، ووقفت موقفا، وكررت عَلَيْهِم، وحرضت أَصْحَابك، وكثرت أَصْحَابك، وحمل عَلَيْك فكرهت أن تفر، وفعل آخر من أَصْحَابك كفعلك، وآخر وآخر، كَان هَذَا وأَصْحَابه يقتلون! أنتم شركاء كلكم فِي دمائهم، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الوداك، إنك لتقنطنا من رحمة اللَّه، إن كنت ولي حسابنا يوم الْقِيَامَة فلا غفر اللَّه لك إن غفرت لنا! قَالَ: هُوَ مَا أقول لك، قَالَ: وقاتلوهم حَتَّى انتصف

стр. 2898

النهار أشد قتال خلقه اللَّه، وأخذوا لا يقدرون عَلَى أن يأتوهم إلا من وجه واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض قَالَ: فلما رَأَى ذَلِكَ عُمَر بن سَعْد أرسل رجالا يقوضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم، قَالَ: فأخذ الثلاثة والأربعة من أَصْحَاب الْحُسَيْن يتخللون البيوت فيشدون عَلَى الرجل وَهُوَ يقوض وينتهب فيقتلونه ويرمونه من قريب ويعقرونه فأمر بِهَا عُمَر بن سَعْد عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: أحرقوها بالنار، وَلا تدخلوا بيتا وَلا تقوضوه، فجاءوا بالنار، فأخذوا يحرقون، فَقَالَ حُسَيْن: دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو قَدْ حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها، وَكَانَ ذَلِكَ كذلك، وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد قَالَ: وخرجت امرأة الكلبي تمشي إِلَى زوجها حَتَّى جلست عِنْدَ رأسه تمسح عنه التراب وتقول: هنيئا لك الجنة! فَقَالَ شمر بن ذي الجوشن لغلام يسمى رستم: اضرب رأسها بالعمود، فضرب رأسها فشدخه، فماتت مكانها، قَالَ: وحمل شمر بن ذي الجوشن حَتَّى طعن فسطاط الْحُسَيْن برمحه، ونادى: علي بالنار حَتَّى أحرق هَذَا البيت عَلَى أهله، قَالَ: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، قَالَ: [وصاح به الحسين: يا بن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي عَلَى أهلي، حرقك اللَّه بالنار!] قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قَالَ: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان اللَّه! إن هَذَا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع عَلَى نفسك خصلتين تعذب بعذاب اللَّه، وتقتل الولدان والنساء! وَاللَّهِ إن فِي قتلك الرجال لما ترضي بِهِ أميرك، قَالَ: فَقَالَ: من أنت؟ قَالَ: قلت: لا أخبرك من أنا، قَالَ: وخشيت وَاللَّهِ أن لو عرفني أن يضرني عِنْدَ السلطان، قَالَ: فجاءه رجل كَانَ أطوع لَهُ مني، شبث بن ربعي فَقَالَ: مَا رأيت مقالا أسوأ من قولك، وَلا موقفا أقبح من موقفك، أمرعبا للنساء صرت! قَالَ: فأشهد أنه استحيا، فذهب لينصرف وحمل عَلَيْهِ زهير ابن القين فِي رجال من أَصْحَابه عشرة، فشد عَلَى شمر بن ذي الجوشن

стр. 2899

وأَصْحَابه، فكشفهم عن البيوت حَتَّى ارتفعوا عنها، فصرعوا أبا عزة الضبابي فقتلوه، فكان من أَصْحَاب شمر، وتعطف الناس عَلَيْهِم فكثروهم، فلا يزال الرجل من أَصْحَاب الْحُسَيْن قَدْ قتل، فإذا قتل مِنْهُمُ الرجل والرجلان تبين فِيهِمْ، وأولئك كثير لا يتبين فِيهِمْ مَا يقتل مِنْهُمْ، قَالَ: فلما رَأَى ذَلِكَ أَبُو ثمامة عَمْرو بن عَبْدِ اللَّهِ الصائدي قَالَ للحسين: يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ، نفسي لك الفداء! إني أَرَى هَؤُلاءِ قَدِ اقتربوا مِنْكَ، وَلا وَاللَّهِ لا تقتل حَتَّى أقتل دونك إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وأحب أن ألقى ربي وَقَدْ صليت هَذِهِ الصَّلاة الَّتِي دنا وقتها، قَالَ: [فرفع الْحُسَيْن رأسه ثُمَّ قَالَ: ذكرت الصَّلاة، جعلك اللَّه من المصلين الذاكرين! نعم، هَذَا أول وقتها، ثُمَّ قَالَ: سلوهم أن يكفوا عنا حَتَّى نصلي،] فَقَالَ لَهُمُ الحصين بن تميم: إنها لا تقبل، فَقَالَ لَهُ حبيب بن مظاهر: لا تقبل زعمت! الصَّلاة من آل رسول الله ص لا تقبل وتقبل مِنْكَ يَا حمار! قَالَ: فحمل عَلَيْهِم حصين بن تميم، وخرج إِلَيْهِ حبيب بن مظاهر، فضرب وجه فرسه بالسيف، فشب ووقع عنه، وحمله أَصْحَابه فاستنقذوه، وأخذ حبيب يقول: أقسم لو كنا لكم أعدادا أو شطركم وليتم أكتادا يَا شر قوم حسبا وآدا. قَالَ: وجعل يقول يَوْمَئِذٍ: أنا حبيب وأبي مظاهر فارس هيجاء وحرب تسعر أنتم أعد عدة وأكثر ونحن أوفى مِنْكُمُ وأصبر ونحن أعلى حجة وأظهر حقا وأتقى مِنْكُمُ وأعذر وقاتل قتالا شديدا، فحمل عَلَيْهِ رجل من بني تميم فضربه بالسيف عَلَى رأسه فقتله- وَكَانَ يقال لَهُ: بديل بن صريم من بني عقفان- وحمل

стр. 2900

عَلَيْهِ آخر من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم، فضربه الحصين بن تميم عَلَى رأسه بالسيف، فوقع، ونزل إِلَيْهِ التميمي فاحتز رأسه، فَقَالَ لَهُ الحصين: إني لشريكك فِي قتله، فَقَالَ الآخر: وَاللَّهِ مَا قتله غيري، فَقَالَ الحصين: أعطنيه أعلقه فِي عنق فرسي كيما يرى الناس ويعلموا أني شركت فِي قتله، ثُمَّ خذه أنت بعد فامض بِهِ إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فلا حاجة لي فِيمَا تعطاه عَلَى قتلك إِيَّاهُ قَالَ: فأبى عَلَيْهِ، فأصلح قومه فِيمَا بينهما عَلَى هَذَا، فدفع إِلَيْهِ رأس حبيب بن مظاهر، فجال بِهِ فِي العسكر قَدْ علقه فِي عنق فرسه، ثُمَّ دفعه بعد ذَلِكَ إِلَيْهِ، فلما رجعوا إِلَى الْكُوفَةِ أخذ الآخر رأس حبيب فعلقه فِي لبان فرسه، ثُمَّ أقبل بِهِ إِلَى ابن زياد فِي القصر فبصر بِهِ ابنه الْقَاسِم بن حبيب، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، كلما دخل القصر دخل مَعَهُ، وإذا خرج خرج مَعَهُ، فارتاب بِهِ، فَقَالَ: ما لك يَا بني تتبعني! قَالَ: لا شَيْء، قَالَ: بلى، يَا بني أَخْبِرْنِي، قَالَ لَهُ: إن هَذَا الرأس الَّذِي معك رأس أبي، أفتعطينيه حَتَّى أدفنه؟ قَالَ: يَا بني، لا يرضى الأمير أن يدفن، وأنا أريد أن يثيبني الأمير عَلَى قتله ثوابا حسنا، قَالَ لَهُ الغلام: لكن اللَّه لا يثيبك عَلَى ذَلِكَ إلا أسوأ الثواب، أما وَاللَّهِ لقد قتلت خيرا مِنْكَ، وبكى فمكث الغلام حَتَّى إذا أدرك لَمْ يَكُنْ لَهُ همة إلا اتباع أثر قاتل أَبِيهِ ليجد مِنْهُ غرة فيقتله بأبيه، فلما كَانَ زمان مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ وغزا مصعب باجميرا دخل عسكر مصعب فإذا قاتل أَبِيهِ فِي فسطاطه، فأقبل يختلف فِي طلبه والتماس غرته، فدخل عَلَيْهِ وَهُوَ قائل نصف النهار فضربه بسيفه حَتَّى برد. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قيس، قَالَ: [لما قتل حبيب بن مظاهر هد ذَلِكَ حسينا وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: أحتسب نفسي وحماة أَصْحَابي،] قَالَ: فأخذ الحر يرتجز ويقول: أليت لا أقتل حَتَّى أقتلا ولن أصاب الْيَوْم الا مقبلا

стр. 2901

أضربهم بالسيف ضربا مقصلا لا ناكلا عَنْهُمْ وَلا مهللا وأخذ يقول أَيْضًا: أضرب فِي أعراضهم بالسيف عن خير من حل منى والخيف فقاتل هُوَ وزهير بن القين قتالا شديدا، فكان إذا شد أحدهما، فإن استلحم شد الآخر حَتَّى يخلصه، ففعلا ذَلِكَ ساعة ثُمَّ إن رجالة شدت عَلَى الحر بن يَزِيدَ فقتل، وقتل أَبُو ثمامة الصائدي ابن عم لَهُ كَانَ عدوا لَهُ، ثُمَّ صلوا الظهر، صلى بهم الْحُسَيْن صلاة الخوف، ثُمَّ اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالهم، ووصل إِلَى الْحُسَيْن، فاستقدم الحنفي أمامه، فاستهدف لَهُمْ يرمونه بالنبل يمينا وشمالا قائما بين يديه، فما زال يرمى حَتَّى سقط وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا، وأخذ يقول: أنا زهير وأنا ابن القين أذودهم بالسيف عن حُسَيْن قَالَ: وأخذ يضرب عَلَى منكب حُسَيْن ويقول: أقدم هديت هاديا مهديا فاليوم تلقى جدك النبيا وحسنا والمرتضى عَلِيًّا وذا الجناحين الفتى الكميا وأسد اللَّه الشهيد الحيا. قَالَ: فشد عَلَيْهِ كثير بن عَبْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيّ ومهاجر بن أوس فقتلاه، قَالَ: وَكَانَ نافع بن هلال الْجَمَلِيّ قَدْ كتب اسمه عَلَى أفواق نبله، فجعل يرمي بِهَا مسومة وَهُوَ يقول: أنا الْجَمَلِيّ، أنا عَلَى دين علي. فقتل اثني عشر من أَصْحَاب عُمَر بن سَعْد سوى من جرح، قَالَ: فضرب حَتَّى كسرت عضداه وأخذ أسيرا، قَالَ: فأخذه شمر بن ذي الجوشن

стр. 2902

وَمَعَهُ أَصْحَاب لَهُ يسوقون نافعا حَتَّى أتي بِهِ عُمَر بن سَعْدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَر بن سَعْد: ويحك يَا نافع! مَا حملك عَلَى مَا صنعت بنفسك! قَالَ: إن ربي يعلم مَا أردت، قَالَ: والدماء تسيل عَلَى لحيته وَهُوَ يقول: وَاللَّهِ لقد قتلت مِنْكُمُ اثني عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسي عَلَى الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد مَا أسرتموني، فَقَالَ لَهُ شمر: اقتله أصلحك اللَّه! قَالَ: أنت جئت بِهِ، فإن شئت فاقتله، قَالَ: فانتضى شمر سيفه، فَقَالَ لَهُ نافع: أما وَاللَّهِ إن لو كنت مِنَ الْمُسْلِمِينَ لعظم عَلَيْك أن تلقى اللَّه بدمائنا، فالحمد لِلَّهِ الَّذِي جعل منايانا عَلَى يدي شرار خلقه، فقتله. قَالَ: ثُمَّ أقبل شمر يحمل عَلَيْهِم وَهُوَ يقول: خلوا عداة اللَّه خلوا عن شمر يضربهم بسيفه وَلا يفر وَهْوَ لكم صاب وسم ومقر. قَالَ: فلما رَأَى أَصْحَاب الْحُسَيْن أنَّهُمْ قَدْ كثروا، وأنهم لا يقدرون عَلَى أن يمنعوا حسينا وَلا أنفسهم، تنافسوا فِي أن يقتلوا بين يديه، فجاءه عَبْد اللَّهِ وعبد الرَّحْمَن ابنا عزرة الغفاريان، فقالا: يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ، عَلَيْك السلام، حازنا العدو إليك، فأحببنا أن نقتل بين يديك، نمنعك وندفع عنك، قَالَ: مرحبا بكما! ادنوا مني، فدنوا مِنْهُ، فجعلا يقاتلان قريبا مِنْهُ، وأحدهما يقول: قَدْ علمت حقا بنو غفار وخندف بعد بني نزار لنضربن معشر الفجار بكل عضب صارم بتار يَا قوم ذودوا عن بني الأحرار بالمشرفي والقنا الخطار قَالَ: وجَاءَ الفتيان الجابريان: سيف بن الحارث بن سريع، ومالك ابن عبد بن سريع، وهما ابنا عم، وأخوان لأم، فأتيا حسينا فدنوا مِنْهُ وهما

стр. 2903

يبكيان، فَقَالَ: أي ابني أخي، مَا يبكيكما؟ فو الله إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين، قَالا: جعلنا اللَّه فداك! لا وَاللَّهِ مَا عَلَى أنفسنا نبكي، ولكنا نبكي عَلَيْك، نراك قَدْ أحيط بك، وَلا نقدر عَلَى ان نمنعك، فقال: جزاكما الله يا بنى أخي بوحدكما من ذَلِكَ ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين، قَالَ: وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فقام بين يدي حُسَيْن، فأخذ ينادي: «يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» يا قوم تقتلوا حسينا فيسحتكم اللَّه بعذاب «وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى» [فقال له حسين: يا بن اسعد، رحمك اللَّه، إِنَّهُمْ قَدِ استوجبوا العذاب حين ردوا عَلَيْك مَا دعوتهم إِلَيْهِ من الحق، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأَصْحَابك، فكيف بهم الآن وَقَدْ قتلوا إخوانك الصالحين! قَالَ: صدقت، جعلت فداك! أنت أفقه مني وأحق بِذَلِكَ، أفلا نروح إِلَى الآخرة ونلحق بإخواننا؟ فَقَالَ: رح إِلَى خير من الدُّنْيَا وما فِيهَا، وإلى ملك لا يبلى، فَقَالَ: السلام عَلَيْك أبا عَبْد اللَّهِ، صلى اللَّه عَلَيْك وعلى أهل بيتك، وعرف بيننا وبينك فِي جنته، فَقَالَ: آمين آمين، فاستقدم فقاتل حَتَّى قتل] . قَالَ: ثُمَّ استقدم الفتيان الجابريان يلتفتان إِلَى حُسَيْن ويقولان: السلام عليك يا بن رَسُول اللَّهِ، فَقَالَ: وعَلَيْكُمَا السلام ورحمة اللَّه، فقاتلا حَتَّى قتلا، قَالَ: وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري وَمَعَهُ شوذب مولى شاكر، فَقَالَ: يَا شوذب، مَا فِي نفسك أن تصنع؟ قَالَ: مَا أصنع! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله ص حَتَّى أقتل، قَالَ: ذَلِكَ الظن بك، إما لا فتقدم بين يدي أبي عَبْد اللَّهِ حَتَّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أَصْحَابه، وحتى أحتسبك أنا، فإنه لو كَانَ معي الساعة أحد أنا أولى

стр. 2904

بِهِ مني بك لسرني أن يتقدم بين يدي حَتَّى أحتسبه، فإن هَذَا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فِيهِ بكل مَا قدرنا عَلَيْهِ، فإنه لا عمل بعد الْيَوْم، وإنما هُوَ الحساب، قَالَ: فتقدم فسلم عَلَى الحسين، ثم مضى فقاتل حتى قتل ثُمَّ قَالَ عابس بن أبي شبيب: يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ، أما وَاللَّهِ مَا أمسى عَلَى ظهر الأرض قريب وَلا بعيد أعز علي وَلا أحب إلي مِنْكَ، ولو قدرت عَلَى أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلته، السلام عَلَيْك يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ، أشهد اللَّه أني عَلَى هديك وهدي أبيك، ثُمَّ مشى بالسيف مصلتا نحوهم وبه ضربة عَلَى جبينه. قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن رجل من بني عبد من همدان يقال لَهُ ربيع بن تميم شهد ذَلِكَ الْيَوْم، قَالَ: لما رأيته مقبلا عرفته وَقَدْ شاهدته فِي المغازي، وَكَانَ أشجع الناس، فقلت: أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا الأسد الأسود، هَذَا ابن أبي شبيب، لا يخرجن إِلَيْهِ أحد مِنْكُمْ، فأخذ ينادي: أَلا رجل لرجل! فَقَالَ عُمَر بن سَعْد: أرضخوه بالحجارة، قَالَ: فرمي بالحجارة من كل جانب، فلما رَأَى ذَلِكَ ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، فو الله لرأيته يكرد أكثر من مائتين مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تعطفوا عَلَيْهِ من كل جانب، فقتل، قَالَ: فرأيت رأسه فِي أيدي رجال ذوي عدة، هَذَا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته، فأتوا عُمَر بن سَعْدٍ فَقَالَ: لا تختصموا، هَذَا لم يقتله سنان واحد، ففرق بينهم بهذا القول. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن عاصم، عن الضحاك بن عَبْدِ اللَّهِ المشرقي، قَالَ: لما رأيت أَصْحَاب الْحُسَيْن قَدْ أصيبوا، وَقَدْ خلص إِلَيْهِ وإلى أهل بيته، ولم يبق مَعَهُ غير سويد بن عَمْرو بن أبي المطاع الخثعمى وبشير ابن عمرو الحضرمى، قلت له: يا بن رَسُول اللَّهِ، قَدْ علمت مَا كَانَ بيني وبينك، قلت لك: أقاتل عنك مَا رأيت مقاتلا، فإذا لم أر مقاتلا فأنا فِي حل من الانصراف، فقلت لي: نعم، قَالَ: فقال: صدقت، وكيف لك

стр. 2905

بالتجاء! إن قدرت عَلَى ذَلِكَ فأنت فِي حل، قَالَ: فأقبلت إِلَى فرسي وَقَدْ كنت حَيْثُ رأيت خيل أَصْحَابنا تعقر، أقبلت بِهَا حَتَّى أدخلتها فسطاطا لأَصْحَابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلا، [فقتلت يَوْمَئِذٍ بين يدي الْحُسَيْن رجلين، وقطعت يد آخر، وَقَالَ لي الْحُسَيْن يَوْمَئِذٍ مرارا: لا تشلل، لا يقطع اللَّه يدك، جزاك اللَّه خيرا عن أهل بيت نبيك ص!] فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط، ثُمَّ استويت عَلَى متنها، ثُمَّ ضربتها حَتَّى إذا قامت عَلَى السنابك رميت بِهَا عرض القوم، فأفرجوا لي، واتبعني مِنْهُمْ خمسة عشر رجلا حَتَّى انتهيت إِلَى شفية، قرية قريبة من شاطئ الفرات، فلما لحقوني عطفت عَلَيْهِم، فعرفني كثير بن عَبْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيّ وأيوب بن مشرح الخيواني وقيس بن عَبْدِ اللَّهِ الصائدي، فَقَالُوا: هَذَا الضحاك بن عَبْدِ اللَّهِ المشرقي، هَذَا ابن عمنا، ننشدكم اللَّه لما كففتم عنه! فَقَالَ ثلاثة نفر من بني تميم كَانُوا معهم: بلى وَاللَّهِ لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إِلَى مَا أحبوا من الكف عن صاحبهم، قَالَ: فلما تابع التميميون أَصْحَابي كف الآخرون، قَالَ: فنجاني اللَّه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج الكندي أن يَزِيد بن زياد، وَهُوَ أَبُو الشعثاء الكندي من بني بهدلة جثا عَلَى ركبتيه بين يدي الْحُسَيْن، فرمى بمائة سهم مَا سقط منها خمسة أسهم، وَكَانَ راميا، فكان كلما رمى قَالَ: أنا ابن بهدلة، فرسان العرجلة، ويقول حُسَيْن: [اللَّهُمَّ سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة، فلما رمى] بِهَا قام فَقَالَ: مَا سقط منها إلا خمسة أسهم، وَلَقَدْ تبين لي أني قَدْ قتلت خمسة نفر، وَكَانَ فِي أول من قتل، وَكَانَ رجزه يَوْمَئِذٍ: أنا يَزِيد وأبي مهاصر أشجع من ليث بغيل خادر يَا رب إني للحسين ناصر ولابن سعد تارك وهاجر وَكَانَ يَزِيد بن زياد بن المهاصر ممن خرج مع عُمَر بن سَعْد إِلَى الْحُسَيْن،

стр. 2906

فلما ردوا الشروط عَلَى الْحُسَيْن مال إِلَيْهِ فقاتل مَعَهُ حَتَّى قتل، فأما الصيداوي عُمَر بن خَالِدٍ، وجابر بن الْحَارِث السلماني، وسعد مولى عُمَر بن خَالِدٍ، ومجمع بن عَبْدِ اللَّهِ العائذي، فإنهم قاتلوا فِي أول القتال، فشدوا مقدمين بأسيافهم عَلَى الناس، فلما وغلوا عطف عَلَيْهِم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أَصْحَابهم غير بعيد، فحمل عَلَيْهِم العباس بن علي فاستنقذهم، فجاءوا قَدْ جرحوا، فلما دنا مِنْهُمْ عدوهم شدوا بأسيافهم فقاتلوا فِي أول الأمر حَتَّى قتلوا فِي مكان واحد قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي زهير بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زهير الخثعمي، قَالَ: كَانَ آخر من بقي مع الْحُسَيْن من أَصْحَابه سويد بن عَمْرو بن أبي المطاع الخثعمي، قَالَ: وَكَانَ أول قتيل من بني أبي طالب يَوْمَئِذٍ علي الأكبر بن الْحُسَيْن بن علي، وأمه لَيْلَى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وَذَلِكَ أنه أخذ يشد عَلَى الناس وَهُوَ يقول: أنا عَلِيّ بن حُسَيْن بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي. قَالَ: ففعل ذَلِكَ مرارا، فبصر بِهِ مرة بن منقذ بن النُّعْمَانِ العبدي ثُمَّ اللَّيْثِيّ، فَقَالَ: علي آثام العرب إن مر بي يفعل مثل مَا كَانَ يفعل إن لم أثكله أباه، فمر يشد عَلَى الناس بسيفه، فاعترضه مرة بن منقذ، فطعنه فصرع، واحتوله الناس فقطعوه بأسيافهم. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأَزْدِيّ، قَالَ: [سماع أذني يَوْمَئِذٍ من الْحُسَيْن يقول: قتل اللَّه قوما قتلوك يَا بني! مَا أجرأهم عَلَى الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول! عَلَى الدُّنْيَا بعدك العفاء] . قَالَ: وكأني أنظر إِلَى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعه تنادى: يا اخياه! ويا بن أخياه! قَالَ: فسألت عَلَيْهَا، فقيل: هَذِهِ زينب ابنه فاطمه ابنه رسول الله ص، فجاءت حَتَّى أكبت عَلَيْهِ، فجاءها

стр. 2907

الْحُسَيْن فأخذ بيدها فردها إِلَى الفسطاط، [وأقبل الْحُسَيْن إِلَى ابنه، وأقبل فتيانه إِلَيْهِ، فَقَالَ: احملوا أخاكم،] فحملوه من مصرعه حَتَّى وضعوه بين يدي الفسطاط الَّذِي كَانُوا يقاتلون أمامه قَالَ: ثُمَّ إن عَمْرو بن صبيح الصدائي رمى عَبْد اللَّهِ بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه عَلَى جبهته، فأخذ لا يستطيع أن يحرك كفيه، ثُمَّ انتحى لَهُ بسهم آخر ففلق قلبه، فاعتورهم الناس من كل جانب، فحمل عَبْد اللَّهِ بن قطبة الطَّائِيّ ثُمَّ النبهاني عَلَى عون بن عَبْدِ الله ابن جَعْفَر بن أبي طالب فقتله، وحمل عَامِر بن نهشل التيمي عَلَى مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فقتله، قال: وشد عثمان بن خالد ابن أسير الجهني، وبشر بن سوط الهمداني ثُمَّ القابضى على عبد الرحمن ابن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عَبْد الله بن عزره الخثعمى جعفر ابن عقيل بن أبي طالب فقتله. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قَالَ: خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، فِي يده السيف، عَلَيْهِ قميص وإزار ونعلان قَدِ انقطع شسع أحدهما، مَا أنسى أنها اليسرى، فَقَالَ لي عمرو ابن سَعْدِ بْنِ نفيل الأَزْدِيّ: وَاللَّهِ لأشدن عَلَيْهِ، فقلت لَهُ: سبحان اللَّه! وما تريد إِلَى ذَلِكَ! يكفيك قتل هَؤُلاءِ الَّذِينَ تراهم قَدِ احتولوهم، قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ لأشدن عَلَيْهِ، فشد عَلَيْهِ فما ولى حَتَّى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، فَقَالَ: يَا عماه! قَالَ: فجلى الْحُسَيْن كما يجلى الصقر، ثُمَّ شد شده ليث غضب، فضرب عمرا بالسيف، فاتقاه بالساعد، فأطنها من لدن المرفق، فصاح، ثُمَّ تنحى عنه، وحملت خيل لأهل الْكُوفَة ليستنقذوا عمرا من حُسَيْن، فاستقبلت عمرا بصدورها، فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه، فوطئته حَتَّى مات، وانجلت الغبرة، [فإذا أنا بالحسين قائم عَلَى رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه، وحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم الْقِيَامَة فيك جدك! ثُمَّ قَالَ: عز وَاللَّهِ عَلَى عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثُمَّ لا ينفعك! صوت وَاللَّهِ كثر واتره، وقل ناصره] ثُمَّ احتمله فكأني أنظر إِلَى رجلي الغلام يخطان فِي الأرض،

стр. 2908

وَقَدْ وضع حُسَيْن صدره عَلَى صدره، قَالَ: فقلت فِي نفسي: مَا يصنع بِهِ! فَجَاءَ بِهِ حَتَّى ألقاه مع ابنه عَلِيّ بن الْحُسَيْن وقتلى قَدْ قتلت حوله من أهل بيته، فسألت عن الغلام، فقيل: هُوَ الْقَاسِم بن الحسن بن علي بن أبي طالب. قَالَ: ومكث الْحُسَيْن طويلا من النهار كلما انتهى إِلَيْهِ رجل مِنَ النَّاسِ انصرف عنه، وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عَلَيْهِ، قَالَ: [وإن رجلا من كندة يقال لَهُ مالك بن النسير من بني بداء، أتاه فضربه عَلَى رأسه بالسيف، وعليه برنس لَهُ، فقطع البرنس، وأصاب السيف رأسه، فأدمى رأسه، فامتلأ البرنس دما، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: لا أكلت بِهَا وَلا شربت، وحشرك اللَّه مع الظالمين! قَالَ:] فألقى ذَلِكَ البرنس، ثُمَّ دعا بقلنسوة فلبسها، واعتم، وَقَدْ أعيا وبلد، وجاء الكندي حَتَّى أخذ البرنس- وَكَانَ من خز- فلما قدم بِهِ بعد ذَلِكَ عَلَى امرأته أم عَبْد اللَّهِ ابنة الحر أخت حُسَيْن بن الحر البدي، أقبل يغسل البرنس من الدم، فَقَالَتْ لَهُ امرأته: أسلب ابن بنت رسول الله ص تدخل بيتي! أخرجه عني، فذكر أَصْحَابه أنه لم يزل فقيرا بشر حَتَّى مات قَالَ: ولما قعد الْحُسَيْن أتى بصبي لَهُ فأجلسه فِي حجره زعموا أنه عَبْد اللَّهِ بن الْحُسَيْن. قَالَ أَبُو مخنف: قَالَ عقبة بن بشير الأسدي: [قَالَ لي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد ابن عَلِيّ بن الْحُسَيْن: إن لنا فيكم يَا بني أسد دما، قَالَ: قلت: فما ذنبي أنا فِي ذَلِكَ رحمك اللَّه يَا أَبَا جَعْفَر! وما ذَلِكَ؟ قَالَ: أتي الْحُسَيْن بصبي لَهُ، فهو فِي حجره، إذ رماه أحدكم يَا بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الْحُسَيْن دمه، فلما ملأ كفيه صبه فِي الأرض ثُمَّ قَالَ: رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذَلِكَ لما هُوَ خير، وانتقم لنا من هَؤُلاءِ الظالمين،] قَالَ: ورمى عَبْد اللَّهِ بن عُقْبَةَ الغنوي أبا بكر بن الْحُسَيْن بن علي بسهم فقتله، فلذلك يقول الشاعر، وَهُوَ ابن أبي عقب: وعند غني قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعد وتذكر قَالَ: وزعموا أن العباس بن علي قَالَ لإخوته من أمه: عَبْد الله، وجعفر

стр. 2909

وعثمان: يَا بني أمي، تقدموا حَتَّى أرثكم، فإنه لا ولد لكم، ففعلوا، فقتلوا. وشد هانئ بن ثبيت الحضرمي عَلَى عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ فقتله، ثُمَّ شد عَلَى جَعْفَر بن علي فقتله وجاء برأسه، ورمى خولي بن يَزِيدَ الأصبحي عُثْمَان بن عَلِيّ بن أبي طالب بسهم، ثُمَّ شد عَلَيْهِ رجل من بني أبان بن دارم فقتله، وجاء برأسه، ورمى رجل من بني أبان بن دارم مُحَمَّد بن عَلِيّ بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه. قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي أَبُو الهذيل- رجل من السكون- عن هانئ بن ثبيت الحضرمي، قَالَ: رأيته جالسا فِي مجلس الحضرميين فِي زمان خَالِد بن عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ شيخ كبير، قَالَ: فسمعته وَهُوَ يقول: كنت ممن شهد قتل الحسين، قال: فو الله إني لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا عَلَى فرس، وَقَدْ جالت الخيل وتصعصعت، إذ خرج غلام من آل الْحُسَيْن وَهُوَ ممسك بعود من تِلَكَ الأبنية، عَلَيْهِ إزار وقميص، وَهُوَ مذعور، يتلفت يمينا وشمالا، فكأني أنظر إِلَى درتين فِي أذنيه تذبذبان كلما التفت، إذ أقبل رجل يركض، حَتَّى إذا دنا مِنْهُ مال عن فرسه، ثُمَّ اقتصد الغلام فقطعه بالسيف. قَالَ هِشَام: قَالَ السكوني: هانئ بن ثبيت هُوَ صاحب الغلام، فلما عتب عَلَيْهِ كنى عن نفسه. قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي عَمْرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قَالَ: عطش الْحُسَيْن حَتَّى اشتد عَلَيْهِ العطش، فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع فِي فمه، فجعل يتلقى الدم من فمه، ويرمي بِهِ إِلَى السماء، ثُمَّ حمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ، ثُمَّ جمع يديه فَقَالَ: اللَّهُمَّ أحصهم عددا، واقتلهم بددا، وَلا تذر عَلَى الأرض مِنْهُمْ أحدا. قَالَ هِشَام، عن أَبِيهِ مُحَمَّد بن السَّائِب، عَنِ القاسم بن الأصبغ بن نباته، قَالَ: حَدَّثَنِي من شهد الْحُسَيْن فِي عسكره أن حسينا حين غلب عَلَى عسكره ركب المسناة يريد الفرات، قَالَ: فَقَالَ رجل من بنى ابان بن دارم: ويلكم! حولوا بينه وبين الماء لا تتام إِلَيْهِ شيعته، قَالَ: وضرب

стр. 2910

فرسه، وأتبعه الناس حَتَّى حالوا بينه وبين الفرات، فَقَالَ الْحُسَيْن: اللَّهُمَّ أَظْمِهِ، قَالَ: وينتزع الأباني بسهم، فأثبته فِي حنك الْحُسَيْن، قَالَ: [فانتزع الْحُسَيْن السهم، ثُمَّ بسط كفيه فامتلأت دما، ثُمَّ قَالَ الْحُسَيْن: اللَّهُمَّ إني أشكو إليك مَا يفعل بابن بنت نبيك، قَالَ:] فو الله إن مكث الرجل إلا يسيرا حَتَّى صب اللَّه عَلَيْهِ الظمأ، فجعل لا يروى. قَالَ الْقَاسِم بن الأصبغ: لقد رأيتني فيمن يروح عنه والماء يبرد لَهُ فِيهِ السكر وعساس فِيهَا اللبن، وقلال فِيهَا الماء، وإنه ليقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ، فيعطى القلة أو العس كَانَ مرويا أهل البيت فيشربه، فإذا نزعه من فِيهِ اضطجع الهنيهة ثُمَّ يقول: ويلكم! اسقونى قتلني الظما، قال: فو الله مَا لبث إلا يسيرا حَتَّى انقد بطنه انقداد بطن البعير. قَالَ أَبُو مخنف فِي حديثه: ثُمَّ إن شمر بن ذي الجوشن أقبل فِي نفر نحو من عشرة من رجالة أهل الْكُوفَة قبل منزل الْحُسَيْن الَّذِي فِيهِ ثقله وعياله، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله، [فَقَالَ الْحُسَيْن: ويلكم! إن لَمْ يَكُنْ لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا فِي أمر دُنْيَاكُمْ أحرارا ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهالكم، فقال ابن ذي الجوشن] : ذلك لك يا بن فاطمة، قَالَ: وأقدم عَلَيْهِ بالرجالة، مِنْهُمْ أَبُو الجنوب- واسمه عبد الرَّحْمَن الجعفي- والقشعم بن عَمْرو بن يَزِيدَ الجعفي، وصالح بن وهب اليزني، وسنان بن أنس النخعي، وخولي بن يزيد الأصبحي، فجعل شمر ابن ذي الجوشن يحرضهم، فمر بأبي الجنوب وَهُوَ شاك فِي السلاح فَقَالَ لَهُ: أقدم عَلَيْهِ، قَالَ: وما يمنعك أن تقدم عَلَيْهِ أنت! فَقَالَ لَهُ شمر: ألي تقول ذا! قَالَ: وأنت لي تقول ذا! فاستبا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الجنوب- وَكَانَ شجاعا: وَاللَّهِ لهممت أن أخضخض السنان فِي عينك، قَالَ: فانصرف عنه شمر وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ قدرت عَلَى أن أضرك لأضرنك قَالَ: ثُمَّ إن شمر بن ذي الجوشن أقبل فِي الرجالة نحو الْحُسَيْن، فأخذ الْحُسَيْن يشد عَلَيْهِم فينكشفون عنه. ثُمَّ إِنَّهُمْ أحاطوا بِهِ إحاطة، وأقبل إِلَى الْحُسَيْن غلام من أهله، فأخذته أخته
следующие страницы →