← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

فلما ردوا الشروط عَلَى الْحُسَيْن مال إِلَيْهِ فقاتل مَعَهُ حَتَّى قتل، فأما الصيداوي عُمَر بن خَالِدٍ، وجابر بن الْحَارِث السلماني، وسعد مولى عُمَر بن خَالِدٍ، ومجمع بن عَبْدِ اللَّهِ العائذي، فإنهم قاتلوا فِي أول القتال، فشدوا مقدمين بأسيافهم عَلَى الناس، فلما وغلوا عطف عَلَيْهِم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أَصْحَابهم غير بعيد، فحمل عَلَيْهِم العباس بن علي فاستنقذهم، فجاءوا قَدْ جرحوا، فلما دنا مِنْهُمْ عدوهم شدوا بأسيافهم فقاتلوا فِي أول الأمر حَتَّى قتلوا فِي مكان واحد قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي زهير بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زهير الخثعمي، قَالَ: كَانَ آخر من بقي مع الْحُسَيْن من أَصْحَابه سويد بن عَمْرو بن أبي المطاع الخثعمي، قَالَ: وَكَانَ أول قتيل من بني أبي طالب يَوْمَئِذٍ علي الأكبر بن الْحُسَيْن بن علي، وأمه لَيْلَى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وَذَلِكَ أنه أخذ يشد عَلَى الناس وَهُوَ يقول: أنا عَلِيّ بن حُسَيْن بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي. قَالَ: ففعل ذَلِكَ مرارا، فبصر بِهِ مرة بن منقذ بن النُّعْمَانِ العبدي ثُمَّ اللَّيْثِيّ، فَقَالَ: علي آثام العرب إن مر بي يفعل مثل مَا كَانَ يفعل إن لم أثكله أباه، فمر يشد عَلَى الناس بسيفه، فاعترضه مرة بن منقذ، فطعنه فصرع، واحتوله الناس فقطعوه بأسيافهم. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأَزْدِيّ، قَالَ: [سماع أذني يَوْمَئِذٍ من الْحُسَيْن يقول: قتل اللَّه قوما قتلوك يَا بني! مَا أجرأهم عَلَى الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول! عَلَى الدُّنْيَا بعدك العفاء] . قَالَ: وكأني أنظر إِلَى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعه تنادى: يا اخياه! ويا بن أخياه! قَالَ: فسألت عَلَيْهَا، فقيل: هَذِهِ زينب ابنه فاطمه ابنه رسول الله ص، فجاءت حَتَّى أكبت عَلَيْهِ، فجاءها

стр. 2907

الْحُسَيْن فأخذ بيدها فردها إِلَى الفسطاط، [وأقبل الْحُسَيْن إِلَى ابنه، وأقبل فتيانه إِلَيْهِ، فَقَالَ: احملوا أخاكم،] فحملوه من مصرعه حَتَّى وضعوه بين يدي الفسطاط الَّذِي كَانُوا يقاتلون أمامه قَالَ: ثُمَّ إن عَمْرو بن صبيح الصدائي رمى عَبْد اللَّهِ بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه عَلَى جبهته، فأخذ لا يستطيع أن يحرك كفيه، ثُمَّ انتحى لَهُ بسهم آخر ففلق قلبه، فاعتورهم الناس من كل جانب، فحمل عَبْد اللَّهِ بن قطبة الطَّائِيّ ثُمَّ النبهاني عَلَى عون بن عَبْدِ الله ابن جَعْفَر بن أبي طالب فقتله، وحمل عَامِر بن نهشل التيمي عَلَى مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فقتله، قال: وشد عثمان بن خالد ابن أسير الجهني، وبشر بن سوط الهمداني ثُمَّ القابضى على عبد الرحمن ابن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عَبْد الله بن عزره الخثعمى جعفر ابن عقيل بن أبي طالب فقتله. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قَالَ: خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، فِي يده السيف، عَلَيْهِ قميص وإزار ونعلان قَدِ انقطع شسع أحدهما، مَا أنسى أنها اليسرى، فَقَالَ لي عمرو ابن سَعْدِ بْنِ نفيل الأَزْدِيّ: وَاللَّهِ لأشدن عَلَيْهِ، فقلت لَهُ: سبحان اللَّه! وما تريد إِلَى ذَلِكَ! يكفيك قتل هَؤُلاءِ الَّذِينَ تراهم قَدِ احتولوهم، قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ لأشدن عَلَيْهِ، فشد عَلَيْهِ فما ولى حَتَّى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، فَقَالَ: يَا عماه! قَالَ: فجلى الْحُسَيْن كما يجلى الصقر، ثُمَّ شد شده ليث غضب، فضرب عمرا بالسيف، فاتقاه بالساعد، فأطنها من لدن المرفق، فصاح، ثُمَّ تنحى عنه، وحملت خيل لأهل الْكُوفَة ليستنقذوا عمرا من حُسَيْن، فاستقبلت عمرا بصدورها، فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه، فوطئته حَتَّى مات، وانجلت الغبرة، [فإذا أنا بالحسين قائم عَلَى رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه، وحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم الْقِيَامَة فيك جدك! ثُمَّ قَالَ: عز وَاللَّهِ عَلَى عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثُمَّ لا ينفعك! صوت وَاللَّهِ كثر واتره، وقل ناصره] ثُمَّ احتمله فكأني أنظر إِلَى رجلي الغلام يخطان فِي الأرض،

стр. 2908

وَقَدْ وضع حُسَيْن صدره عَلَى صدره، قَالَ: فقلت فِي نفسي: مَا يصنع بِهِ! فَجَاءَ بِهِ حَتَّى ألقاه مع ابنه عَلِيّ بن الْحُسَيْن وقتلى قَدْ قتلت حوله من أهل بيته، فسألت عن الغلام، فقيل: هُوَ الْقَاسِم بن الحسن بن علي بن أبي طالب. قَالَ: ومكث الْحُسَيْن طويلا من النهار كلما انتهى إِلَيْهِ رجل مِنَ النَّاسِ انصرف عنه، وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عَلَيْهِ، قَالَ: [وإن رجلا من كندة يقال لَهُ مالك بن النسير من بني بداء، أتاه فضربه عَلَى رأسه بالسيف، وعليه برنس لَهُ، فقطع البرنس، وأصاب السيف رأسه، فأدمى رأسه، فامتلأ البرنس دما، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: لا أكلت بِهَا وَلا شربت، وحشرك اللَّه مع الظالمين! قَالَ:] فألقى ذَلِكَ البرنس، ثُمَّ دعا بقلنسوة فلبسها، واعتم، وَقَدْ أعيا وبلد، وجاء الكندي حَتَّى أخذ البرنس- وَكَانَ من خز- فلما قدم بِهِ بعد ذَلِكَ عَلَى امرأته أم عَبْد اللَّهِ ابنة الحر أخت حُسَيْن بن الحر البدي، أقبل يغسل البرنس من الدم، فَقَالَتْ لَهُ امرأته: أسلب ابن بنت رسول الله ص تدخل بيتي! أخرجه عني، فذكر أَصْحَابه أنه لم يزل فقيرا بشر حَتَّى مات قَالَ: ولما قعد الْحُسَيْن أتى بصبي لَهُ فأجلسه فِي حجره زعموا أنه عَبْد اللَّهِ بن الْحُسَيْن. قَالَ أَبُو مخنف: قَالَ عقبة بن بشير الأسدي: [قَالَ لي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد ابن عَلِيّ بن الْحُسَيْن: إن لنا فيكم يَا بني أسد دما، قَالَ: قلت: فما ذنبي أنا فِي ذَلِكَ رحمك اللَّه يَا أَبَا جَعْفَر! وما ذَلِكَ؟ قَالَ: أتي الْحُسَيْن بصبي لَهُ، فهو فِي حجره، إذ رماه أحدكم يَا بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الْحُسَيْن دمه، فلما ملأ كفيه صبه فِي الأرض ثُمَّ قَالَ: رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذَلِكَ لما هُوَ خير، وانتقم لنا من هَؤُلاءِ الظالمين،] قَالَ: ورمى عَبْد اللَّهِ بن عُقْبَةَ الغنوي أبا بكر بن الْحُسَيْن بن علي بسهم فقتله، فلذلك يقول الشاعر، وَهُوَ ابن أبي عقب: وعند غني قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعد وتذكر قَالَ: وزعموا أن العباس بن علي قَالَ لإخوته من أمه: عَبْد الله، وجعفر

стр. 2909

وعثمان: يَا بني أمي، تقدموا حَتَّى أرثكم، فإنه لا ولد لكم، ففعلوا، فقتلوا. وشد هانئ بن ثبيت الحضرمي عَلَى عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ فقتله، ثُمَّ شد عَلَى جَعْفَر بن علي فقتله وجاء برأسه، ورمى خولي بن يَزِيدَ الأصبحي عُثْمَان بن عَلِيّ بن أبي طالب بسهم، ثُمَّ شد عَلَيْهِ رجل من بني أبان بن دارم فقتله، وجاء برأسه، ورمى رجل من بني أبان بن دارم مُحَمَّد بن عَلِيّ بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه. قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي أَبُو الهذيل- رجل من السكون- عن هانئ بن ثبيت الحضرمي، قَالَ: رأيته جالسا فِي مجلس الحضرميين فِي زمان خَالِد بن عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ شيخ كبير، قَالَ: فسمعته وَهُوَ يقول: كنت ممن شهد قتل الحسين، قال: فو الله إني لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا عَلَى فرس، وَقَدْ جالت الخيل وتصعصعت، إذ خرج غلام من آل الْحُسَيْن وَهُوَ ممسك بعود من تِلَكَ الأبنية، عَلَيْهِ إزار وقميص، وَهُوَ مذعور، يتلفت يمينا وشمالا، فكأني أنظر إِلَى درتين فِي أذنيه تذبذبان كلما التفت، إذ أقبل رجل يركض، حَتَّى إذا دنا مِنْهُ مال عن فرسه، ثُمَّ اقتصد الغلام فقطعه بالسيف. قَالَ هِشَام: قَالَ السكوني: هانئ بن ثبيت هُوَ صاحب الغلام، فلما عتب عَلَيْهِ كنى عن نفسه. قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي عَمْرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قَالَ: عطش الْحُسَيْن حَتَّى اشتد عَلَيْهِ العطش، فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع فِي فمه، فجعل يتلقى الدم من فمه، ويرمي بِهِ إِلَى السماء، ثُمَّ حمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ، ثُمَّ جمع يديه فَقَالَ: اللَّهُمَّ أحصهم عددا، واقتلهم بددا، وَلا تذر عَلَى الأرض مِنْهُمْ أحدا. قَالَ هِشَام، عن أَبِيهِ مُحَمَّد بن السَّائِب، عَنِ القاسم بن الأصبغ بن نباته، قَالَ: حَدَّثَنِي من شهد الْحُسَيْن فِي عسكره أن حسينا حين غلب عَلَى عسكره ركب المسناة يريد الفرات، قَالَ: فَقَالَ رجل من بنى ابان بن دارم: ويلكم! حولوا بينه وبين الماء لا تتام إِلَيْهِ شيعته، قَالَ: وضرب

стр. 2910

فرسه، وأتبعه الناس حَتَّى حالوا بينه وبين الفرات، فَقَالَ الْحُسَيْن: اللَّهُمَّ أَظْمِهِ، قَالَ: وينتزع الأباني بسهم، فأثبته فِي حنك الْحُسَيْن، قَالَ: [فانتزع الْحُسَيْن السهم، ثُمَّ بسط كفيه فامتلأت دما، ثُمَّ قَالَ الْحُسَيْن: اللَّهُمَّ إني أشكو إليك مَا يفعل بابن بنت نبيك، قَالَ:] فو الله إن مكث الرجل إلا يسيرا حَتَّى صب اللَّه عَلَيْهِ الظمأ، فجعل لا يروى. قَالَ الْقَاسِم بن الأصبغ: لقد رأيتني فيمن يروح عنه والماء يبرد لَهُ فِيهِ السكر وعساس فِيهَا اللبن، وقلال فِيهَا الماء، وإنه ليقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ، فيعطى القلة أو العس كَانَ مرويا أهل البيت فيشربه، فإذا نزعه من فِيهِ اضطجع الهنيهة ثُمَّ يقول: ويلكم! اسقونى قتلني الظما، قال: فو الله مَا لبث إلا يسيرا حَتَّى انقد بطنه انقداد بطن البعير. قَالَ أَبُو مخنف فِي حديثه: ثُمَّ إن شمر بن ذي الجوشن أقبل فِي نفر نحو من عشرة من رجالة أهل الْكُوفَة قبل منزل الْحُسَيْن الَّذِي فِيهِ ثقله وعياله، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله، [فَقَالَ الْحُسَيْن: ويلكم! إن لَمْ يَكُنْ لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا فِي أمر دُنْيَاكُمْ أحرارا ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهالكم، فقال ابن ذي الجوشن] : ذلك لك يا بن فاطمة، قَالَ: وأقدم عَلَيْهِ بالرجالة، مِنْهُمْ أَبُو الجنوب- واسمه عبد الرَّحْمَن الجعفي- والقشعم بن عَمْرو بن يَزِيدَ الجعفي، وصالح بن وهب اليزني، وسنان بن أنس النخعي، وخولي بن يزيد الأصبحي، فجعل شمر ابن ذي الجوشن يحرضهم، فمر بأبي الجنوب وَهُوَ شاك فِي السلاح فَقَالَ لَهُ: أقدم عَلَيْهِ، قَالَ: وما يمنعك أن تقدم عَلَيْهِ أنت! فَقَالَ لَهُ شمر: ألي تقول ذا! قَالَ: وأنت لي تقول ذا! فاستبا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الجنوب- وَكَانَ شجاعا: وَاللَّهِ لهممت أن أخضخض السنان فِي عينك، قَالَ: فانصرف عنه شمر وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ قدرت عَلَى أن أضرك لأضرنك قَالَ: ثُمَّ إن شمر بن ذي الجوشن أقبل فِي الرجالة نحو الْحُسَيْن، فأخذ الْحُسَيْن يشد عَلَيْهِم فينكشفون عنه. ثُمَّ إِنَّهُمْ أحاطوا بِهِ إحاطة، وأقبل إِلَى الْحُسَيْن غلام من أهله، فأخذته أخته

стр. 2911

زينب ابنة علي لتحبسه، [فَقَالَ لها الْحُسَيْن: احبسيه، فأبى الغلام، وجاء يشتد إِلَى الْحُسَيْن، فقام إِلَى جنبه، قَالَ: وَقَدْ أهوى بحر بن كعب بن عُبَيْد اللَّهِ- من بني تيم اللَّه بن ثعلبة بن عكابة- إِلَى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يا بن الخبيثة، أتقتل عمي! فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة، فإذا يده معلقة، فنادى الغلام: يَا أمتاه! فأخذه الْحُسَيْن فضمه الى صدره، وقال: يا بن أخي، اصبر عَلَى مَا نزل بك، واحتسب فِي ذَلِكَ الخير، فإن اللَّه يلحقك بآبائك الصالحين، برسول الله ص وعلي بن أَبِي طَالِبٍ وحمزة وجعفر والحسن بن علي، صلى اللَّه عَلَيْهِم أجمعين] . قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قَالَ: سمعت الْحُسَيْن يَوْمَئِذٍ وَهُوَ يقول: [اللَّهُمَّ أمسك عَنْهُمْ قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللَّهُمَّ فإن متعتهم إِلَى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، وَلا ترض عَنْهُمُ الولاة أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا فقتلونا] قَالَ: وضارب الرجالة حَتَّى انكشفوا عنه، [قَالَ: ولما بقي الْحُسَيْن فِي ثلاثة رهط أو أربعة، دعا بسراويل محققة يلمع فِيهَا البصر، يماني محقق، ففزره ونكثه لكيلا يسلبه، فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه: لو لبست تحته تبانا! قَالَ: ذَلِكَ ثوب مذلة، وَلا ينبغي لي أن ألبسه،] قَالَ: فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إِيَّاهُ فتركه مجردا. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَمْرو بن شعيب، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الرَّحْمَن أن يدي بحر بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود. قَالَ أَبُو مخنف: عن الحجاج، عن عَبْد اللَّهِ بن عمار بن عَبْدِ يغوث البارقى،

стр. 2912

وعتب عَلَى عَبْد اللَّهِ بن عمار بعد ذَلِكَ مشهده قتل الْحُسَيْن، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن عمار: إن لي عِنْدَ بني هاشم ليدا، قلنا لَهُ: وما يدك عندهم؟ قَالَ: حملت على حسين بالرمح فانتهيت اليه، فو الله لو شئت لطعنته، ثُمَّ انصرفت عنه غير بعيد، وقلت: مَا أصنع بأن أتولى قتله! يقتله غيري قَالَ: فشد عَلَيْهِ رجالة ممن عن يمينه وشماله، فحمل عَلَى من عن يمينه حَتَّى ابذعروا، وعلى من عن شماله حَتَّى ابذعروا، وعليه قميص لَهُ من خز وهو معتم، قال: فو الله مَا رأيت مكسورا قط قَدْ قتل ولده وأهل بيته وأَصْحَابه أربط جأشا، وَلا أمضى جنانا وَلا أجرأ مقدما مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا رأيت قبله ولا بعده مثله، ان كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب، قال: فو الله إنه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته، وكأني أنظر إِلَى قرطها يجول بين أذنيها وعاتقها وَهِيَ تقول: ليت السماء تطابقت عَلَى الأرض! وَقَدْ دنا عُمَر بن سَعْد من حُسَيْن، فَقَالَتْ: يَا عُمَر بن سَعْدٍ، أيقتل أَبُو عَبْد اللَّهِ وأنت تنظر إِلَيْهِ! قَالَ: فكأني أنظر إِلَى دموع عمر وَهِيَ تسيل عَلَى خديه ولحيته، قَالَ: وصرف بوجهه عنها. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الصقعب بن زهير، عن حميد بن مسلم، قَالَ: كَانَتْ عَلَيْهِ جبة من خز، وَكَانَ معتما، وَكَانَ مخضوبا بالوسمة، قَالَ: وسمعته يقول قبل أن يقتل، وَهُوَ يقاتل عَلَى رجليه قتال الفارس الشجاع يتقى الرميه، ويفترض العورة، ويشد عَلَى الخيل، [وَهُوَ يقول: أعلى قتلي تحاثون! أما وَاللَّهِ لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله اللَّه أسخط عَلَيْكُمْ لقتله مني، وايم اللَّه إني لأرجو أن يكرمني اللَّه بهوانكم، ثُمَّ ينتقم لي مِنْكُمْ من حَيْثُ لا تشعرون، أما وَاللَّهِ أن لو قَدْ قتلتموني لقد ألقى اللَّه بأسكم بينكم، وسفك دماءكم، ثُمَّ لا يرضى لكم حَتَّى يضاعف لكم العذاب الأليم] قَالَ: وَلَقَدْ مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كَانَ يتقي بعضهم ببعض، ويحب هَؤُلاءِ أن يكفيهم هَؤُلاءِ، قَالَ:

стр. 2913

فنادى شمر فِي الناس: ويحكم، ماذا تنظرون بالرجل! اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم! قَالَ: فحمل عَلَيْهِ من كل جانب، فضربت كفه اليسرى ضربة، ضربها زرعة بن شريك التميمي، وضرب عَلَى عاتقه، ثُمَّ انصرفوا وَهُوَ ينوء ويكبو، قَالَ: وحمل عَلَيْهِ فِي تِلَكَ الحال سنان بن أنس بن عَمْرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع، ثُمَّ قَالَ لخولي بن يَزِيدَ الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل، فضعف فأرعد، فَقَالَ لَهُ سنان بن أنس: فت اللَّه عضديك، وأبان يديك! فنزل إِلَيْهِ فذبحه واحتز رأسه، ثُمَّ دفع إِلَى خولي بن يَزِيدَ، وَقَدْ ضرب قبل ذَلِكَ بالسيوف. قَالَ أَبُو مخنف، [عن جَعْفَر بن مُحَمَّدِ بْنِ علي، قَالَ: وجد بالحسين ع حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة،] قَالَ: وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الْحُسَيْن إلا شد عَلَيْهِ مخافة أن يغلب عَلَى رأسه، حَتَّى أخذ رأس الْحُسَيْن فدفعه إِلَى خولي، قَالَ: وسلب الْحُسَيْن مَا كَانَ عَلَيْهِ، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته- وكانت من خز، وَكَانَ يسمى بعد قيس قطيفة- وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال لَهُ الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، فوقع بعد ذَلِكَ إِلَى أهل حبيب بن بديل، قَالَ: ومال الناس عَلَى الورس والحلل والإبل وانتهبوها، قَالَ: ومال الناس عَلَى نساء الْحُسَيْن وثقله ومتاعه، فإن كَانَتِ المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حَتَّى تغلب عَلَيْهِ فيذهب بِهِ منها. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي زهير بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخثعمي، أن سويد بن عَمْرو بن أبي المطاع كَانَ صرع فأثخن، فوقع بين القتلى مثخنا، فسمعهم يقولون: قتل الْحُسَيْن، فوجد إفاقة، فإذا مَعَهُ سكين وَقَدْ أخذ سيفه، فقاتلهم بسكينه ساعة، ثُمَّ إنه قتل، قتله عروة بن بطار التغلبي، وزَيْد بن رقاد الجنبي، وَكَانَ آخر قتيل. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم،

стр. 2914

قَالَ، انتهيت إِلَى عَلِيّ بن الْحُسَيْن بن علي الأصغر وَهُوَ منبسط عَلَى فراش لَهُ، وَهُوَ مريض، وإذا شمر بن ذي الجوشن فِي رجالة مَعَهُ يقولون: أَلا نقتل هَذَا؟ قَالَ: فقلت: سبحان اللَّه! أنقتل الصبيان! إنما هَذَا صبي، قَالَ: فما زال ذَلِكَ دأبي أدفع عنه كل من جَاءَ حَتَّى جَاءَ عُمَر بن سَعْد، فَقَالَ: أَلا لا يدخلن بيت هَؤُلاءِ النسوة أحد، وَلا يعرضن لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شَيْئًا فليرده عليهم قال: فو الله مَا رد أحد شَيْئًا، قَالَ: [فَقَالَ عَلِيّ بن الحسين: جزيت من رجل خيرا! فو الله لقد دفع اللَّه عني بمقالتك شرا،] قَالَ: فَقَالَ الناس لسنان بن أنس: قتلت حُسَيْن بن علي وابن فاطمة ابنة رَسُول اللَّهِ ص، قتلت أعظم العرب خطرا، جَاءَ إِلَى هَؤُلاءِ يريد أن يزيلهم عن ملكهم، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم، لو أعطوك بيوت أموالهم فِي قتل الْحُسَيْن كَانَ قليلا، فأقبل عَلَى فرسه، وَكَانَ شجاعا شاعرا، وكانت بِهِ لوثة، فأقبل حَتَّى وقف عَلَى باب فسطاط عُمَر بن سَعْدٍ، ثُمَّ نادى بأعلى صوته: أوقر ركابي فضة وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا فَقَالَ عُمَر بن سَعْد: أشهد إنك لمجنون مَا صححت قط، أدخلوه علي، فلما أدخل حذفه بالقضيب ثُمَّ قَالَ: يَا مجنون، أتتكلم بهذا الكلام! أما وَاللَّهِ لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك، قَالَ: وأخذ عُمَر بن سَعْد عقبة بن سمعان- وَكَانَ مولى للرباب بنت امرئ القيس الكلبية، وَهِيَ أم سكينة بنت الْحُسَيْن- فَقَالَ لَهُ: مَا أنت؟ قَالَ: أنا عبد مملوك، فخلي سبيله، فلم ينج مِنْهُمْ أحد غيره، إلا أن المرقع بن ثمامة الأسدي كَانَ قَدْ نثر نبله وجثا عَلَى ركبتيه، فقاتل، فجاءه نفر من قومه، فَقَالُوا لَهُ: أنت آمن، أخرج إلينا، فخرج إِلَيْهِم، فلما قدم بهم عُمَر بن سَعْد عَلَى ابن زياد وأخبره خبره سيره إِلَى الزارة قَالَ: ثُمَّ إن عُمَر بن سَعْد نادى فِي أَصْحَابه: من ينتدب للحسين ويوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة: مِنْهُمْ إِسْحَاق بن حيوة الحضرمي،

стр. 2915

وَهُوَ الَّذِي سلب قميص الْحُسَيْن- فبرص بعد- واحبش بن مرثد بن علقمه ابن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الْحُسَيْن بخيولهم حَتَّى رضوا ظهره وصدره، فبلغني أن أحبش بن مرثد بعد ذَلِكَ بزمان أتاه سهم غرب، وَهُوَ واقف فِي قتال ففلق قلبه، فمات، قال: فقتل من اصحاب الحسين ع اثنان وسبعون رجلا، ودفن الْحُسَيْن وأَصْحَابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم، وقتل من أَصْحَاب عُمَر بن سَعْد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى، فصلى عَلَيْهِم عُمَر بن سَعْد ودفنهم، قَالَ: وما هُوَ إلا أن قتل الْحُسَيْن، فسرح برأسه من يومه ذَلِكَ مع خولي بن يَزِيدَ وحميد بن مسلم الأَزْدِيّ إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فأقبل بِهِ خولي فأراد القصر، فوجد باب القصر مغلقا، فأتى منزله فوضعه تحت إجانة فِي منزله، وله امرأتان: امرأة من بني أسد، والأخرى من الحضرميين يقال لها النوار ابنة مالك بن عقرب، وكانت تِلَكَ الليلة ليلة الحضرمية قَالَ هِشَام: فَحَدَّثَنِي أبي، عن النوار بنت مالك، قالت: أقبل خولي برأس الْحُسَيْن فوضعه تحت إجانة فِي الدار، ثُمَّ دخل البيت، فأوى إِلَى فراشه، فقلت لَهُ: مَا الخبر؟ مَا عندك؟ قَالَ: جئتك بغنى الدهر، هَذَا رأس الْحُسَيْن معك فِي الدار، قالت: فقلت: ويلك- جَاءَ الناس بالذهب والفضه وجئت برأس ابن رسول الله ص! لا وَاللَّهِ لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا، قالت: فقمت من فراشي، فخرجت إِلَى الدار، فدعا الأسدية فأدخلها إِلَيْهِ، وجلست أنظر، قالت: فو الله مَا زلت أنظر إِلَى نور يسطع مثل العمود من السماء إِلَى الإجانة، ورأيت طيرا بيضا ترفرف حولها. قَالَ: فلما أصبح غدا بالرأس إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وأقام عُمَر بن سَعْد يومه ذَلِكَ والغد، ثُمَّ أمر حميد بن بكير الأحمري فأذن فِي الناس بالرحيل إِلَى الْكُوفَةِ، وحمل مَعَهُ بنات الْحُسَيْن وأخواته ومن كَانَ مَعَهُ من الصبيان، وعلى ابن الْحُسَيْن مريض. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو زهير العبسي، عن قرة بن قيس التميمي،

стр. 2916

قَالَ: نظرت إِلَى تِلَكَ النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن قَالَ: فاعترضتهن عَلَى فرس، فما رأيت منظرا من نسوة قط كَانَ أحسن من منظر رأيته منهن ذَلِكَ الْيَوْم، وَاللَّهِ لهن أحسن من مهايبرين. قال: فما نسيت من الأشياء لا انس قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الْحُسَيْن صريعا وَهِيَ تقول: يَا مُحَمَّداه، يَا مُحَمَّداه! صلى عَلَيْك ملائكة السماء، هَذَا الْحُسَيْن بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يَا مُحَمَّداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عَلَيْهَا الصبا قَالَ: فأبكت وَاللَّهِ كل عدو وصديق، قَالَ: وقطف رءوس الباقين، فسرح باثنين وسبعين رأسا مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزرة بن قيس، فأقبلوا حَتَّى قدموا بِهَا عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قَالَ: دعاني عُمَر بن سَعْد فسرحني إِلَى أهله لأبشرهم بفتح اللَّه عَلَيْهِ وبعافيته، فأقبلت حَتَّى أتيت أهله، فأعلمتهم ذَلِكَ، ثُمَّ أقبلت حَتَّى أدخل فأجد ابن زياد قَدْ جلس لِلنَّاسِ، وأجد الوفد قَدْ قدموا عَلَيْهِ، فأدخلهم، وأذن لِلنَّاسِ، فدخلت فيمن دخل، فإذا رأس الْحُسَيْن موضوع بين يديه، وإذا هُوَ ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة، فلما رآه زَيْد بن أَرْقَمَ: لا ينجم عن نكته بالقضيب، قَالَ لَهُ: اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فو الذى لا إله غيره لقد رأيت شفتي رَسُول الله ص عَلَى هاتين الشفتين يقبلهما، ثُمَّ انفضخ الشيخ يبكي، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: أبكى اللَّه عينيك! فو الله لولا أنك شيخ قَدْ خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، قَالَ: فنهض فخرج، فلما خرج سمعت الناس يقولون: وَاللَّهِ لقد قَالَ زَيْد بن أَرْقَمَ قولا لو سمعه ابن زياد لقتله، قَالَ: فقلت: مَا قَالَ؟ قَالُوا: مر بنا وَهُوَ يقول: ملك عبد عبدا، فاتخذهم تلدا، أنتم يَا معشر العرب العبيد بعد الْيَوْم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذل، فبعدا لمن رضي بالذل!

стр. 2917

قَالَ: فلما دخل برأس حُسَيْن وصبيانه وأخواته ونسائه عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها، وتنكرت، وحفت بِهَا إماؤها، فلما دخلت جلست، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد: من هَذِهِ الجالسة؟ فلم تكلمه، فَقَالَ ذَلِكَ ثلاثا، كل ذَلِكَ لا تكلمه، فَقَالَ بعض إمائها: هَذِهِ زينب ابنة فاطمة، قَالَ: فَقَالَ لها عُبَيْد اللَّهِ: الحمد لِلَّهِ الَّذِي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم! فَقَالَتِ: الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد ص وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، قَالَ: فكيف رأيت صنع اللَّه بأهل بيتك! قالت: كتب عَلَيْهِم القتل، فبرزوا إِلَى مضاجعهم، وسيجمع اللَّه بينك وبينهم، فتحاجون إِلَيْهِ، وتخاصمون عنده، قَال: فغضب ابن زياد واستشاط، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَمْرو ابن حريث: أصلح اللَّه الأمير! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها! إنها لا تؤاخذ بقول، وَلا تلام عَلَى خطل، فَقَالَ لها ابن زياد: قَدْ أشفى اللَّه نفسي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك، قَالَ: فبكت ثُمَّ قالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هَذَا فقد اشتفيت، فَقَالَ لها عُبَيْد اللَّهِ: هَذِهِ شجاعة، قَدْ لعمري كَانَ أبوك شاعرا شجاعا، قالت: مَا للمرأة والشجاعة! إن لي عن الشجاعة لشغلا، ولكن نفثي مَا أقول. قَالَ أَبُو مخنف، عَنِ الْمُجَالِدِ بن سَعِيد: إن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لما نظر إِلَى عَلِيّ بن الْحُسَيْن قَالَ لشرطي: انظر هل أدرك مَا يدرك الرجال؟ فكشط إزاره عنه، فَقَالَ: نعم، قَالَ انطلقوا بِهِ فاضربوا عنقه، فَقَالَ لَهُ على: إن كَانَ بينك وبين هَؤُلاءِ النسوة قرابة فابعث معهن رجلا يحافظ عليهن، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: تعال أنت، فبعثه معهن. قَالَ أَبُو مخنف: وأما سُلَيْمَان بن أبي راشد، فَحَدَّثَنِي عن حميد بن مسلم

стр. 2918

[قَالَ: إني لقائم عِنْدَ ابن زياد حين عرض عَلَيْهِ عَلِيّ بن الْحُسَيْن فَقَالَ لَهُ: مَا اسمك؟ قَالَ: أنا عَلِيّ بن الْحُسَيْن، قال: او لم يقتل اللَّه عَلِيّ بن الْحُسَيْن! فسكت، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: مَا لك لا تتكلم! قَالَ: قَدْ كَانَ لي أخ يقال لَهُ أَيْضًا علي، فقتله الناس، قَالَ: إن اللَّه قَدْ قتله، قَالَ: فسكت علي، فَقَالَ لَهُ: مَا لك لا تتكلم! قَالَ: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها» «وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» ، قَالَ: أنت وَاللَّهِ مِنْهُمْ، ويحك! انظروا هل أدرك؟ وَاللَّهِ إني لأحسبه رجلا، قَالَ: فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري، فَقَالَ: نعم قَدْ أدرك، فَقَالَ: اقتله، فَقَالَ عَلِيّ بن الْحُسَيْن: من توكل بهؤلاء النسوة؟ وتعلقت بِهِ زينب عمته فقالت: يا بن زياد، حسبك منا، أما رويت من دمائنا! وهل أبقيت منا أحدا! قَالَ: فاعتنقته فَقَالَتْ: أسألك بِاللَّهِ إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتني مَعَهُ! قَالَ: وناداه علي فَقَالَ: يا بن زياد، إن كَانَتْ بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإِسْلام،] قَالَ: فنظر إِلَيْهَا ساعة، ثُمَّ نظر إِلَى القوم فَقَالَ: عجبا للرحم! وَاللَّهِ إني لأظنها ودت لو أني قتلته أني قتلتها مَعَهُ، دعوا الغلام، انطلق مع نسائك. قَالَ حميد بن مسلم: لما دخل عُبَيْد اللَّهِ القصر ودخل الناس، نودي: الصَّلاة جامعة! فاجتمع الناس فِي المسجد الأعظم، فصعد الْمِنْبَر ابن زياد فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ الَّذِي أظهر الحق وأهله، ونصر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب، الْحُسَيْن بن علي وشيعته، فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حَتَّى وثب إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن عفيف الأَزْدِيّ ثُمَّ الغامدي، ثُمَّ أحد بني والبة- وَكَانَ من شيعة علي كرم اللَّه وجهه، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي، فلما كَانَ يوم صفين ضرب عَلَى رأسه ضربة، وأخرى عَلَى حاجبه، فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فِيهِ إِلَى الليل ثُمَّ ينصرف- قَالَ: فلما سمع مقاله ابن زياد، قال:

стр. 2919

يا بن مرجانة، إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذى ولاك وأبوه، يا بن مرجانة، أتقتلون أبناء النبيين، وتكلمون بكلام الصديقين! فَقَالَ ابن زياد: علي بِهِ، قَالَ: فوثبت عَلَيْهِ الجلاوزة فأخذوه، قَالَ: فنادى بشعار الأزد: يَا مبرور- قَالَ: وعبد الرَّحْمَن بن مخنف الأَزْدِيّ جالس- فَقَالَ: ويح غيرك! أهلكت نفسك، وأهلكت قومك، قَالَ: وحاضر الْكُوفَة يَوْمَئِذٍ من الأزد سبعمائة مقاتل، قَالَ: فوثب إِلَيْهِ فتية من الأزد فانتزعوه فأتوا بِهِ أهله، فأرسل إِلَيْهِ من أتاه بِهِ، فقتله وأمر بصلبه فِي السبخة، فصلب هنالك. قَالَ أَبُو مخنف: ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد نصب رأس الْحُسَيْن بالكوفة، فجعل يدار بِهِ فِي الْكُوفَة، ثُمَّ دعا زحر بن قيس فسرح مَعَهُ برأس الْحُسَيْن ورءوس أَصْحَابه إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وَكَانَ مع زحر أَبُو بردة بن عوف الأَزْدِيّ وطارق بن أبي ظبيان الأَزْدِيّ، فخرجوا حَتَّى قدموا بِهَا الشام عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة. قَالَ هِشَام: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْن روح بْن زنباع الجذامي، عَنْ أَبِيهِ، عن الغاز بن رَبِيعَة الجرشي، من حمير، قال: والله انا لعند يزيد ابن مُعَاوِيَة بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حَتَّى دخل عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فَقَالَ لَهُ يَزِيد: ويلك! مَا وراءك؟ وما عندك؟ فَقَالَ: أبشر يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بفتح اللَّه ونصره، ورد علينا الْحُسَيْن بن علي فِي ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إِلَيْهِم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا عَلَى حكم الأمير عُبَيْد اللَّهِ بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال عَلَى الاستسلام، فعدونا عَلَيْهِم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية، حَتَّى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، يهربون إِلَى غير وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ الحمائم من صقر، فو الله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ إلا جزر

стр. 2920

جزور أو نومة قائل حَتَّى أتينا عَلَى آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفى عَلَيْهِم الريح، زوارهم العقبان والرخم بقي سبسب قَالَ: فدمعت عين يَزِيد، وَقَالَ: قَدْ كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الْحُسَيْن، لعن اللَّه ابن سمية! أما وَاللَّهِ لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم اللَّه الْحُسَيْن! ولم يصله بشيء. قَالَ: ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ أمر بنساء الْحُسَيْن وصبيانه فجهزن، وامر بعلى ابن الْحُسَيْن فغل بغل إِلَى عنقه، ثُمَّ سرح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي، عائذة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حَتَّى قدموا عَلَى يَزِيد، فلم يكن عَلِيّ بن الْحُسَيْن يكلم أحدا منهما فِي الطريق كلمة حَتَّى بلغوا، فلما انتهوا إِلَى باب يَزِيد رفع محفز بن ثعلبة صوته، فَقَالَ: هَذَا محفز بن ثعلبة أتى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ باللئام الفجرة، قَالَ: فأجابه يَزِيد بن مُعَاوِيَة: مَا ولدت أم محفز شر وألأم. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الصقعب بن زهير، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرَّحْمَن مولى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، قَالَ: لما وضعت الرءوس بين يدي يَزِيد- رأس الْحُسَيْن وأهل بيته وأَصْحَابه- قَالَ يَزِيد: يفلقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كَانُوا أعق وأظلما أما وَاللَّهِ يَا حُسَيْن، لو أنا صاحبك مَا قتلتك. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر العبسي، عن أبي عمارة العبسي، قَالَ: فَقَالَ يَحْيَى بن الحكم أخو مَرْوَان بن الحكم: لهام بجنب الطف أدنى قرابة ... من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصى ... وبنت رسول الله ليس لها نسل

стр. 2921

قَالَ: فضرب يَزِيد بن مُعَاوِيَة فِي صدر يَحْيَى بن الحكم وَقَالَ: اسكت. [قَالَ: ولما جلس يَزِيد بن مُعَاوِيَة دعا أشراف أهل الشام فأجلسهم حوله، ثُمَّ دعا بعلي بن الْحُسَيْن وصبيان الْحُسَيْن ونسائه، فأدخلوا عَلَيْهِ والناس ينظرون، فَقَالَ يَزِيد لعلي: يَا علي، أبوك الَّذِي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع اللَّه بِهِ مَا قَدْ رأيت! قَالَ: فَقَالَ علي: «مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» ، فَقَالَ يَزِيد لابنه خَالِد: اردد عَلَيْهِ، قَالَ: فما درى خَالِد مَا يرد عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يَزِيد: قل: «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» ، ثُمَّ سكت عنه،] قَالَ: ثُمَّ دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئة قبيحة، فَقَالَ: قبح اللَّه ابن مرجانة! لو كَانَتْ بينه وبينكم رحم أو قرابة مَا فعل هَذَا بكم، وَلا بعث بكم هكذا. قَالَ أَبُو مخنف، عن الْحَارِث بن كعب، عن فاطمة بنت علي، قالت: لما أجلسنا بين يدي يَزِيد بن مُعَاوِيَة رق لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا، قالت: ثُمَّ إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إِلَى يَزِيد فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هب لي هَذِهِ- يعنيني، وكنت جارية وضيئة- فأرعدت وفرقت، وظننت أن ذَلِكَ جائز لَهُمْ، وأخذت بثياب أختي زينب، قالت: وكانت أختي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذَلِكَ لا يكون، فَقَالَتْ: كذبت وَاللَّهِ ولؤمت! مَا ذَلِكَ لك وله، فغضب يَزِيد، فَقَالَ: كذبت وَاللَّهِ، إن ذَلِكَ لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت، قالت: كلا وَاللَّهِ، مَا جعل اللَّه ذَلِكَ لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، قالت: فغضب يزيد واستطار، ثُمَّ قَالَ: إياي تستقبلين بهذا! إنما خرج من الدين ابوك

стр. 2922

وأخوك، فَقَالَتْ زينب: بدين اللَّه ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك، قَالَ: كذبت يَا عدوة اللَّه، قالت: أنت أَمِير مسلط، تشتم ظالما، وتقهر بسلطانك، قالت: فو الله لكأنه استحيا، فسكت، ثُمَّ عاد الشامي فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هب لي هَذِهِ الجارية، قَالَ: اعزب، وهب اللَّه لك حتفا قاضيا! قالت: ثُمَّ قَالَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة: يَا نعمان بن بشير: جهزهم بِمَا يصلحهم، وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا، وابعث مَعَهُ خيلا وأعوانا فيسير بهم إِلَى الْمَدِينَة، ثُمَّ أمر بالنسوة أن ينزلن فِي دار عَلَى حدة، معهن مَا يصلحهن، وأخوهن معهن عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فِي الدار الَّتِي هن فِيهَا قَالَ: فخرجن حَتَّى دخلن دار يَزِيد فلم تبق من آل مُعَاوِيَة امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح عَلَى الْحُسَيْن، فأقاموا عَلَيْهِ المناحة ثلاثا، وَكَانَ يَزِيد لا يتغدى وَلا يتعشى إلا دعا عَلِيّ بن الْحُسَيْن إِلَيْهِ، قال: فدعاه ذات يوم، ودعا عمر بن الْحَسَن بن علي وَهُوَ غلام صغير، فقال لعمر بن الْحَسَن: أتقاتل هَذَا الفتى؟ يعني خالدا ابنه، قَالَ: لا، ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا، ثُمَّ أقاتله، فَقَالَ لَهُ يَزِيد، وأخذه فضمه إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: شنشنة أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية! قَالَ: ولما أرادوا أن يخرجوا دعا يَزِيد عَلِيّ بن الْحُسَيْن ثُمَّ قَالَ: لعن اللَّه ابن مرجانة، أما وَاللَّهِ لو أني صاحبه مَا سألني خصلة أبدا إلا أعطيتها إِيَّاهُ، ولدفعت الحتف عنه بكل مَا استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن اللَّه قضى مَا رأيت، كاتبني وأنه كل حاجة تكون لك، قَالَ: وكساهم وأوصى بهم ذَلِكَ الرسول، قَالَ: فخرج بهم وَكَانَ يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حَيْثُ لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عَنْهُمْ وتفرق هُوَ وأَصْحَابه حولهم كهيئة الحرس لَهُمْ، وينزل مِنْهُمْ بحيث إذا أراد إنسان مِنْهُمْ وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم، فلم يزل ينازلهم فِي الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويلطفهم حَتَّى دخلوا الْمَدِينَة. وَقَالَ الْحَارِث بن كعب: فَقَالَتْ لي فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب: يَا أخية، لقد أحسن هَذَا الرجل الشامي إلينا فِي صحبتنا، فهل لك أن نصله؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا معنا شَيْء نصله بِهِ إلا حلينا، قالت

стр. 2923

لها: فنعطيه حلينا، قالت: فأخذت سواري ودملجي وأخذت أختي سوارها ودملجها، فبعثنا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، واعتذرنا إِلَيْهِ، وقلنا لَهُ: هَذَا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل، قَالَ: فَقَالَ: لو كَانَ الَّذِي صنعت إنما هُوَ للدنيا كَانَ فِي حليكن مَا يرضيني ودونه، ولكن وَاللَّهِ مَا فعلته إلا لِلَّهِ، ولقرابتكم مِنْ رَسُولِ الله ص قَالَ هِشَام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي فإنه قَالَ: لما قتل الْحُسَيْن وجيء بالأثقال والأسارى حَتَّى وردوا بهم الْكُوفَة إِلَى عُبَيْد اللَّهِ، فبينا القوم محتبسون إذ وقع حجر فِي السجن، مَعَهُ كتاب مربوط، وفي الكتاب خرج البريد بأمركم فِي يوم كذا وكذا إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وَهُوَ سائر كذا وكذا يَوْمًا، وراجع فِي كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فلما كَانَ قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قَدْ ألقي فِي السجن، وَمَعَهُ كتاب مربوط وموسى، وفي الكتاب: أوصوا واعهدوا فإنما ينتظر البريد يوم كذا وكذا فَجَاءَ البريد ولم يسمع التكبير، وجاء كتاب بأن سرح الأسارى إلي قَالَ: فدعا عُبَيْد الله ابن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن، فَقَالَ: انطلقوا بالثقل والرأس إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة، قَالَ: فخرجوا حَتَّى قدموا عَلَى يَزِيد، فقام محفز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته: جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم، فَقَالَ يَزِيد: مَا ولدت أم محفز ألأم وأحمق، ولكنه قاطع ظالم، قَالَ: فلما نظر يَزِيد إِلَى رأس الْحُسَيْن، قَالَ: يفلقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كَانُوا أعق وأظلما ثُمَّ قَالَ: أتدرون من أين أتي هَذَا؟ قَالَ: أبي علي خير من أَبِيهِ، وأمي فاطمة خير من أمه، وجدي رسول الله خير من جده، وأنا خير مِنْهُ وأحق

стр. 2924

بهذا الأمر مِنْهُ، فأما قوله: أبوه خير من أبي، فقد حاج أبي أباه، وعلم الناس أيهما حكم لَهُ، وأما قوله: أمي خير من أمه، فلعمري فاطمة ابنة رَسُول الله ص خير من أمي، وأما قوله: جدي خير من جده، فلعمري مَا أحد يؤمن بِاللَّهِ واليوم الآخر يرى لرسول اللَّه فينا عدلا وَلا ندا، ولكنه إنما أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ثُمَّ أدخل نساء الْحُسَيْن عَلَى يَزِيد، فصاح نساء آل يَزِيد وبنات مُعَاوِيَة وأهله وولولن. ثُمَّ إنهن أدخلن عَلَى يَزِيد، فَقَالَتْ فاطمة بنت الْحُسَيْن- وكانت أكبر من سكينة: أبنات رَسُول اللَّهِ سبايا يَا يَزِيد! فَقَالَ يَزِيد: يَا ابنة أخي، أنا لهذا كنت أكره، قالت: وَاللَّهِ مَا ترك لنا خرص، قَالَ: يا ابنه أخي ما آت إليك أعظم مما أخذ مِنْكَ، ثُمَّ أخرجن فأدخلن دار يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فلم تبق امرأة من آل يَزِيد إلا أتتهن، وأقمن المأتم، وأرسل يَزِيد إِلَى كل امرأة: ماذا أخذ لك؟ وليس منهن امرأة تدعي شَيْئًا بالغا مَا بلغ إلا قَدْ أضعفه لها، فكانت سكينة تقول: مَا رأيت رجلا كافرا بالله خيرا من يزيد ابن مُعَاوِيَة [ثُمَّ أدخل الأسارى إِلَيْهِ وفيهم عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فَقَالَ لَهُ يَزِيد: إيه يَا علي! فَقَالَ علي: «مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ] » فَقَالَ يَزِيد: «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» ثُمَّ جهزه وأعطاه مالا، وسرحه إِلَى الْمَدِينَة

стр. 2925

قَالَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حمزة الثمالي، عن عَبْد اللَّهِ الثمالي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ بخيت، قَالَ: لما أقبل وفد أهل الْكُوفَة برأس الْحُسَيْن دخلوا مسجد دمشق، فَقَالَ لَهُمْ مَرْوَان بن الحكم: كيف صنعتم؟ قَالُوا: ورد علينا مِنْهُمْ ثمانية عشر رجلا، فأتينا وَاللَّهِ عَلَى آخرهم، وهذه الرءوس والسبايا، فوثب مَرْوَان فانصرف، وأتاهم أخوه يَحْيَى بن الحكم، فَقَالَ: مَا صنعتم؟ فأعادوا عَلَيْهِ الكلام، فَقَالَ: حجبتم عن مُحَمَّد يوم الْقِيَامَة، لن أجامعكم عَلَى أمر أبدا ثُمَّ قام فانصرف، ودخلوا عَلَى يَزِيد فوضعوا الرأس بين يديه، وحدثوه الحديث قَالَ: فسمعت دور الحديث هند بنت عبد الله ابن عَامِر بن كريز- وكانت تحت يَزِيد بن مُعَاوِيَة- فتقنعت بثوبها، وخرجت فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أرأس الْحُسَيْن بن فاطمة بنت رَسُول اللَّهِ! قَالَ: نعم فأعولي عَلَيْهِ، وحدي عَلَى ابن بنت رسول الله ص وصريحة قريش، عجل عَلَيْهِ ابن زياد فقتله قتله اللَّه! ثُمَّ أذن لِلنَّاسِ فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يَزِيد قضيب فهو ينكت بِهِ فِي ثغره، ثُمَّ قَالَ: إن هَذَا وإيانا كما قَالَ الحصين بن الحمام المري: يفلقن هاما من رجال أحبة ... إلينا وهم كَانُوا أعق وأظلما قَالَ: فَقَالَ رجل من اصحاب رسول الله ص يقال لَهُ أَبُو برزة الأسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين! اما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا، لربما رأيت رَسُول الله ص يرشفه، أما إنك يَا يَزِيد تجيء يوم الْقِيَامَة وابن زياد شفيعك، ويجيء هَذَا يوم القيامه ومحمد ص شفيعه، ثُمَّ قام فولى. قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي عوانة بن الحكم، قَالَ: لما قتل عُبَيْد اللَّهِ بن زياد الْحُسَيْن بن علي وجيء برأسه إِلَيْهِ، دعا عَبْد الْمَلِكِ بن أبي الْحَارِث السلمي فَقَالَ: انطلق حَتَّى تقدم الْمَدِينَة عَلَى عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ فبشره بقتل الْحُسَيْن- وَكَانَ عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ أَمِير الْمَدِينَة يَوْمَئِذٍ- قَالَ: فذهب

стр. 2926

ليعتل لَهُ، فزجره- وَكَانَ عُبَيْد اللَّهِ لا يصطلى بناره- فَقَالَ: انطلق حَتَّى تأتي الْمَدِينَة، وَلا يسبقك الخبر، وأعطاه دنانير، وَقَالَ: لا تعتل، وإن قامت بك راحلتك فاشتر راحلة، قَالَ عَبْد الْمَلِكِ: فقدمت الْمَدِينَة، فلقيني رجل من قريش، فَقَالَ: مَا الخبر؟ فقلت: الخبر عِنْدَ الأمير، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! قتل الحسين بن على، فدخلت عَلَى عَمْرو بن سَعِيدٍ فَقَالَ: مَا وراءك؟ فقلت: مَا سر الأمير، قتل الْحُسَيْن بن علي، فَقَالَ: ناد بقتله، فناديت بقتله، فلم أسمع وَاللَّهِ واعية قط مثل واعية نساء بني هاشم فِي دورهن عَلَى الْحُسَيْن، فَقَالَ عَمْرو بن سَعِيد وضحك: عجت نساء بني زياد عجة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب والأرنب: وقعة كَانَتْ لبني زبيد عَلَى بني زياد من بني الْحَارِث بن كعب، من رهط عبد المدان، وهذا البيت لعمرو بن معديكرب، ثُمَّ قَالَ عَمْرو: هَذِهِ واعية بواعية عُثْمَان بن عَفَّانَ، ثُمَّ صعد الْمِنْبَر فأعلم الناس قتله. قَالَ هِشَام، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن ابن عبيد أبي الكنود، قَالَ: لما بلغ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مقتل ابنيه مع الْحُسَيْن، دخل عَلَيْهِ بعض مواليه والناس يعزونه- قَالَ: وَلا أظن مولاه ذَلِكَ إلا أبا اللسلاس- فَقَالَ: هَذَا مَا لقينا ودخل علينا من الْحُسَيْن! قَالَ: فحذفه عَبْد الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يا بن اللخناء، أللحسين تقول هَذَا! وَاللَّهِ لو شهدته لأحببت الا أفارقه حَتَّى أقتل مَعَهُ، وَاللَّهِ إنه لمما يسخي بنفسي عنهما، ويهون علي المصاب بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين لَهُ، صابرين مَعَهُ ثُمَّ أقبل عَلَى جلسائه فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ عَلَى مصرع الحسين، الا تكن آست حسينا يدي، فقد آساه ولدي قَالَ: ولما أتى أهل الْمَدِينَة مقتل الْحُسَيْن خرجت ابنة عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها وَهِيَ حاسرة تلوي بثوبها وَهِيَ تقول:

стр. 2927

ماذا تقولون إن قَالَ النَّبِيّ لكم ... ماذا فعلتم وَأَنْتُمْ آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... مِنْهُمْ أسارى ومنهم ضرجوا بدم! قَالَ هِشَام: عن عوانة، قَالَ: قَالَ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لعمر بن سَعْد بعد قتله الْحُسَيْن: يَا عمر، أين الكتاب الَّذِي كتبت بِهِ إليك فِي قتل الْحُسَيْن؟ قَالَ: مضيت لأمرك وضاع الكتاب، قَالَ: لتجيئن بِهِ، قَالَ: ضاع، قَالَ: وَاللَّهِ لتجيئني بِهِ، قَالَ: ترك وَاللَّهِ يقرأ عَلَى عجائز قريش اعتذارا إليهن بِالْمَدِينَةِ، أما وَاللَّهِ لقد نصحتك فِي حُسَيْن نصيحه لو نصحتها ابى سعد ابن أَبِي وَقَّاص كنت قَدْ أديت حقه، قَالَ عُثْمَان بن زياد أخو عُبَيْد اللَّهِ: صدق وَاللَّهِ، لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إِلَى يوم القيامه وان حسينا لم يقتل، قال: فو الله مَا أنكر ذَلِكَ عَلَيْهِ عُبَيْد اللَّهِ. قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي بعض أَصْحَابنا، عن عَمْرو بن أبي المقدام، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرو بن عِكْرِمَة، قَالَ: أصبحنا صبيحة قتل الْحُسَيْن بِالْمَدِينَةِ، فإذا مولى لنا يحدثنا، قَالَ: سمعت البارحة مناديا ينادي وَهُوَ يقول: أيها القاتلون جهلا حسينا ... أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عَلَيْكُمْ ... من نبي وملاك وقبيل قَدْ لعنتم عَلَى لسان ابن دَاوُد ... وموسى وحامل الإنجيل قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حيزوم الكلبي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سمعت هَذَا الصوت. ذكر أسماء من قتل من بني هاشم مع الحسين ع وعدد من قتل من كل قبيلة من القبائل الَّتِي قاتلته قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: ولما قتل الحسين بن على ع جيء

стр. 2928

برءوس من قتل مَعَهُ من أهل بيته وشيعته وأنصاره إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس، فذلك سبعون رأسا. قَالَ: وقتل الحسين- وأمه فاطمه بنت رسول الله ص قتله سنان بن أنس النخعي ثُمَّ الأصبحي وجاء برأسه خولي بن يَزِيدَ، وقتل العباس بن عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم البنين ابنة حزام بن خَالِد بن رَبِيعَة بن الوحيد، قتله زَيْد بن رقاد الجنبي- وحكيم بن الطفيل السنبسي، وقتل جَعْفَر بن عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم البنين أيضا- وقتل عبد الله بن على ابن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم البنين أَيْضًا- وقتل عُثْمَان بن عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم البنين أَيْضًا- رماه خولي بن يَزِيدَ بسهم فقتله، وقتل مُحَمَّد بن عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم ولد- قتله رجل من بني أبان بن دارم، وقتل أَبُو بَكْر بن عَلِيّ بن أبي طالب- وأمه لَيْلَى ابنة مسعود بن خَالِد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم، وَقَدْ شك فِي قتله- وقتل على ابن الْحُسَيْن بن علي- وأمه لَيْلَى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود بن معتب الثقفي، وأمها مَيْمُونَة ابنة أبي سُفْيَان بن حرب- قتله مرة بن منقذ بن النُّعْمَانِ العبدي، وقتل عَبْد اللَّهِ بن الْحُسَيْن بن على- وأمه الرباب ابنه إمرئ القيس ابن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب- قتله هانئ ابن ثبيت الحضرمي، واستصغر عَلِيّ بن الْحُسَيْن بن علي فلم يقتل، وقتل أَبُو بَكْر بن الْحَسَن بن عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم ولد- قتله عَبْد اللَّهِ بن عُقْبَةَ الغنوي، وقتل عَبْد اللَّهِ بن الْحَسَن بن عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم ولد- قتله حرملة بن الكاهن، رماه بسهم، وقتل الْقَاسِم بن الْحَسَن بن علي- وأمه أم ولد- قتله سعد بن عَمْرو بن نفيل الأزدي، وقتل عون بن عبد الله

стр. 2929

ابن جَعْفَر بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه جمانة ابنة المسيب بن نجبة بن رَبِيعَة بن رياح من بني فزارة- قتله عَبْد اللَّهِ بن قطبه الطائي ثم النبهاني، وقتل محمد ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- وأمه الخوصاء ابنة خصفة بن ثقيف بن رَبِيعَة بن عائذ بن الْحَارِث بن تيم اللَّه بن ثعلبة من بكر بن وائل- قتله عامر ابن نهشل التيمي، وقتل جَعْفَر بن عقيل بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم البنين ابنة الشقر بن الهضاب- قتله بشر بن حوط الهمداني، وقتل عبد الرحمن ابن عقيل- وأمه أم ولد- قتله عُثْمَان بن خَالِد بن أسير الجهني، وقتل عَبْد اللَّهِ بن عقيل بن أبي طالب- وأمه أم ولد- رماه عَمْرو بن صبيح الصدائي فقتله، وقتل مسلم بن عقيل بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه أم ولد، ولد بالكوفة- وقتل عَبْد اللَّهِ بن مسلم بن عقيل بن أَبِي طَالِبٍ- وأمه رقية ابنة عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ وأمها أم ولد- قتله عَمْرو بن صبيح الصدائي، وقيل: قتله اسيد بن مالك الحضرمي، وقتل مُحَمَّد بن أبي سَعِيد بن عقيل- وأمه أم ولد- قتله لقيط بن ياسر الجهني، واستصغر الْحَسَن بن الْحَسَن بن علي، وأمه خولة ابنة منظور بن زبان بن سيار الفزارى، واستصغر عمر بن الحسن بن على فترك فلم يقتل- وأمه أم ولد- وقتل من الموالي سُلَيْمَان مولى الْحُسَيْن بن علي، قتله سُلَيْمَان بن عوف الحضرمي، وقتل منجح مولى الْحُسَيْن بن علي، وقتل عَبْد اللَّهِ بن بقطر رضيع الْحُسَيْن بن علي. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب الأَزْدِيّ، أن عُبَيْد الله ابن زياد بعد قتل الْحُسَيْن تفقد أشراف أهل الْكُوفَة، فلم ير عُبَيْد اللَّهِ بن الحر، ثُمَّ جاءه بعد أيام حَتَّى دخل عَلَيْهِ، فقال: اين كنت يا بن الحر؟ قَالَ: كنت مريضا، قَالَ: مريض القلب، أو مريض البدن! قَالَ: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من اللَّه علي بالعافية، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا، قَالَ: لو كنت مع عدوك لرئى مكاني، وما كَانَ مثل مكاني يخفى، قَالَ: وغفل عنه ابن زياد غفلة، فخرج ابن الحر فقعد

стр. 2930

عَلَى فرسه، فَقَالَ ابن زياد: أين ابن الحر؟ قَالُوا: خرج الساعة، قَالَ: علي بِهِ، فأحضرت الشرط فَقَالُوا لَهُ: أجب الأمير، فدفع فرسه ثُمَّ قَالَ: أبلغوه أني لا آتيه وَاللَّهِ طائعا أبدا، ثُمَّ خرج حَتَّى أتى منزل أحمر بن زياد الطَّائِيّ فاجتمع إِلَيْهِ فِي منزله أَصْحَابه، ثُمَّ خرج حَتَّى أتى كربلاء فنظر إِلَى مصارع القوم، فاستغفر لَهُمْ هُوَ وأَصْحَابه، ثُمَّ مضى حَتَّى نزل المدائن، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: يقول أَمِير غادر حق غادر: ... أَلا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه! فيا ندمي أَلا أكون نصرته ... أَلا كل نفس لا تسدد نادمه وإني لأني لم أكن من حماته ... لذو حسرة مَا إن تفارق لازمه سقى اللَّه أرواح الَّذِينَ تأزروا ... عَلَى نصره سقيا من الغيث دائمه وقفت على أجداثهم ومجالهم ... فكاد الحشا ينفض والعين ساجمه لعمري لقد كَانُوا مصاليت فِي الوغى ... سراعا إِلَى الهيجا حماة خضارمه تآسوا عَلَى نصر ابن بنت نبيهم ... بأسيافهم آساد غيل ضراغمه فإن يقتلوا فكل نفس تقية ... عَلَى الأرض قَدْ أضحت لذلك واجمه وما إن رَأَى الراءون أفضل مِنْهُمُ ... لدى الموت سادات وزهرا قماقمه أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا ... فدع خطة ليست لنا بملائمه! لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقم منا عَلَيْكُمْ وناقمه أهم مرارا أن أسير بجحفل ... إِلَى فئة زاغت عن الحق ظالمه فكفوا وإلا ذدتكم فِي كتائب ... أشد عَلَيْكُمْ من زحوف الديالمة. ذكر خبر مقتل مرداس بن عمرو بن حدير وفي هَذِهِ السنة قتل أَبُو بلال مِرْدَاس بن عَمْرو بن حدير، من رَبِيعَة بن حنظله

стр. 2931

ذكر سبب مقتله: قَالَ أَبُو جَعْفَر الطبري: قَدْ تقدم ذكر سبب خروجه، وما كَانَ من توجيه عُبَيْد اللَّهِ بن زياد إِلَيْهِ أسلم بن زرعة الكلابي فِي ألفي رجل، والتقائهم بآسك وهزيمة أسلم وجيشه مِنْهُ ومن أَصْحَابه فِيمَا مضى من كتابنا هَذَا. ولما هزم مِرْدَاس أَبُو بلال أسلم بن زرعة، وبلغ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، سرح إِلَيْهِ- فِيمَا حُدِّثْتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مخنف، قال: حدثنى ابو المخارق الراسبى- ثلاثة آلاف، عَلَيْهِم عباد بن الأخضر التميمي، فأتبعه عباد يطلبه حَتَّى لحقه بتوج، فصف لَهُ، فحمل عَلَيْهِم أَبُو بلال وأَصْحَابه، فثبتوا وتعطف الناس عَلَيْهِم فلم يكونوا شَيْئًا وَقَالَ أَبُو بلال لأَصْحَابه: من كَانَ مِنْكُمْ إنما خرج للدنيا فليذهب، ومن كَانَ مِنْكُمْ إنما أراد الآخرة ولقاء ربه فقد سبق ذَلِكَ إِلَيْهِ، وقرأ: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» ، فنزل ونزل أَصْحَابه مَعَهُ لم يفارقه مِنْهُمْ إنسان، فقتلوا من عِنْدَ آخرهم، ورجع عباد بن الأخضر، وَذَلِكَ الجيش الَّذِي كَانَ مَعَهُ إِلَى الْبَصْرَة، وأقبل عبيدة بن هلال مَعَهُ ثلاثة نفر هُوَ رابعهم، فرصد عباد بن الأخضر، فأقبل يريد قصر الإمارة وَهُوَ مردف ابنا لَهُ غلاما، صغيرا، فَقَالُوا: يَا عَبْد اللَّهِ، قف حَتَّى نستفتيك، فوقف، فَقَالُوا: نحن إخوة أربعة، قتل أخونا، فما ترى؟ قَالَ: استعدوا الأمير، قَالُوا: قَدِ استعديناه فلم يعدنا، قَالَ: فاقتلوه، قتله اللَّه! فوثبوا عَلَيْهِ فحكموا، والقى ابنه فقتلوه . ذكر خبر ولايه سلم بن زياد على خراسان وسجستان وفي هَذِهِ السنة ولى يَزِيد بن مُعَاوِيَة سلم بن زياد سجستان وخراسان. ذكر سبب توليته إِيَّاهُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بن مُحَمَّد، قال: حدثنا مسلمة بن

стр. 2932

مُحَارِبِ بْنِ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: وَفَدَ سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: يَا أَبَا حَرْبٍ، أُوَلِّيكَ عَمَلَ أَخَوَيْكَ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبَّادٍ؟ فَقَالَ: مَا أَحَبَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَلاهُ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَوَجَّهَ سَلْمٌ الْحَارِثَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْحَارِثِيَّ جَدَّ عِيسَى بْنَ شَبِيبٍ مِنَ الشَّامِ إِلَى خُرَاسَانَ، وقَدِمَ سَلْمٌ الْبَصْرَةَ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَخَذَ الْحَارِثَ بْنَ قَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيَّ فَحَبَسَهُ، وَضَرَبَ ابْنَهُ شَبِيبًا، وَأَقَامَهُ فِي سَرَاوِيلَ، وَوَجَّهَ أَخَاهُ يَزِيدَ بْنَ زِيَادٍ إِلَى سِجِسْتَانَ فَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى عَبَّادٍ أَخِيهِ- وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا- يُخْبِرُهُ بِوِلايَةِ سَلْمٍ، فَقَسَّمَ عَبَّادٌ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ فِي عَبِيدِهِ، وَفَضَلَ فَضْلٌ فَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ أَرَادَ سَلَفًا فَلْيَأْخُذْ، فَأَسْلَفَ كُلَّ مَنْ أَتَاهُ، وَخَرَجَ عَبَّادٌ عَنْ سِجِسْتَانَ فَلَمَّا كَانَ بِجِيرُفْتَ بَلَغَهُ مَكَانُ سَلْمٍ- وَكَانَ بَيْنَهُمَا جَبَلٌ- فَعَدَلَ عَنْهُ، فَذَهَبَ لِعَبَّادٍ تِلَكَ اللَّيْلَةِ أَلْفُ مَمْلُوكٍ، أَقَلُّ مَا مَعَ أَحَدِهِمْ عَشَرَةُ آلافٍ قَالَ: فَأَخَذَ عَبَّادٌ عَلَى فَارِسَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: أَيْنَ الْمَالَ؟ قَالَ كُنْتُ صَاحِبَ ثَغْرٍ، فَقَسَّمْتُ مَا أَصَبْتُ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ: وَلَمَّا شَخَصَ سَلْمٌ إِلَى خُرَاسَانَ شَخَصَ مَعَهُ عِمْرَانُ بْنُ الْفَصِيلِ الْبُرْجِمُيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وَالْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ عَرَادَةَ، وابو حزابه الْوَلِيدُ بْنُ نَهِيكٍ أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ الْعَدَوَانِيُّ حَلِيفُ هُذَيْلٍ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ فِرْسَانِ الْبَصْرَةِ وَأَشْرَافِهِمْ، فَقَدِمَ سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ بِكِتَابِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بِنُخْبَةِ أَلْفَيْ رَجُلٍ يَنْتَخِبُهُمْ- وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ نُخْبَةُ سِتَّةِ آلافٍ- قَالَ: فَكَانَ سَلْمٌ يَنْتَخِبُ الْوُجُوهَ وَالْفِرْسَانَ وَرَغِبَ قَوْمٌ فِي الْجِهَادِ فَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَخْرَجَهُ سَلْمٌ حَنْظَلَةُ بْنُ عَرَادَةَ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ: دَعْهُ لِي، قَالَ: هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك، فَإِنِ اخْتَارَكَ فَهُوَ لَكَ، وَإِنِ اخْتَارَنِي فَهُوَ لِي، قَالَ: فَاخْتَارَ سَلْمًا، وَكَانَ النَّاسُ يُكَلِّمُونَ سَلْمًا وَيَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهُمْ مَعَهُ، وَكَانَ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ الْعَدَوِيُّ يَأْتِي الدِّيوَانَ فَيَقُولُ لَهُ الْكَاتِبُ: يَا أَبَا الصَّهْبَاءِ، أَلا أُثْبِتُ اسمك، فانه وجه فيه جهاد وفضل؟ فَيَقُولُ لَهُ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأَنْظُرُ، فَلَمْ يَزَلْ يدافع حتى

стр. 2933

فَرَغَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مُعَاذَةُ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ: أَلا تَكْتُبُ نَفْسَكَ؟ قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ، ثُمَّ صَلَّى وَاسْتَخَارَ اللَّهَ، قَالَ: فَرَأَى فِي مَنَامِهِ آتِيًا أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ فَإِنَّكَ تَرْبَحُ وَتُفْلِحُ وَتَنْجَحُ، فَأَتَى الْكَاتِبَ فَقَالَ لَهُ: أَثْبِتْنِي، قَالَ: قَدْ فَرَغْنَا وَلَنْ أَدَعَكَ، فَأَثْبَتَهُ وَابْنَهُ، فَخَرَجَ سَلْمٌ فَصَيَّرَهُ سَلْمٌ مَعَ يَزِيدَ بْنَ زِيَادٍ فَسَارَ إِلَى سِجِسْتَانَ. قَالَ: وَخَرَجَ سَلْمٌ وَأَخْرَجَ مَعَهُ أُمَّ مُحَمَّدٍ ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ قُطِعَ بِهَا النَّهْرُ. قَالَ: وَذَكَرَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ وَأَبُو حَفْصٍ الأَزْدِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصٍ الْكِرْمَانِيِّ أَنَّ عُمَّالَ خُرَاسَانَ كَانُوا يَغْزُونَ، فَإِذَا دَخَلَ الشِّتَاءُ قَفَلُوا مِنْ مَغَازِيهِمْ إِلَى مَرْوَ الشَّاهِجَانَ، فَإِذَا انْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ اجْتَمَعَ مُلُوكُ خُرَاسَانَ فِي مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ خراسان مما يلى خارزم، فيتعاقدون الا يَغْزُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلا يُهَيِّجُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَيَتَشَاوَرُونَ فِي أُمُورِهِمْ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَطْلُبُونَ إِلَى أُمَرَائِهِمْ فِي غَزْوِ تِلَكَ الْمَدِينَةِ فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ غَزَا فَشَتَا فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، قَالَ: فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُوَجِّهَهُ إِلَى تِلَكَ الْمَدِينَةِ، فَوَجَّهَهُ فِي سِتَّةِ آلافٍ- وَيُقَالُ أَرْبَعَةِ آلافٍ- فَحَاصَرَهُمْ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُذْعِنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، فَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنْ يُفْدُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَصَالَحُوهُ عَلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، قَالَ: وَكَانَ فِي صُلْحِهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عُرُوضًا، فَكَانَ يَأْخُذُ الرَّأْسَ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، وَالدَّابَةَ بِنِصْفِ ثَمَنِهَا، وَالْكَيْمَخْتَ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، فَبَلَغَتْ قِيمَةُ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَحَظِيَ بِهَا الْمُهَلَّبُ عِنْدَ سَلْمٍ، وَاصْطَفَى سَلْمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا أَعْجَبَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى يَزِيدَ مَعَ مَرْزُبَانَ مَرْوَ، وَأَوْفَدَ فِي ذَلِكَ وَفْدًا. قَالَ مَسْلَمَةُ وَإِسْحَاقُ بْنُ أَيُّوبَ: غَزَا سَلْمٌ سَمَرْقَنْدَ بِامْرَأَتِهِ أُمِّ مُحَمَّدٍ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَوَلَدَتْ لِسَلْمٍ ابْنًا، فَسَمَّاهُ صُغْدِي. قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ: ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ رُشَيْدٍ الْجُوزْجَانِيُّ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ خُزَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ خُوَارَزْمَ،

стр. 2934

فَصَالَحُوهُ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، وَكَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ مُحَمَّدٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ فِي غَزَاتِهِ تِلَكَ ابْنًا، وَأَرْسَلَتْ إِلَى امْرَأَةِ صَاحِبِ الصُّغْدِ تَسْتَعِيرُ مِنْهَا حُلِيًّا، فَبَعَثَتْ إِلَيْهَا بِتَاجِهَا، وَقَفَلُوا، فَذَهَبَتْ بِالتَّاجِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ يَزِيدُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوَلاهَا الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بن ثَابِت، عمن حدثه، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قَالَ: نزع يَزِيد بن مُعَاوِيَة عَمْرو بن سَعِيد، لهلال ذي الحجة، وأمر الْوَلِيد بن عتبة عَلَى الْمَدِينَة، فحج بِالنَّاسِ حجتين سنة إحدى وستين. وسنة اثنتين وستين. وَكَانَ عامل يَزِيد بن مُعَاوِيَة فِي هَذِهِ السنة عَلَى الْبَصْرَة والكوفة عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وعلى الْمَدِينَة فِي آخرها الْوَلِيد بن عتبة، وعلى خُرَاسَان وسجستان سلم بن زياد، وعلى قضاء الْبَصْرَة هِشَام بن هبيرة، وعلى قضاء الْكُوفَة شريح. وفيها أظهر ابن الزُّبَيْر الخلاف عَلَى يَزِيد وخلعه وفيها بويع لَهُ . ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وتوليته عَلَيْهَا الْوَلِيد بن عتبة وَكَانَ السبب فِي ذَلِكَ وسبب إظهار عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ الدعاء إِلَى نفسه- فِيمَا ذكر هِشَام، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل- قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، ٤ قَالَ: لما قتل الحسين ع قام ابن الزُّبَيْر فِي أهل مكة وعظم مقتله، وعاب عَلَى أهل الْكُوفَة خاصة، ولام أهل العراق عامة، فَقَالَ بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ص: إن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا، وإن أهل الْكُوفَة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا حسينا لينصروه ويولوه عَلَيْهِم، فلما قدم عَلَيْهِم ثاروا إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: إما أن تضع يدك فِي أيدينا فنبعث بك إِلَى ابن زياد بن سمية سلما فيمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب، فراى وَاللَّهِ أنه هُوَ وأَصْحَابه قليل فِي كثير، وان

стр. 2935

كَانَ اللَّه لم يطلع عَلَى الغيب أحدا أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة عَلَى الحياة الذميمة، فرحم اللَّه حسينا، وأخزى قاتل حُسَيْن! لعمري لقد كَانَ من خلافهم إِيَّاهُ وعصيانهم مَا كَانَ فِي مثله واعظ وناه عَنْهُمْ، ولكنه مَا حم نازل، وإذا أراد اللَّه أمرا لن يدفع أفبعد الْحُسَيْن نطمئن إِلَى هَؤُلاءِ القوم ونصدق قولهم ونقبل لَهُمْ عهدا! لا، وَلا نراهم لذلك أهلا، أما وَاللَّهِ لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا فِي النهار صيامه، أحق بِمَا هم فِيهِ مِنْهُمْ وأولى بِهِ فِي الدين والفضل، أما وَاللَّهِ مَا كَانَ يبدل بالقرآن الغناء، وَلا بالبكاء من خشية اللَّه الحداء، وَلا بالصيام شرب الحرام، وَلا بالمجالس فِي حلق الذكر الركض فِي تطلاب الصيد- يعرض بيزيد- فسوف يلقون غيا. فثار إِلَيْهِ أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ: أيها الرجل أظهر بيعتك، فإنه لم يبق أحد إذ هلك حُسَيْن ينازعك هَذَا الأمر وَقَدْ كَانَ يبايع الناس سرا، ويظهر أنه عائذ بالبيت، فَقَالَ لَهُمْ: لا تعجلوا- وعمرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ يَوْمَئِذٍ عامل مكة، وَقَدْ كَانَ أشد شَيْء عَلَيْهِ وعلى أَصْحَابه، وَكَانَ مع شدته عَلَيْهِم يداري ويرفق- فلما استقر عِنْدَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة مَا قَدْ جمع ابن الزُّبَيْر من الجموع بمكة، أعطى اللَّه عهدا ليوثقنه فِي سلسلة، فبعث بسلسلة من فضة، فمر بِهَا البريد على مروان بن الحكم بالمدينة، فاخبر خبر مَا قدم لَهُ وبالسلسلة الَّتِي مَعَهُ، فَقَالَ مَرْوَان: خذها فليست للعزيز بخطة ... وفيها مقال لامرئ متضعف ثُمَّ مضى من عنده حَتَّى قدم عَلَى ابن الزُّبَيْر، فأتى ابن الزُّبَيْر فأخبره بممر البريد عَلَى مَرْوَان، وتمثل مَرْوَان بهذا البيت، فَقَالَ ابن الزُّبَيْر: لا وَاللَّهِ لا أكون أنا ذَلِكَ المتضعف، ورد ذَلِكَ البريد ردا رقيقا. وعلا أمر ابن الزُّبَيْر بمكة، وكاتبه أهل الْمَدِينَة، وَقَالَ الناس: أما إذ هلك الْحُسَيْن ع فليس أحد ينازع ابن الزُّبَيْر

стр. 2936

حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ- وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ يَزِيدُ بن معاويه بن عَضَاهٍ الأَشْعَرِيَّ وَمَسْعَدَةَ وَأَصْحَابَهُمَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ لِيُؤْتَى بِهِ فِي جَامِعَةٍ لِتُبَرَّ يَمِينُ يَزِيدَ، بَعَثَ مَعَهُمْ بِجَامِعَةٍ مِنْ وَرَقٍ وَبُرْنُسِ خَزٍّ، فَأَرْسَلَنِي أَبِي وَأَخِي مَعَهُمْ وَقَالَ: إِذَا بَلَّغَتْهُ رُسُلُ يَزِيدَ الرِّسَالَةَ فَتَعَرَّضَا لَهُ، ثُمَّ لِيَتَمَثَّلَ أَحَدُكُمَا: فَخُذْهَا فَلَيْسَتْ لِلْعَزِيزِ بخطة ... وفيها مقال لامرئ متذلل أعامر إن الْقَوْمَ سَامُوكَ خُطَّةً ... وَذَلِكَ فِي الْجِيرَانِ غَزْلٌ بِمَغْزَلِ أَرَاكَ إِذًا مَا كُنْتَ لِلْقَوْمِ نَاصِحًا ... يُقَالُ لَهُ بِالدِّلْوِ أَدْبِرْ وَأَقْبِلِ قَالَ: فَلَمَّا بلغته الرسل الرسالة تعرضنا، فقال لي أَخِي: اكْفِنِيهَا، فَسَمِّعْنِي، فَقَالَ: أَيِ ابْنَيْ مَرْوَانَ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتُمَا، وَعَلِمْتُ مَا سَتُقُولانِهِ، فَأَخْبِرَا أَبَاكُمَا: إِنِّي لِمِنْ نَبَعَةٍ صُمٍّ مَكَاسِرُهَا ... إِذَا تَنَاوَحَتِ الْقَصْبَاءُ وَالْعُشَرَ فَلا أَلْيَنَ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ ... حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرَ قَالَ: فَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ أَعْجَبُ! زَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، قَالَ: فَذَاكَرْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُصْعَبَ بْنَ عَبْدِ الله بْن مصعب بْن ثابت بْن عبد اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ نَحْوَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَهُ، وَلَمْ أَحْفَظْ إِسْنَادَهُ. قَالَ هِشَامٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ لَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدِ اشْرَأَبُّوا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَدُّوا إِلَيْهِ أَعْنَاقَهُمْ، ظَنَّ أَنَّ تِلَكَ الأُمُورَ تَامَّةٌ لَهُ، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بن العاص-

стр. 2937

وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ بِمِصْرَ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ كُتُبَ دَانْيَالَ هُنَالِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إِذْ ذَاكَ تَعُدُّهُ عَالِمًا- فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، أَتَرَى مَا يَطْلُبُ تَامًّا لَهُ؟ وَأَخْبِرْنِي عَنْ صَاحِبِي إِلَى مَا تَرَى أَمْرَهُ صَائِرًا إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: لا أَرَى صَاحِبُكَ إِلا أَحَدَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَتِمُّ لَهُمْ أُمُورُهُمْ حَتَّى يَمُوتُوا وَهُمْ مُلُوكٌ فَلَمْ يَزْدَدْ عِنْدَ ذَاكَ إِلا شِدَّةً عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ الرِّفْقِ بِهِمْ، وَالْمُدَارَاةِ لَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَنَاسًا مَعَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ قَالُوا ليزيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: لَوْ شَاءَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ لأَخَذَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَبَعَثَ بِهِ إِلَيْكَ، فَسَرَّحَ الوليد بن عتبة على الحجاز أميرا، وعزل عَمْرًا. وَكَانَ عَزَلَ يَزِيدُ عَمْرًا عَنِ الْحِجَازِ وَتَأْمِيرِهِ عَلَيْهَا الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، قَالَ أَبُو جَعْفَر: حدثت عن مُحَمَّد بن عُمَرَ قَالَ: نزع يَزِيد عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ لهلال ذي الحجة سنة إحدى وستين وولى الْوَلِيد بن عتبة، فأقام الحجة سنة إحدى وستين بِالنَّاسِ، وأعاد ابن رَبِيعَة العامري عَلَى قضائه. وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بن ثَابِت، قَالَ: حدثت عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قَالَ: حج بِالنَّاسِ فِي سنة إحدى وستين الْوَلِيد بن عتبة، وهذا مما لا اختلاف فِيهِ بين أهل السير. وَكَانَ الوالي فِي هَذِهِ السنة عَلَى الْكُوفَة والبصرة عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وعلى قضاء الْكُوفَة شريح، وعلى قضاء الْبَصْرَة هِشَام بن هبيرة، وعلى خُرَاسَان سلم بن زياد.

стр. 2938

ثُمَّ دخلت سنة اثنتين وستين (ذكر الخبر عما كَانَ فِي هَذِهِ السنة من الأحداث) فمن ذَلِكَ مقدم وفد أهل الْمَدِينَة عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة. ذكر الخبر عن سبب مقدمهم عَلَيْهِ: وَكَانَ السبب فِي ذَلِكَ- فِيمَا ذكر لوط بن يَحْيَى، عن عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل ابن مساحق، عن عَبْد اللَّهِ بن عروة- أن يزيد بن معاويه لما سرح الوليد ابن عتبة عَلَى الحجاز أميرا، وعزل عَمْرو بن سَعِيد، قدم الْوَلِيد الْمَدِينَة فأخذ غلمانا كثيرا لعمرو وموالي لَهُ، فحبسهم، فكلمه فِيهِمْ عَمْرو، فأبى أن يخليهم، وَقَالَ لَهُ: لا تجزع يَا عَمْرو، فَقَالَ أخوه أبان بن سَعِيد بن الْعَاصِ: أعمرو يجزع! وَاللَّهِ لو قبضتم عَلَى الجمر وقبض عَلَيْهِ مَا تركه حَتَّى تتركوه، وخرج عَمْرو سائرا حَتَّى نزل مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ليلتين، وكتب إِلَى غلمانه ومواليه وهم نحو من ثلاثمائة رجل: أني باعث إِلَى كل رجل مِنْكُمْ جملا وحقيبه وأداته، وتناخ لكم الإبل فِي السوق، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا باب السجن، ثُمَّ ليقم كل رجل مِنْكُمْ إِلَى جمله فليركبه، ثُمَّ أقبلوا علي حَتَّى تأتوني، فَجَاءَ رسوله حَتَّى اشترى الإبل، ثُمَّ جهزها بِمَا ينبغي لها، ثُمَّ أناخها فِي السوق، ثُمَّ أتاهم حَتَّى أعلمهم ذَلِكَ، فكسروا باب السجن، ثُمَّ خرجوا إِلَى الإبل فاستووا عَلَيْهَا، ثُمَّ أقبلوا حَتَّى انتهوا إِلَى عَمْرو بن سَعِيد فوجدوه حين قدم عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة فلما دخل عَلَيْهِ رحب بِهِ وأدنى مجلسه. ثُمَّ إنه عاتبه فِي تقصيره فِي أشياء كَانَ يأمره بِهَا فِي ابن الزُّبَيْر، فلا ينفذ منها إلا مَا أراد، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل مكة وأهل الْمَدِينَة قَدْ كَانُوا مالوا إِلَيْهِ وهووه وأعطوه الرضا، ودعا بعضهم بعضا سرا وعلانية، ولم يكن معي جند أقوى بهم عَلَيْهِ لو ناهضته، وَقَدْ كَانَ يحذرني ويتحرز مني، وكنت أرفق بِهِ وأداريه

стр. 2939

لأستمكر مِنْهُ فأثب عَلَيْهِ، مع أني قَدْ ضيقت عَلَيْهِ، ومنعته من أشياء كثيرة لو تركته وإياها مَا كَانَتْ لَهُ إلا معونة، وجعلت عَلَى مكة وطرقها وشعابها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حَتَّى يكتبوا إلي باسمه واسم أَبِيهِ، ومن أي بلاد اللَّه هُوَ، وما جَاءَ بِهِ وما يريد، فإن كَانَ من أَصْحَابه أو ممن أَرَى أنه يريده رددته صاغرا، وإن كَانَ ممن لا أتهم، خليت سبيله وَقَدْ بعثت الْوَلِيد، وسيأتيك من عمله وأثره مَا لعلك تعرف بِهِ فضل مبالغتي فِي أمرك، ومناصحتي لك إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهِ يصنع لك، ويكبت عدوك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُ يَزِيد: أنت أصدق ممن رقى هَذِهِ الأشياء عنك، وحملني بِهَا عَلَيْك، وأنت ممن أثق بِهِ، وأرجو معونته، وأدخره لرأب الصدع، وكفاية المهم، وكشف نوازل الأمور العظام، فَقَالَ لَهُ عَمْرو: وما أَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أن أحدا أولى بالقيام بتشديد سلطانك، وتوهين عدوك، والشدة عَلَى من نابذك مني وأقام الْوَلِيد بن عتبة يريد ابن الزُّبَيْر فلا يجده إلا متحذرا متمنعا، وثار نجدة بن عَامِر الحنفي باليمامة حين قتل الْحُسَيْن ٤، وثار ابن الزُّبَيْر، فكان الْوَلِيد يفيض من المعرف، وتفيض مَعَهُ عامة الناس، وابن الزُّبَيْر واقف وأَصْحَابه، ونجدة واقف فِي أَصْحَابه، ثُمَّ يفيض ابن الزُّبَيْر بأَصْحَابه ونجدة بأَصْحَابه، لا يفيض واحد مِنْهُمْ بإفاضة صاحبه. وَكَانَ نجدة يلقى ابن الزُّبَيْر فيكثر حَتَّى ظن الناس أنه سيبايعه ثُمَّ إن ابن الزُّبَيْر عمل بالمكر فِي أمر الْوَلِيد بن عتبة، فكتب إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة: إنك بعثت إلينا رجلا أخرق، لا يتجه لأمر رشد، وَلا يرعوي لعظة الحكيم، ولو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق، لين الكتف، رجوت أن يسهل من الأمور مَا استوعر منها، وأن يجتمع مَا تفرق، فانظر فِي ذَلِكَ، فإن فِيهِ صلاح خواصنا وعوامنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والسلام. فبعث يَزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى الْوَلِيدِ فعزله وبعث عُثْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ- فِيمَا ذكر أَبُو مخنف، عَنْ عبد الملك ابن نوفل بن مساحق، عن حميد ابن حمزة، مولى لبني أُمَيَّة- قَالَ: فقدم فتى غر حدث غمر لم يجرب

стр. 2940

الأمور، ولم يحنكه السن، ولم تضرسه التجارب، وَكَانَ لا يكاد ينظر فِي شَيْءٍ من سلطانه وَلا عمله، وبعث إِلَى يَزِيد وفدا من أهل الْمَدِينَة فِيهِمْ عَبْد اللَّهِ بن حنظلة الغسيل الأَنْصَارِيّ وعبد اللَّه بن أبي عَمْرو بن حفص بن الْمُغِيرَة المخزومي، والمنذر بن الزُّبَيْرِ، ورجالا كثيرا من أشراف أهل الْمَدِينَة، فقدموا عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فأكرمهم، وأحسن إِلَيْهِم، وأعظم جوائزهم ثُمَّ انصرفوا من عنده، وقدموا المدينة كلهم الا المنذر ابن الزُّبَيْرِ فإنه قدم عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد بِالْبَصْرَةِ- وَكَانَ يَزِيد قَدْ أجازه بمائة ألف درهم- فلما قدم أُولَئِكَ النفر الوفد الْمَدِينَة قاموا فِيهِمْ فأظهروا شتم يَزِيد وعتبة، وَقَالُوا: إنا قدمنا من عِنْدَ رجل ليس لَهُ دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قَدْ خلعناه، فتابعهم الناس. قَالَ لوط بن يَحْيَى: فَحَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل بن مساحق، أن الناس أتوا عَبْد اللَّهِ بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عَلَيْهِم. قَالَ لوط: وَحَدَّثَنِي أَيْضًا مُحَمَّد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف: ورجع المنذر من عِنْدَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فقدم عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد الْبَصْرَة، فأكرمه وأحسن ضيافته، وَكَانَ لزياد صديقا، إذ سقط إِلَيْهِ كتاب من يَزِيد بن مُعَاوِيَة حَيْثُ بلغه أمر أَصْحَابه بِالْمَدِينَةِ أن أوثق المنذر بن الزُّبَيْرِ واحبسه عندك حَتَّى يأتيك فِيهِ امرى، فكره ذلك عبيد الله ابن زياد لأنه ضيفه، فدعاه فأخبره بالكتاب وأقرأه إِيَّاهُ، وَقَالَ لَهُ: إنك كنت لزياد ودا وَقَدْ أصبحت لي ضيفا، وَقَدْ آتيت إليك معروفا، فأنا أحب أن أسدي ذَلِكَ كله بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندي فقم فقل: ائذن لي فلأنصرف إِلَى بلادي، فإذا قلت: لا بل أقم عندي فإن لك الكرامة والمواساة والأثرة، فقل: لي ضيعة وشغل، لا أجد من الانصراف بدا فأذن لي، فإني آذن لك عِنْدَ ذَلِكَ، فالحق بأهلك. فلما اجتمع الناس عِنْدَ عُبَيْد اللَّهِ قام إِلَيْهِ فاستأذنه فَقَالَ: لا بل أقم عندي فإني مكرمك ومواسيك ومؤثرك، فَقَالَ لَهُ: إن لي ضيعه وشغلا،

стр. 2941

وَلا أجد من الانصراف بدا فأذن لي، فأذن لَهُ فانطلق حَتَّى لحق بالحجاز، فأتى أهل الْمَدِينَة، فكان فيمن يحرض الناس عَلَى يَزِيد، وَكَانَ من قوله يَوْمَئِذٍ: إن يَزِيد وَاللَّهِ لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني مَا صنع إلي أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، وَاللَّهِ إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حَتَّى يدع الصَّلاة، وعابه بمثل مَا عابه بِهِ أَصْحَابه الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وأشد، فكان سَعِيد بن عَمْرو يحدث بالكوفة أن يَزِيد بن مُعَاوِيَة بلغه قوله فِيهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إني آثرته وأكرمته، ففعل مَا قَدْ رأيت، فاذكره بالكذب والقطيعة. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي سَعِيد بن زَيْد أَبُو المثلم أن يَزِيد بن مُعَاوِيَة بعث النُّعْمَان بن بشير الأنصاري فقال له: ائت الناس وقومك فافثأهم عما يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا فِي هَذَا الأمر لم يجترئ الناس عَلَى خلافي، وبها من عشيرتي من لا أحب أن ينهض فِي هَذِهِ الْفِتْنَة فيهلك فأقبل النُّعْمَان بن بشير فأتى قومه، ودعا الناس إِلَيْهِ عامة، وأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوفهم الْفِتْنَة، وَقَالَ لَهُمْ: إنه لا طاقة لكم بأهل الشام، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن مطيع العدوي: مَا يحملك يَا نعمان عَلَى تفريق جماعتنا، وفساد مَا أصلح اللَّه من أمرنا! فَقَالَ النُّعْمَان: أما وَاللَّهِ لكأني بك لو قَدْ نزلت تِلَكَ الَّتِي تدعو إِلَيْهَا، وقامت الرجال عَلَى الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين قَدْ هربت عَلَى بغلتك تضرب جنبيها إِلَى مكة، وَقَدْ خلفت هَؤُلاءِ المساكين- يعني الأنصار- يقتلون فِي سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم! فعصاه الناس، فانصرف وَكَانَ وَاللَّهِ كما قَالَ. وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة الْوَلِيد بن عتبة وكانت العمال فِي هَذِهِ السنة عَلَى العراق وخراسان العمال الَّذِينَ ذكرت فِي سنة إحدى وستين. وفي هَذِهِ السنة ولد- فِيمَا ذكر- مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس

стр. 2942

ثُمَّ دخلت سنة ثلاث وستين (ذكر الخبر عن الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فمن ذَلِكَ مَا كَانَ من إخراج أهل الْمَدِينَة عامل يَزِيد بن مُعَاوِيَة عُثْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وإظهارهم خلع يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وحصارهم من كَانَ بِهَا من بني أُمَيَّة، ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كرة، أن أهل الْمَدِينَة لما بايعوا عَبْد اللَّهِ بن حنظلة الغسيل عَلَى خلع يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وثبوا على عثمان ابن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ومن بِالْمَدِينَةِ من بنى اميه ومواليهم ومن رَأَى رأيهم من قريش، فكانوا نحوا من الف رجل، فخرجوا بجماعتهم حَتَّى نزلوا دار مَرْوَان بن الحكم، فحاصرهم الناس فِيهَا حصارا ضعيفا قَالَ: فدعت بنو أُمَيَّة حبيب بن كرة، وَكَانَ الَّذِي بعث إِلَيْهِ مِنْهُمْ مَرْوَان بن الحكم وعمرو ابن عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، وَكَانَ مَرْوَان هُوَ يدبر أمرهم فأما عُثْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فإنما كَانَ غلاما حدثا لَمْ يَكُنْ لَهُ رأي قَالَ عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل: فَحَدَّثَنِي حبيب بن كرة، قَالَ: كنت مع مَرْوَان، فكتب معي هُوَ وجماعة من بني أُمَيَّة كتابا إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فأخذ الكتاب عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان حَتَّى خرج معي إِلَى ثنية الوداع، فدفع إلي الكتاب وَقَالَ: قَدْ أجلتك اثنتي عشرة ليلة ذاهبا واثنتي عشرة ليلة مقبلا، فوافني لأربع وعشرين ليلة فِي هَذَا المكان تجدني إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الساعة جالسا أنتظرك وَكَانَ الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه قَدْ حصرنا فِي دار مَرْوَان بن الحكم، ومنعنا العذب، ورمينا بالجبوب، فيا غوثاه يَا غوثاه! قَالَ: فأخذت الكتاب ومضيت بِهِ حَتَّى قدمت عَلَى يَزِيد وَهُوَ جالس عَلَى كرسي، واضع قدميه فِي ماء طست من وجع كَانَ يجده فيهما- ويقال: كَانَ بِهِ النقرس- فقرأه ثُمَّ قَالَ فِيمَا بلغنا متمثلا:

стр. 2943

لقد بدلوا الحلم الَّذِي من سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان ثُمَّ قَالَ: أما يكون بنو أُمَيَّة ومواليهم ألف رجل بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: قلت: بلى، وَاللَّهِ وأكثر، قَالَ: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار! قَالَ: فقلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أجمع الناس كلهم عَلَيْهِم، فلم يكن لَهُمْ بجمع الناس طاقة، قَالَ: فبعث إِلَى عَمْرو بن سَعِيد فأقرأه الكتاب، وأخبره الخبر، وأمره أن يسير إِلَيْهِم فِي الناس، فَقَالَ لَهُ: قَدْ كنت ضبطت لك البلاد، وأحكمت لك الأمور، فأما الآن إذ صارت إنما هي دماء قريش تهراق بالصعيد، فلا أحب أن أكون أنا أتولى ذَلِكَ، يتولاها مِنْهُمْ من هُوَ أبعد مِنْهُمْ مني قَالَ: فبعثني بِذَلِكَ الكتاب إِلَى مسلم بن عُقْبَةَ المري- وَهُوَ شيخ كبير ضعيف مريض- فدفعت إِلَيْهِ الكتاب، فقرأه، وسألني عن الخبر فأخبرته، فَقَالَ لي مثل مقالة يَزِيد: أما يكون بنو أُمَيَّة ومواليهم وأنصارهم بِالْمَدِينَةِ ألف رجل! قَالَ: قلت: بلى يكونون، قَالَ: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار! ليس هَؤُلاءِ بأهل أن ينصروا حَتَّى يجهدوا أنفسهم فِي جهاد عدوهم، وعز سلطانهم، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى دخل عَلَى يَزِيد فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تنصر هَؤُلاءِ فإنهم الأذلاء، أما استطاعوا أن يقاتلوا يَوْمًا واحدا أو شطره أو ساعة مِنْهُ! دعهم يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يجهدوا أنفسهم فِي جهاد عدوهم، وعز سلطانهم، ويستبين لك من يقاتل مِنْهُمْ عَلَى طاعتك، ويصبر عَلَيْهَا أو يستسلم، قَالَ: ويحك! إنه لا خير فِي العيش بعدهم، فاخرج فأنبئني نبأك، وسر بِالنَّاسِ، فخرج مناديه فنادى: أن سيروا إِلَى الحجاز عَلَى أخذ أعطياتكم كملا ومعونة مائة دينار توضع فِي يد الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل حَدَّثَنَا ابن حميد قَالَ: حَدَّثَنَا جرير، عن مغيرة، قَالَ: كتب يَزِيد إِلَى ابن مرجانة: أن اغز ابن الزُّبَيْر، فَقَالَ: لا أجمعهما للفاسق أبدا،

стр. 2944

اقتل ابن بنت رسول الله ص، وأغزو البيت! قَالَ: وكانت مرجانة امرأة صدق، فقالت لعبيد الله حين قتل الحسين ع: ويلك! ماذا صنعت! وماذا ركبت! رجع الحديث إِلَى حديث حبيب بن كرة قَالَ: فأقبلت حَتَّى أوافي عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان فِي ذَلِكَ المكان فِي تِلَكَ الساعة أو بعيدها شَيْئًا. قَالَ: فوجدته جالسا متقنعا تحت شجرة، فأخبرته بِالَّذِي كَانَ، فسر بِهِ، فانطلقنا حَتَّى دخلنا دار مَرْوَان عَلَى جماعة بني أُمَيَّة، فنبأتهم بِالَّذِي قدمت بِهِ، فحمدوا اللَّه . قَالَ عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل: حَدَّثَنِي حبيب، أنه بلغه فِي عشرة قَالَ: فلم أبرح حَتَّى رأيت يَزِيد بن مُعَاوِيَة خرج إِلَى الخيل يتصفحها وينظر إِلَيْهَا، قَالَ: فسمعته وَهُوَ يقول وَهُوَ متقلد سيفا، متنكب قوسا عربية: أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى ... وهبط القوم عَلَى وادي القرى عشرون ألفا بين كهل وفتى ... أجمع سكران من القوم ترى! أم جمع يقظان نفي عنه الكرى! ... يَا عجبا من ملحد يَا عجبا! مخادع فِي الدين يقفو بالعرى قَالَ عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل: وفصل ذَلِكَ الجيش من عِنْدَ يَزِيد وعليهم مسلم بن عُقْبَةَ، وَقَالَ لَهُ: إن حدث بك حدث فاستخلف عَلَى الجيش حصين بن نمير السكوني، وَقَالَ لَهُ: ادع القوم ثلاثا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا اظهرت عليهم فأبحها ثلاثا، فما فِيهَا من مال أو رقة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وأنظر عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فاكفف عنه،، واستوص بِهِ خيرا،

стр. 2945

وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل فِي شَيْءٍ مما دخلوا فِيهِ، وَقَدْ أتاني كتابه وعلي لا يعلم بشيء مما أوصى بِهِ يَزِيد بن مُعَاوِيَة مسلم بن عُقْبَةَ، وَقَدْ كَانَ عَلِيّ بن الْحُسَيْن لما خرج بنو أُمَيَّة نحو الشام أوى إِلَيْهِ ثقل مَرْوَان بن الحكم، وامرأته عَائِشَة بنت عُثْمَان بن عَفَّانَ، وَهِيَ أم أبان بن مَرْوَان. وَقَدْ حدثت عن محمد بن سعد، عن محمد بن عُمَرَ، قَالَ: لما أخرج أهل الْمَدِينَة عُثْمَان بن مُحَمَّد مِنَ الْمَدِينَةِ، كلم مَرْوَان بن الحكم ابن عُمَرَ أن يغيب أهله عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلم عَلِيّ بن الْحُسَيْن، وَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَن، إن لي رحما، وحرمي تكون مع حرمك، فَقَالَ: افعل، فبعث بحرمه إِلَى عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فخرج بحرمه وحرم مَرْوَان حَتَّى وضعهم بينبع، وَكَانَ مَرْوَان شاكرا لعلي بن الْحُسَيْن، مع صداقة كَانَتْ بينهما قديمة. رجع الحديث إِلَى حديث أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل، قال: وأقبل مسلم بن عُقْبَةَ بالجيش حَتَّى إذا بلغ أهل الْمَدِينَة إقباله وثبوا عَلَى من معهم من بني أُمَيَّة، فحصروهم فِي دار مَرْوَان، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نكف عنكم حَتَّى نستنزلكم ونضرب أعناقكم، أو تعطونا عهد اللَّه وميثاقه لا تبغونا غائلة، وَلا تدلوا لنا عَلَى عورة، وَلا تظاهروا علينا عدوا، فنكف عنكم ونخرجكم عنا، فأعطوهم عهد اللَّه وميثاقه لا نبغيكم غائلة، وَلا ندل لكم عَلَى عورة، فأخرجوهم مِنَ الْمَدِينَةِ، فخرجت بنو أُمَيَّة بأثقالهم حَتَّى لقوا مسلم بن عُقْبَةَ بوادي القرى، وخرجت عَائِشَة بنت عُثْمَان بن عَفَّانَ إِلَى الطائف، فتمر بعلي بن حُسَيْن وَهُوَ بمال لَهُ إِلَى جنب الْمَدِينَة قَدِ اعتزلها كراهية أن يشهد شَيْئًا من أمرهم، فَقَالَ لها: احملي ابني عَبْد اللَّهِ معك إِلَى الطائف، فحملته إِلَى الطائف حَتَّى نقضت أمور أهل الْمَدِينَة. ولما قدمت بنو أُمَيَّة عَلَى مسلم بن عُقْبَةَ بوادي القرى دعا بعمرو بن
следующие страницы →